Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
فصل إذا كان بين رجلين حائط مشترك فانهدم فدعا أحدهما إلى العمارة إذا كان بين رجلين حائط مشترك فانهدم فدعا أحدهما صاحبه إلى العمارة وامتنع الآخر ففيه قولان قال في القديم يجبر لانه إنفاق على مشترك يزول به الضرر عنه وعن شريكه فأجبر عليه كالإنفاق على العبد وقال في الجديد لا يجبر لانه إنفاق على ملك لو انفرد به لم يجب فإذا اشتركا لم يجب كزراعة الأرض فإن قلنا بقوله القديم أجبر الحاكم الممتنع على الإنفاق فإن لم يفعل وله مال باعه وأنفق عليه فإن لم يكن له مال اقترض عليه وأنفق عليه فإذا بني الحائط كان بينهما كما كان ومن له رسم خشب أو غيره أعاده كما كان وإن أراد الشريك أن يبنيه لم يمنع منه لانه يعيد رسما في ملك مشترك فلم يمنع منه كما لو كان على الحائط رسم خشب فوقع فإن بنى الحائط من غير إذن الحاكم نظرت فإن بناه بآلته ونقضه معا عاد الحائط بينهما كما كان برسومه وحقوقه لان الحائط عاد بعينه وليس للباني فيه إلا أثر في تأليفه وإن بناه بغير آلته كان الحائط للباني لا يجوز لشريكه أن ينتفع من غير إذنه فإن أراد الباني نقضه كان له ذلك لانه ملكه لا حق لغيره فيه فجاز له نقضه فإن قال له الممتنع لا تنقض وأنا أعطيك نصف القيمة لم يجز له نقضه لان على هذا القول يجبر على البناء فإذا بناه أحدهما وبذل له الآخر نصف القيمة وجب تبقيته وأجبر عليه كما أجبر على البناء وإن قلنا بقوله الجديد فأراد الشريك أن يبنيه لم يمنع لانه يعيد رسما في ملك مشترك وهو عرصة الحائط فلم يمنع منه فإن بناه بآلته فهو بينهما ولكل واحد منهما أن ينتفع به ويعيد ماله من رسم خشب وإن بناه بآلة أخرى فالحائط له وله أن يمنع الشريك من الانتفاع به وإن أراد نقضه كان له لانه لا حق لغيره فيه فإن قال له الشريك لا تنقضه وأنا أعطيك نصف القيمة لم يمنع من نقضه لان على هذا القول لو امتنع من البناء في الابتداء لم يجبر فإذا بناه لم يجبر على تبقيته وإن قال قد كان لي عليه رسم خشب وأعطيك نصف القيمة وأعيد رسم الخشب قلنا للباني إما أن تمكنه من إعادة رسمه وتأخذ نصف القيمة وإما أن تنقضه ليبني معك لان القرار مشترك بينهما فلا يجوز أن يعيد رسمه ويسقط حق شريكه فصل إذا كان لاحدهما علو وللآخر سفل فانهدم السفل وإن كان لاحدهما علو وللآخر سفل والسقف بينهما فانهدم حيطان السفل لم يكن لصاحب السفل أن يجبر صاحب العلو على البناء قولا واحدا لان حيطان السفل لصاحب السفل فلا يجبر صاحب العلو على بنائه وهل لصاحب العلو إجبار صاحب السفل على البناء فيه قولان فإن قلنا يجبر ألزمه الحاكم فإن لم يفعل وله مال باع الحاكم عليه ماله وأنفق عليه وإن لم يكن له مال اقترض عليه فإذا بنى الحائط كان الحائط ملكا لصاحب السفل لانه بنى له وتكون النفقة في ذمته ويعيد صاحب العلو غرفته عليه وتكون النفقة على الغرفة وحيطانها من ملك صاحب العلو دون صاحب السفل لانها ملكه لا حق لصاحب السفل فيه وأما السقف فهو بينهما وما ينفق عليه فهو من مالهما فإن تبرع صاحب العلو وبنى من غير إذن الحاكم لم يرجع صاحب العلو على صاحب السفل بشيء ثم ينظر فإن كان قد بناها بآلتها كانت الحيطان لصاحب السفل لان الآلة كلها له وليس لصاحب العلو منعه من الانتفاع بها ولا يملك نقضها لانها لصاحب السفل وله أن يعيد حقه من الغرفة وإن بناها بغير آلتها كانت الحيطان لصاحب العلو وليس لصاحب السفل أن ينتفع بها ولا أن يتد فيها وتدا ولا يفتح فيها كوة من غير إذن صاحب العلو ولكن له أن يسكن في قرار السفل لان القرار له
ولصاحب العلو أن ينقض ما بناه من الحيطان لانه لا حق لغيره فيها فإن بذل صاحب السفل القيمة ليترك نقضها لم يلزمه قبولها لانه لا يلزمه بناؤها قولا واحدا فلا يلزمه تبقيتها ببذل العوض والله أعلم كتاب الحوالة تجوز الحوالة بالدين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مطل الغني ظلم فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع فصل شرط الحوالة ولا تجوز إلا على دين يجوز بيعه كعوض القرض وبدل المتلف فأما ما لا يجوز بيعه كدين السلم ومال الكتابة فلا تجوز الحوالة به لان الحوالة بيع في الحقيقة لان المحتال يبيع ماله في ذمة المحيل بماله فهى ذمة المحال عليه والمحيل يبيع ماله في ذمة المحال عليه بما عليه من الدين فلا يجوز إلا فيما يجوز بيعه فصل في المال الذي تجوز به الحوالة واختلف أصحابنا في جنس المال الذي تجوز به الحوالة فمنهم من قال لا تجوز إلا بماله مثل كالأثمان والحبوب وما أشبهها لان القصد بالحوالة اتصال الغريم إلى حقه على الوفاء من غير زيادة ولا نقصان ولا يمكنه ذلك إلا فيما له مثل فوجب ألا يجوز فيما سواه ومنهم من قال تجوز في كل ما يثبت في الذمة بعقد السلم كالثياب والحيوان لانه مال ثابت في الذمة يجوز بيعه قبل القبض فجازت الحوالة به كذوات الأمثال فصل شرط المال في الحوالة ولا تجوز إلا بمال معلوم لانا بينا أنه بيع فلا تجوز في مجهول واختلف أصحابنا في إبل الدية فمنهم من قال لا تجوز وهو الصحيح لانه مجهول الصفة فلم تجز الحوالة به كغيره ومنهم من قال تجوز لانه معلوم العدد والسن فجازت الحوالة به فصل شرط الدين في الحوالة ولا تجوز إلا أن يكون الحقان متساويين في الصفة والحلول والتأجيل فإن اختلفا في شيء من ذلك لم تصح الحوالة لان الحوالة إرفاق كالقرض فلو جوزنا مع الاختلاف صار المطلوب منه طلب الفضل فتخرج عن موضوعها فإن كان لرجل على رجلين ألف على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه خمسمائة فأحال عليهما رجلا له عليه ألف على أن يطالب من شاء منهما بألف ففيه وجهان أحدهما تصح وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني رحمه الله لانه لا يأخذ إلا قدر حقه والثاني لا تصح وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله لانه يستفيد بالحوالة زيادة في المطالبة وذلك لا يجوز ولان الحوالة بيع فإذا خيرناه بين الرجلين صار كما لو قال بعتك أحد هذين العبدين فصل الحوالة لا تكون إلا على من له عليه دين ولا تجوز الحوالة إلا على من له عليه دين لانا بينا أن الحوالة بيع ما في الذمة بما في الذمة فإذا أحال من لا دين له عليه كان بيع معدوم فلم تصح ومن أصحابنا من قال تصح إذا رضي المحال عليه لانه تحمل دين يصح إذا كان عليه مثله فصح وإن لم يكن عليه مثله كالضمان فعلى هذا يطالب المحيل بتخليصه كما يطالب الضامن المضمون عنه بتخليصه فإن قضاه بإذنه رجع على المحيل وإن قضاه بغير إذنه لم يرجع فصل من شروط الحوالة رضا المحتال ولا تصح الحوالة من غير رضا المحتال لانه نقل حق من ذمة إلى غيرها فلم يجز من غير رضى صاحب الحق كما لو أراد أن يعطيه بالدين عينا وهل تصح من غير رضى المحال عليه ينظر فيه فإن كان على من لا حق له عليه وقلنا إنه تصح الحوالة على من لا حق له عليه لم تجز إلا برضاه وإن كان على من له عليه حق ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري واختيار المزني أنه لا تجوز إلا برضاه لانه أحد من تتم به الحوالة فاعتبر رضاه في الحوالة كالمحتال
والثاني وهو المذهب أنه تجوز لانه تفويض قبض فلا يعتبر فيه رضى من عليه كالتوكيل في قبضه ويخالف المحتال فإن الحق له فلا ينقل بغير رضاه كالبائع وههنا الحق عليه فلا يعتبر رضاه كالعبد في البيع فصل متى ينتقل الحق إذا أحال بالدين انتقل الحق إلى المحال عليه وبرئت ذمة المحيل لان الحوالة إما أن تكون تحويل حق أو بيع حق وأيهما كان وجب أن تبرأ به ذمة المحيل فصل لا يجري الخيار في الحوالة ولا يجوز شرط الخيار فيه لانه لم يبن على المغابنة فلا يثبت فيه خيار الشرط وفي خيار المجلس وجهان أحدهما يثبت لانه بيع فيثبت فيه خيار المجلس كالصلح والثاني لا يثبت لانه يجري مجرى الإبراء ولهذا لا يجوز بلفظ البيع فلم يثبت فيه خيار المجلس فصل إن أحاله على مليء فأفلس وإن أحاله على مليء فأفلس أو جحد الحق وحلف عليه لم يرجع إلى المحيل لانه انتقل حقه إلى مال يملك بيعه فسقط حقه من الرجوع كما لو أخذنا بالدين سلعة ثم تلفت بعد القبض وإن أحاله على رجل بشرط أنه ملىء فبان أنه معسر فقد ذكر المزني أنه لا خيار له وأنكر أبو العباس هذا وقال له الخيار لانه غره بالشرط فثبت له الخيار كما لو باعه عبدا بشرط أنه كاتب ثم بان أنه ليس بكاتب وقال عامة أصحابنا لا خيار له لان الإعسار نقص فلو ثبت به الخيار لثبت من غير شرط كالعيب في المبيع ويخالف الكتابة فإن عدم الكتابة ليس بنقص وإنما هو عدم فضيلة فاختلف الأمر فيه بين أن يشرط وبين أن لا يشرط فصل هل تبطل الحوالة بالرد بالعيب وإن اشترى رجل من رجل شيئا بألف وأحال المشتري البائع على رجل بالألف ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فقد اختلف أصحابنا فيه فقال أبو علي الطبري لا تبطل الحوالة فيطالب البائع المحال عليه بالمال ويرجع المشتري على البائع بالثمن لانه تصرف في أحد عوضي البيع فلا يبطل بالرد بالعيب كما لو اشترى عبدا بثوب وقبضه وباعه ثم وجد البائع بالثوب عيبا فرده وقال أبو إسحاق تبطل الحوالة وهو الذي ذكره المزني في المختصر فلا يجوز للبائع مطالبة المحال عليه لان الحوالة وقعت بالثمن فإذا فسخ البيع خرج المحال به عن أن يكون ثمنا فإذا خرج عن أن يكون ثمنا ولم يتعلق به حق غيرهما وجب أن تبطل الحوالة ويخالف هذا إذا اشترى عبدا وقبضه وباعه لان العبد تعلق به حق غير المتبايعين وهو المشتري الثاني فلم يمكن إبطاله والحوالة لم يتعلق بها حق غيرهما فوجب إبطالها وإن أحال الزوج زوجته بالمهر على رجل ثم ارتدت المرأة قبل الدخول ففي الحوالة وجهان بناء على المسألة قبلها وإن أحال البائع رجلا على المشتري بالألف ثم رد المشتري المبيع بالعيب لم تبطل الحوالة وجها واحدا لانه تعلق بالحوالة حق غير المتعاقدين وهو الأجنبي المحتال فلم يجز إبطالها فصل من صور بطلان الحوالة وإن أحال البائع على المشتري رجلا بألف ثم اتفقا على أن العبد كان حرا فإن كذبهما المحتال لم تبطل الحوالة كما لو اشترى عبدا وباعه ثم اتفق البائع والمشتري أنه كان حرا فإن أقاما على ذلك بينة لم تسمع لانهما كذبا البينة بدخولهما في البيع وإن صدقهما المحتال بطلت الحوالة لانه ثبتت الحرية وسقط الثمن فبطلت الحوالة فصل إذا اختلفا في الحوالة فالقول قول المحيل إذا أحال رجل رجلا له عليه دين على رجل له عليه دين ثم اختلفا فقال المحيل وكلتك وقال المحتال بل أحلتني نظرت فإن اختلفا في اللفظ فقال المحيل وكلتك بلفظ الوكالة وقال المحتال بل أحلتني بلفظ الحوالة فالقول قول المحيل لانهما اختلفا في لفظه فكان القول فيه قوله وإن اتفقا على لفظ الحوالة ثم اختلفا فقال المحيل وكلتك وقال المحتال بل أحلتني ففيه وجهان قال أبو العباس القول قول المحتال لان اللفظ يشهد له
ومن أصحابنا من قال القول قول المحيل وهو قول المزني لانه يدعي بقاء الحق في الذمة والمحتال يدعي انتقال الحق من الذمة والأصل بقاء الحق في الذمة فإن قلنا بقول أبي العباس وحلف المحتال ثبتت الحوالة وبرىء المحيل وثبتت له مطالبة المحال عليه وإن قلنا بقول المزني فحلف المحيل ثبتت الوكالة فإن لم يقبض المال انعزل عن الوكالة بإنكاره فإن كان قد قبض المال أخذه المحيل وهل يرجع هو على المحيل بدينه فيه وجهان أحدهما لا يرجع لانه أقر ببراءة ذمته من دينه والثاني له أن يرجع لانه يقول إن كنت محتالا فقد استرجع مني ما أخذته بحكم الحوالة وإن كنت وكيلا فحقي باق في ذمته فيجب أن يعطيني وإن هلك في يده لم يكن للمحيل الرجوع عليه لانه يقر بأن ماله تلف في يد وكيله من غير عدوان وليس للمحتال أن يطالب المحيل بحقه لانه يقر بأنه استوفى حقه وتلف عنده وإن قال المحيل أحلتك وقال المحتال بل وكلتني فقد قال أبو العباس القول قول المحيل لان اللفظ يشهد له وقال المزني القول قول المحتال لانه يدعي بقاء دينه في ذمة المحيل والأصل بقاؤه في ذمته فإن قلنا بقول أبي العباس فحلف المحيل برىء من دين المحتال وللمحتال مطالبة المحال عليه بالدين لانه إن كان محتالا فله مطالبته بمال الحوالة وإن كان وكيلا فله المطالبة بحكم الوكالة فإذا قبض المال صرف إليه لان المحيل يقول هو له بحكم الحوالة والمحتال يقول هو لي فيما لي عليه من الدين الذي لم يوصلني إليه وإن قلنا بقول المزني وحلف المحتال ثبت أنه وكيل فإن لم يقبض المال كان له مطالبة المحيل بماله في ذمته وهل يرجع المحيل على المحال عليه بشيء فيه وجهان أحدهما لا يرجع لانه مقر بأن المال صار للمحتال والثاني يرجع لانه إن كان وكيلا فدينه ثابت في ذمة المحال عليه وإن كان محتالا فقد قبض المحتال المال منه ظلما وهو مقر بأن ما في ذمة المحال عليه للمحتال فكان له قبضه عوضا عما أخذه منه ظلما فإن كان قد قبض المال فإن كان باقيا صرف إليه لانه قبضه بحوالة فهو له وإن قبضه بوكالة فله أن يأخذه عما له في ذمة المحيل وإن كان تالفا نظرت فإن تلف بتفريط لزمه ضمانه وثبت للمحيل عليه مثل ما ثبت له في ذمته فتقاصا وإن تلف من غير تفريط لم يلزمه الضمان لانه وكيل ويرجع على المحيل بدينه ويبرأ المحال عليه لانه إن كان محتالا فقد وفاه حقه وإن كان وكيلا فقد دفع إليه كتاب الضمان يصح ضمان الدين عن الميت لما روى أبو قتادة قال أقبل بجنازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل على صاحبكم من دين فقالوا عليه ديناران قال صلى الله عليه وسلم صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة هما علي يا رسول الله فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصح عن الحي لانه دين لازم فصح ضمانه كالدين على الميت فصل الضمان يصح من كل جائز التصرف ويصح ذلك من كل جائز التصرف في ماله فأما من يحجر عليه لصغر أو جنون أو سفه فلا يصح ضمانه لانه إيجاب مال بعقد فلم يصح من الصبي والمجنون والسفيه كالبيع ومن حجر عليه للفلس يصح ضمانه لانه إيجاب مال في الذمة بالعقد فصح من المفلس كالشراء بثمن في الذمة وأما العبد فإنه إن ضمن بغير إذن المولى ففيه وجهان قال أبو إسحاق يصح ضمانه ويتبع به إذا عتق لانه لا ضرر فيه على المولى لانه يطالب به بعد العتق فصح منه كالإقرار بإتلاف ماله
وقال أبو سعيد الإصطخري لا يصح لانه عقد تضمن إيجاب مال فلم يصح منه بغير إذن المولى كالنكاح فإن ضمن بإذن مولاه صح ضمانه لان الحجر لحقه فزال بإذنه ومن أين يقضي ينظر فيه فإن قال له المولى اقضه من كسبك قضاه منه وإن قال اقضه مما في يدك للتجارة قضاه منه لان المال له وقد أذن له فيه وإن لم يذكر القضاء ففيه وجهان أحدهما يتبع به إذا أعتق لانه أذن في الضمان دون الأداء والثاني يقضي من كسبه إن كان له كسب أو مما في يده إن كان مأذونا له في التجارة لان الضمان يقتضي الغرم كما يقتضي النكاح المهر ثم إذا أذن له في النكاح وجب قضاء المهر مما في يده فكذلك إذا أذن له في الضمان وجب قضاء الغرم مما في يده فإن كان على المأذون له دين وقلنا إن دين الضمان يقضيه مما في يده فهل يشارك فيه الغرماء فيه وجهان أحدهما يشارك به لان المال للمولى وقد أذن له في القضاء منه إما بصريح الإذن أو من جهة الحكم فوجب المشاركة به والثاني أنه لا يشارك به لان المال تعلق به الغرماء فلا يشارك بمال الضمان كالرهن وأما المكاتب فإنه ضمن بغير إذن المولى فهو كالعبد القن وإن ضمن بإذنه فهو تبرع وفي تبرعات المكاتب بإذن المولى قولان نذكرهما في المكاتب إن شاء الله تعالى فصل رضا المضمون عنه ويصح الضمان من غير رضا المضمون عنه لانه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه جاز ضمان ما عليه من غير رضاه واختلف أصحابنا في رضا المضمون له فقال أبو علي الطبري يعتبر رضاه لانه إثبات مال في الذمة بعقد لازم فشرط فيه رضاه كالثمن في البيع وقال أبو العباس لا يعتبر لان أبا قتادة ضمن الدين عن الميت بحضرة النبي ولم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم رضا المضمون له فصل وهل يفتقر إلى معرفة المضمون له والمضمون عنه فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يفتقر إلى معرفة المضمون عنه ليعلم أنه هل هو ممن يسدى إليه الجميل ويفتقر إلى معرفة المضمون له ليعلم هل يصلح لمعاملته أم لا يصلح كما يفتقر إلى معرفة ما تضمنه من المال هل يقدر عليه أم لا يقدر عليه والثاني أنه يفتقر إلى معرفة المضمون له لان معاملته معه ولا يفتقر إلى معرفة المضمون عنه لانه لا معاملة بينه وبينه والثالث أنه لا يفتقر إلى معرفة واحد منهما لان أبا قتادة ضمن عن الميت ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن المضمون له والمضمون عنه فصل ضمان الثمن وإن باعه بشرط أن يضمن الثمن ضامن لم يجز حتى يعين الضامن لان الغرض يختلف باختلاف من يضمن كما يختلف باختلاف ما يرهن من الرهون وإن شرط أن يضمنه ثقة لم يجز حتى يعين لان الثقات يتفاوتون فإن لم يف له بما شرط من الضمين ثبت للبائع الخيار لانه دخل في العقد بشرط الوثيقة ولم يسلم له الشرط فثبت له الخيار كما لو شرط له رهنا ولم يف له بالرهن وإن شرط أن يشهد له شاهدين جاز من غير تعيين لان الأغراض لا تختلف باختلاف الشهود فإن عين له شاهدين فهل يجوز إبدالهما بغيرهما فيه وجهان أحدهما لا يجوز كما لا يجوز في الضمان والثاني يجوز لان الغرض لا يختلف فصل ضمان الدين ويصح ضمان كل دين لازم كالثمن والأجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف لانه وثيقة يستوفى منها الحق فصح في كل دين لازم كالرهن وأما ما لا يلزم بحال وهو دين الكتابة فلا يصح ضمانه لانه لا يلزم المكاتب أداؤه فلم يلزم ضمانه ولان الضمان يراد لتوثيق الدين ودين الكتابة لا يمكن توثيقه لانه يملك إسقاطه إذا شاء فلا معنى لضمانه وفي مال الجعالة والثمن في مدة الخيار ثلاثة أوجه أحدها لا يصح ضمانه لانه دين غير لازم فلم يصح ضمانه كدين الكتابة والثاني يصح لانه يؤول إلى اللزوم فصح ضمانه
والثالث يصح ضمان الثمن في مدة الخيار ولا يصح ضمان مال الجعالة لان عقد البيع يؤول إلى اللزوم وعقد الجعالة لا يلزم بحال فأما المال المشروط في السبق والرمي ففيه قولان أحدهما أنه كالإجارة فيصح ضمانه والثاني أنه كالجعالة فيكون في ضمانه وجهان فصل ضمان المجهول ولا يجوز ضمان المجهول لانه إثبات مال في الذمة بعقد لآدمى فلم يجز مع الجهالة كالثمن في البيع وفي إبل الدية وجهان أحدهما لا يجوز ضمانه لانه مجهول اللون والصفة والثاني أنه يجوز لانه معلوم السن والعدد ويرجع في اللون والصفة إلى عرف البلد فصل ضمان ما لم يجب ولا يصح ضمان ما لم يجب وهو أن يقول ما تداين فلان فأنا ضامن له لانه وثيقة بحق فلا يسبق الحق كالشهادة فصل تعليقه على شرط ولا يجوز تعليقه على شرط لانه إيجاب مال لآدمي بعقد فلم يجز تعليقه على شرط كالبيع وإن قال ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه صح فإذا ألقاه وجب ما ضمنه لانه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح فأشبه إذا قال طلق امرأتك أو أعتق عبدك على ألف وإن قال بع عبدك من زيد بخمسمائة ولك علي خمسمائة أخرى فباعه ففيه وجهان أحدهما يصح البيع ويستحق ما بذله لانه مال بذله في مقابلة إزالة الملك فأشبه إذا قال طلق امرأتك أو أعتق عبدك على ألف والثاني لا يصح لانه بذل مال لغرض غير صحيح فلم يجز ويخالف ما بذله في الطلاق والعتق فإن ذلك بذل مال لغرض صحيح وهو تخليص المرأة من الزوج وتخليص العبد من الرق فصل ضمان الدين الحال إلى أجل ويجوز أن يضمن الدين الحال إلى أجل لانه رفق ومعروف فكان على حسب ما يدخل فيه وهل يجوز أن يضمن المؤجل حالا فيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز أن يضمن الحال مؤجلا والثاني لا يجوز لان الضمان فرع لما على المضمون عنه فلا يجوز أن يكون الفرع معجلا والأصل مؤجلا فصل الخيار في الضمان ولا يثبت في الضمان خيار لان الخيار لدفع الغبن وطلب الحظ والضامن يدخل في العقد على بصيرة أنه مغبون وأنه لا حظ له في العقد ولهذا يقال الكفالة أولها ندامة وأوسطها ملامة وآخرها غرامة فصل الشروط الفاسدة في الضمان ويبطل بالشروط الفاسدة لأنه عقد يبطل بجهالة المال فبطل بالشرط الفاسد كالبيع وإن شرط ضمانا فاسدا في عقد بيع فهل يبطل البيع فيه قولان كالقولين في الرهن الفاسد إذا شرطه في البيع وقد بينا وجه القولين في الرهن فصل ضمان الدين ويجب بالضمان الدين في ذمة الضامن ولا يسقط عن المضمون عنه والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه قال توفي رجل منا فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فخطا خطوة ثم قال أعليه دين قلنا ديناران فتحملهما أبو قتادة ثم قال بعد ذلك بيوم ما فعل الديناران قال إنما مات أمس ثم أعاد عليه بالغد قال قد قضيتهما قال الآن بردت عليه جلدته ولانه وثيقة بدين في الذمة فلا يسقط الدين عن الذمة كالرهن ويجوز للمضمون له مطالبة الضامن والمضمون عنه لان الدين ثابت في ذمتهما فكان له مطالبتهما فإن ضمن عن الضامن ثالث جاز لانه ضمان دين ثابت فجاز كالضمان الأول وإن ضمن المضمون عنه عن الضامن لم يجز لان المضمون عنه أصل والضامن فرع فلا يجوز أن يصير الأصل فرعا والفرع أصلا ولانه يضمن ( بالضمان ) ما في ذمته ولانه لا فائدة في ضمانه وهو ثابت في ذمته فصل شروط ضمان الدين وإن ضمن عن رجل دينا بغير إذنه لم يجز له مطالبة المضمون عنه بتخليصه لانه لم يدخل فيه بإذنه فلم يلزمه تخليصه وإن ضمن بإذنه نظرت فإن طالبه صاحب الحق جاز له مطالبته بتخليصه لانه إذا جاز أن يغرمه إذا غرم جاز أن يطالبه إذا طولب وإن لم يطالب ففيه وجهان أحدهما له أن يطالبه لانه شغل ذمته بالدين بإذنه فجاز له المطالبة بتفريغ ذمته كما لو أعاره عينا ليرهنها فرهنها
والثاني ليس له وهو الصحيح لانه لما لم يغرمه قبل أن يغرم لم يطالبه قبل أن يطالب ويخالف إذا أعاره عينا ليرهنها فرهنها لان عليه ضررا في حبس العين والمنع من التصرف فيها ولا ضرر عليه في دين في ذمته لا يطالب به فإن دفع المضمون عنه مالا إلى الضامن وقال خذ هذا بدلا عما يجب لك بالقضاء ففيه وجهان أحدهما يملكه لان الرجوع يتعلق بسببين الضمان والغرم وقد وجد أحدهما فجاز تقديمه على الآخر كإخراج الزكاة قبل الحول وإخراج الكفارة قبل الحنث فإن قضى عنه الدين استقر ملكه على ما قبض وإن أبرىء من الدين قبل القضاء وجب رد ما أخذ كما يجب رد ما عجل من الزكاة إذا هلك النصاب قبل الحول والثاني لا يملك لانه أخذه بدلا عما يجب في الثاني فلا يملكه كما لو دفع إليه شيئا عن بيع لم يعقده فعلى هذا يجب رده فإن هلك ضمنه لانه قبضه على وجه البدل فضمنه كالمقبوض بسوم البيع فصل متى يبرىء الضامن وإن قبض المضمون له الحق من المضمون عنه برىء الضامن لانه وثيقة بحق فانحلت بقبض الحق كالرهن وإن قبضه من الضامن برىء المضمون عنه لانه استوفى الحق من الوثيقة فبرىء من عليه الدين كما لو قضى الدين من ثمن الرهن وإن أبرىء المضمون عنه برىء الضامن لان الضامن وثيقة بالدين فإذا أبرىء من عليه الدين انحلت الوثيقة كما ينحل الرهن إذا أبرىء الراهن من الدين وإن أبرىء الضامن لم يبرإ المضمون عنه لان إبراءه إسقاط وثيقة من غير قبض فلم يبرأ به من عليه الدين كفسخ الرهن فصل إن قضى الراهن الدين وإن قضى الضامن الدين نظرت فإن ضمن بإذن المضمون عنه وقضى بإذنه رجع عليه لانه أذن له في الضمان والقضاء وإن ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه لم يرجع لانه تبرع بالقضاء فلم يرجع وإن ضمن بغير إذنه وقضى بإذنه ففيه وجهان من أصحابنا من قال يرجع لانه قضى بإذنه والثاني لا يرجع وهو المذهب لانه لزمه بغير إذنه فلم يؤثر إذنه في قضائه وإن ضمن بإذنه وقضى بغير إذنه فالمنصوص أنه يرجع عليه وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لانه اشتغلت ذمته بالدين بإذنه فإذا استوفى منه رجع كما لو أعاره مالا فرهنه في دينه وبيع في الدين وقال أبو إسحاق إن أمكنه أن يستأذنه لم يرجع لانه قضاه باختياره وإن لم يمكنه رجع لانه قضاه بغير اختياره وإن أحاله الضامن على رجل له عليه دين برئت ذمة المضمون عنه لان الحوالة بيع فصار كما لو أعطاه عن الدين عوضا وإن أحاله على من لا دين له عليه وقبل المحال عليه وقلنا يصح برىء الضامن لان بالحوالة تحول ما ضمن ولا يرجع على المضمون عنه لانه لم يغرم فإن قبضه منه ثم وهبه له فهل يرجع على الضامن فيه وجهان بناء على القولين في المرأة إذا وهبت الصداق من الزوج ثم طلقها قبل الدخول فصل إن دفع الضامن إلى المضمون له ثوبا عن الدين وإن دفع الضامن إلى المضمون له ثوبا عن الدين في موضع يثبت له الرجوع رجع بأقل الأمرين من قيمة الثوب أو قدر الدين فإن كان قيمة الثوب عشرة والدين عشرين لم يرجع بما زاد على العشرة لانه لم يغرم وإن كان قيمة الثوب عشرين والدين عشرة لم يرجع بما زاد على العشرة لانه تبرع بما زاد فلا يرجع به وإن كان الدين الذي ضمنه مؤجلا فعجل قضاءه لم يرجع به قبل المحل لانه تبرع بالتعجيل فصل في صحة ضمان الدرك
ويصح ضمان الدرك على المنصوص وخرج أبو العباس قولا آخر أنه لا يصح لانه ضمان ما يستحق من المبيع وذلك مجهول والصحيح أنه يصح قولا واحدا لان الحاجة داعية إليه لانه يسلم الثمن ولا يأمن أن يستحق عليه المبيع ولا يمكنه أن يأخذ على الثمن رهنا لان البائع لا يعطيه مع المبيع رهنا ولا يمكنه أن يستوثق بالشهادة لانه قد يفلس البائع فلا تنفعه الشهادة فلم يبق ما يستوثق به غير الضمان ولا يمكن أن يجعل القدر الذي يستحق معلوما فعفي عن الجهالة فيه كما عفي عن الجهل بأساس الحيطان ويخالف ضمان المجهول لانه يمكنه أن يعلم قدر الدين ثم يضمنه وفي وقت ضمانه وجهان أحدهما لا يصح حتى يقبض البائع الثمن لانه قبل أن يقبض ما وجب له شيء وضمان ما لم يجب لا يصح والثاني يصح قبل قبض الثمن لان الحاجة داعية إلى هذا الضمان في عقد البيع فجاز قبل قبض الثمن وإن اشترى جارية وضمن دركها فخرج بعضها مستحقا فإن قلنا إن البيع يصح في الباقي رجع بثمن ما استحق وإن قلنا يبطل البيع في الجميع رجع على الضامن بثمن ما استحق وهل يرجع عليه بثمن الباقي فيه وجهان أحدهما يرجع عليه لانه بطل البيع فيه لاجل الاستحقاق فضمن كالمستحق والثاني لا يرجع لانه لم يضمن إلا ما يستحق فلم يضمن ما سواه وإن ضمن الدرك فوجد بالمبيع عيبا فرده فهل يرجع على الضامن بالثمن فيه وجهان أحدهما لا يرجع وهو قول المزني وأبي العباس لانه زال ملكه عنه بأمر حادث فلم يرجع عليه بالثمن كما لو كان شقصا فأخذه الشفيع والثاني يرجع لانه رجع إليه الثمن بمعنى قارن العقد فثبت له الرجوع على الضامن كما لو خرج مستحقا وإن وجد به العيب وقد حدث عنده عيب فهل يرجع بأرش العيب على ما ذكرناه من الوجهين فصل في بيان كفالة البدن وتجوز كفالة البدن على المنصوص في الكتب وقال في الدعاوى والبينات إن كفالة البدن ضعيفة فمن أصحابنا من قال تصح قولا واحدا وقوله ضعيفة أراد من جهة القياس ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما أنها لا تصح لانه ضمان عين في الذمة بعقد فلم يصح كالسلم في ثمرة نخلة بعينها والثاني يصح وهو الأظهر لما روى أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب قال صليت مع عبد الله بن مسعود الغداة فلما سلم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فوالله لقد بت البارحة وما في نفسي على أحد إحنة وإني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة وكان أمرني أن آتيه بغلس فانتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة فسمعت مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله فكذبت سمعي وكففت فرسي حتى سمعت أهل المسجد قد تواطئوا على ذلك فقال عبد الله بن مسعود على بعبد الله بن النواحة فحضر واعترف فقال له عبد الله أين ما كنت تقرأ من القرآن قال كنت أتقيكم به فقال له تب فأبى فأمر به فأخرج إلى السوق فجز رأسه ثم شاور أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في بقية القوم فقال عدي بن حاتم تؤلول كفر قد أطلع رأسه فاحسمه وقال جرير بن عبد الله والأشعث بن قيس استتبهم فإن تابوا كفلهم عشائرهم فاستتابهم فتابوا وكفلهم عشائرهم ولان البدن يستحق تسليمه بالعقد فجاز الكفالة به كالدين فإن قلنا تصح جازت الكفالة ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحكم بدين لانه حق لازم لآدمي فصحت الكفالة به كالدين وإن كان عليه حد فإن كان لله تعالى لم تصح الكفالة به لان الكفالة للاستيثاق وحق الله تعالى مبني على الدرء والاسقاط فلم يجز الاستيثاق بمن عليه وإن كان قصاصا أو حد قذف ففيه وجهان أحدهما لا تصح لانه لا تصح الكفالة بما عليه فلم تصح الكفالة به كمن عليه حد لله تعالى والثاني تصح لانه حق لآدمي فجازت الكفالة ببدن من عليه كالدين
ومن عليه دين غير لازم كالمكاتب لا تجوز الكفالة ببدنه لان الحضور لا يلزمه فلا تجوز الكفالة به كدين الكتابة فصل إن كان عليه دين مجهول وإن كان عليه دين مجهول ففيه وجهان قال أبو العباس لا تصح الكفالة ببدنه لانه قد يموت المكفول به فيلزمه الدين فإذا كان مجهولا لم تمكن المطالبة والثاني أنه تصح وهو المذهب لان الكفالة بالبدن لا تعلق لها بالدين فصل الكفالة ببدن الكفيل وتصح الكفالة ببدن الكفيل كما يصح ضمان الدين عن الضمين فصل الكفالة حالا ومؤجلا وتجوز الكفالة حالا ومؤجلا كما يجوز ضمان الدين حالا ومؤجلا وهل يجوز إلى أجل مجهول فيه وجهان أحدهما يجوز لانه تبرع من غير عوض فجاز في المجهول كإباحة الطعام والثاني لا يجوز لانه إثبات حق في الذمة لآدمي فلا يجوز إلى أجل مجهول كالبيع ويخالف الإباحة فإنه لو أباحه أحد الطعامين جاز ولو تكفل ببدن أحد الرجلين لم يجز فصل المكان في الكفالة وتجوز الكفالة به ليسلم في مكان معين وتجوز مطلقا فإن أطلق وجب التسليم في موضع العقد كما تجوز حالا ومؤجلا وإذا أطلق وجب التسليم في حال العقد فصل شرط الكفالة ولا تصح الكفالة بالبدن من غير إذن المكفول به لانه إذا تكفل به من غير إذنه لم يقدر على تسليمه ومن أصحابنا من قال تصح كما تصح الكفالة بالدين من غير إذن من عليه الدين فصل الكفالة بعضو منه وإن تكفل بعضو منه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يصح لان في تسليمه تسليم جميعه والثاني لا تجوز لان إفراد العضو بالعقد لا يصح وتسريته إلى الباقي لا تمكن لانه لا سراية له فبطلت والثالث إن كان العضو لا يبقى البدن دونه كالرأس والقلب جاز لانه لا يمكن تسليمه إلا بتسليم البدن وإن كان عضوا يبقى البدن دونه كاليد والرجل لم يصح لانه قد يقطع فيبرأ مع بقائه فصل إذا أحضر المكفول به قبل المحل وفي غير المكان وإن أحضر المكفول به قبل المحل أو في غير الموضع الذي شرط فيه التسليم فإن كان عليه في قبوله ضرر أو له في رده غرض لم يلزمه قبوله وإن لم يكن عليه ضرر ولا له في رده غرض وجب قبوله فإن لم يتسلمه أحضره عند الحاكم ليتسلم عنه ويبرأ كما قلنا في دين السلم وإن أحضره وهناك يد حائلة لم يبرأ لان التسليم المستحق هو التسليم من غير حائل ولهذا لو سلم المبيع مع الحائل لم يصح تسليمه وإن سلمه وهو في حبس الحاكم صح التسليم لان حبس الحاكم ليس بحائل ويمكن إحضاره ومطالبته بما عليه من الحق وإن حضر المكفول به بنفسه وسلم نفسه برىء الكفيل كما يبرأ الضامن إذا أدى المضمون عنه الدين وإن غاب المكفول به إلى موضع لا يعرف خبره لم يطالب به وإن غاب إلى موضع يعلم خبره لم يطالب به حتى يمضي زمان يمكن فيه الذهاب والمجيء لان ما لزم تسليمه لم يلزم إلا بإمكان التسليم فإن مضى زمان الإمكان ولم يفعل حبس الكفيل إلى أن يحضره فإن أبرأه المكفول له من الكفالة برىء كما يبرأ الضامن إذا أبرأه المضمون له فإن جاء رجل وقال أبرىء الكفيل وأنا كفيل بمن تكفل به ففيه وجهان قال أبو العباس يصح لانه نقل الضمان إلى نفسه فصار كما لو ضمن رجل مالا فأحال الضامن المضمون له على آخر وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب الطبري رحمهما الله لا يصح لانه تكفل بشرط أن يبرأ الكفيل وذلك شرط فاسد فمنع صحة العقد وإن تكفل ببدن رجل لنفسين فسلمه إلى أحدهما لم يبرأ من حق الآخر لانه ضمن تسليمين فلم يبرأ بأحدهما كما لو ضمن لهما دينين فأدى دين أحدهما
وإن تكفل اثنان لرجل ببدن رجل فأحضره أحدهما فقد قال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله أنه لا يبرأ الآخر لانه لو أبرىء أحدهما لم يبرأ الآخر فإذا سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر وعندي أنه يبرأ لان المستحق إحضاره وقد حصل فبرئا كما لو ضمن رجلان دينا فأداه أحدهما ويخالف الإبراء فإن الإبراء مخالف للأداء والدليل عليه أن في ضمان المال لو أبرىء أحد الضامنين لم يبرإ الآخر ولو أدى أحد الضامنين برىء فصل متى يبرىء الكفيل وإن تكفل ببدن رجل فمات المكفول به برىء الكفيل وقال أبو العباس يلزمه ما على المكفول به من الدين لانه وثيقة فإذا مات من عليه الدين وجب أن يستوفى الدين منها كالرهن والمذهب الأول لانه لم يضمن الدين فلا يلزمه فصل الكفالة بالعين وإن تكفل بعين نظرت فإن كان أمانة كالوديعة لم يصح لانه إذا لم يجب ضمانها على من هي عنده فلان لا يجب على من يضمن عنه أولى وإن كان عينا مضمونة كالمغصوب والعارية والمبيع قبل القبض ففيه وجهان بناء على القولين في كفالة البدن فإن قلنا إنها تصح فهلكت العين فقد قال أبو العباس فيه وجهان أحدهما يجب عليه ضمانها والثاني لا يجب وقال الشيخ أبو حامد لا يجوز بناء ذلك على كفالة البدن فإن البدن لو تلف لم يضمن بدله ولو هلكت العين ضمنها فصل إن ضمن عنه دينا ثم اختلفا وإن ضمن عنه دينا ثم اختلفا فقال الضامن ضمنت وأنا صبي وقال المضمون له ضمنت وأنت بالغ فالقول قول الضامن لان الأصل عدم البلوغ وإن قال ضمنت وأنا مجنون وقال بل ضمنت وأنت عاقل فإن لم يعرف له حالة جنون فالقول قول المضمون له لان الأصل العقل وصحة الضمان وإن عرف له حالة جنون فالقول قول الضامن لانه يحتمل أن يكون الضمان في حالة الإفاقة ويحتمل أن يكون في حالة الجنون والأصل عدم الضمان وبراءة الذمة وإن ضمن عن رجل شيئا وأدى المال ثم ادعى أنه ضمن بإذنه وأدى بإذنه ليرجع وأنكر المضمون عنه الإذن لم يرجع عليه لان الأصل عدم الإذن وإن تكفل ببدن رجل ثم ادعى أنه تكفل به ولا حق عليه فالقول قول المكفول له لان الكفيل قد أقر بالكفالة والكفالة لا تكون إلا بمن عليه حق فكان القول قول المكفول له فإن طلب الكفيل يمين المكفول له على ذلك ففيه وجهان أحدهما يحلف لان ما يدعيه الكفيل ممكن فحلف عليه الخصم والثاني لا يحلف لان إقراره بالكفالة يقتضي وجوب الحق وما يدعيه يكذب إقراره فلم يحلف الخصم وإن ادعى الضامن أنه قضى الحق عن المضمون عنه وأقر المضمون له وأنكر المضمون عنه ففيه وجهان أحدهما أن القول قول المضمون عنه لان الضامن يدعى القضاء ليرجع فلم يقبل قوله والمضمون له يشهد على فعل نفسه أنه قبض فلم تقبل شهادته فسقط قولهما وحلف المضمون عنه والثاني أن القول قول الضامن لان قبض المضمون له يثبت بالإقرار مرة وبالبينة أخرى ولو ثبت قبضه بالبينة رجع الضامن فكذلك إذا ثبت بالإقرار كتاب الشركة يصح عقد الشركة على التجارة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانا خرجت من بينهما ولا تصح الشركة إلا من جائز التصرف في المال لانه عقد على التصرف في المال فلم تصح إلا من جائز التصرف في المال فصل في حكم مشاركة المسلم الكافر ويكره أن يشارك المسلم الكافر لما روى أبو حمزة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا قلت لم قال لانهم يربون والربا لا يحل فصل في الشركة على الدراهم والدنانير وغيرهما من العروض وتصح الشركة على الدراهم والدنانير لانهما أصل لكل ما يباع ويبتاع وبهما تعرف قيمة الأموال وما يزيد فيها من الأرباح فأما ما سواهما من العروض فضربان ضرب لا مثل له وضرب له مثل
فأما ما لا مثل له كالحيوان والثياب فلا يجوز عقد الشركة عليها لانه قد تزيد قيمة أحدهما دون الآخر فإن جعلنا ربح ما زاد قيمته لمالكه أفردنا أحدهما بالربح والشركة معقودة على الاشتراك في الربح وإن جعلنا الربح بينهما أعطينا من لم تزد قيمة ماله ربح مال الآخر وهذا لا يجوز وأما ما له مثل كالحبوب والأدهان ففيه وجهان أحدهما لا يجوز عقد الشركة عليه وعليه نص في البويطي لانه من غير الأثمان فلم يجز عقد الشركة عليه كالثياب والحيوان والثاني يجوز وهو قول أبي إسحاق لانه من ذوات الأمثال فأشبه الأثمان وإن لم يكن لهما غير العروض وأراد الشركة باع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر فيصير الجميع مشتركا بينهما ويشتركان في ربحه فصل في صحة شركة العنان ولا يصح من الشركة إلا شركة العنان ولا يصح ذلك إلا أن يكون مال أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته فإن كان مال أحدهما دنانير والآخر دراهم أو مال أحدهما صحاحا والآخر قراضة أو مال أحدهما من سكة ومال الآخر من سكة أخرى لم تصح الشركة لانهما مالان لا يختلطان فلم تصح الشركة عليهما كالعروض فإن كان مال أحدهما عشرة دنانير ومال الآخر مائة درهم وابتاعا بها شيئا وربحا قسم الربح بينهما على قدر المالين فإن كان نقد البلد أحدهما قوم به الآخر فإن استوت قيمتاهما استويا في الربح وإن اختلفت قيمتاهما تفاضلا في الربح على قدر مالهما فصل في شرط صحة شركة العنان ولا تصح حتى يختلط المالان لانه قبل الاختلاط لا شركة بينهما في مال ولانا لو صححنا الشركة قبل الاختلاط وقلنا إن من ربح شيئا من ماله انفرد بالربح أفردنا أحدهما بالربح وذلك لا يجوز وإن قلنا يشاركه الآخر أخذ أحدهما ربح مال الآخر وهذا لا يجوز وهل تصح الشركة مع تفاضل المالين في القدر فيه وجهان أحدهما لا تصح وهو أبي القاسم الأنماطي لان الشركة تشتمل على مال وعمل ثم لا يجوز أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح فكذلك لا يجوز أن يتساويا في العمل ويتفاضلا في الربح وإذا اختلف مالهما في القدر فقد تساويا في العمل وتفاضلا في الربح فوجب ألا يجوز والثاني تصح وهو قول عامة أصحابنا وهو الصحيح لان المقصود بالشركة أن يشتركا في ربح مالهما وذلك يحصل مع تفاضل المالين كما يحصل مع تساويهما وما قاله الأنماطي من قياس العمل على المال لا يصح لان الاعتبار في الربح بالمال لا بالعمل والدليل عليه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بالمال ويشتركان في الربح فلم يجز أن يستويا في المال ويختلفا في الربح وليس كذلك العمل فإنه يجوز أن ينفرد أحدهما بالعمل ويشتركا في الربح فجاز أن يستويا في العمل ويختلفا في الربح فصل في تصرف أحد الشركين في نصيب الآخر ولا يجوز لاحد الشريكين أن يتصرف في نصيب شريكه إلا بإذنه فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف تصرفا وإن أذن أحدهما ولم يأذن الآخر تصرف المأذون في الجميع ولا يتصرف الآخر إلا في نصيبه ولا يجوز لاحدهما أن يتجر في نصيب شريكه إلا في الصنف الذي يأذن فيه الشريك ولا أن يبيع بدون ثمن المثل ولا بثمن مؤجل ولا بغير نقد البلد إلا أن يأذن له شريكه لان كل واحد منهما وكيل للآخر في نصفه فلا يملك إلا ( ما يملك ) ( كالوكيل ) فصل في تقسيم الربح والخسران ويقسم الربح والخسران على قدر المالين لان الربح نماء مالهما والخسران نقصان مالهما فكانا على قدر المالين فإن شرطا التفاضل في الربح والخسران مع تساوى المالين أو التساوي في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح العقد لانه شرط ينافي مقتضى الشركة فلم يصح كما لو شرط أن يكون الربح لاحدهما فإن تصرفا مع هذا الشرط صح التصرف لان الشرط لا يسقط الإذن فنفذ التصرف
فإن ربحا أو خسرا جعل بينهما على قدر المالين ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه لانه إنما عمل ليسلم له ما شرط وإذا لم يسلم رجع بأجرة عمله فصل في بطلان شركة الأبدان وأما شركة الأبدان وهي الشركة على ما يكتسبان بأبدانهما فهي باطلة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى فوجب أن يكون باطلا ولان عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله فإن عملا وكسبا أخذ كل واحد منهما أجرة عمله لانها بدل عمله فاختص بها فصل في بطلان شركة المفاوضة وأما شركة المفاوضة وهو أن يعقدا الشركة على أن يشتركا فيما يكتسبان بالمال والبدن وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بغصب أو بيع أو ضمان فهي شركة باطلة لحديث عائشة رضي الله عنها ولانها شركة معقودة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يختص بسببه فلم تصح كما لو عقد الشركة على ما يملكان بالإرث والهبة ولانها شركة معقودة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بعدوانه فلم تصح كما لو عقدا الشركة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بالجناية فإن عقدا الشركة على ذلك واكتسبا وضمنا أخذ كل واحد منهما ربح ماله وأجرة عمله وضمن كل واحد منهما ما لزمه بغصبه وبيعه وضمانه لان الشرط قد سقط وبقي الربح والضمان على ما كانا قبل الشرط ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه لانه عمل في ماله ليسلم له ما شرط له ولم يسلم فوجب أجرة عمله فصل في بطلان شركة الوجوه وأما شركة الوجوه وهو أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه فهي شركة باطلة لان ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه وإن وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه فإذا بيع قسم الثمن بينهما لانه بدل مالهما فصل في شركة ثلاثة وإن أخذ رجل من رجل جملا ومن آخر راوية على أن يستقي الماء ويكون الكسب بينهم فقد قال في موضع يجوز وقال في موضع لا يجوز فمن أصحابنا من قال إن كان الماء مملوكا للسقاء فالكسب له ويرجع عليه صاحب الجمل والراوية بأجرة المثل للجمل والراوية لانه استوفى منفعتهما بإجارة فاسدة فوجب عليه أجرة المثل وإن كان الماء مباحا فالكسب بينهم أثلاثا لانه استقى الماء على أن يكون الكسب بينهم فكان الكسب بينهم كما لو وكلاه في شراء ثوب بينهم فاشتراه على أن يكون بينهم وحمل القولين على هذين الحالين ومنهم من قال إن كان الماء مملوكا للسقاء كان الكسب له ويرجعان عليه بالأجرة لما ذكرناه وإن كان الماء مباحا ففيه قولان أحدهما أنه بينهم أثلاثا لانه أخذه على أن يكون بينهم فدخل في ملكهم كما لو اشترى شيئا بينهم بإذنهم والثاني أن الكسب للسقاء لانه مباح اختص بحيازته فاختص بملكه كالغنيمة ويرجعان عليه بأجرة المثل لانهما بذلا منفعة الجمل والراوية ليسلم لهما الكسب ولم يسلم فثبت لهما أجرة المثل فصل الشريك أمين والشريك أمين فيما في يده من مال شريكه فإن هلك المال في يده من غير تفريط لم يضمن لانه نائب عنه في الحفظ والتصرف فكان الهالك في يده كالهالك في يده فإن ادعى الهلاك فإن كان بسبب ظاهر لم يقبل حتى يقيم البينة عليه فإذا أقام البينة على السبب فالقول قوله في الهلاك مع يمينه وإن كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه من غير بينة لانه يتعذر إقامة البينة على الهلاك فكان القول قوله مع يمينه
وإن ادعى عليه الشريك خيانة وأنكر فالقول قوله لان الأصل عدم الخيانة وإن كان في يده عين وادعى شريكه أن ذلك من مال الشركة وادعى هو أنه له فالقول قوله مع يمينه لان الظاهر مما في يده أنه ملكه فإن اشترى شيئا فيه ربح فادعى الشريك أنه اشتراه للشركة وادعى هو أنه اشتراه لنفسه أو اشترعى شيئا فيه خسارة وادعى الشريك أنه اشتراه لنفسه وادعى هو أنه اشتراه للشركة فالقول قوله لانه أعرف بعقده ونيته فصل في الخصومة في الشركة وإن كان بينهما عبد فأذن أحدهما لصاحبه في بيعه فباعه بألف ثم أقر الشريك الذي لم يبع أن البائع قبض الألف من المشتري وادعى المشتري ذلك وأنكر البائع فإن المشتري يبرأ من حصة الشريك الذي لم يبع لانه أقر أنه سلم حصته من الثمن إلى شريكه بإذنه وتبقى الخصومة بين البائع وبين المشتري وبين الشريكين فإن تحاكم البائع والمشتري فإن كان للمشتري بينة بتسليم الثمن قضى له وإن لم يكن له من يشهد غير الشريك الذي لم يبع فإن شهادته مردودة في قبض حصته لانه يجر بها إلى نفسه نفعا وهو حق الرجوع عليه بما قبض من حصته وهل ترد في حصة البائع فيه قولان فإن قلنا تقبل حلف معه المشتري ويبرأ وإن قلنا لا تقبل أو لم يكن عدلا فالقول قول البائع مع يمينه أنه لم يقبض فإن حلف أخذ منه نصف الثمن وليس للشريك الذي لم يبع أن يأخذ مما أخذ البائع شيئا لانه أقر أنه قد أخذ الحق مرة وإن ما أخذه الآن أخذه ظلما فلا يجوز أن يأخذ منه وإن نكل البائع حلف المشتري ويبرأ وإن تحاكم الشريكان فإن كان للذي لم يبع بينة بأن البائع قبض الثمن رجع عليه بحصته وإن لم تكن له بينة حلف البائع أنه لم يقبض ويبرأ وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الذي لم يبع فيحلف ويأخذ منه حصته وإن ادعى البائع أن الذى لم يبع قبض الألف من المشتري وادعاه المشتري وأنكر الذي لم يبع نظرت فإن كان الذي لم يبع مأذونا له في القبض برئت ذمة المشتري من نصيب البائع لانه أقر أنه سلمه إلى شريكه بإذنه وتبقى الخصومة بين الذي لم يبع وبين المشتري وبين الشريكين فيكون البائع ههنا كالذي لم يبع والذي لم يبع كالبائع في المسألة قبلها وقد بيناه وإن لم يكن واحد منهما مأذونا له في القبض لم تبرأ ذمة المشتري من شيء من الثمن لان الذي باعه أقر بالتسليم إلى من لم يأذن له والذي لم يبع أنكر القبض فإن تحاكم البائع والمشتري أخذ البائع منه حقه من غير يمين لانه سلمه إلى شريكه بغير إذنه وإن تحاكم المشتري والذي لم يبع فإن كان للمشتري بينة برىء من حقه وإن لم يكن له من يشهد غير البائع فإن كان عدلا قبلت شهادته لانه لا يجر بهذه الشهادة إلى نفسه نفعا ولا يدفع بها ضررا فإذا شهد حلف معه المشتري وبرىء وإن لم يكن عدلا فالقول قول الذي لم يبع مع يمينه فإذا حلف أخذ منه حقه وإن كان البائع مأذونا له في القبض والذي لم يبع غير مأذون له وتحاكم البائع والمشتري قبض منه حقه من غير يمين لانه سلمه إلى شريكه من غير إذنه وهل للشريك الذي لم يبع مشاركته فيما أخذ قال المزني له مشاركته وهو بالخيار بين أن يأخذ من المشتري خمسمائة وبين أن يأخذ من المشتري مائتين وخمسين ومن الشريك مائتين وخمسين وقال أبو العباس لا يأخذ منه شيئا لانه لما أقر أن الذي لم يبع قبض جميع الثمن عزل نفسه من الوكالة في القبض لانه لم يبق له ما يتوكل في قبضه فلا يأخذ بعد العزل إلا حق نفسه فلا يجوز للذي لم يبع أن يشاركه فيه فإن تحاكم المشتري والذي لم يبع فالقول قول الذي لم يبع مع يمينه أنه لم يقبض لان الأصل عدم القبض
فإن كان للمشتري بينة قضى له وبرىء وإن لم يكن له من يشهد إلا البائع لم تقبل شهادته على قول المزني لانه يدفع عن نفسه بهذه الشهادة ضررا وهو رجوع الشريك الذي لم يبع عليه بنصف ما في يده وعلى قول أبي العباس تقبل شهادته قولا واحدا لانه لا يدفع بشهادته ضررا لانه لا رجوع له عليه فصل في عزل الشريك وانعزاله عن التصرف ولكل واحد من الشريكين أن يعزل نفسه عن التصرف إذا شاء لانه وكيل وله أن يعزل شريكه عن التصرف في نصيبه لانه وكيله فيملك عزله فإذا انعزل أحدهما لم ينعزل الآخر عن التصرف لانهما وكيلان فلا ينعزل أحدهما بعزل الآخر فإن قال أحدهما فسخت الشركة انعزلا جميعا لان الفسخ يقتضي رفع العقد من الجانبين فانعزلا وإن ماتا أو أحدهما انفسخت الشركة لانه عقد جائز فبطل بالموت كالوديعة وإن جنا أو أحدهما أو أغمي عليهما أو على أحدهما بطل لانه بالجنون والإغماء يخرج عن أن يكون من أهل التصرف ولهذا تثبت الولاية عليه في المال فبطل العقد كما لو مات والله أعلم كتاب الوكالة تجوز الوكالة في عقد البيع لما روي عن عروة بن الجعد قال أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا أشتري له شاة أو أضحية فاشتريت شاتين فبعت إحداهما بدينار وأتيته بشاة ودينار فدعا لي بالبركة فكان لو اشترى ترابا لربح فيه ولان الحاجة تدعو إلى الوكالة في البيع لانه قد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ إليه لكثرة أشغاله فجاز أن يوكل فيه غيره وتجوز في سائر عقود المعاملات كالرهن والحوالة والضمان والكفالة والشركة والوكالة والوديعة والإعارة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والهبة والوقف والصدقة لان الحاجة إلى التوكيل فيها كالحاجة إلى التوكيل في البيع وفي تملك المباحات كإحياء الموات واستقاء الماء والاصطياد والاحتشاش قولان أحدهما لا يصح التوكيل فيها لانه تملك مباح فلم يصح التوكيل فيه كالاغتنام والثاني يصح لانه تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز أن يوكل فيه كالابتياع والاتهاب ويخالف الاغتنام لانه يستحق بالجهاد وقد تعين عليه بالحضور فتعين له ما استحق به فصل في التوكيل في النكاح ويجوز التوكيل في عقد النكاح لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة ويجوز في الطلاق والخلع والعتاق لان الحاجة تدعو إلى التوكيل فيه كما تدعو إلى التوكيل في البيع والنكاح ولا يجوز التوكيل في الإيلاء والظهار واللعان لانها أيمان فلا تحتمل التوكيل وفي الرجعة وجهان أحدهما لا يجوز التوكيل فيه كما لا يجوز في الإيلاء والظهار والثاني أنه يجوز وهو الصحيح فإنه إصلاح للنكاح فإذا جاز في النكاح جاز في الرجعة فصل في التوكيل في إثبات الأموال والخصومات ويجوز التوكيل في إثبات الأموال والخصومة فيها لما روي أن عليا كرم الله وجهه وكل عقيلا رضي الله عنه عند أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال ما قضي له فلي وما قضي عليه فعلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان رضي الله عنه وقال علي إن للخصومات قحما قال أبو زياد الكلابي القحم المهالك ولان الحاجة تدعو إلى التوكيل في الخصومات لانه قد يكون له حق أو يدعى عليه حق ولا يحسن الخصومة فيه أو يكره أن يتولاها بنفسه فجاز أن يوكل فيه ويجوز ذلك من غير رضى الخصم لانه توكيل في حقه فلا يعتبر فيه رضى من عليه كالتوكيل في قبض الديون ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف لانه حق آدمي فجاز التوكيل في إثباته كالمال ولا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى لان الحق له وقد أمرنا فيه بالدرء والتوصل إلى إسقاطه وبالتوكيل يتوصل إلى إيجابه فلم يجز ويجوز التوكيل في استيفاء الأموال لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث العمال لقبض الصدقات وأخذ الجزي
ويجوز في استيفاء حدود الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أنيسا لاقامة الحد وقال يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ووكل عثمان رضي الله عنه عليا كرم الله وجهه ليقيم حد الشرب على الوليد بن عقبة وأما القصاص وحد القذف فإنه يجوز التوكيل في استيفائهما بحضرة الموكل لان الحاجة تدعو إلى التوكيل فيه لانه قد يكون له حد أو قصاص ولا يحسن أن يستوفيه فجاز أن يوكل فيه غيره وهل يجوز أن يستوفيه في غيبة الموكل قال في الوكالة لا يستوفى وقال في الجنايات ولو وكل فتنحى به فعفا الموكل فقتله الوكيل بعد العفو وقبل العلم بالعفو ففي الضمان قولان وهذا يدل على أنه يجوز أن يقتص مع غيبة الموكل فمن أصحابنا من قال يجوز قولا واحدا وهو قول أبي إسحاق لانه حق يجوز أن يستوفيه بحضرة الموكل فجاز في غيبته كأخذ المال وحمل قوله لا يستوفي على الاستحباب ومنهم من قال لا يجوز قولا واحدا لان القصاص والحد يحتاط في إسقاطهما والعفو مندوب إليه فيهما فإذا حضر رجونا أن يرحمه فيعفو عنه وحمل قوله في الجنايات على أنه أراد إذا تنحى به ولم يغب عن عينه فعفا ولم يسمع الوكيل فقتل ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يجوز والثاني لا يجوز ووجههما ما ذكرناه فصل في فسخ العقود ويجوز التوكيل في فسخ العقود لانه إذا جاز التوكيل في عقدها ففي فسخها أولى ويجوز أن يوكل في الإبراء من الديون لانه إذا جاز التوكيل في إثباتها واستيفائها جاز التوكيل في الإبراء عنها وفي التوكيل في الإقرار وجهان أحدهما يجوز وهو ظاهر النص لانه إثبات مال في الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع والثاني لا يجوز وهو قول أبي العباس لانه توكيل في الإخبار عن حق فلم يجز كالتوكيل في الشهادة بالحق فإذا قلنا لا يجوز فهل يكون توكيله إقرارا فيه وجهان أحدهما أنه إقرار لانه لم يوكل في الإقرار بالحق إلا والحق واجب عليه والثاني أنه لا يكون إقرارا كما لا يكون التوكيل في الإبراء إبراء فصل فيمن يصح منه التوكيل ومن لا يصح ولا يصح التوكيل إلا ممن يملك التصرف في الذي يوكل فيه بملك أو ولاية فأما من لا يملك التصرف في الذي يوكل فيه كالصبي والمجنون والمحجور عليه في المال والمرأة في النكاح والفاسق في تزويج ابنته فلا يملك التوكيل فيه لانه لا يملكه فلا يملك أن يملك ذلك غيره وأما من لا يملك التصرف إلا بالإذن كالوكيل والعبد المأذون فإنه لا يملك التوكيل إلا بالإذن لانه يملك التصرف بالإذن فكان توكيله بالإذن واختلف أصحابنا في غير الأب والجد من العصبات هل يملك التوكيل في التزويج من غير إذن المرأة فمنهم من قال يملك لانه يملك التزويج بالولاية من جهة الشرع فملك التوكيل من غير إذن كالأب والجد ومنهم من قال لا يملك لانه لا يملك التزويج إلا بإذن فلا يملك التوكيل إلا بإذن كالوكيل والعبد المأذون فصل فيمن يصح التوكيل إليه ومن لا يصح ومن لا يملك التصرف في حق نفسه لنقص فيه كالمرأة في النكاح والصبي والمجنون في جميع العقود لم يملك أن يتوكل لغيره لانه إذا لم يملك ذلك في حق نفسه بحق الملك لم يملكه في حق غيره بالتوكيل ومن ملك التصرف فيما تدخله النيابة في حق نفسه جاز أن يتوكل فيه لغيره لانه يملك في حق نفسه بحق الملك فملك في حق غيره بالإذن واختلف أصحابنا في العبد هل يجوز أن يتوكل في قبول النكاح فمنهم من قال يجوز لانه يملك قبول العقد لنفسه بإذن المولى فملك أن يقبل لغيره بالتوكيل ومنهم من قال لا يجوز لانه لا يملك النكاح وإنما أجيز له القبول لنفسه للحاجة إليه ولا حاجة إلى القبول لغيره فلم يجز واختلفوا في توكيل المرأة في طلاق غيرها فمنهم من قال يجوز كما يجوز توكيلها في طلاقها
ومنهم من قال لا يجوز لانها لا تملك الطلاق وإنما أجيز توكيلها في طلاق نفسها للحاجة ولا حاجة إلى توكيلها في طلاق غيرها فلم يجز ويجوز للفاسق أن يتوكل في قبول النكاح للزوج لانه يجوز أن يقبل لنفسه مع الفسق فجاز أن يقبل لغيره وهل يجوز أن يتوكل في الإيجاب فيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه موجب للنكاح فلم يجز أن يكون فاسقا كالولي والثاني يجوز لانه ليس بولي وإنما هو مأمور من جهة الولي والولي عدل فصل في الإيجاب والقبول في الوكالة ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول لانه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع والإجارة ويجوز القبول على الفور وعلى التراخي وقال القاضي أبو حامد المروزي لا يجوز إلا على الفور لانه عقد في حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع والمذهب الأول لانه إذن في التصرف والإذن قائم ما لم يرجع فيه فجاز القبول ويجوز القبول بالفعل لانه إذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفعل كالإذن في أكل الطعام فصل في الغرر في الوكالة ولا يجوز التوكيل إلا في تصرف معلوم فإن قال وكلتك في كل قليل وكثير لم يصح لانه يدخل فيه ما يطيق وما لا يطيق فيعظم الضرر ويكثر الغرر وإن قال وكلتك في بيع جميع مالي أو قبض جميع ديوني صح لانه يعرف ماله ودينه وإن قال بع ما شئت من مالي أو اقبض ما شئت من ديوني جاز لانه إذا عرف ماله ودينه عرف أقصى ما يبيع ويقبض فيقل الغرر وإن قال اشتر لي عبدا لم يصح لان فيه ما يكون بمائة وفيه ما يكون بألف فيكثر الغرر وإن قال اشتر لي عبدا بمائة لم يصح لان ذكر الثمن لا يدل على النوع فيكثر الغرر وإن قال اشتر لي عبدا تركيا بمائة جاز لان مع ذكر النوع وقدر الثمن يقل الغرر فإن قال اشتر لي عبدا تركيا ولم يقدر الثمن ففيه وجهان قال أبو العباس يصح لانه يحمل الأمر على أعلى هذا النوع ثمنا فيقل الغرر ومن أصحابنا من قال لا يصح لان أثمان الترك تختلف وتتفاوت فيكثر الغرر وإن وكله في الإبراء لم يجز حتى يبين الجنس الذي يبرىء منه والقدر الذي يبرىء منه وإن وكله في الإقرار وقلنا إنه يصح التوكيل فيه لم يجز حتى يبين جنس ما يقر به وقدر ما يقر به لانه إذا أطلق عظم الضرر وكثر الغرر فلم يجز وإن وكله في خصومة كل من يخاصمه ففيه وجهان أحدهما يصح لان الخصومة معلومة والثاني لا يصح لانها قد تقل الخصومات وقد تكثر فيكثر الغرر فصل في تعليق الوكالة على شرط مستقبل ولا يجوز تعليق الوكالة على شرط مستقبل ومن أصحابنا من قال يجوز لانه إذن في التصرف فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوصية والمذهب الأول لانه عقد تؤثر الجهالة في إبطاله فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والإجارة ويخالف الوصية فإنها لا يؤثر فيها غرر الجهالة فلا يؤثر فيها غرر الشرط والوكالة تؤثر الجهالة في إبطالها فأثر غرر الشرط فإن علقها على شرط مستقبل ووجد الشرط وتصرف الوكيل صح التصرف لان مع فساد العقد الإذن قائم فيكون تصرفه بإذن فصح فإن كان قد سمى له جعلا سقط المسمى ووجب له أجرة المثل لأنه عمل في عقد فاسد لم يرض فيه بغير بدل فوجب أجرة المثل كالعمل في الاجارة الفاسدة وإن عقد الوكالة في الحال وعلق التصرف على شرط بأن قال وكلتك أن تطلق امرأتي أو تبيع مالى بعد شهر صح لانه لم يعلق العقد على شرط وإنما علق التصرف على شرط فلم يمنع صحة العقد فصل فيما يملك الوكيل التصرف فيه ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل من جهة النطق أو من جهة العرف لان تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما يقتضيه الإذن والإذن يعرف بالنطق وبالعرف
فإن تناول الإذن تصرفين وفي أحدهما إضرار بالموكل لم يجز ما فيه إضرار لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار فإن تناول تصرفين وفي أحدهما نظر للموكل لزمه ما فيه النظر للموكل لما روى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الدين النصيحة قلنا يا رسول الله لمن قال لله ولرسوله ولكتابه ولامة المسلمين وللمسلمين عامة وليس من النصح أن يترك ما فيه الحظ والنظر للموكل فصل في الإذن في توكيل الوكيل غيره وإن وكل في تصرف وأذن له أن يوكل إذا شاء نظرت فإن عين له من يوكله وكله أمينا كان أو غير أمين لانه قطع اجتهاده بالتعيين وإن لم يعين من يوكل لم يوكل إلا أمينا لانه لا نظر للموكل في توكيل غير الأمين فإن وكل أمينا فصار خائنا فهل يملك عزله فيه وجهان أحدهما يملك عزله لأن الوكالة تقتضي استعمال أمين فإذا خرج عن أن يكون أمينا لم يجز استعماله فوجب عزله والثاني لا يملك عزله لانه أذن له في التوكيل دون العزل وإن وكله ولم يأذن له في التوكيل نظرت فإن كان ما وكله فيه مما يتولاه الوكيل ويقدر عليه لم يجز أن يوكل فيه غيره لان الإذن لا يتناول تصرف غيره من جهة النطق ولا من جهة العرف لانه ليس في العرف إذا رضيه أن يرضى غيره وإن وكله في تصرف وقال اصنع فيه ما شئت ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز أن يوكل فيه غيره لعموم قوله اصنع فيه ما شئت والثاني لا يجوز لان التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه وقوله اصنع فيه ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل في تصرفه بنفسه وإن كان ما وكله فيه مما لا يتولاه بنفسه كعمل لا يحسنه أو عمل يترفع عنه جاز أن يوكل فيه غيره لان توكيله فيما لا يحسنه أو فيما يترفع عنه إذن في التوكيل فيه من جهة العرف وإن كان مما يتولاه ( بنفسه ) إلا أنه لا يقدر على جميعه لكثرته جاز له أن يوكل فيما لا يقدر عليه منه لان توكيله فيما لا يقدر عليه إذن في التوكيل فيه من جهة العرف وهل يجوز أن يوكل في جميعه فيه وجهان أحدهما أن يوكل في جميعه لانه ملك التوكيل فملك في جميعه كالموكل والثاني ليس له أن يوكل فيما يقدر عليه منه لان التوكيل يقتضي أن يتولى الوكيل بنفسه وإنما أذن له فيما لا يقدر عليه للعجز وبقي فيما يقدر عليه على مقتضى التوكيل وإن وكل نفسين في بيع أو طلاق فإن جعله إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد به لانه أذن لكل واحد منهما في التصرف وإن لم يجعل إلى كل واحد منهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد به لانه لم يرض بتصرف أحدهما فلا يجوز أن ينفرد به وإن وكلهما في حفظ ماله حفظاه في حرز لهما وخرج أبو العباس وجها آخر أنه إن كان مما ينقسم جاز أن يقتسما ويكون عند كل واحد منهما نصفه وإن لم ينقسم جعلاه في حرز لهما كما يفعل المالكان والصحيح هو الأول لانه تصرف أشرك فيه بينهما فلم يجز لاحدهما أن ينفرد ببعضه فيه كالبيع ويخالف المالكين لان تصرف المالكين بحق الملك ففعلا ما يقتضي الملك وتصرف الوكيلين بالإذن والإذن يقتضي اشتراكهما ولهذا يجوز لاحد المالكين أن ينفرد ببيع بعضه ولا يجوز لاحد الوكيلين أن ينفرد ببيع بعضه فصل فيما يملكه الوكيل أو ما لا يملكه وإن وكل رجلا في الخصومة لم يملك الإقرار على الموكل ولا الإبراء من دينه ولا الصلح عنه لان الإذن في الخصومة لا يقتضي شيئا من ذلك وإن وكله في تثبيت حق فثبته لم يملك قبضه لان الإذن في التثبيت ليس بإذن في القبض من جهة النطق ولا من جهة العرف لانه ليس في العرف أن من يرضاه للتثبيت يرضاه للقبض
وإن وكله في قبض حق من رجل فجحد الرجل الحق فهل يملك أن يثبته عليه فيه وجهان أحدهما لا يملك لان الإذن في القبض ليس بإذن في التثبيت من جهة النطق ولا من جهة العرف لانه ليس في العرف أن من يرضاه للقبض يرضاه للتثبيت والثاني أنه يملك لانه يتوصل بالتثبيت إلى القبض فكان الإذن في القبض إذنا في التثبيت وإن وكله في بيع سلعة فباعها لم يملك الإبراء من الثمن لان الإذن في البيع ليس بإذن في الإبراء من الثمن وهل يملك قبضه أم لا فيه وجهان أحدهما أنه لا يملك لان الإذن في البيع ليس بإذن في قبض الثمن من جهة النطق ولا من جهة العرف لانه قد يرضى الإنسان للبيع من لا يرضاه للقبض والثاني أنه يملك لان العرف في البيع تسليم للمبيع وقبض الثمن فحملت الوكالة عليه وإن وكله في شراء عبد فاشتراه وسلم الثمن ثم استحق العبد فهل يملك أن يخاصم البائع في درك الثمن فيه وجهان أحدهما يملك لانه من أحكام العقد والثاني لا يملك لان الذي وكل فيه هو العقد وقد فرغ منه فزالت الوكالة فصل في شرط الزمان والمكان في الوكالة وإن وكل في البيع في زمان لم يملك البيع قبله ولا بعده لأن الإذن لا يتناول ما قبله ولا ما بعده من جهة النطق ولا من جهة العرف لأنه قد يؤثر البيع في زمان لحاجة ولا يؤثر في زمان قبله ولا زمان بعده إن وكله في البيع في مكان فإن كان الثمن فيه أكثر أو النقد فيه أجود لم يجز البيع في غيره لانه قد يؤثر البيع في ذلك المكان لزيادة الثمن أو جودة النقد فلا يجوز تفويت ذلك عليه وإن كان الثمن فيه وفي غيره واحدا ففيه وجهان أحدهما أنه يملك البيع في غيره لان المقصود فيهما واحد فكان الإذن في أحدهما إذنا في الآخر والثاني لا يجوز لانه لما نص عليه دل على أنه قصد عينه لمعنى هو أعلم به من يمين وغيرها فلم تجز مخالفته فصل وإن وكله في البيع من رجل لم يجز أن يبيع من غيره لانه قد يؤثر تمليكه دون غيره فلا يكون الإذن في البيع منه إذنا في البيع من غيره وإن قال خذ مالي من فلان فمات لم يجز أن يأخذ من ورثته لانه قد لا يرضى أن يكون ماله عنده ويرضى أن يكون عند ورثته فلا يكون الإذن في الأخذ منه إذنا في الأخذ من ورثته وإن قال خذ ما لي على فلان فمات جاز أن يأخذ من ورثته لانه قصد أخذ ماله وذلك يتناول الأخذ منه ومن ورثته وإن وكل العدل في بيع الرهن فأتلفه رجل فأخذت منه القيمة لم يجز له بيع القيمة لان الإذن لم يتناول بيع القيمة فصل في التوكيل في بيع فاسد وإن وكل في بيع فاسد لم يملك الفاسد لان الشرع لم يأذن فيه ولا يملك الصحيح لان الموكل لم يأذن فيه فصل في التوكيل في بيع سلعة وإن وكل في بيع سلعة لم يملك بيعها من نفسه من غير إذن لان العرف في البيع أن يوجب لغيره فحمل الوكالة عليه ولان إذن الموكل يقتضي البيع ممن يستقصي في الثمن عليه وفي البيع من نفسه لا يستقصي ( عليه ) في الثمن فلم يدخل في الإذن وهل يملك البيع من ابنه أو مكاتبه فيه وجهان أحدهما يملك وهو قول أبى سعيد الإصطخري لانه يجوز أن يبيع منه ماله فجاز له أن يبيع منه مال موكله فإن مالهما ليس كمال فجاز البيع منهما كالأجنبي والثاني لا ( يملك ) وهو قول أبي إسحاق لانه متهم في الميل إليهما كما يتهم في الميل إلى نفسه ولهذا لا تقبل شهادته لهما كما لا تقبل شهادته لنفسه فإن أذن له في البيع من نفسه ففيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز أن يوكل المرأة في طلاقها
والثاني لا يجوز وهو المنصوص لانه يجتمع في عقده غرضان متضادان الاستقصاء للموكل والاسترخاص لنفسه فتمانعا ويخالف الطلاق فإنه يصح بالزوج وحده فصح بمن يوكله والبيع لا يصح بالبائع وحده فلم يصح بمن يوكله وإن وكل رجلا في بيع عبده ووكله آخر في شرائه لم يصح لانه عقد واحد يجتمع فيه غرضان متضادان فلم يصح التوكيل فيه كالبيع من نفسه وإن وكله في خصومة رجل ووكله الرجل في خصومته ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه توكيل في أمر يجتمع فيه غرضان متضادان فلم يصح كما لو وكله أحدهما في بيع عبده ووكله آخر في شرائه والثاني يصح لانه لا يتهم في إقامة الحجة لكل واحد منهما مع حضور الحاكم فإن وكل عبد الرجل ليشتري له نفسه أو عبدا غيره من مولاه ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه لما جاز توكيله في الشراء من غير مولاه جاز توكيله في الشراء من مولاه والثاني لا يجوز لان يد العبد كيد المولى ولهذا يحكم له بما في يد العبد كما يحكم له بما في يده ثم لو وكل المولى في الشراء من نفسه لم يجز فكذلك إذا وكل العبد فصل في اشتراء الوكيل السلعة المعيبة وإن وكل في شراء سلعة موصوفة لم يجز أن يشتري معيبا لان إطلاق البيع يقتضي السلامة من العيب ولهذا لو اشترى عينا فوجد بها عيبا ثبت له الرد فإن اشترى معيبا نظرت فإن اشتراه وهو يعلم أنه معيب لم يصح الشراء للموكل لانه اشترى له ما لم يأذن فيه فلم يصح له وإن اشتراه وهو لا يعلم أنه معيب ثم علم لم يخل إما أن يرضى به أو لا يرضى فإن لم يرض به نظرت فإن علم الموكل ورضي به لم يجز للوكيل رده لان الرد لحقه وقد رضي به فسقط وإن لم يعلم الموكل ثبت للوكيل الرد لانه ظلامة حصلت بعقده فجاز له رفعها كما لو اشترى لنفسه فإن قال له البائع أخر الرد حتى تشاور الموكل فإن لم يرض قبلته لم يلزمه التأخير لانه حق تعجل له فلم يلزمه تأخيره وإن قبل منه وأخره بهذا الشرط فهل يسقط حقه من الرد فيه وجهان أحدهما يسقط لانه ترك الرد مع القدرة والثاني لا يسقط لانه لم يرض بالعيب فإن ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضي به فالقول قول الوكيل مع يمينه لان الأصل عدم الرضا فإن رضي الوكيل بالعيب سقط خياره فإن حضرا الموكل ورضي بالعيب استقر العقد وإن اختار الرد نظرت فإن كان قد سماه الوكيل في الابتياع أو نواه وصدقه البائع جاز أن يرده لان الشراء له وهو لم يرض بالعيب وإنما رضي وكيله فلا يسقط حقه من الرد وإن لم يسمه الوكيل في الابتياع ولا صدقه البائع أنه نواه فالمنصوص أن السلعة تلزم الوكيل لانه ابتاع في الذمة للموكل ما لم يأذن فيه له ومن أصحابنا من قال يلزم الموكل لان العقد وقع له وقد تعذر الرد بتفريط الوكيل في ترك الرد ويرجع الموكل على الوكيل بنقصان العيب لان الوكيل صار كالمستهلك له بتفريطه وفي الذي يرجع به وجهان أحدهما وهو قول أبي يحيى البلخي أنه يرجع بما نقص من قيمته معيبا عن الثمن فإن كان الثمن مائة وقيمة السلعة مائة لم يرجع بشيء وإن كان الثمن مائة وقيمة السلعة تسعين رجع بعشرة كما نقول في شاهدين شهدا على رجل أنه باع سلعة بمائة فأخذت منه ووزن له المشتري الثمن ثم رجع الشهود عن الشهادة فإن الحكم لا ينقض ويرجع البائع على الشهود بما نقص من القيمة عن الثمن فإن كان الثمن والقيمة سواء لم يرجع عليهم بشيء وإن كانت القيمة مائة والثمن تسعون رجع بعشرة
والثاني أنه يرجع بأرش العيب وهو الصحيح لانه عيب فات الرد به من غير رضاه فوجب الرجوع بالأرش وإن وكل في شراء سلعة بعينها فاشتراها ووجد بها عيبا فهل له أن يرد من غير إذن الموكل فيه وجهان أحدهما له أن يرد لان البيع يقتضي السلامة من العيب ولم يسلم من العيب فثبت له الرد كما لو وكل في شراء سلعة موصوفة فوجد بها عيبا فعلى هذا يكون حكمه في الرد على ما ذكرناه في السلعة الموصوفة والثاني لا يرد من غير إذن الموكل لانه قطع نظره واجتهاده بالتعيين فصل في اعتبار العرف في الموكل فيه وإن وكل في بيع عبد أو شراء عبد لم يجز أن يعقد على بعضه لان العرف في بيع العبد وشرائه أن يعقد على جميعه فحمل الوكالة عليه ولان في تبعيضه إضرارا بالموكل فلم يملك من غير إذن وإن وكل في شراء أعبد أو بيع أعبد جاز أن يعقد على واحد واحد لان العرف في العبيد أن تباع وتشتري واحدا واحدا ولانه لا ضرر في إفراد بعضهم عن بعض وإن وكله أن يشتري له عشرة أعبد صفقة واحدة فابتاع عشرة أعبد من اثنين صفقة واحدة ففيه وجهان قال أبو العباس يلزم الموكل لانه اشتراهم صفقة واحدة ومن أصحابنا من قال لا يلزم الموكل لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان فصل في بيع الوكيل وشرائه بغير نقد البلد ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع بغير نقد البلد من غير إذن ولا للوكيل في الشراء أن يشتري بغير نقد البلد من غير إذن لان إطلاق البيع يقتضي نقد البلد ولهذا لو قال بعتك بعشرة دراهم حمل على نقد البلد وإن كان في البلد نقدان باع بالغالب منهما لان نقد البلد هو الغالب فإن استويا في المعاملة باع بما هو أنفع للموكل لانه مأمور بالنصح له ومن النصح أن يبيع بالأنفع فإن استويا باع بما شاء منهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر فخير بينهما وإن أذن له في العقد بنقد لم يجز أن يعقد بنقد آخر لان الإذن في جنس ليس بإذن في جنس آخر ولهذا لو أذن له في شراء عبد لم يجز أن يشتري جارية ولو أذن له في شراء حمار لم يجز أن يشتري فرسا فصل في شراء الوكيل بغير شرط الموكل وإن دفع إليه ألفا وقال اشتر بعينها عبدا فاشترى في ذمته لم يصح الشراء للموكل لانه لم يرض بالتزام غير الألف فإذا ابتاع بألف في الذمة فقد ألزمه ألفا لم يرض بالتزامها فلم يلزمه وإن قال اشتر لي في الذمة وانقد الألف فيه فابتاع بعينها ففيه وجهان أحدهما أن البيع باطل لانه أمره بعقد لا ينفسخ بتلف الألف فعقد عقدا ينفسخ بتلف الألف وذلك لم يأذن فيه ولم يرض به والثاني أنه يصح لانه أمره بعقد يلزمه الثمن مع بقاء الألف ومع تلفها وقد عقد عقدا يلزمه الثمن مع بقائها ولا يلزمه مع تلفها فزاده بذلك خيرا وإن دفع إليه ألفا وقال اشتر عبدا ولم يقل بعينها ففيه وجهان أحدهما أن مقتضاه الشراء بعينها لانه لما دفع إليه الألف دل على أنه قصد الشراء بها فعلى هذا إذا اشترى في ذمته لم يصح الشراء والثاني أنه لا يقتضي الشراء بعينها لان الأمر مطلق فعلى هذا يجوز أن يشتري بعينها ويجوز أن يشتري في الذمة وينقد الألف فيه فصل في شراء الوكيل مع عدم دفع الموكل فإن وكله في الشراء ولم يدفع إليه الثمن فاشتراه ففي الثمن ثلاثة أوجه أحدها أنه على الموكل والوكيل ضامن لان المبيع للموكل فكان الثمن عليه والوكيل تولى العقد والتزم الثمن فضمنه فعلى هذا يجوز للبائع أن يطالب الوكيل والموكل لان أحدهما ضامن والآخر مضمون عنه فإن وزن الوكيل الثمن رجع على الموكل وإن وزن الموكل لم يرجع على الوكيل