İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
66 « 52 » ظهر له منها لا يسكن إليه ولا يعوّل عليه ؛ فإن ذلك من المعايب القادحة في عبوديته » ولهذا قالرا : ,ك5 طابا اتستقامة : ولا تكن طالبا للكر امة ؛ فإ نفيك تحر ك وتطلب الكرامة ومولاك يطالبك بالاستقامة » ولأن تكون بحقّ مولاك أولى بك من أن تكون بحظّ نفسك » . ومن الحكايات في هذا المعنى الذي ذكرناه ما روى في الإسرائيليات عن « وهب بن منبّه » « 1 » رضي الله تعالى عنه : « أن رجلا من بني إسرائيل صام سبعين سنة يفطر في كل سنة ستة أيام » فسأل الله تبارك وتعالى أن يريه كيف تقوى الشياطين على الناس » فلما طال ذلك عليه ولم قال : لو اطّلعت على خطيئتي وذنبي بيني وبين ربّي لكان خيرا لي من هذا الأمر الذي طلبته فأرسل الله ملكا فقال له : إن الله تعالى أرسلني إليك وهو يقول لك إن كلامك هذا الذي تكلّمت به أحبّ إليّ مما مضى من عبادتك » وقد فتح الله بصرك فانظر » فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض ٠ وإذا ليس أحد من الناس إلا والشياطين حوله كالذباب » فقال : أي ربي من ينجو من هذا ؟ قال : الورع الليّن » . وسيأتي بيان أن الكرامات غير مطلوبة التحصيل ولا مغتبط بوجودها لدى كل عالم نبيل ؛ عند قوله : ( ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه ) . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الحق ليس بمحجوب , وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه » إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر . وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده ) . لحك ل 0 فيه » والحجاب على العبد واجب من حيث ذاته ؛ إذ هو عدم كما تقدّم » ولا نسبة بين العدم والوجود » فإن أراد الله تعالى رفع هذا الحجاب عمّن شاء كيف شاء متى شاء رأى من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » وهذا مما يجب اعتقاد . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا » ومن حضرته قريبا ) . (1 ) وهب بن منبّه الأنباري الصنعاني الذماري ( 34 - 144 ٠ - 654 - 732 م ) أبو عبد لله مؤرخ » كثير الإخبار عن الكتب القديمة » عالم بأساطين الأولين ولا سيما الإسرائيليات يعد في التابعين . أصله من أبناء الفرس الذي بعث بهم كسرى إلى اليمن . ولد ومات في صنعاء وولاه عمر بن ا لوا ا عر ا صر ست ل ل ارت لي كير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم » وله « قصص الأنبياء » وغير ذلك . 67 68 » 53 « أوضاف البشرية المتعلقة بأمر الدين نوعان : أحدهما : ما يتعلّق بظاهر العبد وجوارحه وهي الأعمال . والثاني : ما يتعلّق بباطنه وقلبه » وهي العقود . فأمًا ما يتعّق بظاهره وجوارحه فينقسم قسمين : أحدهما : ما وافق الأمر » ويسمى « طاعة » . والثاني : ما خالفه » ويسمى « معصية » . وأخايها يسنان كته وق يشم يضما إن فيسين:: أحدهما : ما وافق الحقيقة » ويسمى « إيمانا » وعلما . والثاني : ما خالفها » ويسمى « نفاقا » وجهلادا . والنظر فيما يتعلّق بظاهر العبد يسمى في الاصطلاح « تفقّها » » والنظر فيما يتعلّق بباطنه . يسمى في الاصطلاح « تصوفا » . فهذان الأمران هما كلّية العبد » وظاهره تابع لباطنه بالضرورة ء لأن القلب هو الملك » والجوارح جنوده ورعيته » ومن شأن الرعية طاعة الملك فيما يأمر به وينهى عنه .
وقد نبّه على هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : « إِنْ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه » وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » «1». وصلاح القلب إنما يكون بطهارته عن الصفات المذمومة كلها دقيقها وجليلها » وهذه هي الصفات المتافحية للحيونية من أوضاف البشرية القن أشار إليها المؤلف»» رحعه اند تعالى "4 و هى القن تسم صاحبها بسمة النفاق والفسوق »0 ا وهي كثيرة » مثل : الكبرء والعجب » والرياء » والسمعة » والحقد » والحسد » وحب المال والجاه » ويتفرع عن هذه الأصول فروع خبيثة من العداوة والبغضاء » والتذلل للأغنياء » واستحقار الفقراء » وترك الثقة بمجيء الرزق » وخوف سقوط المنزلة من قلوب الخلق » والشح والبخل » وطول الأمل » والأشر والبطر « 2 » ٠» والغلٌ والغثنٌ » والمباهاة والتصنع » والمداهنة والقسوة » والفظاظة والغلظة والغفلة والجفاء والطيش والعجلة » والحدّة والحمية » وضيق الصدر » وقلّة الرحمة » وقلّة الحياء وترك القناعة » وحبٌ الرياسة وطلب العلوٌ والانتصار (1 ) أخرجه البخاري ( إيمان » 39 ) » ومسلم ( مساقاة » 107 ) » وابن ماجة ( فتن » 14 ) » والدارمي ( بيوع 1١ ) . ْ (2 ) الأشر : البطر ء البطر : النشاط أو قلة احتمال النعمة والطغيان بها وشدة المرح . 69 » 54 « للنفس إذا نالها الذلّ وذهاب ملك النفس إذا رذ عليه قوله . . . إلى غير ذلك من النعوت الذميمة والأخلاق اللئيمة » وأصل فروعها وعنصر ينابيعها » إنما هو رؤية النفس والرضا عنها وتعظيم قدرها وترفيع أمرها » فبهذه الأمور كفر من كفر ونافق من نافق » وعصى من عصى » وبها خلع من عنقه ربقة « 1 » العبودية لربّه عز وجل من خلع حسبما يقوله المؤلف رحمه الله باثر هذا ور وشان الصوفي إننا هو النظر فيما يطهرها ويزكيها من أنواع الرياضبات و التجاهذات » وقد بيّنوا طرق ذلك في كتبهم » قال الشيخ أبو طالب » رضي الله عنه : « فلا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية » وأخلاق الشياطين بأوصاف المؤمنين » وطبائع البهائم بأوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم » فعندها يكون بدلا مقرّبا » . قال : « والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه » فبملكها تسخّر له ويسلّط عليها ؛ إن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها » وضيّق عليها ولا توسّع لها » فإن ملّكتها ملكتك » وإن لم تضيّق عليها اتسعت عليك ٠ وإذا أردت الظفر بها فلا تعرّضها لهواها » واحبسها عن معتاد ملائمها » فإن لم تمسكها انطلقت بك » وإن أردت أن تقوى عليها فاضعفها بقطع أسبابها وحبس موادّها وإِلّا قويت عليك فصرعتك » انتهى . فإذا قام بذلك المريد على الوجه الذي رسموه له » والتزم الوظائف التي أمروه بها طهر قلبه وتزكّت نفسه » واتصفت بمحاسن الصفات التي تزيّنه بين العباد » وينال بها من قرب ربّه غاية المراد » فيظهر حينئذ عليه آثار حميدة من التواضع لله والخشوع بين يديه » والتعظيم لأمره , والحفظ لحدوده » والهيبة له » والخوف منه » والتذلل لربوبيته » والإخلاص في عبوديته ٠ والرضا بقضائه » ورؤية المنّة له عليه في منعه وإعطائه » ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة و الرحمة و اللين و الرفق وسبعة الخد » والكلم » والاحتمال + والحيانة »و التراهة > وانامانة : والققةة والعطفه 6« الكلنى . و الوقال »© و السشا + والحرد »و الحياء :2 البشاشة » و النضيحة + وسلامة الصدر » إلى غير ذلك من أخلاق الإيمان التي ينال بها العبد غاية السعادة والحسنى والزيادة .
ْ قلت : وهذان المعنيان هما اللذان يعبّر عنهما أئمة الصوفية » رضي الله عنهم » بالتخلّي والتحلّي ٠ أي : التخلّي عن الصفات المذمومة » والتحلي بالصفات المحمودة » ويعبّرون عنهما أيضا ب « التزكية والتحلية » وهما حقيقة السلوك الذي يعبّرون عنه أيضا ء وستأتي الإشارة إلى كيفية ذلك عند قوله ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . فإذا صحّ للمريد هذا السفر وانقلب منه إلى أفضل مستقر تحققت عبوديته لربّه (1 ) الرّبقة : العروة . يقال : حل ربقته أي فرّجٍ كربته . 00 » 55 « عز وجل فلم يملكه غيره » ولم يسترقه سواه » وارتقى في القرب من ربه إلى أشرف محل فيكون هناك منزله ومثواه » فيكون حينئذ كما قال المؤلف . رحمه الله تعالى » لنداء الحق مجيبا » لأنه إذا ذاك يناديه باسم العبد » فيقول له : يا عبدي » فيجيب حينئذ مولاه باسم الربٌ ٠ فيقول له : لبيك يا رب فيكون صادقا في إجابته متحققا في نسبته » ويكون أيضا من حضرته قريبا لوجود بعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها » فإذا أقامه الحق تعالى مقام العبودية وحاز مرتبة القرب من حضرة الربوبية كان محفوظا من اقتحام الأوزار » ميسرا عليه أعمال الأخيار » متحليا في الظاهر والباطن بأشرف الحلى محتظيا بفضيلة التشبه بالملا الأعلى . قال الله ع وجل : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبِادَتَهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ » يُسَبّحُونَ اللَيْلَ وَالَهِارَ لا يَفْدْرُونَ [ الأنبياء 7 20]؛ وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الّذِينَ عِنْدَ رَبْكَ لا يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبِادَتِهِ وَيُسَبْحُونَهُ وَلَهُ يَسْجدُونَ [ الأعراف : 206 ] » ”0 َ وقال عز من قائل : لا يَعصونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفعَلونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 9 ] . فمرتبة العبودية أنالتهم هذه الخصوصية » وكذلك من تشبّه بهم في محاسن صفاتهم من الصفوة الصوفية . إِلَا أنّ هؤلاء محفوظون ؛ لا معصومون ؛ على ما اصطلحوا عليه من الفرق بين الحفظ والعصمة ٠ والفرق بينهما هو ما قاله الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : أن المعصوم ل يلم بذنب البتة » والمحفوظ قد تحصل منه همات » وقد يكون له في الندرة زلات » ولكن لا يكون له إصرار » أولتك الذين يتوبون إلى الله من قريب . وقد وصف الله تعالى عباده ذوي التخصيص أولي التطهير والتمحيص في آيات كريمة بصفات جليلة عظيمة » وأعدّ لهم على ذلك خيرات جسيمة » فقال تعالى : وَعِبِادُ الرّحْمن الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضٍ هَوناً وَإِذا خاطَّبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً . . . إلى قوله : خَالِدِينَ فيها حَسُنَتْ مُسْتَفَرًا وَمُقاماً [ الفرقان : 76 ] . وعليكك النظر فيما قاله فيها أهل التفسين ». وما استنيطه متها ارياب الأقنار اتاو التذكير: » ولمًا من عدا هؤلاء فهم عبيد نفوسهم الشهوانية » ومسترقو حظوظهم الدنيوية . قال الله تعالى : أ فَرَأَيْتَ مَنِ انّخَدَ إِلهَهُ واه [ الجاثية : 23 ] » وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه : « تعس عبد الدينار . . . تعس عبد الدرهم . لحك ع وحرد ع ف ون عي افد المتتير بقوله عرّ وجل : إنْ كُلُ مَنْ فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ إِلَّا آتِي الرَّحْمنٍ عَبْداً لََذ أَخصاهُم وَعَذَّهُمْ عَذَا وَكُلْهُمْ آنيه يَوْمَ الْقِيامَةِ ردأ [ مريم : 94 ]. (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ء 70 ) » ( رقاق » 10 ) » وابن ماجة ( زهد » 8 ) .
/1 » 56 « واعلم أنه لا يتهيّأ هذا السلوك إلى حضرة ملك الملوك إلا لمن وفقه الله تعالى لمعرفة نفسه » وما ركبت عليه من مذام الصفات » ومن عرف ذلك من نفسه لا يزال متهما لها مسيئا ظنه بها » آخذا حذره منها » وإِلّا وقع في المعاصي والذنوب من حيث لا يشعر » وقد نبّه المؤلف » رحمه الله تعالى » على هذا بقوله ٠ 3 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس , وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ). الرضا عن النفس أصل جميع الصفات المذمومة » وعدم الرضا عنها أصل الصفات المحمودة . وقد اتفق على هذا جميع العارفين وأرباب القلوب ؛ وذلك لأن الرضا عن النفس يوجب تغطية عيوبها ومساويها » ويصير قبيحها حسنا » كما قيل : وعين الرضا عن كل عيب كليلة وعدم الرضا عن النفس على عكس هذا ؛ لأن العبد إذ ذاك يتّهم نفسه » ويتطلب عيوبها » ولا يغتر بما يظهر من الطاعة والانقياد » كما قيل في الشطر الأخير : كه أن بقن الستفط دق السسناونا ْ شن رصي : نان ننيكة المتكيق كانها وتكن لبها ريمن استكيين يكال فنمة وين بها ادر لت عليه العفرة 6 وب الغفلة يتضيررف قلبه عن التنقد. و المراعاة لخر اطرة؛ فتترو هينتة ذواهئ الشدهوة على العبد » وليس عنده من المراقبة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها » فتصير الشهوة غالبة له بسبب ذلك » ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي لا محالة » وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه » ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها » ومن كان بهذا الوصف كان متيقّظا متنبها للطوارق والعوارض ٠ وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها » وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها عليه غلبة ولا قوة » فيتصف العبد حينئذ بصفة العفّة ؛ فإذا صار عفيفا كان مجتنبا لكل ما نهاه الله عنه » محافظا على جميع ما أمره به » وهذا هو معنى الطاعة لله عر وجل » وأصل هذا كله عدم رضاه عن نفسه . فإذن لا شيء أوجب على العبد من معرفة نفسه » ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها » وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلو مقامه وقد ورد عن الكبار والأئمة الأخيار من الكلمات المتضمنة لعيبهم لنفوسهم » والتهمة منهم لها » وعدم رضاهم عنها أكثر من أن يحصى . 12 » 5/7 « ولذلك قال أبو حفص . رضي الله عنه : « من لم ينّهم نفسه على دوام الأوقات » ولم يخالفها في جميع الأحوال » ولم يجرّها إلى مكروهها في سائر أيامه كان مغرورا » ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها » وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه , والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول : ( وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) » . وقال أيضا أبو حفص » رضي الله عنه رف بل مد ماني فى لفسسي ناه يعر رك نظر السخط وأعمالى تدل ذلك » . وقال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك » وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « ما رضيت عن نفسي طرفة عين » . ويحكى عن سريّ السقطي « 1 » » رضي الله عنه » أنه قال : « إني لأنظر إلى وجهي في اليوم كذا كذا مرة مخافة أن يكون قد اسودٌ لما أخافه من العقوبة » . وقال أيضا : « من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر » ولا أحسبني إلا منهم » . إلى غير هذا من العبارات الصادرة من المشايخ رضي الله عنهم في هذا المعنى .
وقد ألّف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي » رضي الله تعالى عنه جزءا صغير الجرم » عظيم الفوائد في عيوب النفس وكيفية مداواتها » فلينظر فيه المريد . وكذلك ألّف قبله الإمام أبو عبد الله الحارث المحاسبي « 2 » كتابا سماه « النصائح » جمع فيه من معايب النفس وخدعها » وغرورها وشرورها » جملة شافية » ونبّه فيه على سنن دراسة عافية » مما كان عليه سلفنا الصالح » رضوان الله تعالى عليهم » من التفتيش (1 ) السريّ السقطي ( توفي سنة 253 ه - 867 م ) سري بن المفلس السقطي » أبو الحسن من كبار المتصوفة بغدادي المولد والوفاة » وهو أول من تكلم في بغداد بلسان التوحيد وأحوال الصوفية » وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته » وهو خال الجنيد وأستاذه » من كلامه « من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز » . ( الأعلام 3 / 82 » الرسالة القشيرية ص 7» وطبقات الشعراني 1 / 63 » وحلية الأولياء 10 / 116 » ووفيات الأعيان 2 / 357 - 9 ). (2 ) الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله من أكابر الصوفية ( توفي 243 ٠ه - 857 م ) كان عالما بالأصول والمعاملات واعظا مبكيا » ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد من كتبه ( آداب النفوس ) وغيره ء ( الأعلام 2 / 153 » وفيات الأعيان 2 / 57 - 58 ) » تهذيب الكمال 4 / 8 » والرسالة القشيرية ص 429 . /3 » 58 « والتفقّد والنظر فيما يصلح به أعمالهم وأحوالهم وأنفسهم » والمحافظة على تطهير الأسرار والقلوب » والمبالغة في الحذر من محقرات الذنوب . وقد نقل الإمام أبو حامد الغزالي » قدّس الله سره » منه فصلا في كتابه » واعتمد فيه ذكره بلفظه اا ل ا ا « والمحاسبي . رحمه الله تعالى » حبر « 1 » الأمة في علم المعاملة » وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات » . وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه » ثم ذكره » وقد كان أوحد زمانه علما وعبادة » ونخبة أوانه ورعا وزهادة » سيدي الحاج أبو العباس بن عامر » رحمة الله تعالى عليه ورضوانه » يكثر من السمرفس. ! حل شيط الج زلف نكن نمزو العمل مهلا اتحعد ادن دق وك أ © د طقن سوفته ذات يوم يقول : لا يعمل بما فيه إِلّا وليّ » أو كلاما هذا معناه ! فليتخذ المريد مطالعته وردا » وليحرص على العمل بما تضمنه » مستعينا بالله تعالى » وسائلا منه توفيقا ورشدا » لينصح لمولاه في مراعاة إصلاح باطنه » والقيام على قدم التصديق في مواطنه » وليجعل هجيراه « 2 » مطالعة كتب التصوّف وموالاة أهله بالتألف والتعرّف ٠ فبذلك تتقوى أنوار إيمانه ويقينه » وتنتفي عنه الغرّة في عمله بوظائف دينه » ولا يقدّم على ذلك إلا فرض العين وما يستجمّ به نفسه من مكابدة التعب والأين « 3 » » ولا يشغل نفسه بعلم يغبّر على وجه مقصوده » ويوجب له انتكاث « 4 » مواثيقه وعهوده وهو ما أكبّ الناس عليه اليوم » وحادوا به عن سنن القوم حتى تطرق لهم سيف ذلك من رذائل الصيناك: + ويعظاتم الآفاث ما صان يهم الى الهلاك والشفاء. » و أعنيهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم اللقاء » وسجّل عليهم بالكذب في دعواهم أنهم قاصدون بعلمهم رضا مولاهم » فإياك وإياهم . وأنشد لفك أسمحعت إذ انيت حرا ولكن' لا حياة لمن اننادي لذلك قال المؤلف : 4 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ولآن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه » فأي لفك ل ع ليد 0 وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟
(1 ) الحبر : العالم الصالح ( ج ) أحبار . (2 ) هجيراه : أي دابه وعادته وما يولع بذكره . الأين : الكد والتعب . ( 4 ) انتكث العهد : بطل أو أخل به ولم يعمل بموجبه . /4 » 59 « فائدة الصحبة إنما هي الزيادة في الحال وعدم النقصان فيها » حسبما يأتي الكلام عليه عند قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله » ولا يدلك على الله مقاله ) . فصحبة من يرضى عن نفسه » وإن كان عالما » شر محض » ولا فائدة فيها » لأن علمه غير نافع له » وجهله الذي أوجب رضاه عن نفسه صار غاية الضرر » وكأنه إذ فاته هذا العلم الذي يريد عيبه حتى لا يرضى عن نفسه لا علم عنده . وصحبة من لا يرضى عن نفسه » وإن كان جاهلا » خير محض »ء وفيه كل الفائدة » لأن جهله غير ضار » وعلمه الذي أوجب له عدم رضاه عن نفسه نافع غاية النفع » وكأنه إذا حصل له هذا العلم لا جهل عنده . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( شعاع البصيرة يشهدك قربه منك . وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده » وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك ) . شعاع البصيرة نور العقل » وعين البصيرة نور العلم » وحق البصيرة نور الحق . فالطادء نور ريه شهدر ا التسهم و ندا هدوا رسيم قينا نيه ان بلطم و الإحاطة] والعلماء بنور علمهم شهدوا أنفسهم عدما في وجود ربهم » والمتحققون بنور الحق شاهدوا الحق ولم يشاهدوا معه سواه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه ( كان الله ولا شيء معه . وهو الآن على ما عليه كان ). الأزمنة هاهنا أمور وهمية لا وجود لها على التحقيق ٠ والمقصود أن الله لا شيء معه ؛ لثبوت أحديته . فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن فما ثمَ موصول وما ثمّ بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين وسيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى : ( الأكوان ثابتة بإثباته ممحوّة بأحدية ذاته ) . 0 7 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تتعد نية همتك إلى غيره » فالكريم لا تتخطاه الآمال » و لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك؛ فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاء من كان لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يكون لها عن غيره رافعا ). الهمّة العلية تأذف من رفع حوائجها إلى غير كريم » ولا كريم على الحقيقة سوى الله تعالى » قال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « الكريم الذي لا يحوجك إلى مسألة » .
795 /6 » 60 « وقيل : « الكريم الذي لا يخيّب رجاء المؤمّلين » وأجمع العبارات في معنى وصف الكريم ما تبن ١ ند لكريم الذي ذا قد لعفا 111 وعد فى ؛ وذ اعطلى اذ على التي الرحا ا يي كم أعطى » ولا لمن أعطى » وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى » وإذا جفي عاتب وما استقصى » ولا يضيع من لاذبه والتجأ » ويغنيه عن الوسائل والشفعا » فإذا كانت هذه الصفات لا يستحقها أحد سوى الله تعالى فينبغي إذن أن لا تتخطاه آمال المؤمّلين إلى غيره » كما قال يعضهم ١ حرام على من وحّد الله ربّه وأفرده أن يجتدى أحدا رفدا « 1 » ويا صاحبي قف بي مع الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا « 2 » وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك » فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا » من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا ؟ ! ١ إذا أورد الله تعالى عليك حاجة أو أنزل بك نازلة » فاعلم أنه لا رافع لها سواه » إذ يستحيل أن يرفع غيره ما كان هو له واضعا لثبوت توحيده في أن لا فاعل سواه ؛ إذ هو غالب على أمره » لا يغالبه أحد . ويستحيل أيضا أن يرفعها عن نفسه لو نزلت به لثبوت عجزه وضعفه » ومن المحال تعلّقك في حاجتك بمن هو محتاج مثلك . قال بعضهم : « من اعتمد على غير الله فهو في غرور مما لا يدوم » ولا يدوم شيء سواه » وهو الدائم القديم الذي لم يزل ولا يزال » وعطاؤه وفضله دائمان » فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء في كل نفس وحين وأوان وزمان » . قال عطاء الخراساني « 3 » » رضي الله عنه : « لقيت وهب بن منبه في الطريق » فقلت : حدّثني حديثا أحفظه عنك في مقامي وأوجز ء قال : أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود أما وعزتي وجلالي لا يستنصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيّته » فتكيده السماوات السبع ومن فيهن » والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا ء أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا يستعصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيّته إلا قطعت أسباب السماوات السبع من يده وأسخت الأرض من (1 ) اجتدى فلانا : طلب جدواه أي الفناء والنقع والعطاء . والرفد : العطاء والصلة . (2 ) الوجد : الحب الشديد . ( 3 ) عطاء بن مسلم بن ميسرة الخراساني ( 50 - 135 ٠ه - 6/70 - 752 م ) نزيل بيت المقدس . مفسر كان يغزو ويكثر من التهجد في الليل . من تصنيفه « التفسير » و « الناسخ والمنسوخ » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 235 » وشذرات الذهب 1 / 192 ). 77 « 61 » تحته » ولا أبالي في أيّ واد هلك » . قال محمد بن الحسين بن حمدان : « كنت في مجلس يزيد بن هارون » وكان إلى جانبي رجل قلت له : ما اسمك ؟ فقال : سعيد » فقلت : ما كنيتك ؟ قال : أبو عثمان » فسألته عن قصّته وخبره » فقال : نفدت نفقتى ! ! فقلت : ومن تؤمّل لما قد نزل بك ؟ ْ فقال : يزيد » فقلت : إذن لا يسعفك بحاجتك ولا ينجح طلبك ولا يبلغك أملك ! ! فال + وها علمك بهذا حبك ار ؟
١ قلت : إني قرأت في بعض الكتب أن الله عرّ وجل يقول : وعزتي وجلالي وجودي وكرمي وارتفاعي فوق عرشي في علوٌ مكاني لأقطعن أمل كل مؤمّل لغيري بالإياس » ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس » ولانحينه من قربي ولاقطعنه من وصلي » أيؤمّل غيري في النوائب والشدائد بيدي ء وأنا أبخي ويرجّي غيري » وتطرق الفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب » وهي مغلقة » وبابي مفتوح لمن دعاني » فمن ذا الذي أمّلني لنائبة فقطعت به دونها » ومن ذا الذي رجاني لعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني ! ! من ذا الذي قرع فلم أفتحه له » جعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة » فتعلّقت بغيري وجعلت رجاءهم مدخّرا لهم عندي » فلم يرضوا بحفظي ؛ وملأت سماواتي ممن لا يملّون تسبيحي من ملائكتي » وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي فلمن يثقوا بقولي » ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري » فما لي أراه بآماله معرضا عني » وما لي أراه لاهيا بسواي ٠ أعطيته بجودي ما لم يسألني » ثم انتزعته منه فلم يسألني ردّه » وسأل غيري » أفتراني أبدأ بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي ! ! أبخيل أنا فيبخّلني عبدي » أليس الدنيا والآخرة لي ٠ أوليس الرحمة والفضل بيدي » أوليس الجود والكرم لي » أوليس أنا محل الآمال » فمن ذا الذي يقطعها دوني » وما عسى أن يؤمّل المؤمّلون لو قلت لأهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوني ثم أعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع ما نقص ذلك من ملكي عضو ذرّة » كيف ينقص ملك كامل أنا قيمه » فيا بؤس القانطين من رحمتي » ويا بؤس من عصاني ولم يراقبني » وثبت على محارمي ولم يستح مني » . قال : رحمك الله أمل هذا الحديث عليّ » فكتبته ثم قال : واللّه لا أكتب حديثا بعده . قلت : والأصل الذي ينبني عليه هذا المعنى هو تحقّق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى ؛ ولذلك أخذ المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره بأثره فقال : 8 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه فحسن ظنك به لوجود معاملته معك فهل عودك إلا /8 » 62 « حنتن الظن زان :قدالي: اك مقامات اليقيق 6و النايى فية على تسفين #"نقاضة #وعافنة ؛ فالخاضة حننوا الخ يه لما هر :عليه م التعو تك السنية + و الضذاتك العلية ؛ و العامة حسنوا الظن يه لها ار 0 ا الود 1 ادي اليقين » به اطمأنت قلوبهم وسكنت نفوسهم فلم يبق فيهم متسع لوجود تهمة ولا مجال لسوء ظن . وأرباب المقام الثاني لم يرتقوا عن نظرهم إلى الأفعال » وهي متلوّنة عليهم في كل حال » وعند وقوع بعض ما لا يلائمهم منها » فهم ربما تضعف عن تحمل مكارهها قوى قلوبهم » فلا تحصل لهم البراءة من خواطر سوء الظنّ بالله تعالى وتحدّث النفس بما يقتضى وجود هلع وجزع . » فليكن العبد عند ذلك مشاهدا معنى قوله عر وجل وَعَسى أن نَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وما أشبهه » وليقس النادر على الغالب . قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله عنه : « حسن الظنّ عبارة عن قطع الوهم أن يكون أو لا يكون ؛ لآن الوهم قاتل وهو لوقت ثان » فمتى أعطيت أذنك للوهم هلكت وحدك . وكذّلك الأضغاء بالآذن إلى الشيطان والثفين حنس واحد »> انتمى.
قلت : وحسن الظن يطلب من العبد في أمر دنياه وفي أمر آخرته ؛ أمّا أمر دنياه : فأن يكون واثقا باللّه تعالى في إيصال المنافع والمرافق إليه من غير كدّ ولا سعى فيها » أو سعي خفيف مأذون فيه ومأجور عليه بحيث لا يفوّته ذلك شيئا من نفل ولا فرض » فيوجب له ذلك سكونا وراحة في قلبه وبدنه » فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب . أما أمر آخرته : فأن يكون قويّ الرجاء في قبول أعماله الصالحة وتوفية أجوره عليها في دار الثواب والجزاء » فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأمر والتكثير في أعمال البرّ بوجود حلاوة واغتباط » ولذاذة » ونشاط . وقد قال يحيى بن معاذ « 2 » رضي الله عنه : « أوثق الرجاء رجاء العبد لربّه » وأصدق الظنون حسن الظن باللّه تعالى » . (1 ) الحظوة : المكانة والمنزلة عند الناس . (2 ) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ( توفي سنة 258 ه - 872 م ) أبو زكريا » واعظ سائرة منها : « من خان الله في السر » هتك الله ستره في العلانية » . ( الأعلام 8 / 172 » والرسالة القشيرية ص 414 » ووفيات الأعيان 6 / 165 - 168 ) . /9 « 63 » ومن مواطن حسن الظن باللّه تعالى التي لا ينبغي للعبد أن يفارقه فيها : أوقات الشدائد والمحن » وحلول المصائب في الأهل والمال والبدن ٠ لئلا يقع بسبب عدم ذلك في الجزع والسخط . وسيأتي هذا المعنى في كلام المؤلف » رحمه الله » وهو قوله : « من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » . ومن أعظم مواطن حسن الظن بالله تعالى حالة الموت ٠ وقد جاء في الخبر : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ باللّه تعالى » « 1 » وفي حديث جابر « من استطاع منكم أن لا يموت إلا وهو يحسن الظنٌ باللَّه تعالى فليفعل » ثم تلا هذه الآية : وَذَلِكُمْ ظَنْكُمْ الذي ظَبَنْتُمْ بِرَبَكُمْ أَزداكُم [ فصلت : 23 ] ولأنه تعالى قال فيما روى عنه : ( أنا عن ظنّ عبدي بي » فليظنَ بي ما شاء ) « 2 » قال أبو طالب المكيّ رضي الله عنه : « وكان ابن مسعود يحلف بالله ما أحسن عبد ظنه بالله تعالى إلا أعظاء اله عر وجل ذلك ؛ لأن الخين كله بيده قاذ! أعظاه حيين :الطن يه فق أعطاءءها يظنه؟ لأن الذي حسّن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له » انتهى . وقد روى عن أبي النضر بن حيان قال : « خرجت عائدا ليزيد بن الأسود فلقيت « واثلة بن الأسقع » « 3 » وهو يريد عيادته » فدخلنا عليه وهو في فراشه » فلما رأى واثلة بسط يده وطفق يشير إليه » فأقبل واثلة حتى جلس على الفراش ٠ وأخذ يزيد بن الأسود بكفيّ واثلة حتى جعلهما على وجهه » فقال له واثلة : أسألك عن شيء تخبرينه ؟ قال ؛ لآ تسالتى عن شيع أعلمة الآ أخبرتك يه :قال لدو اثلة ؟ كيف ظنك باهر ,وحل ؟ قال : ظني والله بالله حسن , قال : فأبشر ؛ فإني سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : « قال الله تبارك وتعالى ( أنا عند ظن عبدي بي إن ظنْ بي خيرا وإن ظن بي شرا ) » « 4 » . (1 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في ( صحيح مسلم 2205 ٠ 2206 ) » وأحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 325 » 330 ٠ 3 / 293 ) » وابن كثير في ( البداية والنهاية 5 / 238 ٠ 334 » 0 ) »ء وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 1 » 3 » 4 ) .
(2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 169 ٠ ) 277 / 10 ٠ 221 ٠ وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 22 ) . ( 3 ) واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل الليثي الكناني ( 22 ق ه - 83 ه - 601 - 2 م ) صحابي من أهل الصفّة » كان قبل إسلامه ينزل ناحية المدينة ودخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فرآه وسأله حاجته فقال له : أريد أن أبايع وحصل ذلك فشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك » وقيل : خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين . وشهد فتح دمشق ثم تحول إلى بيت المقدس فأقام » وكف بصره وعاش ( 105 ) سنين وقيل : 8 وهو آخر الصحابة موتا في دمشق له ( 76 ) حديثا » ووفاته بالقدس أو بدمشق . ( الأعلام 8 . » وأنسد الغابة 5 / 77 ) . 60 ( 4 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ٠» 4 / 106 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 ٠» 477 ٠ 4 / 269 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 » 7 681 » 64 « وروى عن أبي سعيد الخدري » 1 » رضي الله عنه قال : « عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مريضا ء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف ظنْك بربك ؟ قال : يا رسول الله حسن الظنّ . قال : فظنّ به ما شئت ؛ فإن الله تبارك وتعالى عند ظنّ المؤمن به » . ل 1 وروى أبو هريرة رضي الله عنه » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَ حسن الظن بالله من حسن عبادة الله » « 2 » . قلت : والأخبار والآثار في الرجاء وحسن الظن باللّه وسعة رحمته أكثر من أن تحصى » ومطالعتها مما يزيد المريد قوة في هذا المقام » فمن أراد الشفاء في ذلك فعليه بمطالعة كتاب « الرجاء » من قوت القلوب » وكتاب « الإحياء » قال بعضهم : ما زلت أرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الصنع ما هو صانع ثم بيّن رحمه الله تعالى الحالة التي بمنازلتها يتحقق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى » وهو : عكوف العبد بباب الله وتعلّق قلبه بوحدانيته » وأشار إلى أن ذلك هو غاية النعيم » ومنتهى الأماني هذا من عمى القلب ومما يستحق أن يتعجب منه كل ذي لب فقال : 9 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه » ويطلب ما لا بقاء له معه فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ). هرب العبد من مولاه بإقباله على شهواته ومتابعة هواه » وذلك نتيجة عمى قلبه ووجود جهله بربه ؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير » وآثر الفاني الذي لا بقاء له على الباقي الذي لا انفكاك له عنه » ولو كانت له بصيرة لآثر الباقي على الفاني » ولفعل ما فعله سحرة فرعون لما آمنوا بربّهم إذ لم يحفلوا بما وعدهم به فرعون من الإحسان والإنعام والتقريب والإكرام » ولم يكترثوا بما توعّدهم به من العذاب والقتل والصلب على - 9 / 169 - 221 ء 10 / 277 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن ٠ 3 ) » والبيهقي ( الأسماء والصفات 208 ) » والسهمي في ( تاريخ جرجان 506 ) .
(1 ) أبو سعيد الخدري ( 10 ق ه - 74 /٠ 613 - 693 م ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي صحابي » من ملازمي الرسول صلى الله عليه وسلم » غزا اثنتي عشرة غزوة » وله ( 1170 ) حديثا » توفي في المدينة المنورة . ( الرسالة القشيرية ص 97 - 98 » وتهذيب الكمال 7 / 103 » والأعلام 3 / 87 » وحلية الأولياء 1 / 369 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( أدب ٠ 81 ) والترمذي ( دعوات ٠ 115 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » ١: 407 ١ 359 » 304 »7 491 ) . 02 03 « 65 » جذوع النخل » بل قالوا : لَنْ نُوُئْرَكَ عَلى ما جاتنا مِنَ الْبَيّناتِ » وَالَّذِي فَطَرَنا . . [ طه : 72 ] الآية 7 ثم قالوا : وَالنَهُ حَيْرٌ وَأَبْقَى فهؤلاء استنارت قلوبهم » وشاهدوا محبوبهم فكان منهم ما كان . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى « 1 » يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه؛ ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن » وإن إلى ربك المنتهى . وانظر إلى قوله صلى الله عليه و سلم فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله ورسوله؛ ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وافهم قوله صلى الله عليه و سلمء وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم. ) . العمل على طالب الجزاء والدرجات أو نيل الرتب العلية والمقامات نقصان في الحال » وشوب في إخلاص الأعمال » وهو معنى الرحيل من كون إلى كون وسبب ذلك بقاء اعتبار النفس في أن تحصل لها رتبة أو تنال بسعيها موهبة » وهذه كلها من الأكوان والأكوان كلها متساوية في كونها أغيارا ؛ . وان كان بعضها أنوار! , وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين على رؤية الأغيار » وتلطف في دعائهم إلى حسن الأدب بين يدي الواحد القهار حتى يتحققوا بمعنى قوله تعالى : وَأنّ إلى رَبْكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] فيكون انتهاء سيرهم إليه وعكوف قلوبهم عليه » وتكون أعمالهم إذ ذاك وفاء بمقتضى العبودية وام بح الربويية فق . من غير التكات إلى التق على أي حالة تكون » قينا هواتحترق الإخلاض الكائن عن مشاهدة التوحيد الخاص + جغلنا الله من أخله يمنة وفضله انه على كل شىء 0 : وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : « فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه « 2 » فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم . في هذا الحديث النبوي تنبيه على المعنى الذي ذكره » وموضع الاعتبار والتأمل هو ء واللّه أعلم , قوله في القسم الثاني « فهرجته إلى ما هاجر إليه » أي : فلا نصيب له من الوصول والقرب الذي حظى به من هاجر إلى الله ورسوله » وهو قوله : « فهجرته إلى الله ورسوله » ٠ وهذا من باب حصر المبتدأ في الخبر : كما تقول : زيد صديقي أي لا صديق لي غيري » وكأنه صلى لله عليه وسلم نبّه في القسم الثاني بالدنيا التي يريد أن يصيبها والمرأة التي يريد أن يتزوجها على خطرظ النشس و الوقرف معها والعمل علييا كائدة بها كانت » وإن كان (1 ) الرحى : الأداة التي يطحن بها » أو حجرها المستدير .
(2 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي » 1 ) ٠» ( إيمان » 41 ) » ( عتق » 6 ) » ( مناقب الأنصار (١ ) 45 ٠ نكاح ء 5 ) » ( أيمان » 23 ) » ( حيل » 1 ) » ومسلم ( إمارة » 155 ) » وأبو داود 54 055 « 66 » ظافرها طلك انك 51501 نقورلة ؛ رز فيكرته إلى الأدار رشونها» كرافنة الارتحال كن الأكوان إلى المكوّن » وهو المطلوب من العبد » وهو مصرّح به غاية التصريح وقوله : « فهجرته إلى ما هاجر إليه » هو البقاء مع الأكوان والتنقل فيها » وهو الذي نهى عنه » وهو مشاربه غير مصرّح . ء فليكن المريد عالي الهمة والنية حتى لا يكون له التفات إلى غير ولا كون البتة » ولقد احسن الشاعر في قوله : وكلّ ما قد خلق الله ولم يخلق محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي « 1 » قال رجل لأبي يزيد » رضي الله عنه : « أوصني ء فقال : إن أعطاك من العرش إلى الفرش فقل له : لاء أنت أريد » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لو خيرت بين ركعتين ودخول الفردوس لاخترت رععتين ؛ لأني في الفردوس بحظي وفي الركعتين بربي » . وقال الشبلي رضي الله تعالى عنه » « احذر مكره ولو في قوله كلوا واشربوا » يريد : لا تستغرق في الحظ ء ولتكن في كل شيء به لا بنفسك , فقوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا [ البقرة : 00 ] وإن كان ظاهره إكراما وإنعاما » فإن في باطنه ابتلاء واختبارا حتى ينظر من هو معه » ومن هو مع الحظ » قال رضي الله تعالى عنه : 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه. ( لا تصحب من لا ينهضك حاله . ولا يدلك على الله مقاله » ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان استمر عليها شأنهم قديما وحديثا » وقد نبّه المؤلف رحمه الله على فائدتها في قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقالة ) فإنهاض الحال ودلالة المقال على الله تعالى هو قائدة الضحية ؛ معني الخال المنيضية غاهنا ؛ كر : أن تكرن هدقه متخلقة باه تعالى ا عر تففة عن المخلوقين » لا يلجأ في حوائجه إلا إلى الله تعالى » ولا يتوكل في أموره إِلّا على الله . قد سقط اعتبار الناس من عينه فلا يرى منهم ضرًا ولا نفعا » وسقطت نفسه من عينه فلا يشاهد لها فعلا » ولا يقتضي لها حظا ٠ ويكون في أعماله كلها جرايا على مقتضى الشرع من غير إفراط ولا تفريط » وهذه صفة العارفين الموحدين » فصحبة من هذه حاله وإن قلت عباداته ونوافله مأمونة الغائلة « 2 » » محمودة العاقبة » جالبة لكل فائدة دينية ودنيوية ؛ لأن الطبع يسرق من الطبع » والنفس مجبولة على حب الاقتداء بمن تستحسن حاله » ولا يشترط في المصحوب اتصافه بتلك الصفات على غاية الكمال والتمام ؛ فإن ذلك متعذر » وإنما يشترط فيه أن يتصف منها بما يفوق صاحبه به فقط بحيث يكون أعلى منه حالا » وأصوب منه مقالا » ومن لم يكن على هذا الوصف (1 ) المفرق : موضع انفراق الشعر . 566 587 » 67 « وكان شأنه المعاملة بالظاهر لا غير » فليس له فائدة في صحبته » بل ربما زادته شرا » لأن خلطته تدعوه إلى التصنع والتزيّن له » ويؤديه ذلك إلى كبائر معاصي القلوب » وهي أشدّ عليه من معاصي الجوارح بكثير .
1 قال يوسف بن حسين الرازي » رضي الله تعالى عنه : « لآن القى الله بجميع المعاصي أحب إلي من أن ألقاه بذرّة من التصنع » » فيدخل بذلك عليه النقص في حاله من حيث رجاء الزيادة فيها . قال بعض الصوفية : « لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببرّ » ولا تنقص عنده بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواه » وقال بعضهم : « كن مع أبناء الدنيا بالأدب » ومع أبناء الآخرة بالعلم » ومع العارفين كن كيف شئت » . وقيل لبعض الصالحين : « إن فلانا يحبّك ويكثر ذكرك ٠ فقال : إنه لحبيب إليّ » وأجلّه ؛ وأعرف قدره » ولكن يهون علي أن ألقى الشيطان ألف مرة ولا ألقاه مرة واحدة ! ! فقيل له : وكيف ذلك ؟ ! قال : أخشى أن أتزيّن له أو يتزين لي . قال الشيخ أبو طالب المسكي » رضي الله تعالى عنه : « وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربعة معان » لا يترجح بعضها على بعض » ولا يكون فيها اعتراض من بعض على بعض » إن أكل صاحبه الدهر كله لم يقل له صاحبه « صم » » وإن صام الدهر كله لم يقل له صاحبه « أفطر » وإن نام الليل كله لم يقل له صاحبه « قم فصل » وإن صلى الليل كله لم يقل له صاحبه « نم بعضه » » وتستوي أحواله عنده » فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه » ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه » قالوا : وإذا كان يزيد عنده بالعلم وينقص بترك العمل فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل أنّ النفس مجبولة على حب المدح وكراهة الذم » ومبتلاة بأن يرى حالها التي عرفت به » وأن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها » وأن تجتلب ما يوجب المدح منهم » وتجتنب ما يوقع الذم عندهم » فإذا صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك طريق الصادقين ولا بغية المخلصين » فمجانية هزلاء الداس أصلح للقلوب وأملم للدين ٠ رفي معائرة أمدالهم يناد القلب رنفيان الإيمان وضعف اليقين ؛ لأن هذه أسباب الرياء » وفي الرياء حبط الأعمال وخسران رأس المال » والسقوط من عين ذي الجلال . وكان الثوري » رضي الله عنه يقول : « من عاشر الناس داراهم ومن داراهم راءاهم » ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه فيهلك كما هلكوا » وكان بعض الحكماء يقول : « لا تؤاخ من الناس من يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه ؛ وعند طمعه وهواه ؛ لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد الانتفاع . 58 » 68 « وقال في موضع آخر : « من كان ناظرا في أخوّة أخيه » أو في صحبته لكثرة أعماله » أو واقفا مع أكمل أحواله دل على جهله بهذه الطريق التي تنفذ إلى التحقيق لأنها تحول » وإنما العمل على حقائق القلوب لأنها ثابتة في الأصول » فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الأخوة دخل عليه التزيّن له والتصنّع عنده » لتعلوا منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد » فتزلٌ قدم بعد ثبوتها » ويسقط من عين مولاه فلا يتولاه » لأن النفس ميتلاة بحت النداء والمدح وإتبات المنزلة بإظهان الوضف ؛ فيكون هذا الصاحب حينلد من أسأم الناس عليه وأضرهم له » ويصير أحدهما بلاء على صابحه » فليفارقه حينئذ لأنه جاهل فلا يصحبه . لأنه يجد النقصان بصحبته » وتدخل عليه الآفات بمقارنته ولينفرد بنفسه ويصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة » وضيعة كانت أو رفيعة من غير مقاربة أحد ولا مباينته فهو خير له وأحمد عاقبة » انتهى .
ويدل على إرادة صاحب الكتاب لهذا المعنى الذي ذكرناه في التنبيه على قوله « لا تصحب من لا ينهضك حاله » ما أعقبه به من قوله : « ولا يدلك على الله مقاله » » فيكون الحال والمقال متناسبين في كون كل واحد منهما متعلّقا باللّه تعالى عبودية ودلالة . قال سهل بن عبد الله رضم الله غنه ١ «« احذر صحبة قلآقة أصتاف من الناس الجبايرة الغافلين ؛ والقراء المذاهنين » والمتصوفة الجاهلين » وقال يوسف. بن الحسين الرازي » رحمه الله تعالى » قلت لذي النون المصري « 1 » رضي الله تعالى عنه : « من أصحب ؟ فقال : 0 2 له نا ييا ضيه ا مك 04 وقال « حمدون القصّار « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « أصحب الصوفية ؛ فإنّ للقبيح عندهم وجوها من المعاذير » وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظّمونك به » إشارة إلى أن العجب بالعمل منفيٌ عندهم في صحبتهم . (1 ) ذو النون المصري ( توفي سنة 245 ٠ه - 859 م ) ثوبان بن إبراهيم الإخيمي المصري » أبو الفياض أو أبو الفيض . أحد الزهاد العباد المشهورين من أهل مصر . نوبي الأاصل من الموالي كانت له فصاحة وحكمة وشعر » وهو أول من تكلم بمصر في ( ترتيب الأحوال ومقامات أهل. الولاية واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة فاستحضره إليه وسمع كلامه تم ! أظلقة فعاد إلى مصر . وتوفي بجيزتها . ( الأعلام 2 / 102 » وطبقات الشعراني 1 / 59 » وميزان الاعتدال 1 / 331 » ووفيات الأعيان 1 / 315 - 318 » والرسالة القشيرية ص 433 ) . (2 ) حمدون بن أحمد بن عمارة القصار النيسابوري ( توفي سنة 271 - 884 م ) أبو صالح » صوفي ٠ كان شيخ أهل الملامة بنيسابور ومنه انتشر مذهب الملامة » وكان عالما فقيها يذهب مذهب الثوري وله طريقة اختص بها . ( الأعلام 2 / 274 » والرسالة القشيرية ص 426 ) . 09 00 « 69 » وقال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « إذا أراد الله بالمريد خيرا أرفقه إلى الصوفية ومنعه صحبة القرّاء » . وقال علي رضي الله تعالى عنه : « شر الأصدقاء من أحوجك إلى المداراة » وألجأك إلى الاعتذار » . وقال مرّة : « شرّ الأصدقاء من تتكلف له » وأنشدوا ليوسف بن الحسين الرازي » رضي الله تعالى عنه : أحث من الإخوان كل مواقى وكل غضيض الطرف عن عثراتي يوافقني في كل أمر أحبه ويحفظني حيّا وبعد مماتي فمن لي بهذا » ليتني قد وجدته فقاسمته مالي من الحسنات والحاصل من هذا : أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم » لأنهم خصّوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص لم وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غلية الأمل والمطلوب » فقد قيل : من تحقق بحالة لم يخل حاضروه منها ؛ فمن جلس عند دكّان العطار لم يفقد الرائحة الطيبة .
هذا في الحضور والمجالسة فما ظنّك في الصحبة والمؤانسة » وقد وصفهم بعض العلماء » فقال : الصوفيّ من لا يعرف في الدارين أحدا غير الله » ولا يشهد مع الله سوى الله » قد سخّر له كل شيء » ولم يسخّر هو لشي » وسلط على كلّ شيء ولم يسلّط عليه شيء » يأخذ النصيب من كل شيء » ولا يأخذ النصيب منه شيء » يصفو به كدر كل شيء ولا يكدّر صفوه شيء » قد شغله واحد عن كل شيء وكفاه واحد عن كلّ شيء » فانظر رحمك الله هذه الصفات ما أعظمها وأجلّها » وما أشرف حال من انّصف بها وما أعزّه في هذا الوجود » نفعنا الله بهم » ورزقنا من المجاهدات وأنواع المكابدات حتى يبلغ من ذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل ولا يحيط به علم عامل ناقل . قال سيدي أبو العباس المرسي رضي اله عنه : « ماذا أصنع بالكيمياء » واللّه لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها ذ الا فتثمر رمانا للوقت » فمن صحب مثل هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء » وقال أيضا رضي الل تعالى عنه : « وله ما سار الأولياء والأبدال من قاف إلى قاف إلا حتى يلقوا واحدا مثلنا فإذا لقوه كان بغيتهم » . وقال أيضا رضي الله تعالى عنه: «واللّه ما بيني وبين الرجل إلا أن انظر إليه نظرة وقد أغنيته». وفيه يقول شيخه أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : « أبو العباس هو الرجل الكامل والله ؛ إنْه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسى عليه المساء إلا وقد أوصله إلى الله » وسيأتي طرف من ذكر حال المؤلف رحمه الله تعالى في صحبته » وما أوصله إليه ببركة رؤيته عند قوله 01 52 « 70 » هذه أعظم آفة تدخل على من خالف ما ذكره » وصحب من هو دونه في الحال » وهو استحسانه لما هو غليه فيؤديه ذلك إلى رضداه عن نفسه ؛ ورؤيته لإحسانها » وهو أصل كَل شير كما تقدم , 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( ماقل عمل برز من قلب زاهد » ولا كثر عمل برز من قلب راغب ) . مقادير الأعمال على حسب قلوب العمّال » فما صدر عن الزاهدين في الدنيا من عمل على طاعة ٠ إن كان قلباد في الحسن فهو كتير على التحقيق + وما حدر عن الراغيين فيها من عمسن بر وإن كان كثيرا في الحسنّ » فهو قليل على التحقيق ٠ وذلك لأن الزاهدين سلموا من الآفات التي تقدح في إخلاص أعمالهم من مراءاة الناس والتصنّع لهم » وطلب الأغراض الدنيوية عليها منهم ؛ لأنهم زهدوا فيها » فيتحصّل لهم قبول أعمالهم فيتوفر قليلها بسبب ذلك ويكثر . والراغبون تعتريهم الآفات المبطلة لأعمالهم القادحة في إخلاصهم بسبب رغبتهم في الدنيا فلا تقبل منهم » فيقلَ الكثير من أعمالهم لوجود النقصان فيها » وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : « كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل » فإنه لا يقبل عمل مع التقوى » وكيف يقل عمل يتقبّل » . وقد وصف الله تعالى ذكر المؤمنين بالكثرة لما تضمنه من وجود الإخلاص وعدم رياء الناس ؛ فقيل في قوله تعالى :يا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذكراً كير[ الأحزاب : 41 ] قيل يعني ؛ خالصا . فسمّى الخالص كثيرا » وهو ما خلصت فيه النية لوجه اله العظيم .
ووصف ذكر المنافقين بالقلة ؛ لما اشتمل عليه من عدم الإخلاص ووجود رياء الناس ١ فقال تعالى :َيُرَاوٌنَ النَّاسنَ ولا يَدْكْرُونَ الله إلا ليلا[ النساء : 143 ] يعني غير خالص ؛ وروى عن عبد الله بن مسعود » رضي الله عنه أنه قال : « ركعتان من زاهد عالم خير من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا « 1 » » . وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : « أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم » وهم كانوا خيرا منكم . قيل : ولم ذلك ؟ قال : كانوا أزهد منكم في الدنيا » . وعن بعض الصحابة أيضا قال : « تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الدنيا والآخرة (1 ) السرمد : الدائم الذي لا ينقطع . 03 « 7/1 » أبلغ من الزهد في الدنيا » . وقال أبو سليمان الداراني رضي الله تعالى عنه : « سألت معروفا الكرخي « 1 » رضي الله تعالى عنه » عن الطائعين للّه بأي شيء قدروا على الطاعة ؟ فقال : بإخراج الدنيا من قلوبهم » ولو كان شيء منها في قلوبهم ما صحّت لهم سجدة . وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي » رضي اله تعالى عنه : « شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البرّ ولا يجد حلاوة في قلبه » فقال : لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا »ولا بد للآب أن يزور ابنته في بيتها وهو قلبك » ولا يؤثر دخوله إلا فسادا ا وكان أبو محمد بن سهل رضي الله تعالى عنه يقول :يع الزاه نرف 17 يقسم على المؤمنين ثواب أعماله » قال : ولا يرى في القيامة أحد أفضل من ذي زهد عالم ورع 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال » وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الأنزال ). حدس الأخمال نوفيا بها بحب لها من شر رط اداه عردية له تال ١ لا لطت حل ملك ولا لثواب آجل . وحسن الأحوال : أن تكون سالمة من العلل والدعاوي موسومة بسمة الصدق . والتحقق فى مقامات الأنرال. : هو ارتواء القلب يما ينزله الحق, تعالى فيه من 1529775733 والمعارف » بحيث ينتفي عنه كلّ شك وريب . وهذه الثلاثة المذكورة مرتب بعضها على بعض » وهو بمعنى ما يقوله الإمام أبو حامد رضي الله تعالى عنه : « لا بد في كل مقام من مقامات اليقين من علم وحال وعمل ؛ فالعلم ينتج الحال ؛ و الخال ينتع العمل ». ويهذا الكلام الذي ذكرة المؤلف رحمه انه تعالى نوع استدلال على ما انا في الزاهد والراغب . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه » لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره » أشد من غفلتك في وجود ذكره؛ فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة؛ و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضورء و من ذكر مع وجود حظور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكورء و ما ذلك على الله بعزيز). » فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة » ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حصور » ومن ذكر مع وجود حضور (1 ) معروف بن فيروز الكرخي ( توفي 200 ه - 815 م ) أبو محفوظ أحد أعلام الزهاد والمتصوفين كان من موالي الإمام علي الرضي بن موسى الكاظم » ولد في كرخ بغداد » ونشأ وتوفي ببغداد . اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به .
04 05 « 72 » إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور » وما ذلك على الله بعزيز . الذكر : أقرب الطرق إلى الله تعالى » وهو علم على وجود ولايته كما قيل : « الذكر منشور « 1 » الولاية » ذ فمن وفّق للذكر أعطي المنشور » ومن سلب الذكر فقد عزل » قال الشاعر : والذكر أعظم باب أنت داخله لله » فاجعل له الأنفاس حرّاسا قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « الذكر عنوان الولاية » ومنار الوصلة » وتحقيق الإرادة » وعلامة صحبه البداية » ودلالة صفاء النهاية » فليس وراء الذكر شيء » وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر » ومنشؤها عن الذكر » وفضائل الذكر أكثر من أن تحصى » ولو لم يرد فيه إِلَا قوله تعالى في كتابه العزيز ( فاذكروني أذكركم ) وقوله عز وجل فيما يرويه عنه رسول اله صلى الله عليه وسلم : « أنا عند ظن عبدي بي » وأنا معه حين يذكرني » إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه » وإن تقرّب إلي شبرا تقربت منه ذراعا » وإن تقرّب إليَ ذراعا تقربت منه باعا » وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 2 » لكان في ذلك اكتفاء وغنية : وهذا الحديث متفق على صحته . فانرا ع اناي 1ه غير لوقك براقت ,فنا من رك إلا رائكية مطلريك 25 لجا ركريا : وإما ندبا » بخلاف غيره من الطاعات » وقال ابن عباس » رضي الله تعالى عنهما : « لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إِلّا جعل ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله » . وأمرهم بذكره في الأحوال كلها » فقال عزّ من قائل : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قياماً وَفُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [ النساء : 103 ] . وقال تعالى : يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا انْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كثيراً [ الأحزاب : 41 ] » أي بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر وفي الصحة والسقم والسرٌّ والعلانية وعلى كل حال . وقال مجاهد » رضي اللّه تعالى عنه : « الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا » » وروى عن (1 ) المنشور : بيان بأمر من الأمور يذاع بين الناس ليعلموه . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ٠» 4 / 106 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 - 477 ٠» 4 / 103 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 3 / 384 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 - 7 - 40 ) ٠» والسيوطي في ( الحاوي للفتاوي 2 24 ) » وابن الجوزي في ( زاد المسير 8 / 226 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن » 3 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 149 - 195 ) » والبيهقي في ( الأسماء والصفات 209 - 284 ) . 06 » 7/3 « رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أكثروا ذكر الله حتى يقولوا : مجنون » « 1 » .
فينبغي للعبد أن يستكثر منه في كل حالاته » ويستغرق فيه جميع أوقاته » ولا يغفل عنه » وليس له أن يتركه لوجود غفلته فيه » فإن تركه له وغفلته عنه أشدّ من غفلته فيه ٠ فعليه أن يذكر الله تعالى بلسانه وإن كان غافلا فيه » فلعل ذكره مع وجود الغفلة يرفعه إلى الذكر مع وجود اليقظة ٠ وهذا نعت العقلاء » ولعل ذكره مع وجود اليقظة يرفعه إلى الذكر مع وجود الحضور » وهذه صفة العلماء » ولعل ذكره مع وجود الحضور يرفعه إلى الذكر مع وجود الغيبة عما سوى المذكور وهي مرتبة العارفين المحققين من الأولياء ؛ قال اللَّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذا نَسِيتَ [ الكهف : 42]. أي : إذا نسيت ما دون الله » عند ذلك تكون ذاكرا الله » وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العبد محوا في وجود العيان » وفي هذا المعنى أنشدوا : ما إن ذكرتك » إِلّا همّ يقلّقني سرّي » وقلبي » وروحي عند ذكراك حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بى إيّاك ويحك والتذكار إيّاك امات ى الح قد بحت تراه رامل العو 2 وقال الواسطي « 2 » مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره لآن ذكره سواه وقال أبو العباس بن البنا - في كلام ذكره على مقدمة كتاب أبي العز تقي الدين بن المظفر الشافعي » وهو كتاب : « الأسرار العقلية في الكلمات النبوية » ورأيت هذا الكلام بخطه رحمه الله - « ومن أحسن الذكر ما هاج عن خاطر وارد من المذكور » جل ذكره » » وهذا هو الذكر الخفيّ عند المتصوّفة على الاستهتار والتمكن في الأسرار . وأما قولهم : حتى يتمكن الذاكر إلى حالة يستغرق بها عن الذكر فليس ذلك تمكن حلول ولا اتحاد بل حكمة » وقدرة من عزيز حكيم » وبيان ذلك أن يكون القلب عند الذكر في الذكر فارغا من الكل » فلا يبقى فيه غير الله جلَ ذكره » فيصير القلب بيت (1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 68 - 71 ) » والحاكم في ( المستدرك 1 / 499 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 75 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 399 ) » وابن كثير في ( التفسير ( 6 / 427 ) » وابن المبارك في ( الزهد » 362 ) » وأحمد بن حنبل في ( الزهد 108 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 187 - 188 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 516 ) » وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 224 ) » وابن السني في ( عمل اليوم والليلة 4 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1753 ٠ 1836 ٠ 1754 ٠ 1847 21118). (2 ) محمد بن موسى الواسطي ( توفي سنة 331 ه - 942 م ) أبو بكر . متصوف من كبار أتباع الجنيد فرغاني الأصل . من أهل واسط ء دخل خراسان » وأقام بمرو فمات بها . قالوا : لم يتكلم أحد مثله في أصول التصوف .
57 08 « 74 » ربج ب نان الذي ينطق به » فإن بطش هذا الذاكر كان يده التي يبطش بها » وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به » قد استولى المذكور العلي على الفؤاد فامتلكه » وعلى الجوارح فصرفها فيما يرضيه , وعلى الصفات من هذا العبد فقلبها كيف شاء في مرضاته » فلذلك يخرج الذكر من غير تكلف , وتنبعث الأعمال بالطاعات نشاطا ولذّة من غير كلال ذلِكَ فضل اله يُوْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَهُ ذو الْفَضْلٍ الْعَظِيم [ الجمعة 14 إنَّ الله مَعَ الَذِينَ انََوَا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 1» وقد وصف الله قلب أم موسى عليه السلام » بمعنى ذلك , » في قوله الحق ا 0 فارِغاً [ القصص : 10 ] . أي فارغا من كل شيء » إلا من ذكر موسى » فكادت أن تبدي به من غير قصد منها لذكره ولا تتجير ». بل كان تركها للتصريع بذكره صببر ا بما ريط اله . على فليها لتكون من المؤمنين يها بحي انها نل قد في شان موس يانه من الدر سين ١ ريلك ينداف الاتكان الذي نكر ايلا العز » ووصفه بالعظم » وهو اجتماع الضدين في بادىء الرأي » وهما : الذكر والغفلة عن الذكر . وهذه المعالم والمراقي لا يعرف حقائقها إلا السالكون وجدانا والعلماء إيمانا وتصديقا » فإيّاك والتكذيب بآيات الله فتكون من الصم البكم في الظلمات . ولمًا كان المذكور لا يجوز عليه وصف الفقد والعدم ولا يمنعه حجاب » ولا يحويه مكان » ولا يشتمل عليه زمان ولا يجوز عليه الغيبة بوجه » ولا يتصف بحوادث المحدثين » ولا يجري عليه صفات المخلوقين » فهو حاضر عينا ومعنى + وشاهد سرًا ونجوى ء إذ هو القريب من كل شيء ؛ وأقرب إلى الذاكر له من نفسه من حيث الإيجاد له » والعلم به » والمشيئة فيه » والقدرة والتدبير له » والقيام عليه » خلق الخليقة فلا تلحقه أوصافها » وأوجد الأعداد فلا تحصره معانيها » وهو العلى الكبير » . انتهى كلام الشيخ أبي العباس رحمه الله تعالى في معنى المقام الثالث من مقامات الذكر » وهو في يه ل ال ل ل ل الك امن ير اع ل لطر 0 فلا ينبغي أن يستبعد العبد الوصول إلى هذا المقام الكريم » فليس ذلك بعزيز على الفتاح العليم » فعلى العبد القيام بحق الأسباب » ومن الله تعالى رفع الحجاب . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات ). القلب إذا كان حيّا بالإيمان حزن على ما فاته من الطاعات » وندم على ما فعله من الزلات » ومقتضى هذا وجود الفرح بما يستعمل فيه من الطاعات ٠» ويوفق له من اجتناب المعاصي والسيئات . 59 100 » 7/5 « وقد جاء في الخبر : « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » « 1 » . فإذا لم يكن العبد بهذا الوصف »ء وعدم الحزن على ما فاته » والندم على ما أتاه فهو ميّت القلب ! وإنكا كان ذلك عن 3103 اعمال الفية الكنة والفيية لاكنتان على هركا ان ين عن العبد وسخطه عليه » فإذا وق الله تعالى عبده للصالحات سرّه ذلك ؛ لأنه علامة على رضاه عنه » وغلب حينئذ رجاؤه » وإذا خذله ولم يعصمه فعمل بالمعاصي ساءه ذلك وأحزنه » لأنه علامة على سخطه عليه » وغلب عليه حينئذ خوفه .
والرجاء يبعث على الاجتهاد في الطاعات » وليس من مقتضاه تركها وعدم الحزن على ما فاته منها إمنا واغترارا » والخوف يبعث على المبالغة في اجتناب المعاصي والسيئات » وليس من مقتضاه فعلها » وترك الندم عليها إياسا وقنوطا » وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ آتاه آت » فلما حاذانا ورأى جماعتنا أناخ « 2 » راحلته » ثم مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أوضعت 3 » راحلتي من مسيرة تسع فسيّرتها إليك ستا » وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وأنضيت « 4 » راحلتي لأسألك عن اثنتين أسهرتاني . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قال : زيد الخيل « 5 » . قال : بل أنت زيد الخير » سل فربّ معضلة قد سألت عنها » قال جئت لأسألك عن علامة الله فيمن يريد » وعلامته فيمن لا يريد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بخ بخ « 6 » » كيف أصبحت يا زيد ؟ قال : أصبحت أحب الخير وأهله وأحب أن يعمل به » وإذا فاتني حننت إليه » وإذا عملت عملا قل أو كثر أيقنت بثوابه . قال : هي هي بعينها يا زيد » ولو أرادك الله للأخرى هيّأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت . (1 ) أخرجه الترمذي ( فتن » 7 ) ٠ وأحمد بن حنبل ( 1 » 18 » 26 ٠ 446 ؛ 15 2 251 » مك فك 1 (2 ) أناخ : أبرك . أوضع : أسرع . (4 ) أنضى دابته : هزلها بكثرة السير وأضعفها . ( 5 ) زيد الخيل ( توفي سنة 9 ه - 630 م ) زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا من طيء . كنيته أبو مكنف من أبطال الجاهلية لقب « زيد الخيل » لكثرة خيله أو لكثرة طراده بها . كان طويلا جسيما » وكان شاعرا محسنا وخطيبا لسنا » موصوفا بالكرم . أدرك الإسلام وأسلم وسرٌ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه « زيد الخير » وأقطعه أرض بنجد فمكث بالمدينة سبعة أيام وأصابته حمى شديدة فخرج عاتدا إلى نجد فمات في الطريق . ( الأعلام 61/3 » وحسن الصحابة 284 ) . ( 6 ) بخ : كلمة تقال في المدح والرضا بالشيء » وتكرر للمبالغة فإن وصلت كسرت ونونت ( بخ بخ ) . 101 « 76 » فال زيد : حسبي ؛ حسبي. . الثم ارتحل ولم يتبت << 1 »> . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى ؛ فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه ). عظمة الذنب عند مرتكبه على وجهين : أولهما : أن يعظم عنده عظمة تحمله على التوبة منه والإقلاع عنه » وصدق العزم » على أن لا يعود إلى مثله » فهذه عظمة محمودة » وهى من علامات إيمان العبد » كما قلنا . قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه : « إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه » وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فأطاره » » ويقال : رد إن الطاعة كلما استخكر ت كرت غند اند و إن المعحية كلما امتتطيظ كرت عند الله تعالى » .