Qur'an&Sunnah

Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V01/P445–V01/P446

ولا بينة جعل بينهم بالسوية فإن كان الواقف حيا رجع إلى قوله لانه ثبت بقوله فرجع إليه كتاب الهبات الهبة مندوب إليها لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تهادوا تحابوا وللأقارب أفضل لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله وفي الهبة صلة الرحم والمستحب ألا يفضل بعض أولاده على بعض في الهبة لما روى النعمان بن بشير قال أعطانى أبي عطية فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعطيت ابنى عطية وإن أمه قالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أعطيت كل ولدك مثل ذلك قال لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء قال بلى قال فلا إذا قال الشافعي رحمه الله ولانه يقع في نفس المفضول ما منعه من بره ولان الأقارب ينفس بعضهم بعضا ما لا ينفس العدا فإن فضل بعضهم بعطية صحت العطية لما روي في حديث النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أشهد على هذا غيري فلو لم يصح لبين له ولم يأمره أن يشهد عليه غيره ولا يستنكف أن يهب القليل ولا أن يتهب القليل لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع لاجبت ولو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت فصل وما جاز بيعه من الأعيان جاز هبته لانه عقد يقصد به ملك العين فملك به ما يملك بالبيع وما جاز هبته جاز هبة جزء منه مشاع لما روى عمر بن سلمة الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة حتى أتى الروحاء فإذا حمار عقير فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير فقال دعوه فإنه سيطلبه صاحبه فجاء رجل من فهر فقال يا رسول الله إني أصبت هذا فشأنكم به فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بقسم لحمه بين الرفاق ولان القصد منه التمليك والمشاع كالمقسوم في ذلك فصل وما لا يجوز بيعه من المجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض لا تجوز هبته لانه عقد يقصد به تمليك المال في حال الحياة فلم يجز فيما ذكرناه كالبيع فصل ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل لانه عقد يبطل بالجهالة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع فصل ولا تصح إلا بالإيجاب والقبول لانه تمليك آدمي لآدمي فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع والنكاح ولا يصح القبول إلا على الفور وقال أبو العباس يصح على التراخي والصحيح هو الأول لانه تمليك مال في حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع فصل ولا يملك الموهوب منه الهبة من غير قبض لما روت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله فلما حضرته الوفاة قال يا بنية إن أحب الناس غنى بعدي لانت وإن أعز الناس علي فقرا بعدي لانت وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي ووددت أنك جذذتيه وحزته وإنما هو اليوم مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك قالت هذان أخواي فمن أختاي قال ذو بطن بنت خارجة فإني أظنها جارية فإن مات قبل القبض قام وارثه مقامه إن شاء قبض وإن شاء لم يقبض ومن أصحابنا من قال يبطل العقد بالموت لانه غير لازم فبطل بالموت كالعقود الجائزة والمنصوص أنه لا يبطل لانه عقد يؤول إلى اللزوم فلم يبطل بالموت كالبيع بشرط الخيار فإذا قبض ملك بالقبض

قسم V01/P446–V01/P447

ومن أصحابنا من قال يتبين أنه ملك بالعقد فإن حدث منه نماء قبل القبض كان للموهوب له لان الشافعي رضي الله عنه قال فيمن وهب له عبد قبل أن يهل عليه هلال شوال وقبض بعد ما أهل أن فطرة العبد على الموهوب له والمذهب الأول وما قال في زكاة الفطر فرعه على قول مالك رحمه الله فصل فإن وهب لغير الولد وولد الولد شيئا وأقبضه لم يملك الرجوع فيه لما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما أعطى ولده وإن وهب للولد أو ولد الولد وإن سفل جاز له أن يرجع للخبر ولان الأب لا يتهم في رجوعه لانه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد وإن تصدق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع كالهبة ومن أصحابنا من قال لا يرجع لان القصد بالصدقة طلب الثواب وإصلاح حاله مع الله عز وجل فلا يجوز أن يتغير رأيه في ذلك والقصد من الهبة إصلاح حال الولد وربما كان الصلاح في استرجاعه فجاز له الرجوع وإن تداعى رجلان نسب مولود ووهبا له مالا لم يجز لواحد منهما أن يرجع لانه لم يثبت له بنوته فإن لحق بأحدهما ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه ثبت أنه ولده والثاني لا يجوز لانه لم يثبت له الرجوع في حال العقد وإن وهب لولده ووهب الولد لولده ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه في ملك من يجوز له الرجوع في هبته والثاني لا يجوز لانه رجوع على غير من وهب له فلم يجز وإن وهب لولده شيئا فأفلس الولد وحجر عليه ففيه وجهان أحدهما يرجع لان حقه سابق لحقوق الغرماء والثاني لا يرجع لانه تعلق به حق الغرماء فلم يجز له الرجوع كما لو رهنه فصل وإن زاد الموهوب في ملك الولد أو زال الملك فيه ثم عاد إليه فالحكم فيه كالحكم في المبيع إذا زاد في يد المشتري أو زال الملك فيه ثم عاد إليه ثم أفلس في رجوع البائع وقد بيناه في التفليس فصل فإن وهب شيئا لمن هو دونه لم يلزمه أن يثيبه بعوض لان القصد من هبته الصلة فلم تجب المكافأة فيه بعوض كالصدقة وإن وهب لمن هو مثله ( لم يلزمه أيضا أن يثيبه ) لان القصد من هبته اكتساب المحبة وتأكيد الصداقة وإن وهب لمن هو أعلى منه ففيه قولان قال في القديم لم يلزمه أن يثيبه عليه بعوض لان العرف في هبة الأدنى للأعلى أن يلتمس به العوض فيصير ذلك كالمشروط وقال في الجديد لا يجب لانه تمليك بغير عوض فلا يوجب المكافأة بعوض كهبة النظير للنظير فإن قلنا لا يجب فشرط فيه ثوابا معلوما ففيه قولان أحدهما يصح لانه تمليك مال بمال فجاز كالبيع فعلى هذا يكون كبيع بلفظ الهبة في الربا والخيار وجميع أحكامه والثاني أنه باطل لانه عقد لا يقتضي العوض فبطل شرط العوض كالرهن فعلى هذا حكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه وإن شرط فيه ثوابا مجهولا بطل قولا واحدا لانه شرط العوض ولانه شرط عوضا مجهولا وإن قلنا إنه يجب العوض ففي قدره ثلاثة أقوال أحدها أنه يلزمه أن يعطيه إلى أن يرضى لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابيا وهب للنبي صلى الله عليه وسلم هبة فأثابه عليها وقال أرضيت قال لا فزاده وقال أرضيت فقال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي والثاني يلزمه قدر قيمته لانه عقد يوجب العوض فإذا لم يكن مسمى وجب عوض المثل كالنكاح والثالث يلزمه ما جرت العادة في ثواب مثله لان العوض وجب بالعرف فوجب مقداره في العرف فإن قلنا إنه يجب العوض فلم يعطه ثبت له الرجوع فإن تلفت العين رجع بقيمتها لان كل عين ثبت له الرجوع بها إذا تلفت وجب الرجوع إلى بدلها كالمبيع

قسم V01/P447–V01/P448

ومن أصحابنا من قال لا يجب لان حق الواهب في العين وإن نقصت العين رجع فيها وهل يرجع بأرش ما نقص فيه وجهان كالوجهين في رد القيمة إذا تلفت وإن شرط عوضا مجهولا لم تبطل لانه شرط ما يقتضيه العقد لان العقد على هذا القول يقتضي عوضا مجهولا وإن لم يدفع إليه العوض وتلف الموهوب ضمن العوض بلا خلاف وإن شرط عوضا معلوما ففيه قولان أحدهما أن العقد يبطل لان العقد يقتضي عوضا غير مقدر فبطل بالتقدير والثاني يصح لانه إذا صح بعوض مجهول فلان يصح بعوض معلوم أولى فصل وإن اختلف الواهب والموهوب له فقال الواهب وهبتك ببدل وقال الموهوب له وهبتني على غير بدل ففيه وجهان أحدهما أن القول قول الواهب لانه لم يقر لخروج الشيء من ملكه إلا على بدل والثاني أن القول قول الموهوب له لان الواهب أقر له بالهبة وادعى بدلا الأصل عدمه باب العمرى والرقبى العمرى هو أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك أو جعلتها لك عمرك وفيها ثلاث مسائل إحداها أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولعقبك بعدك فهذه عطية صحيحة تصح بالإيجاب والقبول ويملك فيها بالقبض والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث والثانية أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولم يشرط شيئا ففيه قولان قال في القديم هو باطل لانه تمليك عين قدر بمدة فأشبه إذا قال أعمرتك سنة أو أعمرتك حياة زيد وقال في الجديد هو عطية صحيحة ويكون للمعمر في حياته ولورثته بعده وهو الصحيح لما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى حياته فهي له ولعقبه من بعده يرثها من يرثه من بعده ولان الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة فلم يكن ما جعله له في حياته منافيا لحكم الأملاك والثالثة أن يقول أعمرتك حياتك فإن مت عادت إلي إن كنت حيا وإلى ورثتي إن كنت ميتا فهي كالمسألة الثانية فتكون على قولين أحدهما تبطل والثاني تصح لانه شرط أن تعود إليه بعد ما زال ملكه أو إلى وارثه وشرطه بعد زوال الملك لا يؤثر في حق المعمر فيصير وجوده كعدمه فصل وأما الرقبى فهو أن يقول أرقبتك هذه الدار أو داري لك رقبى ومعناه وهبت لك وكل واحد منا يرقب صاحبه فإن مت قبلى عادت إلي وإن مت قبلك فهي لك فتكون كالمسألة الثالثة من العمرى وقد بينا أن الثالثة كالثانية فتكون على قولين وقال المزني الرقبى أن يجعلها لآخرهما موتا وهذا خطأ لما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعمر عمرى أو أرقب رقبى فهي للمعمر يرثها من يرثه فصل ومن وجب له على رجل دين جاز له أن يبرئه من غير رضاه ومن أصحابنا من قال لا يجوز إلا بقبول من عليه الدين لانه تبرع يفتقر إلى تعيين المتبرع عليه فافتقر إلى قبوله كالوصية والهبة ولان فيه التزاما منه فلم يملك من غير قبوله كالهبة والمذهب الأول لانه إسقاط حق ليس فيه تمليك مال فلم يعتبر فيه القبول كالعتق والطلاق والعفو عن الشفعة والقصاص ولا يصح الإبراء من دين مجهول لانه إزالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع والهبة كتاب الوصايا من ثبتت له الخلافة على الأمة جاز له أن يوصي بها إلى من يصلح لها لان أبا بكر رضي الله عنه وصى إلى عمر ووصى عمر رضي الله عنه إلى أهل الشورى رضي الله عنهم ورضيت الصحابة رضي الله عنهم بذلك فصل ومن ثبتت له الولاية في مال ولده

قسم V01/P448–V01/P449

ولم يكن له ولي بعده جاز له أن يوصي إلى من ينظر في ماله لما روى سفيان بن عيينة رضي الله عنه عن هشام بن عروة قال أوصى إلى الزبير تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود رضي الله عنهم فكان يحفظ عليهم أموالهم وينفق على أبنائهم من ماله وإن كان له جد لم يجز أن يوصي إلى غيره لان ولاية الجد مستحقة بالشرع فلا يجوز نقلها عنه بالوصية فصل ومن ثبت له الولاية في تزويج ابنته لم يجز أن يوصي إلى من يزوجها وقال أبو ثور يجوز كما يجوز أن يوصي إلى من ينظر في مالها وهذا خطأ لما روى ابن عمر قال زوجني قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون فأتى قدامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا عمها ووصي أبيها وقد زوجتها من عبد الله بن عمر فقال صلى الله عليه وسلم إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها ولان ولاية النكاح ( لها من يستحقها ) بالشرع فلا يجوز نقلها بالوصية كالوصية بالنظر في المال مع وجود الجد فصل ومن عليه حق يدخله النيابة من دين آدمي أو حج أو زكاة أو رد وديعة جاز أن يوصي إلى من يؤدي عنه لانه إذا جاز أن يوصي في حق غيره فلان يجوز في خاصة نفسه أولى فصل ومن ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة ملك الوصية بثلثه في وجوه البر لما روى عامر بن سعيد عن أبيه قال مرضت مرضا أشرفت منه على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله لي مال كثير وليس يرثني إلا ابنتي أفأتصدق بمالي كله قال لا قلت أتصدق بثلثي مالي قال لا قلت أتصدق بالشطر قال لا قلت أتصدق بالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ولا يجب ذلك لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا وفسر بالوصية فجعل ذلك إليهم فدل على أنها لا تجب ولانه عطية لا تلزم في حياته فلم تلزم الوصية به قياسا على ما زاد على الثلث فصل وإن كانت ورثته فقراء فالمستحب ألا يستوفي الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم الثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس فاستكثر الثلث وكره أن يترك ورثته فقراء فدل على أن المستحب ألا يستوفي الثلث وعن علي رضي الله عنه أنه قال لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالثلث وإن كان الورثة أغنياء فالمستحب أن يستوفي الثلث لانه لما كره الثلث إذا كانوا فقراء دل على أنه يستحب إذا كانوا أغنياء أن يستوفيه وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا فصل وينبغي لمن رأى المريض يجنف في الوصية أن ينهاه لقوله تعالى الله وليقولوا قولا سديدا قال أهل التفسير إذا رأى المريض يجنف على ولده أن يقول اتق الله ولا توص بمالك كله ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى سعدا عن الزيادة على الثلث فصل والأفضل أن يقدم ما يوصي به من البر في حياته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمن الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ولانه لا يأمن إذا وصى به أن يفرط به بعد موته فإن اختار أن يوصي فالمستحب ألا يؤخر الوصية لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرىء مسلم عنده شيء يوصى يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ولانه إذا أخر لم يؤمن أن يموت فجأة فتفوته فصل وأما من لا يجوز تصرفه في المال

قسم V01/P449–V01/P450

فإن كان ممن لا يميز كالمعتوه والمبرسم ومن عاين الموت لم تصح وصيته لان الوصية تتعلق صحتها بالقول ولا قول لمن لا يميز ولهذا لا يصح إسلامه ولا توبته فلم تصح وصيته فإن كان صبيا مميزا أو بالغا مبذرا ففيه قولان أحدهما لا تصح وصيته لانه تصرف في المال فلم يصح من الصبي والمبذر كالهبة والثاني تصح لانه إنما منع من التصرف خوفا من إضاعة المال وليس في الوصية إضاعة المال لانه إن عاش فهو على ملكه وإن مات لم يحتج إلى غير الثواب وقد حصل له ذلك بالوصية فصل وأما إذا أوصى بما زاد على الثلث فإن لم يكن له وارث بطلت الوصية فيما زاد على الثلث لان ماله ميراث للمسلمين ولا مجيز له منهم فبطلت فإن كان له وارث ففيه قولان أحدهما أن الوصية تبطل بما زاد على الثلث لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى سعدا عن الوصية بما زاد على الثلث والنهي يقتضي الفساد وليست الزيادة مالا للوارث فلم تصح وصيته به كما لو أوصى بمال للوارث من غير الميراث والثاني أنها تصح وتقف على إجازة الوارث فإن أجاز نفذت وإن ردها بطلت لان الوصية صادفت ملكه وإنما يتعلق بها حق الوارث في الثاني فصحت ووقفت الإجازة كما لو باع ما فيه شفعة فإن قلنا على أنها باطلة كانت الإجازة هبة مبتدأة يعتبر فيها الإيجاب والقبول باللفظ الذي تنعقد به الهبة ويعتبر في لزومها القبض وإن كانت الوصية عتقا لم يصح إلا بلفظ العتق ويكون الولاء فيه للوارث وإن قلنا إنها تصح كانت الإجارة إمضاء لما وصى به الموصي وتصح بلفظ الإجازة كما يصح العفو عن الشفعة بلفظ العفو فإن كانت الوصية عتقا كان الولاء للموصى ولا يصح الرد والإجازة إلا بعد الموت لانه لا حق له قبل الموت فلم يصح إسقاطه كالعفو عن الشفعة قبل البيع فصل فإن أجاز الوارث ما زاد على الثلث ثم قال أجزت لاني ظننت أن المال قليل وأن ثلثه قليل وقد بان أنه كثير لزمت الإجازة فيما علم والقول قوله فيما لم يعلم مع يمينه فإذا حلف لم يلزمه لان الإجازة في أحد القولين هبة وفي الثاني إسقاط والجميع لا يصح مع الجهل به وإن وصى بعبد فأجازه الوارث ثم قال أجزت لاني ظننت أن المال كثير وقد بان أنه قليل ففيه قولان أحدهما أن القول قوله كالمسألة قبلها والثاني أنه يلزمه الوصية لانه عرف ما أجازه ويخالف المسألة قبلها فإن هناك لم يعلم ما أجازه فصل واختلف أصحابنا في الوقت الذي يعتبر فيه قدر المال لإخراج الثلث فمنهم من قال الاعتبار بقدر المال في حال الوصية لانه عقد يقتضي اعتبار قدر المال فكان الاعتبار فيه بحال العقد كما لو نذر أن يتصدق بثلث ماله فعلى هذا لو أوصى وثلث ماله ألف فصار عند الوفاة ألفين لم تلزم الوصية في الزيادة فإن وصى بألف ولا مال له ثم استفاد مالا لم تتعلق به الوصية وإن وصى وله مال فهلك ماله بطلت الوصية ومنهم من قال الاعتبار بقدر المال عند الموت وهو المذهب لانه وقت لزوم الوصية واستحقاقها ولانه لو وصى بثلث ماله ثم باع جميعه تعلقت الوصية بالثمن فلو كان الاعتبار بحال الوصية لم تتعلق بالثمن لانه لم يكن حال الوصية فعلى هذا لو وصى بثلث ماله وماله ألف فصار ألفين لزمت الوصية في ثلث الألفين فإن وصى بمال ولا مال له ثم استفاد مالا تعلقت به الوصية فإن وصى بثلثه وله مال ثم تلف ماله لم تبطل الوصية فصل وأما الوصية بما لا قربة فيه كالوصية للكنيسة والوصية بالسلاح لاهل الحرب فهي باطلة لان الوصية إنما جعلت له ليدرك بها ما فات ويزيد بها الحسنات ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى أعطاكم ثلث أموالكم في آخر آجالكم زيادة في حسناتكم وما ذكرناه ليس من الحسنات فلم تصح فيه الوصية

قسم V01/P450–V01/P451

فإن وصى ببيع ماله من رجل من غير محاباة ففيه وجهان أحدهما يصح لانه قصد تخصيصه بالتمليك والثاني لا يصح لان البيع من غير محاباة ليس بقربة فلم تصح الوصية به وإن وصى بذمي جاز لما روي أن صفية وصت لاخيها بثلثها ثلاثين ألفا وكان يهوديا ولان الذمي موضع للقربة ولهذا يجوز التصدق عليه بصدقة التطوع فجازت له الوصية فإن وصى لحربي ففيه وجهان أحدهما أنه لا تصح الوصية وهو قول أبي العباس بن القاص لان القصد بالوصية نفع الموصى له وقد أمرنا بقتل الحربي وأخذ ماله فلا معنى للوصية له والثاني يصح وهو المذهب لانه تمليك يصح للذمي فصح للحربي كالبيع فصل واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيمن وصى لقاتله فقال في أحد القولين لا يجوز لانه مال يستحق بالموت فمنع القتل منه كالميراث وقال في الثاني يجوز لانه تمليك يفتقر إلى القبول فلم يمنع القتل منه كالبيع فإن قتلت أم الولد مولاها عتقت لان عتقها ليس بوصية بدليل أنه لا يعتبر من الثلث فلم يمنع القتل منه فإن قتل المدبر مولاه فإن قلنا إن التدبير عتق بالصفة عتق لانه ليس بوصية وإنما هو عتق بصفة وقد وجدت الصفة فعتق وإن قلنا إنه وصية وقلنا إن الوصية للقاتل لا تجوز لم يعتق وإن قلنا إنها تجوز عتق من الثلث فإن كان على رجل دين مؤجل فقتله صاحب الدين حل الدين لان الأجل حق للمقتول لا حظ له في بقائه بل الحظ في إسقاطه ليحل الدين ويقضى فيتخلص منه فصل واختلف قوله في الوصية للوارث فقال في أحد القولين لا تصح لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث ولانها وصية لا تلزم لحق الوارث فلم تصح كما لو أوصى بمال لهم من غير الميراث فعلى هذا الإجازة هبة مبتدأة يعتبر فيها ما يعتبر في الهبة والثاني تصح لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجوز لوارث وصية إلا إن شاء الورثة فدل على أنهم إذا شاؤوا كانت وصية وليست الوصية في ملكه وإنما يتعلق بها حق الورثة في الثاني فلم يمنع صحتها كبيع ما فيه شفعة فعلى هذا إذا أجاز الورثة نفذت الوصية فصل ولا تصح الوصية لمن لا يملك فإن وصى لميت لم تصح الوصية لانه تمليك فلم يصح للميت كالهبة وإن وصى لحمل تيقن وجوده حال الوصية بأن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية أو لستة أشهر وليست بفراش صحت الوصية لانه يملك بالإرث فملك بالوصية وإن وضعته لستة أشهر وهي فراش لم تصح الوصية لانه يجوز أن يكون حدث بعد الوصية فلم تصح الوصية بالشك فإن ألقته ميتا لم تصح الوصية لانه لا يتيقن حياته حال الوصية ولهذا لا يحكم له بالإرث فلم يحكم له بالملك بالوصية فإن وصى لما تحمل هذه المرأة لم تصح الوصية وقال أبو إسحاق تصح والمذهب الأول لانه تمليك لمن لا يملك فلم يصح فصل فإن قال وصيت بهذا العبد لاحد هذين الرجلين لم يصح لانه تمليك لغير معين فإن قال أعطوا هذا العبد أحد هذين الرجلين جاز لانه ليس بتمليك وإنما هو وصية بالتمليك ولهذا لو قال بعت هذا العبد من أحد هذين الرجلين لم يصح ولو قال لوكيله بع هذا العبد من أحد هذين الرجلين جاز فصل فإن أوصى لعبده كانت الوصية لوارثه لان العبد لا يملك فكانت الوصية للوارث وقد بيناه فإن وصى لمكاتبه صحت الوصية لان المكاتب يملك المال بالعقد فصحت له الوصية فإن وصى لام ولده صحت لانها حرة عند الاستحقاق فإن وصى لمدبره وعتق من الثلث صحت له الوصية لانه حر عند الموت فهو كأم الولد فإن لم يعتق كانت الوصية للوارث وقد بيناه فإن وصى لعبد غيره كانت الوصية لمولاه وهل يصح قبوله من غير إذن المولى فيه وجهان أحدهما وهو الصحيح أنه يصح ويملك به المولى كما يملك ما يصطاده بغير إذنه

قسم V01/P451–V01/P452

والثاني وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه لا يصح لانه تمليك للسيد بعقد فلم يصح القبول فيه من غير إذنه وهل يصح قبول السيد فيه وجهان أحدهما لا يصح لان الإيجاب للعبد فلم يصح قبول السيد كالإيجاب في البيع والثاني يصح لان القبول في الوصية يصح لغير من أوجب له وهو الوارث بخلاف البيع فصل وتجوز الوصية بالمشاع والمقسوم لانه تمليك جزء من ماله فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع ويجوز بالمجهول كالحمل في البطن واللبن في الضرع وعبد من عبيد وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر والعبد الآبق لان الموصى له يخلف الميت في ثلثه كما يخلفه الوارث في ثلثه فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء جاز أن يخلفه الموصى له فإن وصى بمال الكتابة جاز لما ذكرناه فإن وصى برقبته فهو على القولين في بيعه فصل فإن وصى بما تحمله الجارية أو الشجرة صحت الوصية لان المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية ومن أصحابنا من قال إذا قلنا إن الاعتبار بحال الوصية لم تصح لانه لا يملك في الحال ما وصى به فصل وتجوز الوصية بالمنافع لانها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث فكانت كالأعيان في الوصية ويجوز بالعين دون المنفعة وبالعين لواحد وبالمنفعة لآخر لان المنفعة والعين كالعين فجاز فيهما ما جاز في العينين ويجوز بمنفعة مقدرة بالمدة وبمنفعة مؤبدة لان المقدرة كالعين المعلومة والمؤبدة كالعين المجهولة فصحت الوصية بالجميع فصل وتجوز الوصية بما يجوز الانتفاع به من النجاسات كالسماد والزيت النجس والكلب وجلد الميتة لانه يحل اقتناؤها للانتفاع بها فجاز نقل اليد فيها بالوصية ولا يجوز بما لا يحل الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب العقور لانه لا يحل الانتفاع بها ولا تقر اليد عليها فلم تجز الوصية بها فصل ويجوز تعليق الوصية على شرط في الحياة لانها تجوز في المجهول فجاز تعليقها بالشرط كالطلاق والعتاق ويجوز تعليقها على شرط بعد الموت لان ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة فإذا جاز تعليقها على شرط في الحياة جاز بعد الموت فصل وإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء لزمت بالموت لانه لا يمكن اعتبار القبول فلم يعتبر وإن كانت لمعين لم تلزم إلا بالقبول لانه تمليك لمعين فلم يلزم من غير قبول كالبيع ولا يصح القبول إلا بعد الموت لان الإيجاب بعد الموت فكان القبول بعده فإن قبل حكم له بالملك وفي وقت الملك قولان منصوصان أحدهما تملك بالموت والقبول لانه تمليك يفتقر إلى القبول فلم يقع الملك قبله كالهبة والثاني أنه موقوف فإن قبل حكمنا بأنه ملك من حين الموت لانه لا يجوز أن يكون للموصي لان الميت لا يملك ولا يجوز أن يكون للوارث لان الوارث لا يملك إلا بعد الدين والوصية ولا يجوز أن يكون للموصى له لانه لو انتقل إليه لم يملك رده كالميراث فثبت أنه موقوف وروى ابن عبد الحكم قولا ثالثا أنه يملك بالموت ووجهه أنه مال مستحق ( بالموت ) فانتقل به كالميراث فصل وإن رد نظرت فإن كان في حياة الموصي لم يصح الرد لانه لا حق له في حياته فلم يملك إسقاطه كالشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع وإن رد بعد الموت وقبل القبول صح الرد لانه يثبت له الحق فملك إسقاطه كالشفيع إذا عفا عن الشفعة بعد البيع وإن رد بعد القبول وقبل القبض ففيه وجهان أحدهما لا يصح الرد لانه ملكه ملكا تاما فلم يصح رده كما لو قبضه والثاني أنه يصح الرد وهو المنصوص لانه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل فصح رده قبل القبض كالوقف وإن لم يقبل ولم يرد كان للورثة المطالبة بالقبول أو الرد فإن امتنع من القبول والرد حكم عليه بالرد لان الملك متردد بينه وبين الورثة كما لو تحجر أرضا فامتنع من إحيائها أو وقف في مشرعة ماء فلم يأخذ ولم ينصرف فصل وإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية ولا يقوم وارثه مقامه لانه مات قبل استحقاق الوصية

قسم V01/P452

وإن مات بعد موته وقبل القبول قام وارثه مقامه في القبول والرد لانه خيار ثابت في تملك المال فقام الوارث مقامه كخيار الشفعة باب ما يعتبر من الثلث ما وصى به من التبرعات كالعتق والهبة والصدقة والمحاباة في البيع يعتبر من الثلث سواء كانت في حال الصحة أو في حال المرض أو بعضها في الصحة وبعضها في المرض لان لزوم الجميع عند الموت فأما الواجبات من ديون الآدميين وحقوق الله تعالى كالحج والزكاة فإنه إن لم يوص بها وجب قضاؤها من رأس المال دون الثلث لانه إنما منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة ولا حق للورثة مع الديون فلم تعتبر من الثلث وإن وصى أن يؤدى ذلك من الثلث اعتبر من الثلث لانها في الأصل من رأس المال فلما جعلها من الثلث علم أنه قصد التوفير على الورثة فاعتبرت من الثلث وإن وصى بها ولم يقل إنها من الثلث ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه تعتبر من الثلث وهو ظاهر النص لانها من رأس المال فلما وصى بها علم أنه قصد أن يجعلها من جملة الوصايا فجعل سبيلها سبيل الوصايا والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن لم يقرن بها ما يعتبر من الثلث اعتبر من رأس المال وإن قرن بها ما يعتبر من الثلث اعتبر من الثلث لانها في الأصل من رأس المال فإذا عريت عن القرينة بقيت على أصلها وإن قرن بها ما يعتبر من الثلث علم أنه قصد أن يكون مصرفهما واحدا والثالث أنه تعتبر من رأس المال وهو الصحيح لانها في الأصل من رأس المال والوصية بها تقتضي التأكيد والتذكار بها والقرينة تقتضي التسوية بينهما في الفعل لا في السبيل فبقيت على أصلها فصل وأما ما تبرع به في حياته ينظر فيه فإن كان في حال الصحة لم يعتبر من الثلث لانه مطلق التصرف في ماله لا حق لاحد في ماله فاعتبر من رأس المال وإن كان ذلك في مرض غير مخوف لم يعتبر من الثلث لان الإنسان لا يخلو من عوارض فكان حكمه حكم الصحيح وإن كان ذلك في مرض مخوف واتصل به الموت اعتبر من الثلث لما روى عمران بن الحصين أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للرجل قولا شديدا ثم دعاهم فجزأهم فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ولانه في ( هذه ) الحالة لا يأمن الموت فجعل كحال الموت وإن برىء من المرض لم يعتبر من الثلث لانه قد بان أنه لم يكن في ماله حق أحد وإن وهب في الصحة وأقبض في المرض اعتبر من الثلث لانه لم يلزم إلا بالقبض وقد وجد ذلك منه في المرض فصل وإن باع في المرض بثمن المثل أو تزوج امرأة بمهر المثل صح العقد ولم يعتبر العوض من الثلث لانه ليس بوصية لان الوصية أن يخرج مالا من غير عوض ولم يخرج ههنا شيئا من غير عوض وإن كاتب عبدا اعتبر من الثلث لان ما يأخذ من العوض من كسب عبده وهو مال له فيصير كالعتق بغير عوض وإن وهب له من يعتق عليه في المرض المخوف فقبله اعتبر عتقه من الثلث فإذا مات لم يرثه وقال أبو العباس يعتبر عتقه من رأس المال ويرثه لانه ليس بوصية لانه لم يخرج من ملكه شيئا بغير عوض والمذهب الأول لانه ملكه بالقبول وعتق عليه والعتق في المرض وصية والميراث والوصية لا يجتمعان فلو ورثناه بطل عتقه وإذا بطل العتق بطل الإرث فأثبتنا العتق وأبطلنا الإرث فصل والمرض المخوف كالطاعون والقولنج وذات الجنب والرعاف الدائم والإسهال المتواتر وقيام الدم والسل في انتهائه والفالج الحادث في ابتدائه والحمى المطبقة لان هذه الأمراض لا يؤمن معها معاجلة الموت فجعل كحال الموت

قسم V01/P452–V01/P453

فأما غير المخوف فهو كالجرب ووجع الضرس والصداع اليسير وحمى يوم أو يومين وإسهال يوم أو يومين من غير دم والسل قبل انتهائه والفالج إذا طال لان هذه الأمراض يؤمن معها معاجلة الموت فإذا اتصل بها الموت علم أنه لم يكن موته من هذه الأمراض وإن أشكل شيء من هذه الأمراض رجع فيه إلى نفسين من أطباء المسلمين ولا يقبل فيه قول الكافر وإن ضرب الحامل الطلق فهو مخوف لانه يخاف منه الموت وفيه قول آخر أنه غير مخوف لان السلامة منه أكثر فصل وإن كان في الحرب وقد التحمت طائفتان متكافئتان أو كان في البحر وتموج أو في أسر كفار يرون قتل الأسارى أو قدم للقتل في المحاربة أو الرجم في الزنا ففيه قولان أحدهما أنه كالمرض المخوف يعتبر تبرعاته فيه من الثلث لانه لا يأمن الموت كما لا يأمن في المرض المخوف والثاني أنه كالصحيح لانه لم يحدث في جسمه ما يخاف منه الموت فإن قدم لقتل القصاص فالمنصوص أنه لا تعتبر عطيته من الثلث ما لم يجرح واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال أبو إسحاق هي على قولين قياسا على الأسير في يد كفار يرون قتل الأسارى ومن أصحابنا من قال لا تعتبر عطيته من الثلث لانه غير مخوف لان الغالب من حال المسلم أنه إذا قدر رحم وعفا فصار كالأسير في يد من لا يرى قتل الأسارى فصل وإن عجز الثلث عن التبرعات لم يخل إما أن يكون في التبرعات المنجزة في المرض أو في الوصايا فإن كان في التبرعات المنجزة في المرض فإن كانت في وقت واحد نظرت فإن كانت هبات أو محاباة قسم الثلث بين الجميع لتساويهما في اللزوم فإن كانت متفاضلة المقدار قسم الثلث عليها على التفاضل وإن كانت متساوية قسم بينها على التساوي كما يفعل في الديون وإن كان عتقا في عبيد أقرع بينهم لما ذكرناه من حديث عمران بن الحصين ولان القصد من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل ذلك إلا بما ذكرناه فإن وقعت متفرقة قدم الأول فالأول عتقا كان أو غيره لان الأول سبق فاستحق به الثلث فلم يجز إسقاطه بما بعده فإن كان له عبدان سالم وغانم فقال لسالم إن أعتقت غانما فأنت حر ثم أعتق غانما قدم عتق غانم لان عتقه سابق فإن قال إن أعتقت غانما فأنت حر حال عتق غانم ثم أعتق غانما فقد قال بعض أصحابنا يعتق غانم لان عتقه غير متعلق بعتق غيره وعتق سالم متعلق بعتق غيره فإذا أعتقناهما في وقت واحد احتجنا أن نقرع بينهما فربما خرجت القرعة على سالم فيبطل عتق غانم وإذا بطل عتقه بطل عتق سالم فيؤدي إثباته إلى نفيه فسقط ويبقى عتق غانم لانه أصل ويحتمل عندي أنه لا يعتق واحد منهما لانه جعل عتقهما في وقت واحد ولا يمكن أن نقرع بينهما لما ذكرناه ولا يمكن تقديم عتق أحدهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر بالسبق فوجب أن يسقطا وإن كانت التبرعات وصايا وعجز الثلث عنها لم يقدم بعضها على بعض بالسبق لان ما تقدم وما تأخر يلزم في وقت واحد ( وهو بعد ) الموت فإن كانت كلها هبات أو كلها محاباة أو بعضها هبات وبعضها محاباة قسم الثلث بين الجميع على التفاضل إن تفاضلت وعلى التساوي إن تساوت وإن كان الجميع عتقا أقرع بين العبيد لما ذكرناه في القسم قبله وإن كان بعضها عتقا وبعضها محاباة أو هبات ففيه قولان أحدهما أن الثلث يقسم بين الجميع لان الجميع يعتبر من الثلث ويلزم في وقت واحد والثاني يقدم العتق بما له من القوة وإن كان بعضها كتابة وبعضها هبات ففيه طريقان أحدهما أنه لا تقدم الكتابة لانه ليس له قوة وسراية فلم تقدم كالهبات والثاني أنها على قولين لانها تتضمن العتق فكانت كالعتق فصل وإن وصى أن يحج عنه حجة الإسلام من الثلث أو يقضى دينه من الثلث ووصى معها بتبرعات ففيه وجهان أحدهما يقسط الثلث على الجميع لان الجميع يعتبر من الثلث

قسم V01/P453–V01/P454

فإن كان ما يخص الحج أو الدين من الثلث لا يكفي تمم من رأس المال لانه في الأصل من رأس المال وإنما اعتبر من الثلث بالوصية فإذا عجز عنه وجب أن يتمم من أصل المال والثاني يقدم الحج والدين لانه واجب ثم يصرف ما فضل في الوصايا فصل وإن وصى لرجل بمال وله مال حاضر ومال غائب أو له عين ودين دفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين وإلى الورثة الثلثان وكل ما حضر من الغائب أو نض من الدين شيء قسم بين الورثة والموصى له لان الموصى له شريك الورثة بالثلث فصار كالشريك في المال وإن وصى لرجل بمائة دينار وله مائة حاضرة وله ألف غائبة فللموصى له ثلث الحاضرة ويوقف الثلثان لان الموصى له شريك الوارث في المال فصار كالشريك في المال وإن أراد الموصى له التصرف في ثلث المائة الحاضرة ففيه وجهان أحدهما يجوز لان الوصية في ثلث الحاضرة ماضية فمكن من التصرف فيه والثاني لا يجوز لانا منعنا الورثة من التصرف في الثلثين الموقوفين فوجب أن نمنع الموصى له من التصرف في ( الثلث ) وإن دبر عبدا قيمته مائة وله مائتان غائبة ففيه وجهان أحدهما يعتق ثلث العبد لان عتق ثلثه مستحق بكل حال والثاني وهو ظاهر المذهب أنه لا يعتق لانا لو أعتقنا الثلث حصل للموصى له الثلث ولم يحصل للورثة مثلاه وهذا لا يجوز فصل وإن وصى له بثلث عبد فاستحق ثلثاه وثلث ماله يحتمل الثلث الباقي من العبد نفذت الوصية فيه على المنصوص وقال أبو ثور وأبو العباس لا تنفذ الوصية إلا في ثلث الباقي كما لو وصى بثلث ماله ثم استحق من ماله الثلثان والمذهب الأول لان ثلث العبد ملكه وثلث ماله يحتمله فنفذت الوصية فيه كما لو أوصى له بعبد يحتمله الثلث ويخالف هذا إذا أوصى بثلث ماله ثم استحق ثلثاه لان الوصية هناك بثلث ماله وماله هو الباقي بعد الاستحقاق وليس كذلك ههنا لانه يملك الباقي وله مال غيره يخرج الباقي من ثلثه فصل وإن وصى له بمنفعة عبد سنة ففي اعتبارها من الثلث وجهان أحدهما يقوم العبد كامل المنفعة ويقوم مسلوب المنفعة في مدة سنة ويعتبر ما بينهما من الثلث والثاني تقوم المنفعة سنة فيعتبر قدرها من الثلث ولا تقوم الرقبة لان الموصى به هو المنفعة فلا يقوم غيرها وإن وصى له بمنفعة عبد على التأبيد ففي اعتبار منفعته من الثلث ثلاثة أوجه أحدها تقوم المنفعة في حق الموصى له والرقبة مسلوبة المنفعة في حق الوارث لان الموصى له ملك المنفعة والوارث ملك الرقبة وينظر كم قدر التركة مع قيمة الرقبة مسلوبة المنفعة وينظر قيمة المنفعة فتعتبر من الثلث والثاني تقوم المنفعة في حق الموصى له لانه ملكها بالوصية ولا تقوم الرقبة في حق الموصى له لانه لم يملكها ولا في حق الوارث لانها مسلوبة المنفعة في حقه لا فائدة له فيها فعلى هذا ينظر كم قدر التركة وقيمة المنفعة فتعتبر من الثلث والثالث وهو المنصوص تقوم الرقبة بمنافعها في حق الموصى له لان المقصود من الرقبة منفعتها فصار كما لو كانت الرقبة له فقومت في حقه وينظر قدر التركة فتعتبر قيمة الرقبة من ثلثها وإن وصى بالرقبة لواحد وبالمنفعة ( لآخر ) قومت الرقبة في حق من وصي له بها والمنفعة في حق من وصي له بها لان كل واحد منهما يملك ما وصي له به فاعتبر قيمتهما من الثلث فصل وإن وصى له بثمرة بستانه فإن كانت موجودة اعتبرت قيمتها من الثلث وإن لم تخلق فإن كانت على التأبيد ففي التقويم وجهان أحدهما يقوم جميع البستان والثاني يقوم كامل المنفعة ثم يقوم مسلوب المنفعة ويعتبر ما بينهما من الثلث فإن احتمله الثلث نفذت الوصية فيما بقي من البستان وإن احتمل بعضها كان للموصى له قدر ما احتمله الثلث يشاركه فيه الورثة فإن كان الذي يحتمله النصف كان للموصى له من ثمرة كل عام النصف وللورثة النصف والله أعلم باب جامع الوصايا

قسم V01/P454–V01/P455

إذا وصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارا من كل جانب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق الجوار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا يمينا وشمالا وقداما وخلفا فصل وإن وصى لقراء القرآن صرف إلى من يقرأ جميع القرآن وهل يدخل فيه من لا يحفظ جميعه فيه وجهان أحدهما يدخل فيه لعموم اللفظ والثاني لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا على من يحفظه وإن وصى للعلماء صرف إلى علماء الشرع لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا عليهم ولا يدخل فيه من يسمع الحديث ولا يعرف طرقه لان سماع الحديث من غير علم بطرقه ليس بعلم فصل فإن وصى للأيتام لم يدخل فيه من له أب لان اليتيم في بني آدم من فقد الأب ولا يدخل فيه بالغ لقوله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد الحلم وهل يدخل فيه الغنى فيه وجهان أحدهما يدخل فيه لانه تيتم بفقد الأب والثاني لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف على غني فإن وصى للأرامل دخل فيه من لا زوج لها من النساء وهل يدخل فيه من لا زوجة له من الرجال فيه وجهان أحدهما لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف على الرجال والثاني يدخل فيه لانه قد يسمى الرجل أرملا كما قال الشاعر ( البسيط ) فكل الأرامل قد قضيت حاجتهم فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر وهل يدخل فيه من لها مال على وجهين كما قلنا في الأيتام فصل وإن وصى للشيوخ أعطي من جاوز الأربعين وإن وصى للفتيان والشباب أعطي من جاوز البلوغ إلى الثلاثين وإن وصى للغلمان والصبيان أعطي من لم يبلغ لان هذه الأسماء لا تطلق في العرف إلا على ما ذكرناه فصل وإن وصى للفقراء جاز أن يدفع إلى الفقراء والمساكين وإن وصى للمساكين جاز أن يدفع إلى المساكين والفقراء لان كل واحد من الاسمين يطلق على الفريقين وإن وصى للفقراء والمساكين جمع بين الفريقين في العطية لان الجمع بينهما يقتضي الجمع في العطية كما قلنا في آية الصدقات وإن وصى لسبيل الله تعالى دفع إلى الغزاة من أهل الصدقات لانه قد ثبت لهم هذا الاسم في عرف الشرع فإن وصى للرقاب دفع إلى المكاتبين لان الرقاب في عرف الشرع اسم للمكاتبين وإن وصى لاحد هذه الأصناف دفع إلى ثلاثة منهم لانه قد ثبت لهذه الألفاظ عرف الشرع في ثلاثة وهو في الزكاة فحملت الوصية عليها فإن وصى لزيد والفقراء فقد قال الشافعي رحمه الله هو كأحدهم فمن أصحابنا من قال هو بظاهره أنه يكون كأحدهم يدفع إليه ما يدفع إلى أحدهم لانه أضاف إليه وإليهم فوجب أن يكون كأحدهم ومنهم من قال يصرف إلى زيد نصف الثلث ويصرف النصف إلى الفقراء لانه أضاف إليه وإليهم فوجب أن يساويهم ومنهم من قال يصرف إليه الربع ويصرف ثلاثة أرباعه إلى الفقراء لان أقل الفقراء ثلاثة فكأنه وصى لاربعة فكان حق كل واحد منهم الربع وإن وصى لزيد بدينار وبثلثه للفقراء وزيد فقير لم يعط غير الدينار لانه قطع الاجتهاد في الدفع بتقدير حقه في الدينار فصل وإن وصى لقبيلة عظيمة كالعلويين والهاشميين وطييء وتميم ففيه قولان أحدهما أن الوصية تصح وتصرف إلى ثلاثة منهم كما قلنا في الوصية للفقراء والثاني أن الوصية باطلة لانه لا يمكن أن يعطى الجميع ولا عرف لهذا اللفظ في بعضهم فبطل بخلاف الفقراء فإنه قد ثبت لهذا اللفظ عرف وهو في ثلاثة في الزكاة فصل وإن أوصى أن يضع ثلثه حيث يرى لم يجز أن يضعه في نفسه لانه تمليك ملكه بالإذن فلم يملك من نفسه كما لو وكله في البيع والمستحب أن يصرفه إلى من لا يرث الموصى من أقاربه فإن لم يكن له أقارب صرف إلى أقاربه من الرضاع فإن لم يكونوا صرف إلى جيرانه لانه قائم مقام الموصي والمستحب للموصي أن يضع فيما ذكرناه فكذلك الوصي

قسم V01/P455–V01/P456

فصل وإن وصى بالثلث لزيد ولجبريل كان لزيد نصف الثلث وتبطل في الباقي فإن وصى لزيد وللرياح ففيه وجهان أحدهما أن الجميع لزيد لان ذكر الرياح لغو والثاني أن لزيد النصف وتبطل الوصية في الباقي كالمسألة قبلها فإن قال ثلثي لله ولزيد ففيه وجهان أحدهما أن الجميع لزيد وذكر الله تعالى للتبرك كقوله تعالى فأن لله خمسه وللرسول والثاني أنه يدفع إلى زيد نصفه والباقي للفقراء لان عامة ما يجب لله تعالى يصرف إلى الفقراء فصل وإن وصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى صرف إليهما وسوي بينهما لأن ذلك عطية فاستوى فيه الذكر والأنثى وإن وصى إن ولدت ذكرا فله ألف وإن ولدت أنثى فلها مائة فولدت ذكرا وأنثى استحق الذكر الألف والأنثى المائة فإن ولدت خنثى دفع إليه المائة لانه يقين ويترك الباقى إلى أن يتبين فإن ولدت ذكرين أو أنثيين ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الوارث يدفع الألف إلى من يشاء من الذكرين والمائة إلى من يشاء من الأنثيين لان الوصية لاحدهما فلا تدفع إليهما والاجتهاد في ذلك إلى الوارث كما لو أوصى لرجل بأحد عبديه والثاني أنه يشترط الذكران في الألف والأنثيان في المائة لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر فسوى بينهما ويخالف العبد فإنه جعله إلى الوارث وههنا لم يجعله إلى الوارث والثالث أنه يوقف الألف بين الذكرين والمائة بين الأنثيين إلى أن يبلغا ويصطلحا لان الوصية لاحدهما فلا يجوز أن تجعل لهما ولا خيار للوارث فوجب التوقف فإن قال إن كان ما في بطنك ذكرا فله ألف وإن كان أنثى فله مائة فولدت ذكرا وأنثى لم يستحق واحد منهما شيئا لانه شرط أن يكون جميع ما في البطن ذكرا أو جميعه أنثى ولم يوجد واحد منهما فصل فإن أوصى لرجل بسهم أو بقسط أو بنصيب أو بجزء من ماله فالخيار إلى الوارث في القليل والكثير لان هذه الألفاظ تستعمل في القليل والكثير فصل فإن أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته أعطي مثل نصيب أقلهم نصيبا لانه نصيب أحدهم فإن وصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن كان ذلك وصية بنصف المال لانه يحتمل أن يكون قد جعل له الكل ويحتمل أنه جعله مع ابنه فلا يلزمه إلا اليقين ولانه قصد التسوية بينه وبين ابنه ولا توجد التسوية إلا فيما ذكرناه فإن كان له ابنان فوصى له بمثل نصيب أحد ابنيه جعل له الثلث وإن وصى له بنصيب ابنه بطلت الوصية لان نصيب الابن للابن فلا تصح الوصية به كما لو أوصى له بمال ابنه من غير الميراث ومن أصحابنا من قال يصح ويجعل المال بينهما كما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه فإن وصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن كافر أو قاتل فالوصية باطلة لانه وصى بمثل نصيب من لا نصيب له فأشبه إذا وصى بمثل نصيب أخيه وله ابن فصل فإن وصى بضعف نصيب أحد أولاده دفع إليه مثلا نصيب أحدهم لان الضعف عبارة عن الشيء ومثله ولهذا يروى أن عمر رضي الله عنه أضعف الصدقة على نصارى بني تغلب أي أخذ مثلي ما يؤخذ من المسلمين فإن وصى له بضعفي نصيب أحدهم أعطي ثلاثة أمثال نصيب أحدهم وقال أبو ثور يعطى أربعة أمثاله وهذا غلط لان الضعف عبارة عن الشيء ومثله فوجب أن يكون الضعفان عبارة عن الشيء ومثليه فصل فإن وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه وأجاز الورثة قسم المال بينهما على خمسة للموصى له بالثلث سهمان وللموصى له بالنصف ثلاثة أسهم فإن لم يجيزوا قسم الثلث بينهما على خمسة على ما ذكرناه لان ما قسم على التفاضل عند اتساع المال قسم على التفاضل عند ضيق المال كالمواريث والمال بين الغرماء فإن أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلثه وأجاز الورثة قسم المال بينهما على أربعة للموصى له بالجميع ثلاثة أسهم وللموصى له بالثلث سهم لان السهام في الوصايا كالسهام في المواريث ثم السهام في المواريث إذا زادت على قدر المال أعيلت الفريضة بالسهم الزائد فكذلك في الوصية

قسم V01/P456–V01/P457

فإن لم يجيزوا قسم الثلث بينهما على ما قسم الجميع فصل فإن قال أعطوه رأسا من رقيقي ولا رقيق له أو قال أعطوه عبدي الحبشي وله عبد سندي أو عبدي الحبشي وسماه باسمه ووصفه بصفة من بياض أو سواد وعنده حبشي يسمى بذلك الاسم ومخالف له في الصفة فالوصية باطلة لانه وصى له بما لا يملكه فإن كان له رقيق أعطى منه واحدا سليما كان أو معيبا لانه لا عرف في هبة الرقيق فحمل على ما يقع عليه الاسم فإن مات ما له من الرقيق بطلت الوصية لانه فات ما تعلقت به الوصية من غير تفريط فإن قتلوا فإن كان قبل موت الموصى بطلت الوصية لانه جاء وقت الوجوب ولا رقيق له فإن قتلوا بعد موته وجبت له قيمة واحد منهم لانه بدل ما وجب له فصل فإن وصى بعتق عبد أعتق عنه ما يقع عليه الاسم لعموم اللفظ ومن أصحابنا من قال لا يجزىء إلا ما يجزى في الكفارة لان العتق في الشرع له عرف وهو ما يجزي في الكفارة فحملت الوصية عليه فإن وصى أن يعتق عنه رقبة فعجز الثلث عنها ولم تجز الورثة أعتق قدر الثلث من الرقبة لان الوصية تعلقت بجميعها فإذا تعذر الجميع بقي في قدر الثلث فإن وصى أن يعتق عنه رقاب أعتق ثلاثة لان الرقاب جمع وأقله ثلاثة فإن عجز الثلث عن الثلاثة أعتق عنه ما أمكن فإن اتسع الثلث لرقبتين وتفضل شيء فإن لم يمكن أن يشتري بالفضل بعض الثالثة زيد في ثمن الرقبتين وإن أمكن أن يشتري به بعض الثالثة ففيه وجهان أحدهما يزاد في ثمن الرقبتين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الرقاب فقال أكثرها ثمنا وأنفسها عند أهلها والثاني أنه يشتري به بعض الثالثة لقوله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ولان ذلك أقرب إلى العدد الموصى به فصل فإن قال أعتقوا عبدا من عبيدي وله خنثى حكم له بأنه رجل ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه محكوم بأنه عبد والثاني لا يجوز لان اسم العبد لا ينصرف إليه فإن قال أعتقوا أحد رقيقي وفيهم خنثى مشكل فقد روى الربيع فيمن وصى بكتابة أحد رقيقه أنه لا يجوز الخنثى المشكل وروى المزني أنه يجوز فمن أصحابنا من قال يجوز كما نقله المزني لانه من الرقيق ومنهم من قال لا يجوز كما نقله الربيع لان إطلاق اسم الرقيق لا ينصرف إلى الخنثى المشكل فصل فإن قال أعطوه شاة جاز أن يدفع إليه الصغير والكبير والضأن والمعز لان اسم الشاة يقع عليه ولا يدفع إليه تيس ولا كبش على المنصوص ومن أصحابنا من قال يجوز الذكر والأنثى لان الشاة اسم للجنس يقع على الذكر والأنثى كالانسان يقع على الرجل والمرأة فإن قال أعطوه شاة من غنمى والغنم إناث لم يدفع إليه ذكر فإن كانت ذكورا لم يدفع إليه أنثى لانه أضاف إلى المال وليس في المال غيره فإن كانت غنمه ذكورا وإناثا فعلى ما ذكرنا من الخلاف فيه إذا أوصى بشاة ولم يضف إلى المال فإن قال أعطوه ثورا لم يعط بقرة فإن قال أعطوه جملا لم يعط ناقة فإن قال أعطوه بعيرا فالمنصوص أنه لا يعطى ناقة ومن أصحابنا من قال يعطى لان البعير كالإنسان يقع على الذكر والأنثى فإن قال أعطوه رأسا من الإبل أو رأسا من البقر أو رأسا من الغنم جاز الذكر والأنثى لان ذلك اسم للجنس فصل فإن قال أعطوه دابة فالمنصوص أنه يعطى فرسا أو بغلا أو حمارا واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس هذا قاله على عادة أهل مصر فإن الدواب في عرفهم الأجناس الثلاثة فإن كان الموصي بمصر أعطي واحدا من الثلاثة وإن كان في غيرها لم يعط إلا الفرس لانه لا تطلق الدابة في سائر البلاد إلا على الفرس

قسم V01/P457–V01/P458

وقال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة يعطى واحدا من الثلاثة في جميع البلاد لان اسم الدواب يطلق على الجميع فإن قال أعطوه دابة من دوابي وليس عنده إلا واحد من الثلاثة أعطي منه لانه أضاف إلى ماله وليس له غيره فإن قال أعطوه دابة ليقاتل عليه العدو لم يعط إلا فرسا فإن قال ليحمل عليه لم يعط إلا بغلا أو حمارا فإن قال لينتفع بنسله لم يعط إلا فرسا أو حمارا لان القرينة دلت على ما ذكرناه فصل فإن وصى بكلب ولا كلب له فالوصية باطلة لانه ليس عنده كلب ولا يمكن أن يشتري فبطلت الوصية فإن قال أعطوه كلبا من كلابي وعنده كلاب لا ينتفع بها بطلت الوصية لان ما لا منفعة فيه من الكلاب لا يحل اقتناؤه فإن كان ينتفع بها أعطي واحدا منها إلا أن يقرن به قرينة من صيد أو حفظ زرع فيدفع إليه ما دلت عليه القرينة فإن كان له ثلاثة كلاب ولا مال له فأوصى بجميعها ولم تجز الورثة ردت إلى الثلث وفي كيفية الرد وجهان أحدهما يدفع إليه من كل كلب ثلثه كسائر الأعيان والثاني يدفع إليه أحدها وتخالف سائر الأعيان لان الأعيان تقوم وتختلف أثمانها والكلاب لا تقوم فاستوى جميعها وفيما يأخذ وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق إنه يأخذ واحدا منها بالقرعة والثاني يعطيه الوارث ما شاء منها فإن كان له كلب واحد فوصى به ولم تجز الورثة ولم يكن له مال أعطي ثلثه فإن كان له مال ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يدفع الجميع إلى الموصى له لان أقل المال خير من الكلب فأمضيت الوصية فيه كما لو أوصى له بشاة وله مال تخرج الشاة من ثلثه والثاني وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه يدفع إليه ثلث الكلب لانه لا يجوز أن يحصل للموصى له شيء إلا ويحصل للورثة مثلاه ولا يمكن اعتبار الكلب من ثلث المال لانه لا قيمة له فاعتبر بنفسه فصل وإن وصى له بطبل من طبوله وليس له إلا طبول الحرب أعطي واحدا منها وإن لم يكن له إلا طبول اللهو نظرت فإن لم يصلح وهو طبل لغير اللهو وإن فصل لمباح لم يقع عليه اسم الطبل فالوصية باطلة لانه وصية بمحرم وإن كان يصلح لمنفعة مباحة مع بقاء الاسم جازت الوصية لانه يمكن الانتفاع به في مباح وإن كان له طبل حرب وطبل لهو ولم يصلح طبل اللهو لغير اللهو أعطي طبل الحرب لان طبل اللهو لا تصح الوصية به فيصير كالمعدوم وإن كان يصلح لمنفعة مباحة أعطاه الوارث ما شاء منهما فصل فإن وصى بعود من عيدانه وعنده عود اللهو وعود القوس وعود البناء كانت الوصية بعود اللهو لان إطلاق الاسم ينصرف إليه فإن كان عود اللهو يصلح لمنفعة مباحة دفع إليه ولا يدفع معه الوتر والمضراب لان اسم العود يقع من غير وتر ولا مضراب وإن كان لا يصلح لغير اللهو فالوصية باطلة لانه وصية بمحرم ومن أصحابنا من قال يعطى من عود القوس والبناء لان المحرم كالمعدوم كما قلنا فيمن وصى بطبل من طبوله وعنده طبل حرب وطبل لهو أنه تجعل الوصية في طبل الحرب ويجعل طبل اللهو كالمعدوم والمذهب أنه لا يعطى شيئا لان العود لا يطلق إلا على عود اللهو والطبل يطلق على طبل اللهو وطبل الحرب فإذا بطل في طبل اللهو حمل على طبل الحرب فإن قال أعطوه عودا من عيداني وليس عنده إلا عود القوس أو عود البناء أعطي منها لانه أضاف إلى ما عنده وليس عنده سواه فصل فإن وصى له بقوس كانت الوصية بالقوس الذي يرمى عنه النبل والنشاب دون قوس الندف والجلاهق وهو قوس البندق لان إطلاق الاسم ينصرف إلى ما يرمى عنه ولا يعطى معه الوتر ومن أصحابنا من قال يعطى معه الوتر لانه لا ينتفع به إلا مع الوتر والصحيح أنه لا يعطى لان الاسم يقع عليه من غير وتر

قسم V01/P458–V01/P459

فإن قال أعطوه قوسا من قسي وليس عنده إلا قوس الندف أو قوس البندق أعطي مما عنده لانه أضاف إلى ما عنده وليس عنده سواه وإن كان عنده قوس البندق وقوس الندف أعطي قوس البندق لان الاسم إليه أسبق فصل فإن وصى بعتق مكاتبه أو بالإبراء مما عليه اعتبر من الثلث أقل الأمرين من قيمته أو مال الكتابة لان الإبراء عتق والعتق إبراء فاعتبر أقلهما وألغي الآخر فإن احتملهما الثلث عتق وبرىء من المال وإن لم يحتمل شيئا منه لديون عليه بطلت الوصية وأخذ المكاتب بأداء جميع ما عليه فإن أدى عتق وإن عجز رق وتعلق به حق الغرماء والورثة فإن احتمل الثلث بعض ذلك مثل أن يحتمل النصف من أقل الأمرين عتق نصفه وبقي نصفه على الكتابة فإن أدى عتق وإن عجز رق وإن احتمل الثلث أحدهما دون الآخر اعتبر الأقل فعتق به فإن لم يكن له مال غير العبد نظر فإن كان قد حل عليه مال الكتابة عتق ثلثه في الحال وبقي الباقي على الكتابة إن أدى عتق وإن عجز رق وإن لم يحل عليه مال الكتابة ففيه وجهان أحدهما لا يتعجل عتق شيء منه لانه يحصل للموصى له الثلث ولم يحصل للورثة مثلاه وهذا لا يجوز كما لو أوصى بالثلث وله مال حاضر ومال غائب فإنه لا تمضي الوصية في شيء حتى يحصل للورثة مثلاه والثاني وهو ظاهر المذهب أنه يتعجل عتق ثلثه ويقف الثلثان على العتق بالأداء أو الرق بالعجز لان الورثة على يقين من الثلثين إما بالأداء وإما بالعجز بخلاف ما لو كان له مال حاضر ومال غائب لانه ليس على يقين من سلامة الغائب فصل فإن قال ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه وضع عنه النصف وشيء لانه هو الأكثر فإن قال ضعوا عنه ما شاء من كتابته فشاء الجميع فقد روى الربيع رحمه الله أنه يوضع عنه الجميع إلا شيئا وروى المزني أنه إذا قال ضعوا عنه ما شاء فشاءها كلها وضع الجميع إلا شيئا فمن أصحابنا من قال الصحيح ما رواه الربيع لان قوله من كتابته يقتضي التبعيض وما رواه المزني خطأ في النقل والذي يقتضيه أن يوضع عنه الكل إذا شاء لان قوله ما شاء عام في الكل والبعض وقال أبو إسحاق ما نقله الربيع صحيح على ما ذكرناه وما نقله المزني أيضا صحيح فإنه يقتضي أن يبقى من الكل شيء لانه لو أراد وضع الجميع لقال ضعوا عنه مال الكتابة فلما علقه على ما شاء دل على أنه لم يرد الكل فإن قال ضعوا عنه ما قل وما كثر وضع الوارث عنه ما شاء من قليل وكثير لانه ما من قدر إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر وكثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه فإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مالا لان إطلاق الأكثر ينصرف إلى كثرة المال دون طول المدة فإن قال ضعوا عنه أوسط النجوم واجتمع في نجومه أوسط في القدر وأوسط في المدة وأوسط في العدد كان للوارث أن يضع أي الثلاثة شاء لان الوسط يقع على الثلاثة فإن استوى الجميع في المدة والقدر وضع عنه الأوسط في العدد فإن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه الثاني فإن كانت أربعة وضع عنه الثاني والثالث فإن كانت خمسة وضع عنه الثالث وعلى هذا القياس فصل وإن كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصى لرجل بما في ذمته لم تصح الوصية لانه لا شيء له في ذمته فصار كما لو وصى بماله في ذمة حر ولا شيء له في ذمته وإن وصى له بما يقبضه منه صحت الوصية لانه أضاف إلى حال يملكه فصار كما لو وصى له برقبة مكاتب إذا عجزه وفي هذا عندى نظر لانه لا يملكه بالقبض وإنما يعتق بحكم الصفة كما يعتق بقبض الخمر إذا كاتبه عليه ثم لا يملكه وإن وصى برقبته والكتابة فاسدة نظرت فإن لم يعلم بفساد الكتابة ففيه قولان أحدهما أن الوصية جائزة لانها صادفت ملكه

قسم V01/P459

والثاني أنها باطلة لانه وصى وهو يعتقد أنه يملك الوصية وإن وصى بها وهو يعلم أن الكتابة فاسدة صحت الوصية قولا واحدا كما لو باع من رجل شيئا بيعا فاسدا ثم باعه من غيره وهو يعلم فساد البيع ( الأول ) ومن أصحابنا من قال القولان في الجميع ويخالف البيع فإن فاسده لا يجري مجرى الصحيح في الملك وفي الكتابة الفاسدة كالصحيح في العتق والصحيح هو الطريقة الأولى فصل وإن وصى بحج فرض من رأس المال حج عنه من الميقات لان الحج من الميقات وما قبله تسبب إليه فإن وصى به من الثلث ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه يحج عنه من بلده فإن عجز الثلث عنه تمم من رأس المال لانه يجب عليه الحج من بلده والثاني وهو قول أكثر أصحابنا أنه من الميقات لان الحج يجب بالشرع من الميقات فحملت الوصية عليه وإن أوصى أن يجعل جميع الثلث في حج الفرض حج عنه من بلده وإن عجز الثلث عن ذلك حج عنه من حيث أمكن من طريقه وإن عجز عن الحج من الميقات تمم من رأس المال ما يحج به من الميقات لان الحج من الميقات مستحق من رأس المال وإنما جعله من الثلث توفيرا على الورثة فإذا لم يف الثلث بالجميع بقي فيما لم يف من رأس المال فصل وإن أوصى بحج التطوع وقلنا إنه تدخله النيابة نظرت فإن قال أحجوا بمائة من ثلثي حج عنه من حيث أمكن وإن لم يوجد من يحج بهذا القدر بطلت الوصية وعاد المال إلى الورثة لانها تعذرت فبطلت كما لو أوصى لرجل بمال فرده وإن قال أحجوا عني بثلثي صرف الثلث فيما أمكن من عدد الحجج فإن اتسع المال لحجة أو حجتين وفضل ما لا يكفي لحجة أخرى من بلده حج من حيث أمكن من دون بلده إلى الميقات فإن عجز الفضل عن حجة من الميقات رد الفضل إلى الورثة وإن أمكن أن يعتمر به لم يفعل لان الموصى له هو الحج دون العمرة فإن قال أحجوا عني حج عنه بأجرة المثل من حيث أمكن من بلده إلى الميقات فإن عجز الثلث عن حجة من الميقات بطلت الوصية لما ذكرناه فصل وإن وصى أن يحج عنه رجل بمائة ويدفع ما يبقى من الثلث إلى آخر وأوصى بالثلث لثالث فقد وصى بثلثي ماله فإن كان الثلث مائة سقطت وصيته للموصى له بالباقي لان وصيته فيما يبقى بعد المائة ولم يبق شيء فإن أجاز الورثة دفع إلى الموصى له بالثلث ثلثه وهو مائة وإلى الموصى له بالمائة مائة وإن لم يجيزوا قسم الثلث بين الموصى له بالثلث وبين الموصى له بالمائة نصفين لانهما اتفقا في قدر ما يستحقان وهو المائة فإن كان الثلث أكثر من مائة وأجاز الورثة دفع الثلث إلى الموصى له بالثلث ودفع مائة إلى الموصى له بالمائة ودفع ما بقي إلى الموصى له بالباقي وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث ردت الوصية إلى نصفها وهو الثلث فيدفع إلى الموصى له بالثلث نصف الثلث وفي النصف الآخر وجهان أحدهما يقدم فيه الموصى له بالمائة ولا يدفع إلى الموصى له بالباقي شيء حتى يأخذ الموصى له بالمائة حقه لانه وإن كان قد اعتد به مع الموصى له بالمائة في إحراز الثلث إلا أن حقه فيما يبقى بعد المائة فلا يأخذ شيئا قبل أن يستوفي الموصى له بالمائة حقه كما اعتد بالأخ من الأب مع الأخ من الأب والأم على الجد في إحراز ثلثي المال ثم لا يأخذ شيئا مع الأخ من الأب والأم فإن كان النصف مائة أو أقل أخذه الموصى له بالمائة وإن كان أكثر أخذ الموصى له بالمائة مائة وأخذ الموصى له بالباقي ما يبقى والوجه الثاني أن الموصى له بالمائة والموصى له بالباقي يقسمان النصف على قدر وصيتهما من الثلث فإن كان الثلث مائتين اقتسما المائة نصفين لكل واحد منهما خمسون

قسم V01/P459–V01/P460

وإن كان مائة وخمسين اقتسما الخمسة والسبعين أثلاثا للموصى له بالمائة خمسون وللموصى له بالباقي خمسة وعشرون وعلى هذا القياس لانه إنما أوصي له بالمائة من كل الثلث لا من بعضه فلم يجز أن يأخذ من نصف الثلث ما كان يأخذ من جميعه كأصحاب المواريث إذا زاحمهم من له فرض أو وصية فصل وإن بدأ فوصى بثلث ماله لرجل ثم وصى لمن يحج عنه بمائة ووصى لآخر بما يبقى من الثلث ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أن الوصية بالباقي بعد المائة باطلة لان الوصية بالثلث تمنع من أن يبقى شيء من الثلث فعلى هذا إن أجاز الورثة نفذت الوصيتان وإن لم يجيزوا ردت الوصية إلى الثلث فإن كان الثلث مائة استوت وصيتهما فيقتسمان الثلث بينهما نصفين وإن كان الثلث خمسمائة قسم الثلث بينهما على ستة أسهم للموصى له بالثلث خمسة أسهم وللموصى له بالمائة سهم فإن كان الثلث ألفا قسم على أحد عشر سهما للموصى له بالثلث عشرة أسهم وللموصى له بالمائة سهم والوجه الثاني وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أن الحكم في هذه المسألة كالحكم في المسألة قبلها لانه إذا أوصى بالمائة بعد الثلث علم أنه لم يرد ذلك الثلث لان الوصية الأولى قد استوعبته وإنما أراد ثلثا ثانيا فإذا أوصى بعد المائة بما يبقى من الثلث دل على أنه أراد ما يبقى من الثلث الثاني فصار موصيا بثلثي ماله كالمسألة قبلها فصل وإن وصى لرجل بعبد ولآخر بما بقي من الثلث قوم العبد مع التركة بعد موت الموصي فإن خرج من الثلث دفع إلى الموصى له فإن بقي من الثلث شيء دفع إلى الآخر وإن لم يبق شيء بطلت الوصية بالباقي لان وصيته فيما بقي وإن أصاب العبد عيب بعد موت الموصى قوم سليما ودفع إلى الموصى له الباقي لانه وصي له بالباقي من قيمته وهو سليم وإن مات العبد بعد موت الموصي بطلت الوصية فيه وقوم وقت الموت مع التركة ودفع إلى الموصى له الباقي من الثلث لانهما وصيتان فلا تبطل إحداهما ببطلان الأخرى كما لو وصى لرجلين فرد أحدهما فصل فإن وصى له بمنفعة عبد ملك الموصى له منافعه واكتسابه فإن كان جارية ملك مهرها لانه بدل منفعتها ولا يجوز للمالك وطؤها لانه تملك الرقبة من غير منفعة ( ولا للموصى له وطؤها لانه تملك المنفعة من غير الرقبة ) والوطء لا يجوز إلا في ملك تام ويجوز تزويجها لاكتساب المهر وفيمن يملك العقد ثلاثة أوجه أحدها يملكه الموصى له بالمنفعة لان المهر له والثاني يملكه المالك لانه يملك رقبتها والثالث لا يصح العقد إلا باتفاقهما لان لكل واحد منهما حقا فلا ينفرد به أحدهما دون الآخر فإن أتت بولد مملوك ففيه وجهان أحدهما أنه للموصى له لانه من جملة فوائدها فصار كالكسب والثاني أنه كالأم رقبته للمالك ومنفعته للموصى له لانه جزء من الأم فكان حكمه حكم الأم فإن قتل ففي قيمته وجهان أحدهما أنها للمالك لانها بدله فكانت له والثاني وهو الصحيح أنه يشتري به مثله للمالك رقبته وللموصى له منفعته لانه قائم مقام الأصل فكان حكمه حكم الأصل فإن جنى على طرفه ففي أرشه وجهان أحدهما أنه للمالك لانه بدل ملكه والثاني وهو الصحيح أن ما قابل منه ما نقص من قيمة الرقبة للمالك وما قابل منه ما نقص من المنفعة للموصى له لانه دخل النقص عليهما فقسط الأرش عليهما فإن احتاج العبد إلى نفقة ففيه ثلاثة أوجه أحدها وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن النفقة على الموصى له بالمنفعة لان الكسب له والثاني أنها على المالك وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لان النفقة على الرقبة فكانت على مالكها والثالث أنها فى كسبه فإن لم يف الكسب ففي بيت المال لانه لا يمكن إيجابها على المالك لانه لا يملك الانتفاع ولا على الموصى له لانه لا يملك الرقبة فلم يبق إلا ما قلناه

قسم V01/P460–V01/P461

فإن احتاج البستان الموصى بثمرته إلى سقي أو الدار الموصى بمنفعتها إلى عمارة لم يجب على واحد منهما لانه لو انفرد كل واحد منهما بملك الجميع لم يجبر على الإنفاق فإذا اشتركا لم يجب فصل فإن أراد المالك بيع الرقبة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز لانه يملكها ملكا تاما والثاني أنه لا يجوز لانها عين مسلوبة المنفعة فلم يجز بيعها كالأعيان التي لا منفعة فيها والثالث يجوز بيعها من الموصى له لانه يمكنه الانتفاع بها ولا يجوز من غيره لانه لا يمكنه الانتفاع بها فإن أراد أن يعتقه جاز لانه يملكه ملكا تاما وللموصى له أن يستوفي المنفعة بعد العتق لانه تصرف في الرقبة فلم يبطل به حق الموصي له من المنفعة ولا يرجع العبد على المالك بأجرته كما يرجع العبد المستأجر على مولاه بعد العتق في أحد القولين لان هناك ملك المولى بدل منفعته ولم يملك المولى ههنا بدل المنفعة باب الرجوع في الوصية يجوز الرجوع في الوصية لانها عطية لم تزل الملك فجاز الرجوع فيها كالهبة قبل القبض ويجوز الرجوع بالقول والتصرف لانه فسخ عقدا قبل اتمامه فجاز بالقول والتصرف كفسخ البيع في مدة الخيار وفسخ الهبة قبل القبض وإن قال هو حرام عليه فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون وصية له وهو محرم عليه فإن قال لوارثي فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون للوارث وللموصى له وإن قال هو تركتي ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لان التركة للورثة والثاني أنه ليس برجوع لان الوصية من جملة التركة فصل وإن وصى لرجل بعبد ثم وصى به لآخر لم يكن ذلك رجوعا لامكان أن يكون نسي الأول أو قصد الجمع بينهما فإن قال ما وصيت به لفلان فقد وصيت به لآخر فهو رجوع ومن أصحابنا من قال ليس برجوع كالمسألة قبلها والمذهب الأول لانه صرح بالرجوع فصل وإن باعه أو وهبه وأقبض أو أعتقه أو كاتبه أو أوصى أن يباع أو يوهب ويقبض أو يعتق أو يكاتب فهو رجوع لانه صرفه عن الموصى له وإن عرضه للبيع أو رهنه في دين أو وهبه ولم يقبضه فهو رجوع لان تعريضه لزوال الملك صرف عن الموصى له ومن أصحابنا من قال إنه ليس برجوع لانه لم يزل الملك وليس بشيء وإن وصى بثلث ماله ثم باع ماله لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية بثلث المال عند الموت لا بثلث ما باعه فإن وصى بعبد ثم دبره فإن قلنا إن التدبير عتق بصفة كان ذلك رجوعا لانه عرضه لزوال الملك وإن قلنا إنه وصية وقلنا في أحد القولين إن العتق يقدم على سائر الوصايا كان ذلك رجوعا لانه أقوى من الوصية فأبطلها وإن قلنا إن العتق كسائر الوصايا ففيه وجهان أحدهما أنه ليس برجوع فيكون نصفه مدبرا ونصفه موصى به كما لو أوصى به لرجل ثم وصى به لآخر والثاني أنه رجوع لان التدبير أقوى لانه يتنجز من غير قبول والوصية لا تتم إلا بالقبول فقدم التدبير كما يقدم ما تنجز في حياته من التبرعات على الوصية فصل وإن وصى له بعبد ثم زوجه أو أجره أو علمه صنعة أو ختنه لم يكن ذلك رجوعا لان هذه التصرفات لا تنافي الوصية فإن كانت جارية فوطئها لم يكن ذلك رجوعا لانه استيفاء منفعة فلم يكن رجوعا كالاستخدام وقال أبو بكر بن الحداد المصري إن عزل عنها لم يكن رجوعا وإن لم يعزل عنها كان رجوعا لانه قصد التسري بها فصل وإن وصى بطعام معين فخلطه بغيره كان ذلك رجوعا لانه جعله على صفة لا يمكن تسليمه فإن وصى بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية مختلطة بمثلها والذي خلطه به مثله فلم يكن رجوعا فإن خلطه بأجود منه كان رجوعا لانه أحدث فيه بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها

قسم V01/P461–V01/P462

فإن خلطه بما دونه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه ليس برجوع لانه نقص أحدثه فيه فلم يكن رجوعا كما لو أتلف بعضه والثاني أنه رجوع لانه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه فإن نقله إلى بلد أبعد من بلد الموصى له ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه لو لم يرد الرجوع لما أبعده عنه والثاني أنه ليس برجوع لانه باق على صفته فصل فإن وصى بحنطة فقلاها أو بذرها كان ذلك رجوعا لانه جعله كالمستهلك وإن وصى بحنطة فطحنها أو بدقيق فعجنه أو بعجين فخبزه كان ذلك رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بخبز فجعله فتيتا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الخبز فأشبه إذا ثرده والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه لانه يقال خبز مدقوق وإن وصى برطب فجعله تمرا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه اسم الرطب والثاني ليس برجوع لانه أبقى له وأحفظ على الموصى له فصل وإن وصى بقطن فغزله أو بغزل فنسجه كان ذلك رجوعا لانه أزال عنه الاسم وإن أوصى له بقطن فحشى به فراشا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعله للاستهلاك والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه فصل وإن أوصى له بثوب فقطعه أو بشاة فذبحها كان رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بلحم فطبخه أو شواه كان ذلك رجوعا لانه جعله للأكل وإن قدده ففيه وجهان كما قلنا في الرطب إذا جعله تمرا فصل وإن وصى له بثوب فقطعه قميصا أو بساج فجعله بابا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الثوب والساج ولانه جعله للاستعمال والثاني أنه ليس برجوع لان اسم الثوب والساج باق عليه فصل وإن وصى بدار فهدمها كان رجوعا لانه تصرف أزال به الاسم فكان رجوعا كما لو وصى بحنطة فطحنها وإن تهدمت نظرت فإن لم يزل عنها اسم الدار فالوصية باقية فيما بقي وأما ما انفصل عنها فالمنصوص أنه خارج من الوصية لانه انفصل عن الموصى به في حياة الموصى وحكى القاضي أبو القاسم ابن كج رحمه الله وجها آخر أنه للموصى له لانه تناولته الوصية فلم يخرج منها بالانفصال وإن زال عنها اسم الدار ففي الباقي من العرصة وجهان أحدهما أنه تبطل فيه الوصية لانه أزال عنها اسم الدار والثاني لا تبطل لانه لم يوجد من جهته ما يدل على الرجوع فصل وإن وصى له بأرض فزرعها لم يكن ذلك رجوعا لانه لا يراد للبقاء وقد يحصل قبل الموت فلم يكن رجوعا وإن غرسها أو بنى فيها ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعلها لمنفعة مؤبدة فدل على الرجوع والثاني ليس برجوع لانه استيفاء منفعة فهو كالزراعة فعلى هذا في موضع الأساس وقرار الغراس وجهان أحدهما أنه لا تبطل فيه الوصية كالبياض الذي بينهما فإذا مات الغراس أو زال البناء عاد إلى الموصى له والثاني أنه تبطل الوصية فيه لانه جعله تابعا لما عليه فصل وإن أوصى له بسكنى دار سنة فأجرها دون السنة لم يكن ذلك رجوعا لانه قد تنقضي الإجارة قبل الموت فإن مات قبل انقضاء الإجارة ففيه وجهان أحدهما يسكن مدة الوصية بعد انقضاء الإجارة والثاني أنه تبطل الوصية بقدر ما بقي من مدة الإجارة وتبقى في مدة الباقي باب الأوصياء لا تجوز الوصية إلا إلى بالغ عاقل حر عدل فأما الصبي والمجنون والعبد والفاسق فلا تجوز الوصية إليهم لانه لا حظ للميت ولا للطفل في نظر هؤلاء ولهذا لم تثبت لهم الولاية

قسم V01/P462–V01/P463

وأما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم لقوله عز وجل لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ولانه غير مأمون على المسلم ولهذا قال الله تعالى لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وفي جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان أحدهما أنه يجوز لانه يجوز أن يكون وليا له فجاز أن يكون وصيا له كالمسلم والثاني لا يجوز كما لا تقبل شهادته للكافر وللمسلم فصل وتجوز الوصية إلى المرأة لما روي أن عمر رضي الله عنه وصى إلى ابنته حفصة في صدقته ما عاشت فإذا ماتت فهو إلى ذوي الرأي من أهلها ولانها من أهل الشهادة فجازت الوصية إليها كالرجل واختلف أصحابنا في الأعمى فمنهم من قال تجوز الوصية إليه لانه من أهل الشهادة فجازت الوصية إليه كالبصير ومنهم من قال لا تجوز الوصية لانه تفتقر الوصية إلى عقود لا تصح من الأعمى وفضل نظر لا يدرك إلا بالعين فصل واختلف أصحابنا في الوقت الذي تعتبر فيه الشروط التي تصح بها الوصية إليه فمنهم من قال يعتبر ذلك عند الوفاة فإن وصى إلى صبي فبلغ أو كافر فأسلم أو فاسق فصار عدلا قبل الوفاة صحت الوصية لان التصرف بعد الموت فاعتبرت الشروط عنده كما تعتبر عدالة الشهود عند الأداء أو الحكم دون التحمل ومنهم من قال تعتبر عند العقد وعند الموت ولا تعتبر فيما بينهما لان حال العقد حال الإيجاب وحال الموت حال التصرف فاعتبر فيهما ومنهم من قال تعتبر في حال الوصية وفيما بعدها لان كل وقت من ذلك يجوز أن يستحق فيه التصرف بأن يموت فاعتبرت الشروط في الجميع فصل وإن وصى إلى رجل فتغير حاله بعد موت الموصي فإن كان لضعف ضم إليه معين أمين وإن تغير بفسق أو جنون بطلت الوصية إليه ويقيم الحاكم من يقوم مقامه فصل ويجوز أن يوصى إلى نفسين لما روي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت النظر في وقفها إلى علي كرم الله وجهه فإن حدث به حدث رفعه إلى ابنيها فيليانها ويجوز أن يجعل إليهما وإلى كل واحد منهما لانه تصرف مستفاد بالإذن فكان على حسب الإذن فإن جعل إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فإن ضعف أحدهما أو فسق أو مات جاز للآخر أن يتصرف ولا يقام مقام الآخر غيره لان الموصي رضي بنظر كل واحد منهما وحده فإن وصى إليهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف لانه لم يرض بأحدهما فإن ضعف أحدهما ضم إليه من يعينه فإن فسق أحدهما أو مات أقام الحاكم من يقوم مقامه لان الموصي لم يرض بنظره وحده فإن أراد الحاكم أن يفوض الجميع إلى الثاني لم يجز لانه لم يرض الموصي باجتهاده وحده فإن ماتا أو فسقا فهل للحاكم أن يفوض إلى واحد فيه وجهان أحدهما يجوز لانه سقط حكم الوصية بموتهما وفسقهما فكان الأمر فيه إلى الحاكم والثاني لا يجوز لانه لم يرض بنظر واحد وإن اختلف الوصيان في حفظ المال جعل بينهما نصفين فإذا بلغا إلى التصرف فإن كان التصرف إلى كل واحد منهما تصرف كل واحد منهما في الجميع وإن كان إليهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف دون الآخر فصل ومن وصي إليه في شيء لم يصر وصيا في غيره ومن وصي إليه إلى مدة لم يصر وصيا بعد المدة لانه تصرف بالإذن فكان على حسب الإذن فصل وللوصي أن يوكل فيما لم تجر به العادة أن يتولاه بنفسه كما قلنا في الوكيل ولا يجوز أن يوصى إلى غيره لانه يتصرف بالإذن فلم يملك الوصية كالوكيل

الأسئلة