Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإن قال والله لا وطئتك إن شئت فقالت في الحال شئت كان موليا وإن أخرت الجواب لم يكن موليا على ما ذكرناه في الطلاق فصل وإن قال لاربع نسوة والله لا وطئتكن لم يصر موليا حتى يطأ ثلاثا منهن لانه يمكنه أن يطأ ثلاثا منهن من غير حنث فلم يكن موليا وإن وطىء ثلاثا منهن صار موليا من الرابعة لانه لا يمكنه وطوها إلا بحنث ويكون بتداء المدة من الوقت الذي تعين فيه الإيلاء وإن طلق ثلاثا منهن كان الإيلاء موقوفا في الرابعة لا يتعين فيها لأنه يقدر على وطئها من غير حنث ولا يسقط منها لانه قد يطأ الثلاث المطلقات بنكاح أو سفاح فيتعين الإيلاء في الرابعة لانه يحنث بوطئها والوطء المحظور كالمباح في الحنث ولهذا قال في الأم ولو قال والله لا وطئتك وفلانة الأجنبية لم يكن موليا من مرأته حتى يطأ الأجنبية وإن ماتت من الأربع واحدة سقط الإيلاء في الباقيات لانه قد فات الحنث في الباقيات لان الوطء في الميتة قد فات ولان الإيلاء على الوطء وإطلاق الوطء لا يدخل فيه وطء الميتة ويدخل فيه الوطء المحرم وإن قال لاربع نسوة والله لا وطئت واحدة منكن وهو يريد كلهن صار موليا في الحال لانه يحنث بوطء كل واحدة منهن ويكون بتداء المدة من حين اليمين فأيتهن طالبت وقف لها فإن طلقها وجاءت الثانية وقف لها فإن طلقها وجاءت الثالثة وقف لها فإن طلقها وجاءت الرابعة وقف لها فإن طالبت الأولى فوطئها حنث وسقط الإيلاء فيمن بقي لانه لا يحنث بوطئهن بعد حنثه بوطء الأولى وإن طلق الأولى ووطىء الثانية سقط الإيلاء في الثالثة والرابعة وإن طلق الأولى والثانية ووطىء الثالثة سقط الإيلاء في الرابعة وحدها وإن قال والله لا وطئت واحدة منكن وأراد واحدة بعينها تعين الإيلاء فيها دون من سواها ويرجع في التعيين إلى بيانه لأنه لا يعرف إلا من جهته فإن عين واحدة وصدقته الباقيات تعين فيها وإن كذبه الباقيات حلف لهن فإن نكل حلفن وثبت فيهن حكم الإيلاء ينكوله وأيمانهن وإن قال والله لا وطئت واحدة منكن وهو يريد واحدة لا بعينها فله أن يعين فيمن شاء ويوخذ بالتعيين إذا طلبن ذلك فإذا عين في واحدة منهن لم يكن للباقيات مطالبة وفي بتداء المدة وجهان أحدهما من وقت اليمين والآخر من وقت التعيين كما قلنا في العدة في الطلاق إذا أوقعه في إحداهن لا بعينها ثم عينه في واحدة منهن وإن قال والله لا أصبت كل واحدة منكن فهو مول من كل واحدة منهن وابتداء المدة من حين اليمين فإن وطىء واحدة منهن حنث ولم يسقط الإيلاء في الباقيات لانه يحنث بوطء كل واحدة منهن فصل وإن كانت له مرأتان فقال لإحداهما والله لا أصبتك ثم قال للأخرى أشركتك معها لم يصر موليا من الثانية لان اليمين بالله عز وجل لا يصح إلا بلفظ صريح من اسم أو صفة والتشريك بينهما كناية فلم يصح بها اليمين بالله عز وجل وإن قال لإحداهما إن أصبتك فأنت طالق ثم قال للأخرى أشركتك معها ونوى صار موليا لان الطلاق يصح بالكناية فصل وإذا صح الإيلاء لم يطالب بشيء قبل أربعة أشهر لقوله عز وجل للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر وبتداء المدة من حين اليمين لانها ثبتت بالنص والإجماع فلم تفتقر إلى الحاكم كمدة العدة فإن آلى منها وهناك عذر يمنع من الوطء نظرت فإن كان لمعنى في الزوجة بأن كانت صغيرة أو مريضة أو ناشزة أو مجنونة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو معتكفة عن فرض لم تحسب المدة وإن طرأ شيء من هذه الأعذار في أثناء المدة نقطعت المدة لان المدة إنما ( ضربت ) لامتناع الزوج من الوطء وليس في هذه الأحوال من جهته متناع فإن زالت هذه الأعذار ستونفت المدة لان من شأن هذه المدة أن تكون متوالية فإذا نقطعت استونفت كصوم الشهرين المتتابعين
فإن كانت حائضا حسبت المدة فإن طرأ الحيض في أثنائها لم تنقطع لان الحيض عذر معتاد لا ينفك منه فلو قلنا إنه يمنع الاحتساب اتصل الضرر وسقط حكم الإيلاء ولهذا لا يقطع التتابع في صوم الشهرين المتتابعين وإن كانت نفساء ففيه وجهان أحدهما أنه يحتسب المدة لانه كالحيض في الأحكام فكذلك في الإيلاء والثاني لا يحتسب وإذا طرأ قطع لانه عذر نادر فهو كسائر الأعذار وإن كان العذر لمعنى في الزوج بأن كان مريضا أو مجنونا أو غائبا أو مجبوبا أو محرما أو صائما عن فرض أو معتكفا عن فرض حسبت المدة فإن طرأ شيء من هذه الأعذار في أثناء المدة لم تنقطع لان الامتناع من جهته والزوجية باقية فحسبت المدة عليه وإن آلى في حال الردة أو في عدة الرجعية لم تحتسب المدة وإن طرأت الردة أو الطلاق الرجعي في أثناء المدة انقطعت لان النكاح قد تشعث بالطلاق والردة فلم يكن للامتناع حكم وإن أسلم بعد الردة أو راجع بعد الطلاق وبقيت مدة التربص استونفت المدة لما ذكرناه فصل إذا طلقها في مدة التربص انقطعت المدة ولم يسقط الإيلاء فإن راجعها وقد بقيت مدة التربص استونفت المدة فإن وطئها حنث في اليمين وسقط الإيلاء لانه أزال الضرر وإن وطئها وهي نائمة أو مجنونة حنث في يمينه وسقط الإيلاء وإن استدخلت ذكره وهو نائم لم يحنث في يمينه لارتفاع القلم عنه وهل يسقط حقها فيه وجهان أحدهما يسقط لانها وصلت إلى حقها والثاني لا يسقط لان حقها في فعله لا في فعلها وإن وطئها وهو مجنون لم يحنث لارتفاع القلم عنه وهل يسقط حقها فيه وجهان أحدهما يسقط وهو الظاهر من المذهب لانها قد وصلت منه إلى حقها وإن لم يقصد فسقط حقها كما لو وطئها وهو يظن أنها امرأة أخرى والثاني وهو قول المزني أنه لا يسقط حقها لانه لا يحنث به فلم يسقط به الإيلاء فصل وإن وطئها وهناك مانع من إحرام أو صوم أو حيض سقط به حقها من الإيلاء لانها وصلت منه إلى حقها وإن كان بمحرم فصل وإن لم يطلقها ولم يطأها حتى انقضت المدة نظرت فإن لم يكن عذر يمنع الوطء ثبت لها المطالبة بالقيئة أو الطلاق لقوله عز وجل للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وإن كانت الزوجة أمة لم يجز للمولي المطالبة وإن كانت مجنونة لم يكن لوليها المطالبة لأن المطالبة بالطلاق أو الفيئة طريقها الشهوة فلا يقوم الولي فيه مقامها والمستحب أن ( يقول ) له في حق المجنونة اتق الله في حقها فإما أن تفيء إليها أو تطلقها وإن ثبتت لها المطالبة فعفت عنها الزوجة جاز لها أن ترجع وتطالب لانها إنما ثبت لها المطالبة لدفع الضرر بترك الوطء وذلك يتجدد مع الأحوال فجاز لها الرجوع كما لو أعسر بالنفقة فعفت عن المطالبة بالفسخ وإن طولب بالفئة فقال أمهلوني ففيه قولان أحدهما يمهل ثلاثة أيام لانه قريب والدليل عليه قوله عز وجل ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ولهذا قدر به الخيار في البيع والثاني يمهل قدر ما يحتاج إليه للتأهب للوطء فإن كان ناعسا أمهل إلى أن ينام وإن كان جائعا أمهل إلى أن يأكل وإن كان شبعان أمهل إلى أن يخف وإن كان صائما أمهل إلى أن يفطر لانه حق حمل عليه وهو قادر على أدائه فلم يمهل أكثر من قدر الحاجة كالدين الحال فصل وإن وطئها في الفرج فقد أوفاها حقها ويسقط الإيلاء وأدناه أن تغيب الحشفة في الفرج لان أحكام الوطء تتعلق به
وإن وطئها في الموضع المكروه أو وطئها فيما دون الفرج لم يعتد به لان الضرر لا يزول إلا بالوطء في الفرج فإن وطئها في الفرج فإن كانت اليمين بالله تعالى فهل تلزمه الكفارة فيه قولان قال في القديم لا تلزمه لقوله عز وجل فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم فعلق المغفرة بالفيئة فدل على أنه قد استغنى عن الكفارة وقال في الجديد تلزمه الكفارة وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ولانه حلف بالله تعالى وحنث فلزمته الكفارة كما لو حلف على ترك صلاة فصلاها وختلف أصحابنا في موضع القولين فمنهم من قال القولان فيمن جامع وقت المطالبة فأما إذا وطىء في مدة التربص فإنه يجب عليه الكفارة قولا واحدا لان بعد المطالبة الفيئة واجبة فلا يجب بها كفارة كالحلق عند التحلل ومنهم من قال القولان في الحالين ويخالف كفارة الحج فإنها تجب بالمحظور والحلق المحظور هو الحلق في حال الإحرام وأما الحلق عند التحلل فهو نسك وليس كذلك كفارة اليمين فإنها تجب بالحنث والحنث الواجب كالحنث بالمحظور في إيجاب الكفارة وإن كان الإيلاء على عتق وقع بنفس الوطء لانه عتق معلق على شرط فوقع بوجوده وإن كان على نذر عتق أو نذر صوم أو صلاة أو التصدق بمال فهو بالخيار بين أن يفي بما نذر وبين أن يكفر كفارة يمين لانه نذر ( نذرا ) على وجه اللجاج والغضب فيخير فيه بين الكفارة وبين الوفاء بما نذر وإن كان الإيلاء على الطلاق الثلاث طلقت ثلاثا لانه طلاق معلق على شرط فوقع بوجوده وهل يمنع من الوطء أم لا فيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن خيران أنه يمنع من وطئها لانها تطلق قبل أن ينزع فمنع منه كما يمنع في شهر رمضان أن يجامع وهو يخشى أن يطلع الفجر قبل أن ينزع والثاني وهو المذهب أنه لا يمنع لان الإيلاج صادف النكاح والذي يصادف غير النكاح هو النزع وذلك ترك الوطء وما تعلق التحريم بفعله لا يتعلق بتركه ولهذا لو قال لرجل دخل داري ولا تقم فيها جاز أن يدخل ثم يخرج وإن كان الخروج في حال الحظر وأنا مسألة الصوم فقد ذكر بعض أصحابنا أنها على وجهين أحدهما أنه لا يمنع فلا فرق بينها وبين مسألتنا فعلى هذا لا يزيد على تغييب الحشفة في الفرج ثم ينزع فإن زاد على ذلك أو ستدام لم يجب عليه الحد لانه وطء جتمع فيه التحليل والتحريم فلم يجب به الحد وهل يجب به المهر فيه وجهان أحدهما يجب كما تجب الكفارة على الصائم إذا أولج قبل الفجر وستدام بعد طلوعه والثاني لا يجب لان بتداء الوطء يتعلق به المهر الواجب بالنكاح لان المهر في مقابلة كل وطء يوجد في النكاح وقد تكون مفوضة فيجب عليه المهر بتغييب الحشفة فلو أوجبنا بالاستدامة مهرا أدى إلى إيجاب مهرين بإيلاج واحد وليس كذلك الكفارة فإنها لا تتعلق ببتداء الجماع فلا يودي إيجابها في الاستدامة إلى إيجاب كفارتين بإيلاج واحد وإن نزع ثم أولج نظرت فإن كانا جاهلين بالتحريم بأن عتقدا أن الطلاق لا يقع إلا بستكمال الوطء لم يجب عليهما الحد للشبهة فعلى هذا يجب المهر وإن كانا عالمين بالتحريم ففي الحد وجهان أحدهما أنه يجب لانه إيلاج مستأنف محرم من غير شبهة فوجب به الحد كالإيلاج في الأجنبية فعلى هذا لا يجب المهر لانها زانية والثاني لا يجب الحعد لان الإيلاجات وطء واحد فإذا لم يجب في أوله لم يجب في إتمامه فعلى هذا يجب لها المهر وإن علم الزوج بالتحريم وجهلت الزوجة أو علمت ولم تقدر على دفعه لم يجب عليها الحد ويجب لها المهر وفي وجوب الحد على الزوج وجهان وإن كان الزوج جاهلا بالتحريم وهي عالمة ففي وجوب الحد عليها وجهان أحدهما يجب فعلى هذا لا يجب لها المهر والثاني لا يجب فعلى هذا يجب لها المهر
فصل وإن طلق فقد سقط حكم الإيلاء وبقيت اليمين فإن متنع ولم يف ولم يطلق ففيه قولان قال في القديم لا يطلق عليه الحاكم لقوله صلى الله عليه وسلم الطلاق لمن أخذ بالساق ولان ما خير فيه الزوج بين أمرين لم يقم الحاكم فيه مقامه في الاختيار كما لو أسلم وتحته أختان فعلى هذا يحبس حتى يطلق أو يفيء كما يحبس إذا متنع من ختيار إحدى الأختين وقال في الجديد يطلق الحاكم عليه لان ما دخلت النيابة فيه وتعين مستحقه ومتنع من هو عليه قام الحاكم فيه مقامه كقضاء الدين فعلى هذا يطلق عليه طلقة وتكون رجعية وقال أبو ثور تقع طلقة بائنة لانها فرقة لدفع الضرر لفقد الوطء فكانت بائنة كفرقة العنين وهذا خطأ لانه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا ستيفاء عدد فكان رجعيا كالطلاق من غير إيلاء ويخالف فرقة العنين فإن تلك الفرقة فسخ وهذا طلاق فإذا وقع الطلاق ولم يراجع حتى بانت ثم تزوجها والمدة باقية فهل يعود الإيلاء على ما ذكرناه في عود اليمين في النكاح الثاني فإن قلنا يعود فإن كانت المدة باقية استونفت مدة الإيلاء ثم طولب بعد نقضائها بالفيئة أو الطلاق فإن راجعها والمدة باقية ستونفت المدة وطولب بالفيئة أو الطلاق وعلى هذا إلى أن يستوفي الثلاث فإن عادت إليه بعد استيفاء الثلاث والمدة باقية فهل يعود الإيلاء على قولين فصل وإن انقضت المدة وهناك عذر يمنع الوطء نظرت فإن كان لمعنى فيها كالمرض والجنون الذي لا يخاف منه أو الإغماء الذي لا تمييز معه أو الحبس في موضع لا يصل إليه أو الإحرام أو الصوم الواجب أو الحيض أو النفاس لم يطالب لان المطالبة تكون مع الاستحقاق وهي لا تستحق الوطء في هذه الأحوال فلم تجز المطالبة به وإن كان العذر من جهته نظرت فإن كان مغلوبا على عقله لم يطالب لانه لا يصلح للخطاب ولا يصلح منه جواب فإن كان مريضا مرضا يمنع الوطء أو حبس بغير حق حبسا يمنع الوصول إليه طولب أن يفيء فيئة المعذور بلسانه وهو أن يقول لست أقدر على الوطء ولو قدرت لفعلت فإذا قدرت فعلت وقال أبو ثور لا يلزمه الفيئة باللسان لان الضرر بترك الوطء لا يزول بالفيئة باللسان وهذا خطأ لان القصد بالفيئة ترك ما قصد إليه من الإضرار وقد ترك القصد إلى الإضرار بما أتى به من الاعتذار ولان القول مع العذر يقوم مقام الفعل عند القدرة ولهذا نقول إن إشهاد الشفيع على طلب الشفعة في حال الغيبة يقوم مقام الطلب في حال الحضور في إثبات الشفعة وإذا فاء باللسان ثم قدر طولب بالوطء لانه تأخر بعذر فإذا زال العذر طولب به فصل وإن انقضت المدة وهو غائب فإن كان الطريق آمنا فلها أن توكل من يطالبه بالمسير إليها أو بحملها إليه أو بالطلاق وإن كان الطريق غير آمن فاء فيئة معذور إلى أن يقدر فإن لم يفعل أخذ بالطلاق فصل وإن نقضت المدة وهو محرم قيل له إن وطئت فسد إحرامك وإن لم تطأ أخذت بالطلاق فإن طلقها سقط حكم الإيلاء وإن وطئها فقد أوفاها حقها وفسد نسكه وإن لم يطأ ولم يطلق ففيه وجهان أحدهما يقتنع منه بفيئة معذور إلى أن يتحلل لانه غير قادر على الوطء فأشبه المريض والمحبوس والثاني لا يقتنع منه وهو ظاهر النص لانه متنع من الوطء بسبب من جهته فصل وإن نقضت المدة وهو مظاهر قيل له إن وطئت قبل التكفير أثمت للظهار وإن لم تطأ أخذت بالطلاق فإن قال أمهلوني حتى أشتري رقبة أكفر بها أمهل ثلاثة أيام وإن قال أمهلوني حتى أكفر بالصيام لم يمهل ( لان مدة الصيام ) تطول
وإن أراد أن يطأها قبل أن يكفر وقالت المرأة لا أمكنك من الوطء لاني محرمة عليك فقد ذكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله إنه ليس لها أن تمتنع فإن متنعت سقط حقها من المطالبة كما نقول فيمن له دين على رجل فأحضر مالا فامتنع صاحب الحق من أخذه وقال لا آخذه لانه مغصوب إنه يلزمه أن يأخذه أو يبرئه من الدين وعندي أن لها أن تمتنع لانه وطء محرم فجاز لها أن تمتنع منه كوطء الرجعية ويخالف صاحب الدين فإنه يدعي أنه مغصوب والذي عليه الدين يدعي أنه ماله والظاهر معه فإن اليد تدل على الملك وليس كذلك وطء المظاهر منها فإنهما متفقان على تحريمه فنظيره من المال أن يتفقا على أنه مغصوب فلا يجبر صاحب الدين على أخذه فصل وإن نقضت المدة فادعى أنه عاجز ولم يكن قد عرف حاله أنه عنين أو قادر وجهان أحدهما وهو ظاهر النص أنه يقبل قوله لان التعنين من العيوب التي لا يقف عليها غيره فقبل قوله فيه مع اليمين فإن حلف طولب بفيئة معذور أو يطلق والوجه الثاني أنه لا يقبل قوله لانه متهم فعلى هذا يوخذ بالطلاق فصل وإن آلى المجبوب وقلنا إنه يصح إيلاوه أو آلى وهو صحيح الذكر وانقضت المدة وهو مجبوب فاء فيئة معذور وهو أن يقول لو قدرت فعلت فإن لم يفيء أخذ بالطلاق فصل وإن اختلف الزوجان في انقضاء المدة فادعت المرأة انقضاءها وأنكر الزوج فالقول قول الزوج لان الأصل أنها لم تنقض ولان هذا ختلاف في وقت الإيلاء فكان القول فيه قوله وإن ختلفا في الإصابة فادعى الزوج أنه أصابها وأنكرت المرأة فعلى ما ذكرناه في العنين كتاب الظهار الظهار محرم لقوله عز وجل الذين يظاهرون منكم من منكرا من القول وزورا ويصح ذلك من كل زوج مكلف لقوله عز وجل نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ولأنه قول يختص به النكاح فصح من كل زوج مكلف كالطلاق ولا يصح من السيد في أمته لقوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم فخص به الأزواج ولان الظهار كان طلاقا في النساء في الجاهلية فنسخ حكمه وبقي محله فصل وإن قال أنت علي كظهر أمي فهو ظهار وإن قال أنت علي كظهر جدتي فهو ظهار لان الجدة من الأمهات ولانها كالأم في التحريم وإن قال أنت علي كظهر أبي لم يكن ظهارا لانه ليس بمحل الاستمتاع فلم يصر بالتشبيه به مظاهرا كالبهيمة وإن قال أنت علي كظهر أختي أو عمتي ففيه قولان قال في القديم ليس بظهار لان الله تعالى نص على الأمهات وهن الأصل في التحريم وغيرهن فرع لهن ودونهن فلم يلحقن بهن في الظهار وقال في الجديد هو ظهار وهو الصحيح لانها محرمة بالقرابة على التأبيد فأشبهت الأم وإن شبهها بمحرمة من غير ذوات المحارم نظرت فإن كانت امرأة حلت له ثم حرمت عليه كالملاعنة والأم من الرضاع وحليلة الأب بعد ولادته أو محرمة تحل له في الثاني كأخت زوجته وخالتها وعمتها لم يكن ظهارا لانهن دون الأم في التحريم وإن لم تحل له قط ولا تحل له في الثاني كحليلة الأب قبل ولادته فعلى القولين في ذوات المحارم فصل وإن قال أنت عندي أو أنت مني أو أنت معي كظهر أمي فهو ظهار لانه يفيد ما يفيد قوله أنت علي كظهر أمي وإن شبهها بعضو من أعضاء الأم غير الظهر بأن قال أنت علي كفرج أمي أو كيدها أو كرأسها فالمنصوص أنه ظهار ومن أصحابنا من جعلها على قولين قياسا على من شبهها بذات رحم محرم منه غير الأم والصحيح أنه ظهار قولا واحدا لان غير الظهر كالظهر في التحريم وغير الأم ذون الأم في التحريم وإن قال أنت علي كبدن أمي فهو ظهار لانه يدخل الظهر فيه وإن قال أنت علي كروح أمي ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه ظهار لانه يعبر به عن الجملة
والثاني أنه كناية لانه يحتمل أنها كالروح في الكرامة فلم يكن ظهارا من غير نية والثالث وهو قول علي بن أبي هريرة أنه ليس بصريح ولا كناية لان الروح ليس من الأعيان التي يقع بها التشبيه وإن شبه عضوا من زوجته بظهر أمه بأن قال رأسك أو يدك علي كظهر أمي فهو ظهار لانه قول يوجب تحريم الزوجة فجاز تعليقه على يدها ورأسها كالطلاق وعلى قول ذلك القائل يجب أن يكون ههنا قول آخر أنه ليس بظهار فصل وإن قال أنت علي كأمي أو مثل أمي لم يكن ظهارا إلا بالنية لأنه يحتمل أنها كالأم في التحريم أو في الكرامة فلم يجعل ظهارا من غير نية كالكنايات في الطلاق فصل وإن قال أنت طالق ونوى به الظهار لم يكن ظهارا وإن قال أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق لم يكن طلاقا لأن كل واحد منهما صريح في موجبه في الزوجية فلا ينصرف عن موجبه بالنية وإن قال أنت طالق كظهر أمي ولم ينو شيئا وقع الطلاق بقوله أنت طالق ويلغى قوله كظهر أمي لانه ليس معه ما يصير به ظهارا وهو قوله أنت علي أو مني أو معي أو عندي فيصير كما لو قال ابتداء كظهر أمي وإن قال أردت أنت طالق طلاقا يحرم كما يحرم الظهار وقع الطلاق وكان قوله كظهر أمي تأكيدا وإن قال أردت أنت طالق وأنت علي كظهر أمي فإن كان الطلاق رجعيا صار مطلقا ومظاهرا وإن كانت بائنا وقع الطلاق وعلم يصح الظهار لأن الظهار يلحق الرجعية ولا يلحق البائن وإن قال أنت علي حرام كظهر أمي ولم ينو شيئا فهو ظهار لأنه أتى بصريحه وأكده بلفظ التحريم وإن نوى به الطلاق فقد روى الربيع أنه طلاق وروي في بعض نسخ المزني أنه ظهار وبه قال بعض أصحابنا لأن ذكر الظهار قرينة ظاهرة ونية الطلاق قرينة ( خفية ) فقدمت القرينة الظاهرة على القرينة الخفية والصحيح أنه طلاق وأما الظهار فهو غلط وقع في بعض النسخ لان التحريم كناية في الطلاق والكناية مع النية كالصريح فصار كما لو قال أنت طالق كظهر أمي وإن قال أردت الطلاق والظهار فإن كان الطلاق رجعيا صار مطلقا ومظاهرا وإن كان الطلاق بائنا صح الطلاق ولم يصح الظهار لما ذكرناه فيما تقدم وعلى مذهب ذلك القائل هو مظاهر لان القرينة الظاهرة مقدمة وإن قال أردت تحريم عينها وجبت كفارة يمين وعلى قول ذلك القائل هو مظاهر فصل ويصح الظهار موقتا وهو أن يقول أنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا نص عليه في الأم وقال في اختلاف العراقيين لا يصير مظاهرا لانه لو شبهها بمن تحرم إلى وقت لم يصر مظاهرا فكذلك إذا شبهها بأمه إلى وقت والصحيح هو الأول لما روى سلمة بن صخر قال كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ ( شهر ) رمضان فبينما هي تحدثني ذات ليلة وتكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال حرر رقبة ولان الحكم إنما تعلق بالظهار لقوله المنكر والزور وذلك موجود في الموقت فصل ويجوز تعليقه بشرط كدخول الدار ومشيئة زيد لانه قول يوجب تحريم الزوجة فجاز تعليقه بالشرط كالطلاق وإن قال إن تظاهرت من فلانة فأنت علي كظهر أمي فتزوج فلانة وتظاهر منها صار مظاهرا من الزوجة لانه قد وجد شرط ظهارها وإن قال إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم تزوج فلانة وظاهر منها ففيه وجهان أحدهما لا يصير مظاهرا من الزوجة لانه شرط أن يظاهر من الأجنبية والشرط لم يوجد فصار كما لو قال إن تظاهرت من فلانة وهي أجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها وظاهر منها
والثاني يصير مظاهرا منها لانه علق ظهارها بعينها ووصفها بصفة والحكم إذا تعلق بعين على صفة كانت الصفة تعريفا لا شرطا كما لو قال والله لا دخلت دار زيد هذه فباعها زيد ثم دخلها فإنه يحنث وإن لم تكن ملك زيد فصل وإن قالت الزوجة لزوجها أنت علي كظهر أبي أو أنا عليك كظهر أمك لم يلزمها شيء لانه قول يوجب تحريما في الزوجية يملك الزوج رفعه فاختص به الرجل كالطلاق فصل وإذا صح الظهار ووجد العود وجبت الكفارة لقوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة والعود هو أن يمسكها بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فلم يفعل وإن ماتت المرأة عقيب الظهار أو طلقها عقيب الظهار لم تجب الكفارة والدليل على أن العود ما ذكرناه هو أن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها فإذا أمسكها فقد عاد فيما قال فإذا ماتت أو طلقها عقيب الظهار لم يوجد العود فيما قال فصل وإن تظاهر من رجعية لم يصر عائدا قبل الرجعة لانه لا يوجد الإمساك وهي تجري إلى البينونة فإن راجعها فهل تكون الرجعة عودا أم لا فيه قولان قال في الإملاء لا تكون عودا حتى يمسكها بعد الرجعة لان العود استدامة الإمساك والرجعة ابتداء استباحة فلم تكن عودا وقال في الأم هو عود لان العود هو الإمساك وقد سمى الله عز وجل الرجعة إمساكا فقال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولانه إذا حصل العود باستدامة الإمساك فلأن يحصل بابتداء الاستباحة أولى وإن بانت منه ثم تزوجها فهل يعود الظهار أم لا على الأقوال التي مضت في الطلاق فإذا قلنا إنه يعود فهل يكون النكاح عودا فيه وجهان ( الصحيح لا ) بناء على القولين في الرجعة وإن ظاهر الكافر من امرأته وأسلمت المرأة عقيب الظهار فإن كان قبل الدخول لم تجب الكفارة لانه لم يوجد العود وإن كان بعد الدخول لم يصر عائدا ما دامت في العدة لانها تجري إلى البينونة وإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة ففيه وجهان أحدهما لا يصير عائدا لان العود هو الإمساك على النكاح وذلك لا يوجد إلا بعد الإسلام والثاني يصير عائدا لأن قطع البينونة بالإسلام أبلغ من الإمساك فكان العود به أولى فصل وإن كانت الزوجة أمة فاشتراها الزوج عقيب الظهار ففيه وجهان أحدهما أن الملك عود لان العود أن يمسكها على الاستباحة وذلك قد وجد والثاني وهو قول أبي إسحاق أن ذلك ليس بعود لان العود هو الإمساك على الزوجية والشروع في الشراء تسبب لفسخ النكاح فلم يجز أن يكون عودا وإن قذفها وأتى من اللعان بلفظ الشهادة وبقي لفظ اللعن فظاهر منها ثم أتى بلفظ اللعن عقيب الظهار لم يكن ذلك عودا لانه يقع به الفرقة فلم يكن عودا كما لو طلقها وإن قذفها ثم ظاهر منها ثم أتى بلفظ اللعان ففيه وجهان أحدهما أنه صار عائدا لانه أمسكها زمانا أمكنه أن يطلقها فيه فلم يطلق والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه لا يكون عائدا لانه اشتغل بما يوجب الفرقة فصار كما لو ظاهر منها ثم طلق وأطال لفظ الطلاق فصل وإن كان الظهار موقتا ففي عوده وجهان أحدهما وهو قول المزني أن العود فيه أن يمسكها بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه كما قلنا في الظهار المطلق والثاني وهو المنصوص أنه لا يحصل العود فيه إلا بالوطء لان إمساكه يجوز أن يكون لوقت الظهار ويجوز أن يكون لما بعد مدة الظهار فلا يتحقق العود إلا بالوطء فإن لم يطأها حتى مضت المدة سقط الظهار ولم تجب الكفارة لانه لم يوجد العود فصل وإن تظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات وأمسكهن لزمه لكل واحدة كفارة وإن تظاهر منهن بكلمة واحدة بأن قال أنتن علي كظهر أمي وأمسكهن ففيه قولان قال في القديم تلزمه كفارة واحدة لما روعى ابن عباس وسعيد بن المسيب رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سئل عن رجل تظاهر من أربع نسوة فقال يجزيه كفارة واحدة
وقال في الجديد يلزمه أربع كفارات لانه وجد الظهار والعود في حق كل واحدة منهن فلزمه أربع كفارات كما لو أفردهن بكلمات وإن تظاهر من امرأة ثم ظاهر منها قبل أن يكفر عن الأول نظرت فإن قصد التأكيد لزمه كفارة واحدة وإن قصد الاستئناف ففيه قولان قال في القديم تلزمه كفارة واحدة لان الثاني لم يوثر في التحريم وقال في الجديد يلزمه كفارتان لانه قول يوثر في تحريم الزوجة كرره على وجه الاستئناف فتعلق بكل مرة حكم الطلاق وإن أطلق ولم ينو شيئا فقد قال بعض أصحابنا حكمه حكم ما لو قصد التأكيد ومنهم من قال حكمه حكم ما لو قصد الاستئناف كما قلنا فيمن كرر الطلاق وإن كانت له امرأتان وقال لإحداهما إن تظاهرت منك فالأخرى علي كظهر أمي ثم تظاهر من الأولى وأمسكها لزمه كفارتان قولا واحدا لانه أفرد كل واحدة منهما بظهار فصل وإذا وجبت الكفارة حرم وطؤها إلى أن يكفر لقوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا فشرط في العتق والصوم أن يكونا قبل المسيس وقسنا عليهما الإطعام وروى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ما حملك على ما صنعت قال رأيت بياض ساقها في القمر قال فاعتزلها حتى تكفر عن يمينك واختلف قوله في المباشرة فيما دون الفرج فقال في القديم تحرم لانه قول يوثر في تحريم الوطء فحرم به ما دونه من المباشرة كالطلاق وقال في الجديد لا تحرم لانه وطء لا يتعلق بتحريمه مال فلم يجاوزه التحريم كوطء الحائض والله أعلم باب كفارة الظهار وكفارته عتق رقبة لمن وجد وصيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرقبة وإطعام ستين مسكينا لمن لا يجد الرقبة ولا يطيق الصوم والدليل عليه قوله عز وجل والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام وروت خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول اتق الله فإنه بن عمك فما برحت حتى نزل القرآن قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله المجادلة 1 ) الآية فقال يعتق رقبة فقلت لا يجد قال فليصم شهرين متتابعين قلت يا رسول الله شيخ كبير ما به صيام قال فليطعم ستين مسكينا قلت يا رسول الله ما عنده شيء يتصدق به قال فأتى بعرق من تمر قلت يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت فاذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا ورجعي إلى بن عمك فإن كان له مال يشتري به رقبة فاضلا عما يحتاج إليه لقوته ولكسوته ومسكنه وبضاعة لا بد له منها وجب عليه العتق وإن كان له رقبة لا يستغني عن خدمتها بأن كان كبيرا أو مريضا أو ممن لا يخدم نفسه لم يلزمه صرفها في الكفارة لان ما يستغرقه حاجته كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل كما نقول فيمن معه ماء يحتاج إليه للعطش وإن كان ممن يخدم نفسه ففيه وجهان أحدهما يلزمه العتق لانه مستغن عنه والثاني لا يلزمه لانه ما من أحد إلا ويحتاج إلى الترفه والخدمة
وإن وجبت عليه كفارة وله مال غائب فإن كان لا ضرر عليه في تأخير الكفارة ككفارة القتل وكفارة الوطء في رمضان لم يجز أن ينتقل إلى الصوم لانه قادر على العتق من غير ضرر فلا يكفر بالصوم كما لو حضر المال وإن كان عليه ضرر في تأخير الكفارة ككفارة الظهار ففيه وجهان أحدهما لا يكفر بالصوم لان له مالا فاضلا عن كفايته يمكنه أن يشتري به رقبة فلا يكفر بالصوم كما نقول في كفارة القتل والثاني له أن يكفر بالصوم لان عليه ضررا في تحريم الوطء إلى أن يحضر المال فجاز له أن يكفر بالصوم فصل وإن اختلف حاله من حين وجبت الكفارة إلى حين الأداء ففيه ثلاثة أقوال أحدها أن يعتبر حال الأداء لانها عبادة لها بدل من غير جنسها فاعتبر فيها حال الأداء كالوضوء والثاني يعتبر حال الوجوب لانه حق يجب على وجه التطهير فاعتبر فيه حال الوجوب كالحد والثالث يعتبر أغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين الأداء فأي وقت قدر على العتق لزمه لانه حق يجب في الذمة بوجود المال فاعتبر فيه أغلظ الأحوال كالحج فصل ولا يجزىء في شيء من الكفارات إلا رقبة مؤمنة لقوله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة فنص في كفارة القتل على رقبة مومنة وقسنا عليها سائر الكفارات فصل ولا يجزىء إلا رقبة سليمة من العيوب التي تضر بالعمل ضررا بينا لان المقصود تمليك العبد منفعته وتمكينه من التصرف وذلك لا يحصل مع العيب الذي يضر بالعمل ضررا بينا فإن أعتق أعمى لم يجز لان العمى يضر بالعمل الضرر البين وإن أعتق أعور أجزأه لان العور لا يضر بالعمل ضررا بينا لانه يدرك ما يدرك البصير بالعينين ولا يجزىء مقطوع اليد أو الرجل لان ذلك يضر بالعمل ضررا بينا ولا يجزىء مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى لان منفعة اليد تبطل بقطع كل واحد منهما ويجزىء مقطوع الخنصر أو البنصر لانه لا تبطل منفعة اليد بقطع إحداهما فإن قطعتا جميعا فإن كانتا من كف واحدة لم تجزه لانه تبطل منفعة اليد بقطعهما وإن كانتا من كفين أجزأه لانه لا تبطل منفعة كل واحد من الكفين وإن قطع منه أنملتان فإن كانتا من الخنصر أو البنصر أجزأه لان ذهاب كل واحدة منهما لا يمنع الإجزاء فلأن لا يمنع ذهاب أنملتين أولى وإن كانتا من الوسط أو السبابة لم يجزه لانه تبطل به منفعة الأصبع وإن قطعت منه أنملة فإن كانت من غير الإبهام أجزأه لانه لا تبطل به منفعة الإصبع وإن كانت من الإبهام لم يجزه لانه تبطل به منفعة الإبهام فصل وإن كان أعرج نظرت فإن كان عرجا قليلا أجزأه لانه لا يضر بالعمل ضررا بينا وإن كان كثيرا لم يجزه لانه يضر بالعمل ضرررا بينا ويجزىء الأصم لان الصمم لا يضر بالعمل بل يزيد في العمل لانه لا يسمع ما يشغله وأما الأخرس فقد قال في موضع يجزئه وقال في موضع لا يجزئه فمن أصحابنا من قال إن كان مع الخرس صمم لم يجزه لانه يضر بالعمل ضررا بينا وإن لم يكن معه صمم أجزأه لانه لا يضر بالعمل ضررا بينا وحمل القولين على هذين الحالين ومنهم من قال إن كان يعقل الإشارة أجزأه لانه يبلغ بالإشارة ما يبلغ بالنطق وإن كان لا يعقل لم يجزه لانه يضر بالعمل ضررا بينا وحمل القولين على هذين الحالين وإن كان مجنونا جنونا مطبقا يمنع العمل لم يجزه لانه لا يصلح للعمل وإن كان يجن ويفيق نظرت فإن كان زمان الجنون أكثر لم يجزه لانه يضر به ضررا بينا وإن كان زمان الإفاقة أكثر أجزأه لانه لا يضر به ضررا بينا ويجزىء الأحمق وهو الذي يفعل الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه فصل ويجزىء الأجدع
لانه كغيره في العمل ويجزىء مقطوع الأذن لان قطع الأذن لا يوير في العمل وغيره أولى منه ليخرج من الخلاف فإن عند مالك لا يجزئه ويجزىء ولد الزنا لانه كغيره في العمل وغيره أولى منه لان الزهري والأوزاعي لا يجيزان ذلك ويجزىء المجبوب والخصي لان الجب والخصي لا يضران بالعمل ضررا بينا ويجزىء الصغير لانه يرجى من منافعه وتصرفه أكثر مما يرجى من الكبير ولا يجزىء عتق الحمل لانه لم يثبت له حكم الأحياء ولهذا لا يجب عنه زكاة الفطر ويجزىء المريض الذي يرجى بروه ولا يجزىء من لا يرجى بروه لانه لا عمل فيه ويجزىء نضو الخلق إذا لم يعجز عن العمل ولا يجزىء إذا عجز عن العمل وإن أعتق مرهونا أو جانيا وجوزنا عتقه أجزأه لانه كغيره في العمل فصل ولا يجزىء عبد مغصوب لانه ممنوع من التصرف في نفسه فهو كالزمن وإن أعتق غائبا لا يعرف خبره فظاهر ما قاله ههنا أنه لا يجزئه وقال في زكاة الفطر إن عليه فطرته فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما يجزئه عن الكفارة وتجب زكاة الفطر عنه لانه على يقين من حياته وعلى شل من موته واليقين لا يزال بالشك والثاني لا يجزئه في الكفارة ولا تجب زكاة فطرته لان الأصل في الكفارة وجوبها فلا تسقط بالشك والأصل في زكاة الفطر براءة ذمته منها فلا تجب بالشك ومنهم من قال لا يجزئه في الكفارة وتجب زكاة الفطر لان الأصل رتهان ذمته بالكفارة بالظهار المتحقق ورتهانها بالزكاة بالملك المتحقق فلم تسقط الكفارة بالحياة المشكوك فيها ولا الزكاة بالموت المشكوك فيه فصل ولا يجزىء عتق أم الولد ولا المكاتب لانهما يستحقان العتق بغير الكفارة بدليل أنه لا يجوز إبطاله بالبيع فلا يسقط بعتقهما فرض الكفارة كما لو باع من فقير طعاما ثم دفعه إليه عن الكفارة ويجزىء المدبر والمعتق بصفة لان عتقهما غير مستحق بدليل أنه يجوز إبطاله بالبيع فصل وإن اشترى من يعتق عليه من الأقارب ونوى عتقه عن الكفارة لم يجزه لان عتقه مستحق بالقرابة فلا يجوز أن يصرفه إلى الكفارة كما لو استحق عليه الطعام في النفقة في القرابة فدفعه إليه عن الكفارة وإن شترى عبدا بشرط أن يعتقه فأعتقه عن الكفارة لم يجزه لانه مستحق العتق بغير الكفارة فلا يجوز صرفه إلى الكفارة وإن كان مظاهرا وله عبد فقال لامرأته أن وطئتك فعلي أن أعتق عبدي عن كفارة الظهار فوطئها ثم أعتق العبد عن الظهار ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي الطبري أنه لا يجزئه لان عتقه مستحق بالحنث في الإيلاء والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يجزئه وهو المذهب لانه لا يتعين عليه عتقه لانه مخير بين أن يعتقه وبين أن يكفر كفارة يمين فصل وإن كان بينه وبين آخر عبد وهو موسر فأعتق نصيبه ونوى عتق الجميع عن الكفارة أجزأه لانه عتق العبد بالمباشرة والسراية وحكم السراية حكم المباشرة ولهذا إذا جرحه وسرى إلى نفسه جعل كما لو باشر قتله وإن كان معسرا عتق نصيبه وإن ملك نصيب الآخر وأعتقه عن الكفارة أجزأه لانه أعتق جميعه عن الكفارة وإن كان في وقتين فأجزأه كما لو أطعم المساكين في وقتين وإن أعتق نصف عبدين عن كفارة ففيه ثلاثة أوجه أحدها لا يجزئه لان المأمور به عتق رقبة ولم يعتق رقبة والثاني يجزئه لان أبعاض الجملة كالجملة في زكاة الفطر وزكاة المال فكذلك في الكفارة والثالث أنه إن كان باقيهما حرا أجزأه لانه يحصل تكميل الأحكام والتمكين من التصرف في منافعه على التمام وإن كان مملوكا لم يجزه لانه لا يحصل له تكميل الأحكام والتمكين التام فصل إذا قال لغيره أعتق عبدك عني فأعتقه عنه دخل العبد في ملكه وعتق عليه سواء كان بعوض أو بغير عوض واختلف أصحابنا في الوقت الذي يعتق عليه فقال أبو إسحاق يقع الملك والعتق في حالة واحدة
ومن أصحابنا من قال يدخل في ملكه ثم يعتق عليه وهو الصحيح لان العتق لا يقع عنه في ملك غيره فوجب أن يتقدم الملك ثم يقع العتق وإن قال أعتق عبدك عن كفارتي فأعتقه عن كفارته أجزأه لانه وقع العتق عنه فصار كما لو اشتراه ثم أعتقه فصل وإن لم يجد رقبة وقدر على الصوم لزمه أن يصوم شهرين متتابعين لقوله عز وجل فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن دخل فيه في أول الشهر صام شهرين بالأهلة لان الأشهر في الشرع بالأهلة والدليل عليه قوله عز وجل يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج فإن دخل فيه وقد مضى من الشهر خمسة أيام صام ما بقي وصام الشهر الذي بعده ثم يصوم من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما لانه تعذر عتبار الهلال في شهر فاعتبر بالعدد كما يعتبر العدد في الشهر الذي غم عليهم الهلال في صوم رمضان وإن أفطر في يوم منه من غير عذر لزمه أن يستأنف وإن جامع بالليل ( قبل أن يكفر ) أثم لانه جامع قبل التكفير ولا يبطل التتابع لان جماعه لم يوثر في الصوم فلم يقطع التتابع كالأكل بالليل وإن كان الفطر لعذر نظرت فإن كانت مرأة فحاضت في صوم كفارة القتل أو الوطء في كفارة رمضان لم ينقطع التتابع لانه لا صنع لها في الفطر ولانه لا يمكن حفظ الشهرين من الحيض إلا بالتأخير إلى أن تيأس من الحيض وفي ذلك تغرير بالكفارة لانها ربما ماتت قبل الإياس فتفوت وإن كان الفطر بمرض ففيه قولان أحدهما يبطل التتابع لانه أفطر بختياره فبطل التتابع كما لو أجهده الصوم فأفطر والثاني لا يبطل لان الفطر بسبب من غير جهته فلم يقطع التتابع كالفطر بالحيض وإن كان بالسفر ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالفطر بالمرض لان السفر كالمرض في إباحة الفطر فكان كالمرض في قطع التتابع والثاني أنه يقطع التتابع قولا واحدا لان سببه من جهته وإن نقطع الصوم بالإغماء فهو كما لو أفطر بالمرض وإن أفطرت الحامل أو المرضع في كفارة القتل أو الجماع في رمضان خوفا على ولديهما ففيه طريقان أحدهما أنه على قولين لانه فطر لعذر فهو كالفطر بالمرض والثاني أنه ينقطع التتابع قولا واحدا لان فطرهما لعذر في غيرهما فلم يلحقا بالمريض ولهذا يجب عليهما الفدية مع القضاء في صوم رمضان ولا يجب على المريض وإن دخل في الصوم فقطعه بصوم رمضان أو يوم النحر لزمه أن يستأنف لانه ترك التتابع بسبب لا عذر فيه فصل وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة لم يبطل صومه وقال المزني يبطل كما قال في المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة وقد دللنا عليه في الطهارة والمستحب أن يخرج من الصوم ويعتق لان العتق أفضل من الصوم لما فيه من نفع الآدمي ولانه يخرج من الخلاف فصل وإن لم يقدر على الصوم لكبر لا يطيق معه الصوم أو لمرض لا يرجى بروه منه لزمه أن يطعم ستين مسكينا للآية والواجب أن يدفع إلى كل مسكين مدا من الطعام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه في حديث الجماع في شهر رمضان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أطعم ستين مسكينا قال لا أجد قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا فقال خذه وتصدق به وإذا ثبت هذا بالجماع بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه فصل ويجب ذلك من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة
لان الأبدان بها تقوم ويجب من غالب قوت بلده ( واختلف أصحابنا في الجنس الذي يجب إخراجه ) قال القاضي أبو عبيد ابن حربويه يجب من غالب قوته لان في الزكاة الاعتبار بماله فكذلك ههنا والمذهب الأول لقوله تعالى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم والأوسط الأعدل وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد ويخالف الزكاة فإنها تجب من المال والكفارة تجب في الذمة فإن عدل إلى قوت بلد أخرى فإن كان أجود من غالب قوت بلده الذي هو فيه جاز لانه زاد خيرا فإن لم يكن أجود فإن كان مما يجب فيه زكاة ففيه وجهان أحدهما يجزئه لانه قوت تجب فيه الزكاة فأشبه قوت البلد والثاني لا يجزئه وهو الصحيح لانه دون قوت البلد ( فإن كان في موضع قوتهم الأقط ) ففيه قولان أحدهما يجزهئه لانه مكيل مقتات فأشبه قوت البلد والثاني لا يجزئه لانه ( لا ) يجب فيه الزكاة فلم يجزئه كاللحم وإن كان لحما أو سمكا أو جرادا ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالأقط ومنهم من قال لا يجزئه قولا واحدا ويخالف الأقط لانه يدخله الصاع ( وهذا لا تدخله الصاع فلم يجز ) وإن كان في موضع لا قوت فيه وجب من غالب قوت أقرب البلاد إليه فصل ولا يجوز الدقيق والسويق والخبز ومن أصحابنا من قال يجزئه لأنه مهيأ للاقتيات مستغنى عن مونته وهذا فاسد لانه إن كان قد هيأه لمنفعة فقد فوت فيه وجوها من المنافع ولا يجوز إخراج القيمة لانه أخذ ما يكفر به فلم تجز فيه القيمة كالعتق فصل ولا يجوز أن يدفع الواجب إلى أقل من ستين مسكينا للآية والخبر فإن جمع ستين مسكينا وغداهم وعشاهم لما عليه من الطعام لم يجزه لان ما وجب للفقراء بالشرع وجب فيه التمليك كالزكاة ولانهم يختلفون في الأكل ولا يتحقق أن كل واحد منهم يتناول قدر حقه وإن قال لهم ملكتكم هذا بينكم بالسوية ففيه وجهان أحدهما لا يجزئه وهو قول أبي سعيد الإصطخري لانه يلزمهم مونة في قسمته فلم يجزه كما لو سلم إليهم الطعام في السنابل والثاني أنه يجزئه وهو الأظهر لانه سلم إلى كل واحد منهم قدر حقه والمونة في قسمته قليلة فلا يمنع الإجزاء فصل ولا يجوز أن يدفع إلى مكاتب لانها تجب لاهل الحاجة والمكاتب مستغن بكسبه إن كان له كسب أو بأن يفسخ الكتابة ويرجع إلى مولاه إن لم يكن له كسب ولا يجوز أن يدفع إلى كافر لانها كفارة فلا يجوز صرفها إلى كافر كالعتق ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من زوجة أو والد أو ولد لأنه مستغن بالنفقة فإن دفع بعض ما عليه من الطعام ثم قدر على الصيام لم يلزمه الانتقال إلى الصوم كما لا يلزمه الانتقال إلى العتق إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم والأفضل أن ينتقل إليه لانه أصل فصل ولا يجوز أن يكفر عن الظهار قبل أن يظاهر لانه حق يتعلق بسببين فلا يجوز تقديمه عليهما كالزكاة قبل أن يملك النصاب ويجوز أن يكفر بالمال بعد الظهار وقبل العود لانه حق مال يتعلق بسببين فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول وكفارة اليمين قبل الحنث فصل ولا يجوز شيء من الكفارات إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل مرىء ما نوى ولانه حق يجب على سبيل الطهرة ففتقر إلى النية كالزكاة وعلا يلزمه في النية تعيين سبب الكفارة كما لا يلزمه في الزكاة تعيين المال الذي يزكيه فإن كفر بالصوم لزمه أن ينوي كل ليلة أنه صائم غدا عن الكفارة وهل يلزمه نية التتابع فيه ثلاثة أوجه أحدها يلزمه أن ينوي كل ليلة لان التتابع واجب فلزمه نيته كالصوم والثاني يلزمه أن ينوي ذلك في أوله لانه يتميز بذلك عن غيره
والثالث وهو الصحيح أنه لا تلزمه نية التتابع لان العبادة هي الصوم والتتابع شرط في العبادة فلم تجب نيته في أداء العبادة كالطهارة وستر العورة لا يلزمه نيتهما في الصلاة فصل وإن كان المظاهر كافرا كفر بالعتق أو الطعام لانه يصح منه العتق والإطعام في غير الكفارة فصح منه في الكفارة ولا يكفر بالصوم لانه لا يصح منه الصوم في غير الكفارة فلا يصح منه في الكفارة فإن كان المظاهر عبدا فقد ذكرناه في باب المأذون فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق كتاب اللعان إذا علم الزوج أن امرأته زنت فإن رآها بعينه وهي تزني ولم يكن نسب يلحقه فله أن يقذفها وله أن يسكت لما روى علقمة عن عبد الله أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن رجل وجد مع امرأته رجلا إن تكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم الآية فذكر أنه يتكلم أو يسكت ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم كلامه ولا سكوته وإن أقرت عنده بالزنا فوقع في نفسه صدقها أو أخبره بذلك ثقة أو استفاض أن رجلا يزني بها ثم رأى الرجل يخرج من عندها في أوقات الريب فله أن يقذفها وله أن يسكت لان الظاهر أنها زنت فجاز له القذف والسكوت وأما إذا رأى رجلا يخرج من عندها ولم يستفض أنه يزني بها لم يجز أن يقذفها لانه يجوز أن يكون قد دخل إليها هاربا أو سارقا أو دخل ليراودها عن نفسها ولم تمكنه فلا يجوز قذفها بالشك وإن استفاض أن رجلا يزني بها ولم يجده عندها ففيه وجهان أحدهما لا يجوز قذفها لانه يحتمل أن يكون عدو وقد أشاع ذلك عليهما والثاني يجوز لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة ولان الاستفاضة تثبت القسامة في القتل فثبت بها جواز القذف فصل ومن قذف امرأته بزنا يوجب الحد أو تعزير القذف فطولب بالحد أو بالتعزير فله أن يسقط ذلك بالبينة لقوله عز وجل والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فدل على أنه إذا أتى بأربعة شهداء لم يجلد ويجوز أن يسقط باللعان لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم البينة أو الحد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله عز وجل في أمري ما يبرىء ظهري من الحد فنزلت والذين يرمون أزواجهم ولان الزوج يبتلى بقذف امرأته لنفي العار والنسب الفاسد ويتعذر عليه إقامة البينة فجعل اللعان بينة له ولهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي صلى الله عليه وسلم أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا قال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل فإن قدر على البينة ولاعن جاز لانهما بينتان في إثبات حق فجاز إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الأخرى كالرجلين والرجل والمرأتين في المال وإن كان هناك نسب يحتاج إلى نفيه لم ينتف بالبينة ولا ينتفي إلا باللعان لان الشهود لا سبيل لهم إلى العلم بنفي النسب وإن أراد أن يثبت الزنا بالبينة ثم يلاعن لنفي النسب جاز وإن أراد أن يلاعن ويثبت الزنا وينفي النسب باللعان جاز فصل وإن عفت الزوجة عن الحد أو التعزير ولم يكن نسب لم يلاعن
ومن أصحابنا من قال له أن يلاعن لقطع الفراش والمذهب الأول لان المقصود باللعان درء العقوبة الواجبة بالقذف ونفي النسب لما يلحقه من الضرر بكل واحد منهما وليس ههنا واحد منهما وأما قطع الفراش فإنه غير مقصود ويحصل له ذلك بالطلاق فلا يلاعن لاجله وإن لم تعف الزوجة عن الحد أو التعزير ولم تطالب به فقد روى المزني أنه ليس عليه أن يلاعن حتى تطلب المقذوفة حدها وروى فيمن قذف امرأته ثم جنت أنه إذا التعن سقط الحد فمن أصحابنا من قال لا يلاعن لانه لا حاجة به إلى اللعان قبل الطلب وقال أبو إسحق له أن يلاعن لان الحد قد وجب عليه فجاز أن يسقطه من غير طلب كما يجوز أن يقضي الدين الموجل قبل الطلب وقوله ليس عليه أن يلتعن لا يمنع الجواز وإنما يمنع الوجوب فصل وإن كانت الزوجة أمة أو ذمية أو صغيرة يوطأ مثلها فقذفها عزر وله أن يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير قذف وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فقذفها عزر ولا يلاعن لدرء التعزير لانه ليس بتعزير قذف وإنما هو تعزير على الكذب لحق الله تعالى وإن قذف زوجته ولم يلاعن فحد في قذفها ثم قذفها بالزنا الذي رماها به عزر ولا يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير لدفع الأذى لأنا قد حددناه للقذف فإن ثبت بالبينة أو بالإقرار أنها زانية ثم قذفها فقد روى المزني أنه لا يلاعن لدرء التعزير وروى الربيع أنه يلاعن ( لدرء التعزير ) واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال أبو إسحق المذهب ما رواه المزني وما رواه الربيع من تخريجه لان اللعان جعل لتحقيق الزنا وقد تحقق زناها بالإقرار أو البينة ولان القصد باللعان إسقاط ما يجب بالقذف والتعزير ههنا على الشتم لحق الله تعالى لا على القذف لانه بالقذف لم يلحقها معرة وقال أبو الحسن بن القطان وأبو القاسم الداركي هي على قولين أحدهما لا يلاعن لما ذكرناه والثاني يلاعن لانه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها فلأن يلاعن فيمن ثبت زناها أولى باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق وما يجوز نفيه باللعان وما لا يجوز إذا تزوج مرأة وهو ممن يولد لمثله وأمكن جتماعهما على الوطء وأتت بوعلد لمدة يمكن أن يكون الحمل فيها لحقه في الظاهر لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش ولان مع وجود هذه الشروط يمكن أن يكون الولد منه وليس ههنا ما يعارضه ولا ما يسقطه فوجب أن يلحق به فصل وإن كان الزوج صغيرا لا يولد لمثله لم يلحقه لانه لا يمكن أن يكون منه وينتفي عنه من غير لعان لان اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق ما يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون فيتحقق باليمين أحد الجائزين وههنا لا يجوز أن يكون الولد له فلا يحتاج في نفيه إلى اللعان واختلف أصحابنا في السن التي يجوز أن يولد له فمنهم من قال يجوز أن يولد له بعد عشر سنين ولا يجوز أن يولد له قبل ذلك وهو ظاهر النص والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع وضربوهم وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ومنهم من قال يجوز أن يولد له بعد تسع سنين ولا يجوز أن يولد له قبله لان المرأة تحيض لتسع سنين فجاز أن يحتلم الغلام لتسع وما قاله الشافعي رحمه الله أراد على سبيل التقريب لانه لا بد أن يمضي بعد التسع إمكان الوطء وأقل مدة الحمل وهو ستة أشهر وذلك قريب من العشرة وإن كان الزوج مجبوبا فقد روى المزني أن له أن يلاعن وروعى الربيع أنه ينتفي من غير لعان واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحق إن كان مقطوع الذكر والأنثيين انتفى من غير لهان لانه يستحيل أن ينزل مع قطعهما وإن قطع أحدهما لحقه ولا ينتفي إلا بلعان لانه إذا بقي الذكر أولج وأنزل وإن بقي الأنثيان ساحق وأنزل وحمل الروايتين على هذين الحالين
وقال القاضي أبو حامد في أصل الذكر ثقبتان إحداهما للبول والأخرى للمني فإذا انسدت ثقبة المني انتفى الولد من غير لعان لانه يستحيل الإنزال وإن لم تنسد لم ينتف إلا باللعان لانه يمكن الإنزال وحمل الروايتين على هذين الحالين فصل وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطء بأن تزوجها وطلقها عقيب العقد أو كانت بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع انتفى الولد من غير لعان لانه لا يمكن أن يكون منه فصل وإن أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت العقد انتفى عنه من غير لعان لانا نعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش وإن دخل بها ثم طلقها وهي حامل فوضعت الحمل ثم أتت بولد آخر لستة أشهر لم يلحقه وانتفى عنه من غير لعان لانا قطعنا ببراءة رحمها ( بوضع الحمل ) وأن هذا الولد ( الآخر ) علقت به بعد زوال الفراش وإن طلقها وهي غير حامل وعتدت بالأقراء ثم وضعت ولدا قبل أن تتزوج بغيره لدون ستة أشهر لحقه لانا تيقنا أن عدتها لم تنقض وإن أتت به لستة أشهر أو أربع سنين أو ما بينهما لحقه وقال أبو العباس بن سريج لا يلحقه لانا حكمنا بنقضاء العدة وإباحتها للأزواج وما حكم به يجوز نقضه لانر محتمل وهذا خطأ لانه يمكن أن يكون منه والنسب إذا أمكن إثباته لم يجز نفيه ولهذا إذا أتت بولد بعد العقد لستة أضهر لحقه وإن كان الأصل عدم الوطء وبراءة الرحم فإن وضعته لاكثر من أربع سنين نظرت فإن كان الطلاق بائنا نتفى عنه بغير لعان لان العلوق حادث بعد زوال الفراش وإن كان رجعيا ففيه قولان أحدهما ينتفي عنه بغير لعان لانها حرمت عليه بالطلاق تحريم المبتوتة فصار كما لو طلقها طلاقا بائنا والقول الثاني يلحقه لانها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والإيلاء فإذا قلنا بهذا فإلى متى يلحقه ولدها فيه وجهان قال أبو إسحق يلحقه أبدا لان العدة يجوز أن تمتد لان أكثر الطهر لا حد له ومن أصحابنا من قال يلحقه إلى أربع سنين من وقت نقضاء العدة وهو الصحيح لان العدة إذا نقضت بانت وصارت كالمبتوتة فصل وإن كانت له زوجة يلحقه ولدها ووطئها رجل بالشبهة وادعى الزوج أن الولد من الواطىء عرض معهما على القافة ولا يلاعن لنفيه لانه يمكن نفيه بغير لعان وهو القافة فلا يجوز نفيه باللعان فإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك حتى يبلغ السن الذي ينسب فيه إلى أحدهما فإن بلغ وانتسب إلى الواطىء بشبهة انتفى عن الزوج بغير لعان وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان لانه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان وإن قال زنى بك فلان وأنت مكرهة والولد منه ففيه قولان أحدهما لا يلاعن لنفيه لان أحدهما ليس بزان فلم يلاعن لنفى الولد كما لو وطئها رجل بشبهة وهي زانية والثاني أن له أن يلاعن وهو الصحيح لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان كما لو كانا زانيين فصل وإن أتت مرأته بولد فادعى الزوج أنه من زوج قبله وكان لها زوج قبله نظرت فإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الأول ولدون ستة أشهر من عقد الزواج الثاني فهو للأول لانه يمكن أن يكون منه وينتفي عن الزوج بغير لعان لانه لا يمكن أن يكون منه وإن وضعته لاكثر من أربع سنين من طلاق الأول ولاقل من ستة أشهر من عقد الزوج الثاني انتفى عنهما لانه لا يمكن أن يكون من واحد منهما وإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الأول ولستة أشهر فصاعدا من عقد الزوج الثاني عرض على القافة لانه يمكن أن يكون من كل واحد منهما فإن ألحقته بالأول لحق به وانتفى عن الزوج بغير لعان وإن ألحقته بالزوج لحق به ولا ينتفي عنه إلا باللعان وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب
فإن انتسب إلى الأول انتفى عن الزوج بغير لعان وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان وإن لم يعرف وقت طلاق الأول ووقت نكاح الزوج فالقول قول الزوج مع يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه لأن الأصل عدم الولادة وانتفاء النسب فإن حلف سقطت دعواها وانتفى النسب بغير لعان لأنه لم يثبت ولادته على فراشه وإن نكل رددنا اليمين عليها وإن حلفت لحق النسب بالزوج ولا ينتفي إلا باللعان لانه ثبتت ولادته على فراشه وإن نكلت فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي فيحلف ويثبت نسبه فيه وجهان بناء على القولين في رد اليمين على الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن وادعى أن المرتهن أذن له في وطئها وأنكر المرتهن ونكلا جميعا عن اليمين أحدهما لا ترد ( اليمين ) لان اليمين حق للزوجة وقد أسقطته بالنكول فلم يثبت لغيرها والثاني ترد لانه يتعلق بيمينها حقها وحق الولد فإذا أسقطت حقها لم يسقط حق الولد فصل وإن جاءت امرأة ومعها ولد وادعت أنه ولدها منه وقال الزوج ليس هذا مني ولا هو منك بل هو لقيط أو مستعار لم يقبل قولها أنه منها من غير بينة لان الولادة يمكن إقامة البينة عليها والأصل عدمها فلم يقبل قولها من غير بينة فإن قلنا إن الولد يعرض مع الأم على القافة في ( أحد الوجهين ) عرض على القافة فإن لحقته بالأم لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانها أتت به على فراشه ولا ينتفي عنه إلا باللعان وإن قلنا إن الولد لا يعرض مع الأم على القافة أو لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها فالقول قول الزوج مع يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه فإذا حلف انتفى النسب من غير لعان لانه لم تثبت ولادته على فراشه وإن نكل رددنا اليمين عليها فإن حلفت لحقه نسبه ولا ينتفي عنه إلا باللعان وإن نكلت فهل توقف اليمين على بلوغ الولد ليحلف على ما ذكرناه من الوجهين في الفصل قبله فصل إذا تزوج امرأة وهي وهو ممن يولد له ووطئها ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة ولا غيرها وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا لحقه نسبه ولا يحل له نفيه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت آية الملاعنة أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه حتجب الله عنه وفضحه الله على رووس الأولين والآخرين وإن أتت مرأته بولد يلحقه في الظاهر بحكم الإمكان وهو يعلم أنه لم يصبها وجب عليه نفيه باللعان لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما مرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله تعالى جنته فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم دل على أن الرجل مثلها ولانه إذا لم ينفه جعل الأجنبي مناسبا له ومحرما له ولاولاده ومزاحما لهم في حقوقهم وهذا لا يجوز ولا يجوز أن يقذفها لجواز أن يكون من وطء شبهة أو من زوج قبله فصل وإن وطىء زوجته ثم استبرأها لحيضة وطهرت ولم يطأها وزنت وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا لزمه قذفها ونفي النسب لما ذكرناه وإن وطئها في الطهر الذي زنت فيه فأتت بولد وغلب على ظنه أنه ليس منه بأن علم أنه ( كان ) يعزل منها أو رأى فيه شبها بالزاني لزمه نفيه باللعان وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس منه لم ينفه لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر فصل وإن أتت امرأته بولد أسود وهما أبيضان
أو بولد أبيض وهما أسودان ففيه وجهان أحدهما أن له أن ينفيه لما روى ابن عباس رضي الله عنه في حديث هلال بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رميت به فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فجعل الشبه دليلا على أنه ليس منه والثاني أنه لا يجوز نفيه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بني فزارة فقال إن مرأتي جاءت بولد أسود ( ونحن أبيضان ) فقال هل لك من إبل قال نعم قال ما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال إن فيها لورقا قال فأنى ترى ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق فصل وإن أتت مرأته بولد وكان يعزل عنها إذا وطئها لم يجز له نفيه لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان أفنعزل عنهن فقال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل إذا قضى خلق نسمة خلقها ولانه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فتعلق به وإن أتت بولد وكان يجامعها فيما دون الفرج ففيه وجهان أحدهما لا يجوز له النفي لانه قد يسبق الماء إلى الفرج فتعلق به والثاني أن له نفيه لان الولد من أحكام الوطء فلا يتعلق بما دونه كسائر الأحكام وإن أتت بولد وكان يطوها في الدبر ففيه وجهان أحدهما لا يجوز له نفيه لانه قد يسبق من الماء إلى الفرج ما تعلق به والثاني له نفيه لانه موضع لا يبتغى منه الولد فصل إذا قذف زوجته وانتفى عن الولد فإن كان حملا فله أن يلاعن وينفي الولد لان هلال بن أمية لاعن على ( نفي ) الحمل وله أن يوخره إلى أن تضع لانه يجوز أن يكون ريحا أو غلظا فيوخر ليلاعن على يقين وإن كان الولد منفصلا ففي وقت نفيه قولان أحدهما له الخيار في نفيه ثلاثة أيام لانه قد يحتاج إلى الفكر والنظر فيما يقدم عليه من النفي فجعل الثلاث حدا لانه قريب ولهذا قال الله عز وجل ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ثم فسر القريب بالثلاث فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب والثاني وهو المنصوص في عامة الكتب أنه على الفور لانه خيار غير مود لدفع الضرر فكان على الفور كخيار الرد بالعيب فإن حضرت الصلاة فبدأ بها أو كان جائعا فبدأ بالأكل أو له مال غير محرز وشتغل بإحرازه أو كان عادته الركوب واشتغل بإسراج المركوب فهو على حقه من النفي لانه تأخير لعذر وإن كان محبوسا أو مريضا أو قيما على مريض أو غائبا لا يقدر على المسير وأشهد على النفي فهو على حقه وإن لم يشهد مع القدرة على الإشهاد سقط حقه لانه لما تعذر عليه الحضور للنفي أقيم الإشهاد مقامه إلى أن يقدر كما أقيمت الفيئة باللسان مقام الوطء في حق المولى إذا عجز عن الوطء إلى أن يقدر فصل وإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة فإن كان في موضع لا يجوز أن يخفى عليه ذلك من طريق العادة بأن كان معها في دار أو محلة صغيرة لم يقبل لانه يدعي خلاف الظاهر وإن كان في موضع يجوز أن يخفى عليه كالبلد الكبير فالقول قوله مع يمينه لان ما يدعيه ظاهر
وإن قال علمت بالولادة إلا أني لم أعلم أن لي النفي فإن كان ممن يخالط أهل العلم لم يقبل قوله لانه يدعي خلاف الظاهر وإن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في موضع بعيد من أهل العلم قبل قوله لان الظاهر أنه صادق فيما يدعيه وإن كان في بلد فيه أهل العلم إلا أنه من العامة ففيه وجهان أحدهما لا يقبل كما لا يقبل قوله إذا ادعى الجهل برد المبيع بالعيب والثاني يقبل لان هذا لا يعرفه إلا الخواص من الناس بخلاف رد المبيع بالعيب فإن ذلك يعرفه الخاص والعام فصل وإن هنأه رجل بالولد فقال بارك الله لك في مولودك وجعله الله لك خلفا مباركا وأمن على دعائه أو قال استجاب ( الله ) دعاءك سقط حقه من النفي لان ذلك يتضمن الإقرار به وإن قال أحسن الله جزاءك أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله لم يسقط حقه من النفي لانه يحتمل أنه قال له ذلك ليقابل التحية بالتحية فصل وإن كان الولد حملا فقال أخرت النفي حتى ينفصل ثم ألاعن على يقين فالقول قوله مع يمينه لانه تأخير لعذر يحتمله الحال وإن قال أخرت لاني قلت لعله يموت فلا أحتاج إلى اللعان سقط حقه من النفي لانه ترك النفي من غير عذر فصل إذا أتت مرأته بولدين توأمين وانتفى عن أحدهما وأقر بالآخر أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان لانهما حمل واحد فلا يجوز أن يلحقه أحدهما دون الآخر وجعلنا ما انتفى منه تابعا لما أقر به ولم نجعل ما أقر به تابعا لما انتفى منه لان النسب يحتاط لإثباته ولا يحتاط لنفيه ولهذا إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه ويمكن ألا يكون منه ألحقناه به احتياطا لإثباته ولم ننفه احتياطا لنفيه وإن أتت بولد فنفاه باللعان ثم أتت بولد آخر لاقل من ستة أشهر من ولادة الأول لم ينتف الثاني من غير اللعان لان اللعان يتناول الأول فإن نفاه باللعان انتفى وإن أقر به أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان لانهما حمل واحد وجعلنا ما نفاه تابعا لما لحقه ولم نجعل ما لحقه تابعا لما نفاه لما ذكرناه في التوأمين وإن أتت بالولد الثاني لستة أشهر من ولادة الأول نتفى بغير لعان لانها علقت به بعد زوال الفراش فصل وإن لاعنها على حمل فولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر لم يلحقه واحد منهما لانهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر انتفى الأول باللعان وانتفى الثاني بغير لعان لانا تيقنا بوضع الأول براءة رحمها منه وأنها علقت بالثاني بعد زوال الفراش فصل وإن قذف امرأته بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح فإن لم يكن نسب لم يلاعن لاسقاط الحد لانه قذف غير محتاج إليه فلم يجز تحقيقه باللعان كقذف الأجنبية وإن كان هناك نسب يلحقه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه لا يلاعن لانه قذف غير محتاج إليه لانه كان يمكنه أن يطلق ولا يضيفه إلى ما قبل العقد والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن له أن يلاعن لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا ينتفي بغير لعان فجاز له نفيه باللعان فصل وإن أبانها ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال النكاح فإن لم يكن نسب لم يلاعن لدرء الحد لانه قذف غير محتاج إليه وإن كان هناك نسب فإن كان ولدا منفصلا فله أن يلاعن لنفيه لانه يحتاج إلى نفيه باللعان وإن كان حملا فقد روى المزني في المختصر أن له أن ينفيه وروى في الجامع أنه لا يلاعن حتى ينفصل الحمل واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحق لا يلاعن قولا واحدا وما رواه المزني في المختصر أراد إذا انفصل وقد بين في الأم فإنه قال لا يلاعن حتى ينفصل ووجهه أن الحمل غير متحقق لجواز أن يكون ريحا فينفش
ويخالف إذا قذفها في حال الزوجية لان هناك يلاعن لدرء الحد فتبعه نفي الحمل وههنا ينفرد الحمل ( حتى يتحقق ) باللعان فلم يجز قبل أن يتحقق ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يلاعن حتى ينفصل لما ذكرناه والثاني يلاعن وهو الصحيح لان الحمل موجود في الظاهر ومحكوم بوجوده ولهذا أمر بأخذ الحامل في الديات ومنع من أخذها في الزكاة ومنعت الحامل إذا طلقت أن تتزوج حتى تضع وهذه الطريقة هي الصحيحة لان الشافعي رحمه الله نص في مثلها على قولين وهي في نفقة المطلقة الحامل فقال فيها قولان أحدهما تجب لها النفقة يوما بيوم والثاني لا تجب حتى ينفصل فصل وإن قذف مرأته وانتفى عن حملها وأقام على الزنا بينة سقط عنه الحد بالبينة وهل له أن يلاعن لنفي الحمل قبل أن ينفصل على ما ذكرناه من الطريقين في الفصل قبله فصل وإن قذف امرأته في نكاح فاسد فإن لم يكن نسب لم يلاعن لدرء الحد لانه قذف غير محتاج إليه وإن كان هناك نسب فإن كان ولدا منفصلا فله أن يلاعن لنفيه لانه ولد يلحقه بغير رضاه لا ينتفي عنه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان كالولد في النكاح الصحيح وإن كان حملا فعلى ما ذكرناه من الطريقين فصل وإن ملك أمة لم تصر فراشا بنفس الملك لانه قد يقصد بملكها الوطء وقد يقصد به التمول والخدمة والتجمل فلم تصر فراشا فإن وطئها صارت فراشا له فإن أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه لان سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة فقال عبد هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك الولد للفراش وللعاهر الحجر وروى بن عمر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلونهن لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو تركوا وإن قذفها وانتفى عن ولدها فقد قال أحمد أما تعجبون من أبي عبد الله يقول بنفي ولد الأمة باللعان فجعل أبو العباس هذا قولا ووجهه أنه كالنكاح في لحوق النسب فكان كالنكاح في النفي باللعان ومن أصحابنا من قال لا يلاعن لنفيه قولا واحدا لانه يمكنه نفيه بغير اللعان وهو بأن يدعي الاستبراء ويحلف عليه فلم يجز نفيه باللعان بخلاف النكاح فإنه لا يمكنه نفي الولد ( فيه ) بغير لعان ولعل أحمد أراد بأبي عبد الله غير الشافعي رحمة الله عليهما فصل إذا قذف امرأته بزناءين وأراد اللعان كفاه لهما لعان واحد لانه في أحد القولين يجب حد واحد فكفاه في إسقاطه لعان واحد وفي القول الثاني يجب حدان إلا أنهما حقان لواحد فاكتفي فيهما بلعان واحد كما يكتفى في حقين لواحد بيمين واحد وإن قذف أربع نسوة أفرد كل واحدة منهن بلعان لانها أيمان فلم تتداخل فيها حقوق الجماعة كالأيمان في المال وإن قذفهن بكلمات بدأ بلعان من بدأ بقذفها لان حقها أسبق وإن قذفهن بكلمة واحدة وتشاححن في البداية أقرع بينهن فمن خرجت لها القرعة بدأ بلعانها وإن بدأ بلعان إحداهن من غير قرعة جاز لان الباقيات يصلن إلى حقوقهن من اللعان من غير نقصان باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الأحكام يصح اللعان من كل زوج بالغ عاقل ( مختار ) مسلما كان أو كافرا حرا كان أو عبدا لقوله عز وجل والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ولان اللعان لدرء العقوبة الواجبة بالقذف ونفي النسب والكافر كالمسلم والعبد كالحر في ذلك فأما الصبي والمجنون فلا يصح لعانهما لانه قول يوجب الفرقة فلم يصح من الصبي والمجنون كالطلاق وأما الأخرس فإنه إن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصح لعانه لانه في معنى المجنون وإن كانت له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لعانه لانه كالناطق في نكاحه وطلاقه فكان كالناطق في لعانه
وأما من عتقل لسانه فإنه إن كان مأيوسا منه صح لعانه بالإشارة كالأخرس وإن لم يكن مأيوسا منه ففيه وجهان أحدهما لا يصح لعانه لانه غير مأيوس من نطقه فلم يصح لعانه بالإشارة كالساكت والثاني يصح لان أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنها أصمتت فقيل لها ألفلان كذا ولفلان كذا فأشارت أي نعم فرفع ذلك فرويت أنها وصية ولانه عاجز عن النطق يصح لعانه بالإشارة كالأخرس فصل وإن كان أعجميا فإن كان يحسن بالعربية ففيه وجهان أحدهما يصح لعانه بلسانه فصح بالعجمية مع القدرة على العربية كسائر الأيمان والثاني لا يصح لان الشرع ورد فيه بالعربية فلم يصح بغيرها مع القدرة كأذكار الصلاة فإن لم يحسن بالعربية لاعن بلسانه لانه ليس بأكثر من أذكار الصلاة وأذكار الصلاة تجوز بلسانه إذا لم يحسن بالعربية فكذلك اللعان وإن كان الحاكم لا يعرف لسانه أحضر من يترجم عنه وفي عدده وجهان بناء على القولين في الشهادة على الإقرار بالزنا أحدهما يحتاج إلى أربعة والثاني يكفيه ثنان فصل ولا يصح اللعان إلا بأمر الحاكم لانه يمين في دعوى فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى فإن كان الزوجان مملوكين جاز للسيد أن يلاعن بينهما لانه يجوز أن يقيم عليهما الحد فجاز أن يلاعن بينهما كالحاكم فصل واللعان هو أن يقول الزوج أربع مرات أشهد بالله إني لمن الصادقين ثم يقول وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين وتقول المرأة أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ثم تقول وعلي غضب الله إن كان من الصادقين والدليل عليه قوله عز وجل والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإن أخل أحدهما بأحد هذه الألفاظ الخمسة لم يعتد به لان الله عز وجل علق الحكم على هذه الألفاظ فدل على أنه لا يتعلق بما دونها ولانه بينة يتحقق بها الزنا فلم يجز النقصان عن عددها كالشهادة وإن أبدل لفظ الشهادة بلفظ من ألفاظ اليمين بأن قال أحلف أو أقسم أو أولي ففيه وجهان أحدهما يجوز لان اللعان يمين فجاز بألفاظ اليمين والثاني أنه لا يجوز لانه أخل باللفظ المنصوص عليه وإن أبدل لفظ اللعنة بالإبعاد أو لفظ الغضب بالسخط ففيه وجهان أحدهما يجوز لان معنى الجميع واحد والثاني لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه وإن أبدلت المرأة لفظ الغضب بلفظ اللعنة لم يجز لان الغضب أغلظ ولهذا خصت المرأة به لان المعرة بزناها أقبح وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه بالقذف وإن أبدل الرجل لفظ اللعنة بلفظ الغضب ففيه وجهان أحدهما يجوز لان الغضب أغلظ والثاني لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه وإن قدم الرجل لفظ اللعنة على لفظ الشهادة أو قدمت المرأة لفظ الغضب على لفظ الشهادة ففيه وجهان أحدهما يجوز لان القصد منه التغليظ وذلك يحصل مع التقديم والثاني لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه فصل والمستحب أن يكون اللعان بحضرة جماعة لان بن عباس وبن عمر وسهل بن سعد رضي الله عنهم حضروا اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم على حداثة سنهم والصبيان لا يحضرون المجالس إلا تابعين للرجال فدل على أنه قد حضر جماعة من الرجال فتبعهم الصبيان ولان اللعان بني على التغليظ للردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في الردع والمستحب أن يكونوا أربعة لان اللعان سبب للحد ولا يثبت الحد إلا بأربعة فيستحب أن يحضر ذلك العدد ويستحب أن يكون بعد العصر لان اليمين فيه أغلظ والدليل عليه قوله عز وجل تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله قيل هو بعد ( صلاة ) العصر