Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الثالث لا شك أن كل جسم يصير ظله مثليه في وقت ما وح يكون بالضرورة نصف ظله ظل نصفه فظل الجسم الذي طوله أجزاء وتر تكون شفعا له نصف هو ظل نصف ذلك الجسم فينتصف الجسم وينقسم الجزء ورد بمنع الكلية وإنما ذلك فيما يكون له نصف ( قال ثم إنهم أبطلوا ) يشير إلى إبطال ما ذهب إليه ذيمقراطيس وجمع من القدماء من أن ما يشاهد من الأجسام المفردة كالماء مثلا ليست بسائط على الإطلاق بل إنما هي حاصلة من تماس بسائط صغار متشابهة الطبع في غاية الصلابة غير قابلة للقسمة الانفكاكية بل للوهمية فقط وبهذا وبتسميتها أجساما يمتاز هذا المذهب عن مذهب القائلين بالجزء وتقريره أن تلك الأجزاء لما كانت متشابهة الطبع باعترافهم جاز على كل منها ما جاز على الآخر وعلى المجموع الحاصل من اجتماعها والقسمة الانفكاكية مما يجوز على المجموع فيجوز على كل جزء إذ لو امتنعت على الجزء نظرا إلى ذاته لامتنعت على المجموع ثم إمكان الانفكاك نظرا إلى الذات لا ينافي امتناعه لعارض تشخص أو غيره من صور نوعية أو غاية صغر أو صلابة أو عدم آلة قطاعة أو نحو ذلك فلا يرد اعتراض الإمام بأن الامتدادات الجسمية غير باقية عند الانفصال ومتجددة عند الاتصال فهي أمور متشخصة ولعلها تمنع الماهية المشتركة عن فعلها وأما اعتراضه بمنع تساوي الأجسام في الماهية فلا يندفع بأن مبنى الكلام على اعترافهم بكون تلك البسائط متساوية في الطبع لأن مراده على ما صرح به في المباحث المشرقية هو أنه لو ادعى مدع أنها متخالفة بالماهية وأنه لا يوجد جزآن متحدان في الماهية لم يثبت أن كل جسم قابل للقسمة والانفكاكية فلم يتم دليل إثبات الهيولي لكن لا خفاء في أنه احتمال بعيد لأن الكلام في الجسم المفرد الذي لا يعقل فيه اختلاف طبيعي وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال أن القسمة بأنواعها تحدث في المقسوم إثنينية تساوي طباع كل واحد منها طباع المجموع على القسمة الواردة على الجسم المفرد وإلا ففساده واضح وفسر الطباع بمصدر الصفة الذاتية الأولية للشيء حركة أو سكونا كان أو غيرهما فيكون أعم من الطبيعة وفسر أنواع القسمة بما يكون بحسب الفك والقطع أو بحسب الوهم والفرض أو بحسب اختلاف عرضين قارين أي ما هو للموضوع في نفسه كالسواد والبياض أو غير قارين أي ما هو له بالقياس إلى الغير كالتماس والتحاذي وذلك لأن الانقسام أن تأدي إلى الافتراق فالأول وإلا فإن كان في مجرد الوهم فالثاني ولا فالثالث وبما ذكرنا من اعتبار مجرد الوهم صار هذا قسما ثالثا وإلا فهو من قبيل الانقسام الوهمي والفرضي بدليل قولهم أن الجزء مالا ينقسم لا كسرا ولا قطعا ولا وهما ولا فرضا من غير تعرض لما يكون باختلاف عرضين وذلك للقطع بأن الجسم الذي يتسخن بعضه أو وقع الضوء على بعضه أو لاقى ببعضه جسما آخر لم يحصل فيه الانفصال بالفعل وبحسب الخارج ولم يصر جسمين ثم إذا زال ذلك التسخن أو الضوء أو الملاقاة عاد جسما واحدا ولو كان كذلك لكانت المسافة تصير أقساما غير متناهية في الخارج بحسب موافاة المتحرك حدودا ثم تعود متصلة في نفسها واحدة في ذاتها عند انقطاع الحركة وما يقال أنا قاطعون بأن محل البياض من الجسم غير محل السواد منه مسلم لكن باعتبار اختلاف العرضين لا بالنظر إلى ذات الجسم بحيث يعرض له انفصال وتميز في الخارج بل بالفرض العقلي ولهذا قال في الشفاء ومن الذي بالفرض اختصاص العرض ببعض دون بعض حتى إذا زال ذلك العرض زال ذلك الاختصاص مثل جسم تبيض لا كله فيفرض له بالبياض جزء إذا زال ذلك البياض زال افتراضه فما ذكر في شرح الإشارات من أن الانفصال بحسب اختلاف العرضين انفصال في الخارج من غير تأد إلى الافتراق يحمل على أنه لأمر في الخارج وما ذكر في منطق الشفاء من أنه انفصال بالفعل يحمل على فعل الأذهان دون الأعيان ( قال ثم احتج المشاؤون ) لما بطل كون الجسم متألفا من أجزاء لا تتجزأ أصلا أو تتجزأ وهما لأفعال متناهية أو غير متناهية يكون اتصاله باجتماعها وانفصاله بافتراقها ثبت أنه متصل في نفسه كما هو عند الحس قابل للانفصال نظرا إلى ذاته على ما مر فله امتداد جوهري تتبدل عليه المقادير المختلفة أعني الجسم التعليمي الذي هو من قبيل الكميات كالشمعة التي تجعل تارة مدورا وتارة مكعبا وتارة صفحة رقيقة إلى غير ذلك وزعموا أن حقيقة الجسم لا تعقل بدون تعقله بل لا تدرك في بادي النظر من الجسم غيره أعني الجوهر الذي له الامتدادات العرضية الآخذة في الجهات فليس هو خارجا عن حقيقة الجسم بل عند أفلاطون وأشياعه نفس الجسم ويقبل الانفصال لذاته وعند أرسطو وأتباعه جزء منه حال في جزء آخر هو القابل للانفصال لأن القابل يجب اجتماعه مع المقبول والاتصال يمتنع أن يبقى مع الانفصال فلا بد من جوهر قابل للاتصال والانفصال يبقى معهما ويتبدل عليه الهويات الاتصالية المختلفة بالشخص وهو المسمى بالهيولي والجوهر الحال بالصورة الجسمية وتحقيق ذلك أن أول ما يدرك من الجسم هوية امتدادية لا تنعدم بانعدام مقدار عنها وحدوث آخر ولا تعقل حقيقة الجسم دون تعقلها بل ربما لا يعقل في بادي النظر من الجسم سواها وهم يسمونها بالاتصال والمتصل بمعنى الجوهر الذي شأنه الاتصال ويعنون بالاتصال الذي هو شأن ذلك الجوهر كونه بحيث تفرض فيه الأبعاد الثلاثة المتقاطعة الآخذة في الجهات وإن كان لفظ الاتصال يطلق على معان أخر عرضية إضافية ككون الجسم بحيث يتحرك بحركة جس آخر وككون المقدار متحد النهاية بمقدار آخر كضلعي الزاوية أو غير إضافية ككون الشيء بحيث إذا فرض انقسامه حدث حد مشترك هو بذاته لا حد قسميه ونهاية للآخر كالسطح لقسمي الجسم والخط لقسمي السطح والنقطة لقسمي الخط والمتصل بهذا المعنى فصل للكم يميزا حد نوعيه وهو المقدار عن الآخر وهو العدد ويقع على الجسم التعليمي لأنه ذو اتصال بهذا المعنى وعلى الصورة الجسمية لأنها ذات اتصال بمعنى الجسم التعليمي وعلى الجسم الطبيعي لأنه ذو اتصال بمعنى الصورة الجسمية ثم لا خفاء في أن تلك الهوية الاتصالية لا يبقى نفسها عند طريان الانفصال بل تنعدم ويحدث هويتان أخريان مع القطع بأنه يبقى في حالتي الاتصال والانفصال أمر واحد وهو القابل لهما بالذات للفرق الضروري بين أن ينعدم جسم بكليته ويحدث جسمان آخران أو ينعدم جسمان ويحدث جسم ثالث وبين أن ينفصل جسم فيصير جسمين أو يتصل جسمان فيصير جسما واحدا كماء الجرة يجعل في كيزان أو ماء الكيزان يجعل في جرة فذلك أن الأمر الباقي في الحالين هو المراد بالهيولي وهو استعداد محض ليس في نفسه بواحد ومتصل ليمتنع طريان الكثرة والانفصال عليه مع بقائه بحاله ولا كثير ومنفصل ليمتنع طريان الاتصال عليه بل وحدته واتصاله بحلول الصورة الاتصالية فيه وانفصاله وكثرته بطريان الانفصال عليه فإن قلت الهوية الاتصالية بمعنى الامتداد الجوهري مما أنكره المتكلمون وكثير من الفلاسفة فكيف يصح دعوى كونها أول ما يدرك من جوهرية الجسم وإنما ذلك هو المقادير والامتدادات الفرضية قلنا لا نزاع في ثبوت جوهر شأنه الامتداد والاتصال وفي كونه مدركا بالحس ولو بواسطة ما يقوم به من الأعراض وإنما النزاع في أنه هل هو في نفس الأمر متصل واحد كما هو عند الحس أم لا وعلى الأول هل هو تمام الجسم أم لا بل يفتقر إلى جزء آخر يتوارد عليه الاتصال والانفصال وأما الامتدادات العرضية أعني المقادير فهي التي أنكرها المتكلمون وكثير من الفلاسفة أعني القائلين بأنها أمور عدمية لكونها نهايات وانقطاعات فالسطح للجسم والخط للسطح والنقطة للخط وفيما ذكرنا من التقرير دفع لعدة إشكالات نورد في هذا المقام
الأول أن كون الاتصال جوهرا أو جزأ من الجسم ظاهر البطلان إذ لا يعقل منه إلا ما يقابل الانفصال وهما عرضان يتعاقبان على الجسم إذا تحققتهما كانا عائدين إلى وحدته وكثرته وجوابه أنا لا نعني بالاتصال هذا المعنى بل الجوهر الذي شأنه الاتصال وامتداد العرضي وكونه ظاهر الآنية للجسم موقوفا تعقل حقيقة الجسم على تعقله مما لم يشك فيه عاقل ولم ينكره أحد إلا ما نسب إلى البعض من كون الجسم محض الأعراض على أنه أيضا قابل بأنها عند الاجتماع تصير جوهرا قائما بنفسه وإنما النزاع في كونه واحدا في نفس الأمر لا متحصلا من اجتماع الأجزاء وفي كونه جزأ من الجسم لا تمام حقيقته فهذا هو الذي يثبت بالبرهان لا يقال فما ذكر لا يفيد كونه جزأ لجواز أن تكون تلك الهوية الاتصالية الجوهرية التي يجعلونها صورة حالة في مادة نفس الجسم من غير حلول في جزء آخر ويكون قبول الانفصال بأن ينعدم ويحدث هويتان اتصاليتان أخريان كيف وقد جعلتموها جوهرا قابلا للأبعاد ومتحيزة بالذات فيكون قيامها بنفسها لا بغيرها لأنا نقول ضرورة التفرقة بين انعدام جسم بالكلية وحدوث جسمين وبين زوال الهوية الاتصالية إلى هويتين هي التي شهدت بوجود جزء آخر باق في الحالين ثم أنهم لم يجعلوا الصورة قائمة به لتنافي جوهريتها بل حالة فيه وقد سبق أن الحال في الشيء أعم من القائم به لكن الشأن في لزوم كون ذلك الأمر الباقي محلا للجوهر الذي سموه الصورة الجسمية وعبروا عنها بالهوية الاتصالية وفي تصور حلول الجوهر في الشيء مع امتناع قيامه به فإن قيل نسبة المقبول إلى القابل اختصاص الناعت وهو معنى الحلول قلنا الكلام في كون الهوية الاتصالية بمعنى الجوهر الذي شأنه الاتصال مقبولا وإنما يظهر ذلك في الاتصال العرضي المقابل للانفصال الثاني أن الانفصال إنما يفتقر إلى محل باق لو كان وجوديا وهو ممنوع بل هو عبارة عن انعدام الاتصال وزواله والجواب أنه ليس عدم الاتصال مطلقا بل عما من شأنه الاتصال وهو المعنى بالقابل الباقي بل هو عدم اتصال الاتصالين أي زوال هوية اتصالية وحدوث هويتين اتصاليتين فلا بد من أمر قابل للاتصال تارة وللاتصالين أخرى الثالث لو كان قبول الانفصال محوجا إلى المادة لاحتاجت المادة إلى مادة أخرى لا إلى نهاية ضرورة قبولها الانفصال وجوابه أن المحوج هو قبول الانفصال فيما يكون متصلا بذاته كالصورة والجسم وليست الهيولي كذلك وتحقيقه أن ما يكون متصلا في ذاته ينعدم عند ورود الانفصال فيفتقر إلى أمر لا يكون متصلا في ذاته ولا منفصلا بل يتوارد عليه الاتصال والانفصال وهو هو بعينه في الحالين يصير واحدا متصلا بعروض الوحدة والاتصال ومتعددا منفصلا بعروض الكثرة والانفصال من غير افتقار إلى أمر آخر
الرابع أن كون الاتصال جزأ من الجسم ينافي كون الجسم قابلا للاتصال والانفصال لأن الأول يستلزم انعدام الجسم عند زوال الاتصال والثاني يستلزم بقاءه عند ضرورة اجتماع القابل مع المقبول فحينئذ يتوجه أن يقال لو كان الاتصال جزأ لم يكن الجسم قابلا للانفصال وقد قلتم ببطلان اللازم أو يقال لو كان الجسم قابلا لم يكن الاتصال جزأ وقد قلتم بحقية الملزوم وهكذا في الجانب الآخر لا يقال الاتصال يطلق بالإشراك أو المجاز على امتداد جوهري هو الجزء وليس بزايل عن الجسم بل ينعدم الجسم بانعدامه وعلى عرضي هو الزائل عن الجسم وليس بجزء له بل كمية عارضة لأنا نقول الاتصال الذي يزول بطريان الانفصال إن كان هو الأول لم يكن القابل للانفصال هو الجسم لانعدامه حينئذ فيبطل قولكم في إثبات الهيولي أن الجسم قابل للاتصال والانفصال وإن كان هو الثاني لم ينعدم الجسم بانعدامه فلم يمتنع كونه قابلا للانفصال بذاته من غير افتقار إلى الهيولي لا يقال الامتداد العرضي من لوازم الجسمية فزواله بزوالها لأنا نقول الزائل امتداد مخصوص وليس بلازم واللازم امتداد ما وليس بزائل كما يرى في الشمعة من تبدل المقادير مع بقاء الجسمية بعينها لا يقال فكذلك الامتداد الجوهري لأنا نقول هذا لا يضر بالمقصود بل يفيده لأن ما يزول عنه خصوص امتداد جوهري ويطرأ آخر أن هو المعنى بالهيولي ولذا قالوا كما يتبدل المقادير على جوهر باق هو الصورة تتبدل الصور على جوهر باق هو المادة بل الجواب أن ليس معنى قبول الجسم للانفصال أنه بعينه ومع بقائه بجميع أجزائه يقبله بل أن فيه جزأ باقيا بعينه هو القابل بالحقيقة له وللاتصال الذي يقابله إما عدم الزوال بالكلية فلضرورة التفرقة بين انعدام ماء الجرة بالمرة وبين انفصاله إلى مياه جمة وإما عدم البقاء بتمام الماهية واقتصار الزوال على الهوية فلانعدام الجزء الذي هو الاتصال هذا والاتصاف أن انفصال الماء إلى المياه ليس بانعدام جوهر وحدوث آخر وأن الباقي في الحالين هو الماء بحقيقته وإن تبدل في هويته لا جزء منها هو الهيولي الخامس أن الجسم الواحد إذا انفصل إلى جسمين فإما أن تكون مادة هذا هي مادة ذاك بعينها وهو مع كونه ضروري البطلان يستلزم أن يكون الواحد بالشخص في حيزين ومتصفا بجسميتين وإما غيرها وحينئذ إما أن تكون المادتان قد كانتا موجودتين عند الاتصال فيشمل الجسم على أجزاء بالفعل بل يكون له مواد غير متناهية بحسب قبول الانقسام بل يتألف من أجسام لا تتناهى ضرورة أن كل مادة تستدعي صورة على حدة أو غير موجودتين فيلزم أن يكون انفصال الجسم انعداما له بالكلية لا بمجرد صورته الاتصالية وهو مع بطلانه يبطل مقصود الاستدلال أعني بقاء أمر قابل للاتصال والانفصال وجوابه أن المادتين كانتا موجودتين لكن بصفة الوحدة لوحدة الاتصال والآن بصفة التعدد لتعدده ولا يلزم من تعددها بعد الوحدة انعدامها وافتقارها إلى مادة أخرى لما سبق من أنها استعداد محض ليس بمتصل واحد في نفسه كما ليس بمتعدد وإنما يفرض له ذلك تبعا للصورة فمناط هذا الإشكال وإن أطنب فيه الإمام الرازي راجع إلى الثلاث وههنا إشكال آخر وهو أن المطلوب ثبوت المادة لكل جسم وهذا الدليل لا يتم في الجسم الذي يمتنع عليه الانفصال الانفكاكي كالفلك إذ قبول الانقسام الوهمي لا يستدعي قابلا في الخارج وسيجيء جوابه في فروع الهيولي ( قال وذهب الإشراقيون ) هم قوم من الفلاسفة يؤثرون طريق أفلاطون وما له من الكشف والعيان على طريقة أرسطو وما له من البحث والبرهان ذهبوا إلى أن الجسم متصل واحد في نفسه كما هو عند الحس لا تركيب فيه اصلا لا من أجزاء لا تتجزأ ولا من الصورة والهيولي بل هو مقدار جوهري لا يتغير في ذاته بتبدل المقادير العرضية عليه أعني ما يوجد بحسب ذهاب جوانب الجسم في الجهات ويسمى طولا وعرضا وعمقا مثلا المقدار الذي هو الشمعة لا يتغير عن ذلك القدر بتغير الأشكال وإنما يتغير ذهاب آحاد المقادير في الجهات فيزيد الطول على ما كان وينقص العرض أو بالعكس وكذا العمق وليس الانفصال عبارة عن زوال الاتصال بهذا المعنى أعني المقدار الجوهري بل بالمعنى الذي يعتبر بين المقدارين فلا يمتنع قبوله إياه مع بقائه بذاته ومنشأ الغلط إطلاق لفظ الاتصال على المعنيين والأجسام المتشاركة في الجسمية إنما تختلف في المقادير المخصوصة التي هي بإزاء الجسميات المخصوصة لا في المقدار المطلق الذي بإزاء الجسم المطلق ثم الجسم من حيث قبوله للهيئات المتبدلة عليه ومن حيث حصول الأنواع المختلفة منه يسمى هيولي كما تسمى تلك الهيئات من حيث تواردها عليه صورا واعترضوا على الحجة المذكورة التي هي العمدة في إثبات الهيولي بوجوه
الأول أنه إن أريد بالامتداد والاتصال الجوهر الممتد في الجهات القابل للأبعاد فلا نسلم أنه غير الجسم بالامتداد والاتصال وإن أريد ما يفهمه العقلاء من هذين اللفظين فلا نسلم أنه جوهر بل عرض ودعوى كونه جزأ من حقيقة الجسم وأول ما يدرك من جوهريته غير مسموعة والتمسك بأن ما في الشمعة امتدادا باقيا مع تبدل المقادير عليه ضعيف لأن ذلك هو مطلق الامتداد الباقي بتعاقب خصوصياته من غير ثبوت أمر سوى الخصوصيات كما يقطع ببقاء الشكل عند تبدل الأشكال مع القطع بأنه عارض وبالجملة فلا نسلم أن فيها امتدادا معينا ثابتا لا يتغير أصلا فإن قيل نعني به ذلك الأمر الذي لم ينعدم عند تبدل الأشكال والمقادير وانعدم عند انفصال الشمعة إلى الشمعتين قلنا هو ما يقابل الانفصال من اتصال الأجزاء المفروضة بعضها بالبعض وهو عرض والباقي هو الجسم نفسه وحاصل الكلام أنا لا نسلم أن الاتصال والامتداد بالمعنى الذي يقابل الانفصال ويزول بطريانه جوهر وجزء من الجسم بل لا يعقل منه إلا أمر لا قوام له بنفسه ولا غنى له عن الموضوع فلا يكون إلا عرضا غايته أنه لازم للجسم فعند زواله إلى اتصالين يصير الجسم جسمين حتى لو أمكن زواله لا إلى اتصالين انعدم الجسم بالكلية وإما بمعنى الأمر الذي شأنه الامتداد في الجهات وصحة فرض الأبعاد فلا نسلم أنه غير الجسم كيف ولا يعقل منه إلا أمر قائم بنفسه متحيز بذاته مستغن في قوامه عن المحل والتعبير عنه بالهوية الاتصالية أو المتصل بالذات أو نحو ذلك من العبارات لا يفيد الثاني أن الامتداد طبيعة واحدة فيمتنع كون بعض أفراده أو أصنافه جوهرا والبعض عرضا وإن وقع الاصطلاح على تسمية بعض الجواهر بذلك فلا نسلم أن في المتحيز جوهرا غير نفس الجسم
الثالث أنه لو كان في الجسم امتدادان أحدهما جوهري والآخر عرضي فإن فضل أحدهما على الآخر وقع القدر الذي به التفاضل لا في مادة وهو محال إذ لا عرض بدون الموضوع ولا صورة بدون الهيولي وبالجملة لا حال بدون المحل وإن لم يفضل بل تساويا في جميع الأقطار ارتفع الامتياز والإثنينية لأن امتياز أفراد الطبيعة الواحدة الحالة إنما يكون بحسب المحل وهذا مدفوع بأنهما متميزان بالحقيقة مع أن محل العرضي هو الجوهري أو الجسم ومحل الجوهري هو المادة وإن أريد عدم الامتياز في الحس فلا ضير قال وقد يستدل إشارة إلى معارضة أوردها الإمام تقريره أنه لووجدت الهيولي فإما أن يكون متحيزة أو لا وكلامهما محال أما الثاني فلامتناع حلول الجسمية المختصة بالحيز والجهة فيما ليس بمتحيز أصلا ولهذا لا يقع شك في امتناع كون بعض المجردات محلا للأجسام وأما الأول فلأن تحيزها إما أن يكون بطريق الاستقلال أو التبعية ويلزم على الأول أن تكون هي والجسمية مثلين لاشتراكهما في أخص صفات النفس أعني التحيز بالذات فيمتنع أن يجتمعا لاستحالة اجتماع المثلين وأن يختص أحديهما بالمحلية والأخرى بالحالية لأن حكم الأمثال واحد وأن تختص الجسمية بالافتقار إلى المادة بل يجب إما استغناؤهما فلا تكون الجسمية حالة في مادة أو افتقارهما فيكون للمادة مادة ويتسلسل ويلزم على الثاني أن يكون المادة صفة للجسمية حالة فيها دون العكس لأن معنى الحلول التبعية في التحيز ولأنه لو جاز العكس لجاز أن يقال الجسم صفة للون حال فيه والجواب أن عدم كون تحيزها بالاستقلال لا يستلزم وصفيتها وحلولها لجواز أن يكون ذلك باعتبار أن حلول الجسمية فيها شرط لتحيزها ولا نسلم أن كل ما يكون تحيزه مشروطا بشيء كان هو وصفا لذلك الشيء حالا فيه بل ربما يكون بالعكس على أن الاشتراك في التحيز بالاستقلال لا يستلزم تماثلهما إذ لا نسلم أن ذلك أخص صفات النفس ولو سلم فالمتماثلان إنما يتساويان في لوازم الماهية لا في كل لازم لجواز أن يكون عائدا إلى العوارض ( قال المبحث الرابع في تفاريع المذاهب ) من فروع القول بكون الجسم من الجواهر الفردة اختلافهم في أن الجوهر الفرد هل يقبل الحياة والأعراض المشروطة بها كالعلم والقدرة والإرادة فجوزه الأشعري وجماعة من قدماء المعتزلة وأنكره المتأخرون منهم وهي مسألة كون الحياة مشروطة بالبنية وقد مرت ومنها اختلافهم في أنه هل يمكن وقوع جزء على متصل الجزئين فأنكره الأشعري لاستلزامه الانقسام وجوزه أبو هاشم والقاضي عبدالجبار ومنها اختلافهم في أنه هل يمكن جعل الخط المؤلف من الأجزاء دائرة فأنكره الأشعري وجوزه إمام الحرمين وقد سبق بيانهما ومنها اختلافهم في أن الجوهر الفرد هل له شكل فأنكره الأشعري وأثبته أكثر المعتزلة كذا ذكره الإمام ونقل الآمدي اتفاق الكل على نفيه لاقتضائه محيطا ومحاطا فينقسم وإنما الخلاف في أنه هل يشبه شيئا من الأشكال فقال ا لقاضي لا وقال غيره نعم ثم اختلفوا فقيل يشبه الكرة لأن في المضلع اختلاف جوانب وقيل المثلث لأنه أبسط الأشكال المضلعة وقيل المربع لأنه الذي يمكن تركب الجسم منه بلا فرج وهذا قول الأكثرين قال الإمام والحق أنهم شبهوه بالمكعب لأنهم أثبتوا له جوانب ستة وزعموا أنه يمكن أن يتصل به جواهر ستة من جوانب ستة وإنما يكون ذلك في المكعب وقد يستدل على وجوب الشكل له بأنه متناه ضرورة فتكون له نهاية وحد يحيط به إما واحد فيكون كرة أو أكثر فيكون مضلعا ويجاب بأنه إن أريد بكونه متناهيا أنه لا يمتد إلى غير نهاية فمم ولا يلزم إحاطة حد به مغاير للمحاط وإن أريد أنه يحيط به نهاية وينتهي إلى جزء لا جزء له وراءه فممنوع بل هو نفس النهاية أعني الجزء الذي إليه ينتهي ومنها أنهم اتفقوا على أنه لا حظ له من الطول والعرض بمعنى أنه لا يتصف بشيء من ذلك وإلا لكان منقسما ضرورة وإنكار ذلك على ما نسب إلى أبي الحسين الصالحي من قدماء المعتزلة جهالة والمحكي في كلام المعتزلة عن الصالحي أنه كان يقول الجزء الذي لا يتجزأ جسم لا طول له ولا عرض ولا عمق وليس بذي نصف وأن الجسم ما احتمل الأعراض ونقل الآمدي اتفاق الكل على أن للجزء حظا من المساحة وحمله على أن له حجما ما على ما في المواقف لا يزيل الاشتباه ولزوم قبول الانقسام بل ربما كان ذلك في الحجم أظهر لأنه اسم لما له امتداد ومقدار ما بحيث إذا كان ذلك في الجهات كان جسما وإن أريد أن له مدخلا في الحجمية والمساحة حيث يزيد ذلك بزيادة الأجزاء فكذا في الطول والعرض والمذكور في كلام المعتزلة أن له حظا من المساحة ومن الطول عند ابن الراوندي واتفق أبو علي وابو هاشم على أن لا حظ له من الطول لأن مرجعه إلى التأليف الذي تذهب به الأجزاء في جهة مخصوصة ثم اختلفا فذهب أبو علي إلى أن لا حظ له من المساحة لأنها أيضا باعتبار التأليف وذهب أبو هاشم إلى أن له حظا من المساحة لأنها اسم لتحيز الجوهر وجرمه الموجب لتكاثفه عند انضمام أمثاله إليه ومنها اختلافهم في أن الجوهر الواحد هل يوصف بالجهات وفي أنه هل يجوز أن يرى وفي أنه هل يجوز أن يصير بثقل الجبل وفي أنه كم يجوز أن يلقاه من الجواهر وفي أنه هل يجوز أن يخلقه الله تعالى على الانفراد وفي أنه هل يجوز أن تحله الحركة والسكون على البدل وفي أنه هل يجوز أن تحله أعراض كثيرة وتفاصيل ذلك مذكورة في المطولات ونحن لا نبالي أن ينسب كتابنا إلى القصور بأعوزة لما لا طائل فيه ونسأل الله سبحانه لمن اجتهد في نفض ذلك الغبار عن الكلام شكر مساعيه ( قال وأما القائلون ) ذكر الإمام أن القائلين بكون الجسم من أجزاء صغار قابلة للانقسام الوهمي دون الفعلي اختلفوا في أشكالها فذهب الأكثرون إلى أنها كرات لبساطتها والتزموا القول بالخلاء وقيل مكعبات وقيل مثلثات وقيل مربعات وقيل على خمسة أنواع من الأشكال فللنار ذو أربع مثلثات وللأرض مكعب وللهواء ذو ثماني قواعد مثلثات وللماء ذو عشرين قاعدة مثلثات وللفلك ذو اثني عشر قاعدة مخمسات وذكر في الشفاء أنهم يقولون أنها مختلفة الأشكال وبعضهم يجعلها الأنواع الخمسة ( قال ثم المشهور من الطائفتين ) أي القائلين بكون الجسم من أجزاء لا تنقسم أصلا والقائلين بأنها تنقسم وهما لا فعلا أنها متماثلة أي جوهرها واحد بالطبع في جميع الأجسام فاختلاف الأجسام إنما يكون بحسب الأعراض دون الماهيات واختلاف الأعراض مستند عند المتكلمين إلى الفاعل المختار وعند الآخرين إلى اختلاف الأشكال الأجزاء على ما صرح به في الشفاء وهل يلزم أن يكون بعض تلك الأعراض داخلا في حقيقة الجسم فتكون عوارض للأجزاء وذاتيان للأجسام فيتحقق اختلافها بحسب الماهية فيه كلام سيجيء إن شاء الله
( قال وأما القائلون 6 ) ذكر من فروع القول بتركب الجسم من الهيولي والصورة خمسة الأول ثبوت ذلك لكل جسم وإن لم يكن قابلا للانفصال الانفكاكي كالفلكيات وذلك لأن الجسمية أعني الامتداد الجوهري طبيعة نوعية إذ لا تختلف حيث تختلف إلا بالعوارض والمشخصات دون الفصول وقد ثبت أنها فيما يقبل الانفصال الانفكاكي مفتقرة إلى المادة نظرا إلى ذاتها الاتصالية من غير اعتبار بالتشخصات والأسباب الخارجة فكذا فيما لا يقبله لأن لازم الماهية لا يختلف ولا يتخلف وتحقيق ذلك ما ذكر في الشفاء أن جسمية إذا خالفت جسمية أخرى تكون لأجل أن هذه حارة وتلك باردة وهذه لها طبيعة فلكية وتلك لها طبيعة عنصرية وهي أمور تلحق الجسمية من خارج فإن الجسمية في الخارج موجودة والطبيعة الفلكية موجودة أخرى وقد انضاف إلى تلك الطبيعة القائمة المشار إليها هذه الطبيعة الأخرى في الخارج بخلاف المقدار الذي هو ليس في نفسه شيئا محصلا ما لم يتنوع بأن يكون خطا أو سطحا إذ ليست المقدارية موجودة والخطية موجودة أخرى بل الخطية نفسها هي المقدارية المحمولة عليها فالجسمية مع كل شيء بفرض بشيء متقرر هو جسمية فقط من غير زيادة وأما المقدار فلا مقدار فقط بل لا بد من فصول حتى يوجد ذاتا متقررة إما خطا أو سطحا فإن قيل لا خفاء ولا خلاف في أن الجسم جنس تحته أنواع بل أجناس وإنما الكلام في أنه جنس عال أو فوقه جنس الجوهر فكيف يصح القول بأن الجسمية طبيعة نوعية ثم أي حاجة إلى ذلك في إثبات المطلوب ومعلوم أن لوازم الطبيعة الجنسية أيضا لا يختلف ولا يتخلف قلنا فرق بين الجسم الذي يؤخذ أمرا مبهما لا يتحصل إلا بما ينضاف إليه من الفصول وبين الجسمية المتحصلة في الخارج بحكم الحس واحتيج إلى بيان نوعيتها ليعلم أن احتياجها إلى المادة كما أنه ليس من جهة تشخصها أعني كونها هذه الجسمية أو تلك التخصص بالبعض دون البعض كذلك ليس من جهة فصول بعض الأقسام أو ما هيأتها بأن تكون الجسمية طبيعة جنسية تحتها جسميات مختلفة الخفايق بالفصول ممكنة الافتراق في اللوازم كالحيوانية أو عرضا عاما لجسميات كذلك كالوجود نعم يرد بعد تسليم ما ذكر في بيان نوعيتها أنه لم لا يجوز أن يكون ذلك من جهة بعض العوارض كقبول الانفصال الانفكاكي فلا يجري فيما لا يقبله كالفلكيا وقد أشير في الإشارات إلى الجواب بأن قبول الجسمية للانفصال مع امتناع بقائها معه معرف لاحتياجها في ذاتها إلى المادة فيفتقر إليها حيث كانت يعني أنه ليس علة للاحتياج ليختص الاحتياج بما يقبل الانفصال بل علة للتصديق بالاحتياج الذاتي فيعم ولا خفاء في توجه المنع وقد تقرر عموم الهيولي للأجسام بأن كل جسم فهو بالنظر إلى ذاته وامتداده ومقداره قابل للانفصال الانفكاكي وإن امتنع ذلك لأمر زائد لازم كالصورة الفلكية أو غير لازم كغاية الصغر والصلابة وفي شرح الإشارات ما يشعر بأن قبول الانفصال الوهمي كاف في إثبات المادة إذ لا يقال للاتصال مع الانفصال فلا بد من قابل باق واعترض بأن الانفصال الوهمي إنما يرفع الاتصال في الوهم دون الخارج فلا يلزم وجود الهيولي في الخارج على ما هو المطلوب وأجيب بأن معنى إمكان الانفصال الوهمي هو أن يكون الجسم بحيث يصح حكم الوهم بان فيه شيئا غير شيء وجزأ دون جزء لا من الأحكام الكاذبة الوهمية بل الصادقة المبنية على إمكان جزء غير جزء في نفس الأمر وهو معنى إمكان الانفصال الخارجي وحاصله أن القسمة الوهمية وإن لم تستلزم الانفكاكية لكن قبولها يستلزم قبولها وهو يستلزم ثبوت المادة في نفس الأمر ( قال الثاني 2 )
من فروع القول بالهيولي أنها تمتنع أن توجد مجردة عن الصورة لأنها حينئذ إما أن تكون ذات وضع أو لا والمراد بالوضع ههنا كون بحيث يمكن أن يشار إليه بأنه هنا أو هنالك فإن كانت ذات وضع كان جسما لكونه جوهرا الشيء متحيزا قابلا للانقسام في الجهات لما علم في بحث نفي الجزء من أنه يمتنع أن يوجد جوهر متحيز لا ينقسم أصلا بمنزلة النقطة أو ينقسم في جهة دون جهة بمنزلة الخط أو السطح وإنما لم يقل كان جسما أو حالا في جسم كالأعراض والصور لأن الكلام في جوهر قابل للصور وإن لم تكن ذات وضع ولا محالة تصير محلا للصورة في الجملة فعند حلول الصورة إما أن تكون في جميع الاحياز أو لا تكون في حيز أصلا وكلاهما باطل بالضرورة أو تكون في بعض الاحياز وهو تخصيص بلا مخصص لأن نسبة الصورة الجسمية إلى جميع الاحياز على السوية فإن قيل لعل معها صورة نوعية تقتضي الاختصاص قلنا فننقل الكلام إلى خصوصية ذلك المظهر أعني الصورة النوعية دون سائر المظاهر ثم تعين هذا الحيز من بين الأحياز التي هي أجزاء حيز كلية ذلك النوع ولا يرد النقض بهذا الجزء من الأرض مثلا حيث يخصص بهذا الجزء من جزء الأرض لجواز أن يكون ذلك بسبب صورة سابقة مقتضية لهذا الوضع المقتضي بهذا الحيز كما إذا صار جزء من الهواء ماء ثم أرضا فإنه ينزل على استقامة إلى أن يقع في حيز من الماء ثم الأرض وسيجي لهذا زيادة بيان وكذا الكلام في وجه اختصاص المادة بما لها من الصورة النوعية على ما نفصله في الفرع الخامس فلا يرد النقض به نعم يتوجه أن يقال لم لا يجوز أن تكون للهيولي المجردة أوصاف وأحوال غير الصور والأوضاع تعدها الاختصاص عند التجسم ببعض الأوضاع والأحياز على التعيين وأما الدفع بإسناد الاختصاص إلى القادر المختار على ما ذكره الإمام فلا يتأتى على أصول القائلين بالهيولي ( قال الثالث امتناع الصورة بدون الهيولي 9 )
ولهم في بيان ذلك وجود أخصرها أنها لو وجدت مجردة لكانت مستغنية في ذاتها عن المحل فيمتنع حلولها فيه لأن ما بالذات لا يزول وأنها تستلزم قبول الانقسام الوهمي المستلزم لقبول الانقسام الانفكاكي المستلزم للمادة ورد الأول بأنه يجوز أن لا تقتضي ذاتها التجرد عن المادة ولا الحلول فيها بل كل منهما يكون لأمر من خارج والثاني بمنع استلزام قبول الانقسام الوهمي الانفكاكي وقد مر الكلام فيه وأشهرها أن الصورة الجسمية مستلزمة للشكل وهو مستلزم للمادة أما الأول فلما سيجيء من تناهي الامتدادات ولا نعني بالشكل إلا هيئة إحاطة نهاية أو نهايات وأما الثاني فلان حصول الشكل لو لم يكن بمشاركة من المادة ولم يكن لها دخل في ذلك فإما أن تكون بمجرد الطبيعة الامتدادية فيلزم تساوي الأجسام في الأشكال أو بحسب فاعل من خارج فيتوقف اختلاف المقادير والأشكال على اتصال وانفصال وعلى قبول وانفعال وقد سبق أن ذلك بدون المادة محال واعترض بوجهين أحدهما منع لزوم الانفصال فإنه قد تختلف المقادير والأشكال بدون الانفصال كما في تبدل مقادير الشمعة وأشكالها مع أن امتدادها بحالها وإن أريد أن إمكان الانفصال الوهمي مستلزم لإمكان الانفكاك المحوج إلى المادة على ما مر كان باقي المقدمات مستدركا في البيان وهو وإن لم يكن قادحا في الغرض لكن لا كلام في استقباحه في دأب المناظرة سيما إذا كان بعض المقدمات المستدركة في غاية الخفاء كتناهي الأبعاد وثانيهما النقض بكل بسيط من الفلكيات والعنصريات حيث كانت طبيعة الكل والجزء واحدة مع أن الجزء ليس على شكل الكل ومقداره وأجيب عن الأول بوجهين أحدهما أن المراد لزوم أحد الأمرين أعني الانفصال كما في تشكلات الماء تجعله مياها أو مجرد الانفعال كما في الشمع وكل منهما يستلزم المادة على ما سبق من برهاني الانفصال والانفعال مع ما عليهما من الأشكال ولا خفاء في أن هذا مع كونه مخالفا لظاهر تقرير القوم مشتمل على استدراك لأن إمكان الانفعال لازم قطعا فلا معنى لضم الانفصال إليه وجعل اللازم أحدهما ولا ينبغي أن يحمل على هذا المعنى عبارة شرح الإشارات حيث قال هذا الاعتراض ليس بقادح في الغرض لأنا لم نجعل لزوم المحال مقصورا على لزوم الفصل والوصل بل عليه وعلى لزوم الانفعال وإنما معناها أنا رتبنا لزوم المحال على لزوم الانفصال ولزوم الانفصال جميعا فإن ثبت كلا اللزومين فذاك وإلا فلا خفاء في لزوم الانفعال وهو كاف في لزوم المادة وثانيهما أن ليس المراد انفصال الجسم في نفسه بل انفصال الأجسام بعضها عن بعض لمعنى عدم الاتصال عما من شأنه الاتصال فإن هذا هو المحوج إلى المادة لا مجرد التمايز والافتراق وللتنبيه على هذا المعنى تعرضوا مع الانفصال للاتصال وإلا فلا دخل لاتصال الأجسام بعضها ببعض في اختلاف أشكالها ومقاديرها وعلى هذا يحمل ما قال في شرح الإشارات أن المغابرة بين الأجسام لا تتصور إلا بانفصال بعضها عن بعض واتصال بعضها ببعض وذلك مستلزم للمادة ولما لاح على هذا الطريق أثر الضعف بناء على الهم بنوا ثبوت الماد ة على إمكان الاتصال والانفصال في الجسم نفسه حتى لو لم يوجد إلا جسم واحد كان كذلك لا الاتصال والانفصال فيما بين الأجسام وإن دعوى إمكان الاتصال فيما بين كل جسمين حتى الفلك والغنصر بحسب الطبيعة الجسمية ربما لا يسمع عدل إلى طريق الانفعال فقال وبالجملة لا يمكن أن يحصل الاختلافات المقدارية والشكلية عن فاعلها في الامتداد إلا بعد أن يكون فيه قوة الانفعال المقتضية للمادة وأجيب عن القض أيضا بوجهين أحدهما أن هناك مادة تقبل الكلية والجزئية لقبولها بذاتها الاتصال والانفصال فيعود اختلاف الشكل والمقدار فيما بين الكل والجزء إلى اختلاف القابل وإن كان الفاعل واحدا هو الصورة النوعية بخلاف الصورة الجسمية إذا فرضناها مجردة عن المادة فإنه لا يتصور فيها ذلك لأن حصول الجزئية بالانقسام والكلية بالالتئام من لواحق المادة وثانيهما أن هناك مانعا هو الجزئية فإنه لما حصل للكل ذلك الشكل والمقدار امتنع بالضرورة حصوله للجزء مادام الجزء جزأ والكل كلا ولا يتصور ذلك في الصورة المجردة عن المادة وهذا عائد إلى الأول إلا أنه يرد عليه أن الجزء وإن امتنع كونه على مقدار الكل لا يمتنع كونه على شكله كتدوير الفلك وحامله والمقصود بالنقض هو الشكل وإنما المقدار استطراد وجوابه أن الجزئية تمنع لزوم كون الجزء على شكل الكل ضرورة امتناع كرية جميع أجزاء الكرة وهذا كاف في دفع النقض على أن مقتضى عدم التعدد في الفاعل والقابل هو أن يكون شكل الجزء والكل واحد بالشخص ولا خفاء في أن الجزئية تمنع ذلك
( قال الرابع 6 ) قد ثبت امتناع كل من الهيولي والصورة بدون الأخرى فاحتيج إلى بيان ذلك على وجه لا يدور وذلك أن الهيولي يحتاج في بقائها إلى صورة لا بعينها وتبقى محفوظة بصور متواردة كالسقف يبقى بدعائم تزال واحدة وتقام أخرى نعم قد يلزم صورة واحدة لأسباب خارجية كما في الفلك والصورة تحتاج في تشخصها إلى الهيولي المعينة التي هي محلها لما علم من أن تشكلها إنما يكون بالمادة وما يتبعها من العوارض وليست الصورة علة للهيولي لكونها حالة فيها محتاجة إليها ولكونها مقارنة لما هو متأخر عن الهيولي أعني التناهي والتشكل التابعين للمادة ولكونها جائزة الزوال إلى صورة أخرى مع بقاء الهيولي بعينها ولا يعقل في الشيء المعين أن تكون علته شيئا لا بعينه وليست الهيولي علة للصورة لما تقرر عندهم من أن القابل لا يكون فاعلا ومن أن الهيولي لا تقوم بالفعل إلا بالصورة فتكون محتاجة إليها في الوجود متأخرة عنها ولأنها قابلة لصور غير متناهية فلا تكون علة لشيء منها لعدم الأولوية وأن انضم إليها ما يفيد الأولوية لم يكن للهيولي إلا القبول والحق أن بيان كيفية تعلق الهيولي بالصورة وامتناع علية إحداهما للأخرى ووجوب تقدم الصورة على الهيولي من حيث هي صورة ما وتأخرها عنها من حيث هي صورة مشخصة على وجه يندفع عند ماسخ عليه من الإشكالات عسر جدا والمتأخرون قد بذلوا فيه المجهود وبلغوا مداه ولو علمنا فيه خير إلا وردناه ( قال الخامس 7 )
من تفاريع القول بالهيولي والصورة إثبات صور نوعية هي مبادي اختلاف الأنواع بالآثار وبيانه أنه لا خفاء في أن للأجسام آثارا مختلفة كقبول الانفكاك والالتيام بسهولة كما في الماء أو بعسر كما في الأرض أو امتناع عن ذلك كما في الفلك وكالاختصاص بمالها بحسب طبعها من الأشكال والأمكنة والأوضاع وليس ذلك بمجرد الجسمية المشتركة ولا الهيولي القابلة وهو ظاهر ولا بأمر مفارق لتساوي نسبته إلى جميع الأجسام ولأن الكلام في آثار الأجسام فيلزم الخلف فتعين أن تكون بأمور مختصة مقارنة ويجب أن تكون صور إلا أعراضا لأنا ننقل الكلام إلى أسباب تلك الأعراض فيتسلسل ولأن تنوع الأجسام وتحصلها موقوف على الاتصاف بتلك الأمور ومن المحال تقوم الجوهر بالعرض واعترض بأن الترديد المذكور يجري في اختصاص كل جسم بماله من الصورة وقرره الإمام بأن اختصاص الجسم بهذه الصورة مثلا لو كان لأجل صورة أخرى فإما أن يكون ذلك على طريق المساوقة فيلزم استناد كل صورة إلى صورة لا إلى نهاية أو على طريق المسابقة بأن تستند الصورة الحاصلة في الحال إلى صورة سابقة عليها فيندفع أصل الاحتجاج لجواز أن يستند كل عرض إلى عرض سابق عليه فأجاب بأنه على طريق المسابقة ويمتنع مثله في الأعراض لأنها مستندة إلى مبادي موجودة في الأجسام تعيدها عند زوالها بالقسر لوجهين أحدهما أن الماء المسخن بالنار يعود باردا فلو لا أن في جسم الماء شيئا محفوظ الذات عند ملاقاة النار لما كان كذلك بخلاف الصورة المائية فإنها إذا زالت إلى الهوائية لا تعود بالطبع وثانيهما أن كيفيات العناصر تنكسر صرافتها عند الامتزاج ولا كاسر سوى الصورة لما سيجيء في بحث المزاج وأنت خبير بأن هذا إنما يتم لو ثبت أن كل عرض كذلك أي بحيث أن يعود بعد الزوال وينكسر عند الامتزاج وإلا فيجوز أن تكون الأعراض التي كذلك مستندة إلى أمور محفوظة هي أعراض يستند كل منها إلى عرض قبله وهكذا إلى غير النهاية كالصور ولذا قال إمام في موضع آخر أن الذي حصل بالدليل هو استناد هذه الأعراض من الأين والكيف وغيرهما إلى قوى موجودة في الجسم وأما أنها صور لا أعراض فلا بل الأقرب عندنا أنها من قبيل الأعراض والحاصل أنه كما لا يمتنع تعاقب الصور على الإطلاق لا يمتنع تعاقب الأعراض التي يستند إليها ما يعود بعد الزوال فيكون كل سابق معدا للأحق ويرجع اختلافها إلى اختلاف الاستعدادات وإن كان المبدأ واحدا وقد يقال نحن نعلم بالضرورة أن ههنا آثارا صادرة عن الأجسام كالإحراق للنار والترطيب للماء فلو لم يكن فيها إلا الهيولي والصورة الجسمية لما كان كذلك فلا بد فيها من أمور هي مبادي تلك الآثار ولا خفاء في أن الأجسام إنما تختلف بحسب آثارها المخصوصة بنوع نوع فتنوعها وتحصلها إنما يكون باعتبار تلك المبادي فتكون صورا لا أعراضا لامتناع تقوم الجوهر بالعرض وحينئذ يندفع ما يقال لم لا يجوز أن تكون تلك الآثار مستندة إلى الفاعل المختار أو يكون لبعض المفارقات خصوصية بالقياس إلى بعض الأجسام دون بعض أو يكون اختلاف الآثار عن المفارق بحسب اختلاف استعدادات الأجسام وهيولياتها وبهذا يظهر أنه يكفي في إثبات الصور النوعية أن يقال نحن نقطع باختلاف حقيقتي الماء والنار مع الاشتراك في المادة والصورة الجسمية فلا بد من الاختلاف بمقوم جوهري نسميه الصورة النوعية ويرد على التقريرين بعد تسليم اختلاف الأجسام بالحقيقة وكون الآثار صادرة عنها وكون هيولياتها متفقة الحقيقة وكذا صورها الجسمية أنا لا نسلم لزوم كون ما به الاختلاف جوهرا حالا في الهيولي ليكون صورة ولم لا يجوز أن يكون عرضا قائما بأحد جزئيه لا بالجسم نفسه ليدفع بأن العرض الحال في الجسم متقوم به متأخر عنه فلا يكون مقوما له متقدما عليه أو يكون جوهرا غير حال في مادته فلا يكون صورة ويكون الاحتياج فيما بينه وبين الجزئين الآخرين على وجه آخر غير الحلول والحق أن إثبات الصور الجوهرية سيما النوعية عسير وأن الذي يعلم قطعا هو أن الماء والنار مثلا مختلفان بالحقيقة مع الاشتراك في الجسمية كالإنسان والفرس في الحيوانية وأما أن في كل منهما جوهرا لا يختلف بالحقيقة هو المادة وآخر كذلك حالا في الأول هو الصورة الجسمية وآخر مختلف بالحقيقة حالا فيه أيضا هو الصورة النوعية وهكذا في سائر مراتب امتزاج العناصر إلى أن تنتهي إلى النوع الأخير كالإنسان مثلا فيكون في مادته جواهر كثيرة هي صور العناصر والأخلاط والأعضاء وآخرها صورة نوعية إنسانية حالة غير النفس الناطقة المفارقة فلم يثبت بعد وما يقال أن الأجزاء العقلية إنما تؤخذ من الأجزاء الخارجية فلا بد في اختلاف أنواع الجنس الواحد من صور مختلفة الحقيقة هي مأخذ الفصول ليس بمستقيم لأنهم جعلوا العقول والنفوس أنواعا بسيطة من جنس الجوهر ولأن الجزء الخارجي قد لا يكون مادة ولا صورة كالنفس الناطقة اللهم إلا بمحجر التسمية ووقع في ديباجة الأخلاق الناصرية ما يشعر بأن على الصورة الإنسانية طراز عالم الأمر أي المجردات وكأنه أراد أنها لغاية قربها من الكمالات وأعدادها البدن لقبول تعلق النفس به شبيهة بالمجردات وإن كانت حالة في المادة أو أراد بكونها من عالم الأمر أن وجودها دفعي لا كالهيولي وما لها من الأطوار في مدارج الاستكمال والاستعداد وأما ما يقال من أنه أراد بها النفس الناطقة بدليل استشهاده بقوله تعالى ينزل الملائكة بالروح من أمره فيكذبه تصريحه بأنها سبب لاستعداد البدن لتعلق النفس به وأن النفس مبدأ لوجودها
( قال المبحث الخامس 2 ) بعد الفراغ من بيان حقيقة الجسم أخذ في بيان أحكامه فمنها أن الأجسام متماثلة أي متحدة الحقيقة وإنما الاختلاف بالعوارض وهذا أصل يبتنى عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار وكثير من أحوال النبوة والمعاد فإن اختصاص كل جسم بصفاته المعينة لا بد أن يكون بمرجح مختار إذ نسبة الموجب إلى الكل على السواء ولما جاز على كل جسم ما يجوز على الآخر كالبرد على النار والحرق على الماء ثبت جواز ما نقل من المعجزات وأحوال القيامة ومبني هذا الأصل عند المتكلمين على أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفردة وأنها متماثلة لا يتصور فيها اختلاف حقيقة ولا محيص لمن اعترف بتماثل الجواهر واختلاف الأجسام بالحقيقة من جعل بعض الأعراض داخلة فيها وقد يستدل بأن الأجسام متساوية في التحيز وقبول الأعراض وذلك من أخص صفات النفس وبأن الجسم ينقسم إلى الفلكي والعنصري بما لهما من الأقسام ومورد القسمة مشترك وبأن الأجسام يلتبس بعضها ببعض على تقدير الاستواء في الأعراض ولولا تماثلها في نفسها لما كان كذلك والكل ضعيف ومن أفاضل الحكماء من توهم أن المراد بتماثلها اتحادها في مفهوم الجسم وإن كانت هي أنواعا مختلفة مندرجة تحته فتمسك بأن الحد الدال على ماهية الجسم على اختلاف عباراتهم فيه واحد عند كل قوم من غير وقوع قسمة فيه فلذلك اتفق الكل على تماثله فإن المختلفات إذا جمعت في حد واحد وقع فيه التقسيم ضرورة كما يقال الجسم هو القابل للأبعاد الثلاثة أو المشتمل عليها فيعم الطبيعي والتعليمي ومنشأ هذا التوهم استبعاد أن يذهب عاقل إلى أن الماء والنار حقيقة واحدة لا تختلف إلا بالعوارض كالإنسان دون الفصول والمنوعات الحيوان كيف ولم يسمع نزاع في أن الجسم جنس بعيد ثم قال وقول النظام بتخالفها لتخالف خواصها إنما يوجب تخالف الأنواع لا تخالف المفهوم من الحد ( قال ومنها 2 ) أي من أحكام الأجسام أنها باقية زمانين وأكثر بحكم الضرورة بمعنى أنا نعلم بالضرورة أن كتبنا وثيابنا وبيوتنا ودوابنا هي بعينها التي كانت من غير تبدل في الذوات بل أن كان ففي العوارض والهيئات لا بمعنى أن الحس يشاهدها باقية ليرد الاعتراض بأنه يجوز أن يكون ذلك بتجدد الأمثال كما في الأعراض وقد يفهم من البقاء الدوام وامتناع الفناء وعليه يحمل ما قال في التجريد أن الضرورة قاضية ببقاء الأجسام وتبين بأن غاية أمرها التفرق والانقسام وهو لا يوجب الانعدام وأنت خبير بأن دعوى الضرورة في ذلك في غاية الفساد كيف وقد صرح بجوازه في بحث المعاد واستدل على جواز العدم تارة بالحدوث فإن العدم السابق كالعدم اللاحق لعدم التمايز وقد جاز الأول فكذا الثاني وتارة بالإمكان فإن معناه جواز كل من الوجود والعدم نظرا إلى الذات وأجيب بأن هذا لا ينافي الامتناع بالغير على ما هو المتنازع فإنه يجوز أن يكون الشيء في ذاته قابلا للعدم السابق واللاحق جميعا ويمتنع أحدهما أو كلاهما لعلة والحاصل أن الحدوث لا ينافي إلا بدية كما في النفس الناطقة على رأي أرسطو والأمكان لا ينافي الأبدية ولا الأزلية كما في القدماء الزمانية دون الذاتية على رأي الفلاسفة وقد يستدل بنحو قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وكل من عليها فان وغير ذلك من العمومات مع القطع بأن الهلاك والفناء في المركبات وإن جاز أن يكون بانحلال التركيب وزوال الصور لكن في البسائط وأجزاء الجسم من الجواهر الفردة أو الهيولي والصورة لا يتصور إلا بالانعدام ( قال وحين اقتضت 3 )
يعني أن ما ذكر في عدم بقاء الأعراض من أنها لو بقيت لامتنع فناؤها لما كان جاريا في الأجسام أيضا على ما سبق اعتبر النظام قيام الدليل على صحة فنائها فالتزم أنها لا تبقى زمانين وإنما تتجدد بتجدد الأمثال كالأعراض قولا بانتفاء الملزوم لانتفاء اللازم والكرامية قضاء الضرورة ببقائها فالتزموا امتناع فنائها قولا بثبوت اللازم لثبوت الملزوم وقد سبق في بحث امتناع بقاء العرض بطلان دليل هذه الملازمة فاندفع ما ذكره الفريقان مع إمكان التفصي عن النقض بأنه يجوز أن تفنى الأجسام بعد بقائها بأن لا يخلق الله تعالى فيها الأعراض التي يكون بقاء الجسم محتاجا إليها مشروطا بها كالأكوان وغيرها على ما ذهب إليه القاضي وإمام الحرمين أو بأن لا يخلق فيها العرض الذي هو البقاء كما قال الكعبي أو بأن يخلق فيها عرضا هو الفناء إما متعددا كما قال أبو علي أنه تعالى يخلق لكل جوهر فناء وإما غير متعدد كما قال غيره أن فناء واحدا يكفي لإفناء كل الأجسام وزعم بعضهم أن قول النظام بعدم بقاء الأجسام مبني على أن الجسم عنده مجموع أعراض والعرض غير باق وقد نبهناك على أن ليس مذهبه أن الجسم عرض بل أن مثل اللون والطعم والرائحة من الأعراض الأجسام قائمة بأنفسها وأما الفلاسفة فلا نزاع لهم في فناء الأجسام بزوال الصور النوعية والهيئات التركيبية وإنما النزاع في فنائها بالكلية أعني الهيولي والصورة الجسمية ومبني ذلك عندهم على اعتقاد أزليته المستلزمة لأبديته فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه وسيرد عليك شبههم بأجوبتها ( قال ومنها أن الجسم لا يخلو عن شكل 8 ) لأنه متناه على ما سيجيء وكل متناه فله شكل إذ لا معنى له سوى هيئة إحاطة النهاية بالجسم وأما الافتقار إلى الحيز بمعنى فراغ يشغله فضروري وإنما يذكر هو وأمثاله من الأحكام الضرورية في المباحث العلمية من حيث يفتقر إلى تنبيه أو زيادة تحقيق وتفصيل أو تعقيب تفريع أو يقع فيه خلاف من شرذمة ثم استناد خصوصيات الأشكال والأحياز إلى القادر المختار هو المذهب عندنا كما سيجيء وذهبت الفلاسفة إلى أن لكل جسم شكلا طبيعيا وحيزا طبيعيا لأنه عند الخلو عن جميع القواسر والأسباب الخارجة يكون بالضرورة على شكل معين في حيز معين وهو المعنى بالطبيعي وعلى هذا ألا يرد الاعتراض بأنه يجوز أن يقتضي شكلا ما وحيزا ما ككل جزء من أجزاء الأرض وتستند الخصوصية إلى سبب خارج كإرادة القادر المختار لا يقال لعل من الأسباب ما هو من لوازم ماهيته فيكون فرض الخلو عنه فرض محال فيجوز أن يستلزم محالا هو الخلو عن الشكل والحيز لأنا نقول ما يقتضيه لازم الماهية يكون طبيعيا لا قسريا وهو ظاهر ولم يريدوا بالحيز ههنا المكان بمعنى السطح الباطن من الحاوي حتى يرد الاعتراض بأن الجسم قد لا يكون له محل كالمحدد فضلا عن أن يكون طبيعيا ولا الفراغ الذي يشغله الجسم لما قال ابن سينا إن كل جسم له حيز طبيعي فإن كان ذا مكان كان حيزه مكانا وقال أيضا لا جسم إلا وله حيز إما مكان وإما وضع ترتيب فإن قيل الاختصاص بالحيز الطبيعي كما أنه ليس معللا بالأسباب الخارجية كذلك ليس معللا بالجسمية ولوازمها بل لا بد من خصوصية فينقل الكلام إليها ويتس قلنا قد سبق في بحث الصور النوعية ما يزيل هذا الإشكال واتفقوا على أن الحيز الطبيعي لا يكون إلا واحدا لأن مقتضى الواحد واحد ولأنه لو تعدد فعند عدم القاسر إما أن يحصل فيهما وهو مح بالضرورة أو في أحدهما فلا يكون الآخر طبيعيا وأيضا إذا بقي خارجا بالقسر فعند زوال القاسر إما أن بتوجه إليهما وهو مح أو إلى أحدهما وفيه ميل عن الآخر فيصير المط بالطبع مهروبا بالطبع أو لا يتوجه إلى شيء منهما فلا يكون شيء منهما طبيعيا لا يقال يجوز أن يكون الحصول في أحدهما أو الميل إليه بحسب ما يتفق من الأسباب المخصصة مانعا من الآخر لأنا نقول الكلام فيما إذا فرض خاليا عن جميع الأسباب الخارجة نعم يرد عليه أنه يجوز أن لا يحصل في أحدهما ولا يتوجه إليه لامتناع الترجح بلا مرجح وكون كل مانعا من الآخر بل يبقى حيث وجد وجعل صاحب المواقف إثبات الحيز الطبيعي من فروع القول بالهيولي نظرا إلى أن القائلين بالجزء يجعلون الأجسام متماثلة لا تختلف إلا بالعوارض
( قال ومنها أنه يمتنع 4 ) اعلم أن ظاهر مذهبي المنع والتجويز ليسا على طرفي النقيض لأن حاصل الأول وهو مذهب أكثر المتكلمين أنه يجب أن يوجد في كل جسم أحد الضدين من كل عرض أي من كل جنس من أجناس الأعراض إذا كان قابلا له كذا في نهاية العقول وقال إمام الحرمين مذهب أهل الحق أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضدادها إن كان له أضداد وعن أحد الضدين إن كان له ضد وعن واحد من جنسه إن قدر عرض لا ضد له ولا خلاف في امتناع الحلو عن الأعراض بعد قبولها وحاصل الثاني أنه يجوز أن لا يوجد فيه شيء من الأعراض أما في الأزل كما هو رأي الدهرية القائلين بأن الأجسام قديمة بذواتها محدثة بصفاتها وأما فيما لا يزال كما هو رأي الصالحية من المعتزلة فرجع الأول إلى إيجاب كلي والثاني إلى سلب كلي والأشبه هو الإيجاب الجزئي بمعنى أنه يجب أن يوجد في كل جسم شيء من الأعراض إلا أن القائلين بالتفصيل منهم من خصه بالألوان بمعنى أنه يجب أن يوجد فيه شيء من الألوان وهم المعتزلة البعدادية ومنهم من خصه بالأكوان بمعنى أنه يجب أن يوجد فيه الحركة أو السكون والاجتماع أو الافتراق وهم البصرية واحتجاج المانعين بأن الجسم متحقق في الزمان ومتكثر بالعدد فلايخ عن حركة أو سكون واجتماع أو افتراق على تقدير تمامه إنما يفيد هذا الإيجاب الجزئي لا الإيجاب الكلي المدعى نعم يصلح للرد على القائلين بالسلب الكلي وعلى البغدادية القائلين بجواز الخلو عما عدا الألوان وكذا احتجاجهم بأن الشيء لا يوجد بدون التشخص ضرورة وتشخص الأجسام إنما هو بالأعراض لكونها متماثلة لتألفها من الجواهر المتماثلة فلو وجدت بدون الأعراض لزم وجود الغير التشخص وهو محال لا يفيد العموم أعني امتناع الجسم بدون أحد الضدين من كل عرض لأن البعض كاف في التشخص نعم يفيد عموم الأوقات أعني الأزل وما لا يزال بخلاف الأول فإنه ربما يمنع امتناع خلو الجسم في الأزل عن الحركة والسكون بل إنما يكون ذلك في الزمان الثاني والثالث وعن الاجتماع والافتراق بل إنما يكون ذلك على تقدير تحقق جسم آخر فيحتاج في التعميم إلى قياس ما قبل الاتصاف أعني الأزل على ما بعده أعني ما لايزال كإيقاس بعض الأعراض على البعض تعميما للدليلين في جميع الأعراض وتقريره أن اتصاف الجوهر بالعرض إما لذاته وإما لقابليته له ونسبة كل منهما إلى جميع الأعراض والأزمان على السوية والجواب منع المقدمتين واحتج القائلون بجواز خلو الجسم عن الضد ين في الجملة بوجوه الأول أنه لو لم يجز لكان الباري تعالى مضطرا عند خلق الجسم إلى خلق العرض وهو ينافي الاختيار والجواب أن عدم القدرة على المح كوجود الملزوم بدون اللازم لا يوجب العجز وسلب الاختيار الثاني أنه لو لم يجز خلو الجسم عن الاجتماع والافتراق لما جاز أن يخلق الله تعالى جسما هو أول الأجسام بحسب الزمان واللازم قطعي البطلان الثالث أنه لو لم يجز خلوه عن جميع الألوان لما وقع وقد وقع كالهواء لا يقال لا نسلم خلوه عن اللون بل غايته عدم الإحساس به لأنا نقول عدم الإحساس بما من شأنه الإحساس به مع سلامة الحاسة وسائر الشرائط دليل على عدمه فإن قيل من جملة الشرائط انتفاء المانع وتحققه ممنوع قلنا فتح هذا الباب يؤدي إلى جواز أن يكون بحضرتنا جبال شامخة وأصوات هائلة ولا ندركها لمانع وقد يجاب بأن الشفيف ضد اللون لا عدم ( قال ومنها أنها متناهية الأبعاد 3 )
جعل هذا من أحكام الأجسام نظرا إلى أن البعد الجسمي هو المتحقق بلا نزاع بخلاف الخلاء ونقل القول بلا تناهي الأبعاد عن حكماء الهند وجمع من المتقدمين وأبي البركات من المتأخرين والمشهور من أدلة المانعين ثلثة الأول برهان المسامتة وتقريره ظاهر من المتن وإنما اعتبر حركة الكرة لأن الميل من الموازاة إلى المسامتة هناك في غاية الوضوح لا يتوقف فيه العقل بل يكاد يشهد به الحس ومعنى موازاة الخطين أن لا يتلاقيا ولو فرض امتدادهما لا إلى نهاية والمسامتة بخلافها وإنما اعتبر النقطة بحسب الوهم لأن ثبوتها بالفعل غير لازم ما لم ينقطع الخط بالفعل وفيما أوردنا من تقرير البرهان إشارة إلى دفع اعتراضات نورد عليه فمنها منع لزوم أول نقطة المسامتة مستند بما ذكرنا في باين استحالة اللازم وتقريره على تقدير لا تناهي البعد لا يلزم أول نقطة المسامتة لأن الحركة والزاوية تنقسمان لا إلى نهاية فقبل كل مسامتة مسامتة لا إلى أول ولا خفاء في أن هذا بعد الاحتجاج على الملازمة بأن المسامتة حصلت بعد ما لم تكن فيكون لها أول بالضرورة ليس بموجه إلا أن تجعل معارضة في المقدمة وجوابها النقض بكل قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي فإنه لو صح ما ذكر لصح فيه الاستدلال على نفي الملازمة بما يذكر في بيان استحالة اللازم وفساده بين والحل بأن هذا لا ينفي الملازمة لأن الملزوم محال فجاز استلزامه للنقيضين مثلا لو وجد بعد غير متناه مع الفرض المذكور لزم ثبوت أول نقطة المسامتة لما ذكرنا وعدم ثبوته لما ذكرتم على أنه يتجه أن يقال لو وجد البعد مع الفرض المذكور فإما أن تثبت أو نقطة المسامتة أو لا تثبت وكلاهما محال لما ذكر فيتم الاحتجاج فإن قيل حدوث المسامتة لا يقتضي إلا أن يكون لها بداية بحسب الزمان فمن ابن تلزم البداية بحسب المسافة أعني أول نقطة المسامتة قلنا من جهة أن الزمان منطبق على الحركة المنطبقة على المسافة فلو لم يكن لها أول لم يكن للحركة أول فلم يكن للزمان أول ومنها أن المحال إنما يلزم على تقدير لا تناهي البعد مع الفرض المذكور وهو لا يستلزم استحالة لا تناهي البعد لجواز أن يكون ناشيا من المجموع وجوابه أنا نعلم بالضرورة إمكان ما فرض وإمكان اجتماعه مع البعد الغير المتناهي فنعين كونه المنشأ للزوم المحال ومنها أنا لانم استحالة أول نقطة المسامتة في الخط الغير المتناهي وما ذكر في بيانه باطل لأن انقسام الحركة والزاوية لا إلى نهاية حكم الوهم وهو كاذب وجوابه أن أحكام الوهم فيما يفرض من الهندسيات صحيحة تكاد تجري مجرى الحسيات لكونها على طاعة من العقل بحيث لا يمنع إلا مكابرة ولهذا لا يقع فيها اختلاف آراء وإنما الكاذب هي الوهميات الصرفة مثل الحكم في المعقولات بما يخص المحسوسات كالحكم بأن كل موجود ذو وضع وأما اعتراض الإمام بأن هذا الدليل مقلوب لأنه لما كانت المسامتة لكل نقطة بعد المسامتة لما فوقها لزم عدم تناهي الأبعاد وبيانه على ما في المطالب العالية أن أعظم ما يفرض من الخطوط المستقيمة هو محور العالم أعني الخط المار بمركزه الواصل بين قطبيه فإذا فرضنا كرة يميل قطرها الموازي للمحور إلى مسامته حدثت زاوية قابلة للقسمة ولا محالة يكون الخط الخارج على نصفها مسامتا لنقطة فوق طرف المحور ويكون هناك أبعاد يفرض فيها نقط لا إلى نهاية فجوابه أن هذا من الوهميات الصرفة التي لا يصدقها العقل إذ ليس وراء العالم خلاء أو ملاء يمتد فيه الخط أو ينتهي إليه طرفه وما ذكر الإمام من أن صريح العقل شاهد لمسامتة طرف هذا الخط لشيء ووقوعه خارج العالم وأن إنكاره مكابرة في الضروريات مكابرة ( قال الثاني 7 )
هذا هو البرهان السلمي وحاصله أنه لو كانت الأبعاد غير متناهية لزم إمكان عدم تناهي المحصور بين حاصرين وهو محال وجه اللزوم على ما نقل عن القدماء أنا نخرج من نقطة خطين كتنافي مثلث ولا خفاء في أنهما كلما يمتدان يزداد البعد بينهما فلو امتدا إلى غير النهاية كان زيادة البعد بينهما إلى غير النهاية واعترض عليه ابن سينا بأن اللازم منه ازدياد البعد إلى غير النهاية بمعنى أنه لا ينتهي إلى بعد لا يكون فوقه بعد أزيد منه وهو ليس بمح وإنما المحال وجود بعد بينهما يمتد طوله إلى غير النهاية وهو ليس بلازم فقرره بأنا نصل بين نقطتين متقابلتين من الخطين المفروضين خطا ولنسم بالبعد الأصل وامتداد الخطين حينئذ بالامتداد بالأصل فلكون تزايد الأبعاد يحسب تزايد الامتداد لزم من عدم تناهي الامتداد وحود زيادات على البعد الأصلي غير متناهية لأن نسبة زيادة البعد على البعد الأصل نسبة زيادة الامتداد على الامتداد الأصل وإذ قد أمكن تساوي الزيادات فلنفرضها كذلك ولكون كل زيادة مع المزيد عليه موجودة في بعد لزم وجود بعد مشتمل على الزيادات المتساوية الغير المتناهية لأن ذلك معنى حصول كل زياد ة مع المزيد عليه ولزم كونه غير متناه لأن زيادة الأجزاء المقدارية بالفعل إلى غير النهاية توجب عدم تناهي المقدار المشتمل عليها بحكم الضرورة أو بحكم امتناع التداخل وإنما فرض الزيادات متساوية احترازا عما إذا كانت متناقضة فإن انقسام المقدار ربما ينتهي إلى ما لا يقبل الانقسام بالفعل فلا يلزم وجود البعد الغير المتناهي أولا يظهر وأما في صورة التزايد فلا خفاء في أن الزائد مثل وزيادة فاللزوم فيه أظهر ولما كان في هذا التقرير تطويل مع كون استلزام عدم تناهي الزيادات لوجود بعد غير متناه محل بحث ونظر لخص صاحب الإشراق في بعض تصانيفه البرهان بأنا نفرض بعد ما بين الخطين دائما بقدر امتدادهما فلو امتدا إلى غير النهاية كان ما بينهما غير متناه ضرورة أن المتناهي لا يكون مساويا لغير المتناهي وعلى قدره وهذا اللزوم واضح لا يمكن منعه إلا مكابرة لكن لما كان في إمكان المفروض نوع خفاء قرره بعضهم بأنا نفرض زاوية مبدأ الخطين ثلثي قائمة وللزوم تساوي الزاويتين الحادثتين من الخط الواصل بين كل نقطتين متقابلتين من ساقي المثلث ولزوم كون زواياه مساوية لقائمتين لزم أن يكون كل من الزاويتين ثلثي قائمة ولزم من تساوى زوايا المثلث تساوي أضلاعه كل ذلك لما بينه اقليدس فيلزم من عدم تناهي الخطين عدم تناهي ما بينهما وحاول صاحب الإشراق سلوك طريق يوجب كون زاوية مبدأ الخطين ثلثي قائمة فاخترع البرهان الترسي وتقريره أنا نخرج من مركز جسم مستدير كالترس مثلا ستة خطوط قاسمة له إلى ستة أقسام متساوية فيكون كل من الزوايا الست ثلثي قائمة وكذا كل من الزاويتين الحادثتين من الخط الواصل بين كل نقطتين متقابلتين من كل ضلعين فيصير كل قسم مثلثا متساوي الزوايا والأضلاع ويلزم من امتداد الخطين إلى غير النهاية امتداد بعد ما بينهما إلى غير النهاية ومن تردد في لزوم تساوي الزوايا والأضلاع وجوز كون وتر زاوية مبدأ الخطوط الستة أقل من الضلعين أو أكثر فلعدم شعوره بالهندسة واعترض على هذه البيانات بأنها إنما تفيد زيادة الأبعاد والاتساعات فيما بين الخطين إلى غير النهاية لا وجود سعة وبعد ممتد إلى غير النهاية وإنما يلزم ذلك لو كان هناك بعد هو آخر الأبعاد يساوي الخطين اللذين هما ساقا المثلث فلا يتصور ذلك إلا بانقطاعهما وتناهيهما فيكون إثبات التناهي بذلك مصادرة على المطلوب ولو سلم فالمحال إنما لزم من المجموع المفروض وهو لا يستلزم استحالة لا تناهي الخطين والجواب أنه لما لزم تساوي أضلاع مثل هذا المثلث كان لزوم عدم تناهي قاعدته على تقدير لا تناهي ساقيه ظاهرا لا يمكن منعه وأما السند قلنا لا علينا لأنه لما لزم مساواة القاعدة للساقين وكانت متناهية لانحصارها بين حاضرين لزم تناهي الساقين على تقدير لا تناهيهما فيكون اللاتناهي محالا وحاصله أن لا تناهي القاعدة ليس موقوفا على تناهي الساقين حتى تلزم المصادرة بل مستلزما له فيلزم الخلف وتقريره أنه لو كان الساقان غير متناهيين لزم ثبوت قاعدة مساوية لهما لما ذكر من الدليل لكن القاعدة لا تكون الامتناهية ضرورة انحصارها بين حاصرين فيلزم تناهي الساقين لأن المتناهي لا يكون مساويا لغير المتناهي وقد فرضناهما غير متناهيين هف وأما كون المحال ناشئا من لا تناهي الخطين فللعلم الضروري بإمكان ما عداه من الأمور المذكورة
( قال الثالث 4 ) هذا برهان الطبيق وتقريره أنه لو وجد بعد غير متناه نفرض نقصان ذراع منه ثم نطبق بين البعد التام والناقص فإما أن يقع بإزاء كل ذراع من التام ذراع من الناقص وهو محال لامتناع تساوي الزائد والناقص بل الكل والجزء أو لا يقع ولا محالة يكون ذلك بانقطاع الناقص ويلزم منه انقطاع التام لأنه لا يزيد عليه إلا بذراع وقد مر في أبطال التسلسل ما على هذا البرهان من الاعتراضات والأجوبة فلا معنى للإعادة ( قال ومبني الأول 2 ) أي برهان المسامتة على نفي الجوهر الفرد ليصبح انقسام الحركة والزاوية إلى غير النهاية ومبنى البرهان السلمي على أن يكون لا تناهي البعد من جهات حتى يفرض انفراج ساقي المثلث لا إلى نهاية بل في الترسي لا بد من فرض اللاتناهي في جميع الجهات وكان طرق السلمي مبنية على طريق إلزام القائلين بلا تناهي الأبعاد في جميع الجهات ومبني برهان الطبيق على مقدمات ضعيفة سبقت الإشارة إليها في أبطال التسلسل مثل اقتدار الوهم على التطبيق ومثل استلزام وقوع ذراع بإزاء ذراع للتساوي ومثل اختصاص ذلك بماله وضع وترتيب ليحصل التفصي عن البعض بمراتب الأعداد وحركات الأفلاك ( قال وقد كثرت الوجوه 6 ) أي وجوه الاستدلال على تناهي الأبعاد بتصرف في البراهين الثلاثة واستعانة ببراهين أبطال التسلسل أما وجوه التصرف في السلمي فقد سبقت وأما في المسامتة فوجهان أحدهما برهان التخلص وتقريره أنه لو أمكن لا تناهي الأبعاد لأمكن أن نفرض كرة يخرج من مركزها خط غير متناه ملازم له إلى جزئين مثلا فالجزء الذي يلي المتحرك إما أن لا يتجاوزه المتحرك بحركته إذا وصل إليه فيكون هو الجهة من غير مدخل للجزء الآخر وإما أن يتجاوزه فتلك الحركة إما حركة عن الجهة فالجهة هي الجزء الأول فقط وإما إلى الجهة فهي الثاني فقد لا يقال بل في الجهة لأنا نقول الحركة في الشيء المنقسم لا محالة تكون إما عن جهة أو إلى جهة ويعود المحذور للقطع بأن الجهة هي مقصد المتحرك لا المسافة التي تقطع بالحركة وهذا يدل على أنها لا تقبل الانقسام في مأخذ الحركة والإشارة وهو كاف في إفادة المطلوب أعني امتناع وقوع الجسم أو الحركة فيها ولا يدل على أنها لا تقبل الانقسام أصلا حتى لا تكون إلا نقطة بل ربما تكون خطا أو سطحا بقي الكلام في أن طرف كل امتداد ومنتهى كل إشارة جهة حتى تكون جهات كل جسم أطراف امتداداته فيكون على سطحه أمر الجهة نهاية جميع الامتدادات ومنتهى جميع الإشارات حتى لا يكون إلا على سطح محدد الجهات الحق هو الثاني ( قال ثم أنها 3 ) أي الجهات غير محصورة في عدد لجو أن فرض امتدادات غير متناهية العدد في جسم واحد بالقياس إلى نقطة واحدة إلا أن المشهور أنها ست وسبب الشهرة أمران أحدهما خاصي وهو أنه يمكن أن يفرض في كل جسم أبعاد ثلثه متقاطعة ولكل بعد طرفان فيكون لكل جسم ست جهات وثانيهما عامي وهو اعتبار حال الإنسان فيما له من الرأس والقدم فبحسبهما له الفوق والتحت ومن البطن والظهر فبحسبهما القدام والخلف ومن الجنبين اللذين عليهما يد أقوى في الغالب وهي اليمنى وأخرى أضعف وهي اليسرى فبحسبهما اليمين واليسار ثم اعتبر ذلك في سائر الحيوانات بحسب المقايسة والمناسبة وكان في ذوات الأربع الفوق والتحت ما يلي الظهر والبطن والقدام والخلف ما يلي الرأس والذنب وليس شيء من الاعتبارين بواجب ليصبح انحصار الجهات في الست ( قال والطبيعي منها 7 )
أي من الجهات جهة العلو وهي ما يلي رأس الإنسان بالطبع والسفل ما يلي قدميه بالطبع حيث لا تتبدلان أصلا والأربعة الباقية وضعية تتبدل بتبدل الأوضاع كالتوجه إلى المشرق يكون المشرق قدامه والمغرب خلفه والجنوب يمينه والشمال شماله ثم إذا توجه إلى المغرب صار المغرب قدامه والمشرق خلفه والشمال يمينه والجنوب شماله بخلاف ما إذا صار القائم منكوسا فإنه لا يصير ما يلي رجله تحتا وما يلي رأسه فوقا بل يصير رأسه من تحت ورجله من فوق والفوق والتحت بحالهما فالشخصان القائمان على طرفي قطر الأرض يكون رأس كل منهما فوق ورجلهما تحت ( قال والعلو لا يلزم أن يكون بالإضافة إلى السفل 2 ) يريد دفع ما سبق إلى كثير من الأوهام وهو أن الفوق والتحت متضايفان لا يعقل كل منهما إلا بالقياس إلى الآخر وكذا القدام والخلف واليمين والشمال والحق أن التضايف إنما هو بين الفوق وذي الفوق وكذا البواقي وأما الجهتان فقد تنفكان في التعقل بل في الوجود كما في الأرض فإنه لا تحت لها إلا بالوهم فإن جميع أطراف امتداداتها الفعلية إلى السماء فلها الفوق فقط ( قال ومنها 4 ) أي ومن أحكام الجسم أنها محدثة بالزمان والاحتمالات الممكنة ههنا ثلثه الأول حدوث الأجسام بذواتها وصفاتها وإليه ذهب أرباب الملل من المسلمين وغيرهم والثاني قدمها كذلك وإليه ذهب أرسطو وشيعته ونعني بالصفة ما يعم الصور والأعراض وتفصيل مذهبهم أن الأجسام الفلكية قديمة بموادها وصورها وأعراضها من الضوء والشكل وأصل الحركة والوضع بمعنى أنها متحركة حركة واحدة متصلة من الأزل إلى الأبد إلى أن كل حركة نفرض من حركاتها فهي مسبوقة بأخرى فتكون حادثة وكذا الوضع والعنصريات قديمة بموادها وصورها الجسمية وكذا صورها النوعية بحسب الجنس بمعنى أنها لم تزل عنصر أما لكن خصوصية النارية أو الهوائية أو المائية أو الأرضية لا يلزم أن تكون قديمة لما سيجيء من قبول الكون والفساد والثالث قدمها بذواتها دون صفاتها وإليه ذهب المتقدمون من الفلاسفة واختلفوا في تلك الذات التي ادعوا قدمها أنها جسم أو ليست بجسم وعلى تقدير الجسمية أنها العناصر الأربعة جلتها أو واحد منها والبواقي بتلطيف أو تكشيف والسماء من دخان يرتفع من ذلك الجسم أو جوهرة غير العناصر حدثت منها العناصر والسموات أو أجسام صغار صلبة لا تقبل الانقسام إلا بحسب الوهم واختلفوا في أنها كرات أو مضلعات وعلى تقدير عدم الجسمية فقيل هي نور وظلمة والعالم من امتزاجهما وقيل نفس وهيولي تعلقت الأولى بالأخرى فحدثت الكائنات وقيل وحدات تحيزت وصارت نقطا واجتمعت النقط فصارت خطا واجتمعت الخطوط فصارت سطحا واجتمعت السطوح فصارت جسما وبالجملة فللقائلين بقدم العالم مذهب مختلفة مفصلة في كتب الإمام والظاهر أنها رموز وإشارات على ما هو دأب المتقدمين من الحكماء وأما قدمها لصفاتها دون ذواتها فغير معقول ( قال لنا وجوه 3 )
المشهور في الاستدلال على حدوث الأجسام أنها لا تخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث أما الكبرى فظاهرة وأما الصغرى فلوجهين أحدهما أن الأجسام لا تخلو عن الأعراض كما مر والأعراض كلها حادثة إذ لو كانت قديمة لكانت باقية بما تقرر من أن القدم ينافي العدم والأزلية تستلزم الأبدية لكن اللازم باطل لما سبق من أدلة امتناع بقاء الأعراض على الإطلاق وثانيهما أن الأجسام لا يخلو عن الحركة والسكون لأن الجسم لا يخلو عن الكون في الحيز وكل كون في الحيز إما حركة أو سكون لأنه إن كان مسبوقا يكون في غير ذلك الحيز فحركة وإلا فسكون لما سبق من أنه لا معنى للحركة والسكون سوى هذا ثم كل من الحركة والسكون حادث أما الحركة فلوجهين أحدهما أنها تقتضي المسبوقية بالغير لكونها تغيرا من حال إلى حال وكونا بعد كون وهذا سبق زماني حيث لم يجامع فيه السابق المسبوق والمسبوق بالغير سبقا زمانيا مسبوق بالعدم لأن معنى عدم مجامعة السابق المسبوق أن يوجد السابق ولا يوجد المسبوق والمسبوقية بالعدم هو معنى الحدوث ههنا وثانيهما أن الحركة في معرض الزوال قطعا لكونها تغيرا وتقضيا على التعاقب والزوال أعني طريان العدم ينافي القدم لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه فما جار عدمه انتفى قدمه وأما السكون فلأنه وجودي جائز الزوال ولا شيء من القديم كذلك لما مر وإنما قيد بالوجودي لأن عدم الحادث قديم يزول إلى الوجود إذ دليل امتناع عدم القديم وهو أنه إما واجب أو مستند إليه بطريق الإيجاب إنما قام في الموجود أما كون السكون وجوديا فلأنه من الأكوان وأما كونه جائز الزوال فلأن كل جسم قابل للحركة أما أولا فلعدم نزاع الخصم في ذلك وأما ثانيا فلأن الأجسام متماثلة فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر فإذا جاز الحركة على البعض بحكم المشاهدة جاز على الكل وأما ثالثا فلأن الأجسام إما بسايط وإما مركبات فالبسايط يجوز على كل من أجزائها المتشابهة الحصول في حيز الآخر وما ذاك إلا بالحركة والمركبات يحوز على كل من بسايطها المتماسة أن يكون تماسها الذي وقع بجزء من هذا يقع بسائر أجزائه المتشابهة وذلك بالحركة واعترض على ما ذكر في بيان امتناع خلو الجسم عن الحركة والسكون بأنه لو صح لزم أن يكون الجسم في أول الكون متحركا أو ساكنا واللازم باطل قطعا لاقتضاء كل منهما المسبوقية بكون آخر وبأنا لا نسلم أن الكون في حيز إن لم يكن مسبوقا بالكون في ذلك الحيز كان حركة وإنما يلزم لو كان مسبوقا بالكون في حيز آخر وهذا في الأزل محال لأن الأزلية تنافي المسبوقية بحسب الزمان وأجيب بأن الكلام في الكون المسبوق بكون آخر للقطع بأن الكون الذي لا كون قبله حادث قطعا وفيه المطلوب وعلى هذا فالمنع ساقط لأن معنى ساقط لأن معنى الكلام أن الكون إن لم يكن مسبوقا بالكون في ذلك الحيز بل في حيز آخر كان حركة وما ذكر من أن هذا ينافي الأزلية باطل لأن الأزل ليس عبارة عن حالة زمانية لا حالة قبلها ليكون الكون فيه كونا لا كون قبله بل معناه نفي أن يكون الشيء بحيث يكون له أول وحقيقته الاستمرار في الأزمنة المقدرة الماضية بحيث لا يكون له بداية كما أن حقيقة الأبدية هو الاستمرار في الأزمنة الآتية لا إلى نهاية فإن قيل ما ذكرتم من دليل امتناع الأزلية إنما يقوم في كل جزئي من جزيئات الحركة ولا يدفع مذهب الحكماء وهو أن كل حركة مسبوقة بحركة أخرى لا إلى بداية والفلك متحرك أزلا وأبدا بمعنى أنه لا يقدر زمان إلا وفيه شيء من جزيئات الحركة وهذا معنى كون ماهية الحركة أزلية وحينئذ برد المنع على الكبرى أيضا أي لا نسلم أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإنما يلزم لو كانت تلك الحوادث متناهية فلا بد من بيان امتناع تعاقب الحوادث من غير بداية ونهاية على ما هو رأيهم في حركات الأفلاك وأوضاعها أجيب أولا بإقامة البرهان على امتناع أن تكون ماهية الحركة أزلية وذلك من وجهين أحدهما أن الأزلية تنافي المسبوقية ضرورة والمسبوقية من لوازم ماهية الحركة وحقيقتها لكونها عبارة عن التغير من حال إلى حال ومنافي اللازم مناف للملزوم ضرورة وثانيهما بأن ماهية الحركة لو كانت قديمة أي موجودة في الأزل لزم أن يكون شيء من جزيئاتها أزليا إذ لا تحقق للكلي إلا في ضمن الجزئي لكن اللازم باطل بالاتفاق وثانيا بإقامة البرهان على امتناع تعاقب الحوادث الغير المتناهيه وذلك أيضا بوجهين أحدهما طريق التطبيق وهو أن نفرض جملة من الحوادث المتعاقبة من الآن وأخرى من يوم الطوفان كل منهما لا إلى نهاية ثم نطبق بهما بحسب فرض العقل إجمالا بأن نقابل الأول من هذه بالأول من تلك وهكذا فإما أن يتطابقا فيتساوى الكل والجزء أولا فتنقطع الطوفانية ويلزم انتهاء الآنية لأنها لا تزيد عليها إلا بقدر متناه وثانيهما طريق التكافؤ وهو أنا نفرض سلسلة من الحادث المعين الذي هو مسبوق بحاث وليس سابقا على حادث آخر بمنزلة المعلول الأخير فلضرورة تضايف السابقية والمسبوقية وتكافؤ المتضايفين في الوجود لزم أن تشتمل السلسلة على سابق غير مسبوق وهو المنتهى وتقرير آخر أنا نفرض سلسلة من المسبوقية وأخرى من السابقية ثم نطبق بينهما فتقع مسبوقية الأخير بإزاء سابقية ما فوقه فيلزم الانتهاء إلى ماله السابقية دون المسبوقية تحقيقا للتضايف
( قال وقد يذكر 7 ) لبيان امتناع تعاقب الحوادث لا إلى بداية ونهاية وجوه أخرى منها أنه لما كان كل حادث مسبوقا بالعدم كان الكل كذلك فإنه إذ كان كل زنجي أسود كان الكل أسود ضرورة ورد بمنع كلية هذا الحكم ألا ترى أن كل زنجي فرد وبعض من المجموع بخلاف الكل ومنها أن الحوادث الماضية قابلة للزيادة والنقصان للقطع بأن دورات الفلك من الآن إلى ما لا يتناهى أكثر من دوراتها من يوم الطوفان ودورات الشمس أكثر من دورات زحل وعدد الأيام أكثر من عدد الشهور والسنين وكل ما يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه لأن معنى نقصان الشيء من الشيء أن يكون بحيث لا يبقى منه شيء في مقابلة ما بقي من الزائد فيتناهى الناقص ويلزم منه تناهي الزائد حيث لم يزد عليه إلا بقدر متناه ورد بعد تسليم المقدمة الأولى بمنع الثانية وإنما يصح لو لم تكن الزيادة والنقصان من الجانب المتناهي ولا معنى للزيادة والنقصان ههنا إلا أن تحصل في إحدى الجملتين شيء لم يحصل في الأخرى وهو لا يوجب الانقطاع كما في مراتب الأعداد ومنها أنه لو كانت الحركات الماضية غير متناهية لامتنع انقضاؤها لأن ما لا يتناهى لا ينقضي ضرورة واللازم باطل لأن حصول اليوم الذي نحن فيه موقوف على انقضاء ما قبله ورد بالمنع فإن غير المتناهي إنما يستحيل انقضاؤه من الجانب الغير المتناهي ومنها أن الحركة أثر الفاعل المختار وكل ما هو كذلك فهو حادث مسبوق بالعدم أما الكبرى فلما تقدم وأما الصغرى فلأن كل جزء يفرض من الحركة فهو على الزوال والانقضاء ضرورة كونها غير متقررة إلا جزاء ولا شيء من الزئل بأثر للموجب لامتناع انتفاء المعلول مع بقاء علته الموجبة وإذا كان كل جزء من الحركة أثر للفاعل المختار كانت الحركة أثرا له لأن الموجد لكل جزء من أجزاء الشيء موجد له ضرورة وقد سبق الكلام على ذلك في بحث استناد الحادث إلى الموجب القديم وأنه يجوز ذلك بشرط حادث فغاية الأمر لزوم تعاقب حوادث غير متناهية يكون حدوث اللاحق منها مشروطا بانقضاء السابق ومنها أن كل حركة تفرض لا تخلو من أن تكون مسبوقة بحركة أخرى فلا تكون أزلية ضرورة سبق العدم عليها أو لا تكون مسبوقة بأخرى بل يتحقق حركة لا حركة قبلها فتكون أول الحركات فتكون للحركة بداية وهو المطلوب ورد بأنا نختار الأول ولا يفيد إلا حدوث كل من جزئيات الحركة ولا نزاع فيه وإنما النزاع في أن ينتهي إلى حادث لا يكون قبله حادث آخر ومنها أنه لو فرضنا تعاقب الحوادث من غير بداية لكان كل منها مسبوقا بعدم أزلي لأن ذلك معنى الحدوث ويلزم اجتماع تلك العدمات في الأزل إذ لو تأخر شيء منها عن الأزل لما كان أزليا وإذا اجتمعت العدمات في الأزل فإن حصل شيء من الوجودات في الأزل لزم مقارنة السابق والمسبوق بل اجتماع النقتضين وهو محال وإن لم يحصل فهو المطلوب واعترض بأن الأزل ليس عبارة عن حالة مخصوصة شبيهة بالظرف يجتمع فيها عدمات الحوادث حتى لو وجد فيها شيء من وجوداتها لزم اجتماع النقيضين بل معنى أزلية العدمات أنها ليست مسبوقة بالوجودات وهذا لا يوجب تقارنها في شيء من الأوقات وما يقال أنها لو لم تكن متقارنة في حين ما لكان حصول بعضها بعد آخر فلا يكون قديما إنما يستقيم فيما يتناهى عدده فالعدمات لا تتقارن في حين ما لعدم تناهيها لا لتعاقبها ( قال ولولا القصد 3 )
يريد أن القوم حاولوا بهذا الدليل التصريح بنفي ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدم الأفلاك بحركاتها بمعنى أن كل حركة مسبوقة بأخرى من غير بداية وبعضهم من أن مواد العالم أجسام صغار أزلية لا تقبل الانقسام بالفعل وهي في الأزل ساكنة يعرض لها الحركة فتتكون المركبات من اجتماعها وبعضهم من أنها متحركة تتصادم فتسكن فتتكون الأفلاك والعناصر وإلا فله تقرير أخصر لا يفتقر إلى بيان أن السكون وجودي وأن الجسم لا يخلوا عن الحركة والسكون فإن للحركة أجزاء مسبوقا بعضها بالبعض وهو أنه لو كان شيء من الأجسام قديما لزم أما كون قديم وأما تعاقب الأكوان من غير بداية وكلاهما محال أما اللزوم فلان حصول الكون للجسم ضروري فإن العقل إذا تصوره وتصور التحيز جزم بثبوته له فإن كان شيء من أكوانه قديما فذاك وإلا كان كل كون مسبوقا بكون آخر لا إلى بداية وهو الأمر الثاني وأما استحالة الأمرين فالأول لما سبق أن كل جسم قابل للحركة من حيز إلى حيز إما بتمامه كما في الحركة المستقيمة أو بأجزائه كما في الحركة المستديرة فيكون كل كون جائز الزوال ولا شيء من جائز الزوال بقديم لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه وينعكس إلى أن ما جاز عدمه انتفى قدمه والثاني لما مر من طريق التطبيق وطريق تضايف السابقية والمسبوقية وغير ذلك ( قال الثاني أن الجسم محل للحوادث 2 ) أي متصف بها بحكم المشاهدة ولا شيء من القديم كذلك لما سيجيء في الألهيات فإن قيل إن أخذت الصغرى كلية فالمنع ظاهر ودعوى الضرورة باطلة وإن أخذت جزئية لم يقد المط أعني حدوث كل جسم فإن حدوث بعض الأجسام كالمركبات العنصرية مما لا نزاع فيه قلنا توجد كلية وتبين بأن الأفلاك والعناصر كلها تتصف بالحركات والأوضاع الحادثة والعناصر خاصة بالأضواء والأحوال الآخر ويلزم من حدوث البسايط حدوث المركبات منها ضرورة ( قال الثالث 3 ) لا خفاء في أن الجسم بل كل ممكن يحتاج إلى مؤثر ولا بد من الانتهاء إلى الواجب تعالى وسيجيء أنه فاعل بالاختيار وقد سبق أن كل ما هو أثر المختار فهو حادث مسبوق بالقصد إلى إيجاده ولا يكون ذلك إلا حال عدمه وبهذا تثبت حدوث ما سوى الصانع من الجواهر والأعراض وليشكل بصفاته القديمة ولا يتم إلا على من يجعل سبب الاحتياج إلى المؤثر مجرد الإمكان وكذا الرابع إلا أنه لا يتوقف على إثبات كون الصانع مختارا لكن يبتني على المغلطة المشهورة وهي أن تأثير المؤثر في الشيء حال وجوده تحصيل للحاصل وقد عرفت حلها وأما الخامس فهو بعينه الأول إلا أنه بين فيه عدم خلو الجسم عن الحادث بأنه لا يخلو عن مقدار مخصوص أو حيز مخصوص وكل منهما حادث لكونه أثر المختار إذ نسبة الموجب إلى جميع المقادير والأحياز على السواء ويرد عليه أنه يجوز أن يكون ذلك باعتبار المادة أو الصورة أو عدد الجواهر الفردة أو غير ذلك من الأسباب الخارجة ( قال الرابع 9 ) لو كان الجسم قديما فقدمه زايد على ذاته لكونه مشتركا بينه وبين الواجب وحينئذ إما أن يكون قدمه قديما فينقل الكلام إلى قدم القدم ويتسل أو حادثا فيلزم حدوث القديم بل الجسم لامتناع تحققه بدون القدم وضعفه ظاهر لأن القدم اعتبار عقلي لا يتسل وأيضا قدم القدم عينه وأيضا معارض بأن الجسم لو كان حادثا محدوثة أما حادث فيتسل أو قديم فيكون الجسم الموصوفة به أولى بالقدم ( قال تمسك القائلون 3 )