Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
فمن أصحابنا من قال فيه قولان لانها صفقة جمعت بيعا وإجارة ومنهم من قال يصح قولا واحدا لان الحاجة تدعو إلى الجمع بينهما لانه إذا أفرد أحدهما لم يمكنه أن يخالع على الآخر وفي غير الخلع يمكنه أن يفرد أحدهما ثم يعقد على الآخر وإن مات الولد بعد الرضاع ففي النفقة وجهان أحدهما أنها تحل لانها تأجلت لاجله وقد مات والثاني لا تحل لان الدين إنما يحل بموت من عليه دون من له فصل وإن خالعها خلعا منجزا على عوض ملك العوض بالعقد وضمن بالقبض كالصداق فإن كان عينا فهلكت قبل القبض أو خرج مستحقا أو على عبد فخرج حرا أو على خل فخرج خمرا رجع إلى مهر المثل في قوله الجديد وإلى بدل المسمى في قوله القديم كما قلنا في الصداق وإن خالعها على أن ترضع ولده فماتت فهو كالعين إذا هلكت قبل القبض وإن مات الولد ففيه قولان أحدهما يسقط الرضاع ولا يقوم غير الولد مقامه لانه عقد على إيقاع منفعة في عين فإذا تلفت العين لم يقم غيرها مقامها كما لو أكراه ظهرا للركوب فهلك الظهر فعلى هذا يرجع إلى مهر المثل في قوله الجديد وإلى أجرة الرضاع في قوله القديم والقول الثاني أنه لا يسقط الرضاع بل يأتيها بولد آخر لترضعه لان المنفعة باقية وإن مات المستوفي قام غيره مقامه كما لو اكترى ظهرا ومات فإن الوارث يقوم مقامه فعلى هذا إن لم يأت بولد آخر حتى مضت المدة ففيه وجهان أحدهما لا يرجع عليها لانها مكنته من الاستيفاء فأشبه إذا أجرته دارا وسلمتها إليه فلم يسكنها والثاني يرجع عليها لان المعقود عليه تحت يدها فتلف من ضمانها كما لو باعت منه شيئا وتلف قبل أن يسلم فعلى هذا يرجع بمهر المثل في قوله الجديد وبأجرة الرضاع في قوله القديم وإن خالعها على خياطة ثوب فتلف الثوب فهل تسقط الخياطة أو يأتيها بثوب آخر ( لتخيطه ) فيه وجهان بناء على القولين في الرضاع فصل ويجوز رد العوض فيه بالعيب لان إطلاق العقد يقتضي السلامة من العيب فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والصداق فإن كان العقد على عين بأن طلقها على ثوب أو قال إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق فأعطته ووجد به عيبا فرده رجع إلى مهر المثل في قوله الجديد وإلى بدل العين سليما في قوله القديم كما ذكرناه في الصداق وإن كان الخلع منجزا على عوض موصوف في الذمة فأعطته ووجده معيبا فرده طالب بمثله سليما كما قلنا فيمن أسلم في ثوب وقبضه ووجده معيبا فرده وإن قال إن دفعت إلي عبدا من صفته كذا وكذا فأنت طالق فدفعت إليه عبدا على تلك الصفة طلقت فإن وجده معيبا فرده رجع في قوله الجديد إلى مهر المثل وإلى بدل العبد في قوله القديم لانه تعين بالطلاق فصار كما لو خالعها على عين فردها بالعيب ويخالف إذا كان موصوفا في الذمة في خلع منجز فقبضه ووجد به عيبا فرده لانه لم يتعين بالعقد ولا بالطلاق فرجع إلى ما في الذمة وإن خالعها على عين على أنها على صفة فخرجت على دون تلك الصفة ثبت له الرد كما قلنا في البيع فإذا رده رجع إلى مهر المثل في أحد القولين وإلى بدل المشروط في ( القول ) الآخر كما قلنا فيما رده بالعيب فصل ولا يجوز الخلع على محرم ولا على ما فيه غرر كالمجهول ولا ما لم يتم ملكه عليه لان الطلاق يصح مع عدم العوض فصح مع فساده كالنكاح ويرجع عليها بمهر المثل لانه تعذر رد البضع فوجب رد بدله كما قلنا فيمن تزوج على خمر أو خنزير فإن خالعها بشرط فاسد بأن قالت طلقني بألف بشرط أن تطلق ضرتي فطلقها وقع الطلاق ويرجع عليها بمهر المثل لان الشرط فاسد فإذا سقط وجب إسقاط ما زيد في البدل لاجله وهو مجهول فصار العوض فيه مجهولا فوجب مهر المثل
فإن قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق على ألف ففيه وجهان أحدهما يصح لانه تعليق طلاق بشرط والثاني لا يصح لانه عقد معاوضة فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع فعلى هذا إذا وجد الشرط وقع الطلاق ورجع عليها بمهر المثل فصل فإذا خالع امرأته لم يلحقها ما بقي من عدد الطلاق لانه لا يملك بضعها فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية ولا يملك رجعتها في العدة وقال أبو ثور إن كان بلفظ الطلاق فله أن يراجعها لان الرجعة من مقتضى الطلاق فلم يسقط بالعوض كالولاء في العتق وهذا خطأ لانه يبطل به إذا وهب بعوض فإن الرجوع من مقتضى الهبة وقد سقط بالعوض ويخالف الولاء فإن بإثباته لا يملك ما اعتاض عليه من الرق وبإثبات الرجعة يملك ما اعتاض عليه من البضع فصل وإن طلقها بدينار على أن له الرجعة سقط الدينار وثبتت له الرجعة وقال المزني يسقط الدينار والرجعة ويجب مهر المثل كما قال الشافعي فيمن خالع امرأة على عوض وشرطت المرأة أنها متى شاءت استرجعت العوض وثبتت الرجعة إن العوض يسقط ولا تثبت الرجعة وهذا خطأ لان الدينار والرجعة شرطان متعارضان فسقطا وبقي طلاق مجرد فثبتت معه الرجعة فأنما المسألة التي ذكرها الشافعي رحمه الله فقد اختلف أصحابنا فيها فمنهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين ومنهم من قال لا تثبت الرجعة هناك لانه قطع الرجعة في الحال وإنما شرطت أن تعود فلم تعد وههنا لم يقطع الرجعة فثبتت فصل وإن وكلت المرأة في الخلع ولم تقدر العوض فخالع الوكيل بأكثر من مهر المثل ( لم يلزمها إلا مهر المثل ) لان المسمى عوض فاسد بمقتضى الوكالة فسقط ولزم مهر المثل كما لو خالعها الزوج على عوض فاسد فإن قدرت العوض بمائة فخالع عنها على أكثر منها ففيه قولان أحدهما يلزمها مهر المثل لما ذكرناه والثاني يلزمها أكثر الأمرين من مهر المثل أو المائة فإن كان مهر المثل أكثر وجب لان المسمى سقط لفساده ووجب مهر المثل وإن كانت المائة أكثر وجبت لانها رضيت بها وأما الوكيل فإنه إن ضمن العوض في ذمته رجع الزوج عليه بالزيادة لانه ضمنها بالعقد وإن لم يضمن بأن أضاف إلى مال الزوجة لم يرجع عليه بشيء فإن خالع على خمر أو خنزير وجب مهر المثل لان المسمى سقط فوجب مهر المثل فإن وكل الزوج في الخلع ولم يقدر العوض فخالع الوكيل بأقل من مهر المثل فقد نص فيه على قولين قال في الإملاء يقع ويرجع عليه بمهر المثل وقال في الأم الزوج بالخيار بين أن يرضى بهذا العوض ويكون الطلاق بائنا وبين أن يرده ويكون الطلاق رجعيا وقال فيمن وكل وقدر العوض فخالع على أقل منه إن الطلاق لا يقع فمن أصحابنا من نقل القولين في الوكالة المطلقة إلى الوكالة التي قدر فيها العوض ( والقول في الوكالة التي قدر فيها العوض إلى الوكالة المطلقة ) وهو الصحيح عندي لان الوكالة المطلقة تقتضي المنع من النقصان عن مهر المثل كما تقتضي الوكالة التي قدر فيها العوض المنع من النقصان عن المقدر فيكون في المسئلتين ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يقع الطلاق لانه طلاق أوقعه على غير الوجه المأذون فيه فلم يقع كما لو وكله في الطلاق في يوم فأوقعه في يوم آخر والثاني أنه يقع الطلاق بائنا ويجب مهر المثل لان الطلاق مأذون فيه فإذا وقع لم يرد والمسمى فاسد فوجب مهر المثل كما لو خالعها الزوج على عوض فاسد والثالث أن الطلاق يقع لانه مأذون فيه وإنما قصر في البدل فثبت له الخيار بين أن يرضى بهذا العوض ويكون الطلاق بائنا وبين أن يرد ويكون الطلاق رجعيا لانه لا يمكن إجبار الزوج على المسمى لانه ( دون ) المأذون فيه ولا يمكن إجبارها على مهر المثل فيما أطلق ولا على الذي نص عليه من المقدر لانها لم ترض به فخير بين الأمرين ليزول الضرر عنهما
ومن أصحابنا من قال فيما قدر العوض فيه لا يقع الطلاق لانه خالف نصه وفيما أطلق يقع الطلاق لانه لم يخالف نصه وإنما خالفه من جهة الاجتهاد وهذا يبطل بالوكيل في البيع فإنه لا فرق بين أن يقدر له الثمن فباع بأقل منه وبين أن يطلق فباع بما دون ثمن المثل وإن خالعها على خمر أو خنزهير لم يقع الطلاق لانه طلاق غير مأذون فيه ويخالف وكيل المرأة فإنه لا يوقع الطلاق وإنما يقبله فإذا كان العوض فاسدا سقط ورجع إلى مهر المثل فصل وإذا خالع امرأة في مرضه ومات لم يعتبر البدل من الثلث سواء حابى أو لم يحاب لانه لا حق للورثة في بضع ( المرأة ) ولهذا لو طلق من غير عوض لم تعتبر قيمة البضع من الثلث فإن خالعت المرأة زوجها في مرضها وماتت فإن لم يزد العوض على مهر المثل اعتبر من رأس المال لان الذي بذلت بقيمة ما ملكته فأشبه إذا اشترت متاعا بثمن المثل وإن زاد على مهر المثل اعتبرت الزيادة من الثلث لانه لا يقابلها بدل فاعتبرت من الثلث كالهبة فإن خالعت على عبد قيمته مائة ومهر مثلها خمسون فقد حابت بنصفه فإن لم يخرج النصف من الثلث بأن كان عليها ديون تستغرق قيمة العبد فالزوج بالخيار بين أن يقر العقد في العبد فيستحق نصفه وبين أن يفسخ العقد فيه ويستحق مهر المثل ويضرب به مع الغرماء لان الصفقة تبعضت عليه وإن خرج النصف من الثلث أخذ جميع العبد نصفه بمهر المثل ونصفه بالمحاباة ومن أصحابنا من قال هو بالخيار بين أن يقر العقد في العبد وبين أن يفسخ العقد فيه ويستحق مهر المثل لانه تبعضت عليه الصفقة من طريق الحكم لانه دخل على أن ( يكون ) جميع العبد له عوضا وقد صار نصفه عوضا ونصفه وصية والمذهب الأول لان الخيار إنما يثبت بتبعيض الصفقة لما يلحقه من الضرر لسوء المشاركة ولا ضرر عليه ههنا لانه صار جميع العبد له فلم يثبت له الخيار باب جامع في الخلع إذا قالت المرأة للزوج طلقني على ألف فقال خالعتك أو حرمتك أو أبنتك على ألف ونوى الطلاق صح الخلع وقال أبو علي بن خيران لا يصح لانها سألت الطلاق بالصريح فأجاب بالكناية والمذهب الأول لانها استدعت الطلاق والكناية مع النية طلاق فإن قالت طلقني بألف فقال خالعتك بألف ولم ينو الطلاق وقلنا إن الخلع فسخ لم يستحق العوض لانها استدعت فرقة ينقص بها العدد ولم يجبها إلى ذلك فإن قالت اخلعني فقال طلقتك وقلنا إن الخلع فسخ ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه لم يجب إلى ما سألت فهو كالقسم قبله والثاني يصح وهو المذهب لانها استدعت فرقة لا ينقص بها العدد فأجاب إلى فرقة ينقص بها العدد ( فحصل ) لها ما طلبت وزيادة فصل وإن قالت طلقني ثلاثا ولك علي ألف فطلقها طلقة استحق ثلث الألف ( لانها جعلت ) الألف في مقابلة الثلاث فكان في مقابلة كل طلقة ثلث الألف وإن طلقها طلقة ونصفا ففيه وجهان أحدهما يستحق ثلثي الألف لانها طلقت طلقتين والثاني يستحق نصف الألف لانه أوقع نصف الثلاث وإنما كملت بالشرع لا بفعله فإن قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ثلاثا فأعطته بعض الألف لم يقع شيء لان ما كان من جهته طريقه الصفات ولم توجد الصفة فلم يقع وما كان من جهتها طريقه الأعواض فقسم على عدد الطلاق وإن بقيت له على مرأته طلقة فقالت له طلقني ثلاثا ولك علي ألف فطلقها واحدة فالمنصوص أنه يستحق الألف واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس وأبو إسحق المسألة مفروضة في امرأة علمت أنه لم يبق لها إلا طلقة فيكون معنى قولها طلقني ثلاثا أي كمل لي الثلاث كرجل أعطى رجلا نصف درهم فقال له أعطني درهما أي كمل لي درهما وأما إذا ظنت أن لها الثلاث لم يجب أكثر من ثلث الألف لانها بذلت الألف في مقابلة الثلاث فوجب أن يكون لكل طلقة ثلث الألف
ومن أصحابنا من قال يستحق الألف بكل حال لان القصد من الثلاث تحريمها إلى أن تنكح زوجا غيره وذلك يحصل بهذه الطلقة فاستحق بها الجميع وقال المزني رحمه الله لا يستحق إلا ثلث الألف علمت أو لم تعلم لان التحريم يتعلق بها وبطلقتين قبلها كما إذا شرب ثلاثة أقداح فسكر كان السكر بالثلاث وإذا فقأ عين الأعور كان العمى بفقء الباقية وبالمفقوءة قبلها وهذا خطأ لان لكل قدح تأثيرا في السكر ولذهاب العين الأولى تأثيرا في العمى ولا تأثير للأولى والثانية في التحريم لانه لو كان لهما تأثير في التحريم لكمل لانه لا يتبعض وإن ملك عليها ثلاث تطليقات فقالت له طلقني طلقة بألف فطلقها ثلاثا استحق الألف لانه فعل ما طلبته وزيادة فصار كما لو قال من رد عبدي فلانا فله دينار فرده مع عبدين آخرين فإن قالت طلقني عشرا بألف فطلقها واحدة ففيه وجهان أحدهما يجب له عشر الألف لانها جعلت لكل طلقة عشر الألف والثاني ( يجب ) له ثلث الألف لان ما زاد على الثلاث لا يتعلق به حكم وإن طلقها ثلاثا فله على الوجه الأول ثلاثة أعشار الألف وعلى الوجه الثاني له جميع الألف وإن بقيت له طلقة فقالت له طلقني ثلاثا على ألف طلقة أحرم بها ( عليك ) وطلقتين في نكاح آخر إذا نكحتني فطلقها ثلاثا وقعت طلقة ولا يصح ما زاد لانه سلف في الطلاق ولانه طلاق قبل النكاح فإن قلنا إن الصفقة لا تفرق سقط المسمى ووجب مهر المثل وإن قلنا تفرق الصفقة ففيما يستحق قولان أحدهما ثلث الألف والثاني جميع الألف كما قلنا في البيع فصل وإن قال أنت طالق على ألف وطالق وطالق لم تقع الثانية والثالثة لانها بانت بالأولى وإن قال أنت طالق وطالق وطالق على ألف وقال أردت الأولى بالألف لم يقع ما بعدها لانها بانت بالأولى وإن قال أردت الثانية بالألف فإن قلنا يصح خلع الرجعية وقعت الأولى رجعية وبانت الثانية ولم تقع الثالثة وإن قلنا لا يصح خلع الرجعية وقعت الأولى رجعية والثانية رجعية وبانت بالثالثة وإن قال أردت الثالثة بالألف فقد ذكر بعض أصحابنا أنه يصح ويستحق الألف قولا واحدا لانه يحصل بالثالثة من التحريم ما لا يحصل بغيرها وعندي أنه لا يستحق الألف على القول الذي يقول إنه لا يصح خلع الرجعية لان الخلع يصادف رجعية وإن قال أردت الثلاث بالألف لم تقع الثانية والثالثة لان الأولى وقعت بثلث الألف وبانت بها فلم يقع ما بعدها فصل وإن قال أنت طالق وعليك ألف طلقت ولا يستحق عليها شيئا لانه أوقع الطلاق من غير عوض ثم استأنف إيجاب العوض من غير طلاق فإن كان ذلك بعد الدخول فله أن يراجع لانه طلق من غير عوض وإن قال أنت طالق على أن عليك ألفا فقبلت صح الخلع ووجب المال لان تقديره أنت طالق على ألف فإذا قبلت وقع الطلاق ووجب المال فصل إذا قال إن دفعت إلي ألف درهم فأنت طالق فإن نويا صنفا من الدراهم صح الخلع وحمل الألف على ما نويا لانه عوض معلوم وإن لم ينويا صنفا نظرت فإن كان في موضع فيه نقد غالب حمل العقد عليه لان إطلاق العوض يقتضي نقد البلد كما نقول في البيع وإن لم يكن فيه نقد غالب فدفعت إليه ألف درهم بالعدد دون الوزن لم تطلق لان الدراهم في عرف الشرع بالوزن وإن دفعت إليه ألف درهم نقرة لم تطلق لانه لا يطلق اسم الدراهم على النقرة وإن دفعت إليه ألف درهم فضة طلقت لوجود ( الصفة ) ويجب ردها لان العقد وقع على عوض مجهول ويرجع بمهر المثل لانه تعذر الرجوع إلى المعوض فوجب بدله وإن دفعت إليه دراهم مغشوشة فإن كانت الفضة فيها تبلغ ألف درهم طلقت لوجود الصفة وإن كانت الفضة فيها ألف درهم لم تطلق لان الدراهم لا تطلق إلا على الفضة فصل وإن قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته عبدا
تملكه طلقت سليما كان أو معيبا قنا كان أو مدبرا لان اسم العبد يقع عليه ويجب رده والرجوع بمهر المثل لانه عقد ( وقع ) على مجهول وإن دفعت إليه مكاتبا أو مغصوبا لم تطلق لانها لا تملك العقد عليه وإن قال إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق فأعطته وهو مغصوب ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أنها لا تطلق ( لانه لا يملك العقد ) كما لو خالعها على عبد غير معين فأعطته عبدا مغصوبا والثاني وهو المذهب أنها تطلق لانها أعطته ما عينه ويخالف إذا خالعها على عبد غير معين لان هناك أطلق العقد فحمل على ما يقتضيه العقد والعقد يقتضي دفع عبد تملكه فصل وإن اختلف الزوجان فقال الزوج طلقتك على مال وأنكرت المرأة بانت بإقراره ولم يلزمها المال لان الأصل عدمه وإن قال طلقتك بعوض فقالت طلقتني بعوض بعد مضي الخيار بانت بإقراره والقول في العوض قولها لان الأصل براءة ذمتها وإن اختلفا في قدر العوض أو في عينه أو في صفته أو في تعجيله أو في تأجيله تحالفا لانه عوض في عقد معاوضة فتحالفا فيه على ما ذكرناه كالبيع فإذا تحالفا لم يرتفع الطلاق وسقط المسمى ووجب مهر المثل كما لو اختلفا في ثمن السلعة بعدما تلفت في يد المشتري وإن خالعها على ألف درهم واختلفا فيما نويا فادعى أحدهما صنفا وادعى الآخر صنفا آخر تحالفا ومن أصحابنا من قال لا يصح للاختلاف في النية لان ضمائر القلوب لا تعلم والأول هو المذهب لانه لما جاز أن تكون النية كاللفظ في صحة العقد عند الاتفاق وجب أن تكون كاللفظ عند الاختلاف ولانه قد يكون بينهما أمارات يعرف بها ما في القلوب ولهذا يصح الاختلاف في كنايات القذف والطلاق وإن قال أحدهما ( خالعت ) على ألف درهم وقال الآخر ( خالعت ) على ألف مطلق تحالفا لان أحدهما يدعي الدراهم والآخر يدعي مهر المثل وإن بقيت له طلقة فقالت له طلقني ثلاثا على ألف فطلقها قلنا إنها إن علمت ما بقي استحق الألف وإن لم تعلم لم يستحق إلا ثلث الألف وإن اختلفا فقالت المرأة لم أعلم وقال الزوج بل علمت تحالفا ورجع الزوج إلى مهر المثل لانه اختلاف في عوض الطلقة وهي تقول بذلت ثلث الألف في مقابلتها وهو يقول بذلت الألف فصل اختلافهم في الخلع وإن قال خالعتك على ألف وقالت بل خالعت غيري بانت المرأة لاتفاقهما على الخلع والقول في العوض قولها لانه يدعي عليها حقا والأصل عدمه وإن قال خالعتك على ألف وقالت خالعتني على ألف ضمنها عني زيد لزمها الألف لانها أقرت به ولا شيء على زيد إلا أن يقر به وإن قال خالعتك على ألف في ذمتك فقالت بل خالعتني على ألف لي في ذمة زيد تحالفا لان الزوج يدعي عوضا في ذمتها وهي تدعي عوضا في ذمة غيرها وصار كما لو ادعى أحدهما أن العوض عنده وادعى آخر أنه عند آخر كتاب الطلاق يصح الطلاق من كل زوج بالغ عاقل مختار فأما غير الزوج فلا يصح طلاقه وإن قال إذا تزوجت امرأة فهي طالق لم يصح لما روى المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك وأما الصبي فلا يصح طلاقه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق فأما من لا يعقل فإنه إن لم يعقل بسبب يعذر فيه كالنائم والمجنون والمريض ومن شرب دواء للتداوي فزال عقله أو أكره على شرب الخمر حتى سكر لم يقع طلاقه لانه نص في الخبر على النائم والمجنون وقسنا عليهما الباقين وإن لم يعقل بسبب لا يعذر فيه كمن شرب الخمر لغير عذر فسكر أو شرب دواء لغير حاجة فزال عقله فالمنصوص في السكران أنه ( يصح ) طلاقه وروى المزني أنه قال في القديم لا يصح ظهاره والطلاق والظهار واحد
فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يصح وهو اختيار المزني وأبي ثور لانه زائل العقل فأشبه النائم أو مفقود الإرادة فأشبه المكره والثاني أنه يصح وهو الصحيح لما روى أبو وبرة الكلبي قال أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه فأتيته في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن وطلحة والزبير رضي الله عنهم فقلت إن خالدا يقول إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فقال عمر هم هولاء عندك فسألهم فقال علي عليه السلام تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فقال عمر أبلغ صاحبك ما قال فجعلوه كالصاحي ومنهم من قال يصح طلاقه قولا واحدا ولعل ما رواه المزني حكاه الشافعي رحمه الله عن غيره وفي علته ثلاثة أوجه أحدها وهو قول أبي العباس أن سكره لا يعلم إلا منه وهو متهم في دعوى السكر لفسقه فعلى هذا يقع الطلاق في الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل والثاني أنه يقع طلاقه تغليظا عليه لمعصيته فعلى هذا يصح ما فيه تغليظ عليه كالطلاق والعتق والردة وما يوجب الحد ولا يصح ما فيه تخفيف كالنكاح والرجعة وقبول الهبات والثالث ا إنه لما كان سكره بمعصية أسقط حكمه فجعل كالصاحي فعلى هذا يصح منه الجميع وهذا هو الصحيح لان الشافعي رحمه الله نص على صحة رجعته فصل في طلاق المكره وأما المكره فإنه ينظر فإن كان إكراهه بحق كالمولى إذا أكرهه الحاكم على الطلاق وقع طلاقه لانه قول حمل عليه بحق فصح كالحربي إذا أكره على الإسلام وإن كان بغير حق لم يصح لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح كالمسلم إذا أكره على كلمة الكفر ولا يصير مكرها إلا بثلاثة شروط أحدها أن يكون المكره قاهرا له لا يقدر على دفعه والثاني أن يغلب على ظنه أن الذي يخافه من جهته يقع به والثالث أن يكون ما يهدده به مما يلحقه ضرر به كالقتل والقطع والضرب المبرح والحبس الطويل والاستخفاف بمن يغض منه ذلك من ذوي الأقدار لانه يصير مكرها بذلك وأما الضرب القليل في حق من لا يبالي به والاستخفاف بمن لا يغص منه أو أخذ القليل من المال ممن لا يتبين عليه أو الحبس القليل فليس بإكراه وأما النفي فإن كان فيه تفريق بينه وبين الأهل فهو إكراه وإن لم يكن فيه تفريق بينه وبين الأهل ففيه وجهان أحدهما أنه إكراه لانه جعل النفي عقوبة كالحد ولانه تلحقه الوحشة بمفارقة الوطن والثاني ليس بإكراه لتساوي البلاد في حقه وإذا أكره على الطلاق فنوى الإيقاع ففيه وجهان أحدهما لا يقع لان اللفظ يسقط حكمه بالإكراه وبقيت النية من غير لفظ فلم يقع بها الطلاق والثاني أنه يقع لانه صار بالنية مختارا فصل في طلاق الجاهل بالمعنى وإن قال ( العجمي ) لامرأته أنت طالق وهو لا يعرف معناه ولا نوى موجبه لم يقع الطلاق كما لو تكلم بكلمة الكفر وهو لا يعرف ( معناها ) ولم يرد موجبه وإن أراد موجبه بالعربية ففيه وجهان أحدهما وهو قول الماوردي البصري أنه يقع لانه قصد موجبه فلزمه حكمه والثاني وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله أنه لا يصح كما لا يصير كافرا إذا تكلم بكلمة الكفر وأراد موجبه بالعربية فصل فيما يملك الحر ويملك الحر ثلاث تطليقات لما روى أبو رزين الأسدي قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت قول الله عز وجل الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فأين الثلاثة قال تسريح بإحسان الثالثة ويملك العبد طلقتين لما روى الشافعي رحمه الله أن مكاتبا لام سلمة طلق امرأته وهي حرة تطليقتين وأراد أن يراجعها فأمره أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان رضي الله عنه فيسأله فذهب إليه فوجده آخذا بيد زيد بن ثابت فسألهما عن ذلك فابتدراه وقالا حرمت عليك ( حرمت عليك )
فصل في حكم الطلاق ويقع الطلاق على أربعة أوجه واجب ومستحب ومحرم ومكروه فأما الواجب فهو في حالتين أحدهما إذا وقع الشقاق ورأى الحكمان الطلاق وقد بيناه في النشوز والثاني إذا آلى منها ولم يفىء إليها ونذكره في الإيلاء إن شاء الله تعالى وأما المستحب فهو في حالتين إحداهما إذا كان يقصر في حقها في العشرة أو في غيرها فالمستحب أن يطلقها لقوله عز وجل فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ولانه إذا لم يطلقها في هذه الحال لم يومن أن يفضي إلى الشقاق أو إلى الفساد والثاني ألا تكون المرأة عفيفة فالمستحب أن يطلقها لما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال النبي صلى الله عليه وسلم طلقها ولانه لا يأمن أن تفسد عليه الفراش وتلحق به نسبا ليس منه فصل في المحرم من الطلاق وأما المحرم فهو طلاق البدعة وهو اثنان أحدهما طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حمل والثاني طلاق من يجوز أن تحبل في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل والدليل عليه ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده مرة أخرى ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده أخرى ثم يمسكها حتى تطهر من حيضها فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء ولانه إذا طلقها في الحيض أضر بها في تطويل العدة وإذا طلقها في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل لم يأمن أن تكون حاملا فيندم على مفارقتها مع الولد ولانه لا يعلم هل علقت بالوطء فتكون عدتها بالحمل أو لم تعلق فتكون عدتها بالأقراء وأما طلاق غير المدخول بها في الحيض فليس بطلاق بدعة لأنه لا يوجد تطويل العدة فأما طلاقها في الحيض وهي حامل على القول الذي يقول إن الحامل تحيض فليس ببدعة وقال أبو إسحق هو بدعة لانه طلاق في الحيض والمذهب الأول لما روى سالم أن بن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل ولان الحامل تعتد بالحمل فلا يوثر الحيض في تطويل عدتها وأما طلاق من لا تحمل في الطهر المجامع فيه وهي الصغيرة الآيسة ( من الحيض ) فليس ببدعة لان تحريم الطلاق للندم على الولد أو للريبة بما تعتد به من الحمل والأقراء وهذا لا يوجد في حق الصغيرة والآيسة وأما طلاقها بعدما استبان حملها فليس ببدعة لان المنع للندم على الولد وقد علم بالولد أو للارتياب بما تعتد به وقد زال ذلك بالحمل وإن طلقها في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه وقع الطلاق لان ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها فدل على أن الطلاق وقع والمستحب أن يراجعها لحديث ابن عمر رضي الله عنه ولانه بالرجعة يزول المعنى الذي لاجله حرم الطلاق وإن لم يراجعها جاز لان الرجعة إما أن تكون كابتداء النكاح أو كالبقاء على النكاح ولا يجب واحد منهما فصل في المكروه من الطلاق وأما المكروه فهو الطلاق من غير سنة ولا بدعة والدليل عليه ما روى محارب بن دثار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها فصل في المستحب من الطلاق
وإن أراد الطلاق فالمستحب أن يطلقها طلقة واحدة لانه يمكنه تلافيها وإن أراد الثلاث فرقها في كل طهر طلقة ليخرج من الخلاف فإن عند أبي حنيفة لا يجوز جمعها ولانه يسلم من الندم وإن جمعها في طهر واحد جاز لما روي أن عويمرا العجلاني قال عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لاعن امرأته كذبت عليها إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا سبيل لك عليها ولو كان جمع ( الطلاق ) الثلاث محرما لأنكر عليه فإن جمع الثلاث أو أكثر بكلمة واحدة وقع الثلاث لما روى الشافعي رحمه الله أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت ( بها ) إلا واحدة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو لم يقع الثلاث إذا أرادها بهذا اللفظ لم يكن لاستحلافه ( معنى ) وروي أن رجلا قال لعثمان رضي الله عنه إني طلقت امرأتي مائة فقالع ثلاث يحرمنها وسبعة وتسعون عدوان وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل طلق امرأته ألفا فقال ثلاث منهن يحرمن عليه وما بقي فعليه وزره فصل في التفويض ويجوز أن يفوض الطلاق إلى امرأته لما روت عائشة رضي الله عنها قالت لما أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير ( نسائه ) بدأ بي فقال إني مخبرك خبرا وما أحب أن تصنعي شيئا حتى تستأمري أبويك ثم قال إن الله تعالى قال قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا إلى قوله منكن أجرا عظيما فقلت أو في هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلته وإذا فوض الطلاق إليها فالمنصوص أن لها أن تطلق ما لم يتفرقا عن المجلس أو يحدث ما يقطع ذلك وهو قول أبي العباس بن القاص وقال أبو إسحق لا تطلق إلا على الفور لانه تمليك يفتقر إلى القبول فكان القبول فيه على الفور كالبيع وحمل قول الشافعي رحمه الله على أنه أراد مجلس الخيار لا مجلس القعود وله أن يرجع فيه قبل أن تطلق وقال أبو علي بن خيران ليس له أن يرجع لانه طلاق معلق بصفة فلم يجز الرجوع فيه كما لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق وهذا خطأ لانه ليس بطلاق معلق بصفة وإنما هو تمليك يفتقر إلى القبول يصح الرجوع فيه قبل القبول كالبيع وإن قال لها طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة وقعت لان من ملك إيقاع ثلاث طلقات ملك إيقاع طلقة كالزوج وإن قال لها طلقي نفسك طلقة فطلقت ثلاثا وقعت الطلقة لان من ملك إيقاع طلقة إذا أوقع الثلاث وقعت الطلقة كالزوج إذا بقيت له طلقة فطلق ثلاثا وإن قال لوكيله طلق امرأتي جاز أن يطلق متى شاء لانه توكيل مطلق فلم يقتض التصرف على الفور كما لو وكله في بيع وإن قال له طلق امرأتي ثلاثا فطلقها طلقة أو قال طلق امرأتي ( واحدة ) فطلقها ثلاثا ففيه وجهان أحدهما أنه كالزوجة في المسألتين والثاني لا يقع ( به ) لانه فعل غير ما وكل فيه فصل هل يسرى الجزء على الكل وتصح إضافة الطلاق إلى جزء من المرأة كالثلث والربع واليد والشعر لانه لا يتبعض وكان إضافته إلى الجزء كالإضافة إلى الجميع كالعفو عن القصاص وفي كيفية وقوعه وجهان أحدهما يقع على الجميع باللفظ لانه لما لم يتبعض كان تسمية البعض كتسمية الجميع
والثاني أنه يقع على الجزء المسمى ثم يسري لان الذي سماه هو البعض ولا يجوز إضافته إلى الريق والحمل لانه ليس بجزء منها وإنما هو مجاور لها وإن قال بياضك طالق أو سوادك طالق أو لونك طالق ففيه وجهان أحدهما يقع لانه من جملة الذات التي لا ينفصل عنها فهو كالأعضاء والثاني لا يقع لانها أعراض تحل في الذات فصل ويجوز إضافة الطلاق إلى الزوج بأن يقول لها أنا منك طالق أو يجعل الطلاق إليها فتقول أنت طالق لانه أحد الزوجين فجاز إضافة الطلاق إليه كالزوجة واختلف أصحابنا في إضافة العتق إلى المولى فمنهم من قال يصح وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لانه إزالة ملك يجوز بالصريح والكناية فجاز إضافته إلى المالك كالطلاق وقال أكثر أصحعابنا لا يصح والفرق بينه وبين الطلاق أن الطلاق يحل النكاح وهما مشتركان في النكاح والعتق يحل الرق والرق يختص به العبد والله أعلم باب ما يقع به الطلاق وما لا يقع لا يقع الطلاق إلا بصريح أو كناية مع النية فإن نوى الطلاق من غير صريح ولا كناية لم يقع الطلاق لان التحريم في الشرع علق على الطلاق ونية الطلاق ليست بطلاق ولان إيقاع الطلاق بالنية لا يثبت إلا بأصل أو بالقياس على ما ثبت بأصل وليس ههنا أصل ولا قياس على ما ثبت بأصل فلم يثبت فصل في تفسير الصريح والصريح ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح لان الطلاق ثبت له عرف الشرع واللغة والسراح والفراق ثبت لهما عرف الشرع فإنه ورد بهما القرآن فإذا قال لامرأته أنت طالق أو طلقتك أو أنت مطلقة أو سرحتك أو أنت مسرحة أو فارقتك أو أنت مفارقة وقع الطلاق من غير نية فإن خاطبها بأحد هذه الألفاظ ثم قال أردت غيرها فسبق لساني إليها لم يقبل لانه يدعي خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لانه يحتمل ما يدعيه وإن قال أنت طالق وقال أردت طلاقا من وثاق أو قال سرحتك وقال أردت تسريحا من اليد أو قال فارقتك وقال أردت فراقا بالجسم لم يقبل في الحكم لانه يدعي خلاف ما يقتضيه اللفظ في لعرف ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لانه يحتمل ما يدعيه فإن علمت المرأة صدقه فيما دين فيه الزوج جاز لها أن تقيم معه وإن رآهما الحاكم على الاجتماع ففيه وجهان أحدهما يفرق بينهما بحكم الظاهر لقوله صلى الله عليه وسلم أحكم بالظاهر والله عز وجل يتولى السرائر والثاني لا يفرق بينهما لانهما على اجتماع يجوز إباحته في الشرع وإن قال أنت طالق من وثاق أو سرحتك من اليد أو فارقتك بجسمي لم تطلق لانه اتصل بالكلام ما يصرف اللفظ عن حقيفته ولهذا إذا قال لفلان علي عشرة إلا خمسة لم يلزمه عشرة وإذا قال لا إله إلا الله لم يجعل كافرا ببتداء كلامه وإن قال أنت طالق ثم قال قلته هازلا وقع الطلاق ولم يدين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهم جد النكاح والطلاق ( والعتاق ) فصل في الجواب يرجع إلى السؤال قال في الإملاء لو قال له رجل طلقت امرأتك فقال نعم طلقت عليه في الحال لان الجواب يرجع إلى السوال فيصير كما لو قال طلقت ولهذا لو كان هذا جوابا عن دعوى لكان صريحا في الإقرار وإن قال أردت به في نكاح قبله فإن كان لما قاله أصل قبل منه لان اللفظ يحتمله وإن لم يكن له أصل لم يقبل لانه يسقط حكم اللفظ وإن قال له أطلقت امرأتك فقال له قد كان بعض ذلك وقال أردت أني كنت علقت طلاقها بصفة قبل منه لانه يحتمله اللفظ وإن قال لامرأته أنت طالق لولا أبوك لطلقتك لم تطلق لان قوله أنت طالق لولا أبوك ليس بإيقاع طلاق وإنما هو يمين بالطلاق وأنه لولا أبوها لطلقها فتصير كما لو قال والله لولا أبوك لطلقتك فصل في تفسير ألفاظ الكناية
وأما الكناية فهي كثيرة وهي الألفاظ التي تشبه الطلاق وتدل على الفراق وذلك مثل قوله أنت بائن وخلية وبرية وبتة وبتلة وحرة وواحدة وبيني وابعدي واغربي واذهبي واستفلحي والحقي بأهلك وحبلك على غاربك واستتري وتقنعي واعتدي وتزوجي وذوقي وتجرعي وما أشبه ذلك فإن خاطبها بشيء من ذلك ونوى به الطلاق وقع وإن لم ينو لم يقع لانه يحتمل الطلاق وغيره فإذا نوى به الطلاق صار طلاقا وإذا لم ينو به الطلاق لم يصر طلاقا كالإمساك عن الطعام والشراب لما احتمل الصوم وغيره إذا نوى به الصوم صار صوما وإذا لم ينو به الصوم لم يصر صوما وإن قال أنا منك طالق أو جعل الطلاق إليها فقالت طلقتك أو أنت طالق فهو كناية يقع ( به ) الطلاق مع النية ولا يقع من غير نية لان استعمال هذا اللفظ في الزوج غير متعارف وإنما يقع به الطلاق مع النية من جهة المعنى فلم يقع به من غير نية كسائر الكنايات وإن قال له رجل ألك زوجة فقال لا فإن لم ينو به الطلاق لم تطلق لانه ليس بصريح وإن نوى به الطلاق وقع لانه يحتمل الطلاق فصل في الوقت الذي تعتبر فيه النية واختلف أصحابنا في الوقت الذي تعتبر فيه النية في الكنايات فمنهم من قال إذا قارنت النية بعض اللفظ من أوله أو من آخره وقع الطلاق كما أن في الصلاة إذا قارنت النية جزءا منها صحت الصلاة ومنهم من قال لا تصح حتى تقارن النية جميعها وهو أن ينوي ويطلق عقيبها وهو ظاهر النص لان بعض اللفظ لا يصلح للطلاق فلم تعمل النية معه فأما الصلاة فلا تصح حتى تقارن النية جميعها بأن ينوي الصلاة ويكبر عقيبها ومتى خلا جزء من التكبير عن النية لم تصح صلاته فصل فيما لا يشبه الطلاق وأما ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق من الألفاظ كقوله اقعدي واقربي واطعمي واسقيني وما أحسنك وبارك الله فيك وما أشبه ذلك فإنه لا يقع به الطلاق وإن نوى لان اللفظ لا يحتمل الطلاق فلو أوقعنا الطلاق لأوقعناه بمجرد النية وقد بينا أن الطلاق لا يقع بمجرد النية فصل واختلف أصحابنا في قوله أنت الطلاق فمنهم من قال هو كناية فإن نوى به الطلاق فهو طلاق لانه يحتمل أن يكون معناه أنت طالق وأقام المصدر مقام الفاعل كقوله تعالى أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا أراد غائرا وإن لم ينو لم يقع لان قوله أنت الطلاق لا يقتضي وقوع الطلاق ومنهم من قال هو صريح ويقع به الطلاق من غير نية لان لفظ الطلاق يستعمل في معنى طالق والدليل عليه قول الشاعر ( المتقارب ) أنوهت بسمي في العالمين وأفنيت عمري عاما فعاما فأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثا تماما وقال آخر ( الطويل ) فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق آلم فأنت الطلاق والطلاق عزيمة ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها إن كنت غير رفيقة فما لامرىء بعد الثلاثة مقدم فصل فيمن قال لامرأته كلي واشربي واختلفوا فيمن قال لامرأته كلي وشربي ونوى الطلاق فمنهم من قال لا يقع وهو قول أبي إسحاق لانه لا يدل على الطلاق فلم يقع به الطلاق كما لو قال أطعميني واسقيني ومنهم من قال يقع وهو الصحيح لانه يحتمل معنى الطلاق وهو أن يريد كلي ألم الفراق واشربي كأس الفراق فوقع به الطلاق مع النية كقوله ذوقي وتجرعي فصل إذا قال لامرأته اختاري أو أمرك بيدك فقالت اخترت لم يقع الطلاق حتى ينويا لانه كناية لانها تحتمل الطلاق وغيره فلم يقع به الطلاق حتى يتفقا على نية الطلاق
وإن قال اختاري ونوى اختيار الطلاق أو قال أمرك بيدك ونوى تمليك أمر الطلاق فقالت اخترت الزوج لم يقع الطلاق لما روت عائشة رضي الله عنها قالت خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم تجعل ذلك طلاقا ولان اختيار الزوج اختيار النكاح لا يحتمل غيره فلم يقع به الطلاق فإن قالت اخترت نفسي لم يقع الطلاق حتى تنوي الطلاق لانه يحتمل أن يكون معناه اخترت نفسي للنكاح ويحتمل اخترت نفسي للطلاق ولهذا لو صرحت به جاز فلم يقع به الطلاق من غير نية وإن قالت اخترت الأزواج ونوت الطلاق ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق لأنه لا يقع لان الزوج من الأزواج والثاني يقع وهو الأظهر عندي لانها لا تحل للأزواج إلا بمفارقته كما لو قال لها الزوج تزوجي ونوى به الطلاق وإن قالت اخترت أبوي ونوت الطلاق ففيه وجهان أحدهما لا يقع الطلاق لان اختيار الأبوين لا يقتضي فراق الزوج والثاني أنه يقع لانه يتضمن العود إليهما بالطلاق فصار كقوله الحقي بأهلك وإن قال لها أمرك بيدك ونوى به إيقاع الطلاق ففيه وجهان أحدهما لا يقع الطلاق لانه صريح في تمليك الطلاق وتعليقه على قبولها فلم يجز صرفه إلى الإيقاع والثاني أنه يقع لان اللفظ يحتمل الإيقاع فهو كقوله حبلك على غاربك فصل إذا قال لامرأته أنت علي حرام ونوى به الطلاق فهو طلاق لانه يحتمل التحريم بالطلاق وإن نوى به الظهار فهو ظهار لانه يحتمل التحريم بالظهار ولا يكون ظهاا ولا طلاقا من غير نية لانه ليس بصريح في واحد منهما وإن نوى تحريم عينها لم تحرم لما روى سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى بن عباس رضي الله عنه فقال إني جعلت مرأتي علي حراما قال كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم إلى آخر الآية ويجب عليه بذلك كفارة يمين لان النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية القبطية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم فوجبت الكفارة في الأمة بالآية وقسنا الحرة عليها لانها في معناها في تحليل البضع وتحريمه وإن قال أنت علي حرام ولم ينو شيئا ففيه قولان أحدهما يجب عليه الكفارة فعلى هذا يكون هذا اللفظ صريحا في إيجاب الكفارة لان كل كفارة وجبت بالكناية مع النية كان لوجوبها صريح ككفارة الظهار والثاني لا يجب فعلى هذا لا يكون هذا اللفظ صريحا في شيء لان ما كان كناية في جنس لا يكون صريحا في ذلك الجنس ككنايات الطلاق وإن قال لامته أنت علي حرام فإن نوى به العتق كان عتقا لانه يحتمل أنه أراد تحريمها بالعتق وإن نوى الظهار لم يكن ظهارا لان الظهار لا يصح من الأمة وإن نوى تحريم عينها لم تحرم ووجب عليه كفارة يمين لما ذكرناه وإن لم يكن له نية ففيه طريقان من أصحابنا من قال يجب عليه الكفارة قولا واحدا لعموم الآية ومنهم من قال فيه قولان كالقولين في الزوجة لما ذكرناه وإن كان له نسوة أو إماء فقال أنتن علي حرام ففي الكفارة قولان أحدهما يجب لكل واحدة كفارة والثاني يجب كفارة واحدة كالقولين فيمن ظاهر من نسوة وإن قال لامرأته أنت علي كالميتة والدم فإن نوى به الطلاق فهو طلاق وإن نوى به الظهار فهو ظهار وإن نوى به تحريمها لم تحرم وعليه كفارة يمين لما ذكرناه في لفظ التحريم وإن لم ينو شيئا فإن قلنا إن لفظ التحريم صريح في إيجاب الكفارة لزمته الكفارة لان ذلك كناية عنه وإن قلنا إنه كناية لم يلزمه شيء لان الكناية لا يكون لها كناية فصل إذا كتب طلاق امرأته بلفظ صريح ولم ينو
لم يقع الطلاق لان الكتابة تحتمل إيقاع الطلاق وتحتمل امتحان الخط فلم يقع الطلاق بمجردها وإن نوى بها الطلاق ففيه قولان قال في الإملاء لا يقع به الطلاق لانه فعل ممن يقدر على القول فلم يقع به الطلاق كالإشارة وقال في الأم هو طلاق وهو الصحيح لانها حروف يفهم منها الطلاق فجاز أن يقع بها الطلاق كالنطق فإذا قلنا بهذا فهل يقع بها الطلاق من الحاضر والغائب فيه وجهان أحدهما أنه يقع بها إلا في حق الغائب لانه جعل في العرف لإفهام الغائب كما جعلت الإشارة لإفهام الأخرس ثم لا يقع الطلاق بالإشارة إلا في حق الأخرس وكذلك لا يقع الطلاق بالكتابة إلا في حق الغائب والثاني أنه يقع بها من الجميع لانها كناية فاستوى فيها الحاضر والغائب كسائر الكنايات فصل فإن أشار إلى الطلاق فإن كان لا يقدر على الكلام كالأخرس صح طلاقه بالإشارة وتكون إشارته صريحا لانه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة وحاجته إلى الطلاق كحاجة غيره فقامت الإشارة مقام العبارة وإن كان قادرا على الكلام لم يصح طلاقه بالإشارة لان الإشارة إلى الطلاق ليست بطلاق وإنما قامت مقام العبارة في حق الأخرس لموضع الضرورة ولا ضرورة ههنا فلم تقم مقام العبارة باب عدد الطلاق والاستثناء فيه إذا خاطب امرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق كقوله أنت طالق أو بائن أو بتة أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع لما روي أن ركانة بن عبد يزيد قال يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه فدل على أنه لو زاد على واحدة لوقع ولان اللفظ يحتمل العدد بدليل أنه يجوز أن يفسره به وهو أن يقول أنت طالق طلقتين أو ثلاثا أو بائن بطلقتين وثلاث وما احتمله اللفظ إذا نواه وقع به الطلاق كالكناية وإن قال أنت واحدة ونوى طلقتين أو ثلاثا ففيه وجهان أحدهما يقع لانه يحتمل أن يكون معناه أنت طالق واحدة مع واحدة أو مع ثنتين والثاني لا يقع ما زاد على واحدة لانه صريح في واحدة ولا يحتمل ما زاد فلو أوقعنا ما زاد لكن إيقاع طلاق بالنية من غير لفظ وذلك لا يجوز وإن قال لها اختاري وقالت المرأة خترت فإن اتفقا على عدد ونوياه وقع ما نوياه وإن اختلفا فنوى أحدهما طلقة ونوى الآخر ما زاد لم يقع ما زاد على طلقة لان الطلاق يفتقر إلى تمليك الزوج وإيقاع المرأة وإذا نوى أحدهما طلقة ونوى الآخر ما زاد لم يقع لانه لم يوجد الإذن والإيقاع إلا في طلقة فلم يقع ما زاد فصل وإن قال أنت وأشار بثلاث أصابع ونوى الطلاق الثلاث لم يقع شيء لان قوله أنت ليس من ألفاظ الطلاق فلو أوقعنا الطلاق لكان بالنية من غير لفظ وإن قال أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع وقع الثلاث لان الإشارة بالأصابع مع قوله هكذا بمنزلة النية في بيان العدد وإن قال أردت بعدد الإصبعين المقبوضتين قبل لانه يحتمل ما يدعيه وإن قال أنت طالق وأشار بالأصابع ولم يقل هكذا وقال أردت واحدة ولم أرد العدد قبل لانه يحتمل ما يدعيه فصل وإن قال أنت طالق واحدة في ثنتين نظرت فإن نوى طلقة واحدة مع ثنتين وقعت ثلاث لان في تستعمعل بمعنى مع والدليل عليه قوله عز وجل فادخلي في عبادي وادخلي جنتي والمراد مع عبادي فإن لم يكن له نية نظرت فإن لم يعرف الحساب ولا نوى مقتضاه في الحساب طلقت طلقة واحدة بقوله أنت طالق ولا يقع بقوله في اثنتين شيء لانه لا يعرف مقتضاه فلم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعرف معناه وإن نوى مقتضاه في الحساب ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي بكر الصيرفي أنه يقع طلقتان لانه أراد موجبه في الحساب وموجبه في الحساب طلقتان
والثاني وهو المذهب أنه لا يقع إلا طلقة واحدة لانه إذا لم يعلم مقتضاه لم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعلم وقال أردت مقتضاه في العربية فإن كان عالما بالحساب نظرت فإن نوى موجبه في الحساب طلقت طلقتين لان موجبه في الحساب طلقتان وإن قال أردت واحدة في ثنتين باقيتين طلقت واحدة لانه يحتمل ما يدعيه كقوله له عندي ثوب في منديل وأراد في منديل لي وإن لم يكن له نية فالمنصوص أنها تطلق طلقة لان هذا اللفظ غير متعارف عند الناس ( ويحتمل طلقة في طلقتين واقعتين ) ويحتمل طلقة في طلقتين باقيتين فلا يجوز أن يوقع بالشك وقال أبو إسحق يحتمل أن تطلق طلقتين لانه عالم بالحساب ويعلم أن الواحدة في اثنتين طلقتان في الحساب فصل وإن قال أنت طالق طلقة بل طلقتان ففيه وجهان أحدهما يقع طلقتان كما إذا قال له علي درهم بل درهمان لزمه درهمان والثاني يقع الثلاث والفرق بينه وبين الإقرار أن الإقرار إخبار يحتمل التكرار فجاز أن يدخل الدرهم في الخبرين والطلاق إيقاع فلا يجوز أن يوقع الطلاق الواحد مرتين فحمل على طلاق مستأنف ولهذا لو أقر بدرهم في يوم ثم أقر بدرهم في يوم آخر لم يلزمه إلا درهم ولو طلقها في يوم ثم طلقها في يوم آخر كانتا طلقتين فصل وإن قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث لان الجميع صادف الزوجية فوقع الجميع كما لو قال ذلك للمدخول بها وإن قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم يكن له نية وقعت الأولى دون الثانية والثالثة وحكي عن الشافعي رحمه الله في القديم أنه قال يقع الثلاث فمن أصحابنا من جعل ذلك قولا واحدا وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لان الكلام إذا لم ينقطع ارتبط بعضه ببعض فصار كما لو قال أنت طالق ثلاثا وقال أكثر أصحابنا لا يقع أكثر من طلقة وما حكي عن القديم إنما هو حكاية عن مالك رحمه الله ليس بمذهب له لانه تقدمت الأولى فبانت بها فلم يقع ما بعدها فصل وإن قال للمدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق نظرت فإن ( كان ) أراد به التأكيد لم يقع أكثر من طلقة لان التكرار يحتمل التأكيد وإن أراد الاستئناف وقع بكل لفظة طلقة لانه يحتمل الاستئناف وإن أراد بالثاني التأكيد وبالثالث الاستئناف وقع طلقتان وإن لم يكن له نية ففيه قولان قال في الإملاء يقع طلقة لانه يحتمل التكرار والاستئناف فلا يقع ما زاد على طلقة بالشك وقال في الأم يقع الثلاث لان اللفظ الثاني والثالث كاللفظ الأول فإذا وقع بالأول طلاق وجب أن يقع بالثاني والثالث مثله وأما إذا غاير بينها في الحروف بأن قال أنت طالق وطالق ثم طالق ولم يكن له نية وقع بكل لفظة طلقة لان المغايرة بينها تسقط حكم التأكيد فإن ادعى أنه أراد التأكيد لم يقبل في الحكم لانه يخالف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ما يدعيه وإن قال أنت طالق وطالق وطالق وقع بالأول طلقة وبالثاني طلقة لتغاير اللفظين ويرجع في الثالث إليه لانه لم يغاير بينه وبين الثاني فهو كقوله أنت طالق أنت طالق وإن غاير بين الألفاظ ولم يغاير بالحروف بأن قال أنت طالق أنت مسرحة أنت مفارقة ففيه وجهان أحدهما أن حكمه حكم المغايرة في الحروف لانه إذا تغير الحكم بالمغايرة بالحروف فلأن يتغير بالمغايرة في لفظ الطلاق أولى والثاني أن حكمه حكم اللفظ الواحد لان الحروف هي العاملة في اللفظ وبها يعرف الاستئناف ولم توجد المغايرة في الحروف فصل وإن قال أنت طالق بعض طلقة وقعت طلقة لان ما لا يتبعض من الطلاق كان تسمية بعضه كتسمية جميعه كما لو قال بعضك طالق وإن قال أنت طالق نصفي طلقة وقعت طلقة لان نصفي طلقة هي طلقة وإن قال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة ففيه وجهان أحدهما أنه يقع طلقتان لان ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف فكمل النصف فصار طلقتين
والثاني تطلق طلقة لانه أضاف الأنصاف الثلاثة إلى طلقة وليس للطلقة إلا نصفان فألغى النصف الثالث وإن قال أنت طالق نصفي طلقتين وقعت طلقتان لانه يقع من كل طلقة نصفها ثم يسري فيصير طلقتين وإن قال أنت طالق نصف طلقتين ففيه وجهان أحدهما تقع طلقة واحدة لان نصف الطلقتين طلقة والثاني أنه تقع طلقتان لانه يقتضي النصف من كل واحدة منهما ثم يكمل النصفان فيصير الجميع طلقتين وإن قال أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة طلقت واحدة لانها أجزاء الطلقة وإن قال أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة وقع ثلاث طلقات لان بدخول حروف لعطف وقع بكل جزء طلقة وسرى إلى الباقي وإن قال ( لها ) أنت نصف طالق طلقت كما لو قال نصفك طالق وإن قال أنت نصف طلقة ففيه وجهان أحدهما أنه كناية فلا يقع به طلاق من غير نية والثاني أنه صريح فتقعع به طلقة بناء على الوجهين فيمن قال لامرأته أنت الطلاق فصل وإن كان له أربع نسوة فقال أوقعت عليكن أو بينكن طلقة طلقت كل واحدة منهن طلقة لانه يخص كل واحدة منهن ربع طلقة وتكمل بالسراية وإن قال أوقعت عليكن أو بينكن طلقتين أو ثلاثا أو أربعا وقع على كل واحدة طلقة لانه إذا قسم بينهن لم يزد نصيب كل واحدة منهن على طلقة وإن قال أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين وقع على كل واحدة طلقتان وإن قال ( أردت ) أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات وقع على كل واحدة ثلاث طلقات لانه مقر على نفسه بما فيه تغليظ واللفظ محتمل له وإن قال أوقعت عليكن خمسا وقع على كل واحدة طلقتان لانه يصيب كل واحدة طلقة وربع وكذلك إن قال أوقعت عليكن ستا أو سبعا أو ثمانيا وإن قال أوقعت عليكن تسعا طلقت كل واحدة ثلاثا وإن قال أوقعت بينكن نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة طلقت كل واحدة ثلاثا لانه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن ثم يكمل فصل وإن قال أنت طالق ملء الدنيا أو أنت طالق أطول الطلاق أو أعرضه وقعت طلقة لان شيئا من ذلك لا يقتضي العدد وقد تتصف الطلقة الواحدة بذلك كله فصل وإن قال أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه وقعت طلقة لانه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه لتعجلها أو لحبه لها أو لحبه لها أو لحبها له فلم يقع ما زاد بالشك وإن قال أنت طالق كل الطلاق أو أكثره وقع الثلاث لانه كل الطلاق وأكثره فصل وإن قال للمدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقة طلقت طلقتين لان الجميع يصادف الزوجية وإن قال أردت بعدها طلقة أوقعها لم يقبل في الحكم لان الظاهر أنه طلاق ناجز ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ما يدعيه وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة وقعت طلقتان وفي كيفية وقوع ما قبلها وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة يقع مع التي أوقعها لان إيقاعها فيما قبلها إيقاع طلاق في زمان ماض فلم يعتبر كما لو قال أنت طالق أمس وقال أبو إسحق يقع قبلها اعتبارا بموجب لفظه كما لو قال أنت طالق قبل موتي بشهر ثم مات بعد شهر ويخالف قوله أنت طالق أمس لانا لو أوقعناه في أمس تقدم الوقوع على الإيقاع وههنا يقع الطلاقان بعد الإيقاع وإن قال أردت بقولي قبلها طلقة في نكاح قبله فإن كان لما قاله أصل قبل منه لانه يحتمل ما يدعيه وإن لم يكن له أصل لم يقبل منه لانه لا يحتمل ما يدعيه فصل وإن قال لها أنت طالق طلقة قبلها طلقة وبعدها طلقة طلقت ثلاثا على ما ذكرناه وإن قال لها أنت طالق طلقة وبعدها طلقة طلقت ثلاثا لانه يقع بقوله أنت طالق طلقة ويقع قبلها نصف طلقة وبعدها نصف طلقة ثم يكمل النصفان فيصير الجميع ثلاثا
فصل وإن قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقة لم تقع الثانية لانها بائن بالأولى فلم تقع الثانية وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة ففيه وجهان أحدهما لا تطلق ( لان وقوع طلقة عليها يوجب وقوع طلقة قبلها ووقوع ) ما قبلها يمنع وقوعها فتمانعا بالدور وسقطا والثاني وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أنها تطلق طلقة ليس قبلها شيء لان وقوع ما قبلها يوجب إسقاطها وإسقاط ما قبلها فوجب إثباتها وإسقاط ما قبلها وإن قال أنت طالق طلقة معها طلقة ففيه وجهان أحدهما أنها تطلق واحدة وهو قول المزني لانه أفردها فجاز كما لو قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة والوجه الثاني أنها تطلق طلقتين لانهما يجتمعان في لوقوع فلا تتقدم إحداهما على لأخرى فهو كما لو قال أنت طالق طلقتين وإن قال أنت طالق طلقتين ونصفا طلقت طلقتين لانه جمع بين الطلقتين في الإيقاع فبانت بهما ثم أوقع النصف بعدما بانت فلم يقع فصل إذا قال لامرأته أنت طالق طلقة لا تقع عليك طلقت لانه أوقع الطلاق ثم أراد رفعه والطلاق إذا وقع لم يرتفع وإن قال أنت طالق أو لا لم تطلق لانه ليس بإيقاع فصل ويصح الاستثناء في الطلاق لانه لغة العرب ونزل به القرآن وحروفه إلا وغير وسوى وخلا وعدا وحاشى فإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وقعت طلقتان وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين وقعت طلقة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا طلقت ثلاثا لان الاستثناء يرفع المستثنى منه فيسقط وبقي الثلاث وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين وطلقة ففيه وجهان أحدهما يقع الثلاث لانه استثنى ثلاثا من ثلاث والثاني تقع طلقة لان الاستثناء الثاني هو الباطل فسقط وبقي الاستثناء الأول وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة طلقت ثلاثا لانه يبقى طلقتان ونصف ثم يسري النصف إلى الباقي فيصير ثلاثا وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة وقعت طلقة لان المعطوف على الاستثناء مضموم إلى الاستثناء ولهذا إذا قال له علي مائة إلا خمسة وعشرين ضمت الخمسة إلى لعشرين في الاستثناء ولزمه ما بقي وإن قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة ففيه وجهان أحدهما تطلق طلقة لان الواو في الاسمين المنفردين كالتثنية فيصير كما لو قال أنت طالق طلقتين إلا طلقة والثاني وهو المنصوص أنها تطلق طلقتين لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلقة وستثناء طلقة من طلقة باطل فسقط وبقي طلقتان وإن قدم الاستثناء على المستثنى منه بأن قال أنت إلا واحدة طالق ثلاثا فقد قال بعض أصحابنا أنه لا يصح الاستثناء فيقع الثلاث لان الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم من كلامه ويحتمل عندي أنه يصح الاستثناء فيقع طلقتان لان التقديم والتأخير في ذلك لغة العرب قال الفرزدق يمدح هشام ابن إبراهيم بن المغيرة خال هشام بن عبد الملك ( الطويل ) وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه تقديره وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبو الممدوح فصل ويصح الاستثناء من الاستثناء لقوله عز وجل إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فاستثنى آل لوط من المجرمين وستثنى من آل لوط امرأته وإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين إلا طلقة طلقت طلقتين لان تقديره أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين فلا يقعان إلا طلقة فتقع وإن قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا ففيه وجهان أحدهما أنها تطلق ثلاثا لانه لا يقع من الخمس إلا ثلاث فصار كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا والثاني أنها تطلق طلقتين لانه لما وصل بالاستثناء علم أنه قصد الحساب وإن قال أنت طالق خمسا إلا ثنتين طلقت على الوجه الأول طلقة وعلى الوجه الثاني تطلق ثلاثا وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا ثنتين ففيه ثلاثة أوجه أحدها يقع الثلاث لان الاستثناء الأول يرفع المستثنى منه فيبطل والاستثناء الثاني فرع عليه فسقط وبقي الثلاث
والثاني تطلق طلقتين لانه لما وصله بالاستثناء صار كأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا ثم أثبت ثنتين والثالث تقع طلقة لان الاستثناء الأول لا يصح فسقط وبقي الاستثناء الثاني فيصير كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين فصل وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة وقال أبوها شئت واهدة لم تطلق لان الاستثناء من الإثبات نفي فيصير تقديره أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة فلا يقع طلاق فصل وإن قال امرأتي طالق أو عبدي حر أو لله علي كذا أو والله لأفعلن كذا إن شاء الله أو بمشيئعة الله أو ما لم يشإ الله لم يصح شيء من ذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين ثم قال إن شاء الله كان له ثنيا وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ولانه علق هذه الأشياء على مشيئة الله تعالى ومشيئته لا تعلم فلم يلزم بالشك شيء وإن قال أنت طالق إلا أن يشاء الله ففيه وجهان أحدهما لا تطلق لانه مقيد بمشيئة الله تعالى فأشبه إذا قال أنت طالق إن شاء الله والثاني وهو المذهب أنها تطلق لانه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة الله تعالى ومشيئة الله لا تعلم فسقط حكم رفعه وبقي حكم ثبوته ويخالف إذا قال أنت طالق إن شاء الله فإنه علق الوقوع على مشيئة الله تعالى فصل ولا يصح الاستثناء في جميع ما ذكرناه إلا أن يكون متصلا بالكلام فإن نفصل عن الكلام من غير عذر لم يصح لان العرف في الاستثناء أن يتصل بالكلام فإن انفصل لضيق النفس صح الاستثناء لانه كالمتصل في العرف ولا يصح إلا أن يقصد إليه فأما إذا كانت عادته في كلامه أن يقول إن شاء الله فقال إن شاء الله على عادته لم يكن ستثناء لانه لم يقصده واختلف أصحابنا في وقت نية الاستثناء فمنهم من قال لا يصح إلا أن يكون ينوي ذلك من بتداء الكلام ومنهم من قال إذا نوى قبل الفراغ من الكلام جاز فصل إذا قال يا زانية أنت طالق إن شاء الله أو أنت طالق يا زانية إن شاء الله رجع الاستثناء إلى الطلاق ولا يرجع إلى قوله يا زانية لان الطلاق إيقاع فجاز تعليقه بالمشيئة وقوله يا زانية صفة فلا يصح تعليقها بالمشيئة ولهذا يصح أن يقول أنت طالق إن شاء الله ولا يصح أن يقول أنت زانية إن شاء الله وإن كانت له مرأتان حفصة وعمرة فقال حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله لم تطلق واحدة منهما وإن قال حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله فقد قال بعض أصحابنا تطلق حفصة ولا تطلق عمرة لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلاق عمرة ويحتمل عندي ألا تطلق واحدة منهما لان المجموع بالواو كالجملة الواحدة فصل وإن طلق بلسانه واستثنى بقلبه نظرت فإن قال أنت طالق ونوى بقلبه إن شاء الله لم يصح الاستثناء ولم يقبل في الحكم ولا يدين فيه لان اللفظ أقوى من النية لان اللفظ يقع به الطلاق من غير نية والنية لا يقع بها الطلاق من غير لفظ فلو أعملنا النية لرفعنا القوي بالضعيف وذلك لا يجوز كنسخ الكتاب بالسنة وترك النص بالقياس وإن قال نسائي طوالق واستثنى بالنية بعضهن دين فيه لانه لا يسقط اللفظ بل يستعمله في بعض ما يقتضيه بعمومه وذلك يحتمل فدين فيه ولا يقبل في الحكم وقال أبو حفص الباب بشامى يقبل في الحكم لان اللفظ يحتمل العموم والخصوص وهذا غير صحيح لانه وإن حتمل الخصوص إلا أن الظاهر العموم فلا يقبل في الحكم دعوى الخصوص
فإن قال امرأتي طالق ثلاثا واستثنى بقلبه إلا طلقة أو طلقتين لم يقبل في الحكم لانه يدعي خلاف ما يقتضيه اللفظ وهل يدين فيه وجهان أحدهما يدين لانه لا يسقط حكم اللفظ وإنما يخرج بعض ما يقتضيه فدين فيه كما لو قال نسائي طوالق واستثنى بالنية بعضهن والثاني لا يدين وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله لانه يسقط ما يقتضيه اللفط بصريحه بما دونه من النية وإن قال لاربع نسوة أربعكن طالق واستثنى بعضهن بالنية لم يقبل في الحكم وهل يدين فيه وجهان أحدهما يدين والثاني لا يدين ووجههما ما ذكرناه في المسألة قبلها باب الشرط في الطلاق إذا علق الطلاق بشرط لا يستحيل كدخول الدار ومجيء الشهر تعلق به فإذا وجد الشرط وقع وإذا لم يوجد لم يقع لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المومنون عند شروطهم ولان الطلاق كالعتق لان لكل واحد منهما قوة وسراية ثم العتق إذا علق على شرط وقع بوجوده ولم يقع قبل وجوده فكذلك الطلاق فإن علق الطلاق على شرط ثم قال عجلت ما كنت علقت على الشرط لم تطلق في الحال لانه تعلق بالشرط ولا يتغير وإذا وجد الشرط طلقت وإن قال أنت طالق ثم قال أردت إذا دخلت الدار أو إذا جاء رأس الشهر لم يقبل في الحكم لانه يدعي خلاف ما يقتضيه اللفظ بظاهره ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لانه يدعي صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله فدين فيه كما لو قال أنت طالق وادعى أنه أراد طلاقا من وثاق فإن قال أنت طالق إن دخلت الدار وقال أرعدت الطلاق في الحال ولكن سبق لساني إلى الشرط لزمه الطلاق في الحال لانه أقر على نفسه بما يوجب التغليظ من غير تهمة فصل والألفاظ التي تستعمل في الشرط في الطلاق من وإن وإذا ومتى وأي وقت وكلما وليس في هذه الألفاظ ما يقتضي التكرار إلا قوله كلما فإنه يقتضي التكرار فإذا قال من دخلت الدار فهي طالق أو قال لامرأته إن دخلت الدار أو إذا دخلت الدار أو متى دخلت الدار أو أي وقت دخلت الدار فأنت طالق فوجد الدخول وقع الطلاق وإن تكرر الدخول لم يتكرر الطلاق لان اللفظ لا يقتضي التكرار وإن قال كلما دخلت الدار فأنت طالق فدخلت طلقت وإن تكرر الدخول تكرر الطلاق لان اللفظ يقتضي التكرار فصل وإن كانت له مرأة لا سنة في طلاقها ولا بدعة وهي الصغيرة التي لم تحض أو الكبيرة التي يئست من الحيض أو الحامل أو التي لم يدخل بها فقال لها أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة طلقت لوجود الصفة وإن قال أنت طالق للسنة أو للبدعة أو أنت طالق للسنة والبدعة طلقت لانه وصفها بصفة لا تتصف بها فلغت الصفة وبقي الطلاق فوقع فإن قال للصغيرة أو الحامل أو التي لم يدخل بها أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة وقال أردت به إذا صارت من أهل سنة الطلاق أو بدعته طلقت في الحال ولم يقبل ما يدعيه في الحكم لان اللفظ يقتضي طلاقا ناجزا ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ما يدعيه وإن كانت له امرأة لها سنة وبدعة في الطلاق وهي المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء فقال لها أنت طالق للسنة فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه طلقت في الحال لوجود الصفة وإن كانت في حيض أو في طهر جامعها فيه لم تطلق في الحال لعدم الصفة وإذا طهرت من غير جماع طلقت لوجود الصفة وإن قال أنت طالق للبدعة فإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه طلقت في الحال لوجود الصفة وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه لم تطلق في الحال لفقد الصفة فإذا جامعها أو حاضت طلقت لوجود الصفة
وإن قال أنت طالق للسنة إن كنت في هذه الحالة ممن يقع عليها طلاق السنة فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه طلقت لوجود الصفة وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه لم تطلق في الحال لعدم الصفة وإن صارت في طهر لم تجامع فيه لم تطلق أيضا لانه شرط أن تكون للسنة وأن تكون في تلك الحال وذلك لا يوجد بعد انقضاء الحال وإن قال لها أنت طالق للسنة وللبدعة أو أنت طالق طلقة حسنة قبيحة طلقت في الحال طلقة لانه لا يمكن إيقاع طلقة على هاتين الصفتين فسقطت الصفتان وبقي الطلاق فوقع وإن قال أنت طالق طلقتين طلقة للسنة وطلقة للبدعة طلقت في الحال طلقة فإذا صارت في الحالة الثانية طلقت طلقة وإن قال أنت طالق طلقتين للسنة وللبدعة ففيه وجهان أحدهما يقع طلقة في حال السنة وطلقة في حال البدعة لانه يمكن إيقاعها على الصفتين فلم يجز إسقاطهما والثاني يقع في الحال طلقتان لان الظاهر عود الصفتين إلى كل واحدة من الطلقتين وإيقاع كل واحدة منهما على الصفتين لا يمكن فلغت الصفتان ووقعت الطلقتان وإن قال أنت طالق ثلاثا للسنة وقع الثلاث في طهر لم يجامعها فيه لان ذلك طلاق للسنة وإن قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة وقع في الحال طلقتان لان إضافة الطلاق إليهما يقتضي التسوية فيقع في الحال طلقة ونصف ثم يكمل فيصير طلقتين ويقع الباقي في الحالة الأخرى وإن قال أردت بالبعض طلقة في هذه الحال وطلقتين في الحالة الأخرى ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أنه لا يقبل قوله في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يدعي ما يتأخر به الطلاق فصار كما لو قال أنت طالق وادعى أنه أراد إذا دخلت الدار والثاني وهو المذهب أنه يقبل في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لان البعض يقع على القليل والكثير حقيقة ويخالف دعوى دخول الدار فإن الظاهر إنجاز الطلاق فلم تقبل في الحكم دعوى التأخير فصل وإن قال إن قدم فلان فأنت طالق فقدم وهي في طهر لم يجامع فيه وقع طلاق سنة وإن قدم وهي حائض أو في طهر جامعها فيه وقع طلاق بدعة إلا أنه لا يأثم لانه لم يقصد كما إذا رمى صيدا فأصاب آدميا فقتله فإن القتل صادف محرما لكنه لم يأثم لعدم القصد وإن قال إن قدم فلان فأنت طالق للسنة فقدم وهي في حال السنة طلقت وإن قدم وهي في حال البدعة لم تطلق حتى تصير إلى حال السنة لانه علقه بعد القدوم بالسنة فصل وإن قال أنت طالق أحسن الطلاق وأكمله وأعدله وما أشبهها من الصفات الحميدة طلقت للسنة لانه أحسن الطلاق وأكمله وأعدله وإن قال أردت به طلاق البدعة واعتقدت أن الأعدل والأكمل في حقها لسوء عشرتها أن تطلق للبدعة نظرت فإن كان ما يدعيه من ذلك أغلظ عليه بأن تكون في الحال حائضا أو في طهر جامعها فيه وقع طلاق بدعة لان ما ادعاه أغلظ عليه واللفظ يحتمله فقبل منه وإن كان أخف عليه بأن كانت في طهر لم يجامع فيه دين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ما يدعيه ولا يقبل في الحكم لانه مخالف للظاهر فإن قال أنت طالق أقبح الطلاق وأسمجه وما أشبههما من صفات الذم طلقت في حال البدعة لانه أقبح الطلاق وأسمجه وإن قال أردت طلاق السنة واعتقدت أن طلاقها أقبح الطلاق وأسمجه لحسن دينها وعشرتها فإن كان ذلك أغلظ عليه لما فيه من تعجيل الطلاق قبل منه لانه أغلظ عليه واللفظ يحتمله وإن كان أخف عليه لما فيه من تأخير الطلاق دين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ( ما يدعيه ) ولا يقبل في الحكم لانه مخالف للظاهر وإن قال أنت طالق طلاق الحرج طلقت للبدعة لان الحرج فيما خالف السنة وأثم ( به ) فصل وإن قال لها وهي حائض إذا طهرت فأنت طالق
طلقت بانقطاع الدم لوجود الصفة وإن قال لها ذلك وهي طاهر لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر لان إذا سم للزمان المستقبل فاقتضى فعلا مستأنفا ولهذا لو قال لرجل حاضر إذا جئتني فلك دينار لم يستحق بهذا الحضور حتى يغيب ثم يجيئه وإن قال لها وهي طاهر إن حضت فأنت طالق طلقت بروية الدم وإن قال لها ذلك وهي حائض لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض لما ذكرناه في الطهر فإن قال لها وهي حائض إن طهرت طهرا فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض لانه لا يوجد طهر كامل إلا أن تطعن في الحيض الثاني وإن قال لها ذلك وهي طاهر لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض لان الطهر الكامل لا يوجد إلا بما ذكرناه وإن قال إن حضت حيضة فأنت طالق فإن كانت طاهرا لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر وإن كانت حائضا لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر لما ذكرناه في الطهر فصل وإن قال أنت طالق ثلاثا في كل قرء طلقة نظرت فإن كانت لها سنة وبدعة في طلاقها نظرت فإن كانت حاملا طلقت في الحال طلقة لان الحمل قرء يعتد به وإن كانت تحيض على الحمل لم تطلق في إطهارها لانها ليست بأقراء ولهذا لا يعتد بها فإن راجعها قبل الوضع وطهرت في النفاس وقعت طلقة أخرى فإذا حاضت وطهرت وقعت الثالثة وإن كانت غير مدخول بها وقعت عليها طلقة وبانت فإن كانت صغيرة مدخولا بها طلقت في الحال طلقة فإن لم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر بانت وإن راجعها لم تطلق في الطهر بعد الرجعة لانه هو ( الطهر ) الذي وقع فيه الطلاق فصل وإن قال إن حضت فأنت طالق فقالت حضت فصدقها طلقت وإن كذبها فالقول قولها مع يمينها لانه لا يعرف الحيض إلا من جهتها وإن قال لها قد حضت فأنكرت طلقت بإقراره وإن قال إن حضت فضرتك طالق فقالت حضت فإن صدقها طلقت ضرتها وإن كذبها لم تطلق لان قولها يقبل على الزوج في حقها ولا يقبل على غيرها إلا بتصديق الزوج كالمودع يقبل قوله في رد الوديعة على المودع ولا يقبل في الرد على غيره وإن قال إذا حضت فأنت وضرتك طالقان فقالت حضت فإن صدقها طلقتا وإن كذبها وحلفت طلقت هي ولم تطلق ضرتها وإن صدقتها الضرة على حيضها لم يوثر تصديقها ولكن لها أن تحلف الزوج على تكذيبها وإن قال إذا حضتما فأنتما طالقان فإن قالتا حضنا فصدقهما طلقتا وإن كذبهما لم تطلق واحدة منهما لان طلاق كل واحدة منهما معلق على شرطين حيضها وحيض صاحبتها ولا يقبل قول كل واحدة منهما إلا في حيضها في حقها نفسها دون صاحبتها ولم يوجد الشرطان وإن صدق إحداهما وكذب الأخرى طلقت المكذبة لانها غير مقبولة القول على صاحبتها ومقبولة القول في حق نفسها وقد صدق الزوج صاحبتها فوجد الشرطان في طلاقها فطلقت والمصدقة مقبولة القول في حيضها في حق نفسها وقد صدقها الزوج وقول صاحبتها غير مقبول في حيضها في طلاقها ولم يوجد الشرطان في حقها فلم تطلق فصل وإن قال لامرأتين إن حضتما حيضة فأنتما طالقان ففيه وجهان أحدهما أن هذه الصفة لا تنعقد لانه يستحيل اجتماعهما في حيضة فبطل والثاني أنهما إذا حاضتا وقع الطلاق لان الذي يستحيل هو قوله حيضة فيلغى لاستحالتها ويبقى قوله إن حضتما فيصير ما لو قال إن حضتما فأنتما طالقتان وقد بينا حكمه فصل وإن قال لاربع نسوة إن حضتن فأنتن طوالق
فقد علق طلاق كل واحدة منهن بأربع شرائط وهي حيض الأربع فإن قلن حضنا وصدقهن طلقن لانه قد وجد حيض الأربع وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن لانه لم يثبت حيض الأربع لان قول كل واحدة منهن لا يقبل إلا في حقها وإن صدق واحدة أو ثنتين لم تطلق واحدة منهن لانه لم يوجد الشرط وإن صدق ثلاثا وكذب واحدة طلقت المكذبة لان قولها مقبول في حيضها في حق نفسها وقد صدق الزوج صواحبها فوجد حيض الأربع في حقها فطلقت ولا تطلق المصدقات لان قول كل واحدة منهن مقبول في حيضها في حقها غير مقبول في حق صواحبها وقد بقيت واحدة ( منهن ) مكذبة فلم تطلق لاجلها فصل وإن قال لهن كلما حاضت واحدة منكن فصواحبها طوالق فقد جعل حيض كل واحدة منهن صفة لطلاق البواقي فإن قلن حضنا فصدقهن طلقت كل واحدة منهن ثلاثا لان لكل واحدة منهن ثلاث صواحب تطلق بحيض كل صاحبة طلقة فطلقت كل واحدة منهن ثلاثا وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن لان كل واحدة منهن وإن قبل قولها في حقها إلا أنه لا يقبل في حق غيرها وإن صدق واحدة منهن وقع على كل واحدة منهن طلقة لان لكل واحدة منهن صاحبة ثبت حيضها ولا يقع على المصدقة طلاق لانه ليس لها صاحبة ثبت حيضها وإن صدق ثنتين وقع على كل واحدة منهما طلقة لان لكل واحدة منهما صاحبة ثبت حيضها ويقع على كل واحدة من المكذبتين طلقتان لان لكل واحدة منهما صاحبتين ثبت حيضهما فإن صدق ثلاثا وقع على كل واحدة منهن طلقتان لان لكل واحدة منهن صاحبتين ثبت حيضهما ووقع على المكذبة ثلاث تطليقات لان لها ثلاث صواحب ثبت حيضهن فصل وإن قال لامرأته إن لم تكوني حاملا فأنت طالق لم يجز وطوها قبل الاستبراء لان الأصل عدم الحمل ووقوع الطلاق فإن لم يكن بها حمل طلقت وإن وضعت حملا لاقل من ستة أشهر من وقت عقد الطلاق لم تطلق لانا تيقنا أنها كانت حاملا عند العقد وإن وضعته لاكثر من أربع سنين طلقت طلقة لانا تيقنا أنها لم تكن حاملا عند العقد وإن وضعته لما بين ستة أشهر وأربعه سنين نظرت فإن لم يطأها الزوج في هذه المدة لم يقع الطلاق لانا حكمنا بأنها كانت حاملا عند العقد وإن كان وطئها نظرت فإن وضعته لاقل من ستة أشهر من وقت الوطء ولاكثر من ستة أشهر من وقت العقد لم يقع الطلاق لانا حكمنا أنها كانت حاملا وقت العقد وإن وضعته لاكثر من ستة أشهر من وقت العقد والوطء جميعا ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنها تطلق لانه يجوز أن يكون قبل الوطء ويجوز أن يكون حدث من الوطء والظاهر أنه حدث من الوطء لان الأصل فيما قبل الوطء العدم والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها لم تطلق لانه يحتمل أن يكون موجودا عند العقد ويحتمل أن يكون حادثا من الوطء بعده والأصل بقاء النكاح وإن قال لها إن كنت حاملا فأنت طالق فهل يحرم وطوها قبل الاستبراء فيه وجهان أحدهما لا يحرم لان الأصل عدم الحمل وثبوت الإباحة والثاني يحرم لانه يجوز أن تكون حاملا فيحرم وطوها ويجوز ألا تكون حاملا فيحل وطوها فغلب التحريم