Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
أما المبدأ والمنتهى فلكل منهما ذات وعارض أعني وصف كونه مبدأ ومنتهى والعارضان قد يعتبران بالقياس إلى الحركة وهو قياس تضايف لأن المبدأ مبدأ الذي المبدأ وبالعكس وكذا المنتهى وقد يعتبر كل منهما بالقياس إلى الآخر فيتضادان إذ لا خفاء في تقابلهما وليس من عقل للشيء مبدأ عقل له منتهى ولا بالعكس وليس أحدهما عدما للآخر فلم يبق إلا التضاد والمعروضان يتضادان باعتبار هذا العارض سواء كانا متحدين بالذات كما في الحركة المستديرة إذ كل نقطة تعرض من مسافتها فهي مبدأ ومنتهى باعتبارين وبحسب آنين أو متغايرين متضادين بالذات كما في الحركة من البياض إلى السواد وكما في الحركة من غاية الذبول إلى غاية النمو أو باعتبار عارض آخر كما في الحركة من المركز إلى المحيط المتضادين من جهة كون الأول غاية البعد عن الفلك والثاني غاية القرب منه أو غير متضادين بوجه آخر كما في الحركة من نقطة من المسافة إلى نقطة أخرى ( قال وأما المقولة ) أي ما تنسب إليه الحركة من المقولات العشر أعني الجنس العالي الذي يتغير الموضوع بالتدريج من نوع منه إلى نوع أخر أو من صنف من نوع منه إلى صنف آخر واقتصر الإمام على التغير من صنف من المقولة إلى صنف آخر أي سواء كانا من نوعين أو من نوع والحركة الوضعية مما صرح به الفارابي وإن كان في كلام ابن سينا ما يوهم أنه تفرد بالاطلاع عليها وبالجملة فالذي يحققها هو أن للفلك حركة لا يخرج بها عن مكانه وإنما يتبدل بالتدريج نسبة أجزائه إلى أمور خارجة عنه أما محوية فقط كما في الفلك الأعظم وإما حاوية ومحوية كما في غيره فتتبدل الهيئة الحاصلة بسبب تلك النسبة وهو الوضع ولا نعني بالحركة في الوضع إلا التغير من وضع إلى وضع على التدريج من غير تبدل المكان فإن قيل كل جزء قد خرج عن مكانه فكذا الكل لأنه ليس إلا مجموع الأجزاء قلنا لو سلم أن هناك أجزاء بالفعل فثبوت الحكم لكل جزء لا يستلزم ثبوته بمجموع الأجزاء كما مر غير مرة على أن ما ذكر لا يتم في الفلك الأعظم عند من لا يثبت له المكان بناء على أن المكان هو السطح الباطن من الحاوي ولا حاوي له فإن قيل الثابت بالدليل من حركات الأفلاك وبالمشاهدة من حركة الكرة على نفسها ليس إلا تبدل نسبة الأجزاء المفروضة وإذا لم يكن ثبوت الحكم لكل جزء مستلزما لثبوته للكل فلا نسلم أن للفلك أو الكرة حركة وتبدل وضع قلنا هو ضروري فإنه لا معنى لوضع الكل إلا هيئة نسبة أجزائه بعضها إلى البعض وإلى الأمور الخارجة ولا معنى لحركته في الوضع إلا تبدل ذلك على التدريج هذا ولكن يؤول الحاصل إلى أن الحركة الأينية للأجزاء الفرضية حركة وضعية بالإضافة إلى الكل ( قال الثالثة الكم ) الحركة في الكم تقع باعتبارين أحدهما النمو والذبول
وثانيهما التخلخل والتكاثف ويقال في بيان ذلك أن الانتقال في الكم إما أن يكون من النقصان إلى الزيادة أو من الزيادة إلى النقصان والأول إما أن يكون بورود مادة يزيد في كمية الجسم وهو النمو أو بدونه وهو التخلخل كما في هواء باطن القارورة عند مصها والثاني إما أن يكون بنقصان جزء وهو الذبول كما في المدقوق أو بدونه وهو التكاثف كما في هواء باطن القارورة عند النفخ فيها ويتمسكون في إمكان التخلخل والتكاثف بأن الجسم مركب من الهيولي والصورة والهيولي لا مقدار لها في نفسها وإنما هي قابلة للمقادير المختلفة بحسب ما سبق من الأسباب المعدة فيجوز أن ينتقل من المقدار الصغير إلى الكبير وهو التخلخل وبالعكس وهو التكاثف وإنما بنوا ذلك على الهيولي لأنها عندهم محض قابل يتوارد عليه الصور والمقادير المختلفة من غير أن يقتضي معينا من ذلك بخلاف ما إذا جعل الجسم بسيطا واحدا متصلا في نفسه كما هو عند الحس فإنه ربما يختص كل جسم بمقدار معين لا ينتقل عنه وبهذا يندفع ما ذكره الإمام من أنه لا حاجة في ذلك إلى إثبات الهيولي بل يتأتى على رأي من يجعل المقدار زائدا على الجسم عرضا قائما به سواء كان هو بسيطا أو مركبا من الهيولي والصورة لأن نسبته إلى جميع المقادير على السوية كالهيولي ولأنه إذا كان بسيطا كان الجزء والكل متساويين في الطبيعة والحقيقة فجاز اتصاف كل منهما بمقدار الآخر مالم يمنع مانع وانتقال الجزء إلى مقدار الكل تخلخل وعكسه تكاثف نعم لا بد في ذلك من أن يصير الجزء منفصلا إذ مع كونه جزء يمتنع أن يكون على مقدار الكل ضرورة وإما الاعتراض بأنه لو جاز ذلك لجاز أن تصير القطرة على مقدار البحر وبالعكس فجوابه بعد تسليم استحالة ذلك أن انتقال الجسم عن مقداره يكون لا محالة بقاسر فجاز أن يكون للقسر حد معين لا يمكن تجاوزه كما جاز على القول بالهيولي أن يكون لكل مادة حظ من المقدار لا يتجاوزه وبالجملة فالمقصود بيان إمكان التخلخل والتكاثف وهو لا ينافي الامتناع في بعض الصور لمانع على أن اشتراط الانفصال في إمكان انتقال الجزء إلى مقدار الكل محل نظر دقيق وقد يستدل على الوقوع بأن الماء إذا تجمد يصغر مقداره وهو تكاثف والجمد إذا ذاب يعظم مقداره وهو تخلخل وبأن القارورة إذا مصت خرج منها هواء كثير فلو لم يتخلخل الباقي لزم الخلاء وإذا نفخت فيها دخلها هواء كثير فلو لم يتكاثف لزم التداخل أعني اشتغال حيز واحد بجسمين وهو ضروري الاستحالة ( قال وقد يقال ) يعني قد يراد بالتخلخل الانفشاش أي تباعد أجزاء الجسم بحيث تداخلها جسم غريب كالهواء وبالتكاثف الاندماج أي تقارب الأجزاء بحيث يخرج ما بينها من الجسم القريب وهما من قبيل الوضع لرجوعهما إلى هيئة نسبة الأجزاء بعضها إلى البعض ثم لا يخفى أن هذا الانتقال بالنظر إلى الأجزاء حركة أينية وأما بالنسبة إلى الكل فحركة في الكم على طريق النمو وإن لم يكن نموا وفي الوضع بحسب الداخل حيث تبدلت نسبة الأجزاء بعضها مع البعض كما للفلك بحسب الخارج حيث تبدلت نسبتها إلى الأمور الخارجة فإن قيل فعلى الأول لا تنحصر الحركة في الكم في الاعتبارات الأربعة قلنا لا كلام في عدم الانحصار وفي أن قولنا الانتقال من النقصان إلى الزيادة لورود المادة نمو ليس على إطلاقه وإلى هذا يشير قولنا وقد يكون ازدياد المقدار بورود المادة لا على تناسب طبيعي وهو الورم أو على تناسب طبيعي لكن لا في جميع الأقطار وهو السمن فإنه وإن كان ازديادا طبيعيا بانضياف مادة الغذاء إلى المتغذي كالنمو لكنه لا يكون في الطول على تلك النسبة ولا يختص بوقت معين ولا يكون له غاية ما يقصدها الطبع بخلاف النمو ومقابل السمن هو الهزال فيكون انتقاصا طبيعيا لكن لا في جيمع الأقطار وقد يقال له الذبول أيضا وتحقيق الكلام إنه إذا ورد على الجسم ما يزيد في مقداره فإذا أحدثت الزيادة منافذ في الأصل فدخلت فيها واشتبهت بطبيعة الأصل واندفعت أجزاء الأصل إلى جميع الأقطار على نسبة واحدة في نوعه فذلك هو النمو وزواله بسبب انفصال تلك الأجزاء عن أجزاء الأصل هو الذبول وإذا لم يقو الغذاء على تفريق الأجزاء الأصلية والنفوذ فيها بل انضم إليها من غير أن تتحرك الأعضاء الأصلية إلى الزيادة وإن كان الجسم متحركا إلى الزيادة في الجملة فذلك هو السمن وانتقاصه الهزال فالمخصوص باسم النمو والذبول حركة الأعضاء الأصلية ( قال الرابعة ) يعني من المقولات التي يقع فيها الحركة الكيف ويسمى استحالة وذلك كانتقال العنب من البياض إلى السواد وانتقال الماء من البرودة إلى الحرارة شيئا فشيئا على التدريج وأنكر بعضهم ذلك فمنهم من زعم أن في الماء مثلا أجزاء نارية كامنة تبرز بالأسباب الخارجة فيحس بالحرارة ومنهم من زعم أنه يرد عليه من الخارج أجزاء نارية ومنهم من زعم أن بعض أجزائه يصير نارا بطريق الكون والفساد والكل فاسد بدلائل وإمارات ربما تلحق الحكم بالضروريات على ما فصل في المطولات أدناها أن جبلا من كبريت يشتعل بقدر يسير من النار فلو كان ذلك لظهور الأجزاء النارية الكامنة لكانت لكثرتها أولى بأن يشتعلها ويحس بها أو الواردة لكانت بقدر الوارد وإن حرارة الماء الشديد السخونة لو كانت بانقلاب بعض أجزائه نارا من غير استحالة لفارقته تلك النارية صاعدة بطبعها أو انطفت ببرد الماء ورطوبته فلم يحس بها على إنك ستعرف في بحث الكون والفساد أن الماء لا يصير نارا لا بعد صيرورته هواء وحينئذ يتصعد بطريق البخار ( قال والحق ) قد سبقت إشارة إلى أن الحركة الوضعية عائدة إلى الحركة الأينية فههنا يريد نفي الحركة في الكم والكيف مع التنبيه على منشأ توهمهما وذلك إنا نجد الجسم ينتقل على سبيل التدريج من كمية إلى كمية أخرى أزيد أو أنقص ومن كيفية إلى كيفية أخرى تضاد الأولى أو تماثلها من غير أن يظهر لنا تفاصيل ذلك وأزمنة وجود كل منها فنتوهم أن ذلك حركة إذ لا نعقل من الحركة إلا تغيرا على التدريج لكن لا حركة عند التحقيق لأن معنى التدريج المعتبر في الحركة أن لا يكون دفعة لا بحسب الذات ولا بحسب الأجزاء والانتقال ههنا إنما هو دفعات يتوهم من اجتماعها التدريج لأن ما بين المبدأ والمنتهى من مراتب الكميات أو الكيفيات متمايزة بالفعل ينتقل الجسم من كل منها إلى آخر دفعة كما في صيرورة الأرض ماء ثم هواء ثم نارا مع الاتفاق على أن مجموع ذلك ليس حركة جوهرية من الأرض إلى النار لظهور تفاصيل المراتب وأزمنة وجوداتها ويدل على نفي الحركة في الأمور المتمايزة بالفعل سواء كانت كميات أو كيفيات أو جواهر أن الوسط بين المبدأ والمنتهى إن كان واحدا فظاهر أنه لا حركة وإن كان كثيرا فتلك الكثرة سواء كان اختلافها بالنوع أو بالعدد إما أن تكون غير متناهية وهو محال ضرورة كونها محصورة بين حاصرين وإما أن تكون متناهية وهو يستلزم تركب الحركة من أمور لا تقبل القسمة إذ لو انقسمت إلى أمور متغايرة تنقل الكلام إلى كل واحد منها وهلم جرا فيكون ما فرض متناهيا غير متناه هف وتركب الحركة مما لا يقبل الانقسام باطل لاستلزامه وجود الجزء الذي لا يتجزأ وكون البطء لتخلل السكتات أما الأول فلانطباق الحركة على ما فيه الحركة وأما الثاني فلأن السريع إذا تحرك جزءا فالبطيء إن تحرك مثله دائما لزم تساويهما أو أكثر لزم كونه أسرع أو أقل لزم انقسام مالا ينقسم فلم يبق إلا أن يكون له فيما بين أجزاء الحركة سكنات وسيجيء بيان بطلان اللازمين وهذا بخلاف الحركة الأينية فإن الوسط الذي بين المبدأ والمنتهى أعني امتداد المسافة واحد بالفعل يقبل بحسب الفرض انقسامات غير متناهية فإن قيل يجوز أن يكون كل واحد من تلك الآحاد المتناهية قابلا لانقسامات غير متناهية فلا يلزم تركب الحركة مما لايقبل الانقسام قلنا هذا غير مفيد إذ التقدير أن الانتقال إلى كل من تلك الآحاد دفعي والحاصل أن امتناع تركب الحركة مما لا ينقسم يقتضي أن يكون امتدادها الموهوم منطبقا على أمر قابل لانقسامات غير متناهية على ما هو شأن الكم المتصل سواء كان عارضا بجسم واحد كما في الحركة في الماء أو لأجسام مختلفة كما في الحركة من الأرض إلى السماء لا على كم منفصل متناهي الآحاد سواء كان معروضه جوهرا أو كما متصلا أو كيفا أو غير ذلك وبهذا يندفع ما يتوهم من أنه إذا جازت الحركة في المسافة لكونها معروضة لما يقبل الانقسام لا إلى نهاية ففي الكم القابل لذلك بحسب ذاته أولى ( قال ولا يثبت للحركة في باقي المقولات ) يعني لا دليل على ثبوت الحركة في الجوهر والمتى والإضافة والملك وأن يفعل وأن ينفعل بل ربما يقام الدليل على نفيها أما الجوهر فلأنه بعد ثبوت الكون وتوارد الصور على المادة الواحدة فالانتقال إلى كل منها دفعي لأن الجوهر لا يقبل الأشداد فلا يكون حدوثه على التدريج وذلك لأنه لو قبل الاشتداد فإما أن يبقى في وسط الاشتداد نوع الجوهر الذي منه الانتقال فلا يكون التغير فيه بل في لوازمه أو لا يبقى فيكون ذلك انتفاء لااشتدادا وهذا منقوض بالحركة في الكيف وقد يحتج بأن المتحرك لا بد أن يكون موجودا والمادة وحدها غير موجودة لما سيجيء من امتناع وجودها بدون الصورة وتحقيقه أن الحركة في الصور إنما تكون بتعاقب الصور على المادة بحيث لا تبقى صورة زمانا وعدم الصورة توجب عدم المادة لكونها مقومة للمادة بخلاف الكيف فإن عدمه لا يوجب عدم المحل وجوابه ما سيجيء من أن تقوم المادة إنما هو بصورة ما فعدم الصورة المعينة إنما يوجب عدمها لو لم يستعقب حدوث صورة أخرى وأما ما قيل من أن تغيرات الجواهر أعني الأجسام بصورها لا تقع في زمان لأن الصور لا تشتد ولا تضعف بل تقع في آن وتغيراتها بكيفياتها وكمياتها وألوانها وأوضاعها تقع في زمان لأنها تشتد وتضعف ومعنى الاشتداد هو اعتبار المحل الواحد الثابت بالقياس إلى حال فيه غير قار تتبدل نوعيته إذا قيس ما يوجد فيه في آن ما إلى ما يوجد في آن آخر بحيث يكون ما يوجد في كل آن متوسطا بين ما يوجد في الآنين المحيطين به ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقوم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجددات إلى غاية ما ومعنى الضعف هو ذلك المعنى بعينه إلا أنه يوجد في آن آخر من حيث هو متصرف بها عن تلك الغاية فالأخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد المتصرم ولا شك أن مثل هذا الحال يكون عرضا لتقوم المحل دون كل واحدة من تلك الهويات وأما الحال الذي تتبدل هوية المحل المتقوم بتبدله وهي الصورة فلا يتصور فيها اشتداد ولا ضعف لامتناع تبدلها على شيء واحد متقوم يكون هو هو في الحالين فجمع بين الوجهين مع تفصيل وتحقيق ويرد عليه ما سبق مع أنا لانم تبدل هوية المادة تبدل الصورة وقد صرح ابن سينا بأن الوحدة الشخصية للمادة مستحفظة بالوحدة النوعية للصورة لا بالوحدة الشخصية وأما المتى فذكر في النحاة أنه لا بد للحركة من متى فلو وقعت حركة في المتى لكان للمتى متى وهو باطل وذكر في الشفاء أن الانتقال فيه دفعي لأن الانتقال من سنة إلى سنة ومن شهر إلى شهر يكون دفعة ثم قال ويشبه أن يكون حالة كحال الإضافة في أن الانتقال لا يكون فيه بل يكون الانتقال الأول في كم أو كيف ويكون الزمان لازما لذلك التغير فيعرض بسببه فيه التبدل كما أن الإضافة طبيعة غير مستقلة بل تابعة لغيرها فإن كان المتبوع قابلا للأشد والأنقص فكذا الإضافة إذ لو بقيت غير متغيرة عند تغير شيوعها لزم استقلالها قال الإمام وهذا هو الحق لأن متى نسبة إلى الزمان والنسبة طبيعة غير مستقلة فهي تابعة لمعروضها في التبدل والاستقرار وكذا الملك لأنها مقولة نسبية وقيل لأنها توجد دفعة ثم قال وأما أن يفعل وأن ينفعل فأثبت بعضهم فيهما الحركة والحق بطلانه أما أن يفعل فلأن الشيء إذا انتقل من التبرد إلى التسخن مثلا فإن كان التبرد باقيا لزم التوجه إلى الضدين أعني البرودة والسخونة في زمان واحد وإن لم يكن باقيا بل إنما وجد التسخن بعد وقوف التبرد وبينهما زمان سكون لا محالة فليس هناك انتقال من التبرد إلى التسخن على الاستمرار وما يقال من أن الشيء قد ينسلخ عن اتصافه بالفعل يسيرا يسيرا لا من جهة ينقص قبول الموضوع لتمام ذلك الفعل بل من جهة هيئته فذلك عائد إلى أن فتور القوة أو انفساخ العزيمة أو كلال الآلة تكون يسيرا يسيرا أو بتبعية ذلك يحصل التبدل في الفاعلية فما يوهم من التغير التدريجي في أن يفعل نفسه إنما هو فيما يتم به الفعل كما إذا توهم في أن ينفعل بناء على تحققه فيما يتم به الانفعال كالقابل وهذا ما قال في المواقف الحق أنها تبع الحركة أما في القوة إرادية كانت أو طبيعية أو في الآلة وأما في القابل وأتى في القابل بلفظ أما دون أو تنبيها على ما ذكرنا فإن قيل ما ذكر في الإضافة من عدم استقلالها لكونها من الأعراض النسبية كاف في الجميع على ما أشار إليه الإمام ولا حاجة إلى ما ذكروا من التطويل والتفصيل قلنا ليس معنى عدم استقلال الإضافة مجرد كونها نسبية وإلا انتفض بالاين والوضع بل معناه كونها تابعة لمعروضها في الأحكام ولهذا قال ابن سينا بعد إثبات التضاد في الاين والمتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل أن التضاد لا يعرض الإضافة لأن الإضافات طبايع غير مستقلة بأنفسها فيمتنع أن يعرض لها التضاد لأن أقل درجات المعروض أن يكون مستقلا بتلك المعروضية وأما كون الأحر ضدا للأبرد كالحار للبارد فلأن الإضافة لما كانت طبيعية غير مستقلة بل تابعة لمعروضها وجب أن يكون في هذا الحكم أيضا تابعة وإلا لكانت مستقلة فيه ( قال وأما المتحرك ) غني عن الشرح ( قال وأما المحرك ) يريد انقسام الحركة بالذات إلى الأقسام الثلاثة وأما مطلق الحركة فينقسم إلى أربعة عرضية وقسرية وإرادية وطبيعية وإن كانت العرضية لاتخ عن الأقسام الثلاثة ولهذا قيل الحركة إن كانت تبعا لحركة جسم آخر فعرضية وإلا فإن كان محركها موجودا في غير الجسم المتحرك فقسرية وإن كان موجودا فيه نفسه فإن كان من شأنه الشعور والقصد فإرادية وإلا فطبيعية والمراد بكون المحرك في المتحرك أعم من أن يكون جزأ منه أو متعلقا به التعلق المخصوص كتعلق النفوس الإنسانية بأبدانها والنفوس الفلكية بأفلاكها فيعم تحرك الحجر هبوطا والإنسان يمنة ويسرة والفلك استدارة فإن قيل فعلى رأي من يجعل الممكنات كلها مستندة إلى الله تعالى ابتداء هل يتأتى هذا التقسيم أم تكون الحركات كلها قسرية قلنا بل يتأتى بأن يراد بالمحرك ما جرت العادة بخلق الحركة معه كما يفصح عنه وصفهم بعض الحركات بكونه اختياريا ( قال فحركة النفس إرادية ) قد أشكل الأمر في بعض الحركات أنها من أي قسم من الأقسام الثلاثة لا سيما حركة النبض فقد كثر اختلاف الناس في أنها طبيعية أو إرادية وعلى التقديرين فأينية أو وضعية أو كمية ولكل من الفرق تمسكات مذكورة في المطولات سيما شروح الكليات ونحن نقتصر على ذكر ما هو أقرب وأصوب فنقول أما حركة النفس فإرادية باعتبار طبيعية باعتبار على ما قال بعض المتأخرين من الحكماء أنها تتعلق بالإرادة من حيث وقوع كل نفس في زمان يتمكن المتنفس من أن يقدمه على ذلك الزمان وأن يؤخره منه بحسب إرادته لكنها لا تتعلق بالإرادة من حيث الاحتياج الضروري إليها فهو طبيعي من حيث الحاجة إلى مطلق التنفس وإرادي من حيث إمكان تغير التنفسات الجزئية عن أوقات تقتضيها الحاجة ويكون وقوعها في تلك الأوقات على مجراها الطبيعي وهذا معنى ما قال صاحب القانون أن حركة التنفس إرادية يمكن أن تغير عن مجراها الطبيعي والاعتراض بأنه لا إرادة للنائم فيلزم أن لا يتنفس ليس بشيء لأن النائم يفعل الحركات الإرادية لكن لا يشعر بإرادته ولا يتذكر شعوره ولذلك قد تحرك الأعضاء بسبب الملالة عن بعض الأوضاع ويحكها عند الحاجة إلى الحك ولا يشعر بذلك وأما حركة النمو فظاهر أنها طبيعية إذ طبيعة النامي تقتضي الزيادة في الأقطار عند ورود الغذاء ونفوذه فيما بين الأجزاء وكذا النبض عند المحققين فإنها ليست بحسب القصد والإرادة ولا بحسب قاسر من خارج بل بما في القلب من القوة الحيوانية وميل الجمهور إلى أنها مكانية وقيل بل وضعية وقيل كمية فإن قيل الحركة الطبيعية لا تكون إلا إلى جهة واحدة بل لا تكون إلا صاعدة أو هابطة على ما صرحوا به قلنا ذلك إنما هو في البسائط العنصرية وأما الطبيعية النباتية أو الحيوانية فقد تفعل حركات إلى جهات وغايات مختلفة وطبيعة القلب والشرايين من شأنها للروح إحداث حركة فيها من المركز إلى المحيط وهي الانبساط وأخرى من المحيط إلى المركز وهي الانقباض لكن ليس الغرض من الانبساط تحصيل المحيط ليلزم الوقوف ويمتنع العود بل جذب الهواء البارد المصلح لمزاج الروح ولا من الانقباض تحصيل المركز بل دفع الهواء المفسد للمزاج والاحتياج إلى هذين الأمرين مما يتعاقب لحظة فلحظة فيتعاقب الآثار المتضادة عن القوة الواحدة ( قال ومنهم ) يعني هرب بعضهم عن الأشكال المذكورة بمنع انحصار الحركة بالذات في الأقسام الثلاثة وجعل طريق القسمة أن الحركة إما ذاتية أو عارضة والذاتية إن كانت على نهج واحد فبسيطة وإلا فمركبة والبسيطة إن كانت تابعة لإرادة فإرادية كحركة الفلك وإلا فطبيعية كالحركة الهابطة للحجر النازل من الهواء والمركبة إن لم يكن من خواص الحيوانات فنباتية كالنمو وإن كانت فإما أن تكون تابعة للإرادة وهي الإرادية كالشيء أو لا وهي التسخرية كالنبض والعارضة إن كان المحرك كجزء من المتحرك فعرضية إرادية أو مكانا له بالطبع فعرضية طبيعية وإلا فقسرية ( قال ثم العلة ) يعني أن الحركة الطبيعية في البسائط العنصرية وإن كانت على نهج واحد بمعنى كونها إلى الحيز الطبيعي لكنها قد تختلف بحسب الأحوال كصعود الماء إذا وقع تحت الأرض وهبوطه إذا وقع فوق الهواء بيان ذلك أن العلة للحركة الطبيعية ليست هي الجسمية المشتركة بين الأجسام وإلا لزم دوام الحركة وعمومها للأجسام واتحاد جهة الحركات الطبيعية ضرورة تحقق المعلول عند تحقق العلة وليست أيضا الطبيعية المختصة بذلك الجسم وإلا لزم دوام الحركة لما ذكرنا بل هي الطبيعة الخاصة بشرط مقارنة أمر غير طبيعي هو زوال حالة ملائمة فيتحرك الجسم بطبعه طلبا لتلك الحالة الملائمة ويقف لطبعه عند الوصول إليه ثم لا خفاء في أن الأحوال الملائمة بطبايع الأجسام مختلفة بحسب اختلاف الطبايع مثلا الحالة الملائمة للأرض أن تكون تحت الماء والهواء والنار وللماء أن يكون فوقها وتحت الأخيرين وعلى هذا القياس فمن ههنا يختلف جهات الحركة ولما كانت الحركة لطلب الحالة الملائمة لا لمجرد الهرب عن الحالة الغير الملائمة كانت أولوية الجهة التي إليها الحركة ظاهرة ولا خفاء في أن معنى طلب الحالة الملائمة ههنا التوجه إليها بحيث إذا حصل الوصول إليها حصل الوقوف كما في الغايات الإرادية كما أن معنى الهرب عن الحالة الغير الملايمة الانصراف عنها فلا يختص هذا بالحركة الإرادية كما يتوهم من ظاهر معناهما اللغوي الموقوف على الشعور والإدراك ثم لما كان زوال الحالة الملائمة كحصول الماء في حيزه مثلا قد يكون بخروجه قسرا إلى فوق فيتوجه عند زوال القاسر إلى تحت وقد يكون بالعكس فبالعكس جاز في الحركة الطبيعية بجسم واحد أن يختلف جهتها فتارة يكون إلى فوق وتارة إلى تحت ( قال المبحث الرابع ) اختلال الحركات قد يكون بالماهية وقد يكون بالعوارض واتحادها قد يكون بالشخص وقد يكون بالنوع وقد يكون بالجنس ثم قد يوصف بالتضاد وقد يوصف بالانقسام فيشير في هذا المبحث إلى بيان ماهية الحركة وقد سبق أن الحركة تتعلق بأمور ستة فاتفقوا على أن تعلقها بثلاثة منها وهي ما فيه وما منه وما إليه بمنزلة الذاتي يختلف باختلافه ماهية الحركة وتعلقها بالثلاثة الباقية بمنزلة العرضي لا يختلف باختلافه ماهية الحركة بل باختلاف المحرك لا يختلف هويتها أيضا فبنوا على ذلك أنه إذا اتحد المبدأ والمنتهى وما فيه الحركة اتحدت الحركة بالنوع وإن اختلف المتحرك أو المحرك أو الزمان لأن تنوع المعروضات أو الأسباب لا يوجب تنوع العوارض والمسببات لجواز قيام نوع منها كالحرارة بموضوعين مختلفي الماهية كالإنسان والفرس وحصوله لمؤثرين مختلفين كالنار والشمس وبهذا يظهر أن لا أثر للاختلاف بالقسر والطبع والإرادة فالحركة الصاعدة للنار طبعا وللحجر قسرا وللطير إرادة لا تختلف نوعا وأما الأزمنة فلا يتصور فيها اختلاف الماهية ولو فرض فلا خفاء في جواز إحاطتها بحقيقة واحدة والتمسك بأنها عارضة للحركة واختلاف العارض لا يوجب اختلاف المعروض ضعيف لما سبق من أن هذا التعلق بالزمان غير تعلق الحركة التي جعل الزمان عارضا لها فإنها إنما هي حركة الفلك الأعظم وإذا اختلف المبدأ والمنتهى اختلفت الحركة وإن كان ما فيه واحدا أما في الأين فكالحركة الصاعدة مع الهابطة وأما في الكيف فكالحركة من البياض إلى السواد على طريق التصفر ثم التحمر ثم التسود مع الحركة من السواد إلى البياض على طريق التحمر ثم التصفر ثم التبيض وكذا إذا اختلف ما فيه وإن اتحد المبدأ والمنتهى كالحركة من نقطة إلى نقطة على الاستقامة معها على الانحناء وكالحركة من البياض إلى السواد على طريق الأخذ في الصفرة ثم الحمرة ثم السواد معها على طريق الأخذ في الخضرة ثم النيلية ثم السواد وما ذكر في المواقف من أنه لا بد من وحدة ما فيه وما منه وما إليه إذ لو اختلف ما فيه اختلف النوع كالتسخن والتسود ليس على ما ينبغي لأن هذا إنما يصح للتمثيل دون التعليل وكأنه أراد أنه يختلف النوع عند اختلاف مجرد ما فيه كما يختلف عند اختلاف الأمور الثلاثة مثل التسخن والتسود أو كان الأصل كالتسخن والتبرد فصحف إلى التسود وأما وحدة الحركة بالتشخص فلا بد فيها من وحدة الأمور الستة سوى المحرك للقطع بأن حركة زيد غير حركة عمرو وحركة زيد اليوم غير حركته أمس وحركته من هذا الموضع غير حركته من موضع آخر وحركته من نقطة معينة إلى نقطة غير حركته منها إلى نقطة أخرى وحركته من نقطة إلى نقطة أخرى بطريق الاستقامة غيرها بطريق الانحناء وكذا في الكم والكيف والوضع لكن لا خفاء في أن وحدة ما فيه أعني وحدته الشخصية تستلزم وحدة ما منه وما إليه من غير عكس فلهذا يكتفى بوحدة الموضوع والزمان وما فيه لا يقال ينبغي أن يكتفى بوحدة الموضوع والزمان لاستلزامها وحدة المسافة ضرورة أن حركة زيد في زمان معين لا تكون إلا في مسافة معينة لأنا نقول هذا إنما يكون عند اتحاد جنس الحركة وإلا فيجوز أن ينتقل في زمان معين من أين إلى أين ومن وضع إلى وضع ومن مقدار إلى مقدار ومن كيف إلى كيف بل ومع اتحاد الجنس أيضا لا يصح على الإطلاق لجواز النمو والتخلخل والتسخن والتسود في زمان واحد وأما وحدة المحرك فلا عبرة بها في وحدة الحركة لأن الحركة الواحدة التي لا يكثر فيها بالفعل أصلا قد يقع بمؤثرات متعددة كحركة الجسم في المسافة بتلاحق الجواذب وحركة الماء في الحرارة بتلاحق النيران ولا يلزم من ذلك اجتماع المؤثرين على أثر واحد لأن تأثير كل إنما يكون في أمر آخر هو بمنزلة البعض من الحركة وهذا التبعض والتجزي لا يقدح في وحدتها على الاتصال لأنه بمجرد الوهم من غير انقسام بالفعل وكذا ما يتوهم من تكثرها باعتبار نسبتها إلى المحركات فإنه لا يبطل وحدتها الاتصالية كما يتوهم بحركة الفلك مع اتصالها انقسامات بسبب الشروق والغروب والمسامتات فإن قيل إن أريد الحركة بمعنى القطع أعني الامتداد الموهوم فلا وجود لها في الخارج أو بمعنى الكون في الوسط أعني الحالة المستمرة الغير المستقرة فهو أمر كلي والواقع بهذا المحرك جزئي مغاير للواقع بذاك فلا تتصور حركة واحدة بالشخص واقعة بمحركين قلنا الظاهر هو الأول ومعنى كونه وهميا أنه بصفة الامتداد والاجتماع لا يوجد إلا في الوهم وإلا فأبعاضها المتوهمة موجودة في الخارج لكن على التجدد والانقضاء كالزمان لا على الاجتماع والاستقرار كالخط مثلا وهذا المجموع الوهمي قد يتحد بالشخص مع تعدد المحرك كالخط الواحد يقع بعض أجزائه بفاعل وبعضها بفاعل آخر لكن ميل الإمام الرازي إلى الثاني وقد حقق القول فيه بأن الحركة بمعنى التوسط بين المبدأ والمنتهى أمر موجود في الآن مستمر باستمرار الزمان ويصير واحدا بالشخص بوحدة الموضوع والزمان وما فيه وإذا فرضت للمسافة حدود معينة فعند وصول المتحرك إليها يعرض لذلك الحصول في الوسط إن صار حصولا في ذلك الوسط وصيرورته حصولا في ذلك الوسط أمر زائد على ذاته الشخصية وهي باقية عند زوال الجسم من ذلك الحد إلى حد آخر وإنما يزول عارض من عوارضها وليس الحصول في الوسط أمرا كليا يكون له كثرة عددية لأن ذلك إنما يكون لو كان في المسافة كثرة عددية حتى يقال الحصول في هذا الحد من المسافة غير الحصول في ذلك وليس كذلك لأن المسافة متصل واحد لا أجزاء لها بالفعل فالحركة فيها عند اتحاد الموضوع والزمان لا تكون إلا واحدا بالشخص وإن أمكن فرض الأجزاء فيه كالخط الواحد وذلك لأن المعتبر في الكلية إمكان فرض الجزئيات لا الأجزاء وهو غير ممكن ههنا ثم قال هذا ما عندي في هذا الموضع المشكل العسر وأنت خبير بما بين طرفي كلامه فإن قيل كيف جاز الاكتفاء بوحدة الموضوع والزمان وما فيه في الوحدة الشخصية دون النوعية حيث احتيج إلى اعتبار وحدة ما منه وما إليه أيضا قلنا لأن المعتبر في وحدة الحركة بالشخص وحدة هذه الأمور بالشخص وفي وحدتها النوعية وحدتها بالنوع وظاهر أن وحدة ما فيه بالشخص تستلزم وحدة ما منه وما إليه ووحدته بالنوع لا تستلزم وحدتهما بالنوع كما في النمو مع الذبول والتسخن مع التبرد والتسود مع التبيض ونحو ذلك بقي ههنا بحث وهو أن تنوع الحركة وما فيه وما منه وما إليه ظاهر في الكم والكيف والوضع فإن المقادير العارضة لبدن الإنسان من الطفولية إلى الكهولة مثلا أنواع مختلفة وكذا ألوان العنب وأوضاع الفلك وأما في الاين فمشكل لأنهم يجعلون الحركة الصاعدة والهابطة بين نقطتين معينتين من الأرض والسماء مختلفتين بالنوع لاختلاف ما منه وما إليه دون ما فيه والحركة من نقطة إلى نقطة على الاستقامة وأخرى بينهما على الانحناء مختلفتين بالنوع لاختلاف ما فيه دون ما منه وما إليه والحركة على الاستقامة يمنة ويسرة فرسخا أو أكثر متفقة بالنوع لعدم الاختلاف في شيء من الأمور الثلاثة فلم يعتبروا في هذا الاتفاق والاختلاف بحال طبائع الأجسام المحيطة بالمتحرك بل بحال الأيون أنفسها وظاهر أن كون الاين الذي للحجر في أسفل الهواء مخالفا بالنوع للأين الذي في أعلاه وكون الأيون التي في الأوساط متفقة بالنوع تحكم إذ لا تفاوت إلا بالقرب من المركز أو المحيط وهو أمر عارض ولو أخذ مجموع المعروض والعارض وجعل نوعا فمثله ثابت في الأوساط غايته أنه لا يكون على تلك الغاية من القرب والبعد وكذا الكلام في الأيون التي تترتب على استقامة المسافة أو انحنائها والتي تترتب على الاستقامة يمنة ويسرة فإن الاختلاف النوعي والاتفاق فيها مما ليس بظاهر وغاية ما يمكن في ذلك أن الحركة لما انطبقت على المسافة التي هي امتداد متصل وقد تقرر عندهم أن المستقيم والمنحنى نوعان من الكم كالاستقامة والانحناء من الكيف جعلوا الحركة أيضا كذلك ولهذا توصف هي أيضا بالاستقامة والاستدارة وهذا بخلاف الزمان المنطبق على الحركة لأنه واحد لا يعرض له التكثر والانقطاع بالفعل وأما في الصعود والهبوط فذكر الإمام أن الطرفين وإن لم يختلفا بالماهية لكنهما اختلفا بالمبدأية والمنتهية وهما متقابلان تقابل التضاد وهذا القدر كاف في وقوع الاختلاف بين الحركتين ويرد عليه أن هذا جار في كل حركة من مبدأ إلى منتهى مع الرجوع عنه إلى ذلك المبدأ إلا أن يقال لما كان مبدأ الصعود والهبوط ومنتهاهما في جهتين حقيقتين لا يتبدلان اصلا فلا يصير العلو سفلا أو بالعكس بخلاف سائر الجهات اعتبر ذلك ولهذا لا يمكن اعتبار الصاعدة هابطة أو بالعكس بخلاف الحركة يمنة ويسرة ( قال وأما أن وحدتها الجنسية ) ذكروا أن الوحدة الجنسية للحركة إنما تكون بوحدة ما فيه جنسا أعني المقولة حتى أن الحركة في الكم مع الحركة في الكيف والأين والوضع أجناس مختلفة وحركة النمو والذبول والتخلخل والتكاثف جنس واحد وكذا في الكيف وغيره وصرح الإمام بأن اتحاد حركات المقولة الواحدة اتحاد في الجنس العالي ثم يتناول على ترتيب أجناس المقولة مثلا الحركة في الكيف جنس عال وتحته الحركة في الكيفية المحسوسة وتحتها الحركة في المبصرات وتحتها الحركة في الألوان وعلى هذا القياس ولا خفاء في أن هذا إنما يصح إذا لم يكن مطلق الحركة جنسا لما تحته بل يكون مقولية الحركة على الأربع بالاشتراك اللفظي فلا يتحقق مطلق شامل أو بالتشكيك فيكون المطلق عرضيا للأقسام لا ذاتيا والأول باطل يمثل ما مر في الوجود كيف والتغير التدريجي الذي هو حاصل قولهم كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة مفهوم واحد يشمل الكل وأما الثاني أعني التشكيك فذهب إليه الكثيرون تمسكا بأن الحركة كمال أي وجود الشيء لشيء من شأنه ذلك والوجود مقول بالتشكيك ورد بأن الكبرى طبيعية لا كلية لأن المقول بالتشكيك مفهوم الوجود لا ما صدق هو عليه من الأفراد ومنعه آخرون لأنه لا يتصور كون بعض أقسام الحركة أولى أو أقدم أو أشد في كونها حركة بل لو أمكن نفي الاتصاف بالوجود كالعدد يكون لبعض أقسامه تقدم على البعض في الوجود لا في العددية فيكون التشكيك عائدا إلى الوجود فإن قيل على تقدير التواطؤ لا يثبت الجنسية لجواز أن يكون عارضا كالماشي قلنا هذا مع أنه بعيد غير مقيد أما البعد فلأنه لا يعقل من الحركة في الكيف مثلا إلا تغير على التدريج من كيفية إلى كيفية وأما عدم الإفادة فلأن القول بأن الوحدة الجنسية يتوقف على وحدة ما فيه إنما يتم إذا ثبت عدم جنسية مطلق الحركة ولا يكفي عدم ثبوت الجنسية وقد يقال لو كانت الحركة جنسا لأقسامها لزادت المقولات على العشر لأنها لا محالة يكون جنسا عاليا بل ربما يكون فوق المقولات الأربع فيبطل كونها أجناسا عالية ويجاب بالمنع لجواز أن يكون من مقولة أن ينفعل على ما سبق مع وقوعها في المقولات الأربع بالمعنى الذي ذكرنا وإنما يلزم ما ذكر لو كانت الحركة الواقعة في الكم من الكم وفي الكيف من الكيف وفي الأين من الأين وفي الوضع من الوضع فإنه يمتنع حينئذ كون مطلق الحركة مندرجة تحت شيء من المقولات العشر لامتناع تداخلها نعم لو أريد أن الوحدة الجنسية لما يصدق عليها إنها بعض أقسام الحركة إنما يكون بالوحدة الجنسية لما فيه الحركة لكان وجها ولا ينافيه كون مطلق الحركة جنسا ( قال وأما تضادها ) لا خفاء في أن اختلاف أحوال الحركة إنما يكون لاختلاف متعلقاتها فتضاد الحركة ليس لتضاد المتحرك لأنه جسم ولا تضاد فيه بالذات ولو اعتبرنا التضاد بالعرض فقد يكون متضادا بالعرض فقد يكون متضادا مع تماثل الحركتين كحركة الحار والبارد مثل النار والماء إلى العلو وقد يكون واحدا مع تضاد الحركتين كحركة جسم من العلو إلى السفل وبالعكس أو من البياض إلى السواد وبالعكس أو من غاية نموه إلى ذبوله وبالعكس أو من انتصابه إلى انتكاسه وبالعكس ولا لتضاد المحرك لتماثلها مع تضاد المحركتين كما في الحركة الصاعدة للحجر والنار بالقوة القسرية والطبيعية المتضادتين وتضادها مع اتحاد المحرك كما في حركة الجسم صعودا وهبوطا بالإرادة أو بالقسر ولا لتضاد الزمان لأنه ليس فيه اختلاف ماهية فضلا عن التضاد ولو فرض فتضاد العوارض لا يوجب تضاد المعروضات ولا لتضاد ما فيه لأن الصعود والهبوط متضادان مع اتحاد ما فيه وكذا التسود والتبيض عند اتحاد الطريق فتعين أن يكون تضاد الحركة لتضاد ما منه وما إليه وتضادهما قد يكون بالذات كما في الحركة من السواد إلى البياض وبالعكس ومن غاية النمو الذي في طبيعة الجسم إلى غاية الذبول وبالعكس ومن الانتصاب إلى الانتكاس وبالعكس وما يقال أنه لا تضاد في الحركة الوضعية فمختصة بالمستديرة وقد يكون بالعرض كما في الحركة الصاعدة مع الهابطة بحسب ما بين مبدائهما من التضاد بعارض كون أحدهما في غاية القرب من المركز والبعد من المحيط والآخر بالعكس وكذا المنتهى فإن قيل قد ذكروا أن تضاد العارض لا يوجب تضاد المعروض فكيف أوجب تضاد عارض بعض ما يتعلق به الحركة تضاد الحركة مع أن هذا أبعد قلنا مرادهم أن ذلك بمجرده وعلى إطلاقه لا يوجب تضاد المعروض وأما إذا كان بخصوصه بحيث يوجب صدق حد الضدين على المعروض أو على ما يتعلق به فلا استبعاد وههنا قد صدق بتضاد الطرفين حد الضدين على الحركتين لأنهما أعني الصاعدة والهابطة أمران وجوديان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد من جهة واحدة مع كونهما نوعين من جنس بينهما غاية الخلاف وهذا بخلاف الحركة المستقيمة من نقطة من المسافة إلى نقطة مع الرجوع عنها إلى الأولى لا بطريق الصعود والهبوط فإنهما نوع واحد وبخلاف المستقيمة والمنحنية أو المنحنيتين وإن كانت إحداهما فوق والأخرى تحت فإنهما ليستا على غاية الخلاف لأن بين كل نقطتين قسيا غير متناهية والعظمى أشد انحناء فأشد مخالفة ولا يجوز أن يعتبر مطلق الانحناء لأنه لا يوجد في الخارج إلا في ضمن معين وكل معين يوجد فما فوقه أشد مخالفة منه وههنا مواضع بحث
الأول أن القوس التي تماس محدب الفلك المحيط في غاية الخلاف فالحركة عليها ينبغي أن تكون ضد الحركة المستقيمة لصدق الحد بجميع شرائطه الثاني أن الصاعدة والهابطة المستقيمتين أيضا قد لا تكونان على غاية الخلاف كالصعود من وجه الأرض إلى النار والهبوط منها إليه لظهور أن الصعود إلى الفلك أشد مخالفة لذلك الهبوط والهبوط إلى مركز الأرض أشد مخالفة لذلك الصعود الثالث أن ظاهر كلامهم هو أن المعتبر في تضاد الحركتين تضاد مبدأهما وتضاد منتهيهما جميعا فالصعود والهبوط من المركز والمحيط إلى حيز من الهواء مثلا لا يكونان متضادين لاتحاد المنتهى وكذا الصعود والهبوط منه إلى المحيط والمركز لاتحاد المبدأ وقد صرح ابن سينا بأنه لا تضاد بين حركتي الماء بالطبع من فوق الهواء ومن تحت الأرض لأنهما ينتهيان إلى نهاية واحدة ولا يظهر لهذا سبب سوى ما ذكره الإمام وهو أنهما ليستا على غاية التباعد لأن البعد بين حركة النار وحركة الأرض أكثر من البعد بين صعود الماء من المركز وهبوطه عن المحيط وعلى هذا لا يتحقق التضاد في الحركات الاينية إلا بين الصعود من المركز إلى المحيط والهبوط من المحيط إلى المركز إذ فيما سوى ذلك لا يتحقق ما اعتبروه ههنا في التضاد من غاية التباعد وكون ضد الواحد واحدا وهم مصرحون بأن حركتي الحجر علوا وسفلا بالقسر والطبع متضادتان والجواب أن تضاد الحركة لتضاد ما منه وما إليه ليس من حيث الحصول فيهما إذ لا حركة حينئذ بل من حيث التوجه فيعتبر حال الجهة وجهتا العلو والسفل متميزتان بالطبع مختلفتان بالنوع متضادتان بعارض لازم هو غاية القرب من المحيط والبعد عنه بخلاف سائر الجهات
الرابع أن الإمام قد اعتبر في تضاد الحركة تضاد المبدأ والمنتهى من حيث وصف المبدائية والمنتهية وذكر أن التعلق الذاتي للحركة لما كان بنفس الوصفين دون الذاتين إذ لو لم يعرض للنقطتين كونهما مبدأ وغاية للحركة لم يكن للحركة تعلق بهما أوجب تضاد الأطراف تضاد الحركات فإن قيل موجب تضاد الحركتين تضاد مبدأيهما وتضاد منتهيهما لا تضاد المبدأ والمنتهى قلنا معنى الكلام لأن المبدأ والمنتهى لما كانا متضادين كانت الصاعدة والهابطة مبدأهما متضادين لكونهما مبدأ ومنتهى للصاعدة وكذا منتهاهما لكونهما مبدأ ومنتهى للهابطة فإن قيل فيلزم التضاد بين كل حركة مستقيمة من نقطة إلى أخرى مع الرجوع عنها إلى الأولى بل المستديرة أيضا كما إذا تحرك جسم من أول الحمل إلى أول الميزان ثم رجع عنه إلى أول الحمل بحيث يكون ممر الحركتين على الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وبتحقق البداية والنهاية بالفعل فلا يندفع بما قيل أن الحركة على التوالي لا تضاد الحركة على خلاف التوالي لأن كلا منهما تفعل مثل ما تفعل الأخرى لكن في النصفين على التبادل مثلا المنحدر من السرطان إلى الجدي على التوالي يكون مسافته الأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والمنحدر من السرطان إلى الجدي على خلاف التوالي يكون مسافته الجوزاء والثور والحمل والحوت والدلو والصعود بالعكس فقد فعل كل منهما ما فعله الآخر لكن في النصف الآخر قلنا لو ثبت الاختلاف بالماهية وغاية الخلاف التزم التضاد وهم إنما نفوا التضاد عن الحركات المستديرة الوضعية كحركة الرحى وما ذكرت من الحركتين بين الحمل والميزان حركة أينية على الاستدارة كحركة النمل على الرحى ( قال وأما انقسامها ) لا خفاء في تطابق الحركة والزمان وما يقع فيه التغير من المقادير والكيفيات والأيون والأوضاع فعند انقسام أحد الأمور الثلاثة ينقسم الآخران ضرورة وأمر المبدأ والمنتهى ظاهر وفي المحرك تفصيل وهو أنه قد ينقسم وقد لا ينقسم وبتقدير الانقسام قد يقوى البعض منه على التحريك وقد لا يقوى وبتقدير القوة هل يكون بعض الأثر أثر البعض وبالجملة فالكلام فيه طويل وأما المتحرك فمن حيث أنه محل للحركة وانقسام المحل موجب لانقسام الحال كان ينبغي أن يكون انقسامها بانقسامه ظاهر لكنه خفي من جهة الخفاء في أن القابل للانقسام من الحركة هل هو حال في المتحرك حلول السريان كالبياض في الجسم وقد اختص ذلك في الحركة الأينية بمزيد خفاء فإن أجزاء المتحرك لا تفارق أمكنتها بالكلية بل تشبه أن تكون الأجزاء الباطنة لا تفارق أمكنتها أصلا نعم لو عرض للأجزاء انفصال كان للحركة انقسام شبيه بالانقسام في العرض لكن التغير التدريجي المسمى بالحركة على حاله وعلى امتداده فإن سمي مثل هذا انقساما للحركة بانقسام المتحرك فلا مشاحة وأما الانقسام الكمي الذي هو تكثير امتدادها الوهمي إلى ما له من الأجزاء الفرضية بحيث يحصل اسم النصف والثلث والربع ونحو ذلك فلا يتصور إلا بانقسام المسافة أو الزمان ( قال المبحث الخامس ) لا بد للحركة من زمان ومن امتداد في الأيون أو المقادير أو الكيفيات أو الأوضاع ولا بأس بتسميته مسافة وإن كان الاسم بإطلاقه لما في الأيون وهما أعني الزمان والمسافة يقبلان القسمة فإذا فرضنا قطع مسافة في زمان فقد يقطع تلك المسافة في زمان أقل أو يقطع في ذلك الزمان مسافة أقل مع أن حقيقة الحركة بحالها فلا محالة يكون ذلك نصفه في الحركة يشتد فيقطع المسافة الأطول ويسمى سرعة ويضعف فيقطع المسافة الأقصر ويسمى بطئا ولا نقدر على التعبير عنهما إلا بما يلزمهما من قطع المسافة الأطول في زمان مساو والمسافة المساوية في زمان أقل وقطع المسافة الأقصر في زمان مساو والمسافة المساوية في زمان أكثر ويختلفان بحسب الاعتبار فتكون الحركة الواحدة سريعة بالنسبة إلى ما يقطع مسافتها في زمان أكثر أو يقطع في زمانها مسافة أطول وبطيئة بالنسبة إلى عكس ذلك ( قال وسبب البطء ) يعني أن المعاوقة التي تكون من نفس المتحرك كثقل الجسم يصلح سببا لبطء الحركة القسرية كما في الحجر المرمي إلى فوق والإرادية كما في صعود الإنسان الجبل لا الطبيعية لامتناع أن يكون الشيء مقتضيا لأمر ومانعا عنه والمعاوقة التي تكون من الخارج كغلظ قوام ما يتحرك فيه يصلح سببا لبطء الحركة الطبيعية كنزول الحجر في الماء والقسرية والإرادية كحركة السهم والإنسان فيه وقد يكون السبب في بطئهما نفس الإرادة كما في رمي الحجر وتحريك اليد برفق ولا خفاء في سببية هذه الأمور في الجملة لكن عند الفلاسفة من جهة أنها تصير سببيا لضعف الميل الذي هو العلة القريبة للحركة فيضعف المعلول وعند المتكلمين من جهة أنه يكثر حينئذ تخلل السكنات التي لاتخ الحركة عن شوبها وتختلف بالسرعة والبطء بحسب قلتها وكثرتها والفلاسفة نفوا ذلك بوجوه
الأول أنه لو كان البطء لتخلل السكنات لامتنع تلازم حركتين مع اتحاد الزمان واختلاف المسافة بالطول والقصر لأن الحركة التي في المسافة الأقصر تكون أبطأ ضرورة اتحاد الزمان فيكون تخلل السكنات فيها أكثر فيصدق أنه قد لا يتحرك الثاني عند تحرك الأول فلا يصدق أنه كلما تحرك الثاني تحرك الأول وبالعكس على ما هو معنى التلازم هف لكن اللازم باطل لتحقق التلازم مع تفاوت المسافة في صور كثيرة كحركة الشمس مع ما يتخيل من حركة ظلال الأشخاص وإنما قلنا يتخيل لأن الظل عرض لا حركة له بل إنما يطرأ عليه الضوء الأول أعني الضوء الحاصل من مقابلة جرم الشمس فيرى كأنه يتحرك إلى الانتقاص أو يزول الضوء الأول فيحدث الظل شيئا فشيئا فيرى كأنه يتحرك إلى الازدياد وكحركة طوقي الرحى أعني الدائرة العظيمة والصغيرة وكحركتي الشعبتين الخارجة والمتوسطة من الفرجار ذي الشعب الثلاث عند رسمها الدائرة العظيمة والصغيرة وأجيب بأنا لانم تلازم الحركتين بمعنى امتناع الانفكاك عقلا وإنما هو عادي يجوز ارتفاعه بأن تتحرك الشمس مع سكون الظل وكذا في جميع الصور غايته أنه يلزم انفكاك الرحى والفرجار وهو ملتزم الثاني أن في الحركة البطيئة علة الحركة موجودة بشرائطها والموانع مرتفعة وإلا امتنعت الحركة فلو وقع في أثناء ذلك سكون لزم تخلف المعلول عن تمام العلة وهو محال وأجيب بأن المؤثر في الحركات بل في جميع الممكنات قدرة الفاعل المختار فله أن يوجد الحركة في زمان والسكون في آخر مع كون المتحرك بحاله غاية الأمر أن جميع الحركات تكون قسرية بمعنى كونها بإيجاد الغير
الثالث أنه لو كان البطء لتخلل السكنات لزم أن لا يقع الإحساس بشيء من الحركات التي تشاهد في عالم العناصر كعدو الفرس وطيران الطائر ومرور السهم وغير ذلك إلا مشوبة بسكنات هي اضعاف آلافها واللازم ظاهر الانتفاء وجه اللزوم أن تلك الحركات لا تقطع في اليوم بليلته إلا بعض وجه الأرض وجميع الأرض بالنسبة إلى الفلك الأعظم الذي يتم في اليوم بليلته دورة مما ليس له قدر محسوس وبالجملة ففي غاية الصغر فتلك الحركات في غاية البطء فيلزم أن تتخلل حركة الفرس مثلا سكنات بقدر زيادة حركة الفلك الأعظم على حركاته ويكون الحركات مغمورة لا يحس بها أصلا فيرى الفرس ساكنا على الدوام أو يحس بها في زمان أقل من زمان السكنات بتلك النسبة فيرى ساكنا أضعاف آلاف ما يرى متحركا لأن السكون وإن كان عدميا عندهم لكن لا خفاء في أن الجسم قد يرى ساكنا وقد يرى متحركا ويعرف الحس بين الحالين وأجيب بأن تخلل السكنات بين الحركات وامتزاجها بها ليس بحيث يفرق الحس بين أزمنتها بل صارتا بمنزلة شيء واحد لا أن الحركات لكونها وجودية تظهر على الحس شيئا فشيئا تبهر السكنات وتغلبها وإن كانت السكنات في غاية الكثرة فيرى الفرس متحركا على الدوام ولا يخفى على المنصف قوة الأدلة وضعف الأجوبة ( قال ثم كل من السرعة والبطء قابل للشدة والضعف ) لا خفاء في ذلك لكن هل ينتهيان إلى حد حتى تتحقق حركة سريعة لا حظ لها من البطء وبطيئة لا حظ لها من السرعة أم لا بل لكل حركة حظ من السرعة بالنسبة إلى ما هو أبطأ ومن البطء بالنسبة إلى ما هو أسرع فيه تردد والأشبه بأصولهم هو الثاني لأن الحركة لا تكون بدون زمان ومسافة أي امتداد في إحدى المقولات الأربع وكل منهما ينقسم لا إلى نهاية وكل حركة تعرض فهي بالنسبة إلى ما يقطع تلك المسافة في نصف ذلك الزمان بطيئة وبالنسبة إلى ما يقطع في ذلك الزمان نصف تلك المسافة سريعة لكن ميل الإمام إلى الأول تمسكا بأنهما لو لم ينتهيا إلى حد لما كان بينهما غاية الخلاف فلم يتحقق التضاد فلم تتصور الشدة والضعف لكونه انتقالا من ضد إلى ضد وضعفه ظاهر وقد يتمسك بأن انقسام الزمان والمسافة قد ينتهي إلى مالا تمكن الحركة في أقل منه وإن كان قابلا للقسمة بحسب الفرض وحينئذ تتحقق بحسب ذلك الزمان سرعة بلا بطء وبحسب تلك المسافة بطء بلا سرعة وهو أيضا ضعيف لأن تلك السريعة بطيئة بالنسبة إلى ما يقطع في ذلك الزمان ضعف تلك المسافة وتلك البطيئة سريعة بالنسبة إلى ما يقطع تلك المسافة في ضعف ذلك الزمان نعم لما كانت الأبعاد متناهية فقطع أطول مسافة في أقصر زمان ربما يخلو عن البطء وأما كون حركة الفلك الأعظم أسرع الحركات فإنما هو بالنسبة إلى ما هو في الوجود دون ما في الإمكان إذ لا يمتنع أن يقع في أقل من ذلك القدر من الزمان ( قال المبحث السادس ) ذهب بعض الفلاسفة والمتكلمين إلى أن بين كل حركتين مستقيمتين زمانا يسكن فيه المتحرك سواء كانت الثانية رجوعا إلى الصوب الأول أو انعطافا إلى صوب آخر ولا خفاء في أن حصول الزاوية إنما يكون على تقدير الانعطاف دون الرجوع لأن الخط واحد فعبارة التجريد وهي أنه لا اتصال لذوات الزوايا ولا انعطاف ليست على ما ينبغي وقد فسرت بأنه لا اتصال للحركات الأينية التي تفعل نقطا هي نقط زوايا الرجوع ولا التي تفعل نقطا هي نقط زوايا الانعطاف والعمدة في احتجاج الفلاسفة أن الوصول إلى النهاية أني إذ لو كان زمانيا ففي نصف ذلك الزمان إما أن يحصل الوصول فلا يكون في ذلك الزمان بل في نصفه أو لا يحصل فلا يكون المفروض زمان الوصول وكذا الرجوع أعني ابتداءه الذي قد يعبر عنه باللاوصول واللامماسة والمباينة والمفارقة فلا يرد ما قيل إن كلا من ذلك حركة وهي زمانية لا آنية ثم الآنان متغايران ضرورة فإن لم يكن بينهما زمان لزم تتالي الآنات فيكون الامتداد الزماني الذي هو مقدار الحركة متألفا من الآنات وهو منطبق على الحركة المنطبقة على المسافة فيلزم وجود الجزء الذي لا يتجزأ وإذا كان بينهما زمان ولا حركة فيه تعين السكون ولما كان منع ضرورة تغاير الآنين ظاهرا بناء على جواز أن يقع الوصول واللاوصول أعني نهاية حركة الذهاب وبداية حركة الرجوع في آن واحد هو حد مشترك بين زمانيهما كالنقطة الواحدة التي تكون بداية خط ونهاية خط آخر وليس هذا من اجتماع النقيضين أعني الوصول واللاوصول في شيء لأن معناه أن يصدق على الشيء أنه واصل وليس بواصل لا أن يحصل له الوصول وابتداء الرجوع الذي هو لا وصول كما يحصل للجسم الحركة والسواد الذي هو لا حركة قرر بعضهم هذه الحجة بوجه آخر وهو أن الحركة إنما تصدر عن علة موجودة تسمى باعتبار كونها مزيلة للمتحرك من حد ما مقربة له إلى حد آخر ميلا وهي العلة للوصول إلى الحد وإن لم يسم باعتبار الاتصال ميلا فتكون موجودة في آن الوصول إذ ليس الميل من الأمور التي لا توجد إلا في الزمان كالحركة ثم اللاوصول أعني المباينة عن ذلك الحد لا يحدث إلا بعد حدوث ميل ثان في آن ثان ضوررة امتناع اجتماع الميل إلى الشيء مع الميل عنه في آن واحد ولا استحالة تتالي الآنين يكون بينهما زمان بكون الجسم فيه عديم الميل فيكون عديم الحركة وهو معنى السكون ويرد عليه بعد تسليم نفي الجزء وثبوت كون الميل علة موجبة للوصول لا معدة ليلزم بقاؤه معه أن الآن عندكم طرف للزمان بمنزلة النقطة للخط فلا تحقق له في الخارج مالم ينقطع الزمان وإنما هو موهوم محض بما يفرض للزمان من الانقسام فكيف يقع فيه الوصول أو الرجوع وإن أردتم به زمانا لا ينقسم إلا بمجرد الوهم فلانم تغاير أني الميلين لجواز أن يقعا في آن واحد بحسب ما له من الانقسام الوهمي ولو سلم فلانم استحالة تتالي الآنين بهذا المعنى وإنما يستحيل لو لزم منه وجود الجزء أعني مالا ينقسم بالوهم أيضا ولا خفاء في ضعف المنع الأول وفي أنهم يعنون بالآن مالا ينقسم أصلا حيث يعللون استحالة تتالي الآنات باستلزامه وجود الجزء وكأنهم يجعلون انقسام الزمان إلى الماضي والمستقبل كافيا في تحقق الآن أعني الطرف الذي يكون نهاية الماضي وبداية المستقبل ويحكمون على كثير من الأشياء بأنها آنية لا زمانية فإن قيل ما بال تحقق الآن لم يستلزم وجود الجزء وإلى الآنين استلزامه قلنا لأنه على تقدير التتالي يكون الامتداد الذي هو مقدار الحركة المنطبقة على المسافة متألفا من الآنات بزيادة واحد واحد ولا كذلك تحقق طرف للزمان هو عرض قائم به غير حال فيه حلول السريان وهذا كما أن ثبوت النقطة لا يستلزم الجزء وكون الخط متألفا من نقط تستلزمه وقد يقال لو صحت الحجة المذكورة لزم تتالي الآنات أو تخلل السكنات في كل حركة مستقيمة سيما إذا كانت على أجسام منضودة أو كان المتحرك لا يماس المسافة إلا بنقطة نقطة على التوالي كما إذا أدرنا كرة على سطح مستو أو ركبناها على دولاب دائر فوقه سطح مستو فإن آن الوصول إلى كل نقطة يغاير آن اللاوصول عنه فيجاب بأن انقسام المسافة ههنا سواء كانت على جسم واحد أو أجسام مختلفة محض توهم فلا تحقق للنقطة والآن بخلاف ما إذا انقطعت الحركة فتحققت لها نهاية فإنه لا بد من ذلك في المسافة أيضا لانطباقها عليها وفيه نظر لا يخفى ( قال وزعم الجبائي ) يعني أنه ثبت السكون بين الحركة الصاعدة والهابطة تمسكا بأن الحجر مثلا إنما يصعد بسبب أن اعتماده المجتلب أعني الميل القسري يغلب اعتماده اللازم أعني الميل الطبيعي ثم لا يزال يضعف بمصادمات الهواء المخروق إلى أن يغلب اللازم فيرجع الحجر هابطا والانتقال من الغالبية إلى المغلوبية لا يتصور إلا بعد التعادل وعنده يجب السكون إذ لو تحرك فإما قسرا أو طبعا وكل منهما ترجح بلا مرجح والجواب أنه لو سلم لزوم التعادل فليكن في آن الوصول لا في زمان بين آني الوصول والرجوع يكون الجسم فيه ساكنا على ما هو المدعى وإن سمي عدم الحركة في الآن سكونا كان معنى الكلام أن الحركة الأولى تنقطع وتنعدم فيحدث بعدها حركة أخرى وهذا مما لا يتصور فيه نزاع ( قال احتج المانع ) أي القائل بعدم لزوم سكون بين الحركتين بوجوه
الأول أنه لو لزم انتهاء الصاعدة القسرية إلى زمان سكون لزم بقاؤه من غير تعقب هبوط لأنه لا سبب لضعف القاسرة إلا مصادمة المخروق وهي منتفية عند السكون وأجيب بالمنع بل الطبيعة تندرج إلى القوة والقاسرة إلى الضعف بحسب الذات ولهذا تكون حركة الحجر الهابط عند القرب من الأرض أشد وما ذكر ابن سينا من أنه لولا مصادمات الهواء المخروق للقوة القسرية لوصل الحجر المرمي إلى سطح الفلك في حيز المنع الثاني أنه لو لزم لكان إما سكونا طبيعيا وهو ظاهر البطلان وإما قسريا والتقدير عدم القاسر إلى السكون وأجيب بأن تعادل القوتين قاسر إلى السكون إلى أن تغلب الطبيعة وفي كلام ابن سينا أن القوة القاسرة مسكنة للجسم في بعض الأحياز وإلى أحد هذين المعنيين ينظر ما قال الإمام أن هذا السكون لما كان ضروري الحصول لم يستدع علة كسائر اللوازم الثالث أنه لو لزم لضرورة تعادل القوتين أو استحالة تتالي الآنين امتنع كونه في زمان ما لأن كل زمان نفرض فأقل منه كاف في دفع تلك الضرورة وأجيب بأنه يقع في زمان لا يقبل الانقسام إلا بمجرد الوهم لأنه الذي يمتنع أن يكون بعضه مقدارا للسكون وبعضه لا
الرابع أنه يستلزم وقوف الجبل الهابط بملاقاته الخردلة الصاعدة وأجيب بأن الخردلة ترجع بمصادمة ريح الجبل فسكونه يكون قبل ملاقاة الجبل فإن قيل قد نشاهد أن الملاقاة كانت حال الصعود دون الرجوع كما في السهم الصاعد بل كما في حركة اليد إلى فوق فإنه نعلم قطعا أن الرجوع لم يكن إلا بعد الملاقاة قلنا لو سلم فوقوف الجبل مستبعد لا مستحيل ( قال المبحث السابع قد يكون للجسم حركتان إلى جهة ) واحدة كالمتحرك في السفينة إلى الصوب الذي تتحرك اليد السفينة فيبعد عن المبدأ بقدر الحركتين وإلى جهتين متقابلتين كالمتحرك في السفينة إلى خلاف جهتها فإن لم يكن لإحدى الحركتين فضل على الأخرى يرى الشخص ساكنا في المبدأ وإن كان فإما لحركة السفينة فيرى بطيئا أو لحركة الشخص فيرى راجعا وعلى هذا تبين سرعة الكوكب وبطؤه ووقوفه ورجوعه إلى جهتين غير متقابلتين كالمتحرك شمالا في سفينة تجري شرقا فيبعد إلى الجهتين بقدر الحركتين وقد يتحرك الجسم إلى جهات مختلفة كحركة الشخص شرقا في سفينة تدفع شمالا في ماء يجري غربا وبحركة الريح جنوبا فيكون متوسطا بين تلك الجهات على حسب ما تقتضيه الحركات ( قال المبحث الثامن السكون ) يقابل الحركة فيقع في المقولات الأربع أما في الأين فنعني به حفظ النسب الحاصلة للجسم إلى الأشياء ذوات الأوضاع بأن يكون مستقرا في المكان الواحد وأما في الثلاثة الباقية فنعني به حفظ النوع الحاصل بالفعل من غير تغير وذلك بأن يقف في الكم من غير نمو وذبول أو تخلخل وتكاثف وفي الكيف من غير اشتداد أو ضعف وفي الوضع من غير تبدل إلى وضع آخر فهو بهذا المعنى أمر وجودي مضاد للحركة وقد يراد به عدم الحركة عما من شأنه فيكون بينهما تقابل العدم والملكة وبقيد عما من شأنه يخرج عدم حركة الأعراض والمفارقات والأجسام في آن ابتداء الحركة أو انتهائها بل في كل آن وكذا الأجسام التي يمتنع خروجها عن أحيازها ككليات الأفلاك والعناصر قال الإمام ومن الأجسام الخالية عن الحركة والسكون الأجسام التي لا تماسها ما يحيط بها أكثر من آن واحد كالجسم الواقف في الماء السيال فإنه ليس بمتحرك لعدم تبدل أوضاعه بالنسبة إلى الأمور الخارجة عنه ولا ساكن لعدم استقراره في مكان واحد زمانا وفيه نظر ( قال ثم أنه يقابل الحركة ) لا خلاف في تقابل الحركة والسكون وإنما الخلاف في أنه إذا اعتبرت الحركة في المسافة فالمقابل له السكون في المبدأ أو المنتهى أو كلاهما وإذا اعتبر السكون في المكان فالمقابل له الحركة منه أو إليه أو كلاهما والحق هو الأخير لصدق حد التقابل عليه نعم لو أريد بالسكون المقابل للحركة ما يطرأ على الحركة فهو السكون في المنتهى أو ما يطرأ عليه الحركة فهو السكون في المبدأ وكذا في جانب الحركة فإن ما يطرأ على السكون هو الحركة منه وما يطرأ عليه السكون هو الحركة إليه وما يقال أن السكون في المنتهى كمال للحركة وكمال الشيء لا يقابله وأن الحركة تتأدى إلى السكون في المنتهى والشيء لا يتأدى إلى مقابله فمردود بمنع صغرى الأول وكبرى الثاني فإن السكون كمال للمتحرك لا للحركة والحركة تنتهي إلى عدمها وهو مقابل قطعا وأما احتجاج ابن سينا بأن السكون ليس عدم آية حركة اتفقت وإلا لكان المتحرك في مكان ساكنا من حيث عدم حركته في مكان آخر بل هو عدم الحركة في المكان الذي تتأتى فيه الحركة والحركة في المكان نفسه مفارقة المكان بعينه وذلك بالحركة عنه لا بالحركة إليه فجوابه أن السكون عدم الحركة في مكان ما بمعنى عموم السلب أي لا يتحرك في شيء من الأمكنة فيقابل الحركة في مكان ما ( قال وتضاد السكون ) لتضاد ما فيه إذ لا عبرة فيه بتضاد الساكن والمسكن والزمان على ما مر ولا تعلق للسكون بما منه وما إليه قوله ويكون أي السكون طبيعيا كسكون الحجر على الأرض وقسريا كسكونه معلقا في الهواء أو إراديا كوقوف الطير في الهواء والطبيعي لا يفتقر إلى مقارنة أمر غير طبيعي كما في الحركة بل يستند إلى الطبيعة مطلقا لأن الجسم إذا خلى وطبعه لم يكن له بد من موضع معين لا تطلب مفارقته ولا يتصور في السكون تركب وإنما تعرض البساطة والتركب للحركة كما مر في المبحث السابق فإن قيل سكون الإنسان على الأرض مركب من الطبيعي والإرادي قلنا لا بل هو واحد وإنما يتوهم التعدد في علته والتحقيق أنها الطبيعية فقط وأثر الإرادة ترك إزالته إلى الحركة فإن كلا من الطبيعة والإرادة والقاسر إنما يصير تمام علة السكون عند عدم رجحان علة الحركة وهذا بخلاف الحركة فإنها لما كانت تقبل الشدة والضعف جاز اجتماع علتين على حركة واحدة كما في الحجر المرمي إلى تحت فظاهر أنها ليست من التركيب في شيء وإنما هو اشتداد ( قال الفصل الخامس ) الإضافة التي هي أحد أجناس الأعراض هي النسبة المتكررة أي النسبة التي لا تعقل إلا بالقياس إلى نسبة أخرى معقولة بالقياس إلى الأولى ويسمى هذه مضافا حقيقيا والمجموع المركب منها ومن معروضها مضافا مشهوريا وأما ما وقع في المواقف من أن نفس المعروض أيضا يسمى مضافا مشهوريا فخلاف المشهور نعم قد يطلق عليه لفظ المضاف بمعنى أنه شيء له الإضافة على ما هو قانون اللغة والحكماء تكلموا في هذا الباب أولا في المضاف المشهوري لأن الاطلاع في بادي النظر على المركبات أسهل وفسروا المضاف على ما يعم الحقيقي والمشهوري بما تكون ماهيته معقولة بالقياس إلى الغير وأرادوا بالغير أمرا آخر تكون ماهيته معقولة بالقياس إلى الأول وهذا معنى تكرر النسبة فيخرج سائر الأعراض النسبية ومعنى تعقل ماهيته بالقياس إلى الغير أن تعقلها لا يتم إلا بتعقله حتى أن تعقل المضافين معا لا تقدم لأحدهما على الآخر فيخرج ما يكون تعقله مستلزما ومستعقبا لتعقل شيء آخر كالملزومات البينة اللوازم على أن هذا إنما يتوهم وروده إذا كان تعقل اللوازم أيضا مستلزما لتعقل الملزومات وما ذكر في المواقف من أنه ليس معنى قولهم تعقل ماهيته بالقياس إلى الغير أنه يلزم من تعقله تعقل الغير فإن اللوازم البينة كذلك محمول على حذف المضاف أي ملزومات اللوازم أو على أن ذلك إشارة إلى الغير بمعنى أن اللوازم البينة من قبيل الغير الذي يلزم من تعقل الملزوم تعقله وإن لم يكن الملزوم مضافا ( قال وهذا ) أي الذي ذكرنا من معنى تكرر النسبة هو معنى وجوب الانعكاس أي يحكم بإضافة كل من المضافين إلى الآخر من حيث هو مضاف فكما يقال الأب أب الابن يقال الابن ابن الأب وأما إذا لم تعتبر الحيثية لم يتحقق الانعكاس كما إذا قيل الأب أبو إنسان لم يكن الإنسان مضافا إلى الأب فلا يقال إنسان أب وطريق معرفة الانعكاس أن ينظر في أوصاف الطرفين فما كان بحيث إذا وضعته ورفعت غيره بقيت الإضافة وإذا رفعته ووضعت غيره لم تبق الإضافة فهو الذي إليه الإضافة مثلا إذا اعتبرت من الابن البنوة مع نفي سائر الصفات بل الذاتيات كان الأب مضافا إليه وإذا رفعت البنوة مع اعتبار البواقي لم تتحقق الإضافة ثم الانعكاس قد لا يفتقر إلى اعتبار حرف النسبة كالعظيم والصغير وقد يفتقر إما على تساوي الحرف في الجانبين كقولنا العبد عبد للمولى والمولى مولى للعبد أو على اختلافه كقولنا العالم عالم بالمعلوم والمعلوم معلوم للعالم قالوا وعدم الافتقار إنما هو حيث يكون للمضاف بما هو مضاف لفظ موضوع وفيه نظر ( قال والنسبتان ) يعني أن النسبة التي هي المضاف الحقيقي قد تكون متوافقة في الجانبين كالأخوة وقد تكون متخالفة كالأبوة والبنوة والاختلاف قد يكون محدودا كما في الضعف والنصف وقد لا يكون كما في الزائد والناقص والتعبير عن المضافين قد لا يفتقر إلى حرف نسبة وذلك حيث يكون لكل منهما لفظ موضوع يدل بالتضمن على الإضافة مثل الأب والابن والعبد والمولى وما اشبه ذلك وقد يفتقر في ذلك حيث تنتفي تلك الدلالة في المضاف إليه مثل جناح الطير فيعبر عنه بذي الجناح أو في المضاف كعلم العالم فيعبر عنه بما للعالم وعروض الإضافة قد يفتقر إلى حصول صفة في كل من الطرفين كالعاشقية إلى الإدراك والمعشوقية إلى الجمال أو في أحدهما كالعالمية إلى العالم بخلاف المعلومية وقد لا يفتقر أصلا كما في المتيامن والمتياسر فإن الاتصاف بذلك لا يكون باعتبار صفة حقيقية في شيء منهما قال ابن سينا يكاد تكون المضافات منحصرة في أقسام المعادلة والتي بالزيادة والتي بالفعل والانفعال ومصدرهما من القوة والتي بالمحاكاة فأما التي بالزيادة فإما من الكم كما يعلم وإما في القوة مثل القاهر والغالب والمانع وغير ذلك والتي بالفعل والانفعال كالأب والابن والقاطع والمنقطع وما أشبه ذلك والتي بالمحاكاة كالعلم والمعلوم والحس والمحسوس فإن بينهما محاكات فإن العلم يحاكي هيئة المعلوم والحس يحاكي هيئة المحسوس على أن هذا لا يضبط تقديره وتحديده هذه عبارته وقد نقلها في المواقف هكذا تكاد الإضافة تنحصر في الاقسام في المعادلة كالغالب والقاهر والمانع وفي الفعل والانفعال كالقطع والكسر وفي المحاكاة كالعلم والحس وفي الاتحاد كالمجاورة والمشابهة ( قال ويعرض ) أي الإضافة لكل موجود فالواجب كالأول والجوهر كالأب والكم كالأقل والكيف كالآخر والأين كالأعلى والمتى كالأقدم والإضافة كالأقرب والوضع كالأشد انتصابا والملك كالأكسى والفعل كالأقطع والانفعال كالأشد تسخنا ( قال وتحصلها يكون بالإضافة إلى المعروض ) يريد ان الإضافة ليس لها وجود مفرد بل وجودها أن يكون أمرا لاحقا للأشياء وتخصصها بتخصيص هذا اللحوق وهذا معنى تنوع الإضافة وتحصلها فإن المشابهة مثلا موافقة في الكيفية وهي نوع من المضاف الحقيقي وأما المجموع المركب من اللحوق والإضافة كالكيف الموافق فإنما هو شيء ذو إضافة لا إضافة ولهذا اتفقوا على أن المقولة هي الأمر الذي يعرض له التقيد واللحوق أعني المضاف الذي لا ماهية له سوى كونه مضافا لا المجموع المركب وإلا لما انحصرت المقولات بل كان كل مشتق من العرض مقولة ( قال ويتكافأ الطرفان ) يعني أن الإضافة إذا كانت في أحد الطرفين محصلة كانت في الطرف الآخر كذلك وإذا كانت مطلقة فمطلقة مثلا الضعف العددي على الإطلاق بإزاء النصف العددي على الإطلاق والضعف الذي هو هذا العدد كالأربعة مثلا بإزاء نصفه كاثنين وكذا إذا كانت في أحد الطرفين موجودا أو معدوما بالقوة أو بالفعل بحسب الذهن أو بحسب الخارج كان في الطرف الآخر كذلك فإن قيل المتقدم والمتأخر متضايفان مع أنهما لا يوجدان معا قلنا التضايف إنما هو بين مفهوميهما لا ذاتيهما بل بين مفهومي التقدم والتأخر وهما معا في الذهن وإنما الافتراق بين الذاتين وذاتا المضافين قد يوجد كل منهما بدون الآخر كالأب والابن وقد يوجد احدهما بدون الآخر من غير عكس كالعالم والعلم وقد يمتنع كل بدون الآخر كالعلة مع معلولها الخاص ( قال هذا ) يعني أن ما ذكر وإن كان مشعرا بأن الإضافة قد توجد في الخارج لكن جمهور المتكلمين وبعض الحكماء على أنه لا تحقق للإضافة في الخارج تمسكا بوجوه
الأول أنها لو كانت موجودة في الخارج لكانت في محل وحلولها في المحل إضافة بينها وبين المحل مغايرة لها حالة فيها فينقل الكلام إليه ويلزم التسلسل في الأمور الموجودة الثاني أنها لو كانت موجودة أي متصفة بالوجود واتصافها بالوجود إضافة خاصة يتوقف وجودها على وجود مطلق الإضافة لزم الدور ولا حاجة إلى ما يقال من أنها لو كانت موجودة لكانت مشاركة لسائر الموجودات في الوجود وممتازة عنها بخصوصيتها ومالم تتصف تلك الخصوصية بالوجود لم تكن الإضافة موجودة لكن الاتصاف إضافة مخصوصة يتوقف وجودها على وجود مطلق الإضافة فيلزم تقدمه على نفسه
الثالث أنه يلزم أن يوجد لكل عدد صفات لا نهاية لها بحسب ما لها من الإضافة إلى الأعداد الغير المتناهية فإن الاثنين مثلا نصف الأربعة وثلث الستة وربع الثمانية وهكذا إلى غير النهاية وقد يجاب عن الوجوه الثلاثة بأن المحالات المذكورة إنما لزمت على تقدير أن يكون كل ما هو من أفراد الإضافة موجودة فيكون المستحيل هذا لا وجود بعض الإضافات وذلك لأن امتناع الإيجاب الكلي إنما يستلزم صدق السلب الجزئي الذي هو سلب الكل لا السلب الكلي الذي هو سلب كل لا يقال الإضافة طبيعة واحدة فلا تختلف أفرادها بامتناع الوجود وإمكانه لأنا نقول بل طبيعة جنسية لا يمتنع وجود بعض الأنواع منها دون البعض وقد يستدل على وجود الإضافة بأنا نقطع بفوقية السماء وتحتية الأرض وأبوة زيد وبنوة عمرو سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد فيكون كل من ذلك موجودا عينيا لا اعتبارا عقليا والجواب أن القطع إنما هو بصدق قولنا السماء فوقنا كما في قولنا زيد أعمى وهو لا يستدعي وجود الفوقية والعمى ( قال ثم المشهور ) غني عن الشرح ومبناه على ما ذكروا من أن الإضافات لما كانت طبايع غير مستقلة بأنفسها بل تابعة لمعروضاتها كانت تابعة لها في الأحكام لئلا يلزم الاستقلال وما ذكر ابن سينا من أن التضاد لا يعرض للإضافات أراد بطريق الاستقلال بدليل أنه قال كما أن الحار ضد للبارد وكذا الأحر للأبرد إذ لو لم تكن الإضافة تابعة لمعروضها في هذا الحكم لكانت مستقلة فيه لكن احتجاجه بأن تقابل التضاد غير تقابل التضايف فيجب أن يوجد في المتضادين شيء ليس بمتضايف لكن وصف التضاد متضايف فلم يبق إلا موضوع التضاد فلزم أن يكون غير متضايف يدل على أن المتضايفين لا يتضادان لا تبعا ولا استقلالا وحاصله أنه لا يصدق على مثل الأحر والأبرد حد الضدين إذ لا يعقل كل منهما إلا بالقياس إلى الآخر لا يقال الشيء الذي لا تضايف فيه هو موضوع الأحر والأبرد أعني الجسمين لأنا نقول التضاد أو التضايف إنما تعبير فيما يرد على الموضوع كالحرارة والبرودة والأحرية والأبردية فتكون هي موضوع وصف التضاد أو التضايف لا موضوعاتها من النار والماء وغير ذلك مما يمكن تعقل كل منهما بدون الآخر ولو في التضايف قال وما تقرر إشارة إلى وجه التوفيق بين قولهم أن الإضافات في نوعيتها تبع لمعروضاتها وقولهم أن تنوع المعروضات لا يوجب تنوع العوارض لكن لا يخفى ما فيه من أخذ المعروض في موافقة الإنسانين في البياض تارة الإنسان وتارة البياض قال ومنها المتى كما أن الأين هو النسبة إلى المكان لا المكان نفسه كذلك المتى هو النسبة إلى الزمان إلا أنها قد تكون بوقوع الشيء فيه وقد تكون بوقوعه في طرفه الذي هو الآن فإن كثيرا ما يسئل عنه بمتى قد يقع في الآن كالوصول إلى منتصف المسافة ميلا والوقوع في الزمان قد يكون بأن يكون للشيء هوية اتصالية ينطبق على الزمان ولا يمكن أن يتحصل إلا فيه وهو معنى الحصول على التدريج وذلك كالحركات وما يتبعها كالأصوات وقد يكون بمعنى أنه لا يوجد في ذلك الزمان آن إلا ويكون ذلك الشيء حاصلا فيه فيكون حصوله دفعة لكن على استمرار الآنات وينقسم إلى ما يكون حاصلا في الآن الذي هو طرف حصوله كالكون وإلى مالا يكون حاصلا في ذلك كالتوسط أعني كون المتحرك على المسافة فيما بين طرفيها ( قال وهذا تصريح ) يريد أن ما ذكروا من وقوع بعض الأشياء في الآن الذي هو طرف للزمان بمنزلة النقطة للخط يدل على أنه موجود لامتناع وقوع الشيء فيما لا وجود له لكن لا خفاء في أنه لا تحقق لطرف الشيء في الخارج إلا بعد انقطاعه وانقسامه بالفعل والزمان إنما ينقسم بالوهم والفرض فقط وأيضا لو وجد الآن ولا شك أنه على الانقضاء دون البقاء وحدوث عدمه لا يكون إلا في آن يلزم تتالي الآنين وجوابهم بأن عدمه يكون في جميع الزمان الذي بعد الوجود لكن لا على التدريج ليصير الآن زمانيا بل بمعنى أنه لا يوجد في ذلك الزمان آن إلا وذلك العدم حاصل فيه على ما مر لا يدفع الإشكال لأن الكلام في حدوث العدم وهو آني وكون هذا الآن مغاير الآن الوجود ضروري ( قال ثم المتى كالأين حقيقي ) وهو كون الشيء في زمان لا يفضل عليه ككون الكسوف في ساعة معينة وغير حقيقي وهو بخلافه ككون الكسوف في يوم كذا أو شهر كذا إلا أن الحقيقي من المتى يجوز فيه الاشتراك بأن يتصف أشياء كثيرة بالكون في زمان معين بخلاف الأين وهو ظاهر ( قال ومنها الوضع وهو ) هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبة أجزائه بعضها إلى البعض بحيث تتخالف الأجزاء لأجلها بالقياس إلى الجهات في الموازاة والانحراف ونسبة أجزائه إلى أشياء غير ذلك الجسم خارجة عنه أو داخلة فيه كالقيام فإنه هيئة للإنسان بحسب انتصابه وهو نسبة فيما بين أجزائه وبحسب كون رأسه من فوق ورجله من تحت ولهذا يصير الانتكاس وصفا آخر فالمحيط على الإطلاق يكون له الوضع بحسب الأمور الداخلة فقط والمحاط على الإطلاق بالعكس وما هو محيط ومحاط فباعتبارين وحصول الوضع للجسم قد يكون بالقوة وقد يكون بالفعل وكل منهما قد يكون بالطبع كقيام الإنسان ولا بالطبع كانتكاسه ويجري فيه التضاد فإن القيام والانتكاس وجوديان يتعاقبان على موضوع واحد بينهما غاية الخلاف ويقبل الشدة والضعف على ما هو ظاهر في كل من الانتصاب والركوع ( قال ومنها له ويسمى الملك والجدة ) ويفسر بالنسبة الحاصلة للجسم إلى أمر حاصر له أو لبعضه فينتقل بانتقاله كالتقمص والتختم ويكون ذاتيا كنسبة الهرة إلى إهابها وعرضيا كنسبة الإنسان إلى قميصه وقد يقال بحسب الاشتراك لنسبة الشيء إلى الشيء واختصاص له به من جهة استعماله إياه وتصرفه فيه ككون القوي للنفس والفرس لزيد وقال ابن سينا أما أنا فلا أعرف هذه المقولة حق المعرفة لأن قولنا له كم أو له كيف أو له مضاف كقولنا له أين أو له جوهر حاصر لكله كما في له ثوب أو لبعضه كما في له خاتم أو محصور فيه كما في قولنا للدن شراب يقع عليها لفظة له لا بالتواطئ لكن بالتشابه والتشكيك وإن احتيل حتى يقال أن مقولة له يدل على نسبة الجسم إلى شامل إياه ينتقل بانتقاله كالتقمص والتسلح والتنعل لم يكن لهذا المعنى من القدر في عداد المقولات وإن كان التشكيك يزوله ( قال ومنها أن يفعل ) هو تأثير الشيء في غيره على اتصال غير قار كالحال الذي للمسخن ما دام يسخن وأن ينفعل هو تأثر الشيء عن غيره كذلك كالحال الذي للمسخن ما دام يتسخن وأما الحال الحاصل للمستكمل عند الاستقرار أي انقطاع الحركة عنه كالطول الحاصل للشجر وكالسخونة الحاصلة للماء والاحتراق الحاصل للثوب والقعود والقيام الحاصل للإنسان فليس من هذا القبيل وإن كان قد يسمى أثرا أو انفعالا بل من الكم أو الكيف أو الوضع أو غير ذلك وكذلك الحال الحاصل للفاعل قبل التأثير وبعده كقوة النار تسمى إحراقا ويجري في كل من المقولتين التضاد فإن التسخين ضد التبريد والتسخن ضد التبرد ويقبلان الشدة والضعف فإن تسخين النار أشد من تسخين الحجر الحار والأسوداد الذي هو الحركة إلى ا لسواد منه ما هو أقرب إلى الاسوداد الذي هو الغاية في ذلك وأسرع وصولا إليه من اسوداد آخر إليه وذهب الإمام وجمع من المحققين إلى أن ثبوت هاتين المقولتين إنما هو في الذهن إذ لو وجدتا في الخارج لافتقر كل منهما إلى مؤثر له تأثير آخر ضرورة امتناع كون التأثير نفس الأثر على تقدير كونهما من الأعيان الخارجية وحينئذ يلزم التسلسل المحال وترتب أمور لا نهاية لها مع كونها محصورة بين حاصرين والجواب أن ذلك إنما يلزم لو كان كل تأثير وإيجاد حتى الإبداعي الذي لا يفتقر إلى زمان من قبيل أن يفعل وكل تأثر وحصول حتى الدفعي من قبيل أن ينفعل وليس كذلك بل إذا كان الفاعل يغير المنفعل من حال إلى حال على الاتصال والاستمرار فحال الفاعل هو أن يفعل وحال المنفعل أن ينفعل حتى فسر الفارابي أن يفعل بالتغيير والتحريك وأن ينفعل بالتغير والتحرك وقال لا فرق بين قولنا ينفعل وبين قولنا يتغير ويتحرك وأنواع هذا الجنس هي أنواع الحركة ففي الجوهر التكون والفساد وفي الكم النمو والاضمحلال وفي الكيف الاستحالة وفي الأين الثقلة وحقيقة أن ينفعل هو مصير الجوهر من شيء إلى شيء وتغيره من أمر إلى أمر ما دام سالكا بين الأمرين على الاتصال فالتكون كابتناء البيت قليلا قليلا وشيئا شيئا وجزأ جزأ على اتصال إلى أن يحصل البيت وعلى هذا قياس البواقي وأن يفعل هو أن ينتقل الفاعل باتصال الفعل على النسب التي له إلى أجزاء ما يحدثه في المنفعل حتى ما ينفعل فالمسخن حين ما يسخن له نسبة إلى جزء جزء من الحرارة التي تحدث فيما يتسخن ينتقل من نسبة إلى جزء من الحرارة إلى نسبته إلى جزء آخر على الاتصال وأنواعه على عدد أنواع أن ينفعل فإن كل تغير وحركة يقابله تغيير وتحريك كالتكوين للتكون والإفساد للفساد وكذا أنواع الأنواع كالبناء للابتناء والهدم للانهدام وعلى هذا قياس التضاد فكما أن ينهدم مضاد لأن يبني وأن يتسخن لأن يتبرد كذلك أن يهدم مضاد لأن يبني وأن يسخن لأن يبرد وعلى هذا قياس البواقي وقال ابن سينا إنما أؤثر لفظ أن ينفعل وأن يفعل على الانفعال والفعل لأنهما قد يقالان للحاصل بعد انقطاع الحركة وإنما المقولة ما كان توجها إلى غاية من وضع أو كيف أو غير ذلك غير مستقر من حيث هو كذلك ولفظ أن ينفعل وأن يفعل مخصوص بذلك ( قال المقصد الرابع في الجواهر ) قد سبق تعريف الجوهر على رأي المتكلمين والحكماء وهذا المقصد مرتب على مقدمة لتقسيمه وما يتعلق بذلك ومقالتين بمباحث الأجسام ومباحث المجردات أما تقسيمه على رأي المتكلمين هو أن الجوهر لما كان عبارة عن المتحيز بالذات فإما أن يقبل الانقسام وهو الجسم أولا وهو الجوهر الفرد وعلى رأي المشائين من الحكماء هو أنه إما عقل أو نفس أو جسم أو هيولي أو صورة ولهم في بيان ذلك طرق مبناها على ما يرون من نفي الجوهر الفرد وتجرد العقل والنفس وتحقق جوهرين حال ومحل هما حقيقة الجسم ونحو ذلك من قواعدهم وإلا فعليها إشكالات لا يخفى الطريق الأول أن الجوهر إن كان حالا في جوهر آخر فهي الصورة وإلا فإن كان محلا له فهي الهيولي وإلا فإن كان مركبا من الحال والمحل فهو الجسم وإلا فإن تعلق بالجسم تعلق التدبير والتصرف فالنفس وإلا فالعقل الطريق الثاني أن الجوهر إن كان مفارقا في ذاته بأن يكون مستغنيا عن مقارنة جوهر آخر فإما أن يكون مفارقا في فعله أيضا وهو العقل أولا وهو النفس وإن لم يكن مفارقا في ذاته بل مقارنا لجوهر آخر فإما أن يكون حالا فيه أو محلا أو مركبا منهما لأن مالا يكون كذلك كان مفارقا لا مقارنا الطريق الثالث أن الجوهر إن كان قابلا للأبعاد الثلاثة فجسم وإلا فإن كان جزأ منه هو به بالفعل فصورة أو بالقوة فمادة وإن لم يكن جزأ منه فإن كان متصرفا فيه فنفس وإلا فعقل وهذا ما قال في الشفاء أن الجوهر إن كان مركبا فجسم وإن كان بسيطا فإن كان داخلا في تقويم المركب فإما دخول الخشب في وجود الكرسي فمادة أو دخول شكل الكرسي فيه فصورة وإن لم يكن داخلا فيه بل مفارقا فإن كان له علاقة تصرف ما في الأجسام بالتحريك فنفس وإلا فعقل فإن قيل الجسم يكون مع الهيولي أيضا بالفعل البتة لامتناع انفكاكها عن الصورة كما سيجيء قلنا المراد أن وجود المركب بالنظر إلى المادة نفسها ومن حيث أنها مادة لا يكون إلا بالقوة وبالنظر إلى الصورة بالفعل على ما قال في الشفاء أن المادة هي مالا يكون باعتباره وحدة للمركب وجود بالعقل بل بالقوة والصورة إنما يصير المركب هو ما هو بالفعل بحصولها حتى لو جاز وجود الصورة بدون المادة لكان مستلزما لحصول المركب بالفعل البتة فإن قيل الداخل في قوام الجسم والحال في المادة التي هي أحد الأقسام الخمسة أعني الهيولي الأولى البسيطة إنما هي الصورة الجسمية وأما النوعية فمحلها الجسم نفسه وإن كان يسمى من حيث توارد الصور عليه هيولي ومادة قلنا الصورة النوعية وإن لم تكن داخلة في قوام الجسم المطلق فهي داخلة في أنواعه من الفلكيات والعنصريات وسيجيء ان محلها أيضا هو الهيولي وعند الأقدمين من الحكماء الجوهر إن كان متحيزا فجرماني وهو الجسم لا غير إذ لا يثبت وجود جوهر حال هو الصورة وآخر محل هو الهيولي وإنما الهيولي اسم للجسم من حيث قبوله للأعراض المحصلة للأجسام المتنوعة والصورة اسم لتلك الأعراض وإن لم يكن متحيزا فروحاني وهو النفس والعقل ( قال تنبيه ) قد سبق أن الموضوع هو المحل المقوم للحال فيكون المحل أعم منه وإن الحال قد يكون جوهرا كالصورة وقد يكون عرضا فيكون أعم من العرض وأن العرض لا يقوم بنفسه فلا يقوم غيره وإن جاز كونه محلا للعرض بمعنى الاختصاص الناعت فيكون بين العرض والموضوع مباينة كلية واما بين العرض والمحل فعموم من وجه لتصادفهما في عرض يقوم به عرض وتفارقهما حيث يكون المحل جوهرا أو يكون العرض مما لا يقوم به شيء فإن قيل استناد العرض إلى محل يقومه ضروري وهو معنى الموضوع فالعرض الذي يقوم به عرض يكون موضوعا فلا يكون بينه وبين الموضوع مباينة قلنا استناده إلى الموضوع يجوز ان يكون بواسطة هي العرض والمحل الأولي الذي يتصف بها كاستناد السرعة إلى الجسم بواسطة الحركة فلا يلزم من لزوم استناده إلى الموضوع أن يكون محله الأول موضوعا ( قال وقد توهم ) لما كان معنى الموضوع هو المحل المقوم للحال ومعنى الجوهر هو ما يقوم بنفسه لا بغيره كان استغناؤه عن الموضوع ظاهرا إلا أنه قد يوهم اختصاص ذلك بجزئيات الجواهر دون كلياتها لوجهين أحدهما أنها مفتقرة في الوجود إلى أشخاصها التي هي موضوعات لها لكونها محمولة عليها بالطبع وثانيهما أنها صورة قائمة بالنفس لا قوام لها من حيث هي كليات بدونها ورد الأول بأنه غلط من جهة اشتراك لفظ الموضوع بين المحكوم عليه في القضية وبين المحل المقوم للحال والشخص إنما يكون موضوعا للكلي بالمعنى الأول دون الثاني ورد الثاني بأن معنى كون الصور جواهر أنها في ذاتها طبايع إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وأما من حيث حلولها في النفس الجزئية وقيامها بها فهي من قبيل الأعراض الجزئية لا الجواهر الكلية ( قال وأما المقالة الأولى ) لا خفاء ولا نزاع في أن لفظ الجسم في لغة العرب وكذا ما يرادفه في سائر اللغات موضوع بإزاء معنى واحد واضح عند العقل من حيث الامتياز عما عداه لكن لخفاء حقيقته وتكثر لوازمه كثر النزاع في تحقيق ماهيته واختلفت العبارات في تعريفه وأدى ذلك إلى اختلاف في بعض الأشياء أنه هل يكون جسما أم لا فعند المحققين من المتكلمين هو الجواهر القابل للانقسام من غير تقييد بأقطار الثلاثة فلو فرضنا مؤلفا من جوهرين فردين كان الجسم هو المجموع لا كل واحد منهما كما زعم القاضي تمسكا بأنه جوهر مؤلف وكل جوهر مؤلف جسم وفاقا ومبنى الصغرى على امتناع قيام التأليف بالجزئين لامتناع قيام العرض الواحد بمحلين بل لكل جزء تأليف قائم به وهو معنى المؤلف والجواب أن التأليف معنى بين الشيئين يعتبر استناده إلى المجموع من حيث هو المجموع فيكون مؤلفا من الشيء وإلى كل واحد فيكون مؤلفا مع الشيء كما يقال في النحو الكلام هو المركب الذي فيه الإسناد والمعرب المركب الذي لم يشبه مبنى الأصل فالجسم هو المؤلف بالمعنى الأول والجزء بالمعنى الثاني فلا تكرر للوسط فإن قيل المراد بالتأليف عرض خاص مغاير لمعناه اللغوي المشعر بالانضمام المقتضي للتعدد وهو السبب عند المعتزلة لصعوبة الانفكاك فالجواب ح منع الكبرى وجعل الآمدي النزاع لفظيا عائدا إلى أن لفظ الجسم بإزاء أي معنى وضع وصاحب المواقف معنويا عائدا إلى أنه هل يوجد عند اجتماع الأجزاء وحصول الجسم عرض خاص هو التأليف والاتصال والسبب لصعوبة الانفكاك على ما يراه المعتزلة أم لا بل الجسم هو نفس الأجزاء المجتمعة فالقاضي يحكم بوجوده لكن يزعم أنه ليس قائما بالجزئين كما هو رأي المعتزلة بل لكل جزء تأليف يقوم به فيكون جسما لما سيجيء من أن الجزء بمنزلة المادة والتأليف بمنزلة الصورة وفيه نظر لأن جمهور الأصحاب أيضا قائلون به وبعدم قيامه بجزئين وان جعل النزاع بينه وبين المعتزلة بمعنى أنهم قائلون بالتأليف دونه ففساده أكثر لأن القاضي يقول بالتأليف وهم لا يقولون بجسمية الجوهرين ( قال وعند المعتزلة ) المشهور بينهم في تعريف الجسم أنه الطويل العريض العميق ولا نزاع لهم في أن هذا ليس بحد بل رسم بالخاصة ومبنى كونها خاصة على انهم لا يثبتون الجسم التعليمي الذي هو كم له للأبعاد الثلاثة ليكون هذا عرضا عاما يشمله فيفتقر إلى ذكر الجوهر احترازا عنه ويكون المجموع خاصة مركبة للجسم الطبيعي كالطائر الولود للخفاش ولا يضره كون الجوهر جنسا لأن المركب من الداخل والخارج خارج على أنه يحتمل أن يراد بالطويل مثلا ما يكون الطول أي الامتداد المفروض أو لا عارضا له فلا يشمل الجسم التعليمي لأن هذه الأبعاد أجزاؤه واعترض بأن الخاصة إنما تصلح للتعريف إذا كانت شاملة لازمة وهذه ليست كذلك أما الشمول فلأنه لا خط بالفعل في الكرة ولا سطح فيما يعرض من الجسم الغير المتناهي فإنه جسم وإن امتنع بدليل من خارج بخلاف ما إذا فرض أربعة ليست بزوج فإن الزوجية من لوازم الماهية وأما اللزوم فلأن الشمعة المعينة قد يجعل طولها تارة شبرا وعرضها أصابع وتارة ذراعا وعرضها أصبعا فيزول ما فيها من الأبعاد مع بقاء الجسمية وأجيب بعد تسليم أن انتفاء الخط والسطح بالفعل يستلزم عدم اتصاف الجسم بالطول والعرض والعمق بأن المراد قبول تلك الأبعاد وإمكانها وهذه خاصة شاملة لازمة على أن ما ذكر من زوال مقدار وحدوث آخر مما لا يثبت له عند المتكلمين بل الجواهر الفردة هي التي تنتقل من طول إلى عرض ولو سلم فالمراد مطلق الأبعاد وهي لازمة وإنما الزوال للخصوصيات فإن قيل على تقدير نفي المقادير فالطول خاصة للجسم وعلى تقدير إثباتها فالجوهر الطويل فأي حاجة إلى ذكر العرض والعمق قلنا إنما يصح ذلك لو كان كل منقسم جسما حتى المؤلف من جزئين وهم لا يقولون بذلك بل عند النظام أجزاء كل جسم غير متناهية وعند الجبائي أقلها ثمانية بأن يوضع أربعة بحيث يحصل مربع ثم فوقها أربعة كذلك وعند أبي الهذيل ستة بأن يوضع ثلاثة ثم ثلاثة وقيل الأربعة بأن يوضع جزآن وبجنب أحدهما في سمت آخر جزء آخر وفوق أحد الثلاثة جزء آخر وإنما لم يفرض بالثلاثة على وضع المثلث والثالث على ملتقاهما بحيث يحصل مكعب لأن جواز ذلك عندهم في حيز المنع لاستلزامه الانقسام على ما سيجيء وبالجملة فالجوهر المركب الذي يكون عدد أجزائه أقل من أدنى ما يصح تركب الجسم منه أو يكون تركب أجزائه على سمت واحد فقط وهو المسمى عندهم بالخط وفي سمتين فقط وهو المسمى بالسطح يكون واسطة بين الجسم والجوهر الفرد ويجب الاحتراز عنه بقيد العرض والعمق ( قال وعند الفلاسفة ) التعريف السابق هو الذي ذكره قدماء الفلاسفة وحين ورد على ظاهر فإنه لا بد من ذكر الجوهر احترازا عن الجسم التعليمي وأنه لا عبرة بوجود الأبعاد بالفعل صرح أرسطو وشيعته بالمقصود فقالوا هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة أي الذي يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة وزاد بعضهم قيد التقاطع على زوايا قائمة ومعنى ذلك أنه إذا قام خط على آخر فإن كان قائما عليه أي غير مائل إلى أحد جانبيه فالزاويتان الحادثتان تكونان متساويتين وتسميان قائمتين وإن كان مائلا فلا محالة تكون إحدى الزاويتين اصغر وتسمى حادة والأخرى أعظم وتسمى منفرجة فإذا فرضنا في الجسم بعدا كيف اتفق ثم آخر بقاطعة في أي جهة شئنا بحيث تحصل أربع قوائم ثم ثالثا يقاطعهما بحيث تحصل منه بالنسبة إلى كل من الأولين أربع قوائم وهذا الثالث متعين لا يتصور فيه التعدد فهذا معنى تقاطع الأبعاد على زوايا قائمة وهذا القيد لتحقيق أن المعتبر في الجسم قبول الأبعاد على هذا الوجه وإن كان هو قابلا لأبعاد كثيرة لا على هذا الوجه فما ذكر في المواقف أن الجوهر القابل للأبعاد لا يكون إلا كذلك والذي يقبل أبعادا لا على هذا الوجه إنما هو السطح ينبغي أن يكون إشارة إلى صحة التقاطع على زوايا قائمة لا إلى التقاطع ولدفع وهم من يتوهم التعريف بالجوهر القابل للأبعاد شاملا للسطح بناء على تركبه من الجواهر الفردة وكان هذا مراد من قال أنه احتراز عن السطح أي على توهم كونه جوهرا ولا يرد الجسم التعليمي لأنهم لا يتوهمونه بل يجعلون الحاصل من تراكم السطوح هو الجسم الطبيعي لا غير وقد يقال أن معنى الاحتراز عن السطح أن لا يبقى القابل للأبعاد شاملا له فيصير خاصة للجسم صالحا في معرض الفصل لصيرورته أخص من الجوهر مطلقا لا من وجه وهذا إنما يتم لو لم يبق مع هذا القيد شاملا للجسم التعليمي وإنما اعتبر الفرض لأن جسمية الجسم ليست باعتبار ما لها من الأبعاد بالفعل لأنها مع بقاء الجسمية بحالها قد تتبدل كما في الشمعة وقد تزيد وقد تنقص بالتخلخل والتكاثف ولأنه قد ينفك الجسم في ماهيته عن السطح والخط كما في تصور جسم غير متناه بل وعن الخط في الوجود أيضا كما في الكرة المصمتة والأسطوانة وذكر الإمكان لأن فعل الفرض أيضا ليس بلازم بل مجرد إمكانه كاف ففي المجردات يستحيل فرض الأبعاد بمعنى أن اتصافها بها من المحالات التي لا يمكن فرضها والظاهر أنه يكفي ذكر الإمكان أو القابلية ولا حاجة إلى اعتبار الفرض وذكروا أن المراد بهذا الإمكان هو الإمكان العام ليشمل ما تكون الأبعاد فيه حاصلة بالفعل لازمة كما في الأفلاك أو غير لازمة كما في العنصريات وما يكون بالقوة المحضة كما في الكرة المصمتة فكلامهم يميل تارة إلى أن المراد بالأبعاد تلك الامتدادات الآخذة في الجهات على ما هو حقيقة الجسم التعليمي أعني الكمية القائمة بالجسم السارية فيه المحصورة بين السطوح حتى أن بين السطوح الستة للجسم المربع جوهرا هو الجسم الطبيعي وعرضا ساريا فيه هو الجسم التعليمي له أبعاد ثلاثة هي أجزاؤه لا بمعنى الخطوط إذ لو كانت فيه بالفعل لكانت في كل جسم بالفعل وهذا غير الامتداد الذي هو الصورة الجسمية الحاصلة في كل جسم بالفعل بحيث لا يلحقه التبدل والتغير أصلا وتارة إلى أنها الخطوط التي لا توجد في الكرة الساكنة إلا بالقوة المحضة بخلاف المتحرك كالفلك فإن المجوز عندهم خط بالفعل وتارة إلى أنها السطوح والخطوط التي هي النهايات حيث نفوها عن الجسم الغير المتناهي ولا خفاء في أنها ليست هي التي تتقاطع على زوايا قائمة والأظهر أن المراد بها الخطوط المتوهمة المتقاطعة التي هي الطول والعرض والعمق وهي ليست بالفعل لا في الطبيعي ولا في التعليمي والانفصال الذي هو أيضا بالقوة ليس مقابلا له ليلزم كون الجسم ليس بمتصل بالفعل ولا منفصل بالفعل بل للاتصال الذي هو حاصل بالفعل وفرق ابن سينا بين البعد والمقدار بأن البعد هو الذي يكون بين نهايتين غير متلاقيتين ومن شأنه أن يتوهم فيه نهايات من نوع تينك النهايتين فقد يكون بعد خطي من غير خط وسطحي من غير سطح كما في الجسم الذي لا انفصال في داخله بالفعل فإنك إذا فرضت فيه نقطتين فبينهما بعد خطي ولا خط وإذا فرضت خطين متقابلين فبينهما بعد سطحي ولا سطح وذلك البعد الخطي طول والسطحي عرض فيظهر الفرق بين الطول والخط وبين العرض والسطح حيث يوجد الأول بدون الثاني وإن لم يوجد خط بلا طول وسطح بلا عرض قال والمراد قبول أعيانها أورد الإمام أن الوهم يصح فرض الأبعاد الثلاثة فيه وليس بجسم فأجاب بأن المراد ما يكون كذلك بحسب الوجود الخارجي كما في قولهم الرطب ما يقبل الأشكال بسهولة ولا خفاء في أنه تحقيق للمقصود بحيث لا يرد الاعتراض بالنفس التي هي جوهر مجرد يقبل الأبعاد الثلاثة المتقاطعة وإلا فظاهر أن الوهم خارج بقيد الجوهرية والحاصل أن المراد صحة فرض الأبعاد بحيث يتحقق الاتصاف بها وذلك في الوجود المتأصل لا غير ومن اعتراضاته أن الهيولي جوهر يصح فرض الأبعاد الثلاثة فيها غايته أن قبولها للأبعاد يكون مشروطا بقبولها للصورة الجسمية ولا يجوز أن تكون الصورة جزأ من القابل لما تقرر عندهم من أنها مبدأ الفعل والحصول دون الإمكان والقبول بل الجوهر القابل هو الهيولي لا غير وجوابه أن ما اختص الهيولي بقبوله هو الصور لا الأعراض من الكميات والكيفيات وغيرها كيف وقد صرحوا بأنه لا حظ للهيولي من المقدار وإنما ذلك إلى الصورة فإنها امتداد جوهري به قبول الامتدادات العرضية على أنه قد سبق أن المراد بهذا القبول ما يعم الفعل ولو لزوما ولعل هذا الاعتراض بالنسبة إلى الصورة أوجه ( قال وكلامهم متردد ) الظاهر أن التعريف المذكور رسم بالخاصة المركبة إذ على تقدير جنسية الجوهر فالقابل للأبعاد أعم منه من وجه ولا كذلك حال الفصل ولهذا اتفقوا على أن المركب من أمرين بينهما عموم وخصوص من وجه ماهية اعتبارية وأيضا تحصل حقيقة الجسم بالأبعاد المفروضة غير معقول وأما التمسك بأن تركب الجسم إنما هو من الهيولي والصورة لا من الجوهر وقابل الأبعاد ليكون التعريف بهما حدا فضعيف لما عرفت من الفرق بين الأجزاء الخارجية والأجزاء العقلية التي هي الذاتيات ونقل عن ابن سينا ما يشعر بأنه متردد في أن هذا حد أو رسم وأبطل الإمام كونه حدا بأن الجوهر لا يصلح جنسا للجسم ولا قابلية الأبعاد فصلا أما الأول فلوجوه منها
أن الجوهر هو مفسر بالموجود لا في موضوع والوجود زائد على الماهية لا ذاتي لها بل هو من المعقولات الثانية التي لا تحقق لها إلا في الذهن فلا يصلح جزأ للماهية الحقيقية وعدم الاحتياج إلى الموضوع عدمي لا يصلح ذاتيا للموجود لا يقال جميع الأجناس بل جميع الكليات من المعقولات الثانية لأنا نقول المنطقيات منها لا الطبيعيات كالجسم والحيوان ونحو ذلك ومنها أنه لو كان جنسا للجواهر لكان تمايزها لا محالة بفصول على ما هو شأن الأنواع المندرجة تحت جنس فتلك الفصول إما أن تكون جواهر فينقل الكلام إلى ما به تمايزها ويلزم التس وإما أن يكون أعراضا فيلزم تقوم الجوهر بالعرض وهو بط لاستلزامه افتقار الجوهر إلى الموضوع وأيضا يلزم كون العرض محمولا على الجوهر ونفسه بحسب الوجود على ما هو شأن الفصل مع النوع وأما الثاني فلأن معنى القابلية وإمكان الفرض وصحته ونحوه ذلك من العبارات أمر لا تحقق له في الخارج وإلا لقام بمحل قابل له ضرورة أنه من المعاني العرضية دون الجوهرية فننقل الكلام إلى تلك القابلية ويلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة ضرورة توقف تحقق كل قابلية على قابلية أخرى سابقة عليها ومثله باطل بالاتفاق سيما وهذه السلسة محصورة بين حاصرين هما هذه القابلية والمحل وأجيب عن الأول بأن الموجود لا في موضوع رسم لا حد إذ لا حد للأجناس العالية وعدم جنسية العارض لا يستلزم عدم جنسية المعروض وعن الثاني بأن كون فصول الجواهر جواهر لا يستلزم افتقارها إلى فصول أخر وإنما يلزم ذلك لو كان الجوهر جنسا لها أيضا لا عرضا عاما كالحيوان للناطق وعن الثالث بأن الفصل ليس هو القابلية بل القابل أعني الأمر الذي من شأنه القبول كالناطق للإنسان بمعنى الجوهر الذي من شأنه النطق أي إدراك الكليات لا يقال هذا نفس الجسم لا جزء منه فكيف يكن فصلا لأنا نقول هو نفسه بحسب الخارج وجزؤه بحسب الذهن كما في سائر الفصول هذا كله بعد تسليم امتناع كون العدمي جنسا أو فصلا للماهية الحقيقية وأورد صاحب المواقف بعد نقل هذه الأجوبة كلاما قليل الجدوى جدا ( المبحث الثاني ) ذكروا في ضبط مذاهب القوم في تحقيق حقيقة الجسم أن الجسم البسيط أعني الذي لا يتألف من أجسام مختلفة الطبايع إما أن تكون انقساماته الممكنة حاصلة بالفعل أو لا وعلى التقديرين فإما أن تكون متناهية أو لا فالأول مذهب المتكلمين والثاني مذهب النظام والثالث مذهب جمهور الفلاسفة والرابع مذهب محمد الشهرستاني لكن لا خفاء في أن مالا يكون جميع انقساماته بالفعل يحتمل أن يكون بعضها كذلك على ما ذهب إليه ذيمقراطيس من أن الجسم متألف من أجزاء صغار صلبة قابلة للقسمة الوهمية دون الفعلية فلذا جعلنا الأقسام خمسة وأما القول بتألف الجسم من السطوح المتألفة من الخطوط المتألفة من النقاط التي هي جواهر فردة فهو قول المتكلمين مع اشتراط الانقسام في الأقطار الثلاثة بحيث لا يتألف من أقل من ثمانية أجزاء ثم افترقت الفلاسفة القائلون بلا تناهي الانقسامات فرقتين منهم من جعل قبول الانقسام مفتقرا إلى الهيولي ومنهم من منع ذلك وأما ما نسب إلى النجار وضرار من المعتزلة من أن الجسم مؤلف من محض الأعراض من الألوان والطعوم والروائح وغير ذلك فضروري البطلان والذي يعتد به من المذاهب في حقيقة الجسم ثلاثة الأول للمتكلمين أنه من الجواهر الفردة المتناهية العدد الثاني للمشائين من الفلاسفة أنه مركب من الهيولي والصورة
الثالث للاشتراقيين منهم أنه في نفسه بسيط كما هو عند الحس ليس فيه تعدد أجزاء أصلا وإنما يقبل الانقسام بذاته ولا ينتهي إلى حد لا يبقى له قبول الانقسام كما هو شأن مقدورات الله تعالى وكأنه وقع اتفاق الفرق على ثبوت مادة يتوارد عليها الصور والأعراض إلا أنها عند الإشتراقيين نفس الجسم يسمى من حيث قبول المقادير مادة وهيولي والمقادير من حيث الحلول فيه صورا وعند المشائين جوهر يتقوم بجوهر آخر حال فيه سمي صورة يتحصل بتركبهما جوهر قابل للمقادير وسائر الأعراض هو الجسم وعند المتكلمين هو الجواهر الفردة التي يقوم بها التأليف فيتحصل الجسم فالتأليف عندهم بمنزلة الصورة عند المشائين إلا أنه عرض لا يقوم بذاته بل بمحله والصورة جوهر يقوم بذاته ويتقوم به محله الذي هو الهيولي ( قال المبحث الثالث ) للمتكلمين في كون الجسم من أجزاء لا تتجزأ طريقان أحدهما إثبات أن قبول الانقسام يستلزم لحصول الأقسام وتقرير الكلام أن كل جسم فهو قابل للانقسام وفاقا وكل ما هو كذلك فأقسامه حاصلة بالفعل لوجوه الأول أن القابل للانقسام لو لم يكن منقسما بالفعل بل واحدا في نفسه كما هو عند الحس لزم قبول الوحدة الانقسام واللازم باطل إذ لا معنى لها سوى عدم الانقسام وجه اللزوم أن الوحدة حينئذ تكون عارضة لذلك القابل حالة فيه سواء جعلت لازمة له أو غير لازمة ضرورة أنها ليست نفسه ولا جزأ منه وانقسام المحل يستلزم انقسام الحال ضرورة أن الحال في كل جزء غير الحال في الآخر وأجيب بأن الوحدة من الاعتبارات العقلية ولو سلم فليست من الأعراض السارية التي تنقسم بانقسام المحل الثاني أنه لو كان واحدا لكان تقسيم الجسم وتفريق أجزائه إعداما له ضرورة أنه إزالة لهويته الواحدة وإحداث لهويتين أخريين واللازم باطل للقطع بأن شق البعوض البحر بإبرته ليس إعداما له وإحداثا لبحرين آخرين وأجيب بأنه إن أريد بالبحر ذلك الماء مع ما له من الاتصال فلا خفاء في انعدامه عند عروض الانفصال وإن أريد نفس ذلك الماء من غير اعتبار بالاتصال فليس في الشق زوال بحر ولا حدوث بحرين وهذا أنسب بقواعدهم حيث يقولون إن القابل للشيء يجب أن يكون باقيا عنده مجتمعا معه فإن نقل الكلام إلى المادة بأنها إن كانت متعددة فهو المرام وإن كانت واحدة فإن بقيت بعد الانقسام كذلك فظاهر البطلان للقطع بأن ما هو محل لهذه الصورة غير ما هو محل للصورة الأخرى وإن صارت متعددة فقد انعدمت الأولى ضرورة ولزم انعدام الجسم بمادته وصورته جميعا وبطل قاعدة اجتماع القابل مع المقبول فلا محيص إلا بأن يقال المادة استعداد محض ليست في نفسها بواحدة ولا كثيرة ولا متصلة ولا منفصلة
الثالث أن الأقسام لو لم تكن حاصلة بالفعل متميزة بعضها عن البعض لما اختلفت خواصها ضرورة واللازم باطل لأن مقطع النصف غير مقطع الثلث وكذا الربع والخمس وغيرهما فيكون الجزء الذي هو مقطع النصف متميزا عن الذي هو مقطع الربع وهكذا غيره وأجيب بمنع الملازمة فإن اختلاف الخواص إنما حصل بعد فرض الانقسام وذلك أن النصفية والثلثية والربعية وغير ذلك إضافات واعتبارات يحكم بها العقل عند اعتبار الانقسام وكذا مقاطعهما فإن ادعي أن ما هو قابل لأن يكون مقطع النصف عند فرض الانقسام متميز بالفعل عما هو قابل لأن يكون مقطع الربع مثلا فهو نفس المتنازع وحاصله أنه لا امتناع في اتصاف الأجزاء الفرضية بالصفات الحقيقية كالضوء والظلام في القمر فضلا عن الاعتبارية لا يقال الانقسامات عندهم غير متناهية وهو يستلزم لاتناهي الانقسام وما لا نهاية له لا يتصور له نصف أو ثلث أو ربع أو غيرها لأنا نقول إنما يمتنع ذلك فيما هو غير متناه بحسب كميته المتصلة أو المنفصلة وأما فيما هو متناهي المقدار لكنه قابل لانقسامات غير متناهية فلا وإنما يمتنع لو كانت هناك أقسام بالفعل غير متناهية بالعدد وليس كذلك إذ ليس معنى قبول الجسم لانقسامات غير متناهية أنه يمكن خروجها من القوة إلى الفعل بل أنه من شأنه وقوته أن ينقسم دائما ولا ينتهي انقسامه إلى حد لا يمكن انقسامه كما أن مقدورات الله تعالى غير متناهية بمعنى أن قدرته لا تنتهي إلى حد لا يكون قادرا على أزيد منه فليعتبر حال قابلية الجسم للانقسام إلى الأجزاء بحال فاعلية الباري تعالى للأشياء على أن ما ذكر لو تم فإنما يدل على تناهي الانقسامات لا على حصول الأجزاء بالفعل ( قال وثانيهما ) أي الطريق الثاني للمتكلمين إثبات جوهر في الجسم لا يقبل الانقسام أصلا أي لا قطعا ولا كسرا ولا وهما ولا فرضا والفرق بينها أن القطع يفتقر إلى آلة نفاذة بخلاف الكسر ثم أنهما يؤديان إلى الافتراق بخلاف الوهمي والفرضي والوهمي إذا أريد به ما يكون بمعونة القوة الوهمية التي هي سلطان القوى الحسية قد يقف أي لا يقدر على تقسيمات غير متناهية لما تقرر عندهم من تناهي أفعال القوى الجسمانية بخلاف فرض العقل فإن العقل يتعلق الكليات المشتملة على الصغيرة والكبيرة والمتناهية وغير المتناهية فإن قيل إثبات الجوهر الفرد لا يفيد المطلوب أعني تركب الجسم منها قلنا نعم إلا أنه يكفي لدفع ما يدعيه الفلاسفة من امتناعه على أن بعض الوجوه المذكورة مما يفيد أصل المطلوب وبالجملة فلهم في هذا الطريق مسالك منها ما يبتنى على أن قبول الانقسام يستدعي حصول الأقسام بالفعل وفيه وجوه الأول أن الله تعالى قادر على أن يخلق في أجزاء الجسم بدل اجتماعها الافتراق بحيث لا يبقى اجتماع أصلا وذلك لأن نسبة القدرة إلى الضدين على السواء وإذا حصل الافتراق ثبت الجزء الذي لا يتجزأ إذ لو كان قابلا للتجزئ لكان الاجتماع باقيا هف
الثاني أنه لو لم يثبت الجزء الذي لا يتجزأ لما كان الجبل أعظم من الخردلة لأن كلا منهما حينئذ يكون قابلا لانقسامات غير متناهية فتكون أجزاء كل منهما غير متناهية من غير تفاضل وهو معنى التساوي فإن قيل غايته لزوم الاستواء في عدد الأجزاء بأن يكون أجزاء كل منهما غير متناهية العدد وهو غير محال والمحال استواء مقداريهما وهو غير لازم أجيب بأن الاستواء في الأجزاء يستلزم الاستواء في المقدار ضرورة أن تفاوت المقادير إنما هو بتفاوت الأجزاء بمعنى أن ما يكون مقداره أعظم تكون أجزاؤه أكثر فما لا تكون أجزاؤه أكثر لا يكون مقداره أعظم وقد تقرر هذا الوجه بحيث لا يبتنى على استلزام قبول الانقسام حصول الأقسام وهو أنه لو كان كل من السماء والخردلة قابلا للانقسام من غير انتهاء إلى ما لا يقبل الانقسام أصلا كانت الأجزاء الممكنة حينئذ في كل منهما متساوية للتي في الآخر وأمكن أن يفصل من الخردلة صفائح تغمر وجهي السماء بل أجزاء تغمر الوجهين وتملأ ما بين السطحين وبطلانه ضروري وجوابه بعد تسليم البطلان ما سبق أن ليس معنى قبول الانقسامات الغير المتناهية إمكان خروجها من القوة إلى الفعل فمن أين يلزم إمكان حصول أقسام لا نهاية لها وإمكان انفصالها الثالث أنه لو لم ينته انقسام الجسم إلى ما لا يكون له امتداد وقبول انقسام لزم أن يكون امتداد كل جسم حتى الخردلة غير متناه القدر لتألفه من امتدادات غير متناهية العدد ومنها ما يبتنى على كون الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة من غير استقرار والزمان عبارة عن آيات متتالية وهو وجه واحد تقريره أن وجود الحركة في المسافة معلوم بالضرورة مع القطع بأن الماضي منها ليس بموجود الآن بل حين كان حاضرا والمستقبل إنما يصير موجودا حين يصير حاضرا فالموجود منها هو الحاضر لا غير وهو لا يقبل الانقسام وإلا لكان شيء منه قبل أو بعد لكونه غير قار الذات فلا يكون بتمامه حاضرا هف أو نقول لو انقسم الحاضر لكان في الحركة اجتماع أجزاء فيكون قار الذات هف وإذا ثبت في الحركة جزء غير منقسم وهي منطبقة على المسافة بمعنى أن كل جزء منها على جزء منها ثبت في المسافة جزء غير منقسم لامتناع انطباق غير المنقسم على المنقسم وهو المطلوب ثم إذا حاولنا إثبات ما هو المقصود قلنا الحاضر يحصل عقيب انقضائه جزء آخر حاضر غير منقسم يكون هو الموجود من الحركة وهكذا إلى أن ينتهي فإذن الحركة مركبة من أجزاء لا تتجزأ أو قلنا كل جزء من الحركة حاضر حينا ما وكل ما هو حاضر حينا ما هو غير منقسم بالضرورة فكل جزء منها غير منقسم وهو معنى تركبها من أجزاء لا تتجزأ فكذا المسافة لانطباقها عليها وقد يستعان في ذلك بالزما لأن عدم الاستقرار فيه أظهر حتى كأنه نفس ماهيته ولا يتوهم فيه ما يتوهم في الحركة من تحلل سكون أو لزوم وقوع أي جزء منها في زمان قابل للانقسام فيقال الموجود منه هو الحاضر الذي لا يقبل الانقسام ولو بالفرض لأن معناه صحة فرض شيء غير شيء وهذا ينافي عدم الاستقرار الذاتي ثم أنه منطبق على الحركة المنطبقة على المسافة فيكونان كذلك والحكماء لا يثبتون الحاضر من الزمان ويجعلون الموجود من الحركة هو التوسط بين المبدأ والمنتهى ويجعلون حالهما في قبول الانقسام كحال الأجسام ومنها ما يبتنى على أن محل النقطة جوهر لا يقبل الانقسام وهو وجوه
الأول أن النقطة موجودة لأنها طرف الخط الموجود وطرف الموجود موجود بالضرورة ولأنها شيء به يتماس الخطوط وتماسها بالعدم الصرف محال ولأنها ذات وضع أي يشار إليها إشارة حسية بأنها هنالك وهذا في المعدوم محال ثم أنها إما أن تكون جوهرا كما هو رأي المتكلمين أو عرضا وحينئذ يفتقر إلى جوهر يحل فيه بالذات إن لم نجوز قيام العرض بالعرض أو بالواسطة إن جوزناه وذلك الجوهر يمتنع أن يكون منقسما وإلا لزم انقسام النقطة ضرورة انقسام الحال بانقسام المحل هف فأيا ما كان يثبت جوهر لا يقبل الانقسام وهو المطلوب الثاني أنا إذا وضعنا كرة حقيقية على سطح حقيقي مماسة بجزء لا يقبل الانقسام وإلا لكان في سطح الكرة خط مستقيم أو سطح مستو فلا تكون الكرة كرة حقيقية هف فذلك الجزء إما جوهر وهو المطلوب أو عرض وفيه المطلوب ثم إذا أدرنا تلك الكرة على ذلك السطح ظهر كون سطحها من أجزاء لا تتجزأ وبه يتم المقصود والقول بامتناع الكرة أو السطح أو تماسها مكابرة ومخالفة لقواعدهم الثالث أنه إذا قام خط على خط في أحد جانبيه لقيه بجزء لا ينقسم ثم إذا مر عليه إلى الجانب الآخر ظهر تألفه من أجزاء لا تتجزأ ضرورة أن ما يقع عليه غير المنقسم غير منقسم الرابع أنه برهن إقليدس على أن الزاوية الحاصلة من مماسة الخط المستقيم لمحيط الدائرة أصغر ما يمكن من الزوايا فبالضرورة لا يقبل الانقسام وإلا لكان نصفها أصغر منه فذلك الأمر الغير المنقسم إما جوهر أو حال فيه وفيه المطلوب والحكماء يزعمون أن انقسام الحال بانقسام المحل مختص بما يكون حلوله بطريق السريان كالبياض في الجسم والنقطة إنما تحل في الخط من حيث أنها نهاية له لا سارية فيه وكذا الخط في السطح والسطح في الجسم التعليمي الحال في الجسم الطبيعي بطريق السريان والحق أن حديث الكرة والسطح قوي وتماسهما بجوهريهما ضروري والقول بأن موضع التماس منقسم بالفرض يخالف قواعدهم لأن معناه صحة فرض شيء غير شيء وهذا في النقطة محال إذ به يصير خطا أو سطحا مستويا ضرورة ألا نطبق على السطح المستوي وعند زوال التماس من ذلك الموضع إلى موضع آخر يصير الكرة من ذوات الأضلاع على أن النقطة عندهم إنما هي النهاية للخط فلا توجد في الكرة بالفعل ( قال واحتجوا ) احتج القائلون بالجزء على أن أجزاء الجسم متناهية نفيا لقول النظام لوجوه الأول أنها محصورة بين حاصرين فكل ما هو كذلك عددا كان أو مقدارا فهو متناه بالضرورة الثاني أن لاتناهي الأجزاء يستلزم امتناع وصول المتحرك إلى غاية ما في المسافة لتوقفه على قطع نصفها ونصف نصفها وهلم جرا إلى ما لا يتناهى وذلك لا يتصور فيما يتناهى من الزمان وقد يعبر عن هذا الوجه بأنه يلزم امتناع قطع المسافة المعينة في زمان متناه وتقرر بأن عدم تناهي أجزاء المسافة يستلزم عدم تناهي أجزاء الحركة المنطبقة عليها وهو يستلزم عدم تناهي أجزاء الزمان المنطبق على الحركة الثالث أنه يستلزم امتناع لحوق السريع بالبطيء إذ ابتداء الحركة بعده لأنه إذا قطع جزأ فالبطيء أيضا قطع جزأ إذ لا أقل منه ضرورة ولا تخلل للسكنات بشهادة الحس والبرهان وإنما اعتبر البطيء دون الواقف مع أنه كذلك لأنه حينئذ يكون ذكر السرعة لغوا ويصير هذا بعينه طريق امتناع قطع المتحرك مسافة ما ووصوله إلى غاية ما ولا يخفى أن هذا الوجه جار فيما إذا كانت الأجزاء متناهية وأن الوجوه الثلاثة إنما تنتهض على من يقول بلاتناهي الأجزاء في كل امتداد يفرض في الجسم وفيما بين كل طرفين من أطرافه وجهتين من جهاته وأما على القول بلاتناهيها في مجموع الامتدادات وفيما بين جميع الأطراف والجهات فلا إلا إذا بين تناهي عدد الامتدادات
الرابع أنا نفرض اجتماع ثمانية من الأجزاء بحيث يصير المركب منها طويلا عريضا عميقا منقسما في الأقطار الثلاثة متقاطعا امتداداته على الزوايا القائمة فبالضرورة يكون جسما مع تناهي أجزائه ثم إذا حاولنا بيان تناهي أجزاء كل جسم متناهي المقدار اعتبرنا نسبة حجمه إلى حجمه فكانت نسبة متناه إلى متناه لأن نسبة الحجم إلى الحجم نسبة الأجزاء إلى الأجزاء إذ بحسبها يكون الحجم والمقدار ازديادا وانتقاصا فلو كانت الأجزاء غير متناهية كانت نسبة المتناهي إلى المتناهي نسبة المتناهي إلى غير المتناهي وهو محال فإن قيل مذهب النظام أن الجوهر الفرد يمتنع وجوده على الانفراد وإنما يكون في ضمن الجسم وكل جسم فمن جواهر غير متناهية قلنا نفرض الكلام في ثمانية أجزاء من الجسم الخامس أنه لو كان الحجم والمقدار بحسب الأجزاء فلو كانت الأجزاء غير متناهية لزم في كل جسم أن يكون غير متناهي الحجم والمقدار واللازم ظاهر البطلان والمشهور عن القائلين بلا تناهي الأجزاء في التفصي عن حديث زيادة الحجم ولحوق السريع البطيء أمران أحدهما القول بالتداخل وهو أن ينفذ أحد الجزئين في الآخر ويلاقيه بأسره بحيث يصير حيزاهما واحدا وحاصله منع زيادة الحجم بزيادة الأجزاء فلا يلزم من عدم تناهي الأجزاء أن يكون الحجم غير متناه ولا أن يكون بإزاء كل جزء من المسافة جزء من الحركة والزمان ليلزم عدم تناهيهما
وثانيهما القول بالظفرة وهو أن يترك المتحرك حدا من المسافة ويحصل في حد آخر من غير محاذاة وملاقاة لما بينهما وحاصله قطع بعض حدود المسافة من غير ملاقاة لأجزائه وح لا يلزم امتناع أن يصل المتحرك إلى غاية ما أو يلحق السريع البطيء وكلا الأمرين باطل بالضرورة أما التداخل فلأن حاصله تساوي الكل والجزء في العظم وأما الطفرة فلأن معناها يؤول إلى قطع مسافة ما من غير حركة فيها وقطع لأجزائها ومن الشواهد الحسية لبطلانها أنا نمد القلم فيحصل خط أسود من غير أن يبقى في خلاله أجزاء بيض وليس ذلك لفرط اختلاط الأجزاء البيض بالسود بحيث لا يمتاز عند الحس لأن الأجزاء الممسوسة أقل من المطفور عنها بكثير بل لا نسبة لها إليها لكونها غير متناهية فينبغي أن يقع الإحساس بالبيض وقد يستدل على نفي التداخل بأنه إن كان بالأسر بمعنى أن يلاقي الجزء بكليته الجزء الآخر بحيث يصير حيزاهما واحدا لم يكن الوسطاني حاجبا للطرفين عن التماس وبقي الإشكال بالنظر إلى الأجزاء المتماسة بل لو وقع ذلك في جميع الأجزاء لم يحصل هناك حجم وتأليف وامتداد في الجهات فلم يحصل الجسم وإن كان لا بالأسر وذلك بأن يلاقي الجزء الجزء ويداخله بشيء دون شيء لزم التجزيء ولو بالفرض مع بقاء الأشكال بحاله واعلم أن النظام لم يقل بتأليف الجسم من أجزاء غير متناهية لكنه لما قال بالجزء ونظر في أدلة نفيه سيما ما تتعلق بلزوم بطلان حكم الحس كتفكك الرحى ونحوه اضطر إلى الحكم بأن كل جزء فهو قابل للانقسام لا إلى نهاية ولما كان من مذهبه أن حصول الأقسام من لوازم قبول الانقسام لزمه القول بلاتناهي الأجزاء فاضطر في قطع المسافة ولحوق السريع البطيء إلى الطفرة فاستمر التشنيع بطفرة النظام وتفكك رحى أهل الكلام فإن قيل المذكور في كتب المعتزلة أن الجسم عند النظام مركب من اللون والطعم والرائحة ونحو ذلك من الأعراض قلنا نعم إلا أن هذه عنده جواهر لا أعراض وتحقيق ذلك على ما لخصناه من كتبهم أن مثل الأكوان والاعتقادات والآلام واللذات وما أشبه ذلك أعراض لا دخل لها في حقيقة الجسم وفاقا وأما الألوان والأضواء والطعوم والروائح والأصوات والكيفيات الملموسة من الحرارة والبرودة وغيرهما فعند النظام جواهر بل أجسام حتى صرح بأن كلا من ذلك جسم لطيف من جواهر مجتمعة ثم أن تلك الأجسام اللطيفة إذا اجتمعت وتداخلت صارت الجسم الكثيف الذي هو الجماد وأما الروح فجسم لطيف هو شيء واحد والحيوان كله من جنس واحد وعند الجمهور كلها أعراض إلا أن الجسم عند ضرار بن عمرو والحسين النجار مجموع من تلك الأعراض وعند الآخرين جواهر مجتمعة تحلها تلك الأعراض فما وقع في المواقف من أن الجسم ليس مجموع أعراض مجتمعة خلافا للنظام والنجار ليس على ما ينبغي والصواب مكان النظام ضرار على ما في سائر الكتب ويمكن أن يقال الكلام فيما هو جسم اتفاقا أعني المتحيز الذي له الأبعاد الثلاثة والنظام يجعله مجموع لون وطعم ورائحة ونحو ذلك مما هو من قبيل الأعراض في الواقع وإن كان هو يسميها جواهر بل أجساما فيوافق النجار في المعنى ويخالف القوم إلا أن الاحتجاج عليهما بأن العرض لا يقوم بذاته بل لا بد من الانتهاء إلى جوهر يقومه ولهما بأن الجواهر متماثلة والأجسام مختلفة فلا تكون جواهر ربما لا ينتظم على رأي النظام حيث يزعم أن كلا من تلك الأمور كالسواد مثلا جسم مؤلف من جواهر متماثلة في أنفسها قائمة بذواتها وإن لم تكن مماثلة لجواهر الآخر كالحلاوة أو الحرارة مثلا وبهذا يظهر أن الاحتجاج بأن الأجسام باقية والأعراض غير باقية لا ينتهض عليه مع أن بقاء الأجسام غير مسلم لديه وأما الجواب بمنع تماثل الجواهر فجدلي لا يتأتى على مذهب المانعين حتى لو قصد الإلزام تم المرام والأقرب منع اختلاف الأجسام بحسب الذات بل بحسب العوارض المستندة إلى إرادة القادر المختار والاختلاف إنما هو مذهب النظام وح يندفع ما ذكر في المواقف من أنه لا محيص لمن يقول بتجانس الجواهر عن أن يجعل جملة من الأعراض داخلة في حقيقة الجسم ليكون الاختلاف عائدا إليها ولا أدري كيف ذهل عما في هذا المخلص من الوقوع في ورطة أخرى هي عدم بقاء الأجسام ضرورة انتفاء الكل بانتفاء الجزء الذي هو جملة الأعراض الغير الباقية باعتراف هذا القائل وقد أشار إليه في تنوير اختلاف الجواهر بذواتها بقوله ولذلك اختلف أن الأعراض لا تبقى والجواهر باقية يعني لو لم تكن الجواهر مختلفة بذواتها لما كانت الأجسام المختلفة محض الجواهر المجتمعة بل مع جملة من الأعراض وحينئذ يلزم عدم بقائها لعدم بقاء الأعراض ولا يخفى أنه كان الأنسب أن يقول والأجسام باقية إلا أنه أراد بالجواهر ما يعم الجوهر الفرد والجسم الذي هو مجموع جواهر مجتمعة ( قال وقطع ما لا يتناهى فيما يتناهى ضلال ) قد يجاب عن أشكال قطع المسافة المعينة بأنه إنما يتوقف على زمان غير متناهي الأجزاء ينطبق كل جزء منها على جزء من الحركة وهو على جزء من المسافة وهذا لا يستلزم عدم تناهي الزمان لأن المحدود من الحركة والزمان يشتمل على أجزاء غير متناهية كالجسم المتناهي وهذا كما أن المسافة المعينة تحتمل عند الفلاسفة الانقسام إلى غير النهاية ولا يمتنع قطعها في زمان متناه مع أن قطعها يتوقف على قطع نصفها ونصف نصفها وهلم جرا إلى ما لا يتناهى وذلك لأن كلا من الحركة والزمان المحدودين أيضا قابل للانقسام إلى غير النهاية ويدفع بأن ما يوجد شيئا فشيئا من بداية إلى نهاية فامتناع كونه غير متناهي العدد معلوم بالضرورة والقول به ضلال عن طريق الحق بخلاف قبوله الانقسام إلى غير النهاية بالمعنى الذي ذكروه على ما مر فإن قيل هذا ليس تمشية لبرهان قطع المسافة بل رجوعا إلى برهان المحصور بين حاصرين قلنا نعم إلا أن هذا لما كان فيما له امتداد طولي فقط كالحركة والزمان في غاية الظهور بين به حال الجسم ( قال وأما الفلاسفة ) يريد أن أدلة نفي الجزء الذي لا يتجزأ على كثرتها ترجع إلى عدة أصول يتفرع على كل منها وجوه من الاستدلال فجعلت بمنزلة الطرق وأشير في عنوان كل منها إلى وجه الضعف ومورد المنع فمنها ما يبتنى على أن تعدد جهات الشيء ونهاياته تستلزم الانقسام في ذاته وهي وجوه
الأول أنه لو وجد الجزء أي الجوهر المتحيز الذي لا انقسام فيه أصلا لتعددت جهاته ضرورة فتتعدد جوانبه وأطرافه لأن ما منه إلى اليمين غير ما منه إلى اليسار وكذا الفوق والتحت والقدام والخلف فيلزم انقسامه على تقدير عدم انقسامه وهو محال الثاني أنه إذا انضم جزء إلى جزء فإما أن يلاقيه بالكلية بحيث لا يزيد حيز الجزئين على حيز الجزء الواحد فيلزم أن لا يحصل من انضمام الأجزاء حجم ومقدار فلا يحصل جسم أو لا بالكلية بل بشيء دون شيء فيكون له طرفان وهو معنى الانقسام الثالث أنه إذا تماست ثلاثة أجزاء على الترتيب بأن يكون واحد منها بين اثنين فالوسطاني إما أن يمنع الآخرين عن التلاقي والتماس فيكون وجهه الذي يلاقي أحدهما غير الذي يلاقي الآخر فينقسم وإما أن لا يمنعهما فلا يحصل من اجتماع الجزئين حجم ومقدار وهكذا في الثالث والرابع فلا يحصل الحجم الرابع أنا نفرض صفحة من أجزاء لا تتجزأ بحيث يكون له الطول والعرض فقط فإذا أشرقت عليها الشمس فبالضرورة يكون وجهها المقابل للشمس المضيء بها غير الوجه الآخر فينقسم الخامس أنه إذا وقع جزء لا يتجزأ على ملتقى جزئين آخرين لزم انقسام الثالث أما الملازمة فلأن التماس بينه وبين كل منهما إنما يكون بالبعض أي يكون شيء منه مماسا لشيء من هذا وشيء آخر مماسا لشيء من ذاك إذ لو ماس أحدهما بالكلية لكان عليه لا على الملتقى وأما بيان حقيقة الملزوم فبوجوه ( 1 ) أن نفرض الجزء على الملتقى وفيه مناقشة لا تخفى ( 2 ) أن يتحرك من جزء إلى جزء فاتصافه بالحركة إنما يكون عند كونه على الملتقى لا على الأول إذ لم تبتدأ الحركة ولا على الثاني إذ قد انقطعت ( 3 ) أن تفرض خطا من أربعة أجزاء فوق الأول جزء وتحت الرابع جزء ثم تفرض مرور الفوقاني والتحتاني على الخط بحركة على السواء مع اتفاق في الابتداء أي تكون الحركتان على حد واحد من السرعة والبطء فيكون ابتداؤهما معا فبالضرورة تتحاذيان على ملتقى الثاني والثالث أي حيث يكون الفوقاني فوق الملتقى والتحتاني تحته ( 4 ) أن نفرض خطا من خمسة أجزاء فوق الأول جزء وفوق الخامس جزء ثم أخذا معا في حركة على السواء إلى حد الالتقاء فبالضرورة يكون ذلك في وسط الخط أعني الجزء الثالث فيكون هو ملتقاهما من تحت ولا يخفى أن هذه البيانات إنما تتم على من يجوز وجود الجوهر الفرد على الانفراد ثم حركته على الإطلاق ثم حركته على الانحناء المخصوصة المؤدية إلى المحال وأما ما ذكر في بعض كتب المعتزلة من أن الوجوه المذكورة إنما تدل على الانقسام بالوهم ونحن نعني بالجزء مالا ينقسم بالفعل فرجوع إلى مذهب ذيمقراطيس ( قوله ومنها ) اي ومن طرق الاحتجاج على نفي الجزء الذي لا يتجزأ ما يبتنى على أن تفاوت الحركتين بالسرعة والبطء ليس لتحلل سكنات بين أجزاء الحركة البطيئة إما لكونه مستحيلا في نفسه بما ذكر عليه من الدليل وإما لاستلزامه أمرا معلوم الانتفاء قطعا كتفكك أجزاء الجسم الذي في غاية الاستحكام لحظة فلحظة ثم التئامها وكتخلف المعلول عن العلة أو تحققه بدونها حينا فحينا بيان ذلك أنا نجد المتوافقين في الأخذ والترك قد يتفاوتان في المسافة فيحكم بأن الذي قطع مسافة أطول أسرع حركة والآخر أبطأ فلو كانت المسافة من أجزاء لا تتجزأ فعند قطع السريع جزأ إما أن يقطع البطيء جزأ فيتساويان أو أكثر فأبعد أو أقل فينقسم الجزء فلم يبق إلا أن يكون له في خلال حركاته سكنات ولما كان هذا غير ممتنع عند المتكلمين بل مقررا أعرضنا عنه إلى ما يكون تحلل السكنات فيه مستلزما لما هو معلوم الانتفاء كتفكك أجزاء الجسم الذي هو مثل في الشدة والاستحكام كالحجر أو الذي لو تفككت أجزاؤه لتناثرت كالفرجار أو كان له شعور بذلك بل تبطل حياته وحركته عند الأكثرين كالإنسان أو الذي ذهب جمع من العقلاء إلى امتناع تفككه كالفلك وكوجود العلة بدون المعلول في حركة الشمس مع سكون الظل ووجود المعلول بدون علته في حركة الدلو إلى العلو مع سكون حبل الكلاب فيما إذا فرضنا بئرا عمقها مائة ذراع مثلا وفي منتصفها خشبة شد عليها طرف حبل طوله خمسون ذراعا وعلى طرفه الآخر دلو ثم شددنا كلابا على طرف حبل آخر طوله خمسون ذراعا وأرسلناه في البئر بحيث وقع الكلاب في الحبل الأول على طرفه المشدود في الخشبة ثم جررناه إلى رأس البئر فيكون ابتداء حركة الكلاب من الوسط والدلو من الأسفل معا وكذا انتهاؤهما إلى رأس البئر وقد قطع الدلو مائة ذراع والكلاب خمسين مع أن حركة الكلاب من تمام علة حركة الدلو فلو كان له سكنات في خلال حركته لزم وجود المعلول بدون علته التامة ( قال ومنها ) أي ومن تلك الطرق ما يبتنى على اصول هندسية لا سبيل إلى إثباتها إلا على تقدير انتفاء الجزء كما يظهر للناظر في البراهين المذكورة في كتاب إقليدس ولهذا كانت وجوه هذا الطريق كثيرة جدا ولنذكر عدة منها
الأول أنه يمكن لنا أن نعمل على كل خط شيئا مثلثا متساوي الأضلاع ولا يتصور ذلك في الخط المركب من جزئين إلا بأن يقع جزء على ملتقى الجزئين وقد عرفت أنه يوجب انقسام الثلاثة الثاني أن كل زاوية فإنه يمكن تنصيفها فيلزم تجزيء الجزء الذي هو الملتقى خط الزاوية الثالث أن كل خط فإنه يمكن تنصيفه ففي المركب من أجزاء الوتر يلزم انقسام الجزء الذي في الوسط وقد بين ذلك في الهندسة بأن يعمل على ذلك الخط مثلث متساوي الأضلاع ثم تنصف الزاوية التي يؤثرها ذلك الخط بخط واصل منها إليه فتكون على منتصفه وبين منتصف الزاوية بأن يجعل خطاها متساويين ثم يوصل بين طرفيهما بخط يكون وترا لها ويعمل عليه من الطرف الآخر مثلث متساوي الأضلاع ثم يخرج خط من زاوية المثلث الأول إلى زاوية المثلث الثاني مارا بالخط الذي هو وتر لهما فينتصف الزاوية وبين عمل المثلث المتساوي الأضلاع على الخط بأن يرسم ببعده دائرتان يكون كل من طرفي الخط مركز الواحدة منهما فيتقاطعان لا محالة فيخرج من كل من المركزين خط إلى نقطة تقاطع الدائرتين ليحصل مثلث متساوي الأضلاع لكونها أنصاف أقطار الدائرتين المتساويتين هذا ولكن لا سبيل إلى إثبات الدائرة على القائلين بالجزء على ما ستعرفه الرابع أن كلا من الدائرة والكرة ممكن بل متحقق أما الدائرة فلأنا نتخيل على السطح المستوي خطا مستقيما متناهيا نثبت أحد طرفيه ونديره حول طرفه الثابت إلى أن يعود إلى موضعه الأول فيحصل سطح يحيط به خط مستدير حاصل من حركة الطرف المتحرك وفي باطنه نقطة هي الطرف الثابت جميع الخطوط الخارجة من تلك النقطة إلى ذلك المحيط متساوية لكون كل منها بقدر ذلك الخط الذي أدرناه ولا نعني بالدائرة إلا ذلك السطح أو الخط المحيط به وأما الكرة فلأنا إذا أثبتنا قطر الدائرة أعني الخط الخارج من المركز إلى المحيط في الجهتين وأدرناه نصف الدائرة على ذلك الخط إلى أن يعود إلى وضعه الأول حصل سطح مستدير محيط بجسم في باطنه نقطة جميع الخطوط الخارجة منها إلى ذلك السطح متساوية ولا نعني بالكرة إلا ذلك الجسم المحاط والسطح المحيط ثم أن كلا من الدائرة والكرة ينافي كون الأجسام والخطوط والسطوح من أجزاء لا تتجزأ أما الدائرة فلأنها لو كانت من أجزاء لا تتجزأ فإما أن تكون ظواهر الأجزاء متلاقية كبواطنها أو لا فعلى الأول إما أن تكون بواطنها أصغر من الظواهر فينقسم الجزء أو لا فيساوي في المساحة باطن الدائرة أعني المقعر ظاهرها أعني المحدب وهو باطل بالضرورة وإن شئت فبالبرهان وذلك أنه يستلزم تساوي جميع الدوائر المحاطة بها حتى التي يقرب المركز وكذا جميع الدوائر المحيطة بها حتى المحيط بجميع الأجسام وبطلانه ضروري واللزوم بين لأن التقدير تساوي الظاهر والباطن من كل دائرة وباطن المحيط يساوي ظاهر المحاط بحكم الضرورة وبحكم أن بإزاء كل جزء من المحيط جزأ من المحاط لأنه لا اصغر من الجزء ولا فرج بين ظواهر الأجزاء وعلى الثاني وهو أن تكون ظواهر الأجزاء غير متلاقية يلزم انقسام الجزء لأن غير الملاقي غير الملاقي وأيضا فما بينها من الفرج إن لم يسع كل منها جزأ لزم انقسام الجزء وإن وسعه لزم كون الظاهر ضعف الباطن والحس يكذبه وأما الكرة فلأنها لو كانت من أجزاء لا تتجزأ فالمدار الذي يلاصق المنطقة التي هي أعظم الدوائر المتوازية على الكرة إما أن يكون بإزاء كل جزء من المنطقة جزء منه فيلزم تساويهما وهكذا جميع ما يوازيهما حتى التي حول القطب وبطلانه ظاهر أو اقل من جزء فيلزم انقسام الجزء إذا تقرر هذا فقد انتظم أنه كلما صح القول بالدائرة أو الكرة لم يصح القول بالجزء لكن المقدم حق أو كلما صح القول بالجزء لم يصح القول بهما لكن التالي باطل ولا خفاء في أن ما ذكروا من حركة الخط ونصف الدائرة محض توهم لا يفيد إمكان المفروض فضلا عن تحققه ولو سلم فإنما يصح لو لم يكن الخط والسطح من أجزاء لا تتجزأ إذ مع ذلك تمتنع الحركة على الوجه الموصوف لتأديها إلى المحال
الخامس برهن إقليدس في شكل العروس على أن كل مثلث قائم الزاوية فإن مربع وتر زاويته القائمة مساو لمربعي ضلعيها بمعنى أن الحاصل من ضربه في نفسه مثل مجموع الحاصل من ضرب كل من الضلعين في نفسه فإذا فرضنا كلا من الضلعين عشرة مثلا كان مجموع مربعيهما مأتين فيكون الضلع الآخر أعني وتر القائمة جذر المأتين وهو أكثر من أربعة عشر لأن مجذورها مائة وستة وتسعون وأقل من خمسة عشر لأن مجذورها مائتان وخمسة وعشرون وكذا في كل ما لا يكون لمجموع مربعي الضلعين جذر منطبق السادس نفرض خطا من جزئين فنضع فوق أحدهما جزأ فتحصل زاوية قائمة فوترها يجب أن يكون أقل من الثلاثة وأكثر من الاثنين لما بين إقليدس من أن وتر القائمة أقل من مجموع ضلعها وأكثر من كل منهما السابع نفرض مربعا من أربعة خطوط مستقيمة مضمومة بعضها إلى البعض على غاية ما يكن كل منهما من أربعة أجزاء فقطره خط يحصل من الجزء الأول من الخط الأول والثاني من الثاني والثالث من الثالث والرابع من الرابع فإن كانت متلاقية كان القطر مساويا للضلع ويبطله شكل العروس وإن كان بينها فرج ولا تكون إلا ثلثا فأما أن يسع كل منها جزأ فيكون القطر كالضلعين سبعة أجزاء وهو باطل بالشكل الحماري أو أقل فينقسم الجزء وبما ذكرنا من استقامة الخطوط وتضامها على غاية ما يمكن فظهر امتناع أن تقع الفرج فيما بين بعض الأجزاء دون البعض ( قال ومنها ) أي من تلك الطرق ما يبتنى على مقدمات هي بصدد المنع وهي وجوه الأول لو كان الجسم من أجزاء لا تتجزأ لكان الجزء ذاتيا له متعقلا قيل تعقله بين الثبوت له غير مفتقر إلى البيان ولا منكرا عند كثير من العقلاء ورد بأن ذلك إنما هو في الأجزاء العقلية كالأجناس والفصول ومع ذلك فيشترط تعقل الماهية بحقيقتها وأما الجزء الخارجي فقد يفتقر إلى البيان كالهيولي والصورة عندكم وكذا العقلي إذا لم تتصور الماهية بحقيقتها كجوهرية النفس وتجردها الثاني لو وجد الجزء لكان متناهيا ضرورة وكان متشكلا كرة أو مضلعا لأن المحيط به إما حد واحد أو أكثر وكل منهما يستلزم الانقسام أما المضلع فظاهر وأما الكرة فلأنه لا بد عند انضمام الكرات من تخلل فرج يكون كل منها أقل من الكرة ورد بعد تسليم تشكل الجزء بأن ذلك إنما هو في الأجسام الكرية دون الأجزاء