Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

حصہ V01/P072–V01/P073

وأما الوقوع الشرعي فنقول كان يجوز أن يخصص خطاب الفروع بالمؤمنين كما خصص وجوب العبادات بالأحرار والمقيمين والأصحاء والطاهرات دون الحيض ولكن وردت الأدلة بمخاطبتهم وأدلته ثلاثة الأول قوله تعالى ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين المدثر 42 43 الآية فأخبر أنه عذبهم بترك الصلاة وحذر المسلمين به فإن قيل هذه حكاية قول الكفار فلا حجة فيها قلنا ذكره الله تعالى في معرض التصديق لهم بإجماع الأمة وبه يحصل التحذير إذ لو كان كذبا لكان كقولهم عذبنا لأنا مخلوقون وموجودون كيف وقد عطف عليه قوله وكنا نكذب بيوم الدين المدثر 46 فكيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه فإن قيل العقاب بالتكذيب لكن غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه قلنا لا يجوز أن يغلظ بترك الطاعات كما لا يجوز أن يغلظ بترك المباحات التي لم يخاطبوا بها فإن قيل عوقبوا إلا بترك الصلاة لكن لإخراجهم أنفسهم بترك الإيمان عن العلم بقبح ترك الصلاة قلنا هذا باطل من أوجه أحدها أنه ترك للظاهر من غير ضرورة ولا دليل فإن ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة وقد قالوا لم نك من المصلين المدثر 43 الثاني أن ذلك يوجب التسوية بين كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين من اقتصر على الكفر لأن كليهما استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم بقبح المحظورات والتسوية بينهما خلاف الإجماع الثالث أن من ترك النظر والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ترك الإيمان لأنه أخرج نفسه بترك النظر عن أهلية العلم بوجوب المعرفة والإيمان فإن قيل لم نك من المصلين أي من المؤمنين لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل المصلين أي المؤمنين لكن عرفهم بما هو شعارهم قلنا هذا محتمل لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ولا دليل للخصم الدليل الثاني قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الفرقان 68 إلى قوله تعالى يضاعف له العذاب الفرقان 69 فالآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا لا كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب والدليل الثالث إنعقاد الإجماع على تعذيب الكافر على تكذيب الرسول كما يعذب على الكفر بالله تعالى وهذا يهدم معتمدهم إذ قالوا لا تتصور العبادة مع الكفر فكيف يؤمر بها احتجوا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في الكفر ومع انتفاء وجوبه لو أسلم فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله قلنا وجب حتى لو مات على الكفر لعوقب على تركه لكن إذا أسلم عفى له عما سلف فالإسلام يجب ما قبله ولا يبعد نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام فإن قيل إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الإسلام والإسلام الذي هو شرط الوجوب هو بعينه مسقط فالإستدلال بهذا على أنه لم يجب أولى من إيجابه ثم الحكم بسقوطه قلنا لا بعد في قولنا استقر الوجوب بالإسلام وسقط بحكم العفو فليس في ذلك مخالفة نص ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي للفواحش وكذا الإجماع دل على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش الدين وبين كافر لم يرتكب شيئا من ذلك فما ذكرناه أولى فإن قيل فلم أوجبتم القضاء على المرتد دون الكافر الأصلي قلنا القضاء إنما وجب بأمر مجدد فيتبع فيه موجب الدليل ولا حجة فيه إذ قد يجب القضاء على الحائض ولم تؤمر بالأداء وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء وقد اعتذر الفقهاء بأن المرتد قد التزم بالإسلام القضاء والكافر لم يلتزم وهذا ضعيف فإن ما ألزمه الله تعالى فهو لازم التزمه العبد أو لم يلتزمه فإن كان يسقط بعدم التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات وترك المحظورات فينبغي أن لا يلزمه ذلك

حصہ V01/P073–V01/P074

الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به وهو الذي يسمى سببا وكيفية نسبة الحكم إليه وفيه أربعة فصول الفصل الأول في الأسباب إعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال لا سيما بعد انقطاع الوحي أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا لأحكامه وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الأحكام إليها كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 ? < وقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة فإن ما يتكرر الوجوب بتكرره فجدير بأن يسمى سببا أما ما لا يتكرر كالإسلام والحج فيمكن أن يقال ذلك معلوم بقوله تعالى > ? ولله على الناس حج البيت آل عمران 97 وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب ويمكن أن يقال سبب وجوب الإيمان والمعرفة الأدلة المنصوبة وسبب وجوب الحج البيت دون الاستطاعة ولما كان البيت واحدا لم يجب الحج إلا مرة واحدة والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت والأمر فيه قريب هذا قسم العبادات وأما قسم الغرامات والكفارات والعقوبات فلا تخفى أسبابها وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والإبضاع وحرمتها أيضا أسباب ظاهرة من نكاح وبيع وطلاق وغيره وهذا ظاهر وإنما المقصود أن نصب الأسباب أسبابا للأحكام أيضا حكم من الشرع فلله تعالى في الزاني حكمان أحدهما وجوب الحد عليه والثاني نصب الزنا سببا للوجوب في حقه لأن الزنا لا يوجب الرجم لذاته وعينه بخلاف العلل العقلية وإنما صار موجبا بجعل الشرع إياه موجبا فهو نوع من الحكم فلذلك أوردناه في هذا القطب ولذلك يجوز تعليله ونقول نصب الزنا علة للرجم والسرقة علة للقطع لكذا وكذا فاللواط في معناه فينتصب أيضا سببا والنباش في معنى السارق وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب القياس وأعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء وأصل اشتقاقه من الطريق ومن الحبل الذي به ينزح الماء من البئر وحده ما يحصل الشيء عنده لا به فإن الوصول بالسير لا بالطريق ولكن لا بد من الطريق ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل ولكن لا بد من الحبل فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع وأطلقوه على أربعة أوجه الوجه الأول وهو أقربها إلى المستعار منه ما يطلق في مقابلة المباشرة إذ يقال إن حافر البئر مع المردي فيه صاحب سبب والمردي صاحب علة فإن الهلاك بالتردية لكن عند وجود البئر فما يحصل الهلاك عنده لا به يسمى سببا الثاني تسميتهم الرمي سببا للقتل من حيث أنه سبب للعلة وهو على التحقيق علة العلة ولكن لما حصل الموت لا بالرمي بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم إلا به الثالث تسميتهم ذات العلة مع تخلف وصفها سببا كقولهم الكفارة تجب باليمين دون الحنث فاليمين هو السبب وملك النصاب هو سبب الزكاة دون الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه ويقابلون هذا بالمحل والشرط فيقولون ملك النصاب سبب والحول شرط الرابع تسميتهم الموجب سببا فيكون السبب بمعنى العلة وهذا أبعد الوجوه عن وضع اللسان فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية لأنها لا توجب الحكم لذاتها بل بإيجاب الله تعالى ولنصبه هذه الأسباب علامات لإظهار الحكم فالعلل الشرعية في معنى العلامات المظهرة فشابهت ما يحصل الحكم عنده

حصہ V01/P074–V01/P075

الفصل الثاني في وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد إعلم أن هذا يطلق في العبادات تارة وفي العقود أخرى وإطلاقه في العبادات مختلف فيه فالصحيح عند المتكلمين عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لم يجب وعند الفقهاء عبارة عما أجزأ وأسقط الفضاء حتى أن صلاة من ظن أن متطهر صحيحة في إصطلاح المتكلمين لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه إسم الصحة وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء لأنها غير مجزئة وكذلك من قطع صلاته بإنقاذ غريق فصلاته صحيحة عند المتكلم فاسدة عند الفقيه وهذه الإصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيها إذ المعنى متفق عليه وأما إذا أطلق في العقود فكل سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه يقال أنه صح وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل فالباطل هو الذي لا يثمر لأن السبب مطلوب لثمرته والصحيح هو الذي أثمر والفاسد مرادف للباطل في إصطلاح أصحاب الشافعي رضي الله عنه فالعقد إما صحيح وإما باطل وكل باطل فاسد وأبو حنيفة أثبت قسما آخر في العقود بين البطلان والصحة وجعل الفاسد عبارة عنه وزعم أن الفاسد معتقد لإفادة الحكم لكن المعني بفساده أنه غير مشروع بوصفه والمعني بانعقاده أنه مشروع بأصله كعقدالربا فإنه مشروع من حيث أنه بيع وممنوع من حيث أنه يشتمل على زيادة في العوض فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا وبين المشروع بأصله ووصفه جميعا فلو صح له هذا القسم لم يناقش في التعبير عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله كما سبق ذكره الفصل الثالث في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة أعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء وإن أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع المقدر سمي قضاء وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في الوقت سمي إعادة فالإعادة اسم لمثل ما فعل والقضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود ويتصدى النظر في شيئين أحدهما أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل فلو أخر عصي بالتأخير فلو أخر وعاش قال القاضي رحمه الله ما يفعله هذا قضاء لأنه تقدر وقته بسبب غلبة الظن وهذا غير مرضي عندنا فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال حكمه وصار كما لو علم أنه يعيش فينبغي أن ينوي الأداء أعني المريض إذا أخر الحج إلى السنة الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي الثاني أن الزكاة على الفور عندالشافعي رحمه الله فلو أخر ثم أدى فيلزم على مساق كلام القاضي رحمه الله أن يكون قضاء والصحيح أنه أداء لأنه لم يعين وقته بتقدير وتعيين وأنما أوجبنا البدء بقرينة الحاجة وإلا فالأداء في جميع الأوقات موافق لموجب الأمر وامتثال له وكذلك من لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر فلا نقول أنه قضاء القضاء ولذلك نقول يفتقر وجوب القضاء إلى أمر مجدد ومجرد الأمر بالأداء كاف في دوام اللزوم فلا يحتاج إلى دليل آخر وأمر مجدد فإذا الصحيح أن إسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل دقيقة أعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة فإنه تلو الأداء وللأداء أربعة أحوال الأولى أن يكون واجبا فإذا تركه المكلف عمدا أو سهوا وجب عليه القضاء ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو فالإتيان بمثله بعده يسمى قضاء حقيقة

حصہ V01/P075–V01/P077

الثانية أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض فإنه حرام فإذا صامت بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض وحقيقته أنه فرض مبتدأ لكن لما تجدد هذا الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه سمي قضاء وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا وجب الصوم على الحائض دون الصلاة بدليل وجوب القضاء وجعل هذا الاسم مجازا أولى من مخالفة الإجماع إذ لا خلاف أنه لو ماتت الحائض لم تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته وليس الحيض كالحدث فإن إزالته تمكن فإن قيل فلم تنوي قضاء رمضان قلنا إن عينت بذلك أنها تنوي قضاء ما منع الحيض من وجوبه فهو كذلك وإن عنيت أنه قضاء لما وجب عليها في حالة الحيض فهو خطأ ومحال فإن قيل فلينو البالغ القضاء لما فات في حالة الصغر قلنا لو أمر بذلك لنواه ولكن لم يجعل فوات الإيجاب بالصبا سببا لإيجاب فرض مبتدأ بعد البلوغ كيف والمجاز إنما يحسن بالاشتهار وقد اشتهر ذلك في الحيض دون الصبا ولعل سبب اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف والحائض مكلفة فهي بصدد الإيجاب الحالة الثالثة حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما لكنهما إن صاما وقع عن الفرض فهذا يحتمل أن يقال أنه مجاز أيضا إذ لا وجوب ويحتمل أن يقال إنه حقيقة إذ فعله في الوقت لصح منه فإذا أخل بالفعل مع صحته فعله فهو شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا أو نقول قال الله تعالى فعدة من أيام أخر البقرة 184 185 فهو على سبيل التخيير فكان الواجب أحدهما لا بعينه إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول والأول سابق بالزمان فسمي قضاء لتعلقه بفواته بخلاف العتق والصيام في الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما بفوات الآخر ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء لأنه مخير بين التقديم والتأخير كالمسافر والأظهر أن تسمية صوم المسافر قضاء مجاز أو القضاء إسم مشترك بين ما فات أداؤه الواجب وبين ما خرج عن وقته المشهور المعروف به ولرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليس ذلك لسواه بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه ولو بلغ في آخر وقت الصلاة لزمته فإخراجه عن مظنة أدائه في حق العموم يوهم كونه قضاء والذي يقتضيه التحقيق أنه ليس بقضاء فإن قيل فالنائم والناسي يقضيان ولا خطاب عليهما لأنهما لا يكلفان قلنا هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط عنهما المأثم بخلاف الحائض والمسافر ولذلك يجب عليهما الإمساك بقية النهار تشبها بالصائمين دون الحائض ثم في المسافر مذهبان ضعيفان أحدهما مذهب أصحاب الظاهر أن المسافر لا يصح صومه في السفر لقوله تعالى فعدة من أيام أخر البقرة 184 185 فلم يأمره إلا بأيام أخر وهو فاسد لأن سياق الكلام يفهمنا إضمار الإفطار ومعناه من كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه البقرة 60 يعني فضرب فانفجرت ولأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على بعض والثاني مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر ولكن لو صام رمضان صح وكان معجلا للواجب كمن قدم الزكاة على الحول وهو فاسد لأن الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه والمؤدي في أول الوقت الموسع غير معجل بل هو مؤد في وقته كما سبق في الصلاة في أول الوقت

حصہ V01/P077–V01/P078

الحالة الرابعة حال المريض فإن كان لا يخشى الموت في الصوم فهو كالمسافر أما الذي يخشى الموت أو الضرر العظيم فيعصي بترك الأكل فيشبه الحائض من هذا الوجه فلو صام يحتمل أن يقال لا ينعقد لأنه عاص به فكيف يتقرب بما يعصي به ويحتمل أن يقال إنما عصي بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة يعصي لتناوله حق الغير ويمكن أن يقال قد قيل للمريض كل فكيف يقال له لا تأكل وهو معنى الصوم بخلاف الصلاة والغصب ويمكن أن يجاب بأنه قيل له لا تهلك نفسك وقيل له صم فلم يعص من حيث أنه صائم بل من حيث سعيه في الهلاك ويلزم عليه صوم يوم النحر فإنه نهي عنه لترك إجابة الدعوة إلى أكل القرابين والضحايا وهي ضيافة الله تعالى ويعسر الفرق بينهما جدا فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون فإن قلنا لا ينعقد صومه فتسمية تداركه قضاء مجاز محض كما في حق الحائض وإلا فهو كالمسافر الفصل الرابع في العزيمة والرخصة اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد قال الله تعالى 02 فنسي ولم نجد له عزما طه 115 أي قصدا بليغا وسمي بعض الرسل أولي العزم لتأكيد قصدهم في طلب الحق والعزيمة في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى والرخصة في اللسان عبارة عن اليسر والسهولة يقال رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء وفي الشريعة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب المحرم فإن لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة الضحى لا يسمى رخصة وما أباحه في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة ويسمى تناول الميتة رخصة وسقوط صوم رمضان عن المسافر يسمى رخصة وعلى الجملة فهذا الاسم يطلق حقيقة ومجازا فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الإكراه وكذلك إباحة شرب الخمر وإتلاف مال الغير بسب الإكراه والمخمصة والغصص بلقمة لا يسيغها إلا الخمر التي معه وأما المجاز البعيد عن الحقيقة فتسمية ما حط عنا من الأصر والإغلال التي وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة رخصة وما لم يجب علينا ولا على غيرنا لا يسمى رخصة وهذا لما أوجب على غيرنا فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق اسم الرخصة تجوزا فإن الإيجاب على غيرنا ليس تضييقا في حقنا والرخصة فسحة في مقابلة التضييق ويتردد بين هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها أقرب إلى المجاز منها القصر والفطر في حق المسافر وهو جدير بأن يسمى رخصة حقيقة لأن السبب هو شهر رمضان وهو قائم وقد دخل المسافر تحت قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 وأخرج عن العموم بعذر وعسر أما التيمم عند عدم الماء فلا يحسن تسميته رخصة لأنه لا يمكن تكليف استعمال الماء مع عدمه فلا يمكن أن يقال السبب قائم مع استحالة التكليف بخلاف المكره على الكفر والشرب فإنه قادر على الترك نعم تجويز ذلك عند المرض أو الجراحة أو بعد الماء عنه أو بيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة بل التيمم عند فقهاء الماء كالإطعام عند فقد الرقبة وذلك ليس برخصة بل أوجبت الرقبة في حالة والإطعام في حالة فلا نقول السبب قائم عند فقد الرقبة بل الظهار سبب لوجوب العتق في حالة ولوجوب الإطعام في حالة فإن قيل إن كان سبب وجوب الوضوء مندفعا عند فقد الماء فسبب تحريم الكفر والشرب والميتة مندفع عند خوف الهلاك فكان المحرم محرم بشرط انتفاء الخوف قلنا المحرم في الميتة الخبث وفي الخمر الإسكار وفي الكفر كونه جهلا بالله تعالى أو كذبا عليه وهذه المحرمات قائمة وقد اندفع حكمها بالخوف فكل تحريم اندفع بالعذر والخوف مع إمكان تركه يسمى اندفاعه رخصة ولا يمنع من ذلك تغيير العبارة بأن يجعل انتفاء العذر شرطا مضموما إلى الموجب فإن قيل فالرخص تنقسم إلى ما يعصى بتركه كترك أكل الميتة والإفطار عند خوف الهلاك وإلى ما لا يعصى كالإفطار والقصر وترك كلمة الكفر وترك قتل من أكره على قتل نفسه فكيف يسمى ما يجب الإتيان به رخصة وكيف فرق بين البعض والبعض قلنا أما تسميته رخصة وإن كانت واجبة فمن حيث أن فيه فسحة إذ لم يكلف إهلاك نفسه بالعطش وجوز له تسكينه بالخمر وأسقط عنه العقاب فمن حيث إسقاط العقاب عن فعله هو فسحة ورخصة ومن حيث إيجاب العقاب على تركه هو عزيمة

حصہ V01/P078–V01/P079

وأما سبب الفرق فأمور مصلحية رآها المجتهدون وقد اختلفوا فيها فمنهم من لم يجوز الاستسلام للصائل ومنهم من جوز وقال قتل غيره محظور كقتله وإنما جوز له نظرا له وله أن يسقط حق نفسه إذا قابله مثله وليس له أن يهلك نفسه ليمتنع عن ميتة وخمر فإن حفظ المهجة أهم في الشرع من ترك اليمتة والخمر في حالة نادرة ومنها السلم فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه في الحال فقد يقال إنه رخصة لأن عموم نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده يوجب تحريمه وحاجة المفلس اقتضت الرخصة في السلم ولا شك في أن تزويج الآبقة يصح ولا يسمى ذلك رخصة فإذا قوبل ببيع الآبق فهو فسحة لكن قيل النكاح عقد آخر فارق شرطه البيع فلا مناسبة بينهما ويمكن أن يقال السلم عقد آخر فهو بيع دين وذلك بيع عين فافترقا وافتراقهما في الشرط لا يلحق أحدهما بالرخص فيشبه أن يكون هذا مجازا فقول الراوي نهي عن بيع ما ليس عند الإنسان وأرخص في السلم تجوز في الكلام واعلم أن بعض أصحاب الرأي قالوا حد الرخصة أنه الذي أبيح مع كونه حراما وهذا متناقض فإن الذي أبيح لا يكون حراما وحذق بعضهم وقال ما أرخص فيه مع كونه حراما وهو مثل الأول لأن الترخيص إباحة أيضا وقد بنوا هذا على أصلهم إذ قالوا الكفر قبيح لعينه فهو حرام فبالإكراه رخص له فيما هو قبيح في نفسه وعن هذا لو أصر ولم يتلفظ بالكفر كان مثابا وزعموا أن المكره على الإفطار لو لم يفطر يثاب لأن الإفطار قبيح والصوم قيام بحق الله تعالى والمكره على إتلاف المال أيضا لو استسلم قالوا يثاب والمكره على تناول الميتة وشرب الخمر زعموا أنه يأثم إن لم يتناول وفي هذه التفاصيل نظر فقهي لا يتعلق بمحض الأصول والمقصود أن قولهم أنه رخص في الحرام متناقض لا وجه له والله تعالى أعلم وقد تم النظر في القطب الأول وهو النظر في حقيقة الحكم وأقسامه فلننظر الآن في مثمر الحكم وهو الدليل القطب الثاني في أدلة الأحكام وهي أربعة الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي فأما قول الصحابي وشريعة من قبلنا فمختلف فيه الأصل الأول من أصول الأدلة كتاب الله تعالى واعلم أنا إذا حققنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى إذ قول مشغول الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحكم ولا ملزم بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا فالحكم لله تعالى وحده والإجماع يدل على السنة والسنة على حكم الله تعالى وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفي الأحكام عند انتفاء السمع فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه إلا أنا إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حقنا فلا يظهر إلا بقول الرسول عليه السلام لأنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل فالكتاب يظهر لنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فإذن إن اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط إذ الإجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو واحد وهو حكم الله تعالى لكن إذا لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب النظر فيها أربعة كما سبق فلنبدأ بالكتاب والنظر في حقيقته ثم في حده المميز له عما ليس بكتاب ثم في ألفاظه ثم في أحكامه

حصہ V01/P079–V01/P080

النظر الأول في حقيقته ومعناه هو الكلام القائم بذات الله تعالى وهو صفة قديمة من صفاته والكلام اسم مشترك قد يطلق على الألفاظ الدالة على ما في النفس تقول سمعت كلام فلان وفصاحته وقد يطلق على مدلول العبارات وهي المعاني التي في النفس كما قيل إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقال الله تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول المجادلة 8 وقال تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به الملك 13 فلا سبيل إلى إنكار كون هذا الاسم مشتركا وقد قال قوم وضع في الأصل للعبارات وهو مجاز في مدلولها وقيل عكسه ولا يتعلق به غرض بعد ثبوت الاشتراك وكلام النفس ينقسم إلى خبر واستخبار وأمر ونهي وتنبيه وهي معان تخالف بجنسها الإرادات والعلوم وهي متعلقة بمتعلقاتها لذاتها كما تتعلق القدرة والإرادة والعلم وزعم قوم أنه يرجع إلى العلوم والإرادات وليس جنسا برأسه وإثبات ذلك على المتكلم لا على الأصولي فصل كلام الله تعالى واحد وهو مع وحدته متضمن لجميع معاني الكلام كما أن علمه واحد وهو مع وحدته محيط بما لا يتناهى من المعلومات حتى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وفهم ذلك غامض وتفهيمه على المتكلم لا على الأصولي وأما كلام النفس في حقنا فهو يتعدد كما تتعدد العلوم ويفارق كلامه كلامنا من وجه آخر وهو أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على أن يعرف غيره كلام نفسه إلا بلفظ أو رمز أو فعل والله تعالى قادر على أن يخلق لمن يشاء من عباده علما ضروريا بكلامه من غير توسط حرف وصوت ودلالة ويخلق لهم السمع أيضا بكلامه من غير توسط صوت وحرف ودلالة ومن سمع ذلك من غير توسط فقد سمع كلام الله تحقيقا وهو خاصية موسى صلوات الله تعالى عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء وأما من سمعه من غيره ملكا كان أو نبيا كان تسميته سامعا كلام الله تعالى كتسميتنا من سمع شعر المتنبي من غيره بأنه سمع شعر المتنبي وذلك أيضا جائز ولأجله قال الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله التوبة 6 النظر الثاني في حده وحد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا ونعني بالكتاب القرآن المنزل وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله حتى كرهوا التعاشير والنقط وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره ونقل إلينا متواترا فعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن وأن ما هو خارج عنه فليس منه إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه فإن قيل هلا حددت موه بالعجز قلنا لا لأن كونه معجزا يدل على صدق الرسول عليه السلام لا على كونه كتاب الله تعالى لا محالة إذ يتصور الإعجاز بما ليس بكتاب الله تعالى ولأن بعض الآية ليس بمعجز وهو من الكتاب فإن قيل فلم شرطتم التواتر قلنا ليحصل العلم به لأن الحكم بما لا يعلم جهل وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي حتى يتعلق بظننا فيقال إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا أو حللناه لكم فيكون التحريم معلوما عند ظننا ويكون ظننا علامة يتعلق التحريم به لأن التحريم بالوضع فيمكن الوضع عند الظن وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي فالحكم فيه بالظن جهل ويتشعب عن حد الكلام مسألتان مسألة ( حكم تتابع الصيام في كفارة اليمين )

حصہ V01/P080–V01/P081

التتابع في صوم كفارة اليمين ليس بواجب على قول وإن قرأ ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات لأن هذه الزيادة لم تتواتر فليست من القرآن فتحمل على أنه ذكرها في معرض البيان لما اعتقده مذهبا فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار وقال أبو حنيفة يجب لأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فلا أقل من كونه خبرا والعمل يجب بخبر الواحد وهذا ضعيف لأن خبر الواحد لا دليل على كذبه وهو أن جعله من القرآن فهو خطأ قطعا لأنه وجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به وإن لم يجعله من القرآن احتمل أن يكون ذلك مذهبا له لدليل قد دله عليه واحتمل أن يكون خبرا وما تردد بين أن يكون خبرا أو لا يكون فلا يجوز العمل به وإنما يجوز العمل بما يصرح الراوي بسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة ( هل البسملة آية أم لا )

حصہ V01/P081–V01/P083

البسملة آية من القرآن لكن هل هي آية من أول كل سورة فيه خلاف وميل الشافعي رحمه الله إلى أنها آية من كل سورة الحمد وسائر السور لكنها في أول كل سورة آية برأسها وهي مع أول آية من سائر السور آية وهذا مما نقل عن الشافعي رحمه الله فيه تردد وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعي على أنها هل هي من القرآن في أول كل سورة بل الذي يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن فهي من القرآن فإن قيل القرآن لا يثبت إلا بطريق قاطع متواتر فإن كان هذا قاطعا فكيف اختلفوا فيه وإن كان مظنونا فكيف يثبت القرآن بالظن ولو جاز هذا لجاز إيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين بقول ابن مسعود ولجاز للروافض أن يقولوا قد ثبتت إمامة علي رضي الله عنه بنص القرآن ونزلت فيه آيات أخفاها الصحابة بالتعصب وإنما طريقنا في الرد عليهم أنا نقول نزل القرآن معجزة للرسول عليه السلام وأمر الرسول عليه السلام بإظهاره مع قوم تقوم الحجة بقولهم وهم أهل التواتر فلا يظن بهم التطابق على الإخفاء ولا مناجاة الآحاد به حتى لا يتحدث أحد بالإنكار فكانوا يبالغون في حفظ القرآن حتى كانوا يضايقون في الحروف ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القرآن ومن التعاشير والنقط كيلا يختلط بالقرآن غيره فالعادة تحيل الإخفاء فيجب أن يكون طريق ثبوت القرآن القطع وعن هذا المعنى قطع القاضي رحمه الله بخطأ من جعل البسملة من القرآن إلا في سورة النمل فقال لو كانت من القرآن لوجب على الرسول عليه السلام أن يبين أنها من القرآن بيانا قاطعا للشك والاحتمال إلا أنه قال أخطىء القائل به ولا أكفره لأن نفيها من القرآن لم يثبت أيضا بنص صريح متواتر فصاحبه مخطىء وليس بكافر واعترف بأن البسملة منزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة وأنها كتبت مع القرآن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قالابن عباس رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم لكنه لا يستحيل أن ينزل عليه ما ليس بقرآن وأنكر قول من نسب عثمان رضي الله عنه إلى البدعة في كتبه بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة وقال لو أبدع لاستحال في العادة سكوت أهل الدين عنه مع تصلبهم في الدين كيف وقد أنكروا على من أثبت أسامي السور والنقط والتعشير فما بالهم لم يجيبوا بأنا أبدعنا ذلك كما أبدع عثمان رضي الله عنه كتبه البسملة لا سيما واسم السور يكتب بخط آخر متميز عن القرآن والبسملة مكتوبة بخط القرآن متصلة به بحيث لا تتميز عنه فتحيل العادة السكوت على من يبدعها لولا أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب أنا نقول لا وجه لقطع القاضي بتخطئة الشافعي رحمه الله لأن إلحاق ما ليس بقرآن بالقرآن كفر كما أنه من ألحق القنوت أو التشهد أو التعوذ بالقرآن فقد كفر فمن ألحق البسملة لم لا يكفر ولا سبب له إلا أنه يقال لم يثبت انتفاؤه من القرآن بنص متواتر فنقول لو لم يكن من القرآن لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعة ذلك على وجه يقطع الشك كما في التعوذ والتشهد فإن قيل ما ليس من القرآن لا حصر له حتى ينفي إنما الذي يجب التنصيص عليه ما هو من القرآن قلنا هذا صحيح لو لم تكتب البسملة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القرآن بخط القرآن ولو لم يكن منزلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة وذلك يوهم قطعا أنه من القرآن ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعرف كونه موهما ولا جواز السكوت عن نفيه مع توهم الحاقه فإذا القاضي رحمه الله يقول لو كان من القرآن لقطع الشك بنص متواتر تقوم الحجة به ونحن نقول لو لم يكن من القرآن لوجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعته ولنفاه بنص متواتر بعد أن أمر بكتبه بخط القرآن إذ لا عذر في السكوت عن قطع هذا التوهم فأما عدم التصريح بأنه من القرآن فإنه كان اعتمادا على قرائن الأحوال إذ كان يملي على الكاتب مع القرآن وكان الرسول عليه السلام في أثناء إملائه لا يكرر مع كل كلمة وآية أنها من القرآن بل كان جلوسه له وقرائن أحواله تدل عليه وكان يعرف كل ذلك قطعا ثم لما كانت البسملة أمر بها في أول كل أمر ذي بال ووجد ذلك في أوائل السور ظن قوم أنه كتب على سبيل التبرك وهذا الظن خطأ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما ترك بعضهم قراءة البسملة في أول السورة فقطع بأنها آية ولم ينكر عليه كما ينكر على من ألحق التعوذ والتشهد بالقرآن فدل على أن ذلك كان مقطوعا به وحدث الوهم بعده فإن قيل بعد حدوث الوهم والظن صارت البسملة اجتهادية وخرجت عن مظنة القطع فكيف يثبت القرآن بالاجتهاد قلنا جوز القاضي رحمه الله الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها وأقر بأن ذلك منوط باجتهاد القراء وأنه لم يبين بيانا شافيا قاطعا للشك والبسملة من القرآن في سورة النمل هي مقطوع بكونها من القرآن وإنما الخلاف في أنها من القرآن مرة واحدة أو مرات كما كتبت فهذا يجوز أن يقع الشك فيه ويعلم بالاجتهاد لأنه نظر في تعيين موضع الآية بعد كونها مكتوبة بخط القرآن فهذا جائز وقوعه والدليل على إمكان الوقوع وأن الاجتهاد قد تطرق إليه أن النافي لم يكفر الملحق والملحق لم يكفر النافي بخلاف القنوت والتشهد فصارت البسملة نظرية وكتبها بخط القرآن مع القرآن مع صلابة الصحابة وتشددهم في حفظ القرآن عن الزيادة قاطع أو كالقاطع في أنها من القرآن فإن قيل فالمسألة صارت نظرية وخرجت عن أن تكون معلومة بالتواتر علما ضروريا فهي قطعية أو ظنية قلنا الإنصاف أنها ليست قطعية بل هي اجتهادية ودليل جواز الاجتهاد فيها وقوع الخلاف فيها في زمان الصحابة رضي الله عنهم حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما سرق الشيطان من الناس آية ولم يكفر بإلحاقها بالقرآن ولا أنكر عليه ونعلم أنه لو نقل الصديق رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال البسملة من سورة الحمد وأوائل السور المكتوبة معها لقبل ذلك بسبب كونها مكتوبة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو نقل أن القنوت مع القرآن لعلم بطلان ذلك بطريق قاطع لا يشك فيه وعلى الجملة إذا أنصفنا وجدنا أنفسنا شاكين في مسألة البسملة قاطعين في مسألة التعوذ والقنوت وإذا نظرنا في كتبها مع القرآن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سكوته عن التصريح بنفي كونها من القرآن بعد تحقق سبب الوهم كان ذلك دليلا ظاهرا كالقطع في كونها من القرآن فدل أن الاجتهاد لا يتطرق إلى أصل القرآن أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه يتطرق إلى تعيين موضعه وأنه من القرآن مرة أو مرات وقد أوردنا أدلة ذلك في كتاب حقيقة القرآن وتأويل ما طعن به على الشافعي رحمه الله من ترديده القول في هذه المسألة فإن قيل قد أوجبتم قراءة البسملة في الصلاة وهو مبني على كونها قرآنا وكونها قرآنا لا يثبت بالظن فإن الظن علامة وجوب العمل في المجتهدات وإلا فهو جهل أي ليس بعلم فليكن كالتتابع في قراءة ابن مسعود قلنا وردت أخبار صحيحة صريحة في وجوب قراءة البسملة وكونها قرآنا متواترا معلوم وإنما المشكوك فيه أنها قرآن مرة في سورة النمل أو مرات كثيرة في أول كل سورة فكيف تساوي قراءة ابن مسعود ولا يثبت بها القرآن ولا هي خبر وهاهنا صحت أخبار في وجوب البسملة وصح بالتواتر أنها من القرآن وعلى الجملة فالفرق بين المسألتين ظاهر

حصہ V01/P083–V01/P084

النظر الثالث في ألفاظه وفيه ثلاث مسائل مسألة ( الحقيقة والمجاز ) ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز كما سيأتي في الفرق بينهما فالقرآن يشتمل على المجاز خلافا لبعضهم فنقول المجاز اسم مشترك قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له والقرآن منزه عن ذلك ولعله الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز وقد يطلق على اللفظ الذي تجوز به عن موضوعه وذلك لا ينكر في القرآن مع قوله تعالى أولئك يوسف 82 وقوله جدارا يريد أن ينقض الكهف 77 وقوله لهدمت صوامع وبيع وصلوات الحج 40 فالصلوات كيف تهدم أو جاء أحد منكم من الغائط المائدة 6 من النور 35 يؤذن الله وهو يريد رسوله الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين البقرة 194 والقصاص حق فكيف يكون عدوانا هذا الشورى 40 ذلول البقرة 15 ويمكرون ويمكر الله الأنفال 30 كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة 64 81 أحاط بهم سرادقها الكهف 29 وذلك ما لا يحصى وكل ذلك مجاز كما سيأتي مسألة ( هل القرآن كله عربي ) قال القاضي رحمه الله القرآن عربي كله لا عجمية فيه وقال قوم فيه لغة غير العرب واحتجوا بأن المشكاة هندية والإستبرق فارسية وقوله وفاكهة وأبا عبس 31 قال بعضهم الأب ليس من لغة العرب والعرب قد تستعمل اللفظة العجمية فقد استعمل في بعض القصائد العثجاة يعني صدر المجلس وهو معرب كمشكاة وقد تكلف القاضي إلحاق هذه الكلمات بالعربية وبين أوزانها وقال كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها عربيا وإنما غيرها غيرهم تغييرا ما كما غير العبرانيون فقالوا للإله لاهوت وللناس ناسوت وأنكر أن يكون في القرآن لفظ عجمي مستدلا بقوله تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين النحل 103 وقال أقوى الأدلة قوله تعالى الآخرة فصلت 44 ولو كان فيه لغة العجم لما كان عربيا محضا بل عربيا وعجميا ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا نحن لا نعجز عن العربية أما العجمية فنعجز عنها وهذا غير مرضي عندنا إذ اشتمال جميع القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها عجمي وقد استعملتها العرب ووقعت في ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربيا وعن إطلاق هذا الاسم عليه ولا يتمهد للعرب حجة فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس فلا حاجة إلى هذا التكلف مسألة ( المحكم والمتشابه في القرآن ) في القرآن محكم ومتشابه كما قال تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات آل عمران 70 واختلفوا في معناه وإذا لم يرد توقيف في بيانه فينبغي أن يفسر بما يعرفه أهل اللغة ويناسب اللفظ من حيث الوضع ولا يناسبه قولهم المتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور والمحكم ما وراء ذلك ولا قولهم المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله تعالى بعلمه ولا قولهم المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام والمتشابه القصص والأمثال وهذا أبعد بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين أحدهما المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما تعارض فيه الإحتمال

حصہ V01/P084–V01/P085

الثاني أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا ما على ما ظاهر أو على تأويل ما لم يكن فيه متناقض ومختلف لكن هذا المحكم يقابله المثبج والفاسد دون المتشابه وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء وكقوله تعالى الذي بيده عقدة النكاح البقرة 237 فإنه مردد بين الزوج والولي وكاللمس المردد بين المس والوطء وقد يطلق على ما ورد في صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله فإن قيل قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران 7 الواو للعطف أم الأولى الوقف على الله قلنا كل واحد محتمل فإن كان المراد به وقت القيامة فالوقف أولى وإلا فالعطف إذ الظاهر أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لأحد من الخلق فإن قيل فما معنى الحروف في أوائل السور إذ لا يعرف أحد معناها قلنا أكثر الناس فيها وأقربها أقاويل أحدها أنها أسامي السور حتى تعرف بها فيقال سورة يس وطه وقيل ذكرها الله تعالى لجمع دواعي العرب إلى الاستماع لأنها تخالف عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى الإصغاء فلم يذكرها لإرادة معنى وقيل إنما ذكرها كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام العرب تنبيها أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم وحروفهم وقد ينبه ببعض الشيء على كله يقال قرأ سورة البقرة وأنشد ألاهبي يعني جميع السورة والقصيدة قال الشاعر يناشدني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم كنى بحاميم عن القرآن فقد ثبت أنه ليس في القرآن ما لا تفهمه العرب فإن قيل العرب إنما تفهم من قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده الأنعام 18 ) و الرحمن على العرش استوى طه 5 الجهة والاستقرار وقد أريد به غيره فهو متشابه قلنا هيهات فإن هذه كنايات واستعارات يفهمها المؤمنون من العرب المصدقون بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنها مؤولة تأويلات تناسب تفاهم العرب النظر الرابع في أحكامه ومن أحكامه تطرق التأويل إلى ظاهر ألفاظه وتطرق التخصيص إلى صيغ عمومه وتطرق النسخ إلى مقتضياته أما التخصيص والتأويل فسيأتي في القطب الثالث إذا فصلنا وجوه الاستثمار والاستدلال من الصيغ والمفهوم وغيرها وأما النسخ فقد جرت العادة بذكره بعد كتاب الأخبار لأن النسخ يتطرق إلى الكتاب والسنة جميعا لكنا ذكرناه في أحكام الكتاب لمعنيين أحدهما إن إشكاله وغموضه من حيث تطرقه إلى كلام الله تعالى مع استحالة البداءة عليه الثاني إن الكلام على الأخبار قد طال لأجل تعلقه بمعرفة طرقها من التواتر والآحاد فرأينا ذكره على أثر أحكام الكتاب أولى كتاب النسخ والنظر في حده وحقيقته

حصہ V01/P085–V01/P086

ثم في إثباته على منكريه ثم في أركانه وشروطه وأحكامه فنرسم فيه أبوابا الباب الأول في حده وحقيقته وإثباته أما حده فاعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان يقال نسخت الشمس الظل ونسخت الريح الآثار إذا أزالتها وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب فهو مشترك ومقصودنا النسخ الذي هو بمعنى الرفع والإزالة فنقول حده أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل إذ يجوز النسخ بجميع ذلك وإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة ولا يسمى نسخا لأنه لم يزل حكم خطاب وإنما قيدنا بارتفاع الحكم ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي ليعم جميع أنواع الحكم من الندب والكراهة والإباحة فجميع ذلك قد ينسخ وإنما قلنا لولاه لكان الحكم ثابتا به لأن حقيقة النسخ الرفع فلو لم يكن هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا لأنه إذا ورد أمر بعبادة موقتة وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخا فإذا قال ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 ثم قال في الليل لا تصوموا لا يكون ذلك نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه وإنما قلنا مع تراخيه عنه لأنه لو اتصل به لكان بيانا وإتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى فقالوا في حد النسخ أنه الخطاب الدال الكاشف عن مدة العبادة أو عن زمن انقطاع العبادة وهذا يوجب أن يكون قوله صم بالنهار وكل بالليل نسخا وقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 ) نسخا وليس فيه معنى الرفع ولا يغنيهم أن يزيدوا شرط التراخي فإن قوله الأول إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد عن الليل بنفسه فأي معنى لنسخه وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد باللفظ الدلالة عليه وما ذكروه تخصيص وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص بل سنبين أن الفعل الواحد إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة وأما المعتزلة فإنهم حدوه بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجهه لولاه لكان ثابتا وربما أبدلوا لفظ الزائل بالساقط وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ذلك حذرا من الرفع وحقيقة النسخ الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود فإن قيل تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه الأول أن المرفوع إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له والثابت لا يمكن رفعه وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم الثابت لا رفع عينه أو هو بيان لمدة العبادة كما قاله الفقهاء الثاني أن كلام الله تعالى قديم عندكم والقديم لا يتصور رفعه الثالث أن ما أثبته الله تعالى إنما أثبته لحسنه فلو نهى عنه لأدى إلى أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال الرابع أن ما أمر به أراد وجوده فما كان مرادا كيف ينهى عنه حتى يصير مراد العدم مكروها الخامس أنه يدل على البداء فإنه نهى عنه بعدما أمر به فكأنه بدا له فيما كان قد حكم به وندم عليه فالاستحالة الأولى من جهة استحالة نفس الرفع والثانية من جهة قدم الكلام والثالثة من جهة صفة ذات المأمور في كونه حسنا قبيحا والرابعة من جهة الإرادة المقترنة بالأمر والخامسة من جهة العلم المتعلق به وظهور البداء بعده

حصہ V01/P086–V01/P087

والجواب عن الأول أن الرفع من المرفوع كالكسر من المكسور وكالفسخ من العقد إذ لو قال قائل ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتسديس وتدوير فإن الزائل بالكسر تدوير موجود أو معدوم والمعدوم لا حاجة إلى إزالته والموجود لا سبيل إلى إزالته فيقال معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية لولا الكسر فكذلك الفسخ يقطع حكم العقد من حيث أن الذي ورد عليه لولاه لدام فإن البيع سبب للملك مطلقا بشرط أن لا يطرأ قاطع وليس طريان القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا ممدودا إلى غاية الفسخ فإنا نعقل أن نقول بعتك هذه الدار سنة ونعقل أن نقول بعتك وملكتك أبدا ثم نفسخ بعد انقضاء السنة وندرك الفرق بين الصورتين وأن الأول وضع لملك قاصر بنفسه والثاني وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع بقاطع فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا بيانا لكونه في نفسه قاصر وبهذا يفارق النسخ التخصيص فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكار معنى النسخ وأما الجواب عن الثاني وهو استحالة رفع الكلام القديم فهو فاسد إذ ليس معنى النسخ رفع الكلام بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام القديم يتعلق بالقادر العاقل فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق فإذا عاد العقل والقدرة عاد التعلق والكلام القديم لا يتغير في نفسه فالعجز والموت سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب عنه والنسخ سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب كما أن حكم البيع وهو ملك المشتري إياه تارة ينقطع بموت العبد المبيع وتارة بفسخ العاقد ولأجل خفاء هذه المعاني أنكر طائفة قدم الكلام وأما الجواب عن الثالث وهو انقلاب الحسن قبيحا فقد أبطلنا معنى الحسن والقبح وأنه لا معنى لهما وهذا أولى من الاعتذار بأن الشيء يجوز أن يحسن في وقت ويقبح في وقت لأنه قد قال في رمضان لا تأكل بالنهار وكل بالليل لأن النسخ ليس مقصورا عندنا على مثل ذلك بل يجوز أن يأمر بشيء واحد في وقت وينهى عنه قبل دخول الوقت فيكون قد نهى عما أمر به كما سيأتي وأما الجواب عن الرابع وهو صيرورة المراد مكروها فهو باطل لأن الأمر عندنا يفارق الإرادة فالمعاصي مرادة عندنا وليست مأمورا بها وسيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر

حصہ V01/P087–V01/P088

وأما الجواب عن الخامس وهو لزوم البداء فهو فاسد لأنه إن كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح وينهى عما أمر فذلك جائز يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد 39 ولا تناقض فيه كما أباح الأكل بالليل وحرمه بالنهار وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما به فهو محال ولا يلزم ذلك من النسخ بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر مطلق ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم فينسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه وليس فيه تبين بعد جهل فإن قيل فهم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدا فإن كان إلى وقت النسخ فالنسخ قد بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء وإن كانوا مأمورين أبدا فقد تغير علمه ومعلومه قلنا هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع الحكم المطلق عنهم الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله تعالى البيع المطلق مفيدا للملك إلى أن ينقطع بالفسخ ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على مدة بل يعلمه مقتضيا لملك مؤبد بشرط أن لا يطرأ قاطع لكن يعلم أن النسخ سيكون فينقطع الحكم لانقطاع شرطه لا لقصوره في نفسه فليس إذا في النسخ لزوم البداء ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا النسخ ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء ونقلوا عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل أي في أمره بذبحه وهذا هو الكفر الصريح ونسبة الإله تعالى إلى الجهل والتغير ويدل على استحالته ما دل على أنه محيط بكل شيء علما وأنه ليس محلا للحوادث والتغيرات وربما احتجوا بقوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد 39 وإنما معناه أنه يمحو الحكم المنسوخ ويثبت الناسخ أو يمحو السيئات بالتوبة كما قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 ويمحو الحسنات بالكفر والردة أو يمحو ما ترفع إليه الحفظة من المباحات ويثبت الطاعات فإن قيل فما الفرق بين التخصيص والنسخ قلنا هما مشتركان من وجه إذ كل واحد يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لكن التخصيص بيان أن ما أخرج عن عموم الصيغة ما أريد باللفظ الدلالة عليه والنسخ يخرج عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه فإن قوله إفعل أبدا يجوز أن ينسخ وما أريد باللفظ بعض الأزمنة بل الجميع لكن بقاؤه مشروط بأن لا يرد ناسخ كما إذا قال ملكتك أبدا ثم يقول فسخت فالفسخ هذا إبداء ما ينافي شرط استمرار الحكم بعد ثبوته وقصد الدلالة عليه باللفظ فلذلك يفترقان في خمسة أمور الأول أن الناسخ يشترط تراخيه والتخصيص يجوز اقترانه لأنه بيان بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان الثاني أن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد والنسخ يدخل عليه والثالث أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع الرابع أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا على ما فيه من الاختلاف والنسخ يبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية الخامس أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس وخبر الواحد وسائر الأدلة ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع وليس من الفرق الصحيح قول بعضهم أن النسخ لا يتناول إلا الأزمان والتخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال وهذا تجوز واتساع لأن الأعيان والأزمان ليست من أفعال المكلفين والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان والتخصيص أيضا يرد على الفعل في بعض الأحوال فإذا قال اقتلوا المشركين إلا المعاهدين معناه لا تقتلوهم في حالة العهد واقتلوهم في حالة الحرب والمقصود أن ورود كل واحد منهما على الفعل وهذا القدر كاف في الكشف عن حقيقة النسخ

حصہ V01/P088–V01/P089

الفصل الثاني من هذا الباب في إثباته على منكريه والمنكر إما جوازه عقلا أو وقوعه سمعا أما جوازه عقلا فيدل عليه أنه لو امتنع لكان إما ممتنعا لذاته وصورته أو لما يتولد عنه من مفسدة أو أداء إلى محال ولا يمتنع لاستحالة ذاته وصورته بدليل ما حققناه من معنى الرفع ودفعناه من الإشكالات عنه ولا يمتنع لادائه إلى مفسدة وقبح فإنا أبطلنا هذه القاعدة وإن سامحنا بها فلا بعد في أن يعلم الله تعالى مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له ويمتنعوا بسبب العزم عن معاص وشهوات ثم يخفف عنهم وأما وقوعه سمعا فيدل عليه الإجماع والنص أما الإجماع فاتفاق الأمة قاطبة على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شرع من قبله إما بالكلية وإما فيما يخالفها فيه وهذا متفق عليه فمنكر هذا خارق للإجماع وقد ذهب شذوذ من المسلمين إلى إنكار النسخ وهم مسبوقون بهذا الإجماع فهذا الإجماع حجة عليهم وإن لم يكن حجة على اليهود وأما النص فقوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر النحل 101 الآية والتبديل يشتمل على رفع وإثبات والمرفوع إما تلاوة وإما حكم وكيفما كان فهو رفع ونسخ فإن قيل ليس المعني به رفع المنزل فإن ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله لكن المعني به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل فيكون ما لم ينزل كالمبدل بما أنزل قلنا هذا تعسف بارد فإن الذي لم ينزل كيف يكون مبدلا والبدل يستدعي مبدلا وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال فهذا هوس وسخف والدليل الثاني قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم النساء 160 ولا معنى للنسخ إلا تحريم ما أحل وكذلك قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها البقرة 106 فإن قيل لعله أراد به التخصيص قلنا قد فرقنا بين التخصيص والنسخ فلا سبيل إلى تغيير اللفظ كيف والتخصيص لا يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه وإنما هو بيان معنى الكلام الدليل الثالث ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة حولا بأربعة أشهر وعشر ونسخ فرض تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة المجادلة 12 ومنه نسخ تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة 144 وعلى الجملة اتفقت الأمة على إطلاق لفظ النسخ في الشرع فإن قيل معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو بمعنى نسخ الكتاب ونقله قلنا فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا وهذا اللفظ كفر بالاتفاق كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة ومن عدة إلى عدة فهو تغيير وتبديل ورفع قطعا الفصل الثالث في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ وهي ست مسائل مسألة ( هل ينسخ الأمر )

حصہ V01/P089–V01/P090

يجوز عندنا نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال خلافا للمعتزلة وصورته أن يقول الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة ثم يقول قبل يوم عرفة لا تحجوا فقد نسخت عنكم الأمر أو يقول إذبح ولدك فيبادر إلى إحضار أسبابه فيقول قبل ذبحه لا تذبح فقد نسخت عنك الأمر لأن النسخ عندنا رفع للأمر أي لحكم الأمر ومدلوله وليس بيانا لخروج المنسوخ عن لفظ الأمر بخلاف التخصيص فلو قال صلوا أبدا فيجوز أن ينسخ بعد سنة وجوب في المستقبل لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ الأول الدلالة على جميع الأزمان ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد دوامه إذ كان دوامه مشروطا بعدم النسخ فكل أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ فكأنه يقول صلوا أبدا ما لم أنهكم ولم أنسخ عنكم أمري وإذا كان كذلك عقل نسخ الحج قبل عرفة ونسخ الذبح قبل فعله لأن الأمر قبل التمكن حاصل وإن كان أمرا بشرط التمكن لأن الأمر بالشرط ثابت ولذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الإمتثال ولما لم تفهم المعتزلة هذا أنكروا ثبوت الأمر بالشرط كما سيأتي فساد مذهبهم في كتاب ( الأوامر ) وأقرب دليل على فساده أن المصلي ينوي الفرض وامتثال الأمر في ابتداء الصلاة وربما يموت في أثنائها وقبل تمام التمكن ولو مات قبل لم يتبين أنه لم يكن مأمورا بل نقول كان مأمورا بأمر مقيد بشرط والأمر المقيد بالشرط ثابت في الحال وجد الشرط أو لم يوجد وهم يقولون إذا لم يوجد الشرط علمنا انتفاء الأمر من أصله وإنا كنا نتوهم وجوبه فبان أنه لم يكن فهذه المسألة فرع لتلك المسألة ولذلك أحالت المعتزلة النسخ قبل التمكن وقالوا أيضا إنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد في وقت واحد على وجه واحد مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا مصلحة مفسدة وجميع ما يتعلق بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه ولكن يبقى لهم مسلكان المسلك الأول أن الشيء الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه ومأمورا به على وجه واحد وفي الجواب عنه طريقتان الأولى إنا لا نسلم أنه منهي عنه على الوجه الذي هو مأمور به بل على وجهين كما ينهى عن الصلاة مع الحدث ويؤمر بها مع الطهارة وينهى عن السجود للصنم ويؤمر بالسجود لله عز وجل لاختلاف الوجهين ثم اختلفوا في كيفية اختلاف الوجهين فقال قوم هو مأمور بشرط بقاء الأمر منهي عنه عند زوال الأمر فهما حالتان مختلفتان ومنهم من أبدل لفظ بقاء الأمر بانتفاء النهي أو بعدم المنع والألفاظ متقاربه وقال قوم هو مأمور بالفعل في الوقت المعين بشرط أن يختار الفعل والعزم وإنما ينهى عنه إذا علم أنه لا يختاره وجعلوا حصول ذلك في علم الله تعالى بشرط هذا النسخ وقال قوم يأمر بشرط كونه مصلحة وإنما يكون مصلحة مع دوام الأمر أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة وقال قوم إنما يأمر في وقت يكون الأمر مصلحة ثم يتغير الحال فيصير النهي مصلحة وأنما يأمر الله تعالى به مع علمه بأن إيجابه مصلحة مع دوام الأمر أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة وقال قوم إنما يأمر الله به مع العلم بأن الحال ستتغير ليعزم المكلف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل وكل هذا متقارب وهو ضعيف لأن الشرط ما يتصور أن يوجد وأن لا يوجد فإما ما لا بد منه فلا معنى لشرطيته والمأمور لا يقع مأمورا إلا عند دوام الأمر وعدم النهي فكيف يقول آمرك بشرط أن لا أنهاك فكأنه يقول آمرك بشرط أن آمرك وبشرط أن يتعلق الأمر بالمأمور وبشرط أن يكون الفعل المأمور به حادثا أو عرضا أو غير ذلك مما لا بد منه فهذا لا يصلح للشرطية وليس هذا كالصلاة مع الحدث والسجود للصنم فإن الانقسام يتطرق إليه ومن رغب في هذه الطريقة فأقرب العبارات أن يقول الأمر بالشيء قبل وقته يجوز أن يبقى حكمه على المأمور إلى وقته ويجوز أن يزال حكمه قبل وقته فيجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر فيقال إفعل ما أمرتك به إن لم يزل حكم أمري عنك بالنهي عنه فإذا نهى عنه كان قد زال حكم الأمر فليس منهيا على الوجه الذي أمر به

حصہ V01/P090–V01/P091

الطريقة الثانية أنا لا نلتزم إظهار اختلاف الوجه لكن نقول يجوز أن يقول ما أمرناك أن تفعله على وجه فقد نهيناك عن فعله على ذلك الوجه ولا استحالة فيه إذ ليس المأمور حسنا في عينه أو لوصف هو عليه قبل الأمر به حتى يتناقض ذلك ولا المأمور مرادا حتى يتناقض أن يكون مرادا مكروها بل جميع ذلك من أصول المعتزلة وقد أبطلناها فإن قيل فإذا علم الله تعالى أنه سينهى عنه فما معنى أمره بالشيء الذي يعلم انتفاءه قطعا لعلمه بعواقب الأمور قلنا لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور أما إذا كان مجهولا عند المأمور معلوما عند الآمر أمكن الأمر لامتحانه بالعزم والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد حتى يعرض بالعزم للثواب وبتركه للعقاب وربما يكون فيه لطف واستصلاح كما سيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر والعجب من إنكار المعتزلة ثبوت الأمر بالشرط مع أنهم جوزوا الوعد من العالم بعواقب الأمور بالشرط وقالوا وعد الله على الطاعة ثوابا بشرط عدم ما يحبطها من الفسق والردة وعلى المعصية عقابا بشرط خلوها عما يكفرها من التوبة والله تعالى عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة والتوبة ثم شرط ذلك في وعده فلم يستحل أن يشرط في أمره ونهيه وتكون شرطيته بالإضافة إلى العبد الجاهل بعاقبة الأمر فيقول أثيبك على طاعتك ما لم تحبطها بالردة وهو عالم بأنه يحبط أم لا يحبط وكذلك يقول أمرتك بشرط البقاء والقدرة وبشرط أن لا أنسخ عنك المسلك الثاني في إحالة النسخ قبل التمكن قولهم الأمر والنهي عندكم كلام الله تعالى القديم وكيف يكون الكلام الواحد أمرا بالشيء الواحد ونهيا عنه في وقت واحد بل كيف يكون الرافع والمرفوع واحدا والناسخ والمنسوخ كلام الله تعالى قلنا هذا إشارة إلى إشكالين أحدهما كيفية اتحاد كلام الله تعالى ولا يختص ذلك بهذه المسألة بل ذلك عندنا كقولهم العالمية حالة واحدة ينطوي فيها العلم بما لا نهاية من التفاصيل وإنما يحل إشكاله في الكلام أما الثاني فهو أن كلامه واحد وهو أمر بالشيء ونهي عنه ولو علم المكلف ذلك دفعة واحدة لما تصور منه اعتقاد الوجوب والعزم على الأداء ولم يكن ذلك منه بأولى من اعتقاد التحريم والعزم على الترك فنقول كلام الله تعالى في نفسه واحد وهو بالإضافة إلى شيء أمر وبالإضافة إلى شيء خبر ولكنه إنما يتصور الامتحان به إذا سمع المكلف كليهما في وقتين ولذلك شرطنا التراخي في النسخ ولو سمع كليهما في وقت واحد لم يجز وأما جبريل عليه السلام فإنه يجوز أن يسمعه في وقت واحد إذ لم يكن هو مكلفا ثم يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم في وقتين إن كان ذلك الرسول داخلا تحت التكليف فإن لم يكن فيبلغ في وقت واحد لكن يؤمر بتبيلغ الأمة في وقتين فيأمرهم مطلقا بالمسالمة وترك قتال الكفار ومطلقا باستقبال بيت المقدس في كل صلاة ثم ينهاهم عنها بعد ذلك فيقطع عنهم حكم الأمر المطلق كما يقطع حكم العقد بالفسخ ومن أصحابنا من قال الأمر لا يكون أمرا قبل بلوغ المأمور فلا يكون أمرا ونهيا في حالة واحدة بل في حالتين فهذا أيضا يقطع التناقض ويدفعه ثم الدليل القاطع من جهة السمع على جوازه قصة إبراهيم عليه السلام ونسخ ذبح ولده عنه قبل الفعل وقوله تعالى وفديناه بذبح عظيم الصافات 107 فقد أمر بفعل واحد ولم يقصر في البدار والامتثال ثم نسخ عنه وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه أحدها أن ذلك كان مناما لا أمرا الثاني أنه كان أمرا لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم فالذبح لم يكن مأمورا به الثالث أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله تعالى عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع فانقطع التكليف لتعذره الرابع المنازعة في المأمور وأن المأمور به كان هو الإضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح

حصہ V01/P091–V01/P093

الخامس جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح واختلفوا في كون إبراهيم عليه السلام ذابحا فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام وقال قوم ذابح لا مذبوح له محال وكل ذلك تعسف وتكلف أما الأول وهو كونه مناما فمنام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به فلقد كانت نبوة جماعة من الأنبياء عليهم السلام بمجرد المنام ويدل على فهمه الأمر قول ولده إفعل ما تؤمر ولو لم يؤمر لكان كاذبا وأنه لا يجوز قصد الذبح والتل للجبين بمنام لا أصل له وأنه سماه البلاء المبين وأي بلاء في المنام وأي معنى للفداء وأما الثاني وهو أنه كان مأمورا بالعزم اختبارا فهو محال لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار ولأن الاختبار إنما يحصل بالإيجاب فإن لم يكن إيجاب لم يحصل اختبار وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب بل هو تابع للمعزوم ولا يجب العزم ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه ولو لم يكن المعزوم عليه واجبا لكان إبراهيم عليه السلام أحق بمعرفته من القدرية كيف وقد قال إني أرى في المنام أني أذبحك الصافات 102 فقال له ولده افعل ما تؤمر الصافات 102 يعني الذبح وقوله تعالى جاءكم الصافات 103 استسلام لفعل الذبح لا للعزم وأما الثالث وهو أن الإضجاع بمجرده هو المأمور به فهو محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى الفداء بعد الامتثال وأما الرابع وهو إنكار النسخ وأنه امتثل لكن انقلب عنقه حديدا ففات التمكن فانقطع التكليف فهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالمشروط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه يقلب عنقه حديدا فلا يكون آمرا بما يعلم امتناعه فلا يحتاج إلى الفداء فلا يكون بلاء في حقه وأما الخامس وهو أنه فعل والتأم فهو محال لأن الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر وكان ذلك من آياته الظاهرة ولم ينقل ذلك قط وإنما هو اختراع من القدرية فإن قيل أليس قد قال قد صدقت الرؤيا قلنا معناه أنك عملت في مقدماته عملا مصدقا بالرؤيا والتصديق غير التحقيق والعمل مسألة ( هل نسخ بعض العبادة نسخ لها ) إذا نسخ بعض العبادة أو شرطها أو سنة من سننها كما لو أسقطت ركعتان من أربع أو أسقط شرط الطهارة فقد قال قائلون هو نسخ لبعض العبادة لا لأصلها قال قائلون هو نسخ لأصل العبادة وقال قائلون نسخ الشرط ليس نسخا للأصل أما نسخ البعض فهو نسخ للأصل ولم يسمحوا بتسمية الشرط بعضا ومنهم من أطلق ذلك وكشف الغطاء عندنا أن نقول إذا أوجب أربع ركعات ثم اقتصر على ركعتين فقد نسخ أصل العبادة لأن حقيقة النسخ الرفع والتبديل ولقد كان حكم الأربع الوجوب فنسخ وجوبها بالكلية والركعتان عبادة أخرى لا أنها بعض من الأربعة إذ لو كانت بعضا لكان من صلى الصبح أربعا فقد أتى بالواجب وزيادة كما لو صلى بتسليمتين وكما لو وجب عليه درهم فتصدق بدرهمين فإن قيل إذا رد الأربع إلى ركعة فقد كانت الركعة حكمها أنها غير مجزية والآن صارت مجزئة فهل هذا نسخ آخر مع نسخ الأربع قلنا كون الركعة غير مجزئة معناه أن وجودها كعدمها وهذا حكم أصلي عقلي ليس من الشرع والنسخ هو رفع ما ثبت بالشرع فإذا لم يرد بلفظ النسخ إلا الرفع كيف كان من غير نظر إلى المرفوع فهذا نسخ لكنا بينا في حد النسخ خلافه وأما إذا أسقطت الطهارة فقد نسخ وجوب الطهارة وبقيت الصلاة واجبة نعم كان حكم الصلاة بغير طهارة أن لا تجزىء والآن صارت مجزئة لكن هذا تغيير لحكم أصلي لا لحكم شرعي فإن الصلاة بغير طهارة لم تكن مجزئة لأنها لم تكن مأمورا بها شرعا فإن قيل كانت صحة الصلاة متعلقة بالطهارة فنسخ تعلق صحتها بها شرعا فهو نسخ متعلق بنفس العبادة فالصلاة مع الطهارة غير الصلاة مع الحدث كما أن الثلاث غير الأربع فليكن هذا نسخا لتلك الصلاة أو إيجابا بغيرها قلنا لهذا تخيل قوم أن نسخ شرط العبادة كنسخ البعض ولا شك أنه لو أوجب الصلاة مع الحدث لكان نسخا لإيجابها مع الطهارة وكانت هذه عبادة أخرى أما إذا جوزت الصلاة كيف كانت مع الطهارة وغير الطهارة فقد كانت الصلاة بغير طهارة غير مجزئة لبقائها على الحكم الأصلي إذ لم يؤمر بها فالآن جعلت مجزئة وارتفع الحكم الأصلي أما صحة الصلاة وأنها كانت متعلقة بالطهارة فنسخ هذا التعلق نسخ لأصل العبادة أو نسخ لتعلق الصحة ولمعنى الشرطية هذا فيه نظر والخطب فيه يسير فليس يتعلق به كبر فائدة وأما إذا نسخت سنة من سننها لا يتعلق بها الأجزاء كالوقوف على يمين الإمام أو ستر الرأس فلا شك أن هذا لا يتعرض للعبادة بالنسخ فإذا تبعيض مقدار العبادة نسخ لأصل العبادة وتبعيض السنة لا يتعرض للعبادة وتبعيض الشرط فيه نظر وإذا حقق كان إلحاقه بتبعيض قدر العبادة أولى

حصہ V01/P093

مسألة ( هل الزيادة على النص نسخ أم لا ) الزيادة على النص نسخ عند قوم وليست بنسخ عند قوم والمختار عندنا التفصيل فنقول ينظر إلى تعلق الزيادة بالمزيد عليه والمراتب فيه ثلاثة الأولى أن يعلم أنه لا يتعلق به كما إذا أوجب الصلاة والصوم ثم أوجب الزكاة والحج لم يتغير حكم المزيد عليه إذ بقي وجوبه وأجزاؤه والنسخ هو رفع حكم وتبديل ولم يرتفع الرتبة الثانية وهي في أقصى البعد عن الأولى أن تتصل الزيادة بالمزيد عليه اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال كما لو زيد في الصبح ركعتان فهذا نسخ إذ كان حكم الركعتين الأجزاء والصحة وقد ارتفع نعم الأربعة استؤنف إيجابها ولم تكن واجبة وهذا ليس بنسخ إذ المرفوع هو الحكم الأصلي دون الشرعي فإن قيل اشتملت الأربعة على الثنتين وزيادة فهما قارتان لم ترفعا وضمت إليهما ركعتان قلنا النسخ رفع الحكم لا رفع المحكوم فيه فقد كان من حكم الركعتين الأجزاء والصحة وقد ارتفع كيف وقد بينا أنه ليست الأربعة ثلاثة وزيادة بل هي نوع آخر إذ لو كان لكانت الخمسة أربعة وزيادة فإذا أتى بالخمسة فينبغي أن تجزىء ولا صائر إليه

حصہ V01/P093–V01/P095

الرتبة الثالثة وهي بين المرتبتين زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة في القذف وليس انفصال هذه الزيادة كانفصال الصوم عن الصلاة ولا اتصالها كاتصال الركعات وقد قال أبو حنيفة رحمه الله هو نسخ وليس بصحيح بل هو بالمنفصل أشبه لأن الثمانين نفي وجوبها وأجزاؤها عن نفسها ووجبت زيادة عليها مع بقائها فالمائة ثمانون وزيادة ولذلك لا ينتفي الأجزاء عن الثمانين بزيادة عليها بخلاف الصلاة وفائدة هذه المسألة جواز إثبات التغريب بخبر الواحد عندنا ومنعه عندهم لأن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد فإن قيل قد كانت الثمانون حدا كاملا فنسخ اسم الكمال رفع لحكمه لا محالة قلنا هو رفع ولكن ليس ذلك حكما مقصودا شرعيا بل المقصود وجوده وأجزاؤه وقد بقي كما كان فلو أثبت مثبت كونه حكما مقصودا شرعيا لامتنع نسخه بخبر الواحد بل هو كما لو أوجب الشرع الصلاة فقط فمن أتى بها فقد أدى كلية ما أوجبه الله تعالى عليه بكماله فإذا أوجب الصوم خرجت الصلاة عن كونها كلية الواجب لكن ليس هذا حكما مقصودا فإن قيل هو نسخ لوجوب الاقتصار على الثمانين لأن إيجاب الثمانين مانع من الزيادة قلنا ليس منع الزيادة بطريق المنطوق بل بطريق المفهوم ولا يقولون به ولا نقول به هاهنا ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ فيجوز بخبر الواحد ثم أنما يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ثم ورد التغريب بعده وهذا لا سبيل إلى معرفته بل لعله ورد بيانا لإسقاط المفهوم متصلا به أو قريبا منه فإن قيل التفسيق ورد الشهادة يتعلق بالثمانين فإذا زيد عليها أزال تعلقه بها قلنا يتعلق التفسيق ورد الشهادة بالقذف لا بالحد ولو سلمنا لكان ذلك حكما تابعا للحد لا مقصودا وكان كحل النكاح بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من عدة الوفاة وتصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر ليس تصرفا في إباحة النكاح بل في نفس العدة والنكاح تابع فإن قيل فلو أمر بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط الطهارة فهل هو نسخ قلنا نعم لأنه كان حكم الأول أجزاء الصلاة بغير طهارة فنسخ أجزاؤها وأمر بصلاة مع طهارة فإن قيل فيلزمكم المصير إلى أجزاء طواف المحدث لأنه تعالى قال وليطوفوا بالبيت العتيق الحج 29 ولم يشرط الطهارة والشافعي رحمه الله منع الأجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة وهو خبر الواحد وأبو حنيفة رحمه الله قضى بأن هذا الخبر يؤثر في إيجاب الطهارة أما في إبطال الطواب وأجزائه وهو معلوم بالكتاب فلا قلنا لو استقر قصد العموم في الكتاب واقتضى أجزاء الطواف محدثا ومع الطهارة فاشتراط الطهارة رفع ونسخ ولا يجوز بخبر الواحد ولكن قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق الحج 29 يجوز أن يكون أمرا بأصل الطواف ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول عليه السلام فيكون قوله بيانا وتخصيصا للعموم لا نسخا فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص لأن عموم النص يقتضي أجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة فأخرج خبر الواحد أحد القسمين من لفظ القرآن فهو نقصان من النص لا زيادة عليه ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا وبيانا إن لم يستقر ولا معنى لدعوى استقراره بالتحكم وهذا نظير قوله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 فإنه يعم المؤمنة وغير المؤمنة فيجوز تخصيص العموم إذ قد يراد بالآية ذكر أصل الكفارة ويكون أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها فلو استقر العموم وحصل القطع بكون العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس وخبر الواحد ممتنعا فإن قيل فما قولكم في تجويز المسح على الخفين هل هو نسخ لغسل الرجلين قلنا ليس نسخا لأجزائه ولا لوجوبه لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه وجاعل إياه أحد الواجبين ويجوز أن يثبت بخبر الواحد فإن قيل فالكتاب أوجب غسل الرجلين على التضييق قلنا قد بقي تضييقه في حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج من عمومه من لبس الخف على الطهارة وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة فإن قيل فقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 الآية توجب إيقاف الحكم على شاهدين فإذا حكم بشاهد ويمين بخبر الواحد فقد رفع إيقاف الحكم فهو نسخ قلنا ليس كذلك فإن الآية لا تقتضي إلا كون الشاهدين حجة وجواز الحكم بقولهما أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من الآية بل هو كالحكم بالإقرار وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود أخرى وقولهم ظاهر الآية أن لا حجة سواه فليس هذا ظاهر منطوقه ولا حجة عندهم بالمفهوم ولو كان فرفع المفهوم رفع بعض مقتضى اللفظ وكل ذلك لو سلم استقرار المفهوم وثباته وقد ورد خبر الشاهد واليمين بعده وكل ذلك غير مسلم