Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

حصہ V01/P004

المستصفى في علم الأصول الحمد لله القوي القادر الولي الناصر اللطيف القاهر المنتقم الغافر الباطن الظاهر الأول الآخر الذي جعل العقل أرجح الكنوز والذخائر والعلم أربح المكاسب والمتاجر وأشرف المعالي والمفاخر وأكرم المحامد والمآثر وأحمد الموارد والمصادر فشرفت بإثباته الأقلام والمحابر وتزينت بسماعه المحاريب والمنابر وتحلت برقومه الأوراق والدفاتر وتقدم بشرفه الأصاغر على الأكابر واستضاءت ببهائه الأسرار والضمائر وتنورت بأنواره القلوب والبصائر واستحقر في ضيائه ضياء الشمس الباهر على الفلك الدائر واستصغر في نوره الباطن ما ظهر من نور الأحداق والنواظر حتى تغلغل بضيائه في أعماق المغمضات جنود الخواطر وإن كلت عنها النواظر وكثفت عليها الحجب والسواتر والصلاة على محمد رسوله ذي العنصر الطاهر والمجد المتظاهر والشرف المتناصر والكرم المتقاطر المبعوث بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين وناسخا بشرعه كل شرع غابر ودين داثر المؤيد بالقرآن المجيد الذي لا يمله سامع ولا آثر ولا يدرك كنه جزالته ناظم ولا ناثر ولا يحيط بعجائبه وصف واصف ولا ذكر ذاكر وكل بليغ دون ذوق فهم جليات أسراره قاصر وعلى آله وأصحابه وسلم كثيرا كثرة ينقطع دونها عمر العاد الحاصر أما بعد فقد تناطق قاضي العقل وهو الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل وشاهد الشرع وهو الشاهد المزكى المعدل بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور ومطية عمل لا مطية كسل ومنزل عبور لا متنزه حبور ومحل تجارة لا مسكن عمارة ومتجر بضاعتها الطاعة وربحها الفوز يوم تقوم الساعة والطاعة طاعتان عمل وعلم والعلم أنجحها وأربحها فإنه أيضا من العمل ولكنه عمل القلب الذي هو أعز الأعضاء وسعي العقل الذي هو أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة وحامل الأمانة إذ عرضت على الأرض والجبال والسماء فأشفقن من حملها وأبين أن يحملنها غاية الإباء ثم العلوم ثلاثة 1 عقلي محض لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة وإن بعض الظن إثم وبين علوم صادقة لا منفعة لها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وليست المنفعة في الشهوات الحاضرة والنعم الفاخرة فإنها فانية داثرة بل النفع ثواب دار الآخرة 2 ونقلي محض كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير لأن قوة الحفظ كافية في النقل وليس فيها مجال للعقل 3 وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد ولأجل شرف علم الفقه وسببه وفر الله دواعي الخلق على طلبه وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا وأجلهم شأنا وأكثرهم أتباعا وأعوانا فتقاضاني في عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا وثواب الآخرة والأولى أن أصرف إليه من مهلة العمر صدرا وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا فصنفت كتبا كثيرة في فروع الفقه وأصوله ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ومعرفة أسرار الدين الباطنة فصنفت فيه كتبا بسيطة ككتاب إحياء علوم الدين ووجيزه ككتاب جواهر القرآن ووسيطه ككتاب كيمياء السعادة ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في أصول الفقه أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق وإلى التوسط بين الإخلال والإملال على وجه يقع في الفهم دون كتاب تهذيب الأصول لميله إلى الاستقصاء والاستكثار وفوق كتاب المنخول لميله إلى الإيجاز والاختصار فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني فلا مندوحة لأحدهما على الثاني فصنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب يطلع الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النطرفيه فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه وقد سميته كتاب المستصفى من علم الأصول والله تعالى هو المسؤول لينعم بالتوفيق ويهدي إلى سواء الطريق وهو بإجابة السائلين حقيق

حصہ V01/P004–V01/P005

صدر الكتاب اعلم أن هذا العلم الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب وبنيناه على مقدمة وأربعة أقطاب المقدمة لها كالتوطئة والتمهيد والأقطاب هي المشتملة على لباب المقصود ولنذكر في صدر الكتاب معنى أصول الفقه وحده وحقيقته أولا ثم مرتبته ونسبته إلى العلوم ثانيا ثم كيفية إنشعابه إلى هذه المقدمة والأقطاب الأربعة ثالثا ثم كيفية اندراج جميع أقسامه وتفاصيله تحت الأقطاب الأربعة رابعا ثم وجه تعلقه بهذه المقدمة خامسا بيان حد أصول الفقه اعلم أنك لا تفهم معنى أصول الفقه ما لم تعرف أولا معنى الفقه والفقه عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع يقال فلان يفقه الخير والشر أي يعلمه ويفهمه ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة حتى لا يطلق بحكم العادة اسم الفقيه على متكلم وفلسفي ونحوي ومحدث ومفسر بل يختص بالعلماء بالأحكام الشرعية الثابتة للأفعال الإنسانية كالوجوب والحظر والإباحة والندب والكراهة وكون العقد صحيحا وفاسدا وباطلا وكون العبادة قضاء وأداء وأمثاله ولا يخفى عليك أن للأفعال أحكاما عقلية أي مدركة بالعقل ككونها أعراضا وقائمة بالمحل ومخالفة للجوهر وكونها أكوانا حركة وسكونا وأمثالها والعارف بذلك يسمى متكلما لا فقيها وأما أحكامها من حيث إنها واجبة ومحظورة ومباحة ومكروهة ومندوب إليها فإنما يتولى الفقيه بيانها فإذا فهمت هذا فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل فإن علم الخلاف من الفقه أيضا مشتمل على أدلة الأحكام ووجوه دلالتها ولكن من حيث التفصيل كدلالة حديث خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص وأما الأصول فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل ولا على طريق ضرب المثال بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والإجماع ولشرائط صحتها وثوبتها ثم لوجوه دلالتها الجميلة إما من حيث صيغتها أو مفهوم لفظها أو مجرى لفظها أو معقول لفظها وهو القياس من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة فبهذا تفارق أصول الفقه فروعه وقد عرفت من هذا أن أدلة الأحكام الكتاب والسنة والإجماع فالعلم بطرق ثبوت هذه الأصول الثلاثة وشروط صحتها ووجوه دلالتها على الأحكام هو العلم الذي يعبر عنه بأصول الفقه بيان مرتبة هذا العلم ونسبته إلى العلوم اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية كالطب والحساب والهندسة وليس ذلك من غرضنا وإلى دينية كالكلام والفقه وأصوله وعلم الحديث وعلم التفسير وعلم الباطن أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة وكل واحد من العقلية والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو الكلام وسائر العلوم من الفقه وأصوله والحديث والتفسير علوم جزئية لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة والمحدث لا ينظر إلا في طريق ثبوت الحديث خاصة والفقيه لا ينظر إلا في أحكام أفعال المكلفين خاصة والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود فيقسم الموجود أولا إلى 1 قديم 2 وحادث ثم يقسم المحدث إلى 1 جوهر 2 عرض ثم يقسم العرض 1 إلى ما تشترط فيه الحياة من العلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر 2 وإلى ما يستغنى عنها كاللون والريح والطعم

حصہ V01/P005–V01/P006

ويقسم الجوهر إلى الحيوان والنبات والجماد ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالأعراض ثم ينظر في القديم فيبين أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث بل لا بد أن يكون واحدا وأن يكون متميزا عن الحوادث بأوصاف تجب له وبأمور تستحيل عليه وأحكام تجوز في حقه ولا تجب ولا تستحيل ويفرق بين الجائز والواجب والمحال في حقه ثم يبين أن أصل الفعل جائز عليه وأن العالم فعله الجائز وأنه لجوازه افتقر إلى محدث وأن بعثة الرسل من أفعاله الجائزة وأنه قادر عليه وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات وأن هذا الجائز واقع عند هذا ينقطع كلام المتكلم وينتهي تصرف العقل بل العقل يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقول في الله واليوم الآخر مما لا يستقل العقل بدركه ولا يقضي أيضا باستحالته فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال بإدراكه إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سببا للسعادة في الآخرة وكون المعاصي سببا للشقاوة لكنه لا يقضي باستحالته أيضا ويقضي بوجوب صدق من دلت المعجزة على صدقه فإذا أخبر عنه صدق العقل به بهذه الطريق فهذا ما يحويه علم الكلام فقد عرفت من هذا أنه يبتدى نظره في أعم الأشياء أولا وهو الموجود ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه فيثبت فيه مبادىء سائر العلوم الدينية من الكتاب والسنة وصدق الرسول فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه المتكلم واحدا خاصا وهو الكتاب فينظر في تفسيره ويأخذ المحدث واحدا خاصا وهو السنة فينظر في طرق ثبوتها والفقيه يأخذ واحدا خاصا وهو فعل المكلف فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الوجوب والحظر والإباحة ويأخذ الأصولي واحدا خاصا وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه فينظر في وجه دلالته على الأحكام إما بملفوظة أو بمفهومه أو بمعقول معناه ومستنبطه ولا يجاوز نظر الأصولي قول الرسول عليه السلام وفعله فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله والإجماع يثبت بقوله والأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط وقول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت صدقه وكونه حجة في علم الكلام فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادىء العلوم الدينية كلها فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام فالكلام هو العلم الأعلى في الرتبة إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات فإن قيل فليكن من شرط الأصولي والفقيه والمفسر والمحدث أن يكون قد حصل علم الكلام لأنه قبل الفراغ من الكلي الأعلى كيف يمكنه النزول إلى الجزئي الأسفل قلنا ليس ذلك شرطا في كونه أصوليا وفقيها ومفسرا ومحدثا وإن كان ذلك شرطا في كونه عالما مطلقا مليئا بالعلوم الدينية وذلك أنه ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مباد تؤخذ مسلمة بالتقليد في ذلك العلم ويطلب برهان ثبوتها في علم آخر فالفقيه ينظر في نسبة فعل المكلف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه وليس عليه إقامة البرهان على إثبات الأفعال الاختياريات للمكلفين فقد أنكرت الجبرية فعل الإنسان وأنكرت طائفة وجود الأعراض والفعل عرض ولا على الفقيه إقامة البرهان على ثبوت خطاب الشرع وأن لله تعالى كلاما قائما بنفسه هو أمر ونهي ولكن يأخذ ثبوت الخطاب من الله تعالى وثبوت الفعل من المكلف على سبيل التقليد وينظر في نسبة الفعل إلى الخطاب فيكون قد قام بمنتهى علمه وكذلك الأصولي يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ودليل واجب الصدق ثم ينظر في وجوده دلالته وشروط صحته فكل عالم بعلم من العلوم الجزئية فإنه مقلد لا محالة في مبادىء علمه إلى أن يترقى إلى العلم الأعلى فيكون قد جاوز علمه إلى علم آخر

حصہ V01/P006–V01/P008

بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية لم يخف عليك أن المقصود كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة فوجب النظر في الأحكام ثم في الأدلة وأقسامها ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام فإن الأحكام ثمرات وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار والثمرة هي الأحكام أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها والمثمر هي الأدلة وهي ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقط وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة وهي أربعة إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنظومها أو بفحواها ومفهومها وباقتضائها وضرورتها أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها والمستثمر هو المجتهد ولا بد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه فإذا جملة الأصول تدور على أربعة أقطاب القطب الأول في الأحكام والبداءة بها أولى لأنها الثمرة المطلوبة القطب الثاني في الأدلة وهي الكتاب والسنة والإجماع وبها التثنية إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر القطب الثالث في طريق الاستثمار وهو وجوه دلالة الأدلة وهي أربعة دلالة بالمنظوم ودلالة بالمفهوم ودلالة بالضرورة والاقتضاء ودلالة بالمعنى المعقول القطب الرابع في المستثمر وهو المجتهد الذي يحكم بظنه ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما بيان كيفية اندراج الشعب الكثيرة من أصول الفقه تحت هذه الأقطاب الأربعة لعلك تقول أصول الفقه تشتمل على أبواب كثيرة وفصول منتشرة فكيف يندرج جملتها تحت هذه الأقطاب الأربعة فنقول القطب الأول هو الحكم وللحكم حقيقة في نفسه وانقسام وله تعلق بالحاكم وهو الشارع والمحكوم عليه وهو المكلف وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف وبالمظهر له وهو السبب والعلة ففي البحث عن حقيقة الحكم في نفسه يتبين أنه عبارة عن خطاب الشرع وليس وصفا للفعل ولا حسن ولا قبح ولا مدخل للعقل فيه ولا حكم قبل ورود الشرع وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد الواجب والمحظور والمندوب والمباح والمكروه والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وغير ذلك من أقسام الأحكام وفي البحث عن الحاكم يتبين أن لا حكم إلا لله وأنه لا حكم للرسول ولا للسيد على العبد ولا لمخلوق على مخلوق بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره وفي البحث عن المحكوم عليه يتبين خطاب الناسي والمكره والصبي وخطاب الكافر بفروع الشرع وخطاب السكران ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز وفي البحث عن المحكوم فيه يتبين أن الخطاب يتعلق بالأفعال لا بالأعيان وأنه ليس وصفا للأفعال في ذواتها وفي البحث عن مظهر الحكم يتبين حقيقة السبب والعلة والشرط والمحل والعلامة فيتناول هذا القطب جملة من تفاريق فصول الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة فلا يهتدي الطالب إلى مقاصدها ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصول الفقه القطب الثاني في المثمر وهو الكتاب والسنة والإجماع وفي البحث عن أصل الكتاب يتبين حد الكتاب وما هو منه وما ليس منه وطريق إثبات الكتاب وأنه التواتر فقط وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز وعربية وعجمية وفي البحث عن السنة يتبين حكم الأقوال والأفعال من الرسول وطرق ثبوتها من تواتر وآحاد وطرق روايتها من مسند ومرسل وصفات رواتها من عدالة وتكذيب إلى تمام كتاب الأخبار ويتصل بالكتاب والسنة كتاب النسخ فإنه لا يرد إلا عليهما وأما الإجماع فلا يتطرق النسخ إليه وفي البحث عن أصل الإجماع تتبين حقيقته ودليله وأقسامه وإجماع الصحابة وإجماع من بعدهم إلى جميع مسائل الإجماع القطب الثالث في طرق الاستثمار وهي أربعة الأولى دلالة اللفظ من حيث صيغته وبه يتعلق النظر في صيغة الأمر والنهي والعموم والخصوص والظاهر والمؤول والنص والنظر في كتاب الأوامر والنواهي والعموم والخصوص نظر في مقتضى الصيغ اللغوية وأما الدلالة من حيث الفحوى والمفهوم فيشتمل عليه كتاب المفهوم ودليل الخطاب

حصہ V01/P008–V01/P009

وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه فيتضمن جملة من إشارات الألفاظ كقول القائل أعتق عبدك عني فتقول أعتقت فإنه يتضمن حصول الملك للملتمس ولم يتلفظا به لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه وأما الدلالة من حيث معقول اللفظ فهو كقوله صلى الله عليه وسلم لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه يدل على الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه ومنه ينشأ القياس وينجر إلى بيان جميع أحكام القياس وأقسامه القطب الرابع في المستثمر وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد وفيه يتبين صفات المجتهد وصفات المقلد والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه والقول في تصويب المجتهدين وجملة أحكام الاجتهاد فهذه جملة ما ذكر في علم الأصول وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب الأربعة بيان المقدمة ووجه تعلق الأصول بها اعلم أنه لما رجع حد أصول الفقه إلى معرفة أدلة الأحكام اشتمل الحد على ثلاثة ألفاظ المعرفة والدليل والحكم فقالوا إذا لم يكن بد من معرفة الحكم حتى كان معرفته أحد الأقطاب الأربعة فلا بد أيضا من معرفة الدليل ومعرفة المعرفة أعني العلم ثم العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر فلا بد من معرفة النظر فشرعوا في بيان حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السوفسطائية وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر وإلى جملة من أقسام العلوم وأقسام الأدلة وذلك مجاوزة لحد هذا العلم وخلط له بالكلام وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد رحمه الله وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه وعذر المتكلمين في ذكر حد العلم والنظر والدليل في أصول الفقه أظهر من عذرهم في إقامة البرهان على إثباتها مع المنكرين لأن الحد يثبت في النفس صور هذه الأمور ولا أقل من تصورها إذا كان الكلام يتعلق بها كما أنه لا أقل من تصور الإجماع والقياس لمن يخوض في الفقه وأما معرفة حجية الإجماع وحجية القياس فذلك من خاصية أصول الفقه فذكر حجية العلم والنظر على منكريه استجرار الكلام إلى الأصول كما أن ذكر حجية الإجماع والقياس وخبر الواحد في الفقه استجرار الأصول إلى الفروع وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأن الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة لكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية تدرجها من الضروريات إلى النظريات على وجه يتبين فيه حقيقة العلم والنظر والدليل وأقسامها وحججها تبينا بليغا تخلو عنه مصنفات الكلام مقدمة الكتاب نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان ونذكر شرط الحد الحقيقي وشرط البرهان الحقيقي وأقسامهما على منهاج أوجز مما ذكرناه في كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به بل هي مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول فإن ذلك هو أول أصول الفقه وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان اعلم أن إدراك الأمور على ضربين الأول إدراك الذوات المفردة كعلمك بمعنى الجسم والحركة والعالم والحادث والقديم وسائر ما يدل عليه بالأسامي المفردة

حصہ V01/P009–V01/P010

الثاني إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات وهو أن تعلم أولا معنى لفظ العالم وهو أمر مفرد ومعنى لفظ الحادث ومعنى لفظ القديم وهما أيضا أمران مفردان ثم تنسب مفردا إلى مفرد بالنفي أو الإثبات كما تنسب القدم إلى العالم بالنفي فتقول ليس العالم قديما وتنسب الحدوث إليه بالإثبات فتقول العالم حادث والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب وأما الأول فيستحيل فيه التصديق والتكذيب إذ لا يتطرق التصديق إلا إلى خبر وأقل ما يتركب منه جزآن مفردان وصف وموصوف فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بنفي أو إثبات صدق أو كذب فأما قول القائل حادث أو جسم أو قديم فأفراد ليس فيها صدق ولا كذب ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين الضربين بعبارتين مختلفتين فإن حق الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها الدالة عليها إذ الألفاظ مثل المعاني فحقها أن تحاذى بها المعاني وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات تصورا و معرفة النسبة الخبرية بينهما تصديقا فقالوا العلم إما تصور وإما تصديق وسمى بعض علمائنا الأول معرفة والثاني علما تأسيا بقول النحاة في قولهم المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد إذ تقول عرفت زيدا والظن يتعدى إلى مفعولين إذ تقول ظننت زيدا عالما ولا تقول ظننت زيدا ولا ظننت عالما والعلم من باب الظن فتقول علمت زيدا عدلا والعادة في هذه الاصطلاحات مختلفة وإذا فهمت افتراق الضربين فلا مشاحة في الألقاب فنقول الآن إن الإدراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم أو في التصور والتصديق وكل علم تطرق إليه تصديق فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان أي تصوران فإن من لا يعرف المفرد كيف يعلم المركب ومن لا يفهم معنى العالم ومعنى الحادث كيف يعلم أن العالم حادث ومعرفة المفردات قسمان أولي وهو الذي لا يطلب بالبحث وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب كلفظ الوجود والشيء وككثير من المحسوسات ومطلوب وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل ولا مفسر فيطلب تفسيره بالحد وكذلك العلم ينقسم إلى أول كالضروريات وإلى مطلوب كالنظريات والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب لا يقتنص إلا بالبرهان فالبرهان والحد هو الآلة التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة فلتكن هذه المقدمة المرسومة لبيان مدارك العقول مشتملة على دعامتين دعامة في الحد ودعامة في البرهان الدعامة الأولى في الحد ويجب تقديمها لأن معرفة المفردات تتقدم على معرفة المركبات وتشتمل على فنين فن يجري مجرى القوانين وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك القوانين الفن الأول في القوانين وهي ستة القانون الأول أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات ولا يكون الحد جوابا عن كل سؤال بل عن بعضه والسؤال طلب وله لا محالة مطلوب وصيغة والصيغ والمطالب كثيرة ولكن أمهات المطالب أربع المطلب الأول ما يطلب بصيغة هل يطلب بهذه الصيغة أمران إما أصل الوجود كقولك هل الله تعالى موجود أو يطلب حال الموجود ووصفه كقولك هل الله تعالى خالق البشر وهل الله تعالى متكلم وآمر وناه المطلب الثاني ما يطلب بصيغة ما ويطلق لطلب ثلاثة أمور الأول أن يطلب به شرح اللفظ كما يقول من لا يدري العقار ما العقار فيقال له الخمر إذا كان يعرف لفظ الخمر الثاني أن يطلب لفظ محرر جامع مانع يتميز به المسؤول عنه من غيره كيفما كان الكلام سواء كان عبارة عن عوارض ذاته ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته أو حقيقة ذاته كما سيأتي الفرق بين الذاتي والعرضي كقول القائل ما الخمر فيقال هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في الدن والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر بحيث لا يخرج منه خمر ولا يدخل فيه ما ليس بخمر

حصہ V01/P010–V01/P011

والثالث أن يطلب به ماهية الشيء وحقيقة ذاته كمن يقول ما الخمر فيقال هو شراب مسكر معتصر من العنب فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته ثم يتبعه لا محالة التمييز واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك فلنخترع لكل واحد اسما ولنسم الأول حدا لفظيا إذ السائل لا يطلب به إلا شرح اللفظ ولنسم الثاني حدا رسميا إذ هو مطلب مرتسم بالعلم غير متشوف إلى درك حقيقة الشيء ولنسم الثالث حدا حقيقيا إذ مطلب الطالب منه درك حقيقة الشيء وهذا الثالث شرطه أن يشتمل على جميع ذاتيات الشيء فإنه لو سئل عن حد الحيوان فقيل جسم حساس فقد جيء بوصف ذاتي وهو كاف في الجمع والمنع ولكنه ناقص بل حقه أن يضاف إليه المتحرك بالإرادة فإن كنه حقيقة الحيوان يدركه العقل بمجموع أمرين فأما المرتسم الطالب للتمييز فيكتفي بالحساس وإن لم يقل أنه جسم أيضا المطلب الثالث ما يطلب بصيغة ( لم ) وهو سؤال عن العلة وجوابه بالبرهان على ما سيأتي حقيقته المطلب الرابع ما يطلب بصيغة ( أي ) وهو الذي يطلب به تمييز ما عرف جملته عما اختلط به كما إذا قيل ما الشجر فقيل إنه جسم فينبغي أن يقال أي جسم هو فيقول نام وأما مطلب ( كيف ) و ( أين ) و ( متى ) وسائر صيغ السؤال فداخل في مطلب ( هل ) والمطلوب به صفة الوجود القانون الثاني إن الحاد ينبغي أن يكون بصيرا بالفرق بين الصفات الذاتية واللازمة والعرضية وذلك غامض فلا بد من بيانه فنقول المعنى إذا نسب إلى المعنى الذي يمكن وصفه به وجد بالإضافة إلى الموصوف إما ذاتيا له ويسمى صفة نفس وإما لازما ويسمى تابعا وإما عارضا لا يبعد أن ينفصل عنه في الوجود ولا بد من إتقان هذه النسبة فإنها نافعة في الحد والبرهان جميعا أما الذاتي فإني أعني به كل داخل في ماهية الشيء وحقيقته دخولا لا يتصور فهم المعنى دون فهمه وذلك كاللونية للسواد والجسمية للفرس والشجر فإن من فهم الشجر فقد فهم جسما مخصوصا فتكون الجسمية داخلة في ذات الشجرية دخولا به قوامها في الوجود والعقل لو قدر عدمها لبطل وجود الشجرية وكذا الفرس ولو قدر خروجها عن الذهن لبطل فهم الشجر والفرس من الذهن وما يجري هذا المجرى فلا بد من إدراجه في حد الشيء فمن يحد النبات يلزمه أن يقول جسم نام لا محالة وأما اللازم فما لا يفارق الذات البتة ولكن فهم الحقيقة والماهية غير موقوف عليه كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات والشجر عند طلوع الشمس فإن هذا أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبر عن مجاري العادات باللزوم ويعتقده ولكنه من توابع الذات ولوازمه وليس بذاتي له وأعني به أن فهم حقيقته غير موقوف على فهم ذلك له إذ الغافل عن وقوع الظل يفهم الفرس والنبات بل يفهم الجسم الذي هو أعم منه وإن لم يخطر بباله ذلك وكذلك كون الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض لا يتصور مفارقته له ولكن فهم الأرض غير موقوف على فهم كونها مخلوقة فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم يدرك بعد أنهما مخلوقتان فإنا نعلم أولا حقيقة الجسم ثم نطلب بالبرهان كونه مخلوقا ولا يمكننا أن نعلم الأرض والسماء ما لم نعلم الجسم

حصہ V01/P011–V01/P013

وأما العارض فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم بل يتصور مفارقته إما سريعا كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي وربما لا يزول في الوجود كزرقة العين ولكن يمكن رفعه في الوهم وأما كون الأرض مخلوقة وكون الجسم الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس فإنه ملازم لا تتصور مفارقته ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما مشتركان في استحالة المفارقة واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن وقد استقصيناه في كتاب معيار العلم فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم فلا تورد في الحد الحقيقي إلا الذاتيات وينبغي أن تورد جميع الذاتيات حتى يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب ما هو فإن القائل ما هو يطلب حقيقة الشيء فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي والذاتي ينقسم إلى عام ويسمى جنسا وإلى خاص ويسمى نوعا فإن كان الذاتي العام لا أعم منه سمي جنس الأجناس وإن كان الذاتي الخاص لا أخص منه سمي نوع الأنواع وهو اصطلاح المنطقيين ولتصالحهم عليه فإنه لا ضرر فيه وهو كالمستعمل أيضا في علومنا ومثاله أنا إذا قلنا الجوهر ينقسم إلى جسم وغير جسم والجسم ينقسم إلى نام وغير نام والنامي ينقسم إلى حيوان وغير حيوان والحيوان ينقسم إلى عاقل وهو الإنسان وغير عاقل فالجوهر جنس الأجناس إذ لا أعم منه والإنسان نوع الأنواع إذ لا أخص منه والنامي نوع بالإضافة إلى الجسم لأنه أخص منه وجنس بالإضافة إلى الحيوان لأنه أعم منه وكذلك الحيوان بين النامي الأعم والإنسان الأخص فإن قيل كيف لا يكون شيء أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه وكيف لا يكون شيء أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه وكيف لا يكون شيء أخص من الإنسان وقولنا شيخ وصبي وطويل وقصير وكاتب وخياط أخص منه قلنا لم نعن في هذا الاصطلاح بالجنس الأعم فقط بل عنينا الأعم الذي هو ذاتي للشيء أي داخل في جواب ما هو بحيث لو بطل عن الذهن التصديق بثبوته بطل المحدود وحقيقته عن الذهن وخرج عن كونه مفهوما للعقل وعلى هذا اصطلاح فالموجود لا يدخل في الماهية إذ بطلانه لا يوجب زوال الماهية عن الذهن بيانه إذا قال القائل ما حد المثلث فقلنا شكل يحيط به ثلاثة أضلاع أو قال ما حد المسبع فقلنا شكل يحيط به سبعة أضلاع فهم السائل حد المسبع وإن لم يعلم أن المسبع موجود في العالم أصلا فبطلان العلم بوجوده لا يبطل عن ذهنه فهم حقيقة المسبع ولو بطل عن ذهنه الشكل لبطل المسبع ولم يبق مفهوما عنده وأما ما هو أخص من الإنسان من كونه طويلا أو قصيرا أو شيخا أو صبيا أو كاتبا أو أبيض أو محترفا فشيء منه لا يدخل في الماهية إذ لا يتغير جواب الماهية بتغيره فإذا قيل لنا ما هذا فقلنا إنسان وكان صغيرا فكبر أو قصيرا فطال فسئلنا مرة أخرى ما هو لست أقول من هو لكان الجواب ذلك بعينه ولو أشير إلى ما ينفصل من الأحليل عند الوقاع وقيل ما هو لقلنا نطفة فإذا صار جنينا ثم مولودا فقيل ما هو تغير الجواب ولم يحسن أن يقال نطفة بل يقال إنسان وكذلك الماء إذا سخن فقيل ما هو قلنا ماء كما في حالة البرودة ولو استحال بالنار بخارا ثم هواء ثم قيل ما هو تغير الجواب فإذا انقسمت الصفات إلى ما يتبدل الجواب عن الماهية بتبدلها وإلى ما لا يتبدل فلنذكر في الحد الحقيقي ما يدخل في الماهية وأما الحد اللفظي والرسمي فمؤنتهما خفيفة إذ طالبهما قانع بتبديل لفظ العقار بالخمر وتبديل لفظ العلم بالمعرفة أو بما هو وصف عرضي جامع مانع وإنما العويص المتعذر هو الحد الحقيقي وهو الكاشف عن ماهية الشيء لا غير

حصہ V01/P013–V01/P014

القانون الثالث ( أصل السؤال وتعريفه الصحيح ) إن ما وقع السؤال عن ماهيته وأردت أن تحده حدا حقيقيا فعليك فيه وظائف لا يكون الحد حقيقيا إلا بها فإن تركتها سميناه رسميا أو لفظيا ويخرج عن كونه معربا عن حقيقة الشيء ومصورا لكنه معناه في النفس الأولى أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول فإذا قال لك مشيرا إلى ما ينبت من الأرض ما هو فلا بد أن تقول جسم لكن لو اقتصرت عليه لبطل عليك بالحجر فتحتاج إلى الزيادة فتقول نام فتحترز به عما لا ينمو فهذا الاحتراز يسمى فصلا أي فصلت به المحدود عن غيره الثانية أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل لكن ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص فلا تقول نام جسم بل بالعكس وهذه لو تركتها لتشوش النظم ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب اللفظ فالإنكار عليك في هذا أقل مما في الأول وهو أن تقتصر على الجسم الثالثة إنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه فتكون مكررا تقول مائع شراب أو تقتصر على البعيد فتكون مبعدا كما تقول في حد الخمر جسم مسكر مأخوذ من العنب وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس لكنه مختل قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر بل لو قلت مائع مسكر كان أقرب من الجسم وهو أيضا ضعيف بل ينبغي أن تقول شراب مسكر فإنه الأقرب الأخص ولا تجد بعده جنسا أخص منه فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل إذ الشراب يتناول سائر الأشربة فاجتهد أن تفصل بالذاتيات إلا إذا عسر عليك ذلك وهو كذلك عسير في أكثر الحدود فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم واجتهد أن يكون ما ذكرته من اللوازم الظاهرة المعروفة فإن الخفي لا يعرف كما إذا قيل ما الأسد فقلت سبع أبخر ليتميز بالبخر عن الكلب فإن البخر من خواص الأسد لنه خفي ولو قلت سبع شجاع عريض الأعالي لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى المقصود لأنها أجلى وأكثر مما ترى في الكتب من الحدود رسمية إذ الحقيقية عسرة جدا وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ واحد منها عسر والتمييز بين الذاتي واللازم عسر ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص قبل الأعم عسر وطلب الجنس الأقرب عسر فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع ولا يحضرك لفظ السبع فتجمع أنواعا من العسر وأحسن الرسميات ما وضع فيه الجنس الأقرب وتمم بالخواص المشهورة المعروفة الرابعة أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة والمشتركة المترددة واجتهد في الإيجاز ما قدرت وفي طلب اللفظ النص ما أمكنك فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو أشد مناسبة للغرض واذكر مرادك للسائل فما كل أمر معقول له عبارة صريحة موضوعة للإنباء عنه ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف مراده بالتصريح أو عرف بالقرينة فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في ذمه إن كان قد كشف عن الحقيقة بذكر جميع الذاتيات فإنه المقصود وهذه المزايا تحسينات وتزيينات كالأبازير من الطعام المقصود وإنما المتحذلقون يستعظمون مثل ذلك ويستنكرونه غاية الاستنكار لميل طباعهم القاصرة عن المقصود الأصلي إلى الوسائل والرسوم والتوابع حتى ربما أنكروا قول القائل في حد العلم إنه الثقة بالمعلوم أو إدراك المعلوم من حيث إن الثقة مترددة بين الأمانة والفهم وهذا هوس لأن الثقة إذا قرنت بالمعلوم تعين فيها جهة الفهم ومن قال حد اللون ما يدرك بحاسة العين على وجه كذا وكذا فلا ينبغي أن ينكر من حيث إن لفظ العين مشترك بين الميزان والشمس والعضو الباصر لأن قرينة الحاسة أذهبت عنه الاحتمال وحصل التفهيم الذي هو مطلوب السؤال واللفظ غير مراد بعينه في الحد الحقيقي إلا عند المرتسم الذي يحوم حول العبارات فيكون اعتراضه عليها وشغفه بها

حصہ V01/P014–V01/P015

القانون الرابع في طريق اقتناص الحد اعلم أن الحد لا يحصل بالبرهان لأنا إذا قلنا في حد الخمر أنه شراب مسكر فقيل لنا لم لكان محالا أن يقام عليه برهان فإن لم يكن معنا خصم وكنا نطلبه فكيف نطلبه بالبرهان وقولنا الخمر شراب مسكر دعوى هي قضية محكومها الخمر وحكمها أنه شراب مسكر وهذه القضية إن كانت معلومة بلا وسط فلا حاجة إلى البرهان وإن لم تعلم وافتقرت إلى وسط وهو معنى البرهان أعني طلب الوسط كان صحة ذلك الوسط للمحكوم عليه وصحة الحكم للوسط كل واحد قضية واحدة فبماذا تعرف صحتها فإن احتيج إلى وسط تداعى إلى غير نهاية وإن وقف في موضع بغير وسط فبماذا تعرف في ذلك الموضع صحته فليتخذ ذلك طريقا في أول الأمر مثاله لو قلنا في حد العلم إنه المعرفة فقيل لم فقلنا لأن كل علم فهو اعتقاد مثلا وكل اعتقاد فهو معرفة فكل علم إذن معرفة لأن هذا طريق البرهان على ما سيأتي فيقال ولم قلتم كل علم فهو اعتقاد ولم قلتم كل اعتقاد فهو معرفة فيصير السؤال سؤالين وهكذا يتداعى إلى غير نهاية بل الطريق أن النزاع إن كان مع خصم أن يقال عرفنا صحته باطراده وانعكاسه فهو الذي يسلمه الخصم بالضرورة وأما كونه معربا عن تمام الحقيقة ربما ينازع فيه ولا يقر به فإن منع اطراده وانعكاسه على أصل نفسه طالبناه بأن يذكر حد نفسه وقابلنا أحد الحدين بالآخر وعرفنا ما فيه التفاوت من زيادة أو نقصان وعرفنا الوصف الذي فيه يتفاوتان وجردنا النظر إلى ذلك الوصف وأبطلناه بطريقة أو أثبتناه بطريقة مثاله إذا قلنا المغصوب مضمون وولد المغصوب مغصوب فكان مضمونا فقالوا لا نسلم أن ولد المغصوب مغصوب قلنا حد الغصب إثبات اليد العادية على مال الغير وقد وجد فربما منع كون اليد عادية وكونه إثباتا بل نقول هذا ثبوت ولكن ليس ذلك من غرضنا بل ربما قال نسلم أن هذا موجود في ولد المغصوب لكن لا نسلم أن هذا حد الغصب فهذا لا يمكن إقامة برهان عليه إلا أنا نقول هو مطرد منعكس فما الحد عندك فلا بد من ذكره حتى ننظر إلى موضع التفاوت فيقول بل حد الغصب إثبات اليد المبطلة المزيلة لليد المحقة فنقول قد زدت وصفا وهو الإزالة فلننظر هل يمكننا أن نقدر على اعتراف الخصم بثبوت الغصب مع عدم هذا الوصف فإن قدرنا عليه بان أن الزيادة عليه محذوفة وذلك بأن نقول الغاصب من الغاصب يضمن للمالك وقد أثبت اليد المبطلة ولم يزل المحقة فإنها كانت زائلة فهذا طريق قطع النزاع مع المناظر وأما الناظر مع نفسه إذا تحررت له حقيقة له حقيقة الشيء وتخلص له اللفظ الدال على ما تحرر في مذهبه علم أنه واجد للحد فلا يعاند نفسه

حصہ V01/P015–V01/P016

القانون الخامس في حصر مداخل الخلل في الحدود وهي ثلاثة فإنه تارة يدخل من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل وتارة من جهة أمر مشترك بينهما أما الخلل من جهة الجنس فأن يؤخذ الفصل بدله كما يقال في العشق إنه إفراط المحبة وإنما ينبغي أن يقال إنه المحبة المفرطة فالإفراط يفصلها عن سائر أنواع المحبة ومن ذلك أن يؤخذ المحل بدل الجنس كقولك في الكرسي إنه خشب يجلس عليه وفي السيف إنه حديد يقطع به بل ينبغي أن يقال للسيف إنه آلة صناعية من حديد مستطيلة عرضها كذا ويقطع بها كذا فالآلة جنس والحديد محل الصورة لا جنس وأبعد منه أن يؤخذ بدل الجنس ما كان موجودا والآن ليس بموجود كقولك للرماد إنه خشب محترق وللولد أنه نطفة مستحيلة فإن الحديد موجود في السيف في الحال والنطفة والخشب غير موجودين في الولد والرماد ومن ذلك أن يؤخذ الجزء بدل الجنس كما يقال في حد العشرة أنها خمسة وخمسة ومن ذلك أن توضع القدرة موضع المقدور كما يقال حد العفيف هو الذي يقوى على اجتناب اللذات الشهوانية وهو فاسد بل هو الذي يترك وإلا فالفاسق يقوى على الترك ولا يترك ومن ذلك أن يضع اللوازم التي ليست بذاتية بدل الجنس كالواحد والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض مثلا ومن ذلك أن يضع النوع مكان الجنس كقولك الشر هو ظلم الناس والظلم نوع من الشر وأما من جهة الفصل فأن يأخذ اللوازم والعرضيات في الاحتراز بدل الذاتيات وأن لا يورد جميع الفصول وأما الأمور المشتركة فمن ذلك أن يحد الشيء بما هو أخفى منه كقول القائل حد الحادث ما به القدرة ومن ذلك حد الشيء بما هو مساو له في الخفاء كقولك العلم ما يعلم به أو ما يكون الذات به عالما ومن ذلك أن يعرف الضد بالضد فيقول حد العلم ما ليس بظن ولا جهل وهكذا حتى يحصر الأضداد وحد الزوج ما ليس بفرد ثم يمكنك أن تقول في حد الفرد ما ليس بزوج فيدور الأمر ولا يحصل له بيان ومن ذلك أن يأخذ المضاف في حد المضاف وهما متكافئان في الإضافة كقول القائل حد الأب من له ابن ثم لا يعجز أن يقول حد الابن من له أب بل ينبغي أن يقول الأب حيوان تولد من نطفته حيوان آخر هو من نوعه فهو أب من حيث هو كذلك ولا يحيل على الابن فإنهما في الجهل والمعرفة يتلازمان ومن ذلك أن يأخذ المعلول في حد العلة مع أنه لا يحد المعلول إلا بأن تؤخذ العلة في حده كما يقول في حد الشمس إنه كوكب يطلع نهارا فيقال وما حد النهار فيلزمه أن يقول النهار زمان من طلوع الشمس إلى غروبها إن أراد الحد الصحيح ولذلك نظائر لا يمكن إحصاؤها القانون السادس في أن المعنى الذي لا تركيب فيه البتة لا يمكن حده إلا بطريق شرح اللفظ أو بطريق الرسم

حصہ V01/P016–V01/P017

وأما الحد الحقيقي فلا والمعنى المفرد مثل الموجود فإذا قيل لك ما حد الموجود فغايتك أن تقول هو الشيء أو الثابت فتكون قد أبدلت اسما باسم مرادف له ربما يتساويان في التفهيم وربما يكون أحدهما أخفى في موضع اللسان كمن يقول ما العقار فيقال الخمر وما الغضنفر فيقال الأسد وهذا أيضا إنما يحسن بشرط أن يكون المذكور في الجواب أشهر من المذكور في السؤال ثم لا يكون إلا شرحا للفظ وإلا فمن يطلب تلخيص ذات الأسد فلا يتخلص له ذلك في عقله إلا بأن يقول هو سبع من صفته كيت وكيت فأما تكرار الألفاظ المترادفة فلا يغنيه ولو قلت حد الموجود أنه المعلوم أو المذكور وقيدته بقيد احترزت به عن المعدوم كنت ذكرت شيئا من توابعه ولوازمه وكان حدك رسميا غير معرب عن الذات فلا يكون حقيقيا فإذا الموجود لا حد له فإنه مبدأ كل شرح فكيف يشرح في نفسه وإنما قلنا المعنى المفرد ليس له الحد الحقيقي لأن معنى قول القائل ما حد الشيء قريب من معنى قوله ما حد هذه الدار وللدار جهات متعددة إليها ينتهي الحد فيكون تحديد الدار بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة مسورة بها فإذا قال ما حد السواد فكأنه يطلب به المعاني والحقائق التي بائتلافها تتم حقيقة السواد فإن السواد سواد ولون وموجود وعرض ومرئي ومعلوم ومذكور واحد وكثير ومشرق وبراق وكدر وغير ذلك من الأوصاف وهذه الأوصاف بعضها عارض يزول وبعضها لازم لا يزول ولكن ليست ذاتية ككونه معلوما وواحدا وكثيرا وبعضها ذاتي لا يتصور فهم السواد دون فهمه ككونه لونا فطالب الحد كأنه يقول إلى كم معنى تنتهي حدود حقيقة السواد لتجمع له تلك المعاني المتعددة ويتخلص بأي يبتدىء بالأعم ويختم بالأخص ولا يتعرض للعوارض وربما يطلب أن لا يتعرض للوازم بل للذاتيات خاصة فإذا لم يكن المعنى مؤتلفا من ذاتيات متعددة كالموجود فكيف يتصور تحديده فكان السؤال عنه كقول القائل ما حد الكرة ويقدر العالم كله كرة فكيف يذكر حده على مثال حدود الدار إذ ليس له حدود فإن حده عبارة عن منقطعه ومنقطعه سطحه الظاهر وهو سطح واحد متشابه وليس سطوحا مختلفة ولا هو منته إلى مختلفة حتى يقال أحد حدوده ينتهي إلى كذا والآخر إلى كذا فهذا المثال المحسوس وإن كان بعيدا عن المقصود ربما يفهم مقصود هذا الكلام ولا يفهم من قولي السواد مركب من معنى اللونية والسوادية واللونية جنس والسوادية نوع أن في السواد ذوات متعددة متباينة متفاضلة فلا تقل إن السواد لون وسواد بل لون ذلك اللون بعينه هو سواد ومعناه يتركب ويتعدد للعقل حتى يعقل اللونية مطلقا ولا يخطر له السواد مثلا ثم يعقل السواد فيكون العقل قد عقل أمرا زائدا لا يمكنه جحد تفاصيله في الذهن ولكن لا يمكن أن يعتقد تفاصيله في الوجود ولا تظنن أن منكر الحال يقدر على حد شيء البتة والمتكلمون يسمون اللونية حالا لأن منكر الحال إذا ذكر الجنس واقتصر بطل عليه الحد وإن زاد شيئا للاحتراز فيقال له إن الزيادة عين الأول أو غيره فإن كان عينه قلت بموجود موجود والمترادفة كالمتكررة فهو إذا يبطل بالعرض وإن كان غيره حتى اندفع النقض بقولك متحيز ولم يندفع بقولك موجود فهو غير بالمعنى لا باللفظ فوجب الإعتراف بتغاير المعنى في العقل والمقصود بيان أن المفرد لا يمكن أن يكون له حد حقيقي وإنما يحد بحد لفظي كقولك في حد الموجود إنه الشيء أو رسمي كقولك في حد الموجود أنه المنقسم إلى الخالق والمخلوق والقادر والمقدور أو الواحد والكثير أو القديم والحادث أو الباقي والفاني أو ما شئت من لوازم الموجود وتوابعه وكل ذلك ليس ينبىء عن ذات الموجود بل عن تابع لازم لا يفارقه البتة

حصہ V01/P017–V01/P018

واعلم أن المركب إذا حددته بذكر آحاد الذاتيات توجه السؤال عن حد الآحاد فإذا قيل لك ما حد الشجر فقلت نبات قائم على ساق فقيل لك ما حد النبات فتقول جسم نام فيقال ما حد الجسم فتقول جوهر مؤتلف أو الجوهر الطويل العريض العميق فيقال وما حد الجوهر وهكذا فإن كل مؤلف فيه مفردات فله حقيقة وحقيقته أيضا تأتلف من مفردات ولا تظن أن هذا يتمادى إلى غير نهاية بل ينتهي إلى مفردات يعرفها العقل والحس معرفة أولية لا تحتاج إلى طلب بصيغة الحد كما أن العلوم التصديقية تطلب بالبرهان عليها وكل برهان ينتظم من مقدمتين ولا بد لكل مقدمة أيضا من برهان يأتلف من مقدمتين وهكذا فيتمادى إلى أن ينتهي إلى أوليات فكما أن في العلوم أوليات فكذلك في المعارف فطالب حدود الأوليات إنما يطلب شرح اللفظ لا الحقيقة فإن الحقيقة تكون ثابتة في عقله بالفطرة الأولى كثبوت حقيقة الوجود في العقل فإن طلب الحقيقة فهو معاند كمن يطلب البرهان على أن الإثنين أكثر من الواحد فهذا بيان ما أردنا ذكره من القوانين الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات للقوانين بحدود مفصلة وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب معيار العلم ومحك النظر ونحن الآن مقتصرون على حد الحد وحد العلم وحد الواجب لأن هذا النمط من الكلام دخيل في علم الأصول فلا يليق فيه الاستقصاء الامتحان الأول ( حد الحد ) اختلف الناس في حد الحد فمن قائل يقول حد الشيء هو حقيقته وذاته ومن قائل يقول حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يمنع ويجمع ومن قائل ثالث يقول هذه المسألة خلافية فينصر أحد الحدين على الآخر فانظر كيف تخبط عقل هذا الثالث فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد التوارد على شيء واحد وهذان قد تباعدا وتنافرا وما تواردا على شيء واحد وإنما منشأ هذا الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك على ما سنذكره فإن من يحد العين بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية لم يخالف من حده بأنه الجوهر المعدني الذي هو أشرف النقود بل حد هذا أمرا مباينا لحقيقة الأمر الآخر وإنما اشتركا في اسم العين فافهم هذا فإنه قانون كثير النفع فإن قلت فما الصحيح عندك في حد الحد فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه ومن قرر المعاني أولا في عقله ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى فلنقرر المعاني فنقول الشيء له في الوجود أربع مراتب الأولى حقيقته في نفسه الثانية ثبوت مثال حقيقته في الذهن وهو الذي يعبر عنه بالعلم الثالثة تأليف صوت بحروف تدل عليه وهو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس

حصہ V01/P018–V01/P019

الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ وهو الكتابة فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه والعلم تبع للمعلوم إذ يطابقه ويوافقه وهذه الأربعة متطابقة متوازية إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان بالأعصار والأمم والآخرين وهو اللفظ والكتابة يختلفان بالأعصار والأمم لأنهما موضوعان بالاختيار ولكن الأوضاع وإن اختلفت صورها فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة ومعلوم أن الحد مأخوذ من المنع وإنما استعير لهذه المعاني لمشاركته في معنى المنع فانظر المنع أين تجده في هذه الأربعة فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاصرة للشيء مخصوصة به إذ حقيقة كل شيء خاصيته التي له وليست لغيره فإذا الحقيقة جامعة مانعة وإن نظرت إلى مثال الحقيقة في الذهن وهو العلم وجدته أيضا كذلك لأنه مطابق للحقيقة المانعة والمطابقة توجب المشاركة في المنع وإن نظرت إلى العبارة عن العلم وجدتها أيضا حاصرة فإنها مطابقة للعلم المطابق للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق وإن نظرت إلى الكتابة وجدتها مطابقة للفظ المطابق للعلم المطابق للحقيقة فهي أيضا مطابقة فقد وجدت المنع في الكل إلا أن العادة لم تجر بإطلاق الحد على الكتابة التي هي الرابعة ولا على العلم الذي هو الثاني بل هو مشترك بين الحقيقة وبين اللفظ وكل لفظ مشترك بين حقيقتين فلا بد أن يكون له حدان مختلفان كلفظ العين فإذا عند الإطلاق على نفس الشيء يكون حد الحد أنه حقيقة الشيء وذاته وعند الإطلاق الثاني يكون حد الحد أنه اللفظ الجامع المانع إلا أن الذين أطلقوه على اللفظ أيضا اصطلاحهم مختلف كما ذكرناه في الحد اللفظي والرسمي والحقيقي فحد الحد عند من يقنع بتكرير اللفظ كقولك الموجود هو الشيء والعلم هو المعرفة والحركة هي النقلة هو تبديل اللفظ بما هو أوضح عند السائل على شرط أن يجمع ويمنع وأما حد الحد عند من يقنع بالرسميات فإنه اللفظ الشارح للشيء بتعديد صفاته الذاتية أو اللازمة على وجه يميزه عن غيره تمييزا يطرد وينعكس وأما حده عند من لا يطلق اسم الحد إلا على الحقيقي فهو إنه القول الدال على تمام ماهية الشيء ولا يحتاج في هذا إلى ذكر الطرد والعكس لأن ذلك تبع للماهية بالضرورة ولا يحتاج إلى التعرض للوازم والعوارض فإنها لا تدل على الماهية بل لا يدل إلا على الماهية إلا الذاتيات فقد عرفت أن اسم الحد مشترك في الاصطلاحات بين الحقيقة وشرح اللفظ والجمع بالعوارض والدلالة على الماهية فهذه أربعة أمور مختلفة كما دل لفظ العين على أمور مختلفة فتعلم صناعة الحد فإذا ذكر لك اسم وطلب منك حده فانظر فإن كان مشتركا فاطلب عدة المعاني التي فيها الاشتراك فإن كانت ثلاثة فاطلب لها ثلاثة حدود فإن الحقائق إذا اختلفت فلا بد من اختلاف الحدود فإذا قيل لك ما الإنسان فلا تطمع في حد واحد فإن الإنسان مشترك بين أمور إذ يطلق على إنسان العين وله حد وعلى الإنسان المعروف وله حد آخر وعلى الإنسان المصنوع على الحائط المنقوش وله حد آخر وعلى الإنسان الميت وله حد آخر فإن اليد المقطوعة والذكر المقطوع يسمى ذكرا وتسمى يدا ولكن بغير الوجه الذي كانت تسمى به حين كانت غير مقطوعة فإنها كانت تسمى به من حيث أنها آلة البطش وآلة الوقاع وبعد القطع تسمى به من حيث أن شكلها شكل آلة البطش حتى لو بطل بالتقطيعات الكثيرة شكلها سلب هذا الاسم عنها ولو صنع شكلها من خشب أو حجر أعطي الاسم وكذلك إذا قيل ما حد العقل فلا تطمع في أن تحده بحد واحد فإنه هوس لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معان إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ويطلق على الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لدرك العلوم النظرية ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى أن من لم تحنكه التجارب بهذا الاعتبار لا يسمى عاقلا ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه وهو عبارة عن الهدو فيقال فلان عاقل أي في هدو وقد يطلق على من جمع العمل إلى العلم حتى أن المفسد وإن كان في غاية من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلا فلا يقال للحجاج عاقل بل داه ولا يقال للكافر عاقل وإن كان محيطا بجملة العلوم الطبية والهندسية بل إما فاضل وإما داه وإما كيس فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود فيقال في حد العقل باعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية كجواز الجائزات واستحالة المتسحيلات كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله وبالاعتبار الثاني أنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات وهكذا بقية الاعتبارات

حصہ V01/P019–V01/P020

فإن قلت فنرى الناس يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل الاختلاف في الحد أترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء فاعلم أن الاختلاف في الحد يتصور في موضعين أحدهما أن يكون اللفظ في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو قول إمام من الأئمة يقصد الاطلاع على مراده به فيكون ذلك اللفظ مشتركا فيقع النزاع في مراده به فيكون قد وجد التوارد على مراد القائل والتباين بعد التوارد فالخلاف تباين بعد التوارد وإلا فلا نزاع بين من يقول السماء قديمة وبين من يقول الإنسان مجبور على الحركات إذ لا توارد فلو كان لفظ الحد في كتاب الله تعالى أو في كتاب إمام لجاز أن يتنازع في مراده ويكون إيضاح ذلك من صناعة التفسير لا من صناعة النظر العقلي الثاني أن يقع الاختلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب حده أمرا ثانيا لا يتحد حده على المذهبين فيختلف كما يقول المعتزلي حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به ونحن نخالف في ذكر الشيء فإن المعدوم عندنا ليس بشيء وهو معلوم فالخلاف في مسألة أخرى يتعدى إلى هذا الحد وكذلك يقول القائل حد العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا وكذا ويخالف من يقول في حده إنه غريزة يتميز بها الإنسان عن الذئاب وسائر الحيوانات من حيث إن القائل الأول ينكر تميز العين بغريزة عن العقب وتميز الإنسان بغريزة عن الذئاب بها يتهيأ للنظر في العقليات لكن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم في القلب دون العقب وفي الإنسان دون الذئاب وخلق البصر في العين دون العقب لا لتميزه بغريزة استعد بسببها لقبوله فيكون منشأ الاختلاف في الحد الاختلاف في إثبات هذه الغريزة أو نفيها فهذه أمور وإن أوردناها في معرض الامتحان فقد أدرجنا فيها ما يجري على التحقيق مجرى القوانين امتحان ثان ( حد العلم اختلف في حد العلم فقيل إنه المعرفة وهو حد لفظي وهو أضعف أنواع الحدود فإنه تكرير لفظ بذكر ما يرادفه كما يقال حد الأسد الليث وحد العقار الخمر وحد الموجود الشيء وحد الحركة النقلة ولا يخرج عن كونه لفظيا بأن يقال معرفة المعلوم على ما هو به لأنه في حكم تطويل وتكرير إذ المعرفة لا تطلق إلا على ما هو كذلك فهو كقول القائل حد الموجود الشيء الذي له ثبوت ووجود فإن هذا تطويل لا يخرجه عن كونه لفظيا ولست أمنع من تسمية هذا حدا فإن لفظ الحد مباح في اللغة لمن استعاره لما يريده مما فيه نوع من المنع هذا إذا كان الحد عنده عبارة عن لفظ مانع وإن كان عنده عبارة عن قول شارح لماهية الشيء مصور كنه حقيقته في ذهن السائل فقد ظلم بإطلاق هذا الاسم على قوله العلم هو المعرفة وقيل أيضا أنه الذي يعلم به وأنه الذي تكون الذات به عالمة وهذا أبعد من الأول فإنه مساو له في الخلو عن الشرح والدلالة على الماهية ولكن قد يتوهم في الأول شرح اللفظ بأن يكون أحد اللفظين عند السائل أشهر من الآخر فيشرح الأخفى بالأشهر أما العالم ويعلم فهما مشتقان من نفس العلم ومن أشكل عليه المصدر كيف يتضح له بالمشتق منه والمشتق أخفى من المشتق منه وهو كقول القائل في حد الفضة إنها التي تصاغ منها الأواني الفضية

حصہ V01/P020–V01/P021

وقد قيل في حد العلم إنه الوصف الذي يتأتى للمتصف به إتقان الفعل وأحكامه وهذا ذكر لازم من لوازم العلم فيكون رسميا وهو أبعد مما قبله من حيث أنه أخص من العلم فإنه لا يتناول إلا بعض العلوم ويخرج منه العلم بالله وصفاته إذ ليس يتأتى به إتقان فعل وأحكامه ولكنه أقرب مما قبله بوجه فإنه ذكر لازم قريب من الذات ليفيد شرحا وبيانا بخلاف قوله ما يعلم به وما تكون الذات به عالمة فإن قلت فما حد العلم عندك فاعلم أنه إسم مشترك قد يطلق على الإبصار والإحساس وله حد بحسبه ويطلق على التخيل وله حد بحسبه ويطلق على الظن وله حد آخر ويطلق على علم الله تعالى على وجه آخر أعلى وأشرف ولست أعني به شرفا بمجرد العموم فقط بل بالذات والحقيقة لأنه معنى واحد محيط بجميع التفاصيل ولا تفاصيل ولا تعدد في ذاته وقد يطلق على إدراك العقل وهو المقصود بالبيان وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي فإنا بينا أن ذلك عسير في أكثر الأشياء بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها فلو أردنا أن نحد رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلتبس به ولا يخفى وجه تميزه عن الإرادة والقدرة وسائر صفات النفس وإنما يلتبس بالاعتقادات ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الشك والظن لأن الجزم منتف عنهما والعلم عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ولا تجويز ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الجهل فإنه متعلق بالمجهول على خلاف ما هو به والعلم مطابق للمعلوم وربما يبقى ملتبسا باعتقاد المقلد الشيء على ما هو به عن تلقف لا عن بصيرة وعن جزم لا عن تردد ولأجله خفي على المعتزلة حتى قالوا في حد العلم إنه اعتقاد الشيء على ما هو به وهو خطأ من وجهين أحدهما تخصيص الشيء مع أن العلم يتعلق بالمعدوم الذي ليس شيئا عندنا والثاني إن هذا الإعتقاد حاصل للمقلد وليس بعالم قطعا فإنه كما يتصور أن يعتقد الشيء جزما على خلاف ما هو به لا عن بصيرة كاعتقاد اليهودي والمشرك فإنه تصميم جازم لا تردد فيه يتصور أن يعتقد الشيء بمجرد التلقين والتلقف على ما هو به مع الجزم الذي لا يخطر بباله جواز غيره فوجه تميز العلم عن الإعتقاد هو أن الإعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي الشاك مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال ومن غير تمكين نقيضه من الحلول في النفس فإن الشاك يقول العالم حادث أم ليس بحادث والمعتقد يقول حادث ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم والجاهل يقول قديم ويستمر عليه والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من الجهل في نفسه وإن خالفه بالإضافة فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر استمراره عليه حتى خرج زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه وإنما تغيرت إضافته فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه مع تغير المعلوم فإنه كشف وانشراح والاعتقاد عقدة على القلب والعلم عبارة عن انحلال العقد فهما مختلفان ولذلك لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض معتقده مجالا في نفسه والعالم لا يجد ذلك أصلا وإن أصغى إلى الشبه المشككة ولكن إذا سمع شبهة فإما أن يعرف حلها وإن لم تساعده العبارة في الحال وإما أن تساعده العبارة أيضا على حلها وعلى كل حال فلا يشك في بطلان الشبهة بخلاف المقلد وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يكون العلم مرتسما في النفس بمعناه وحقيقته من غير تكلف تحديد

حصہ V01/P021–V01/P023

وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المبصر في القوة الباصرة من إنسان العين كما يتوهم انطباع الصور في المرآة مثلا فكما أن البصر يأخذ صور المبصرات أي ينطبع فيها مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال يطابق صورتها وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا عين النار فكذلك العقل على مثال مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ما هي عليها وأعني بصور المعقولات حقائقها وماهياتها فالعلم عبارة عن أخذ العقل صور المعقولات وهيآتها في نفسه وانطباعها فيه كما يظن من حيث الوهم انطباع الصور في المرآة ففي المرآة ثلاثة أمور الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيها فكذلك جوهر الآدمي كحديدة المرآة وعقله هيئة وغريزة في جوهره ونفسه بها يتهيأ للانطباع بالمعقولات كما أن المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ لمحاكاة الصور فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل والنفس التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظنان الاشتباه وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما وكما أن السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور أن تنطبع بها نفس الآدمي والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات فكلها من الحضرة الإلهية إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله فإذا انطبعت بها صارت كأنها كل العالم لإحاطتها به تصورا وانطباعا وعند ذلك ربما ظن من لا يدري الحلول فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط لأنها ليست في المرآة ولكن كأنها في المرآة فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة العلم في هذه المقدمة التي هي علاوة على هذا العلم امتحان ثالث ( تعريف الواجب ) اختلفوا في حد الواجب فقيل الواجب ما تعلق به الإيجاب وهو فاسد كقولهم العلم ما يعلم به وقيل ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه وقيل ما يجب بتركه العقاب وقيل ما لا يجوز العزم على تركه وقيل ما يصير المكلف بتركه عاصيا وقيل ما يلام تاركه شرعا وأكثر هذه الحدود تعرض للوازم والتوابع وسبيلك إن أردت الوقوف على حقيقته أن تتوصل إليه بالتقسيم كما أرشدناك إليه في حد العلم فاعلم أن الألفاظ في هذا الفن خمسة الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح فدع الألفاظ جانبا ورد النظر إلى المعنى أولا فأنت تعلم أن الواجب اسم مشترك إذ يطلقه المتكلم في مقابلة الممتنع ويقول وجود الله تعالى واجب وقال الله تعالى وجبت جنوبها الحج 36 ويقال وجبت الشمس وله بكل معنى عبارة والمطلوب الآن مراد الفقهاء وهذه الألفاظ لا شك أنها لا تطلق على جوهر بل على عرض ولا على كل عرض بل من جملتها على الأفعال فقط ومن الأفعال على أفعال المكلفين لا على أفعال البهائم فإذا نظرك إلى أقسام الفعل لا من حيث كونه مقدورا وحادثا ومعلوما ومكتسبا ومخترعا وله بحسب كل نسبة انقسامات إذ عوارض الأفعال ولوازمها كثيرة فلا نظر فيها ولكن إطلاق هذا الاسم عليها من حيث نسبتها إلى خطار الشرع فقط فنقسم الأفعال بالإضافة إلى خطاب الشرع فنعلم أن الأفعال تنقسم إلى ما لا يتعلق به خطاب الشرع كفعل المجنون وإلى ما يتعلق به والذي يتعلق به ينقسم إلى ما يتعلق به على وجه التخيير والتسوية بين الإقدام عليه وبين الإحجام عنه ويسمى مباحا وإلى ما ترجح فعله على تركه وإلى ما ترجح تركه على فعله والذي ترجح فعله على تركه ينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على تركه ويسمى مندوبا وإلى ما أشعر بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا ثم ربما خص فريق اسم الواجب بما أشعر بالعقوبة عليه ظنا وما أشعر به قطعا خصوه باسم الفرض ثم لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني وأما المرجح تركه فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على فعله ويسمى مكروها وقد يكون منه ما أشعر بعقاب على فعله في الدنيا كقوله صلى الله عليه وسلم من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه وإلى ما أشعر بعقاب في الآخرة على فعله وهو المسمى محظورا و حراما ومعصية فإن قلت فما معنى قولك أشعر فمعناه أنه عرف بدلالة من خطاب صريح أو قرينة أو معنى مستنبط أو فعل أو إشارة فالإشعار يعم جميع المدارك فإن قلت فما معنى قولك عليه عقاب قلنا معناه أنه أخبر أنه سبب العقاب في الآخرة فإن قلت فما المراد بكونه سببا فالمراد به ما يفهم من قولنا الأكل سبب الشبع وحز الرقبة سبب الموت والضرب سبب الألم والدواء سبب الشفاء فإن قلت فلو كان سببا لكان لا يتصور أن لا يعاقب وكم من تارك واجب يعفى عنه ولا يعاقب فأقول ليس كذلك إذ لا يفهم من قولنا الضرب سبب الألم والدواء سبب الشفاء أن ذلك واجب في كل شخص أو في معين مشار إليه بل يجوز أن يعرض في المحل أمر يدفع السبب ولا يدل ذلك على بطلان السببية فرب دواء لا ينفع ورب ضرب لا يدرك المضروب ألمه لكونه مشغول النفس بشيء آخر كمن يجرح في حال القتال وهو لا يحس في الحال به وكما أن العلة قد تستحكم فتدفع أثر الدواء فكذلك قد يكون في سريرة الشخص وباطنه أخلاق رضية وخصال محمودة عند الله تعالى مرضية توجب العفو عن جريمته ولا يوجب ذلك خروج الجريمة عن كونها سبب العقاب فإن قال قائل هل يتصور أن يكون للشيء الواحد حدان قلنا أما الحد اللفظي فيجوز أن يكون ألفا إذ ذلك بكثرة الأسامي الموضوعة للشيء الواحد

حصہ V01/P023–V01/P024

وأما الرسمي فيجوز أيضا أن يكثر لأن عوارض الشيء الواحد ولوازمه قد تكثر وأما الحد الحقيقي فلا يتصور أن يكون إلا واحدا لأن الذاتيات محصورة فإن لم يذكرها لم يكن حدا حقيقيا وإن ذكر مع الذاتيات زيادة فالزيادة حشو فإذا هذا الحد لا يتعدد وإن جاز أن تختلف العبارات المترادفة كما يقال في حد الحادث أنه الموجود بعد العدم أو الكائن بعد أن لم يكن أو الموجود المسبوق بعدم أو الموجود عن عدم فهذه العبارات لا تؤدي إلا معنى واحدا فإنها في حكم المترادفة ولنقتصر في الامتحانات على هذا القدر فالتنبيه حاصل به إن شاء الله تعالى الدعامة الثانية من مدارك العقول في البرهان الذي به التوصل إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالبحث والنظر وهذه الدعامة تشتمل على ثلاثة فنون سوابق ولواحق ومقاصد الفن الأول في السوابق ويشتمل على تمهيد كلي وثلاثة فصول التمهيد اعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر بالنظر وهذه الأقاويل إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها سميت مقدمات والخلل في البرهان تارة يدخل من جهة نفس المقدمات إذ قد تكون خالية عن شروطها وأخرى من كيفية الترتيب والنظم وإن كانت المقدمات صحيحة يقينية ومرة منها جميعا ومثاله من المحسوسات البيت المبني فإنه أمر مركب تارة يختل بسبب في هيئة التأليف بأن تكون الحيطان معوجة والسقف منخفضا إلى موضع قريب من الأرض فيكون فاسدا من حيث الصورة وإن كانت الأحجار والجذوع وسائر الآلات صحيحة وتارة يكون البيت صحيح الصورة في تربيعها ووضع حيطانها وسقفها ولكن يكون الخلل من رخاوة في الجذوع وتشعب في اللبنات هذا حكم البرهان والحد وكل أمر مركب فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه وإما أن يكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب كالثوب في القميص والخشب في الكرسي واللبن في الحائط والجذوع في السقف وكما أن من يريد بناء بيت بعيد عن الخلل يفتقر إلى أن يعد الآلات المفردة أولا كالجذوع واللبن والطين ثم إن أراد اللبن افتقر إلى إعداد مفرداته وهو التبن والتراب والماء والقالب الذي فيه يضرب فيبتدىء أولا بالأجزاء المفردة فيركبها ثم يركب المركب وهكذا إلى آخر العمل وكذلك طالب البرهان ينبغي أن ينظر في نظمه وصورته وفي المقدمات التي فيها النظم والترتيب وأقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان أعني علمين يتطرق إليهما التصديق والتكذيب وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع إحداهما مخبرا عنها والأخرى خبرا ووصفا فقد انقسم البرهان إلى مقدمتين وانقسمت كل مقدمة إلى معرفتين تنسب إحداهما إلى الأخرى وكل مفرد فهو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة وأقسامها ثم في الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها ثم إذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا ألفنا معنيين وجعلناهما مقدمة وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة وكل من أراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد طمع في المحال وكان كمن طمع في أن يكون كاتبا يكتب الخطوط المنظومة وهو لا يحسن كتابة الكلمات أو يكتب الكلمات وهو لا يحسن كتابة الحروف المفردة وهكذا القول في كل مركب فإن أجزاء المركب تقدم على المركب بالضرورة حى لا يوصف القادر الأكبر بالقدرة على خلق العلم بالمركب دون الآحاد إذ لا يوصف بالقدرة على تعليم الخطوط المنظومة دون تعليم الكلمات فلهذه الضرورة اشتملت دعامة البرهان على فن في السوابق وفن في المقاصد وفن في اللواحق الفن الأول في السوابق وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في دلالة الألفاظ على المعاني ويتضح المقصود منه بتقسمات

حصہ V01/P024–V01/P025

التقسيم الأول إن دلالة اللفظ على المعنى تنحصر في ثلاثة أوجه وهي المطابقة والتضمن والإلتزام فإن لفظ البيت يدل على معنى البيت بطريق المطابقة ويدل على السقف وحده بطريق التضمن لأن البيت يتضمن السقف لأن البيت عبارة عن السقف والحيطان وكما يدل لفظ الفرس على الجسم إذ لا فرس إلا وهو جسم وأما طريق الالتزام فهو كدلالة لفظ السقف على الحائط فإنه غير موضوع للحائط وضع لفظ الحائط للحائط حتى يكون مطابقا ولا هو متضمن إذ ليس الحائط جزءا من السقف كما كان السقف جزءا من نفس البيت وكما كان الحائط جزءا من نفس البيت لكنه كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي لا ينفك السقف عنه وإياك أن تستعمل في نظر العقل من الألفاظ ما يدل بطريق الإلتزام لكن اقتصر على ما يدل بطريق المطابقة والتضمن لأن الدلالة بطريق الالتزام لا تنحصر في حد إذ السقف يلزم الحائط والحائط الأس والأس الأرض وذلك لا ينحصر التقسيم الثاني إن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وشموله تنقسم إلى لفظ يدل على عين واحدة ونسميه معينا كقولك زيد وهذه الشجرة وهذا الفرس وهذا السواد وإلى ما يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد ونسميه مطلقا والأول حده اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد بعينه فلو قصدت اشتراك غيره فيه منع نفس مفهوم اللفظ منه وأما المطلق فهو الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في معناه كقولك السواد والحركة والفرس والإنسان وبالجملة الإسم المفرد في لغة العرب إذا أدخل عليه الألف واللام للعموم فإن قلت وكيف يستقيم هذا وقولك الإله والشمس والأرض لا يدل إلا على شيء واحد مفرد مع دخول الألف واللام فاعلم أن هذا غلط فإن امتناع الشركة ها هنا ليس لنفس مفهوم اللفظ بل الذي وضع اللغة لو جوز في الإله عددا لكان يرى هذا اللفظ عاما في الآلهة كلها فإن امتنع الشمول لم يكن لوضع اللفظ بل لاستحالة وجود إله ثان فلم يكن امتناع الشركة لمفهوم اللفظ والمانع في الشمس أن الشمس في الوجود واحدة فلو فرضنا عوالم في كل واحد شمس وأرض كان قولنا الشمس والأرض شاملا للكل فتأمل هذا فإنه مزلة قدم في جملة من الأمور النظرية فإن من لا يفرق بين قوله السواد وبين قوله هذا السواد وبين قوله الشمس وبين قوله هذه الشمس عظم سهوه في النظريات من حيث لا يدري التقسيم الثالث إن الألفاظ المتعددة بالإضافة إلى المسميات المتعددة على أربعة منازل ولنخترع لها أربعة ألفاظ وهي المترادفة والمتباينة والمتواطئة والمشتركة أما المترادفة فنعني بها الألفاظ المختلفة والصيغ المتواردة على مسمى واحد كالخمر والعقار والليث والأسد والسهم والنشاب وبالجملة كل اسمين لمسمى واحد يتناوله أحدهما من حيث يتناوله الآخر من غير فرق وأما المتباينة فنعني بها الأسامي المختلفة للمعاني المختلفة كالسواد والقدرة والأسد والمفتاح والسماء والأرض وسائر الأسامي وهي الأكثر وأما المتواطئة فهي التي تنطلق على أشياء متغايرة بالعدد ولكنها متفقة بالمعنى الذي وضع الإسم عليها كاسم الرجل فإنه ينطلق على زيد وعمرو وبكر وخالد واسم الجسم ينطلق على السماء والأرض والإنسان لاشتراك هذه الأعيان في معنى الجسمية التي وضع الاسم بإزائها وكل اسم مطلق ليس بمعين كما سبق فإنه ينطلق على آحاد مسمياته الكثيرة بطريق التواطؤ كاسم اللون للسواد والبياض والحمرة فإنها متفقة في المعنى الذي به سمي اللون لونا وليس بطريق الاشتراك البتة

حصہ V01/P025–V01/P026

وأما المشتركة فهي الأسامي التي تنطلق على مسميات مختلفة لا تشترك في الحد والحقيقة البتة كاسم العين للعضو الباصر وللميزان وللموضع الذي يتفجر منه الماء وهي العين الفوارة وللذهب وللشمس وكاسم المشتري لقابل عقد البيع وللكوكب المعروف ولقد ثار من ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في العقليات حتى ظن من ضعفاء العقول أن السواد لا يشارك البياض في اللونية إلا من حيث الاسم وإن ذلك كمشاركة الذهب للمحدقة الباصرة في اسم العين وكمشاركة قابل عقد البيع للكوكب في المشتري وبالجملة الاهتمام بتمييز المشتركة عن المتواطئة مهم فلنرد له شرحا فنقول الاسم المشترك قد يدل على المختلفين كما ذكرناه وقد يدل على المتضادين كالجلل للحقير والخطير والناهل للعطشان والريان والجون للسواد والبياض والقرء للطهر والحيض واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من المتواطىء ويعسر على الذهن وإن كان في غاية الصفاء الفرق ولنسم ذلك متشابها وذلك مثل اسم النور الواقع على الضوء المبصر من الشمس والنار والواقع على العقل الذي به يهتدى في الغوامض فلا مشاركة بين حقيقة ذات العقل والضوء إلا كمشاركة السماء للإنسان في كونها جسما إذ الجسمية فيهما لا تختلف البتة مع أنه ذاتي لهما ويقرب من لفظ النور لفظ الحي على النبات والحيوان فإنه بالاشتراك المحض إذ يراد به من بعض النبات المعنى الذي به نماؤه ومن الحيوان المعنى الذي به يحس ويتحرك بالإرادة وإطلاقه على الباري تعالى إذا تأملت عرفت أنه لمعنى ثالث يخالف الأمرين جميعا ومن أمثال هذه تتابع الأغاليط مغلطة أخرى قد تلتبس المترادفة بالمتباينة وذلك إذا أطلقت أسام مختلفة على شيء واحد باعتبارات مختلفة ربما ظن أنها مترادفة كالسيف والمهند والصارم فإن المهند يدل على السيف مع زيادة نسبة إلى الهند فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف والصارم يدل على السيف مع صفة الحدة والقطع لا كالأسد والليث وهذا كما أنا في اصطلاحاتنا النظرية نحتاج إلى تبديل الأسامي على شيء واحد عند تبدل اعتباراته كما أنا نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين مفردين دعوى إذا تحدى به المتحدي ولم يكن عليه برهان إن كان في مقابلة خصم وإن لم يكن في مقابلة خصم سميناه قضية كأنه قضى فيه على شيء بشيء فإن خاض في ترتيب قياس الدليل عليه سميناه مطلوبا فإن دل بقياسه على صحته سميناه نتيجة فإن استعمله دليلا في طلب أمر آخر ورتبه في أجزاء القياس سميناه مقدمة وهذا ونظائره مما يكثر مثال الغلط في المشترك قول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة المكره على القتل يلزمه القصاص لأنه مختار ويقول الحنفي لا يلزمه القصاص لأنه مكره وليس بمختار ويكاد الذهن لا ينبو عن التصديق بالأمرين وأنت تعلم أن التصديق بالضدين محال وترى الفقهاء يتعثرون فيه ولا يهتدون إلى حله وإنما ذلك لأن لفظ المختار مشترك إذ قد يجعل لفظ المختار مراد فاللفظ القادر ومساويا له إذ قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة كالمحمول فيقال هذا عاجز محمول وهذا قادر مختار ويراد بالمختار القادر الذي يقدر على الفعل وتركه وهو صادق على المكره وقد يعبر بالمختار عمن تخلى في استعمال قدرته ودواعي ذاته بلا تحرك دواعيه من خارج وهذا يكذب على المكره ونقيضه وهو أنه ليس بمختار يصدق عليه فإذا صدق عليه أنه مختار وأنه ليس بمختار ولكن بشرط أن يكون مفهوم المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت ولهذا نظائر في النظريات لا تحصى تاهت فيها عقول الضعفاء فليستدل بهذا القليل على الكثير الفصل الثاني من الفن الأول النظر في المعاني المفردة ويظهر الغرض من ذلك بتقسيمات ثلاثة الأول أن المعنى إذا وصف بالمعنى ونسب إليه وجد إما ذاتيا وإما عرضيا وإما لازما وقد فصلناه والثاني أنه إذا نسب إليه وجد إما أعم كالوجود بالإضافة إلى الجسمية وإما أخص كالجسمية بالإضافة إلى الوجود وإما مساويا كالمتحيز بالإضافة إلى الجوهر عند قوم وإلى الجسم عند قوم