Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
بقدم العالم بوجوه الأول أن جميع ما لا بد منه لتأثير الصانع في العالم وإيجاده إياه أما أن يكون حاصلا في الأزل أولا والثاني باطل فنعين الأول وهو يستلزم المطلوب وتقريره من وجهين أحدهما أنه لما وجد في الأزل جميع ما لا بد منه بوجود العالم لزم وجوده في الأزل والمقدم حق فكذا التالي أما اللزوم فلامتناع تخلف المعلول عن تمام علته لما مروا ما حقية المقدم ولأنه لو لم يكن جميع ما لا بد منه حاصلا في الأزل بل كان بعضه حادثا ينقل الكلام إليه بأن جميع ما لا بد منه لوجوده أما أن يكون حاصلا في الأزل أو لا ويتسل والجواب النقض إجمالا وتفصيلا أما إجمالا فهو أنه لو صح هذا الدليل لزم أن لا يكون ما يوجد اليوم من الحوادث حادثا لجريانه فيه لا يقال الحادث اليومي يتوقف على استعدادات في المادة مستندة إلى الحركات والأوضاع الفلكية والاتصالات الكوكبية ووجود كل منها مشروط بانقضاء الآخر لا لي بداية على سبيل التجدد والانقضاء دون الترتب في الوجود على ما هو شأن العلل والمعلولات ليلزم التسل المح فإن البرهان إنما قام على استحالة التسلسل في المبادي المترتبة دون المعدات المنصرمة لأنا نقول بعض البراهين كالتطبيق والتضائف بتناول ما يضبطها الوجود مترتبة سواء كانت مجتمعة أو متصرمة كما سبق آنفا ولو سلم فالكلام في العالم الجسماني فيجوز أن يكون حادثا مستندا إلى حوادث متعاقبة لا أول لها كتصورات أو إرادات من ذات مجردة مثل ما ذكرتم في الحادث اليومي لا يقال تعاقب الحوادث إنما يصح في الجسمانيات دون المجردات لما سبق من أن كل حادث مسبوق بمادة ومدة لأنا نقول قد سبق الكلام على ذلك هنالك وأما تفصيلا فهو أنا لا نسلم أنه لو كان جميع ما لا بد منه في إيجاد العالم حاصلا في الأزل كان العالم أزليا وإنما يلزم لو لم يكن من جملة ما لا بد منه الإرادة التي من شأنها الترجيح والتخصيص متى شاء الفاعل من غير افتقار إلى مرجح ومخصص من خارج قولكم يلزم تخلف المعلول عن تمام علته وهو باطل لامتناع الترجيح بلا مرجح قلنا لا نسلم بطلان التخلف في العلة المشتملة على الإرادة والاختيار فإنه ليس ترجحا بلا مرجح بل ترجح المختار أحد المقدورين من غير مرجح خارج واستحالته ممنوعة كما في أكل الجائع أحد الرغيفين وسلوك الهارب أحد الطريقين فإن قيل لا نزاع في أن نفس الإرادة لا يكفي في وجود المراد بل لا بد من تعلقها فإن كان قديما وإن كان حادثا كان ذلك الترجيح ترجحا بلا مرجح قلنا لا بل ترجيحا به فإن تعلق الإرادة مما يقع بالإرادة من غير افتقار إلى أمر آخر والحاصل أنا نجعل شرط الحوادث تعلق الإرادة ونلتزم فيه التخلف عن تمام العلة ( قال الثاني 6 ) لما كان إمكان العالم أزليا وكذا صحة تأثير الصانع فيه وإيجاده إياه لزم أن يكون وجوده أيضا أزليا لكن المقدم حق إذ لو كان في الأزل ممتنعا ثم يصير ممكنا فيما لا يزال لزم انقلاب المح فكذا التالي وجه اللزوم أنه إذا كان الإمكان مع صحة التأثير متحققا في الأزل ولا يوجد الأثر إلا فيما لا يزال كان ذلك تركا للجود مدة لا تتناهى وذلك لا يليق بالجواد المطلق والجواب بعد تسليم امتناع ترك الجود أنه إنما يلزم لو أمكن وجود العالم في الأزل على أن يكون الأزل ظرفا للوجود وهو ممنوع والثابت ببرهان استحالة الانقلاب هو أن وجوده ممكن في الأزل على أن يكون الأزل ظرفا للإمكان ألا ترى أن الحادث بشرط الحدوث ممكن أزلا ووجوده في الأزل محال دائما وقد سبق ذلك في بحث الوجوب والإمكان والامتناع ( قال الثالث 7 ) قد سبق الكلام على ما يدعيه الفلاسفة من تركب الجسم من الهيولي والصورة وكون الهيولي قديمة وكونها غير منفكة عن صورة ما ( قال الرابع 3 )
لما كان الزمان أعنى مقدار الحركة القائمة بالجسم قديما كان الجسم قديما أما اللزوم فظاهر وأما حقيقة الملزوم ولأنه لو كان الزمان حادثا أي مسبوقا بالعدم فسبق العدم عليه لا يكون بالعلية أو الشرف أو الرتبة وهو ظاهر ولا بالطبع لأن الزمان ممكن والممكن يقتضي لاستحقاقية الوجود والعدم نظرا إلى ذاته فلا يفتقر بذاته إلى عدمه كيف والمتقدم بالطبع بجامع المتأخر وعدم الشيء لا يجامع وجوده فتعين أن يكون بالزمان وهو أيضا محال لاستلزامه وجود الزمان حين عدمه لأن معنى التقدم بالزمان أن يوجد المتقدم في زمان لا يوجد فيه المتأخر والجواب بعد تسليم وجود الزمان وكونه عبارة عن مقدم الحركة أنا لا نسلم انحصار أقسام السبق في الخمسة المذكورة بالمعاني المذكورة لأن سبق أجزاء الزمان بعضها على البعض خارج عن ذلك فليكن سبق عدم الزمان على وجوده كذلك لا يقال التقدم والتأخر داخلان في مفهوم أجزاء الزمان فإن تقدم الأمس على الغد ظاهر بالنظر إلى نفس مفهومه ولا كذلك المأخذ الثاني بالعكس فمثل الحيوان لتألفه حسا وحقيقة من الأجسام المختلفة وعدم مساواة جزئه الكل في الاسم والحد لا حسا ولا حقيقة كان مركبا بأي تفسير فسر وبأي اعتبار أخذ والماء لعدم تألفه منها والمساواة جزئه الكل فيهما كان بسيطا كذلك والفلك لعدم تألفه منها لا حسا ولا حقيقة وعدم مساواة جزئه الكل كذلك كان بسيطا على التفسير الأول بالاعتبارين مركبا على التفسير الثاني بالاعتبارين والذهب لتألفه من الأجسام المختلفة حقيقة لا حسا ولمساواة جزئه الكل حسا لا حقيقة كان على التفسير الأول مركبا إذا أخذ باعتبار الحقيقة بسيطا إذا أخذ باعتبار الحس وعلى التفسير الثاني بالعكس ( قال وليعلم 8 ) يريد أن أكثر المباحث التي تورد في الأقسام الأربعة من هذا الفصل حكاية عن الغلسة غير مسلمة عند المتكلمين لابتنائها على أصول ثبت فسادها مثل كون الصانع موجبا لا مختارا وأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد أو لم تثبت صحتها مثل كون الأجسام مختلفة بالحقيقة ومركبة من الهيولي والصورة ( قال القسم الأول في البسائط الفلكية 6 ) جعل أول المباحث في أثبات فلك محيط بجميع ما سواه من الأجسام يسمى محدد الجهات وتقرير البرهان أنه قد سبق أن الجهات موجودات ذوات أوضاع وأنها حدود ونهايات للامتدادات وأن العلو والسفل منها جهتان معينتان لا تتبدلان وهذا يستلزم وجود محدد به يتعين وضعهما ويلزم أن يكون جسما واحدا كريا محيطا بالكل ليتعين العلو بأقرب حد من محيطه والسفل بأبعد حد منه وهو المركز أما الجسمية فلوجوب كونه ذا وضع وأما الوحدة فلأنه لو تعدد بأن يكون جسمين مثلا فإما أن يحيط أحدهما بالآخر أو لا فإن أحاط كان هو المحدد إذ إليه الانتهاء دون المحاط وإن لم يحط كان كل منهما في جهة من الآخر فيكون متأخرا عن الجهة أو مقارنا لها لا سابقا عليها ليصلح محددا لها وأيضا كل منهما إنما يحدد جهة القرب منه دون البعد فإنه غير متحدد والمطلوب إثبات ما يحدد الجهتين المتقابلتين معا وفيه نظر لجواز أن يكون الجسماني بحيث يكون غاية القرب من كل منهما غاية البعد من الآخر فيتحدد بهما الجهتان فلذا كان المختار هو الوجه الأول وأما وجوب كونه كريا فلأنه بسيط يمتنع زواله عن مقتضى طبعه أعني الاستدارة إذ لو كان مركبا أو بسيطا زال عن استدارته إذ لو كان لزم جواز الحركة المستقيمة على أجزائه وهو محال ضرورة أنها لا تكون إلا من جهة إلى جهة فتكون الجهة قبله أو معه فلا تكون متحددة به وجه اللزوم أما في البسيط الزائل عن الاستدارة فظاهر وأما في المركب فلأن تألفه لا يتصور إلا بحركة بعض الأجزاء إلى البعض ولأن من لوازمه جواز الانحلال لأن كل واحد من بسائطه يلاقي بأحد طرفيه شيأ غير ما يلاقيه بالطرف الآخر مع تساويهما في الحقيقة فيجوز أن يلاقي ذلك الشيء بالطرف الآخر وذلك بالحركة من جهة إلى جهة وفي هذا نظر لأنه إنما يستدعي تقدم الجهة على حركة الأجزاء لا على نفس المركب وبهذا يظهر أن الاستدلال بهذا الوجه على بساطة المحدد ليس بتام
( قال لا لما قبل 6 ) إشارة إلى رد وجهين آخرين استدل بهما على كرية المحدد أحدهما أنه لو لم يكن كريا لم يتحدد به إلا جهة القرب لأن البعد عنه غير محدد أورد بالمنع فإن الشكل البيضي أو العدسي بل المضلع أيضا يشتمل على وسط هو غاية البعد عن جميع الجوانب بحيث إذا تجاوزته صرت في القرب من جانب البتة غاية الأمر أن الأبعاد الممتدة منه إلى الجوانب لا تكون متساوية وثانيهما أنه لو لم يكن كريا لزم من حركته خصوصا على الجسم المستدير وقوع الخلاء إذ لا مالى لفرج الزوايا ورد بأنه لو فرض مقعرة مستديرا ومحدبة بيضيا ويتحرك على قطره الأطول أو عدسيا ويتحرك على قطره الأقصر لم يلزم الخلاء فإن قيل طبيعة المحدد واحدة لما سيجيء فيكون محدبه مستديرا كقوه قلنا فيكون ذلك استدلالا برأسه لا يفتقر إلى ذكر الحركة ولزوم الخلاء والشكل البيضي سطح يحيط به وقوسان متساويتان كل منهما أصغر من نصف دائرة والعدسي ما هما أعظم وكل منهما إذا أدبر على نفسه حصل مجسمة وأما كون المحدد محيط بذوات الجهات فلأن غير المحيط إنما يتحدد به القرب منه وهو ظاهر فلا يكون محددا للجهتين هف ( قال ثم معنى تحديده 3 ) جواب سؤال تقريره أن المراد بمحدد الجهة أن كان فاعلها فلا نسلم لزوم كونه ذا وضع فضلا عن الإحاطة وإن كان قابلها فحدد العلو والسفل لا يكون واحدا ضرورة أن المركز لا يقوم بالمحدد وتقرير الجواب أن المراد به ما يتبين به وضع الجهة وظاهر أن تعين الوضع لا يكون إلا بذي الوضع وتعين السفل بوسط الأرض ليس من حيث أنه نقطة من الأرض ليكون للأرض دخل في التحديد فيتعد المحدد بل من حيث أنه مركز لمحيط فلك الأفلاك ومتحدد به ضرورة أن المحيط يتعين مركزه والمركز لا يتعين محيطه لجواز أن يحيط به دوائر غير متناهية فبهذا الاعتبار كان المحدد لجهات هو الفلك دون الأرض ودون كليهما فإن قيل سلما أن المحدد يكون واحدا محيطا بذي الجهة لكن من لين يلزم أن يكون هو المحيط بالكل ولم لا يجوز أن يكون محدد جهة النار هو فلك القمر مثلا كما هو حكم الأمكنة فإن محدد كل مكان إنما هو المحيط به وإن كان محاطا للغير بل أطباقهم على كون النار خفيفة على الإطلاق بمعنى أنها تطلب جهة الفوق مع أنها لا تطلب إلا مقعر فلك القمر بما يدل على أنه محدد جهتها قلنا المحيط إذا كان محاطا للغير لم يكن منتهى الإشارة ضرورة امتدادها إلى الغير فلم يكن محدد للجهة التي هي طرف الامتدادات ومنتهى الإشارات وهذا بخلاف المكان فإنه سطح المحيط المماس لسطح ذي المكان فطلب النار بالطبع النار بالطبع مقعر فلك القمر إنما يدل على أنه مكانه الطبيعي لا جهتها فإن العنصر إنما يطلب بالطبع حيزه لا جهته بأن يصل إلى الجسم المشتمل على حقيقة الجهة بل لا يكون ذلك إلا في الماء الطالب للأرض ألا ترى أن النار لو فرضت قاطعة لفلك القمر كانت متحركة إلى فوق لا من فوق ولهذا اتفقوا على أن فوق النار فلك القمر وفوقه فلك عطارد وهكذا إلى المحدد وقولهم أنها تطلب جهة الفوق تجوز بمعنى أنها تطلب المكان الذي يلي جهة الفوق وبعد الاتفاق على أن المحدد فوق الكل اختلفوا في أنه هل ينقسم بحسب الأجزاء المفروضة إلى فوق وتحت كسائر الأفلاك حيث يجعل ما يلي محيط المحدد كالمحدب فوق وما يلي مركزه تحت كالمقعر فجوزه بعضهم بناء على أن المحدد بالذات هو محدبه إذ إليه الانتهاء فتكون الإشارة من مقعره إلى محدبه من تحت ومنعه بعضهم زعما منه أن المحدد هو نفسه فيكون كله لذاته فوق بخلاف الأرض فإن تحتيتها ليست لذاتها بل لكونها في صوب المركز حتى لو تحركت عنه كانت حركة من تحت ( قال للبيه 2 )
لاخفاء في أن إثبات المحدد مبني على امتناع الخلاء والإلجاز أن تنتهي إليه الامتدادات وتتعين به أوضاع الجهات وعلى اختلاف الأجسام بالحقيقة واستناد بعض حركاتها إلى الطبيعة وإلا لما كان من الأجسام ما يقتضي صوب المحيط ويتحرك إليه بالطبع ومنها ما يقتضي صوب المركز ويتحرك إليه بالطبع فلم يكن العلو والسفل جهتين طبيعيتين ولما كان عندنا أن الخلاء ممكن وأن الأجسام متماثلة يجوز على كل منها ما يجوز على الآخر وأن الحركات مستندة إلى قدرة الفاعل المختار لا أثر فيها للطبيعة لم يتم ما ذكروه في إثبات المحدد بالتفسير المذكور ولم تمتنع الحركة المستقيمة على السماوات كما لم تمتنع على العناصر لتحقق الجهات بدونها ولم يثبت ما فرعوا على إثبات المحدد وعدم قبوله الحركة المستقيمة من أن السماوات لا تقبل الخرق والالتئام ولا الكون والفساد ولا الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا الألوان والطعوم والروائح ولا اللين والخشونة والملاسة والخفة والثقل إلى غير ذلك مما ورد به الشريعة المطهرة على أنه لو تم ما ذكر ففي المحدد خاصة دون سائر الأفلاك فإن تمسكوا بأنه علم بالرصد أنها تتحرك على الاستدارة فيكون فيها مبدأ ميل مستدير فلا تتحرك على الاستقامة لامتناع اجتماع المثلين قلنا لو سلم ذلك فامتناع انقطاع الاستدارة وحدوث الاستقامة لم يعلم بالرصد ودليل سرمدية الحركات لم يتم كيف وقد جعلوها إرادية لا ذاتية يمتنع انفكاكها وزعم جماعة من قدماء الحكماء المتألهين أن الأفلاك في غاية ما يكون من الصلابة واليبس والملاسة وهي في دوراتها يماس بعضها بعضا فيسمع منها المتلطفون بالحكم والرياضة أصواتا عجيبة غريبة موسيقية مطربة وألحانا ونغماتا متناسة مستحسنة تقف عندها القوى البدنية وتتحير النفوس البشرية ( قال المبحث الثاني 7 ) قد أنجز الكلام ههنا إلى ذكر جل من علم الهيئة الباحث عن أحوال الأجسام البسيطة العلوية والسفلية من حيث كمياتها وكيفياتها وأوضاعها وحركاتها اللازمة لها لأن بعض ذلك مما ينتفع به في الشرعيات كتعدد المشارق والمغارب واختلاف المطالع وأمر القبلة وأوقات الصلاة وغير ذلك وبعضه مما يعين على التفكر في خلق السماوات والأرض المؤدي إلى مزيد خبرة يبالغ حكمة الصانع وباهر قدرته وبعضه مما يجب التنبيه لفساده فيحكى كذلك وهذا العلم فيما بينهم أيضا يذكر على طريق الحكاية عن علم آخر فيه براهينه يسمونه المجسطي فلا بأس إن اقتصرنا على مجرد الحكاية لكن على وجهها إن شاء الله تعالى لا كما وقع في المواقف فيتعجب من له أدنى نظر في هذا الفن من قلة اهتمام الحاكي بالمحكي ويتخذ ذلك مغمزا على المتصدي لتحقيق العلوم الإسلامية فنقول لما وجدوا الشمس والقمر وسائر الكواكب متحركة بالحركة اليومية من المشرق إلى المغرب ثم وجدوها بالنظر الدقيق متحركة حركة بطيئة من المغرب إلى المشرق ووجدوا الكواكب السبعة أعني الشمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ذوي حركات غريبة مختلفة غير متشابهة بقياس بعضها إلى البعض وكانت الكواكب عندهم مركوزة في الأفلاك لا كالحيتان في المياه بنوا على ذلك أن الأفلاك الكلية الشاملة للأرض الكائنة على مركزها تسعة اثنان للحركتين الأوليين وسبعة لحركات السبعة السيارة لامتناع الحركتين المختلفتين في زمان واحد من جسم واحد وأما في جانب الكثرة فلا قطع لجواز أن يكون كل من الثوابت على فلك وأن تكون الأفلاك الغير المكوكبة كثيرة محيطا بعضها بالبعض لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك لعدم الدليل ولأنهم لم يجدوا في السمويات فضلا لا حاجة إليه وجوز بعضهم كون الأفلاك ثمانية تستند الحركة الأولى إلى مجموعها لا إلى فلك خاص وذلك بأن تتصل بها نفس واحدة تحركها الحركة اليومية قال صاحب التحفة فيجوز أن تكون سبعة بأن تكون الثوابت ودوائر البروج على محدب فلك زحل وتتعلق نفس بمجموع السبعة تحركها الحركة الأولى وأخرى بالسابعة تحركها الحركة الأخرى لكن بشرط أن نفرض دوائر البروج متحركة بالسريعة دون البطيئة لتنتقل الثوابت بها من برج إلى برج كما هو الواقع ( قال وإنه لا كوكب عليه وإنه يتحرك 8 )
إنما جعل ذلك من قبيل زعمهم لأن الذاهبين إلى أن الكواكب سابحة في الأفلاك كالحيتان في المياه لا يقولون بذلك ( قال يسمى معدل النهار 2 ) لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس عليها والمراد بالمنطقة أعظم الدوائر الحادثة من حركة الكرة على نفسها وبقطبيها النقطتان الثابتتان عند حركة الكرة والدوائر الصغار الموازية للمنطقة تسمى مدارات تلك الحركة وأحد قطبي العالم وهو الذي يلي شمال المواجه للمشرق يسمى الشمالي والآخر الجنوبي ( قال ويتم دوره في قريب من اليوم بليلة 3 ) إنما قال في قريب لأنها تنقص من اليوم بليلته بمقدار الحركة الخاصة للشمس من المغرب إلى المشرق ( قال ويحرك الكل 3 ) يعني أن التاسع يحرك جميع الأفلاك الثمانية التي تحته بحكم المشاهدة لكونها بمنزلة جزء منه حيث أحاط بها وقوى عليها حتى صار المجموع بمنزلة كرة واحدة والأفقي الحركة الوضعية تحرك المحاط بتحرك المحيط ليس بلازم إلا إذا كان المحاط في ثخن المحيط كالخارج المركز من الممثل على ما سيجيء إن شاء الله تعالى فإنه جزء منه على الحقيقة ( قال وتحته فلك الثوابت 4 ) سمي بذلك لكونه مكانا للكواكب الثوابت أعني ما عدا السبعة السيارة وتسميتها نوابت إما لبطء حركتها في الغاية بحيث لم تدرك إلا بالنظر الدقيق وإما لثبات ما بينها من الأبعاد على وتيرة واحدة وثبات عروضها عن منطقة حركتها وحكموا يكون حركة الثامن على منطقة وقطبين غير منطقة التاسع وقطبيه لأن حركة الحاوي والمحوي إذا كانت على مناطق وأقطاب بأعيانها لا تحس باختلاف الحركتين بل إنما يحس بحركة واحدة هي مركبة من مجموعها أن اتحدت الجهة أو حاصلة من فضل السريعة على البطيئة إن اختلفت الجهتان والألم يحس بالحركة أصلا بل يرى ساكنا وأيضا يعرف بآلات القياس أن الثوابت لا تختلف أبعادها عن قطبي العالم بل عن نقطة غيرهما واختلفوا في مقدار هذه الحركة فعلى رأي بطلميوس ومن قبله تقطع في كل مائة سنة درجة فتتم الدورة في ست وثلاثين ألف سنة وعلى رأي المتأخرين تقطع في كل ست وستين سنة درجة فتتم الدورة في ثلاثة وعشرين ألف سنة وسبعمائة وستين سنة وبعضهم وجدوها تقطع الدرجة في كل سبعين سنة فتتم الدورة في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة ويوافقه رصد مراغة فيمكن أن يكون ذلك لاختلال في الآلات أو لأسباب لا يطلع عليها إلا خالق السماوات ( قال واستدلالا من الكسف 3 ) يعني أنهم وجدوا القمر يكسف سائر السيارات ومن الثوابت ما يكون على ممره فحكموا بأن فلكه تحت الكل وهكذا الحكم في البواقي إلا الشمس فإنها لا يكسفها غير القمر ولا يدرك كسفها بشيء من الكواكب لاحتراقها عند مقارنتها فالحكم بكونها فوق الزهرة وعطارد استحسانا لما فيه من حسن الترتيب وجودة النظام حيث يكون النير الأعظم في الوسط من السيارات بمنزلة شمسة القلادة وقد تأكد هذا الاستحسان بمناسبات آخر وزعم بعضهم أنه رأى الزهرة كسامة على صفحة الشمس والحكم بكونها تحت الثلاثة العلوية أعني زحل والمشتري والمريخ مأخوذ من اختلاف المنظر وهو بعد ما بين طرفي الخطين المارين بمركز الكواكب الواصلين إلى فلك البروج الخارج أحدهما من مركز العالم والآخر موضع الناظر فإن وجوده يدل على القرب منا وعدمه على البعد وقد وجد للشمس دون العلوية والثوابت فعلم أنها تحتها ولم يعرف وجوده للزهرة وعطارد لأنه إنما يعرف بالة لهم تسمى ذات الشعبتين تنصب في سطح نصف النهار والزهرة وعطارد لكونهما حوالي الشمس دائما لا يصلان إلى نسف النهار ظاهرين ولما كانوا معترفين بأنه لا قطع في جانب كثرة الأفلاك وأنه لا يمتنع كون الثوابت على أفلاك شتى متفقة الحركات وأنهم إنما بنوا الكلام على عدم إثبات الفضل المستغنى عنه فلا جهة للاعتراض بأنه لم لا يجوز أن يكون كل من الثوابت على فلك وأن يكون بعضها تحت السيارات أو فيما بينها ( قال وأفلاكها الكلية ممثلات 6 )
يعني أن الفلك الكلي لكل من السبعة السيارة يسمى ممثل ذلك الكوكب بمعنى كونه ممثلا لفلك البروج أي موافقا له بالمركز والمنطقة والقطبين ( قال وفي جوف ممثل القمر 8 ) يريد الإشارة إلى تفصيل الأفلاك الجزئية التي يشتمل عليها الأفلاك الكلية وقد أرشدهم إلى ذلك ما أدركوا بالرصد للسيارات من اختلاف الأوضاع والحركات فن الأفلاك الجزئية ممثل القمر ويسمى الجوزهري لكون المحرك للجوزهرين وستعرفهما ومنها مائل القمر وهو فلك في جوف ممثل القمر مركزه مركز العالم يسمى بذلك لكون منطقته مائلة عن منطقة البروج ميلا ثابتا لا يتغير فالجوزهر يماس بمحدبه مقعر ممثل عطارد وبمقعره محدب المائل المماس بمقعره لمحدب كرة النار ومنها الأفلاك الخارجة المراكز والخارج المركز فلك محيط بالأرض خارج مركزه عن مركزها ويكون في ثحن فلك موافق المركز يماس بمحدبه محدب الموافق على نقطة واحدة هي أبعد نقطة عليه من مركز الأرض ويسمى الأوج وبمقعره مقعر الموافق على نقطة مقابلة للأولى هي أقرب نقطة عليه منه ويسمى الحضيض فبالضرورة يبقى الفضل من موافق المركز بعد انفصال الخارج المركز عنه جسمين مستديرين على مركز العالم غليظي الوسط بقدر ما بين مركزي الموافق المركز والخارج المركز يستدق ذلك الغلظ إلى أن ينعدم عند نقطتي التماس المقابلتين لغايتي الغلظ وهذان الجسمان يسميان بالمتممين ويكون ذلك التدرج من الغلظ إلى الرقة فيهما على التبادل بمعنى أن غاية رقة الحاوي منهما يكون عند الأوج وغاية غلظه عند الحضيض وغاية رقة المحوي عند الحضيض وغلظه عند الأوج وقد يكون الخارج المركز في ثحن خارج مركز آخر كما في عطارد ومنها التداوير والتدوير كرة في ثحن الخارج المركز يماس سطحها محدب الخارج بنقطة يسمى الذروة ومقعرة بنقطة مقابلة لها تسمى الحضيض والكوكب مركوز فيها بحيث يتماس بسطحاهما على نقطة ولم يعتبر لها ولا للكوكب تقعير بل اعتبرا مصمتين فقوله ثم في ثحن المائل إشارة إلى أن الموافق المركز المشتمل على الخارج المركز هو في القمر المائل وفي البواقي ممثلا بها وإن الحامل اسم للخارج المركز إذا كان في ثحنه التدوير لجملة مركز التدوير وإن خارج المركز لعطارد يسمى مديرا لإدارته مركز الحامل وهو الخارج المركز الذي ينفصل عن المدير انفصال المدير عن الممثل ويكون فيه التدوير فلعطارد خارجا مركز وأوجان وحضيضان وأربع متممات والمائل في المتحيزة اسم للخارج المركز الحامل للتدوير إذا تقرر هذا فنقول للشمس ممثل في ثحنه خارج مركز في ثحنه الشمس وللقمر ممثل في جوفه مائل في ثخنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه القمر ولعطارد وممثل في ثحنه خارج مركز يسمى مديرا في ثحنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه عطارد ولكل من الأربعة الباقية ممثل في ثحنه خارج مركز هو الحامل لتدوير فيه الكوكب وهذه صورها ( قال المبحث الثالث 2 )
لما كانت منطقة البروج ومعدل النهار متقاطعين على نقطتين توهموا دائرة تمر بنقطتي التقاطع ونقطتي البروج وأخرى تمر بالأقطاب الأربعة وتقطع معدل النهار ومنطقة البروج على زوايا قوائم فتقع على غاية بعد ما بين المنطقتين ويسمى الميل الكلي فبحسب هاتين الدائرتين ينقسم فلك البروج أربعة أقسام متساوية فتوهموا على كل واحد من ربعين متلاصقين منها نقطتين بعد كل منهما عن الأخرى كبعد الأخرى عن أقرب طرفي الربع إليها ثم توهموا أربع دوائر تمر بالنقط الأربع بمقابلاتها من الربعين الباقيين وفرضوا الدوائر الست قاطعة للعالم فانقسم الفلك الأعظم وسائر الأفلاك الممثلة إثنى عشر قسما سموا كل قسم منها برجا وجعلوا كل برج ثلاثين قسما سموا كل قسم درجة وكل درجة ستين قسما سموا كل قسم دقيقة وهكذا جعلوا كل دقيقة ستين ثانية وكل ثانية ستين ثالثة بالغا ما بلغ وسموا من نقطتي تقاطع المنطقتين النقطة التي تجاوزها الشمس إلى شمال معدل النهار أعني ما يلي القطب الشمالي اعتدالا ربيعا والنقطة التي تجاوزها الشمس إلى جنوب المعدل اعتدالا خريفيا وسموا نقطة تقاطع منطقة البروج والدائرة المارة بالأقطاب الأربعة في جانب الشمال انقلابا صيفيا وفي جانب الجنوب انقلابا شتويا لأن الربيع اسم لمدة حركة الشمس من الاعتدال الآخذ في الشمال إلى الانقلاب الشمالي أعني زمان قطعها للحمل والثور والجوزاء والصيف لمدة حركتها منه إلى الاعتدال الآخذ في الجنوب أعني زمان قطعها للسرطان والأسد والسنبلة والخريف لمدة حركتها منه إلى الانقلاب الجنوبي أعني زمان قطعها للميزان والعقرب والقوس والشتاء لمدة حركتها منه إلى الاعتدال الربيعي أعني زمان قطعها للجدي والدلو والحوت وهذه الأسامي مأخوذة من صورة توهمت من كواكب وقعت عند القسمة بحذاء الأقسام وحين انتقلت عن محاذاتها بحركة الفلك الثامن أثر وإبقاء الأسماء تيسرا للأمر في ضبط الحركات ( قال وكل من السيارة تقطع هذه البروج على التوالي 8 ) أعني من الحمل إلى الثور إلى الجوزاء وهكذا وهي حركة من المغرب إلى المشرق وعكسه خلاف التوالي أعني من الحمل إلى الحوت إلى الدلو وهكذا ونعني بالحركة إجمالا الحركة المركبة التي بها يعتبر انتقال الكوكب من برج إلى برج من غير أن ينظر إلى جزئيات الأفلاك وتفاصيل الحركات وبالتفصيل خلاف ذلك فالشمس تقطع البروج الإثنى عشر في ثلثمائة وخمسة وستين ويما وربع يوم وهي السنة الشمسية والقمر يقطعها إثنى عشر مرة في ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وسدس يوم وخمس يوم وهي السنة القمرية وزحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة والمريخ في سنتين إلا شهرا أو نصفا وكل من الزهرة وعطارد في سنة جميع ذلك على سبيل التقريب وأما التحقيق فيعرف من الزيجات ( قال وأما تفصيلا 6 )
إشارة إلى بيان الحركات البسيطة للأفلاك الجزئية إلى التوالي أو خلافه فمن الحركة إلى خلاف التوالي حركة مدبر عطارد حول مركزه على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما ويظهر في أوج الحامل وحضيضه ويحدث بسببها لمركز الحامل مدار حول مركز المدير يسمى الفلك الحامل لمركز الحامل وهي في اليوم بليلته تسع وخمسون دقيقة وثماني ثوان وعشرون ثالثة ووجه معرفة المدير وكون حركته على خلاف التوالي وعلى هذا المقدار مشهور فيما بينهم إلا أن في نقل صاحب المواقف سهو قلم لا بد من التنبه له وهو أنه جعل حال مركز التدوير وأوج الحامل في الميزان والحمل المقابلة وإنما هي المقارنة وجعل المدير إسما لمحرك مركز التدوير وإنما هو إسم لمحرك أوج الحامل المحرك لمركز التدوير وجعل بعد عطارد عن الشمس في الصباح والمساء في الميزان أعظم منه في الحمل والأمر بالعكس ومنها حركة ممثل القمر حول مركز العالم على منطقة البروج وقطبيها كل يوم ثلاث دقائق واثنتي عشرة ثانية وبها يتحرك جميع أفلاك القمر فينتقل الرأس والذنب ولذلك ينسب إليهما ويسمى حركة الجوزهر ومنها حركة مائل القمر حول مركز العالم على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما كل يوم إحدى عشرة درجة وتسعة دقائق ويتحرك لها الخارج المركز ومركزه وتسمى حركة الأوج لظهورها فيه وقد يسمى مجموع حركتي الجوزهر والمائل بحركة الأوج وأما حركاتها إلى التوالي فمنها حركات الأفلاك الممثلة سوى ممثل القمر وتظهر في الأوجات والحضيضات وهي على وفق حركة الفلك الثامن حتى ذهب بعضهم إلى أنها بحركته واختار الآخرون كونها حركات الممثلات بذواتها احترازا عن كونها عطلا والتزموا عدم تحركها بحركة الثامن لأن تحريك الحاوي للمحوي ليس بلازم ومنها حركات الأفلاك الخارجة المراكز سوى ما يخص باسم المدبر لعطارد وهو في كل يوم للشمس تسع وخمسون دقيقة وثماني ثوان وعشرون ثالثة على منطقة البروج دون قطبيها ولزحل دقيقتان وللمشتري خمس دقائق وللمريخ إحدى وثلاثون دقيقة وللزهرة كما للشمس ولعطارد درجة ونصف وللقمر أربع وعشرون درجة وثلاث وعشرون دقيقة جميع ذلك على غير معدل النهار ومنطقة البروج وغير أقطابهما ويظهر في مراكز تداوير الكواكب الستة ولذلك تسمى حركة مركز الكوكب ومنها حركة النصف الأعلى من تدوير كل من الخمسة المتحيزة على غير منطقة حاملها والنصف الأسفل من تدوير القمر على منقطة الحامل والمائل وهي في كل يوم لتداوير العلوية أعني زحل والمشتري والمريخ فضل حركة الشمس على حركة حواملها ولتدوير الزهرة سبعة وثلاثون دقيقة ولتدوير عطارد ثلاثة أجزاء وست دقائق ولتدوير القمر ثلاثة عشر جزأ وأربع دقائق ولا محالة يكون النصف الأسفل من تداوير المتحيزة والأعلى من تدوير القمر إلى خلاف التوالي ( قال ويقع للقمر 3 ) يعني لما كان حركة تدوير القمر على منطقة الحامل والمائل لم يقع له ميل عن منطقة البروج إلا بحسب المائل ولما كانت حركة تدوير المتحيزة على غير مناطق حواملها المائلة عن منطقة البروج كان لها ميل بحسب المائل عن منطقة البروج وبحسب التدوير عن منطقة المائل وكل من الميلين يسمى عرض الكوكب وحقيقته قوس من الدائرة المارة بقطبي البروج وبرأس الخط المار بمركز الكوكب الخارج من مركز العالم إلى الفلك الأعلى يقع بين المنطقة وبين رأس ذلك الخط وهو في مقابلة الطول وهو قوس من منطقة البروج على التوالي يقع بين نقطة الاعتدال الربيعي وبين الكوكب إن كان عديم العرض أو بين النقطة التي تقطع دائرة عرضه فلك البروج عليها إن كان ذا عرض ( قال ونقطتا تقاطع المائل 6 )
والممثل بالجوزهرين يعني بالمائل مائل القمر والأفلاك الخارجة المراكز للخمسة المتحيزة لما عرفت من أنها ليست في سطح منطقة البروج بل مائلة عنها فلهذا تقاطع الأفلاك الممثلة وسموا من الجوزهرين النقطة التي يجاوزها الكوكب إلى شمال منطقة البروج بالرأس والتي يقابلها بالذنب تشبيها المشكل الحادث بين نصفي المنطقتين من الجانب الأقل بالتنين وجعل الأخذ في الشمال رأسا لأنه أشرف من قبل ظهور القطب الشمالي وميل المساكن إليه وكثرة الكواكب فيه قوله فظهر يعني لما أثبتوا فلكا للحركة اليومية وآخر لحركة الثوابت وتأملوا في أحوال السبعة السيارة واختلافاتها فحكموا بأن للشمس ممثلا وخارج مركز وتدويرا وللقمر مائلا وممثلا وخارج مركز وتدويرا ولكل من العلوية والزهرة ممثلا وخارج مركز وتدويرا ولعطارد ممثلا ومدبرا وخارج مركز وتدويرا ولكل من المذكورات حركة خاصة صارت الأفلاك الجزئية أربعة وعشرين وكذا الحركات البسيطة ومبني ذلك على أنهم اعتقدوا في الفلكيات أنها منتظمة في حركاتها لا يعرض لها وقوف أو رجوع أو سرعة أو بطء أو انحراف عن سنتها فحين أدركوا شيئا من ذلك أثبتوا له سببا لا يخل بهذا الانتظام كإثبات الخارج المركز أو التدوير للاختلاف بالسرعة والبطء وإثبات التدوير للرجعة والاستقامة والوقوف مثلا إذا كان الكوكب متحركا حركة متشابهة على محيط فلك خارج مركزه عن مركز العالم الذي نحن بقربه تكون حركته بالقياس إلى مركز العالم مختلفة ويكون في القطعة التي هي أبعد منه بطيئة وفي القطعة التي هي أقرب سريعة لأن القسي المتساوية المختلفة بالبعد والقرب يرى البعيد منها أصغر من القريب وتوضيحه أنه إذا خرج خط يمر بالمركزين ويصل إلى الأوج والحضيض ثم قام عليه عمود يمر بمركز العالم ويصل إلى المحيط من الجانبين انقسم الممثل بهذا الخط قسمين متساويين وخارج المركز قسمين مختلفين أعظمهما ما يكون في النصف الأوجي من الممثل وأصغرهما ما يكون في النصف الحضيضي منه والكوكب لا يقطع كل نصف إلا بقطع ما فيه من الخارج فيكون زمان قطع النصف الأوجي أكثر والحضيضي أقل على تفاوت المسافتين أعني القسمين من الخارج المركز فترى الحركة في النصف الأوجي أبطأ وفي الحضيضي أسرع وعند طرفي الخط متوسطة كما إذا تحرك متحرك في ساعة فرسخين وفي أخرى فرسخا ولهذا كانت مدة فصلى الربيع والصيف أكثر من مدة فصلى الخريف والشتاء مع أن كلا من المدتين زمان لقطع النصف من فلك البروج وإذا كان الكوكب من التدوير في النصف الذي يوافق حركته حركة حامله أعني النصف الأعلى في المتحيزة والنصف الأسفل في القمر ترى حركته سريعة لقطعه فلك البروج بالحركتين جميعا وإذا كان في النصف الذي يخالف حركته حركة حامله أعني أسافل المتحيزة وأعلى القمر فإن كانت حركته أقل من حركة حامله يرى بطيئا لأنه إنما يقطع فلك البروج بفضل حركة الحامل على حركة التدوير وإن انتهت حركته إلى حد التساوي لحركة الحامل وذلك إنما يكون في المنحيزة دون القمر لما عرفت من مقدار حركات التداوير والحوامل ترى الكوكب واقفا لأن الحامل يحركه إلى التوالي جزأ ويرده التدوير إلى خلاف التوالي جزأ فيرى من فلك البروج في موضعه كأنه لا يتحرك وإن زادت حركة التدوير على حركة الحامل يرى راجعا لأن الحامل يحركه جزأ والتدوير يرده جزئين مثلا ( قال وأمثال هذه البيانات 8 ) قد يتوهم أن إثبات الأفلاك الجزئية والحركات البسيطة على الوجوه المخصوصة بناء على ما يشاهد ويدرك بالرصد من الاختلافات اللازمة على تقدير ثبوتها إثبات للملزوم بناء على وجود لازمه وليس بمستقيم إلا إذا علم المساواة وليست بمعلومة إذ لا ضرورة ولا برهان على امتناع أن تكون تلك الاختلافات لأسباب أخر والجواب أنها مقدمات حدسية حيث يحكم العقل الجازم بانتظام السمويات بثبوتها عند أدرك الاختلافات من غير ملاحظة وسط وترتيب وهم معترفون بذلك مصرحون به في أمر الخسوف والكسوف ونحوهما ولهذا اختلفوا وترددوا فيما لم يحكم الحدس به كالمجرة ومحو القمر وأن الختلاف الشمس بالسرعة والبطء مبني على التدويرا والخارج المركز وأن حركات أوجات الممثلات بأنفسها أو بالفلك الثامن ( قال كما تحدسوا 9 )
أورد ههنا من الحدسيات المشهورة فيما بينهم إضاءة القمر بالشمس وما يترتب على ذلك من الخسوف والكسوف وذلك أن اختلاف تشكلات القمر بحسب أوضاعه من الشمس يدل على أن جرمه مظلم كثيف صقيل يقبل من الشمس الضوء لكثافته وينعكس عنه لصقالته فيكون أبدا المضيء من جرمه الكري أكثر من النصف بقليل لكون جرمه أصغر من جرم الشمس فيفصل بين المضيء والمظلم دائرة قريبة من العظمة تسمى دائرة النور ويفصل بين ما يصل إليه نور البصر من جرم القمر وبين ما لا يصل دائرة تسمى دائرة الرؤية والدائرتان تتطابقان في الاجتماع ولكونه تحت الشمس يكون النصف المظلم منه حينئذ مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق وكذا في الاستقبال لكن ما يلي البصر حينئذ هي القطعة المضيئة والقمر حينئذ يسمى بدرا وتتقاطعان في سائر الأوضاع أما في التربيعين فعلى زوايا قائمة فيرى منه الربع وأما في غيرهما فعلى حادة ومنفرجة فيرى الشكل الهلالي إن كان ما يلي الشمس هو القسم الذي يلي الزاوية الحادة والشكل الإهليلجي إن كان هو القسم الذي يلي المنفرجة وأول ما يبدو للناظر بعد الاجتماع يسمى بالهلال وهو حيث البعد بينه وبين الشمس قريب من اثنتي عشرة درجة أو أقل أو أكثر على اختلاف أوضاع المساكن ( قال وإذا كان القمر 7 ) إشارة إلى سبب الكسوف وهو حالة تعرض للشمس من عدم الاستنارة والإنارة بالنسبة إلى الإبصار حين ما يكون من شأنها ذلك بسبب توسط القمر بينها وبين الأبصار وذلك إذا وقع القمر على الخط الخارج من البصر إلى الشمس ويسمى ذلك بالاجتماع المرئي ويكونان لا محالة على إحد ى العقدتين الرأس والذنب أو بقربهما بحيث لا يكون للقمر عرض مرئي بقدر مجموع نصف قطره وقطر الشمس فلا محالة يحول بين الشمس وبين البصر ويحجب بنصفه المظلم نورها عن الناظرين بالكل وهو الكسوف الكلي أو بالبعض فالجزئي ولكونه حالة تعرض للشمس لا في ذاتها بل بالنسبة إلى الإبصار جاز أن يتفق الكسوف بالنسبة إلى قوم دون قوم كما إذا سترت السراج بيدك بحيث يراه القوم وأنت لا تراه وأن يكون كليا لقوم جزئيا لآخرين أو جزئيا للكل لكن على التفاوت وأما إذا كان عرض القمر المرئي بقدر نصف مجموع القطرين فيما بين جرم القمر مخروط شعاع الشمس فلا يكون كسوف ( قال وإذا كان عند الاستقبال 3 ) إشارة إلى سبب الخسوف وذلك أن القمر عند استقباله الشمس إذا كان على إحدى العقدتين وأو بقربها بحيث يكون عرضه أقل من نصف مجموع قطره وقطره مخروط ظل الأرض انحجب بالأرض عن نور الشمس فيرى أن كان فوق الأرض على ظلامه الأصلي كلا أو بعضا وذلك هو الاخسوف الكلي أو الجزئي وأما إذا كان عرضه عن منطقة البروج أقل من نصفي القطرين فيماس مخروط الظل فلا ينخسف ( قال هذا ولكنهم وجدوا 9 ) يعني أنهم وأن أثبتوا بحكم الحدس هذه الأفلاك والحركات لكنهم وجدوا في القمر والخمسة المتحيزة اختلافات أخر تورث إشكالات على ما أثبتوا لها من الأفلاك والحركات مثل أشكال المحاذاة وأشكال تشابه الحركة وأشكال عرض السفليين فمنهم من تحير ومنهم من تصدى لحل البعض مع الاعتراف بالخلل فيه وادعى صاحب التحفة حل الجميع وجه أشكال المحاذاة والتشابه أنه إذا تحرك مركز كرة كنقطة ( ا ) التي هي مركز كرة ( ب ح ) على محيط دائرة كدائرة ( ا ء ه ) وكانت تلك الحركة بسيطة حدثت عند مركز ذلك المحيط وهو ( ز ) في أزمنة متساوية زوايا متساوية كزوايا ( ا ء ء ز ه ) ويتبع ذلك تساوي قسي المحيط في تلك الأزمنة كقسي ( ا ء ء ه ) ويلزم أيضا أن تكون أبعاد مركز الكرة المفروضة عن نقطة ( ز ) أيضا متساوية في جميع الأوضاع كخطوط ( ز ا ز ء ز ه ) إذ كل منها نصف قطر دائرة ( ا ء ه ) ويلزم أيضا أن يكون قطر ( ب ج )
من الكرة المفروضة أبدا محاذيا لنقطة ( ز ) حتى إذا صار مركز الكرة من ( ا ) إلى ( ء ) كان القطر مثل ( ح ط ) وإذا صار إلى ( ه ) كان مثل ( ك ل ) فمركز التدوير إذا كان متحركا على محيط حامله الخارج المركز كما قدروه لزم أن تكون الأمور الثلاثة بالنسبة إلى مركز الخارج لكنها بالأرصاد المعتيرة لم توجد كذلك بل وجد في القمر تشابه حركة مركز التدوير أعني أحداث الزوايا المتساوية في الأزمنة المتساوية حول مركز العالم ومحاذاة القطر المار بالذروة والحضيض لنقطة من جانب الحضيض لا الأوج على ما وقع في المواقف سهوا بعدها عن مركز العالم كبعد ما بين مركز العالم ومركز الخارج المركز أعني نقطة تتوسط مركز العالم كبعد ما بين مركز الخارج فاتجه الاشكالان ووجد في عطارد تشابه الحركة حول نقطة على منتصف ما بين مركز العالم ومركز المدير وفي الزهرة والعلوية على منتصف ما بين مركز العالم ومركز الحامل فاتجه على كل أشكال وأما محاذاة القطر في المتحيرة وإن لم يكن لمركز الحامل لكنها لما كانت للنقطة التي بحسبها تتشابه الحركة لم يتجه ههنا أشكال اختلاف المحاذاة كما في القمر ووجه أشكال عرض السفليين أن تقاطع منطقتي المائل والممثل تقتضي أن يكون أحد نصفيه شماليا من الممثل والآخر جنوبيا ولما كان مركز التدوير في سطح المائل لزم أن يكون كذلك لكنهم وجدوه للزهرة دائما إما على العقدة وإما في الشمال ولعطارد دائما إما على العقدة وإما في الجنوب بناء على انطباق المنطقتين وانفصالهما بحيث إذا انتهت حركة مركز تدوير الزهرة من الرأس إلى الذنب وجاز أن ينتقل إلى جانب الجنوب صار نصف مائله الشمالي جنوبيا والجنوبي شماليا فكان انتقاله إلى الشمالي وهكذا أبدا وعطارد بالعكس ولا بد لهذا الانطباق والانفصال من محرك ولم يذكروه ( قال المبحث الرابع 6 ) هذه دوائر توهموها بملاحظة السقليات ينتفع بها في استخراج القبلة واختلاف البلاد في طول النهار وقصره وغير ذلك من الخواص فمنها دائرة الأفق وهي الفاصلة بين الظاهر من الفلك والخفي منه فإن اعتبرت بالنسبة إلى مركز الأرض فأفق حقيقي والدائرة عظيمة أو إلى وجه الأرض فأفق حسي والدائرة قريبة من العظيمة وهما متوازيان وقطباهما سمت الرأس وسمت القدم أعني طرفي حط يمر على استقامة قامة الشخص بمركز الأرض وينفذ في الجهتين إلى محيط الكل والظاهر بالأفق الحسي أقل من الخفي بقدر ما يقتضيه نصف قطر الأرض وإنما يحس بالتفاوت في فلك الشمس وما دونها إذ ليس للأرض بالقياس إلى ما فوقها قدر محسوس والدوائر الصغار الموازية للأفق فوق الأرض تسمى مقنطرات الارتفاع وتحتها مقنطرات الانحطاط قان كان قطبا الأفق قطبي العالم انطبقت دائرة الأفق على معدل النهار وكان الدور رحويا وذلك حيث يكون أحد قطبي العالم على سمت الرأس وإن كانا غير قطبي العالم كان الأفق مقاطعا لمعدل النهار على نقطتين تسمى إحداهما نقطة المشرق ومطلع الاعتدال ووسط المشارق والأخرى نقطة المغرب ومغرب الاعتدال ووسط المغارب وتقاطعهما إن كان على زوايا قوائم سمى الأفق أفق الاستواء وإلا فالأفق المائل ولا حصر للآفاق المائلة ومنها دائرة نصف النهار وهي عظيمة تمر بقطبي الأفق أعني سمت الرأس والقدم ولقطبي العالم سميت بذلك لأن النهار ينتصف عند وصول الشمس إليها ولا خفاء في عدم اطراد التعريف إذ قد يصدق على كل دائرة تمر بقطبي العالم عند كونهما سمي الرأس والقدم أعني حيث تنطبق دائرة الأفق على معدل النهار وهذه الدائرة قطباها نقطتا المشرق والمغرب وهي تنصف المعدل وجميع المدارات اليومية الظاهرة منها والخفية وبها يعرف غاية ارتفاع الشمس والكواكب وذلك حين يصل إليها فوق الأرض وغاية انحطاطها وذلك إذا وصلت إليها تحت الأرض ( قال وتوهموا في سطح كل من معدل النهار وأفق الاستواء ونصف النهار دائرة على الأرض 3 )
بأن جعلوا الدوائر الثلث قاطعة للعالم فلا محالة يحدث على بسيط الأرض ثلث دوائر إحداها تسمى خط الاستواء وخط الاعتدال وهو الفاصل بين النصف بالجنوبي من الأرض والشمالي منها والثانية تسمى أفق خط الاستواء وأفق نصف نهار القبة وأفق وسط الأرض وهو الفاصل بين النصف الظاهر من الأرض والنصف الخفي وبهاتين الدائرتين تصير الأرض أرباعا والمكشوف منها أحد الربعين الشماليين وتسمى المعمورة والربع المسكون وإن كان أكثر خرابا والثالثة تسمى خط نصف النهار وهو الفاصل بين النصف الشرقي من الأرض والغربي منها ( قال وسموا من دائرة نصف النهار 7 ) عرض البلد قوس من دائرة نصف النهار ما بين معدل النهار وقطب أفق البلد أعني سمت الرأس ولا محالة تساوي ما بين أفق البلد وقطب المعدل أعني ارتفاع القطب ففي أفق الاستواء لا عرض للبلد لأن الخط الخارج من مركز العالم المار تسمى الرأس والقدم يقع على معدل النهار ولا يبعد عنه وفي الأفق المنطبق على معدل النهار يكون العرض في الغاية أعني تسعين وفي غيرهما يكون للبلد عرض بقدر ميل الأفق عن المعدل فإذا أخذنا ارتفاع الشمس في نصف النهار يوم الاعتدال الربيعي أو الخريفي وألقيناه من تسعين كان الباقي عرض البلد وأما طول البلد فهو قوس من معدل النهار ما بين نصف نهار البلد ونصف نهار آخر العمارة في المغرب واعتبر اليونانيون من المغرب لكونه أقرب نهايتي العمارة إليهم وآخر العمارة عند بعضهم ساحل البحر الغربي وعند بطلميوس الجزاير الخالدات الواغلة في البحر وبينهما عشر درجات وهي قريبة من مئتين وعشرين فرسخا ( قال وقسموا المعمورة 8 ) لما لم يكن على خط الاستواء وما يدانيه شمالا وجنوبا عمارة وافرة لفرط الحرارة ولم يكن حوالي القطبين عمارة أصلا لفرط البرودة وقع معظم العمارة في الربع المسكون بين ما يجاوز عشر درجات في العرض عن خط الاستواء إلى أن يبلغ العرض قريب خمسين فقسم أهل الصناعة هذا القدر سبعة أقسام في العرض حسب ما ظهر لهم من تفاوت تشابه الأحوال في الحر والبرد فاعتبروا في الطول الامتداد من المشرق إلى المغرب وفي العرض تفاضل نصف ساعة في مقادير النهار الأطول أعني نهار كون الشمس في الانقلاب الصيفي وكل من الأقاليم ينحصر بين نصفي مدارين موازيين لخط الاستواء أشبه شيء بأنصاف الدفوف ولا محالة يكون أحد طرفيه وهو الشمالي أضيق ومبدأ الإقليم الأول حيث العرض اثنا عشر درجة وثلثا درجة والثاني حيث العرض عشرون وربع وخمس والثالث حيث العرض سبع وعشرون ونصف والرابع حيث الأرض ثلاث وثلاثون ونصف وثمن والخامس حيث العرض تسع وثلاثون إلا عشرا والسادس حيث العرض ثلاث وأربعون وربع وثمن والسابع حيث العرض سبع وأربعون وخمس وآخره حيث العرض خمسون وثلاث ومنهم من جعل مبدأ الأول خط الاستواء وآخر السابع منتهى العمارة ( قال ففي خط الاستواء 6 )
إشارة إلى نبذ من خواص المواضع التي لا عرض لها وإلى التي لها عرض أما البقاع التي لا عرض لها لكونها على خط الاستواء فدور الفلك هناك يكون دولابيا لأن سطوح جميع المدارات اليومية يقطع سطح الأفق على زوايا قائمة كما يقطع سطح الدولاب سطح الماء ويكون الليل والنهار في جميع السنة متساويين لأن الأفق بنصف جميع المدارات اليومية فيكون الظاهر أعني قوس النهار مساويا للخفي أعني قوس الليل فإن كان تفاوت كان بسبب اختلاف المسير بسبب الحركة الثانية مثلا إذا كانت الشمس بالنهار في النصف الأوجي من فلكها الخارج كانت حركتها الثانية أعني التي من المغرب إلى المشرق أبطأ فتديرها الحركة الأولى من المشرق إلى المغرب أسرع وإذا انتقلت بالليل إلى النصف الحضيضي كانت الحركة الثانية أسرع فتعيدها الحركة الأولى أبطأ فتفاوت الحركتان في نصفي مدار ذلك اليوم لكن ذلك غير محسوس وتسامت الشمس رؤسهم في السنة مرتين مرة في اعتدال رأس الحمل ومرة في اعتدال رأس الميزان لأن مدار الشمس حينئذ هو المعدل المار بسمت رؤسهم ويبعد عنهم غاية البعد مرتين مرة في انقلاب رأس السرطان وأخرى في انقلاب رأس الجدي ولكون غاية القرب مبدأ الصيف وغاية البعد مبدأ الشتاء يكون لهم صيفان وشتاآن وبين كل صيف وشتاء خريف وبين كل شتاء وصيف ربيع فتكون فصولهم ثمانية كل منها شهرا ونصفا تقريبا وأما في عرض تسعين أعني حيث يكون قطب العالم على سمت الرأس فدور الفلك يكون رحويا لكون معدل النهار هو الأفق ولا يبقى في الأفق مشرف ولا مغرب متميزين بل في جميع الجهات يمكن أن يكون طلوع وغروب ولا نصف النهار أيضا بل في جميع الجهات يمكن أن تبلغ الشمس وغيرها من السيارات غاية الارتفاع والنصف من الفلك يكون أبدي الظهور أعني الذي يكون من معدل النهار في جهة القطب الظاهر والنصف الآخر يكون أبدى الخفاء فالشمس مادامت في النصف الظاهر من فلك البروج يكون نهارا ومادامت في النصف الخفي منه يكون ليلا فتكون السنة كلها يوما وليلة ولا تفاضل إلا من جهة بطء حركة الشمس وسرعتها وأما في المواضع التي يكون عرضها دون تسعين فيكون الدور حمائليا لميل المعدل عن الأفق في جهة القطب الخفي وميل الأفق عنه في جهة القطب الظاهر ولهذا سميت بالآفاق المائلة والأفق يقطع المدارات اليومية على زوايا غير قائمة ويماس البعض ولا يقاطعه أعني الذي يكون بعده عن القطب بقدر عرض البلد ويكون هو وما هو أصغر منه إلى القطب أبدى الظهور في جانب القطب الظاهر وأبدى الحفأ في جانب القطب الخفي وأما التي يقاطعها الأفق فإن كانت في شمال المعدل كانت القسي الظاهرة أعظم في العرض الشمالي وأصغر في العرض الجنوبي والقسي الخفية بالعكس فإذا كانت الشمس في البروج الشمالية أعني من الحمل إلى الميزان كان النهار أطول من الليل في العرض الشمالي لكون القسي الظاهرة أعظم وكان أقصر في العرض الجنوبي لكونها أقصر وإذا كانت في البروج الجنوبية أعني من الميزان إلى الحمل كان الأمر بالعكس أي كان النهار في العرض الشمالي أقصر وفي الجنوبي أطول لما عرفت وإن كانت المدارات التي يقاطعها الأفق في جنوب المعدل كانت القسي الظاهرة أعظم في العرض الجنوبي وأصغر في الشمالي فعند كون الشمس في البروج الشمالية كان النهار أقصر في العرض الشمالي وأطول في الجنوبي وعند كونها في البروج الجنوبية كان الأمر بالعكس وكلما كان عرض البلد أكثر كان مقدار التفاوت بين الليل والنهار أكثر لازدياد ارتفاع القطب الظاهر والمدارات التي تليه وازدياد فضل قسيها الظاهرة على الخفية وازدياد انحطاط القطب الخفي والمدارات التي عنده فيزداد فضل قسيها الخفية على الظاهرة ويكون تزائد النهار وتناقص الليل إلى رأس المنقلب الذي يلي القطب الظاهر وتناقص النهار وتزايد الليل إلى رأس المنقلب الآخر ويكون نهار كل جزء مساويا لليل نظيره وبالعكس كنهار أول السرطان لليل أول الجدي وبالعكس ( قال خاتمة 2 )
يريد أن أكثر ما ذكروا من عظم أمر السمويات وعجيب خلقها وبديع صنعها وانتظام أمرها أمر ممكن شهد به الأمارات ودل عليه العلامات من غير إخلال بما يثبت من القواعد الشرعية والعقائد الدينية إلا أنهم بنوا ذلك على أصل هو كون الصانع موجبا لا مختارا وذلك في غاية الفساد وجعلوا له فرعا هو تأثير الحركات والأوضاع فيما يظهر في عالم الكون والفساد من الحوادث وهو أصل الإلحاد ثم أنهم لما ذهبوا إلى أن الفلكيات خالية عن اللون والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك أورد عليهم أنا نشاهد السماء أزرق والقمر عند الخسوف أسود وزحل كمدا والمشتري أبيض والمريخ أحمر وإنهم يجعلون زحل باردا يابسا والمريخ حارا يابسا وكذا في سائر السيارات ودرجات البروج على ما بين في كتب الأحكام فأجابوا بأن الزرقة متخيلة في الجو لا متحققة في السماء وسواد القمر عدم إضاءة جرمه وما يشاهد في المنحيرة ليس اختلاف ألوان بل اختلاف أضواء ومعنى وصف الكواكب أو الدرج بالكيفيات الفعلية والانفعالية ظهور تلك الآثار سببا في عالم العناصر بحسب ما يحدث لها من الحركات والأوضاع ولما ذهبوا إلى أن الفلك بسيط ليس فيه اختلاف أجزاء أصلا أورد عليهم تعين بعض الأجزاء لكونه منطقة وبعضها لكونه قطبا وبعضها لكونه محلا لارتكاز الكواكب أو التدوير فيه إلى غير ذلك من الاختلافات اللازمة على أصولهم فأجيب بأن تشابه الأسباب القابلية لا ينافي اختلاف الآثار لجواز أن يكون عائدا إلى الأسباب الفاعلية وفيه نظر لأن الفاعل إن كان موجبا كما هو مذهبهم فنسبته إلى الكل على السواء فلا يتأتى هذا الاختلاف وإن كان مختارا كما هو الحق فقد سقط جميع ما بنوا من أصول علم الهيئة على نفي الفاعل المختار إذ يجوز أن يكون اختلاف الحركات والأوضاع المشاهدة مستندا إلى مشية القادر المختار فلا يثبت ما أثبتوا من الحركات والأفلاك ثم عليهم اعتراض آخر وهو أنهم جعلوا هذه الحركات المخصوصة على النظام المخصوص مع لزومها أزلا وأبدا من قبيل الحركات الإرادية واقعة بإرادات جزئية من النفوس الفلكية على ما سيأتي مع أنا قاطعون بأن الحركة الإرادية يجوز أن تختلف أو تنقطع بمقتضى الإرادة ولا يلزم أن تستمر على وتيرة واحدة ( قال القسم الثاني في البسايط العنصرية 9 ) المعول عليه من أقوال الفلاسفة أنها أربعة النار والهواء والماء والأرض لأن الشواهد الحسية والتجريبية والتأمل في أحوال التركيبات والتحليلات قد دلت على أن الأجسام العنصرية بسايطها ومركباتها لا تخلو عن حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ولم يوجد في البسايط ما يشتمل على واحدة فقط ولم يمكن اجتماع الأربعة أو الثلاثة لما بين الحرارة والبرودة وبين الرطوبة واليبوسة من التضاد فتعين اجتماع اثنتين من الكيفيات الأربع في كل بسيط عنصري فالجامع بين الحرارة واليبوسة هو النار وبين الحرارة والرطوبة هو الهواء وبين البرودة والرطوبة هو الماء وبين البرودة واليبوسة هو الأرض ومبني ما ذكروا في بيان الحصر على هذه الكيفيات الأربع كما يقال العنصر إما حار أو بارد وكل منهما إما يابس أو رطب أو على لوازمها كما يقال العنصر إما خفيف أو ثقيل وكل منهما إما على الإطلاق أو على الإضافة أو يقال لا بد في تركيب الممتزجات من لطيف أو كثيف فاللطيف إما بحيث يحرق ما يلاقيه وهو النار أو لا وهو الهواء والكثيف إما سيال وهو الماء أو لا وهو الأرض أو يقال لا بد فيه من قبول الأشكال وجمع وتفريق للأجزاء فالعنصر إما قابل للأشكال بسهولة أو بعسر وكل منهما إما أن يكون له قوة جامعة أو مفرقة هذا والتعويل على الاستقراء ولابن سينا في ذلك كلام طويل أورده الإمام في المباحث مع جمل من الاعتراضات عليه ثم قال والحق أن من حاول بيان الحصر للعناصر بتقسيم عقلي فقد حاول ما لا يمكنه الوفاء به نعم الناس لما بحثوا بطريق التركيب والتحليل وجدوا تركيب الكائنات مبتدأ من هذه الأربعة وتحليلها منتهيا إليها ثم لم يجدوا هذه الأربعة متكونة من تركيب أجسام أخر ولا منحلة إليها فلا جرم زعموا أن الاسطقسات هي هذه الأربعة
( قال ولم يقو الاشتباه 7 ) يعني أن للفلاسفة في كمية العناصر اختلافات منهم من جعل العنصر واحدا والبواقي بالاستحالة قيل النار وقيل الهواء وقيل الماء وقيل الأرض وقيل البخار ومنهم من جعله اثنين قيل النار والأرض وقيل الماء والأرض وقيل الهواء والأرض ومنهم من جعله ثلاثة قيل النار والهواء والأرض وإنما الماء هواء متكاثف وقيل الهواء والماء والأرض وإنما النار هواء شديد الحرارة ولم يذكروا لهذه الأقوال شبهة تعارض الاستقراء الصحيح فتدفع ظن كون العناصر أربعة على الكيفيات المذكورة ولم يقو الاشتباء إلا في أمور ثلاثة الأول وجود كرة النار فإنه لا سبيل إلى إثباتها والاستدلال بالشهب زعما منهم أنها دخان غليظ يشتعل بالوصول إلى كرة النار ضعيف لجواز أن يكون لها سبب غير ذلك سيما على القواعد الإسلامية وأن يكون ما يشاهد من الشعل والنيران هواء اشتدت حرارته لا عنصرا برأسه الثاني يبوسة النار بمعنى عسر قبول التشكلات وتركها فإن الطريق إلى أمثال ذلك هو التجرية والمشاهدة ولا مجال لهما في النار الصرفة المحيطة بالهواء على زعمهم وأما المخلوطة التي على وجه الأرض فظاهر أنها بخلاف ذلك والاستدلال بأن شأن الحرارة إفناء الرطوبات والنار الصرفة في غاية الحرارة فيلزم أن تكون في غاية اليبوسة ضعيف لأن إفناءها للرطوبة الطبيعية المفسرة بسهولة قبول التشكلات وتركها غير مسلم بل إنما تفني البلة والأجزاء المائية وما هو كذلك لا يلزم أن يكون يابسا في نفسه كما في الهواء الصرف الثالث حرارة الهواء الصرف فإنه لا دليل على إثباتها في الهواء الصرف عن انعكاس الأشعة ألا ترى أنه كلما كان أرفع من الأرض كان أبرد إلى أن يصير زمهريرا وما يقال أن ذلك بسبب مجاورة الباردين أعني الماء والأرض مع زوال المانع أعني انعكاس الأشعة فغير مسلم وأما الاستدلال بأن النار حارة فلو كانت رطبة لكانت هواء وبأن الهواء رطب فلو كان باردا لكان ماء ففي غاية الضعف لأن الاشتراك في اللوازم سيما اللوازم المختلفة بالشدة والضعف المختص بكل من الملزومات بعض تلك المختلفات لا يوجب اتحاد الملزومات في الماهية ( قال ثم جعلوا 4 ) يعني ذهب الفلاسفة إلى أن هذه العناصر أركان جميع المركبات العنصرية أعني المسماة بالمواليد أعني المعادن والنبات والحيوان بمعنى أن تركب جميعها إنما هو من هذه الأربعة وتحليل جميعها إنما هو إليها أما التركيب فلأنا نشاهد أنه إذا اجتمع الماء والتراب مع تخلل الهواء وفيضان حرارة من الشمس حدث النبات ثم أنه يصير غذاء للحيوان فيتأدى بحسب ما يتوارد عليه من الاستحالات والانقلابات إلى أن يتكون منه حيوان ولو فقد واحد من الأربعة لم يحدث كالتراب بلا رطوبة أو بلا هواء متخلل أو حرارة طابخة وأما التحليل فلأنا إذا وضعنا مركبا في القرع والأنبيق وأوقدنا عليه نارا من شأنها تفريق المختلفات تصاعد منه أجزاء هوائية وتقاطر أجزاء مائية وبقي أجزاء أرضية ومعلوم أنه لا بد من أجزاء نارية تفيد طبخا ونضجا يوجب حصول مزاج يستتبع صورة نوعية حاصلة تحفظ الأجزاء المجتمعة بالأسباب السابقة عن التفرق والانفصال والمركب عن الانحلال إذ ربما لا يكفي تلك الأسباب لكونها على التقضي والزوال وفيما ذكرنا دفع لما يقال أن شأن الحرارة تفريق المختلفات فكيف تكون جامعة لها وأنه لا بد للتجاور والاجتماع بين الجزء الناري وغيره من سبب يستديمه ريثما يتم التأثير والتأثر فلم لا يكون هو المانع من تفريق الأجزاء من غير افتقار إلى الصورة النوعية نعم يرد أنه لم لا يجوز أن يكون الطبخ والنضج بحرارة الأجزاء الهوائية أو الفائضة من الأجرام السماوية من غير جزء ناري وأن يكون الحافظ محض إرادة القادر المختار أو مجرد امتزاج الرطب باليابس ولو سلم ما ذكر فيما نشاهد بتركيبه وتحليله فلا يدل على أن جميع المركبات كذلك ( قال المبحث الثاني 2 )
زعموا أن هيولي العناصر مشتركة قابلة لصورها النوعية وخصوصيات الصور إنما هي بحسب الاستعدادات الحاصلة بالأسباب الخارجة فعند تبدل الأسباب الخارجة والاستعدادات يجوز أن تزول صورة وهو المراد بالفساد وتحدث صورة أخرى وهو المراد بالكون وهذا معنى انقلاب عنصر إلى آخر وقد علم أن النار فوق الكل وتحتها الهواء ثم الماء ثم الأرض وكل من الأربعة ينقلب إلى ما يجاوره فتقع ثلاثة ازدواجات أحدها بين النار والهواء والثاني بين الهواء والماء والثالث بين الماء والأرض وإلى غير المجاور بواسطة واحدة فيقع ازدواجان أحدهما بين النار والماء والثاني بين الهواء والأرض أو بواسطتين فيقع ازدواج واحد هو بين النار والأرض ويشتمل كل ازدواج على نوعين من الكون والفساد أعني انقلاب هذا إلى ذلك وبالعكس فالأنواع الأولية ستة والتي توسط أربعة وبوسطين اثنان فالجميع اثنا عشر حاصلة من ضرب كل من الأربعة في الثلاثة الباقية ويشهد بوقوع الكل الحس والتجربة ولم يقع الاشتباه إلا في انقلاب الهواء ماء فقد قيل أن ركوب القطرات على الإناء المبرد بالجمد يجوز أن يكون للرشح أو لانجذاب الأبخرة إليه على ما قال أبو البركات أن في الهواء المطيف بالإناء أجزاء لطيفة مائية لكنها أصغرها وجذب حرارة الهواء إياها لم تتمكن من خرق الهواء والنزول على الإناء فلما زالت سخونتها لمجاورة الإناء المبرد بالجمد كثفت وثقلت فنزلت واجتمعت على الإناء ورد الأول بأنه لو كان للرشح لكان الماء الحار أولى بذلك لكونه ألطف ولما كان الندا إلا في مواضع الرشح على أن الرشح إنما يتوهم في الإناء المملوء بالجمد دون المكبوب عليه والثاني بأنه لا يتصور بقاء هذا القدر من الأجزاء المائية في الهواء الحار الصيفي بل لا بد من أن يتبخر ويتصعد ولو سلم فينبغي أن ينفد أو ينقص بالنزول فلا تعود قطرات الإناء بعد إزالتها ولو ادعى أنها نزلت من مسافة أبعد لزم أن تكون في زمان أطول والوجود بخلافه على أن النزول إنما يكون على خط مستقيم فكيف يقع على جوانب الإناء ( قال المبحث الثالث 7 ) لما كانت النار شديدة الإحالة لما جاورها إلى جوهرها لقوة كيفية الحرارة النارية وشدتها كانت لها طبقة واحدة وهي صحيحة الاستدارة بمحدبها ومقعرها لبقائها على مقتضى طبعها إلا عند من يجعل النار عبارة عن هواء مسخن بحركة الفلك فلا محالة ترقى في الموضع القريب من القطب لبطء الحركة وتغلظ فيما يلي المنطقة لسرعتها فلا يكون مقعر النار صحيح الاستدارة ثم لا يخفى أن حركة المحيط لا توجب حركة المحاط عند اتحاد المركز لكن قد تتحرك بتبعيته لأسباب خارجة وقد استدلوا بما يشاهد من حركات الشهب وذوات الأذناب على نهج حركة الفلك أن كرة النار تتحرك بتحركة الفلك وإنما لم يتحرك الهواء تبعا للنار لأنه لرطوبته وعدم بقاء أجزائه على أوضاعها ينفصل بسهولة فلا يلازم جرم المحيط به وقيل أن كل جزء يفرض من النار له جزء معين من الفلك كالمكان الطبيعي له وهو ملازم له ملاصق به طبعا فيتبعه في الحركة ورد بأن الفلك لتشابه الأجزاء وكذا النار الملاقية له لكونها بسيطة فيكون حال كل جزء من النار مع كل جزء من الفلك كحاله مع سائر الأجزاء فلا يكون البعض منها طالبا للبعض منه بالطبع وأما الهواء فمحدبه صحيح الاستدارة على الرأي الأصح لملاصقية مقعر النار لا مقعرة لما يرى من أمر المياه والجبال والوهاد وله أربع طبقات إحديها الدخانية المجاورة للنار يخالطها أجزاء من النار ويتصاعد إليها أجزاء من الدخان فتكون مركبة من الأرضية والهوائية والنارية وتحتها الصرفة التي يجاورها الدخان ولم يرتفع إليها البخار وذلك لأن الدخان لمخالطته الأجزأ النارية وتصعده من اليابس من حيث أنه يابس يكون أخف حركة وأشد نفوذا وتحتها الطبقة الزمهريرية الباردة حد المخالطة الأبخرة الصاعدة إليها وانقطاع أثر انعكاس الأشعة الحاصلة من أنوار الكواكب وتحتها الطبقة المجاورة للأرض المتسخنة بانعكاس الأنوار من مطرح الشعاع وأما الماء فطبقة واحدة هي البحر المحيط بالأرض ولم يبق على صرافتها لنفوذ آثار الأشعة ومخالطة الأجزاء الأرضية وإنما اختلفت بالعذوبة والملوحة والصفاء والكدورة لاختلاف مخالطة الأجزاء الأرضية قلة وكثرة وأما الأرض فثلث طبقات إحديها الغيرية التي انكشفت بعضها عن الماء وتجففت بحر الشمس والكواكب وبقي بعضها تحت الماء والثانية الطينية الممتزجة من الماء والتراب والثالثة الصرفة القريبة من المركز فتكون طبقات العناصر تسعا وجعلها صاحب المواقف سبعا لأنه أسقط الماء لعدم بقائه على الكرية والإحاطة عن الطبقات وجعل الهواء ثلثا أعلاها المخلوطة من النارية والهوائية وتحتها الزمهريرية وفسرها بالهواء الصرف وتحتها البخارية المخلوطة من الهوائية والمائية ولا أدري كيف خفي عليه أن ما تحت الأعلى مع بعده عن مجاورة الأرض والماء لا يكون زمهريرا وإن الزمهرير لا يكون هواء صرفا
( قال وهي 2 ) أي الأرض مع الماء بمنزلة كرة واحدة مركزها مركز العالم وليست الأرض على حقيقة الاستدارة لما فيها من الجبال والوهاد وما يقال أن ذلك لا يقدح في كريتها معناه أنه ليست لتضاريس الأرض من الجبال والوهاد نسبة محسوسة إليها لأن نسبة أعظم جبل على الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث على ما ذكره بعض المهندسين إلى الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بالتقريب وأما الكرية بحسب الحقيقة فيقدح فيها أقل من ذلك لأنها لا تقبل الشدة والضعف لأن معناها أن تكون جميع الخطوط الخارجة من المركز إلى المحيط متساوية بحسب التحقيق لا بمجرد التقريب ( قال والذي تقتضيه قواعدهم إحاطة الماء بجميع الأرض 3 ) لأن الأرض ثقيل مطلق والماء ثقيل مضاف بمعنى أن حيزه الطبيعي أن يكون فوق الأرض وتحت الهواء والسبب في انكشاف الربع المسكون قيل هو انجذاب أكثر المياه إلى ناحية الجنوب لكونها أحر لقرب الشمس منها وبعدها عن ناحية الشمال لكون حضيض الشمس في البروج الجنوبية وأوجها في الشمالية وكونها في القرب أشد شعاعا من كونها في البعد وكون الحرارة اللازمة من الشعاع الأشد أقوى واحد من الحرارة اللازمة من الشعاع الأضعف ولا خفاء في أن شأن الحرارة جذب الرطوبات كما يشاهد في السراج وعلى هذا تنتقل العمارة من الشمال إلى الجنوب وبالعكس بسبب انتقال الأوج من أحدهما إلى الآخر وتكون العمارة دائما حيث أوج الشمس لئلا يجتمع في الصيف قرب الشمس من سمت الرأس وقربها من الأرض فتبلغ الحرارة إلى حد النكاية والإحراق ولا البعدان في الشتاء فيبلغ البرد إلى حد النكاية والتبجيح وقيل السبب كثرة الوهاد والأغوار في ناحية الشمال باتفاق من الأسباب الخارجة فتنحدر المياه إليها بالطبع وتبقى المواضع المرتفعة مكشوفة وقال بعضهم ليس لانكشاف القدر المذكور سبب معلوم غير العناية الأزلية فإن أرادوا بذلك إرادة الله تعالى أن يكون ذلك مستقرا للإنسان وسائر الحيوانات ومادة لما يحتاج إليه من المعادن والنبات فقد دخلوا في زمرة المهتدين حيث جعلوا الصانع عالما بالجزئيات فاعلا بالاختيار لا موجبا بالذات لكنهم يفسرون العناية بالعلم بالنظام على الوجه الأكمل وهو لا يوجب العلم بالجزئي من حيث هو جزئي ولا الفعل بالقصد والاختيار ( قال والعمدة في كرية الكل 9 ) قد اتفق المحققون على أن العناصر كلها كرية الشكل وأن الأرض في الوسط بمعنى أن وضعها من السماء كمركز الكرة عند محيطها وأنها لا تتحرك لا من المركز ولا إليه ولا عليه واستدلوا على ذلك بحسب النظر التعليمي بأدلة مذكورة في كتب الهيئة تفيد الانية وبحسب النظر الطبيعي بما يفيد اللمية على ما ذكر في علم السماء والعالم مثل أن جميع العناصر بل الفلكيات بسائط والشكل الطبيعي للبسيط هو الكرة لأن مقتضى الطبيعة الواحدة لا يختلف وأن الأرض ثقيل مطلق فتكون تحت الكل وهو ما يلي مركز محدد الجهات وإذا كانت في حيزها الطبيعي لم تتحرك عنه ولا إليه وإن في الأرض مبدأ ميل مستقيم على ما يرى في أجزائها فلا يكون فيها مبدأ ميل مستدير لتضاد الميلين فلا تتحرك على المركز كما ذهب إليه البعض من أن ما يظهر من الطلوع والغروب بالحركة اليومية مستند إلى حركة الأرض على مركزها حركة وضعية من المغرب إلى المشرق والكل ضعيف لأنها لا يفيد كونها كذلك في الوجود لأن مقتضى الطبع قد يزول بالقاسر فيجوز أن لا يبقى على الكرية ولا في الوسط وتتحرك على الاستدارة لا بالطبع كالفلك وأما الأدلة التعليمية فكثيرة مذكورة في موضعها بما عليها من الإشكالات مثل استدلالهم على كرية الماء بأنه لو لم يكن كريا ساترا بتقبيبه لأسافل الجبل الشامخ على ساحل البحر لظهر الجبل كله دفعة للسائر في البحر وليس كذلك لأنه يظهر له رأس الجبل أولا ثم ما تحته قليلا قليلا ويتحقق ذلك بأن توقد نيران على مواضع مختلفة من أعلى الجبل إلى أسفله ومثل استدلالهم على كون الأرض في الوسط بأنها لو لم تكن كذلك لزم أن يرى الكوكب في بعض البقاع أصغر لبعده عن السماء وفي البعض أكبر لقربه منها والواقع بخلافه ومثل استدلالهم على كرية الأرض بأنه لو كان امتدادها الطولي أعني ما بين المشرق والمغرب على استقامة لكان طلوع الكواكب على سكانها وكذا غروبها عنهم في آن واحد وعلى تقعير لكان الطلوع على المغربيين قبله على المشرقيين في مساكن متفقة العرض وكذا الغروب فيها ليس كذلك بل الطلوع والغروب للمشرقيين قبلهما للمغربيين بحكم إرصاد الحوادث الفلكية من الخسوفات القمرية وغيرها فإن أوساطها إنما تتفق في آن واحد لا محالة وهي مختلفة بالنسبة إلى أول الليل حتى لو كانت للمغربي بعد مضي ساعتين كانت للمشرقي بعد مضي ثلاث ساعات أن كان ما بين نصفي نهاريهما خمس عشرة درجة وبين مسكنيهما المتفقي العرض ألف ميل وعلى هذا النسق يتعين التحديب ولو كان الامتداد العرضي أعني ما بين الجنوب والشمال على استقامة لبقي ارتفاع أحد القطبين وانحطاط الآخر على حاله بالنسبة إلى السائر كم سار أو على تقعير لانتقص ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الآخر بالنسبة إلى السائر إلى جهة القطب الظاهر وبالعكس للسائر إلى جهة القطب الخفي والوجود بخلاف ذلك إذ يزداد ارتفاع القطب الشمالي وانحطاط الجنوبي للواغلين في الشمال وبالعكس للواغلين في الجنوب بحسب وغولهما فتعين التحديب في هذين الامتدادين وكذا في سائر الامتدادات التي في سموت بين السمتين لتركب الاختلافين حسب ما يقتضيه التحديب دون الاستقامة أو التقعير وإذا ثبت استدارة القدر المكشوف حدس منه أن الباقي كذلك واعترض بأنه يجوز أن يكون وجود الأمور المذكورة على النهج المذكور مبنيا على سبب آخر غير الاستدارة والتوسط وحاصله أن ما ذكرتم استدلال بوجود المسبب على وجود سبب معين ولا يتم إلا إذا بين انتفاء سبب آخر ولو سلم فما ذكر لا يفيد إلا الاستدارة والتوسط بحسب الحس دون الحقيقة ولا محيص إلا بالرجوع إلى أن ذلك تحدس كما في استضاءة القمر بالشمس
( قال القسم الثالث 2 ) بعد الفراغ من مباحث البسائط بقسميها أعني الفلكية والعنصرية شرع في قسمي مباحث المركبات أعني التي لا مزاج لها والتي لها مزاج وقدم ذلك لكونه أشبه بالبسايط من جهة عدم استحكام تركيبه ومن جهة جواز اقتصاره على عنصرين أو ثلاثة وجعله ثلاثة أنواع لأن حدوثه أما فوق الأرض أعني في الهواء وأما على وجه الأرض وأما في الأرض فالنوع الأول منه ما يتكون من البخار ومنه ما يتكون من الدخان وكلاهما بالحرارة فإنها تحلل من الرطب أجزاء هوائية ومائية هي البحار ومن اليابس أجزاء أرضية تخالطها أجزاء نارية وقلما تخ عن هوائية وهي الدخان فالبخار المتصاعد قد يلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية فيصير هواء وقد يبلغ الطبقة الزمهريرية فيتكاثف فيجتمع سحابا ويتقاطر مطرا إن لم يكن البرد شديدا وإن أصابه برد شديد فجمد السحاب قبل تشكله بشكل القطرات نزل ثلجا أو بعد تشكله بذلك نزل بردا صغيرا مستديرا أن كان من سحاب بعيد لذوبان الزوايا بالحركة والاحتكاك وإلا فكبيرا غير مستدير في الغالب وإنما يكون البرد في هواء ربيعي أو خريفي لفرط التخليل في الصيفي والجمود في الشتوي وقد لا يبلغ البحار المتصاعد الطبقة الزمهريرية فإن كثر صار ضبابا وإن قل وتكاثف ببرد الليل فإن انجمد نزل صقيعا وإلا فطلا فنسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر وقد يكون السحاب الماطر من بخار كثير يتكاثف بالبرد من غير أن يتصعد إلى الزمهريرية لمانع مثل هبوب الرياح المانعة للأبخرة من التصاعد أو الضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الرياح ومثل ثقل الجزء المتقدم وبطاء حركته وقد يكون مع البخار المتصاعد دخان فإذا ارتفعا معا إلى الهواء البارد وانعقد البحار سحابا واحتبس الدخان فيه فإن بقي الدخان على حرارته قصد الصعود وإن برد قصد النزول وكيف كان فإنه يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث من تمزيقه ومصاكته صوت هو الرعد ونارية لطيفة هي البرق أو كثيفة هي الصاعقة وقد يشتعل الدخان الغليظ بالوصول إلى كرة النار كما يشاهد عند وصول دخان سراج منطفىء إلى سراج مشتعل فيسري فيه الاشتعال فيرى كأنه كوكب انقض وهو الشهاب وقد يكون الدخان لغلظه لا يشتعل بل يحترق ويدوم فيه الاحتراق فيبقى على صورة ذوابة أو ذنب أو حية أو حيوان له قرون وربما يقف تحت كوكب ويدور مع النار يدور أن الفلك إياها وربما تظهر فيه علامات هائلة حمر وسود يحسب زيادة غلظ الدخان وإذا لم ينقطع اتصال الدخان من الأرض ونزل اشتعاله إلى الأرض يرى كان تنينا ينزل من السماء إلى الأرض وهو الحريق ( قال وقد تتكاثف الأدخنة 2 ) إشارة إلى أسباب الرياح وذلك أن الأدخنة الكثيرة المتصاعدة قد تتكاثف بالبرد وينكسر حرها بالطبقة الزمهريرية فتثقل وترجع بطبعها فيتموج الهواء فتحدث الريح الباردة وقد لا ينكسر حرها فتصاعد إلى كرة النار ثم ترجع بحركتها التابعة بحركة الفلك فتحدث الريح الحارة وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما وقع في المواقف من أنها تصادم الفلك أي تقارنه بحيث يصل إليها أثر حركته وإلا فلا يتصور أن يقطع الدخان مع ما فيه من الأجزاء الأرضية الثقيلة كرة النار مع شدة إحالتها لما يجاورها حتى يصادم الفلك حقيقة وقد يكون تموج الهواء لتخلخل يقع في جانب منه فيدفع ما يجاوره وهكذا إلى أن يفترو بالجملة فالمتموج من الهواء هو الريح بأي سبب يقع وأما الزوبعة والإعصار أعني الريح المستديرة الصاعدة أو الهابطة فسبب الصاعدة تلاقي الريحين من جهتين متقابلتين وسبب الهابطة أن ينفصل ريح من سحابة فيقصد النزول فيعارضها في الطريق سحابة صاعدة فتدافعها لأجزاء الريحية إلى تحت فيقع جزء من الريح بين دافع إلى تحت ودافع إلى فوق فيستدير وتنضغط الأجزاء الأرضية بينهما فتهبط ملتوية والحق أن ما شوهد من أحوال الرياح القالعة للأشجار والمختطفة للسفن من البحار وما تواتر من تخريبها للمدن وما ورد من النصوص القاطعة في ذلك يشهد شهادة صادقة بوجوب الرجوع إلى القادر المختار وغاية ما ذكروه لو ثبت بيان الأسباب المادية
( قال وقد يحول 9 ) يشير إلى سبب الهالة وقوس قزح أما الهالة فسببها إحاطة أجزاء رشية صقيلة كأنها مرايا متراصة بغيم رقيق لطيف لا يستر ما وراءه واقع في مقابلة القمر فيرى في ذلك الغيم نفس القمر لأن الشيء إنما يرى على الاستقامة نفسه لا شبحه ويرى في كل واحد من تلك الأجزاء الرشية شبحه لانعكاس ضوء البصر منها إلى القمر لأن الضوء إذا وقع على صقيل انعكس إلى الجسم الذي وضعه من ذلك الصقيل كوضع المضيء منه إذا لم تكن جهته مخالفة لجهة المضي فيرى ضوء القمر ولا يرى شكله لأن المرآة إذا كانت صغيرة لا تؤدي شكل المرئي بل ضوءه ولونه إن كان ملونا فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوء القمر فيرى دائرة مضية لكون الهيئة الحاصلة بين تلك الأجزاء وبين المرئي واحدة وإنما لا يرى السحاب الذي يقابل القمر لقوة شعاع القمر فإن الرقيق اللطيف لا يرى في ضوء القوى كأجزاء الهباء المتفرقة في الصحراء وأكثر ما تحدث الهالة عند عدم الريح فيستدل بتحرقها من جميع الجهات على الصحو ومن جهة على ريح تأتي الجهة من تلك وببطلانها يثحن السحاب على المطر لتكثر الأجذاء المائية وقد تتضاعف الهالة بأن توجد سحابتان بالصفة المذكورة أحديهما تحت الأخرى ولا محالة تكون التحتانية أعظم لكونها أقرب وذكر بعضهم أنه رأى سبع هالات معا وأما حالة الشمس وتسمى بالطفاوة فنادرة جدا لأن الشمس في الأكثر تحلل السحب الرقيقة وأما قوس قزح فسببه أنه إذا كان في خلاف جهة الشمس أجزاء مائية شفافة صافية وكان وراءها جسم كثيف مثل جبل أو سحاب مظلم حتى يكون كحال البلور الذي وراءه شيء ملون لينعكس منه الشعاع وكانت الشمس قريبة من الأفق فإذا واجهنا تلك الأجزاء المائية انعكس شعاع البصر من تلك الأجزاء الصقيلة إلى الشمس فأدى كل واحد منها لكونه صغيرا ضوء الشمس دون شكلها وكان مستديرا على شكل قوس لأن الشمس لو جعلت بمركز دائرة لكان القدر الذي يقع من تلك الدائرة فوق الأرض يمر على تلك الأجزاء ولو تمت الدائرة لكان تمامها تحت الأرض وكلما كان ارتفاع الشمس أكثر كانت القوس أصغر ولهذا لم يحدث إذا كانت الشمس في وسط السماء وأما اختلاف ألوانها فقيل لأن الناحية العليا تكون أقرب إلى الشمس فيكون انعكاس الضوء أقوى فيرى حمرة ناصعة والسفلى أبعد منها وأقل إشراقا فترى حمرة في سواد وهو الأرجواني ويتولد بينهما كرائي مركب من إشراق الحمرة وكدر الظلمة ورد بأن ذلك يقتضي أن يندرج من نصوع الحمرة إلى الأرجوانية من غير انفصال الألوان بعضها عن بعض على أن تولد الكرائي إنما هو من الأصغر والأسود فليس له مع الأحمر والأرجواني كثير مناسبة واعترف ابن سينا بعدم الاطلاع على سبب اختلاف هذه الألوان ( قال وقد شاهدت 2 ) ذكروا أن القمر قد يحدث على الندرة قوسا خيالية لا يكون لها ألوان لكني قد شاهدت بتركستان في سنة ثلاث وستين وسبعمائة في خلاف جهة القمر قوسا على ألوان قوس قزح إلا أنها كانت أصغر منها كثيرا وكانت بحيث تكاد تتم دائرة ولم تكن ألوانها في ضياء صفاء الألوان الشمسية وإشراقها بل أكثف وكان ذلك في ليلة رشية الجو رقيقة السحاب والقمر على قرب من الأفق ( قال النوع الثاني ما يحدث على الأرض 3 )
مثل الأحجار والجبال والسبب الأكثري لتحجر الأرض عمل الحرارة في الطين اللزج بحيث يستحكم انعقاد رطبة بيابسة وقد ينعقد الماء السيال حجرا إما لقوة معدنية محجرة أو لأرضية غالبة على ذلك الماء بالقوة لا بالمقدار كما في الملح فإذا صادف الحر العظيم طينا كثيرا لزجا إما دفعة وإما على مرور الأيام يتكون الحجر العظيم فإذا ارتفع بأن تجعل الزلزلة العظيمة طائفة من الأرض تلا من التلال أو يحصل من تراكم عمارات تخربت تحجر أو بأن يكون الطين المتحجر مختلف الأجزاء في الصلابة والرخاوة فتحفر أجزاؤه الرخوة بالمياه والرياح وتغور تلك الحفر بالتدريج غورا شديدا وتبقى الصلبة مرتفعة أو بغير ذلك من الأسباب فهو الجبل وقد يرى بعض الجبال منضودة سافا فسافا كأنها سافات الجدار فيشبه أن يكون حدوث مادة الفوقاني بعد تحجر التحتاني وقد سال على كل ساف من خلاف جوهره ما صار حائلا بينه وبين آخر وقد يوجد في كثير من الأحجار عند كسرها أجزاء الحيوانات المائية فيشبه أن هذه المعمورات قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحر فحصل الطين اللزج الكثير وتحجر بعد الانكشاف فلذلك كثر الجبال ويكون الحفر ما بينه بأسباب تقتضيه كالسيول والرياح ومن منافع الجبال حفظ الأبخرة التي هي مادة المعادن والسحب والعيون فإن الأبخرة تنفس عن الأرض الرخوة فلا يجتمع منها قدر يعتد به ( قال النوع الثالث ما يحدث في الأرض 7 ) قد يعرض لجزء من الأرض حركة بسبب ما يتحرك تحتها فيحرك ما فوقه ويسمى الزلزلة وذلك إذا تولد تحت الأرض بخار أو دخان أو ريح أو ما يناسب ذلك وكان وجه الأرض متكاثفا عديم المسام أو ضيقها جدا وحاول ذلك الخروج ولم يتمكن لكثافة الأرض تحرك في ذاته وحرك الأرض وربما يشقها لقوته وقد ينفصل منه نار محرقة وأصوات هائلة لشدة المحاكة والمصاكة وقد يسمع منها دوي لشدة الريح ولا توجد الزلزلة في الأراضي الرخوة لسهولة خروج الأبخرة وقلما يكون في الصيف لقلة تكاثف وجه الأرض والبلاد التي يكثر فيها الزلزلة إذا حفرت فيها آبار كثيرة حتى كثرت مخالص الأبخرة قلت الزلزلة بها وقد يصير الكسوف سببا للزلزلة لفقد الحرارة الكائنة عن الشعاع دفعة وحصول البرد الحاقن للرياح في تجاويف الأرض بالتحصيف بغتة ولا شك أن البرد الذي يعرض بغتة يفعل ما لا يفعله العارض بالتدريج ( قال وربما ينقلب البخار 9 ) إشارة إلى أسباب العيون الآبار والقنوات وذلك أن الأبخرة التي تحدث تحت الأرض إن كانت كثيرة وانقلبت مياها انشق منها الأرض فإن كان لها مدد حدث منها العيون الجارية وتجري على الولاء لضرورة عدم الخلاء فإنه كلما جرت تلك المياه انجذب إلى مواضعها هواء أو بخار آخر يتبرد بالبرد الحاصل هناك فينقلب ماء أيضا وهكذا إلا أن يمنع مانع يحدث دفعة أو على التدريج وإن لم يكن لتلك الأبخرة مدد حدثت العيون الراكدة وإن لم تكن الأبخرة كثيرة بحيث تنشق الأرض فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب وصادفت منفذا واندفعت إليه حدث منها القنوات الجارية والآبار بحسب مصادفة المدد وفقدانه وقد يكون سبب العيون والقنوات والآبار مياه الأمطار والثلوج لأنا نجدها تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها ( قال ثم أنهم يعترفون 4 )