Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
المهذب قال الشيخ الإمام الزاهد الموفق أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي أسعده الله في الدارين الحمد لله الذي وفقنا لشكره وهدانا لذكره وصلواته على محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه هذا كتاب مهذب أذكر فيه إن شاء الله أصول مذهب الشافعي رحمة الله بأدلتها وما تفرع على أصوله من المسائل المشكلة بعللها وإلى الله عز وجل أرغب وإياه أسأل أن يوفقني فيه لمرضاته وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب وعلى ما يشاء قدير وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب هو حسبي ونعم الوكيل كتاب الطهارة باب ما تجوز به الطهارة من المياه وما لا تجوز يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بالماء المطلق وهو ما نزل من السماء أو نبع من الأرض فما نزل من السماء ماء المطر وذوب الثلج والبرد والأصل فيه قوله عز وجل وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وما نبع من الأرض ماء البحار وماء الأنهار وماء الآبار والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر بضاعة فصل فيما يكره من المياه ولا يكره من ذلك الا ما قصد إلى تشميسه فإنه يكره الوضوء به ومن أصحابنا من قال لا يكره كما لا يكره ما تشمس ( بنفسه ) في البرك والأنهار والمذهب الأول والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها وقد سخنت ماء بالشمس يا حميراء لا تفعلي هذا فإنه يورث البرص ويخالف ماء البرك والأنهار لأن ذلك لا يمكن حفظه من الشمس فلم يتعلق به المنع فإن خالف وتوضأ به صح الوضوء لأن المنع منه لخوف الضرر فلم يمنع صحة الوضوء كما لو توضأ بماء يخاف من حره أو برده فصل في حكم ما سوى الماء المطلق وما سوى الماء المطلق من المائعات كالخل وماء الورد والنبيذ وما اعتصر من الثمر أو الشجر لا يجوز رفع الحدث ولا إزالة النجس به لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فأوجب التيمم على من لم يجد الماء فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره ولقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في دم الحيض ( يصيب الثوب ) حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء فأوجب الغسل بالماء فدل على أنه لا يجوز بغيره فصل في تكميل الماء المطلق بغيره فإن كمل الماء المطلق بمائع بأن احتاج في طهارته إلى خمسة أرطال ومعه أربعة أرطال فكمله بمائع لم يتغير به كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان قال أبو علي الطبري لا يجوز الوضوء به لأنه كمل الوضوء بالماء والمائع فأشبه إذا غسل بعض أعضائه بالماء وبعضها بالمائع ومن أصحابنا من قال إنه يجوز لأن المائع استهلك في الماء فصار كما لو طرح ذلك في ماء يكفيه باب ما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسده إذا اختلط بالماء شيء طاهر ولم يتغير به لقلته لم يمنع الطهارة ( به ) لأن الماء باق على إطلاقه وإن لم يتغير به لموافقته الماء في الطعم واللون والرائحة كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان أحدهما إن كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به لبقاء اسم الماء المطلق وإن كانت الغلبة للمخالط لم يجز لزوال إطلاق اسم الماء
والثاني إن كان ذلك قدرا لو كان مخالفا للماء في صفاته لم يغيره لم يمنع وإن كان قدرا لو كان مخالفا له غيره منع لأن الماء لما لم يغير بنفسه اعتبر بما يغيره كما نقول في الجناية التي ليس لها أرش مقدر لما لم يمكن اعتبارها بنفسها اعتبرت بالجناية على العبيد وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت فإن كان مما لا يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما جاز الوضوء به لأنه لا يمكن صون الماء عنه فعفي عنه كما عفي عن النجاسة اليسيرة ( رتى الثوب ) والعمل القليل في الصلاة وإن كان مما يمكن حفظ الماء منه نظرت فإن كان ملحا انعقد من الماء لم يمنع الطهارة ( به ) لأنه كان ماء في الأصل فهو كالثلج إذا ذاب فيه وإن كان ترابا طرح فيه لم يؤثر لأنه يوافق الماء في التطهير فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به وإن كان شيئا سوى ذلك كالزعفران والتمر والدقيق والملح الجبلي والطحلب إذا أخذ ودق وطرح فيه وغير ذلك مما يستغنى الماء عنه لم يجز الوضوء به لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس بمطهر والماء مستغن عنه فلم يجز الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلاء وإن وقع فيه ما لا يختلط به فتغيرت به رائحته كالدهن الطيب والعود ففيه قولان قال في البويطي لا يجوز الوضوء به كما لا يجوز بما تغير بالزعفران وروى المزني أنه يجوز ( الوضوء به ) لأن تغيره عن مجاوره فهو كما لو تغير بجيفة بقربه وإن وقع فيه قليل كافور فتغير به ريحه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز الوضوء به كما لو تغير بالزعفران والثاني يجوز لأنه لا يختلط به وإنما يتغير من جهة المجاورة باب ما يفسد الماء من النجاسة وما لا يفسده إذا وقعت في الماء نجاسة لا يخلو إما أن يكون راكدا أو جاريا أو بعضه راكدا وبعضه جاريا فإن كان راكدا نظرت في النجاسة فإن كانت نجاسة يدركها الطرف من خمر أو بول أوميتة لها نفس سائلة نظرت فإن تغير أحد أوصافه الماء من طعم أو لون أو رائحة فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه فنص على الطعم والريح وقسنا اللون عليهما لأنه في معناهما وإن تغير بعضه دون بعض نجس الجميع لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض وإن لم يتغير نظرت فإن كان الماء دون القلتين فهو نجس وإن كان قلتين فصاعدا فهو طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث ولأن القليل يمكن حفظه من النجاسة في الظروف والكثير لا يمكن حفظه من النجاسة فجعل القلتان حدا فاصلا بينهما والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي لأنه روي في الخبر بقلال هجر قال ابن جريج رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا فجعل الشافعي رحمه الله الشيء نصفا احتياطا وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل فصار الجميع خمسمائة رطل وهل ذلك تحديد أو تقريب فيه وجهان أحدهما أنه تقريب فإن نقص منه رطل أو رطلان لم يؤثر لأن الشيء يستعمل فيما دون النصف في العادة والثاني أنه تحديد فلو نقص منه ما نقص نجس لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفا احتياطا وجب استيفاؤه كما أنه لما وجب غسل شيء من الرأس احتياطا لغسل الوجه صار ذلك فرضا فإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف ففيه ثلاث طرق من أصحابنا من قال لا حكم لها لأنها لا يمكن الاحتراز منها فهي كغبار السرجين ومنهم من قال حكمها حكم سائر النجاسات لأنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة التي يدركها الطرف ومنهم من قال فيه قولان أحدهما لا حكم لها والثاني لها حكم ووجههما ما ذكرناه
وإن كانت النجاسة ميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والزنبور وما أشبههما ففيه قولان أحدهما أنها كغيرها من الميتات لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فهو كالحيوان الذي له نفس سائلة والثاني أنه لا يفسد الماء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وقد يكون الطعام حارا فيموت بالمقل فيه فلو كان يفسده لما أمر بمقله ليكون شفاء لنا إذا أكلناه فإن كثر من ذلك ما غير الماء ففيه وجهان أحدهما أنه ينجس لأنه ماء تغير بالنجاسة والثاني لا ينجس لأن ما لا ينجس الماء إذا وقع فيه وهو دون القلتين لم ينجسه وإن تغير به كالسمك والجراد فصل في كيفية تطهير الماء النجس إذا أراد تطهير الماء النجس نظرت فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه أو بأن يضاف إليه ماء آخر أو بأن يؤخذ بعضه لأن النجاسة بالتغير وقد زال وإن طرح فيه تراب أو جص فزال التغير ففيه قولان قال في الأم لا يطهر كما لا يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النجاسة وقال في حرملة يطهر وهو الأصح لأن التغير قد زال فصار كما لو زال بنفسه أو بماء آخر ويفارق الكافور والمسك لأن هناك يجوز أن تكون الرائحة باقية وإنما لم تطهر لغلبة رائحة الكافور والمسك وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه فإنه لا يطهر ( به ) لأنه ينقص عن قلتين وفيه نجاسة وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء آخر حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين كالأرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة ومن أصحابنا من قال لا يطهر لأنه دون القلتين وفيه نجاسة والأول أصح لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه وههنا ورد الماء على النجاسة فلم ينجس إذ لو نجس لم يطهر الثوب النجس إذا صب عليه الماء فصل في الطهارة بالماء الذي طهر وإذا أراد الطهارة بالماء الذي وقعت فيه نجاسة وحكم بطهارته نظرت فإن كان دون القلتين وطهر بالمكاثرة بالماء لم تجز الطهارة به لأنه وإن كان طاهرا فهو غير مطهر لأن الغلبة للماء الذي غمره وهو ماء أزيل به النجاسة فلم يصلح للطهارة وإن كان أكثر من قلتين نظرت فإن كانت النجاسة جامدة فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه لأنه لا حكم للنجاسة القائمة فكان وجودها كعدمها وقال أبو إسحق وأبو العباس بن القاص لا يجوز حتى يكون بينه وبين النجاسة قلتان فإن كان بينه وبين النجاسة أقل من قلتين لم يجز لأنه لا حاجة به إلى استعمال ماء فيه نجاسة قائمة وإن كان الماء قلتين وفيه نجاسة قائمة ففيه وجهان قال أبو إسحق لا تجوز الطهارة به لأنه ماء واحد فإذا كان ما يبقى بعدما غرف منه نجسا وجب أن يكون الذي غرفه نجسا والمذهب أنه يجوز لأن ما يغرف منه ينفصل منه قبل أن يحكم بنجاسته فبقي على الطهارة وإن كانت النجاسة ذائبة جازت الطهارة به ومن أصحابنا من قال لا يتطهر بالجميع بل يبقى منه قدر النجاسة كما قال الشافعي رحمه الله فيمن حلف لا يأكل تمرة فاختلطت بتمر كثير أنه يأكل الجميع إلا تمرة وهذا لا يصح لأن النجاسة لا تتميز بل تختلط بالجميع فلو وجب ترك بعضه لوجب ترك جميعه بخلاف التمرة فصل في الماء الجاري إذا كان فيه نجاسة جارية فإن كان الماء جاريا وفيه نجاسة جارية كالميتة والجرية المتغيرة فالماء الذي قبلها طاهر لأنه لم يصل إلى النجاسة فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق والذي بعدها طاهر أيضا لأنه لم تصل إليه النجاسة وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها فإن كان قلتين ولم يتغير فهو طاهر وإن كان دونهما فهو نجس كالراكد
وقال أبو العباس بن القاص فيه قول آخر قاله في القديم أنه لا ينجس الماء الجاري إلا بالتغير لأنه ماء ورد على النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء المزال به النجاسة وإن كانت النجاسة واقفة والماء يجري عليها فإن ما قبلها وما بعدها طاهر وما يجري عليها إن كان قلتين فهو طاهر وإن كان دونهما فهو نجس وكذلك كل ما يجرى عليها بعدها فهو نجس ولا يطهر شيء من ذلك حتى يركد في موضع ويبلغ قلتين وقال أبو إسحق وأبو العباس بن القاص والقاضي أبو حامد ما لم تصل إلى الجيفة فهو طاهر والماء الذي بعد الجيفة يجوز أن يتوضأ منه إذا كان بينه وبين الجيفة قلتان والأول أصح لأن لكل جرية حكم نفسها فلا يعتبر فيه القلتان فصل من النهر يجري بعضه دون بعض وإن كان بعضه جاريا وبعضه راكدا بأن يكون في النهر موضع منخفض يركد فيه الماء والماء يجري بجنبه والراكد زائل عن سمت الجري فوقع في الراكد نجاسة وهو دون القلتين فإن كان مع الجرية التي يحاذيها يبلغ قلتين فهو طاهر وإن لم يبلغ قلتين فهو نجس وتنجس كل جرية بجنبها إلى أن يجتمع في موضع قلتان فيطهر باب ما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسده الماء المستعمل ضربان مستعمل في طهارة الحدث ومستعمل في طهارة النجس فأما المستعمل في طهارة الحدث فينظر فيه فإن استعمل في رفع حدث فهو طاهر لأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فكان طاهرا كما لو غسل به ثوب طاهر وهل تجوز به الطهارة أم لا فيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان المنصوص أنه لا يجوز لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران وروي عنه أنه قال يجوز الوضوء به لأنه استعمال لم يغير صفة الماء فلم يمنع الوضوء به كما لو غسل به ثوب طاهر ومن أصحابنا من لم ( يثبت ) هذه الرواية فإن قلنا لا يجوز الوضوء به فهل تجوز إزالة النجاسة به أم لا فيه وجهان قال أبو القاسم الأنماطي وأبو علي بن خيران رحمة الله عليهما يجوز لأن للماء حكمين رفع الحدث وإزالة النجس فإذا رفع الحدث بقي عليه إزالة النجس والمذهب أنه لا يجوز لأنه ماء لا يرفع الحدث فلم يزل النجس كالماء النجس فإن جمع الماء المستعمل حتى صار قلتين ففيه وجهان أحدهما أنه يزول حكم الاستعمال كما يزول حكم النجاسة ولأنه لو توضأ فيه أو اغتسل وهو قلتان لم يثبت له حكم الاستعمال فإذا بلغ قلتين وجب أن يزول عنه حكم الاستعمال ومن أصحابنا من قال لا يزول لأن المنع منه لكونه مستعملا وهذا لا يزول بالكثرة وإن استعمل في نفل الطهارة كتجديد الوضوء والدفعة الثانية والثالثة ففيه وجهان أحدهما أنه لا تجوز الطهارة به لأنه مستعمل في طهارة فهو كالمستعمل في رفع الحدث والثاني أنه يجوز لأنه ماء لم يرفع به حدث ولا نجس فهو كما لو غسل به ثوب طاهر فصل في الماء المستعمل في النجس وأما المستعمل في النجس فينظر فيه فإن انفصل من المحل متغيرا فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه وإن كان غير متغير ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه طاهر وهو قول أبي العباس وأبي إسحق لأنه ماء لا يمكن حفظه من النجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة والثاني أنه ينجس وهو قول أبي القاسم الأنماطي لأنه ماء قليل لاقى نجاسة فأشبه ما إذا وقعت فيه نجاسة والثالث أنه إن انفصل والمحل طاهر فهو طاهر وإن انفصل والمحل نجس فهو نجس وهو قول أبي العباس بن القاص لأن المنفصل من جملة الباقي في المحل فكان حكمه في النجاسة والطهارة حكمه فإذا قلنا إنه طاهر فهل يجوز الوضوء به فيه وجهان قال أبو علي بن خيران يجوز وقال سائر أصحابنا لا يجوز وقد مضى توجيههما باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه
إذا تيقن طهارة الماء وشك في نجاسته توضأ به لأن الأصل بقاؤه على الطهارة وإن تيقن نجاسته وشك في طهارته لم يتوضأ به لأن الأصل بقاؤه على النجاسة وإن لم يتيقن طهارته ولا نجاسته توضأ به لأن الأصل طهارته فإن وجده متغيرا ولم يعلم بأي شيء تغير توضأ به لأنه يجوز أن يكون تغيره بطول المكث وإن رأى حيوانا يبول في ماء ثم وجده متغيرا وجوز أن يكون تغيره بالبول لم يتوضأ به لأن الظاهر أن تغيره من البول وإن رأى هرة أكلت نجاسة ثم وردت على ماء قليل فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنها تنجسه لأنا تيقنا نجاسة فمها والثاني أنها إن غابت ثم رجعت لم تنجسه لأنه يجوز أن تكون قد وردت على ماء فطهر ( فمها ) فلا ينجس ما تيقنا طهارته بالشك والثالث لا ينجس بكل حال لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفي عنها فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها من الطوافين عليكم والطوافات فصل في متى يقبل الإخبار بنجاسة الماء وإن ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأي شيء نجس لجواز أن يكون قد رأى سبعا ولغ فيه فاعتقد أنه نجس بذلك فإن بين النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبلة ويقبل في ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد لأن أخبارهم مقبولة ويقبل خبر الأعمى فيه لأن له طريقا إلى العلم به بالحس والخبر ولا يقبل فيه قول صبي ولا فاسق ولا كافر لأن أخبارهم لا تقبل وإن كان معه إناءان فأخبره رجل أن الكلب ولغ في أحدهما قبل قوله ولم يجتهد لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما نقول في القبلة وإن أخبره رجل أنه ولغ في هذا دون ذاك وقال آخر بل ولغ في ذاك دون هذا حكم بنجاستهما لأنه يمكن صدقهما بأن يكون قد ولغ فيهما في وقتين وإن قال أحدهما ولغ في هذا دون ذاك في وقت معين وقال الآخر بل ولغ في ذاك دون هذا في ذلك الوقت بعينه فهما كالبينتين إذا تعارضتا فإن قلنا إنهما يسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما لأنه لم تثبت نجاسة واحد منهما وإن قلنا إنهما لا يسقطان أراقهما أو صب أحدهما في الآخر ثم تيمم فصل في الاشتباه في الماء وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس تحرى فيهما فما غلب على ظنه طهارته ( منهما ) توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فجاز له الاجتهاد فيه عند الاشتباه فيه كالقبلة فإن انقلب أحدهما قبل الاجتهاد ففيه وجهان أحدهما أنه يتحرى في الثاني لأنه قد ثبت جواز الاجتهاد فيه فلم يسقط بالانقلاب والثاني وهو الأصح أنه لا يجتهد لأن الاجتهاد يكون بين أمرين فإذا قلنا لا يجتهد فما الذي يصنع فيه وجهان قال أبو علي الطبري يتوضأ به لأن الأصل فيه الطهارة فلا يزال اليقين بالشك
وقال القاضي أبو حامد يتيمم ولا يتحرى لأن حكم الأصل قد زال بالاشتباه بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر فوجب أن يتيمم وإن اجتهد فيهما فلم يغلب على ظنه شيء أراقهما أو صب أحدهما في الآخر وتيمم فإن تيمم وصلى قبل الإراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين وإن غلب على ظنه طهارة أحدهما توضأ به والمستحب أن يريق الآخر حتى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك فإن تيقن أن الذي توضأ به كان نجسا غسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة لأنه تعين له يقين الخطأ فهو كالحاكم إذا أخطأ النص وإن لم يتيقن ولكن تغير اجتهاده فظن أن الذي توضأ به كان نجسا قال أبو العباس يتوضأ بالثاني كما لو صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده والمنصوص في حرملة أنه لا يتوضأ بالثاني لأنا لو قلنا إنه يتوضأ به ولم يغسل ما أصابه الماء الأول من ثيابه وبدنه أمرناه أن يصلي وعلى بدنه نجاسة بيقين وهذا لا يجوز وإن قلنا إنه يغسل ما أصابه من الماء الأول نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد وهذا لا يجوز ويخالف القبلة فإن هناك لا يؤدي إلى الأمر بالصلاة إلى غير القبلة ولا إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وإذا قلنا بقول أبي العباس توضأ بالثاني وصلى ولا إعادة عليه وإن قلنا بالمنصوص فإنه يتيمم ويصلي هذا يعيد الصلاة ( أم لا ) فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يعيد لأن ما معه من الماء ممنوع من استعماله بالشرع فصار وجوده كعدمه كما لو تيمم ومعه ماء يحتاج إليه للعطش والثاني يعيد لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته والثالث وهو قول أبي الطيب بن سلمة إن كان قد بقي من الأول بقية أعاد لأن معه ماء طاهرا بيقين وإن لم يكن بقي معه شيء لم يعد لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين وإن اشتبه عليه ماءان ومعه ماء ثالث يتيقن طهارته ففيه وجهان أحدهما لا يتحرى لأنه يقدر على إسقاط الفرض بيقين فلا يؤدى بالاجتهاد كالمكي في القبلة والثاني أنه يتحرى لأنه يجوز إسقاط الفرض بالطاهر في الظاهر مع القدرة على الطاهر بيقين ألا ترى أنه يجوز أن يترك ما نزل من السماء ويتيقن طهارته ويتوضأ بما يجوز نجاسته وإن اشتبه عليه ماء مطلق وماء مستعمل ففيه وجهان أحدهما لا يتحرى لأنه يقدر على إسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ بكل واحد منهما والثاني أنه يتحرى لأنه يجوز أن يسقط الفرض بالطاهر مع القدرة على اليقين وإن اشتبه عليه ماء مطلق وماء ورد لم يتحر بل يتوضأ بكل واحد منهما وإن اشتبه عليه ماء ( ورد ) وبول انقطعت رائحته لم يتحر بل يريقهما ويتيمم لأن ماء الورد والبول لا أصل لهما في التطهير فيرد إلى الاجتهاد وإن اشتبه عليه طعام طاهر وطعام نجس تحرى فيهما لأن أصلهما على الإباحة فهما كالماءين وإن اشتبه الماء الطاهر بالماء النجس على أعمى ففيه قولان قال في حرملة لا يتحرى لأن عليه أمارات تتعلق بالبصر فهو كالقبلة وقال في الأم يتحرى لأن له طريقا إلى إدراكه بالسمع والشم فيتحرى فيه كما يتحرى في وقت الصلاة فإذا قلنا يتحرى فلم يكن له دلالة على الأغلب عنده ففيه وجهان من أصحابنا من قال لا يقلد لأن من جاز له الاجتهاد في شيء لم يقلد فيه ( غيره ) كالبصير
ومنهم من قال يجوز أن يقلد وهو ظاهر قوله في الأم لأن أماراته تتعلق بالبصر وغيره فإذا لم تغلب على ظنه دل على أن أماراته تعلقت بالبصر فصار كالأعمى في القبلة وإن اشتبه ذلك على رجلين فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر توضأ كل واحد منهما بما أداه إليه اجتهاده ولم يأثم أحدهما بالآخر لأنه يعتقد أن صلاة إمامه باطلة وإن كثرت الأواني وكثر المجتهدون فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى طهارة إناء وتوضأ به وتقدم أحدهم وصلى بالباقين الصبح وتقدم آخر وصلى بهم الظهر وتقدم آخر وصلى بهم العصر فكل من صلى خلف إمام يجوز أن يكون طاهرا فصلاته خلفه صحيحة وكل من صلى خلف إمام يعتقد أنه نجس فصلاته خلفه باطلة وبالله التوفيق باب الآنية كل حيوان نجس بالموت طهر جلده بالدباغ وهو ما عدا الكلب والخنزير لقوله عليه الصلاة والسلام أيما إهاب دبغ فقد طهر ولأن الدباغ يحفظ الصحة على الجلد ويصلحه للانتفاع به كالحياة ثم الحياة تدفع النجاسة عن الجلد فكذلك الدباغ وأما الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما فلا يطهر جلدهما بالدباغ لأن الدباغ كالحياة ثم الحياة لا تدفع النجاسة عن الكلب والخنزير فكذلك الدباغ فصل فيما يدبغ به الجلود ويجوز الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشب والقرظ وغير ذلك مما يعمل عمله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أليس في الماء والقرظ ما يطهرانه فنص على القرظ لأنه يصلح الجلد ويطيبه فوجب أن يجوز بكل ما عمل عمله وهل يفتقر إلى غسله بالماء بعد الدباغ فيه وجهان أحدهما لا يفتقر لأن طهارته تتعلق بالاستحالة وقد حصل ذلك فطهر كالخمر إذا استحالت ( خلا ) وقال أبو إسحق لا يطهر حتى يغسل بالماء لأن ما يدبغ به تنجس بملاقاة الجلد فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدبغ به فوجب أن يغسل حتى يطهر فصل في حكم الجلد المدبوغ وإذا طهر الجلد بالدباغ جاز الانتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به وهل يجوز بيعه فيه قولان قال في القديم لا يجوز لأنه حرم التصرف فيه بالموت ثم رخص بانتفاع فيه فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم وقال في الجديد يجوز لأنه منع من بيعه لنجاسته وقد زالت النجاسة فوجب أن يجوز البيع كالخمر إذا تخللت وهل يجوز أكله ينظر فإن كان من حيوان يؤكل ففيه قولان قال في القديم لا يؤكل لقوله صلى الله عليه وسلم إنما حرم من الميتة أكلها وقال في الجديد يؤكل لأنه جلد طاهر من حيوان مأكول فأشبه جلد المذكى وإن كان من حيوان لم يؤكل لم يحل أكله لأن الدباغ ليس بأقوى من الذكاة والذكاة لا تبيح ما لا يؤكل لحمه فلأن لا يبيحه الدباغ أولى وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني عن القاضي أبي القاسم بن كج أنه حكى وجها آخر أنه يحل لأن الدباغ عمل في تطهيره كما عمل في تطهير ما يؤكل فعمل في إباحته بخلاف الذكاة فصل في النجاسة بالموت كل حيوان نجس بالموت نجس شعره وصوفه على المنصوص وروي عن الشافعي رحمه الله أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق فمنهم من لم يثبت هذه الرواية وقال ينجس الشعر بالموت قولا واحدا لأنه جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة فينجس بالموت كالأعضاء ومنهم من جعل الرجوع عن تنجيس شعر الآدمي رجوعا عن تنجيس جميع الشعور فجعل في الشعور قولين أحدهما ينجس لما ذكرناه والثاني لا ينجس لأنه لا يحس ولا يتألم فلا تلحقه نجاسة الموت ومنهم من جعل هذه الرواية رجوعا عن تنجيس شعر الآدمي خاصة فجعل في الشعور قولين أحدهما ينجس الجميع لما ذكرناه والثاني ينجس الجميع إلا شعر الآدمي فإنه لا ينجس لأنه مخصوص بالكرامة ولهذا يحل لبنه مع تحريم أكله
وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قلنا إن شعر غيره طاهر فشعره صلى الله عليه وسلم أولى بالطهارة وإذا قلنا إن شعر غيره نجس ففي شعره عليه السلام وجهان أحدهما أنه نجس لأن ما كان نجسا من غيره كان نجسا منه كالدم وقال أبو جعفر الترمذي هو طاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناول أبا طلحة شعره فقسمه بين الناس وكل موضع قلنا إنه نجس عفي عن الشعرة والشعرتين في الماء والثوب لأنه لا يمكن الاحتراز منه فعفي عنه كما عفي عن دم البراغيث فإن دبغ جلد الميتة وعليه شعر فقد قال في الأم لا يطهر لأن الدباغ لا يؤثر في تطهيره وروى الربيع بن سليمان الجيزي عنه أنه يطهر لأنه شعر نابت على جلد ( طاهر ) فكان كالجلد في الطهارة كشعر الحيوان في حال الحياة وإن جز الشعر من الحيوان نظرت فإن كان من حيوان يؤكل لم ينجس لأن الجز في الشعر كالذبح في الحيوان ولو ذبح الحيوان لم ينجس فكذلك إذا جز شعره وإن كان من حيوان لا يؤكل فحكمه حكم الحيوان ولو ذبح الحيوان كان ميتة فكذلك إذا جز شعره وجب أن يكون ميتة فصل في العظم والسن وغيرهما فأما العظم والسن والقرن والظلف والظفر ففيه طريقان من أصحابنا من قال هو كالشعر والصوف لأنه لا يحس ولا يألم ومنهم من قال ينجس ( ذلك ) قولا واحدا فصل في اللبن الصائبة بضرع الميتة وأما اللبن في ضرع الشاة الميتة فهو نجس لأنه ملاق للنجاسة فهو كاللبن في إناء نجس وأما البيض في جوف الدجاجة الميتة فإن لم يتصلب قشره فهو كاللبن وإن تصلب قشره لم ينجس كما لو وقعت بيضة في شيء نجس فصل في الحيوان المذبوح إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه ويجوز الانتفاع بجلده وشعره وعظمه ما لم يكن عليها نجاسة لأنه جزء طاهر من حيوان ( طاهر ) مأكول فجاز الانتفاع به بعد الذكاة كاللحم وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه كما ينجس بموته لأنه ذبح لا يبيح أكل اللحم فنجس به كما ينجس بالموت كذبح المجوسي فصل في الآنية من الذهب والفضة ويكره استعمال أواني الذهب والفضة لما روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشربوا في آنية ( الذهب ) والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة وهل يكره كراهية تنزية أو تحريم قولان قال في القديم كراهية تنزية لأنه إنما نهى عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالأعاجم وهذا لا يوجب التحريم وقال في الجديد يكره كراهية تحريم وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم فتوعد عليه بالنار فدل على أنه محرم وإن توضأ منه صح الوضوء لأن المنع لا يختص بالطهارة فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة ولأن الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء وليس في ذلك معصية وإنما المعصية في استعمال الظرف دون ما فيه فإن أكل أو شرب منه لم يكن المأكول والمشروب حراما لأن المنع لأجل الظرف دون ما فيه وأما اتخاذها ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لأن الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ الثاني لا ( يجوز ) وهو الأصح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالطنبور والبربط وأما أواني البلور والفيروزج وما أشبههما من الأجناس المثمنة ففيه قولان روى حرملة أنه لا يجوز لأنه أعظم في السرف من الذهب والفضة فهو بالتحريم أولى وروى المزني أنه يجوز وهو الأصح لأن السرف فيه غير ظاهر لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس فصل في المضبب بالذهب أو الفضة
وأما المضبب بالذهب فإنه يحرم قليله وكثيره لقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها فإن اضطر إليه جاز لما روي أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذا أنفا من ذهب وأما المضبب بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن كان قليلا للحاجة لم يكره لما روى أنس ( بن مالك ) أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة وإن كان للزينة كره لأنه غير محتاج إليه ولا يحرم لما روى أنس قال كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وقبيعة سيفه من فضة وما بين ذلك حلق الفضة وإن كان كثيرا للحاجة كره لكثرته ولم يحرم للحاجة وإن كان كثيرا للزينة حرم لقول ابن عمر لا يتوضأ ولا يشرب من قدح فيه حلقة من فضة أو ضبة من فضة وعن عائشة رضي الله عنها أنها نهت أن تضبب الأقداح بالفضة ومن أصحابنا من قال يحرم في موضع الشرب لأنه يقع الاستعمال به ولا يحرم فيما سواه لأنه لا يقع به الاستعمال ومنهم من قال يكره ولا يحرم لحديث أنس في سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل في أواني المشركين وثيابهم ويكره استعمال أواني المشركين وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قلت يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال لا تأكلوا في آنيتهم إلا إن لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها ولأنهم لا يجتنبون النجاسة فكره لذلك فإن توضأ من أوانيهم نظرت فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وتوضأ عمر من جرة نصراني ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان أحدهما أنه يصح الوضوء لأن الأصل في أوانيهم الطهارة والثاني لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة ويستحب تغطية الإناء لما روى أبو هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الإناء وإيكاء السقاية باب السواك السواك سنة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ويستحب في ثلاثة أحوال أحدها عند القيام للصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك والثاني عند اصفرار الأسنان لما روى العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استاكوا لا تدخلوا علي قلحا والثالث عند تغير الفم وذلك قد يكون من النوم وقد يكون بالأزم وهو ترك الأكل وقد يكون بأكل شيء يتغير به الفم لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك وإنما استاك لأن النائم ينطبق فمه ويتغير وهذا المعنى موجود في كل ما يتغير به الفم فوجب أن يستحب له السواك ولا يكره إلا في حالة واحدة وهو للصائم بعد الزوال لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والسواك يقطع ذلك فوجب أن يكره ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهداء والمستحب أن يستاك عرضا لقوله صلى الله عليه وسلم استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا والمستحب ألا يستاك بعود رطب لا يقلع ( الصفرة ) ولا بيابس يجرح اللثة بل يستاك بعود بين عودين وبأي شيء استاك مما يقلع القلح ويزيل التغير كالخرقة الخشنة وغيرها أجزأه لأنه يحصل به المقصود وإن أمر إصبعه على أسنانه لم يجزئه لأنه لا يسمى سواكا فصل في الأظافر
ويستحب أن يقلم الأظافر ويغسل البراجم ويقص الشارب وينتف الإبط ويحلق العانة لما روى عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الفطرة عشرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط والانتضاح بالماء والختان والاستحداد فصل في حكم الختان ويجب الختان لقوله عز وجل أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وروي أن إبراهيم عليه السلام اختتن بالقدوم ولأنه لو لم يكن واجبا لما كشفت له العورة لأن كشف العورة محرم فلما كشفت له العورة دل على وجوبه باب نية الوضوء الطهارة ضربان طهارة عن حدث وطهارة عن نجس فأما الطهارة عن النجس فلا تفتقر إلى النية لأنها من باب التروك فلم تفتقر إلى النية كترك الزنا والخمر واللواط والغصب والسرقة وأما الطهارة عن الحدث فهي الوضوء والغسل والتيمم فإنه لا يصح شيء منها إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال فلم تصح من غير نية كالصلاة فصل في وجوب النية ويجب أن ينوي بقلبه لأن النية هي القصد تقول العرب نواك الله بحفظه أي قصدك الله بحفظه فإن تلفظ بلسانه وقصد بقلبه فهو آكد فصل الأفضل في محل النية والأفضل أن ينوي من أول الوضوء إلى أن يفرغ منه وأن يكون مستديما للنية فإن نوى عند غسل الوجه ثم عزبت نيته أجزأه لأنه أول فرض فإذ نوى عنده اشتملت النية على جميع الفروض وإن عزبت نيته عند المضمضة قبل أن يغسل شيئا من وجهه ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض فإذا عزبت النية عنده أجزأه كغسل الوجه والثاني لا تجزئه وهو الأصح لأن نيته عزبت قبل الفرض فأشبه إذا عزبت عند غسل الكف وما قاله الأول يبطل بغسل الكف فإنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ثم إذا عزبت النية عنده لم تجزئه فصل في صفة النية وصفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث وأيهما نوى أجزأه لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث فإن نوى الطهارة المطلقة لم تجزئه لأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس فلم تصح بنية مطلقة وإن نوى الطهارة للصلاة أو لأمر لا يستباح إلا بالطهارة كمس المصحف ونحوه أجزأه لأنه لا يستباح مع الحدث فإذا نوى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث فإن نوى الطهارة لقراءة القرآن والجلوس في المسجد وغير ذلك مما يستحب له الطهارة ففيه وجهان أحدهما أنه لا تجزئه لأنه يستباح من غير طهارة فأشبه ما إذا توضأ للبس الثوب والثاني تجزئه لأنه يستحب له ألا يفعل ذلك وهو محدث فإذا نوى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث وإن نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد والتنظف صح وضوءه على المنصوص في البويطي لأنه نوى رفع الحدث وضم إليه ما لا ينافيه ومن أصحابنا من قال لا يصح وضوءه لأنه أشرك في النية بين القربة وبين غيرها وإن أحدث أحداثا ونوى رفع حدث منها ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يصح وضوءه لأن الأحداث تتداخل فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع والثاني أنه لا يصح لأنه لم ينو رفع جميع الأحداث والثالث أنه إن نوى به رفع الحدث الأول صح وإن نوى رفع ما بعده لم يصح لأن الذي أوجب الطهارة هو الأول دون ما بعده والأول أصح وإن نوى أن يصلي به صلاة وألا يصلي غيرها ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يصح وضوءه لأنه لم ينو كما أمر والثاني يصح لأن نيته للصلاة تضمنت رفع الحدث ونيته ألا يصلي غيرها لغو والثالث أنه يصح لما نوى اعتبارا بنيته وإن نوى نية صحيحة ثم غير النية في بعض الأعضاء بأن ينوي بغسل الرجل التبرد أو التنظف ولم يحضر نية الوضوء لم يصح ما غسله للتبرد والتنظف وإن حضرته نية الوضوء وأضاف إليها نية التبرد فعلى ما ذكرت من الخلاف باب صفة الوضوء
المستحب ألا يستعين في وضوئه بغيره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنا لا نستعين على الوضوء بأحد فإن ستعان بغيره جاز لما روي أن أسامة والمغيرة والربيع بنت معوذ بن عفراء صبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ وإن أمر غيره حتى وضأه ونوى هو أجزأه لأن فعله غير مستحق في الطهارة ألا ترى أنه لو وقف تحت ميزاب فجرى الماء عليه ونوى الطهارة أجزأه فصل استحباب التسمية على الوضوء ويستحب أن يسمى الله تعالى على الوضوء لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ وذكر سم الله تعالى عليه كان طهورا لجميع بدنه فإن نسي التسمية في أولها وذكرها في أثنائها أتى بها حتى لا يخلو الوضوء من سم الله عز وجل وإن تركها عمدا أجزأه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ ولم يذكر سم الله عليه كان طهورا لما مر عليه الماء فصل في غسل الكفين ثم يغسل كفيه ثلاثا لأن عثمان وعليا كرم الله وجههما وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلا اليد ثلاثا ثم ينظر فإن لم يقم من النوم فهو بالخيار إن شاء غمس يده ثم غسل وإن شاء أفرغ الماء على يده ثم غمس فإن قام من النوم فالمستحب ألا يغمس يده حتى يغسلها لقوله صلى الله عليه وسلم إذا ستيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فإن خالف وغمس لم يفسد الماء لأن الأصل الطهارة فلا يزال اليقين بالشك فصل في المضمضة والاستنشاق ثم يتمضمض ويستنشق والمضمضة أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه ولاستنشاق أن يجعل الماء في أنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم يستنثر لما روى عمر بن عبسة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء والمستحب أن يبالغ فيهما لقوله عليه الصلاة والسلام للقيط بن صبرة أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في لاستنشاق إلا أن تكون صائما ولا يستقصي في المبالغة فيكون سعوطا فإن كان صائما لم يبالغ للخبر وهل يجمع بينهما أو يفصل قال في الأم يجمع لأن علي بن أبي طالب عليه السلام وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمضمض مع لاستنشاق بماء واحد وقال في البويطي يفصل بينهما لما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة ولاستنشاق ولأن الفصل أبلغ في النظافة فكان أولى وختلف أصحابنا في كيفية الجمع والفصل فقال بعضهم على قوله في الأم يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا ويبدأ بالمضمضة وعلى رواية البويطي يغرف غرفة فيتمضمض منها ثلاثا ثم يغرف غرفة أخرى فيستنشق منها ثلاثا وقال بعضهم على قوله في الأم يغرف غرفة فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة أخرى فيتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة ثالثة فيتمضمض منها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة ولاستنشاق وعلى رواية البويطي يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق والأول أشبه بكلام الشافعي رحمه الله لأنه قال يغرف غرفة لفيه وأنفه والثاني أصح لأنه أمكن فإن ترك المضمضة ولاستنشاق جاز لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة ولا لاستنشاق ولأنه عضو باطن دونه حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين فصل في غسل العين ولا تغسل العين ومن أصحابنا من قال يستحب غسلها لأن بن عمر رضي الله عنهما كان يغسل عينه حتى عمي والأول أصح لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا ولا فعلا فدل على أنه ليس بمسنون ولأن غسلها يؤدي إلى الضرر فصل في غسل الوجه وحده
ثم يغسل وجهه وذلك فرض لقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم والوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا ولاعتبار بالمنابت المعتادة لا بمن تصلع الشعر عن ناصيته ولا بمن نزل الشعر إلى جبهته وفي موضع التحذيف وجهان قال أبو العباس هو من الوجه لأنهم أنزلوه من الوجه وقال أبو إسحاق هو من الرأس لأن الله عز وجل خلقه من الرأس فلا يصير وجها بفعل الناس فإن كان ملتحيا نظرت فإن كانت لحيته خفيفة لا تستر البشرة وجب غسل الشعر والبشرة للآية وإن كانت كثيفة تستر البشرة وجب إفاضة الماء على الشعر لأن المواجهة تقع به ولا يجب غسل ما تحته لما روى بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة وغسل بها وجهه وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية ولأنه باطن دونه حائل معتاد فهو كداخل الفم والأنف والمستحب أن يخلل لحيته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته فإن كان بعضها خفيفا وبعضها كثيفا غسل ما تحت الخفيف وأفاض الماء على الكثيف ولا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في الوضوء إلا في خمسة مواضع الحاجب والشارب والعنفقة والعذار واللحية الكثة للمرأة لأن الشعر في هذه المواضع يخف في العادة وإن كثف لم يكن إلا نادرا فلم يكن له حكم فإن سترسلت اللحية ونزلت عن حد الوجه ففيها قولان أحدهما لا تجب إفاضة الماء عليها لأنه شعر لا يلاقي محل الفرض فلم يكن محلا للفرض كالذؤابة والثاني يجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا غطى لحيته فقال كشف لحيتك فإنها من الوجه ولأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه فأشبه شعر الخد فصل في غسل اليدين ثم يغسل يديه وهو فرض لقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق ويستحب أن يبدأ باليمنى ثم باليسرى لما روى أبو هريرة بميامنكم فإن بدأ باليسرى أجزأ لقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأتم فبدءوا ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما ويجب إدخال المرفقين في الغسل لما روى جابر رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وإن طالت أظافيره وخرجت عن رؤوس الأصابع ففيه طريقان قال أبو علي بن خيران يجب غسلها قولا واحدا لأن ذلك نادر ومن أصحابنا من قال فيه قولان كاللحية المسترسلة
وإن كان له إصبع زائدة أو كف زائد لزمه غسلها لأنه في محل الفرض فإن كانت له يدان متساويتان على منكب أو مرفق لزمه غسلهما لوقوع سم اليد عليهما وإن كانت إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالتامة هي الأصلية وينظر في الناقصة فإن كانت خلقت على محل الفرض لزمه غسلها كالإصبع الزائدة وإن خلقت على العضد ولم تحاذ محل الفرض لم يلزمه غسلها وإن حاذت بعض محل الفرض لزمه غسل ما حاذى منها محل الفرض لأن سم اليد يقع عليهما وإن تقلع جلد من الذراع وتدلى منها لزمه غسله لأنه في محل الفرض وإن تقلع من الذراع وبلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى منه لم يلزمه غسله لأنه صار من العضد وإن تقلع من العضد وتدلى منه لم يلزمه غسله لأنه جلد تدلى من غير محل الفرض وإن تقلع من العضد وبلغ التقلع إلى الذراع ثم تدلى منه لزمه غسله لأنه صار من الذراع وإن تقلع من أحدهما ولتحم بالآخر لزمه غسل ما حاذى منه محل الفرض لأنه بمنزلة الجلد الذي على الذراع إلى العضد فإن كان ذلك متجافيا عن ذراعه لزمه غسل ما تحته وإن كان أقطع اليد ولم يبق من محل الفرض شيء فلا فرض عليه والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة وإن لم يقدر الأقطع على الوضوء ووجد من يوضئه بأجرة المثل لزمه كما يلزمه شراء الماء بثمن المثل وإن لم يجد صلى وأعاد كما لو لم يجد ماء ولا ترابا وإن توضأ ثم قطعت يده لم يلزمه غسل ما ظهر بالقطع من الحدث وكذلك لو مسح شعر رأسه ثم حلقه لم يلزمه مسح ما ظهر لأن ذلك ليس ببدل عما تحته فلم يلزمه بظهوره طهارة كما لو غسل يده ثم كشط جلده فإن أحدث بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر بالقطع لأنه صار ظاهرا وإن حصل في يده ثقب لزمه غسل باطنه لأنه صار ظاهرا فصل في مسح الرأس ثم يمسح برأسه وهو فرض لقوله تعالى وامسحوا برؤوسكم والرأس ما شتمل عليه منابت الشعر المعتاد والنزعتان منه لأنه في سمت الناصية والصدغ من الرأس لأنه من منابت شعره والواجب منه أن يمسح ( منه ) ما يقع عليه سم المسح وإن قل وقال أبو العباس بن القاص أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحلق في الإحرام والمذهب أنه لا يتقدر لأن الله تعالى أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير والمستحب أن يمسح جميع الرأس فيأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق طرف سبابته بطرف سبابته الأخرى ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه لما روي أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ولأن منابت شعر الرأس مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي على مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره ولا يستقبل الشعر من مؤخر رأسه فيقع المسح على ظاهر الشعر فإذا رد يديه حصل المسح على ما لم يمسحه في ذهابه فإن كان عليه شعر فمسح الشعر أجزأه وإن مسح البشرة أجزأه لأن الجميع يسمى رأسا وإن كان له ذؤابة قد نزلت عن الرأس فمسح ما نزل منها عن الرأس لم يجزئه لأنه لا يقع عليها سم الرأس وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح أطرافه أجزأه لأن سم الرأس يتناوله ومن أصحابنا من قال لا يجزئه لأنه مسح على شعر في غير منبته فهو كطرف الذؤابة وليس بشيء
وإن كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها مسح بناصيته والمستحب أن يتمم المسح بالعمامة لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى عمامته فإن قتصر على مسح العمامة لم يجزئه لأنها ليست برأس ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلا يجوز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليد فصل في مسح الأذنين ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لما روى المقدام بن معدي كرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في جحري أذنيه ويكون ذلك بماء جديد غير الماء الذي مسح به الرأس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأمسك مسبحتيه بأذنيه ولأنه عضو تميز عن الرأس في لاسم والخلقة فلا يتبعه في الطهارة كسائر الأعضاء قال في الأم والبويطي ويأخذ لصماخيه ماء جديدا غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذن وباطنه لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه فكما أفرد الفم والأنف عن الوجه بالماء فكذلك الصماخ في الأذن فإن ترك مسح الأذن جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى مسح الأذنين فصل في غسل الرجلين ثم يغسل رجليه وهو فرض لما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قال أهل التفسير مع الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم والدليل عليه ما روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه وقال أقيموا صفوفكم فلقد رأيت الرجل ( منا ) يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه فدل على أن الكعب ما قلناه ويستحب أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لما ذكرناه في اليد فإن كانت أصابعه منفرجة فالمستحب أن يخلل بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة خلل بين الأصابع وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل وجب التخليل لقوله صلى الله عليه وسلم خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن ستطاع أن يطيل غرته فليفعل فصل والمستحب أن يتوضأ ثلاثا والمستحب أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا لما روى أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم عليه السلام فإن قتصر على مرة وأسبغ أجزأه لقوله صلى الله عليه وسلم هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فإن خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا جاز لما روى عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين فإن زاد على الثلاث كره لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وحكى أبو العباس بن القاص قولا آخر أنه إن نسي الترتيب جاز والمشهور هو الأول والدليل عليه قوله عز وجل فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق فأدخل المسح بين الغسلين فصل في وجوب ترتيب الوضوء ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه وقطع النظير عن النظير فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ولأنها عبادة تشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج فإن غسل أربعة أنفس أعضاءه الأربعة دفعة واحدة لم يجزئه إلا غسل الوجه لأنه لم يرتب
وإن غتسل وهو محدث من غير ترتيب ونوى الوضوء ففيه وجهان أحدهما أنه يجزئه لأنه إذا جاز ذلك عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأدنى أولى والثاني لا يجزئه وهو الأصح لأنه أسقط ترتيبا واجبا بفعل ما ليس بواجب فصل في الموالاة بين أعضائه ويوالي بين أعضائه فإن فرق تفريقا يسيرا لم يضر لأنه لا يمكن الاحتراز منه وإن فرق تفريقا كثيرا وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ففيه قولان قال في القديم لا يجزئه لأنه عبادة يبطلها الحدث فأبطلها التفريق كالصلاة وقال في الجديد يجزئه لأنها عبادة لا يبطلها التفريق القليل فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة فإذا قلنا إنه يجوز فهل يلزمه ستئناف النية فيه وجهان أحدهما أنه يلزمه لأنها نقطعت بطول الزمان والثاني لا يستأنف لأنه لم يقطع حكم النية فلم يلزمه لاستئناف فصل في الذكر عقب الوضوء والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صادقا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب من الجنة يدخلها من أي باب شاء ويستحب أن يقول أيضا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ وقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يفتح إلى يوم القيامة ويستحب لمن توضأ ألا ينفض يده لقوله صلى الله عليه وسلم إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فصل هل ينشف أعضاءه ويستحب ألا ينشف أعضاءه من بلل الوضوء لما روت ميمونة رضي الله عنها قالت أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلا من الجنابة فأتيته بالمنديل فرده ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى فإن تنشف جاز لما روى قيس بن سعد رضي الله عنهما قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلا فغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فلتحف بها فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه فصل في فروض الوضوء وسننه والفرض مما ذكرناه أشياء النية وغسل الوجه وغسل اليدين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين والترتيب وأضاف إليه في القديم الموالاة فجعله سبعا وسننه ثنتا عشرة التسمية وغسل الكفين والمضمضة ولاستنشاق وتخليل اللحية الكثة ومسح جميع الرأس ومسح الأذنين وإدخال الماء في صماخي أذنيه وتخليل أصابع الرجلين وتطويل الغرة ولابتداء بالميامن والتكرار وزاد أبو العباس بن القاص مسح العنق بعد مسح الأذنين فجعلها ثلاث عشرة وزاد غيره أن يدعو على وضوئه فيقول عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه وعلى غسل اليد اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني بشمالي وعلى مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعلى مسح الأذن اللهم جعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعلى غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم فجعلها أربع عشرة وبالله التوفيق باب المسح على الخفين يجوز المسح على الخفين في الوضوء لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقلت يا رسول الله نسيت فقال بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر ولا يجوز ذلك في غسل الجنابة لما روى صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم ثم نحدث بعد ذلك وضوءا ولأن غسل الجنابة يندر فلا تدعو الحاجة فيه إلى المسح على الخف فلم يجز
فصل في توقيت المسح وهل هو موقت أم لا فيه قولان قال في القديم غير مؤقت لما روى أبي بن عمارة قال قلت يا رسول الله أمسح على الخف قال نعم قلت يوما قال ويومين قلت وثلاثة قال نعم وما شئت وروي ( وما بدا لك ) وروي حتى بلغ سبعا قال ( نعم وما بدا لك ) ولأنه مسح بالماء فلم يتوقت كمسح الجبائر ورجع عنه قبل أن يخرج إلى مصر وقال يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من يوم وليلة للمقيم وإلى أكثر من ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر فلم تجز الزيادة عليه وإن كان السفر معصية لم يجز أن يمسح أكثر من يوم وليلة لأن ما زاد يستفيده بالسفر والسفر معصية فلا يجوز أن يستفاد بها رخصة ويعتبر ابتداء المدة من حين يحدث بعد لبس الخف لأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة فصل في المسح في السفر والحضر فإن لبس الخف في الحضر وأحدث ومسح ثم سافر أتم مسح مقيم لأنه بدأ بالعبادة في الحضر فلزمه حكم الحضر كما لو أحرم بالصلاة في الحضر ثم سافر وإن أحدث في الحضر ثم سافر ومسح في السفر قبل خروج وقت الصلاة أتم مسح مسافر من حين أحدث في الحضر لأنه بدأ بالعبادة في السفر فثبت له رخصة السفر وإن سافر بعد خروج وقت الصلاة ثم مسح ففيه وجهان قال أبو إسحاق يتم مسح مقيم لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام فكذلك في المسح وقال أبو علي بن أبي هريرة يتم مسح مسافر لأنه تلبس بالمسح وهو مسافر فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت ويخالف الصلاة لأن الصلاة تفوت وتقضى فإذا فاتت في الحضر ثبتت في الذمة صلاة الحضر فلزمه قضاؤها والمسح لا يفوت ولا يثبت في الذمة فصار كالصلاة قبل فوات الوقت وإن أحدث في السفر ومسح ثم أقام أتم مسح مقيم وقال المزني إن مسح يوما وليلة مسح ثلث يومين وليلتين وهو ثلثا يوم وليلة لأنه لو مسح ثم أقام في الحال مسح ثلث ما بقي له وهو يوم وليلة فإذا بقي له يومان وليلتان وجب أن يمسح ثلثهما ووجه المذهب أنه عبادة تتغير بالسفر والحضر فإذا اجتمع فيها السفر والحضر غلب حكم الحضر ولم يقسط عليهما كالصلاة وإن شك هل مسح في الحضر أو في السفر بنى الأمر على أنه مسح في الحضر لأن الأصل غسل الرجلين والمسح رخصة بشرط فإذا لم يتيقن شرط الرخصة رجع إلى أصل الفرض وهو الغسل وإن شك هل أحدث في وقت الظهر أو في وقت العصر بنى الأمر على أنه أحدث في وقت الظهر لأن الأصل غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا فيما تيقنه وإن لبس خفيه فأحدث ومسح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم شك هل كان مسحه قبل الظهر أو بعده بنى الأمر في الصلاة ( على ) أنه صلاها قبل المسح فتلزمه الإعادة لأن الأصل بقاؤها في ذمته وبنى الأمر في المدة أنها من الزوال ليرجع إلى الأصل وهو غسل الرجلين فصل في صفة الخف ويجوز المسح على كل خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه سواء كان من الجلود أو اللبود أو الخرق أو غيرها فأما الخف المخرق ففيه قولان قال في القديم إن كان الخرق لا يمنع متابعة المشي عليه جاز المسح عليه لأنه خف يمكن متابعة المشي عليه فأشبه الصحيح وقال في الجديد إن ظهر من ( الرجل ) شيء لم يجز المسح عليه لأن ما انكشف حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل كما لو انكشفت إحدى الرجلين واستترت الأخرى
وإن تخرقت الظهارة فإن كانت البطانة صفيقة جاز المسح عليه وإن كانت تشف لم يجز لأنه كالمكشوف وإن لبس خفا له شرج في موضع القدم فإن كان مشدودا بحيث لا يظهر شيء من الرجل واللفافة إذا مشى فيه جاز المسح عليه وإن لبس جوربا جاز المسح عليه بشرطين أحدهما أن يكون صفيقا لا يشف والثاني أن يكون منعلا فإن اختل أحد هذين الشرطين لم يجز المسح عليه وإن لبس خفا لا يمكن متابعة المشي عليه إما لرقته أو لثقله لم يجز المسح عليه لأن الذي تدعو الحاجة إليه ما يمكن متابعة المشي عليه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة وفي الجرموقين وهو الخف الذي يلبس فوق الخف وهما صحيحان قولان قال في القديم والإملاء يجوز المسح عليه لأنه خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه فأشبه المنفرد وقال في الجديد لا يجوز لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب وإنما تدعو الحاجة إليه في النادر فلا تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة فإن قلنا بقوله الجديد وأدخل يده في ساق الجرموق ومسح على الخف ففيه وجهان قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله لا يجوز وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله يجوز لأنه مسح على ما يجوز المسح عليه فأشبه إذا نزع الجرموق ثم مسح عليه فإذا قلنا يجوز المسح على الجرموق فلم يمسح عليه وأدخل يده إلى الخف ومسح عليه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه يجوز المسح على الظاهر فإذا أدخل يده ومسح على الباطن لم يجز كما لو كان في رجله خف منفرد فأدخل يده إلى باطنه ومسح الجلد الذي يلي الرجل والثاني يجوز لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح على ما شاء منهما وإن لبس خفا مغصوبا ففيه وجهان قال ابن القاص لا يجوز المسح عليه لأن لبسه معصية فلم تتعلق به رخصة وقال سائر أصحابنا يجوز لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع صحة العبادة كالصلاة في الدار المغصوبة فصل في اشتراط اللبس على طهارة ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة فإن غسل إحدى الرجلين وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها الخف لم يجز المسح عليه حتى يخلع ما لبسه قبل كمال الطهارة ثم يعيده إلى رجله والدليل عليه ما روى أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما فإن لبس الخفين على طهارة ثم أحدث ثم لبس الجرموقين لم يجز المسح عليه قولا واحدا لأنه لبس الجرموقين على غير طهارة وإن مسح على الخفين ثم لبس الجرموقين ثم أحدث وقلنا يجوز المسح على الجرموقين ففيه وجهان أحدهما لا يجوز المسح عليه لأن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فكأنه لبس على حدث والثاني يجوز لأن مسح الخف قام مقام غسل الرجلين وإن تطهر فلبس خفيه فأحدث قبل أن تبلغ الرجل إلى قدم الخف لم يجز له المسح نص عليه في الأم لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ باللبس وهو محدث فصل في الخف للمستحاضة وإذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثا غير حدث الاستحاضة ومسحت على ( الخفين ) جاز لها أن تصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاءت من النوافل وإن تيمم المحدث ولبس الخف ثم وجد الماء لم يجز له المسح على الخف لأن التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فتصير كما لو لبس الخف على حدث وقال أبو العباس بن سريج يصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاء من النوافل كالمستحاضة فصل في الكيفية المستحبة للمسح
والمستحب أن يمسح أعلى الخف وأسفله فيغمس يديه في الماء ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف وكفه اليمين على أطراف أصابعه ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله وهل يمسح على عقب الخف فيه طريقان من أصحابنا من قال يمسح عليه قولا واحدا لأنه خارج من الخف يلاقي محل الفرض فهو كغيره ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يمسح عليه وهو الأصح لما ذكرناه والثاني لا يمسح لأنه صقيل وبه قوام الخف فإذا تكرر المسح عليه بلي وخلق وأضر به وإن اقتصر على مسح القليل من أعلى الخف أجزأه لأن الخبر ورد بالمسح وهذا يقع عليه اسم المسح فإن اقتصر على مسح ذلك من أسفله ففيه وجهان قال أبو إسحق يجزئه لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض فهو كأعلاه وقال أبو العباس ( بن سريج ) لا يجزئه وهو المنصوص في البويطي وهو ظاهر ما نقله المزني فصل فيما يفعله من خلع الخف أو انقضت مدة مسحه إذا مسح على الخف ثم خلعه أو انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح قال في الجديد يغسل قدميه وقال في القديم يستأنف الوضوء واختلف أصحابنا في القولين فقال أبو إسحق هي مبنية على القولين في تفريق الوضوء فإن قلنا يجوز التفريق كفاه غسل القدمين وإن قلنا لا يجوز التفريق لزمه استئناف الوضوء وقال سائر أصحابنا القولان أصل في أنفسهما أحدهما يكفيه غسل القدمين لأن المسح قائم مقام غسل القدمين فإذا بطل المسح عاد إلى ما قام المسح مقامه كالمتيمم إذا رأى الماء والثاني يلزمه استئناف الوضوء لأن ما أبطل بعض الوضوء أبطل جميعه كالحدث فإن مسح على خفيه ثم أخرج الرجلين من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح على المنصوص لأنه لم تظهر الرجل من الخف وقال القاضي أبو حامد في جامعه يبطل وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله لأن استباحة المسح تتعلق باستقرار القدم في الخف ولهذا لو بدأ باللبس فأحدث قبل أن تبلغ الرجل إلى قدم الخف ثم أقرها لم يجز ( المسح عليه ) وإن مسح على الجرموق فوق الخف وقلنا يجوز المسح عليه ثم نزع الجرموق في أثناء المدة ففيه ثلاث طرق أحدها أن الجرموق كالخف المنفرد فإذا نزعه كان على قولين أحدهما يستأنف الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويمسح على الخفين والثاني لا يستأنف الوضوء فعلى هذا يكفيه ( الوضوء ) والمسح على الخفين والطريق الثاني أن نزع الجرموق لا يؤثر لأن الجرموق مع الخف تحته بمنزلة الطهارة مع البطانة ولو تعلقت الطهارة بعد المسح لم يؤثر في طهارته والطريق الثالث أن الجرموق فوق الخف كالخف فوق اللفافة فعلى هذا إذا نزع الجرموق نزع الخف كما ينزع اللفافة وهل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل الرجلين فيه قولان باب الأحداث التي تنقض الوضوء والأحداث التي تنقض الوضوء خمسة الخارج من السبيلين والنوم والغلبة على العقل بغير النوم ولمس النساء ومس الفرج فأما الخارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء لقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط ولقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء إلا من صوت أو ريح فإذا نسد المخرج المعتاد ونفتح دون المعدة مخرج نتقض الوضوء بالخارج منه لأنه لا بد للإنسان من مخرج يخرج منه البول والغائط فإذا نسد المعتاد صار هذا هو المخرج فنتقض الوضوء بالخارج منه وإن نفتح فوق المعدة ففيه قولان أحدهما ينتقض الوضوء بالخارج منه لما ذكرناه وقال في حرملة لا ينتقض لأنه في معنى القيء وإن لم ينسد المعتاد ونفتح فوق المعدة لم ينتقض الوضوء بالخارج منه وإن كان دون المعدة ففيه وجهان أحدهما لا ينتقص الوضوء بالخارج منه لأن ذلك كالجائفة فلا ينتقض الوضوء بما تخرج منه والثاني ينتقض لأنه مخرج يخرج منه الغائط فهو كالمعتاد
وإن أدخل في إحليله مسبارا وأخرجه أو زرق فيه شيئا وخرج منه نتقض وضوءه فصل في النوم وأما النوم فينظر فيه فإن وجد منه وهو مضطجع أو مكب أو متكىء نتقض وضوءه لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ وإن وجد منه وهو قاعد ومحل الحدث متمكن من الأرض فإنه قال في البويطي ينتقض وضوءه وهو ختيار المزني لحديث علي كرم الله وجهه ولأن ما نقض الوضوء في حال لاضطجاع نقضه في حال القعود كالإحداث والمنصوص في الكتب أنه لا ينتقض وضوءه لما روى أنس رضي الله عنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون قعودا ثم يصلون ولا يتوضؤون وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء ويخالف الإحداث فإنها تنقض الوضوء لعينها والنوم ينقض لأنه يصحبه خروج الخارج وذلك لا يحس به إذا نام زائلا عن مستوى الجلوس ويحس به إذا نام جالسا وإن نام راكعا أو ساجدا أو قائما في الصلاة ففيه قولان قال في الجديد ينتقض وضوءه لحديث علي رضي الله عنه ولأنه نام زائلا عن مستوى الجلوس فأشبه المضطجع وقال في القديم لا ينتقض وضوءه لقوله صلى الله عليه وسلم إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ملائكته يقول عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي فلو نتقض وضوءه لما جعله ساجدا فصل في زوال العقل بغير نوم وأما زوال العقل بغير النوم فهو أن يجن أو يغمى عليه أو يسكر أو يمرض فيزول عقله فينتقض وضوءه لأنه إذا نتقض الوضوء بالنوم فلأن ينتقض بهذه الأسباب أولى ولا فرق في ذلك بين القاعد وغيره ويخالف النوم فإن النائم إذا كلم تكلم وإذا نبه تنبه فإذا خرج منه الخارج وهو جالس أحس به بخلاف المجنون والسكران قال الشافعي رحمه الله قد قيل إنه قل من يجن إلا وينزل فالمستحب أن يغتسل حتياطا فصل في لمس النساء وأما لمس النساء فإنه ينقض الوضوء وهو أن يلمس الرجل بشرة المرأة أو المرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما فينتقض وضوء اللامس منهما لقوله عز وجل أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا وفي الملموس قولان أحدهما ينتقض وضوءه لأنه لمس بين الرجل والمرأة ينقض طهر اللامس فينتقض طهر الملموس كالجماع وقال في حرملة لا ينتفض لأن عائشة رضي الله عنها قالت فتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه فلما فرغ من صلاته قال أتاك شيطانك ولو نتقض طهره لقطع الصلاة ولأنه لمس ينقض الوضوء فنقض طهر اللامس دون الملموس كما لو لمس ذكر غيره وإن لمس شعرها أو ظفرها لم ينتقض الوضوء لأنه لا يلتذ بمسه وإنما يلتذ بالنظر إليه وإن لمس ذات رحم محرم ففيه قولان أحدهما ينتقض وضوءه للآية والثاني لا ينتقض لأنها ليست بمحل لشهوته فأشبه لمس الرجل الرجل والمرأة المرأة وإن لمس صغيرة لا تشتهى أو عجوزا لا تشتهى ففيه وجهان أحدهما ينتقض لعموم الآية والثاني لا ينتقض لأنه لا يقصد بلمسها الشهوة فأشبه الشعر فصل في متى ينقض مس الفرج وأما مس الفرج فإنه إن كان ببطن الكف نقض الوضوء لما روت بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون قالت عائشة رضي الله عنها بأبي وأمي ( يا رسول الله ) هذا للرجال أفرأيت النساء قال إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ
وإن كان بظهر الكف لم ينتقض الوضوء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف ولأن ظهر الكف ليس بآلة لمسه فهو كما لو أولج الذكر في غير الفرج فإن مس بما بين الأصابع ففيه وجهان المذهب أنه لا ينتقض لأنه ليس بباطن الكف والثاني ينتقض لأن خلقته خلقه الباطن وإن مس حلقة الدبر نتقض وضوءه وحكى ابن القاص قولا أنه لا ينتقض وهو غير مشهور ووجهه أنه لا يلتذ بمسه والدليل على أنه ينتقض أنه أحد السبيلين فأشبه القبل وإن نسد المخرج المعتاد ونفتح دون المعدة مخرج فمسه ففيه وجهان أحدهما لا ينتقض لأنه ليس بفرج والثاني ينتقض لأنه سبيل للحدث فأشبه الفرج وإن مس فرج غيره من صغير أو كبير أوحي أو ميت نتقض وضوءه لأنه إذا نتقض بمس ذلك من نفسه ولم يهتك به حرمته فلأن ينتقض بمس ذلك من غيره وقد هتك حرمته أولى وإن مس ذكرا مقطوعا ففيه وجهان أحدهما لا ينتقض وضوءه كما لو مس يدا مقطوعة من امرأة والثاني ينتقض لأنه قد وجد مس الذكر ويخالف اليد المقطوعة فإنه لم يوجد لمس المرأة وإن مس فرج بهيمة لم يجب الوضوء وحكى بن عبد الحكم قولا آخر أنه يجب الوضوء وليس بشيء لأن البهيمة لا حرمة لها ولا تعبد عليها وإن مس الخنثى المشكل فرجه أو ذكره أو مس ذلك منه غيره لم ينتقض الوضوء حتى يتحقق أنه مس الفرج الأصلي أو الذكر الأصلي ومتى جوز أن يكون الذي مسه غير الأصلي لم ينتقض الوضوء ولذا لو تيقنا أنه نتقض طهر أحدهما ولم نعرفه بعينه لم نوجب الوضوء على واحد منهما لأن الطهارة متيقنة فلا يزال ذلك بالشك فصل فيما لا ينقض الوضوء وما سوى هذه الأشياء الخمسة لا ينقض الوضوء كدم الفصد والحجامة والقيء لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه وكذلك أكل شيء من اللحوم لا ينقض الوضوء وحكى ابن القاص قولا آخر أن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء وليس بمشهور والدليل على أنه لا ينقض الوضوء ما روى جابر رضي الله عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ولأنه إذا لم ينتقض الوضوء بأكل لحم الخنزير وهو حرام فلأن لم ينتقض بغيره أولى وكذلك لا ينتقض الطهر بقهقهة المصلي لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة ومن الكلام القبيح لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب وقالت عائشة رضي الله عنها يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء وقال ابن عباس رضي الله عنهما الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان فصل اليقين لا يزال بالشك