Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه يجب فيه خمس من الإبل وهو الصحيح لانه لو أوضحه وهشمه وجب عليه عشر من الإبل فدل على أن الخمس الزائدة لأجل الهاشمة وقد وجدت الهاشمة فوجب فيها الخمس وإن هشم هاشمتين بينهما حاجز وجب عليه أرش هاشمتين كما قلنا فى الموضحتين فصل ويجب فى المنقلة خمس عشرة من الإبل لما روى عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن فى المنقلة خمس عشرة من الإبل وإن أوضح رأسه موضحة ونزل فيها إلى الوجه ففيه وجهان أحدهما أنه يجب عليه أرش موضحتين لانه أوضح فى عضوين فوجب أرش موضحتين كما لو فصل بينهما والثانى يجب أرش موضحة لانها موضحة واحدة فأشبه إذا أوضح فى الهامة موضحة ونزل فيها إلى الناصية وإن أوضح فى الرأس موضحة ونزل فيها إلى القفا وجب عليه أرش الموضحة فى الرأس ويجب عليه حكومة فى الجراحة فى القفا لانه ليس بمحل للموضحة فانفرد الجرح فيه بالضمان فصل ويجب فى المأمومة ثلث الدية لما روى عكرمة بن خالد أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى فى المأمومة بثلث الدية وأما الدامغة فقد قال بعض أصحابنا يجب فيها ما يجب فى المأمومة وقال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردى البصرى يجب عليه أرش المأمومة وحكومة لان خرق الجلد جناية بعد المأمومة فوجب لاجلها حكومة فصل وإن شج رأس رجل موضحة فجاز آخر فجعلها هاشمة وجاء آخر فجعلها منقلة وجاء آخر فجعلها مأمومة وجب على الأول خمس من الإبل وعلى الثانى خمس وعلى الثالث خمس وعلى الرابع ثمان عشر بعيرا وثلث لان ذلك جناية كل واحد منهم فصل وأما الشجاج التى قبل الموضحة وهى خمسة الخارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق فينظر فيها فإن أمكن معرفة قدرها من الموضحة بأن كانت فى الرأس موضحة فشج رجل بجنبها باضعة أو متلاحمة وعرف قدر عمقها ومقدارها من الموضحة من نصف أو ثلث أو ربع وجب عليه قدر ذلك من أرش الموضحة لانه يمكن تقدير أرشها بنفسها فلم تقدر بغيرها وإن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة وجبت فيها الحكومة لان تقدير الأرش بالشرع ولم يرد الشرع بتقدير الأرش فيما دون الموضحة وتعذر معرفة قدرها من الموضحة فوجبت فيها الحكومة فصل وأما الجروح فيما سوى الرأس والوجه فضربان جائفة وغير جائفة فأما غير الجائفة فهى الجراحات التى لا تصل إلى جوف والواجب فيها الحكومة فإن أوضح عظما فى غير الرأس والوجه أو هشمه أو نقله وجب فيه الحكومة لانها لا تشارك نظائرها من الشجاج التى فى الرأس والوجه فى الاسم ولا تساويها فى الشين والخوف عليه منها فلم تساوها فى تقدير الأرش وأما الجائفة وهى التى تصل إلى الجوف من البطن أو الظهر أو الورك أو الصدر أو ثغرة النحر فالواجب فيها ثلث الدية لما روى فى حديث عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن فى الجائفة ثلث الدية فإن أجاف جائفتين بينهما حاجز وجب فى كل واحدة منهما ثلث الدية وإن أجاف جائفة فجاز آخر ووسعها فى الظاهر والبطن وجب على الثانى ثلث الدية لان هذا القدر لو انفرد لكان جائفة فوجب فيه أرش الجائفة فإن وسعها فى الظاهر دون الباطن أو فى الباطن دون الظاهر وجب عليه حكومة لان جنايته لم تبلغ الجائفة وإن جرح فخذه وجر السكين حتى بلغ الورك وأجاف فيه أو جرح الكتف وجر السكين حتى بلغ الصدر وأجاف فيه وجب عليه أرش الجائفة وحكومة فى الجراحة لان الجراحة فى غير موضع الجائفة فانفردت بالضمان كما قلنا فيمن نزل فى موضحة الرأس إلى القفا
وإن طعن بطنه بسنان فأخرجه من ظهره أو طعن ظهره فأخرجه من بطنه وجب عليه فى الداخل إلى الجوف أرش الجائفة لانها جائفة وفى الخارج منه إلى الظاهر وجهان أحدهما وهو المنصوص أنه جائفة ويجب فيها أرش جائفة أخرى لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر رضى الله عنه قضى فى الجائفة إذا نفذت من الجوف جائفتان ولانها جراحة نافذة إلى الجوف فوجب فيها أرش جائفة كالداخلة إلى الجوف والثانى ليس بجائفة ويجب فيها حكومة لان الجائفة ما تصل من الظاهر إلى الجوف وهذه خرجت من الجوف إلى الظاهر فوجب فيها حكومة فصل وإن طعن وجنته فهشم العظم ووصلت إلى الفم ففيه قولان أحدهما إنها جائفة ويجب فيها ثلث الدية لانها جراحة من ظاهر إلى جوف فأشبهت الجراحة الواصلة إلى الباطن والثانى أنه ليس بجائفة لانه لا تشارك الجائفة فى إطلاق الاسم ولا تساويها فى الخوف عليه منها فلم تساوها في أرشها فعلى هذا يجب عليه دية هاشمة لانه هشم العظم ويجب عليه حكومة لما زاد على الهاشمة فصل وإن خاط الجائفة فجاء رجل وفتق الخياطة نظرت فإن كان قبل الالتحام لم يلزمه أرش لانه لم توجد منه جناية ويلزمه قيمة الخيط وأجرة المثل للخياطة وإن كان بعد التحام الجميع لزمه أرش جائفة لانه بالالتحام عاد إلى ما كان قبل الجناية ويلزمه قيمة الخيط ولا تلزمه أجرة الخياطة لانها دخلت فى أرش الجائفة وإن كان بعد التحام بعضها لزمه الحكومة لجنايته على ما التحم وتلزمه قيمة الخيط ولا تلزمه أجرة الخياطة لانها دخلت فى الحكومة فصل وإن أدخل خشبة أو حديدة فى دبر إنسان فخرق حاجزا فى الباطن ففيه وجهان بناء على الوجهين فيمن خرق الحاجز بين الموضحتين فى الباطن أحدهما يلزمه أرش جائفة لانه خرق حاجزا إلى الجوف والثانى تلزمه حكومة لبقاء الحاجز الظاهر فصل وإن أذهب بكارة امرأة بخشبة أو نحوها لزمته حكومة لانه إتلاف ( حاجز ) وليس فيه أرش مقدر فوجبت فيه الحكومة وإن أذهبها بالوطء لم يلزمه أرش لانها إن طاوعته فقد أذنت فيه وإن أكرهها دخل أرشها فى المهر لانا نوجب عليه مهر بكر فصل وأما الأعضاء فيجب الأرش فى إتلاف كل عضو فيه منفعة أو جمال فيجب فى إتلاف العينين الدية وفى أحدهما نصفها لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى كتاب كتبه لعمرو بن حزم هذا كتاب الجروح فى النفس مائة من الإبل وفى العين خمسون من الإبل فأوجب فى كل عين خمسين من الإبل فدل على أنه يجب فى العينين مائة ولانها من أعظم الجوارح جمالا ومنفعة ويجب فى عين الأعور نصف الدية للخبر ولان ما ضمن بنصف الدية مع بقاء نظيره ضمن به مع فقد نظيره كاليد وإن جنى على عينيه أو رأسه أو غيرهما فذهب ضوء العينين وجبت الدية لانه أتلف المنفعة المقصودة بالعضو فوجبت ديته كما لو جنى على يده فشلت وإن ذهب الضوء من إحداهما وجب نصف الدية لان ما أوجب الدية فى إتلافهما أوجب نصف الدية فى إتلاف إحداهما كاليدين وإن أزال الضوء فأخذت منه الدية ثم عاد وجب رد الدية لانه لما عاد علمنا أنه لم يذهب لان الضوء إذا ذهب لم يعد وإن زال الضوء فشهد ( رجلان ) عدلان من أهل الخبرة أنه يرجى عوده فإن لم يقدر لعوده مدة معلومة لم ينتظر لان الانتظار إلى غير مدة معلومة يؤدى إلى إسقاط موجب الجناية وإن قدر مدة معلومة انتظر وإن عاد الضوء لم يجب شيء وإن لم يعد أخذ الجانى بموجب الجناية من القصاص أو الدية وإن مات قبل انقضاء المدة لم يجب القصاص لانه موضع شبهة لانه يجوز ألا يكون بطل الضوء ولعله لو عاش لعاد والقصاص يسقط بالشبهة وأما الدية فقد قال فيمن قلع سنا وقال أهل الخبرة يرجى عوده إلى مدة فمات قبل انقضائها إن فى الدية قولين أحدهما تجب لانه أتلف ولم يعد
والثانى لا تجب لانه لم يتحقق الإتلاف ولعله لو بقى لعاد فمن أصحابنا من جعل فى دية الضوء قولين ومنهم من قال تجب دية الضوء قولا واحدا لان عود الضوء غير معهود بخلاف السن فإن عودها معهود فصل فإن جنى على عينيه فنقص الضوء منهما فإن عرف مقدار النقصان بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصف تلك المسافة وجب من الدية بقسطها لانه عرف مقدار ما نقص فوجب بقسطه وإن لم يعرف قدر النقصان بأن ساء إدراكه وجبت فيه الحكومة لانه تعذر التقدير فوجبت فيه الحكومة وإن نقص الضوء فى إحدى العينين عصبت العليلة وأطلقت الصحيحة ووقف له شخص فى موضع يراه ثم لا يزال يبعد الشخص ويسأل عنه إلى أن يقول لا أراه ويمسح قدر المسافة ثم تطلق العليلة وتعصب الصحيحة ولا يزال يقرب الشخص إلى أن يراه ثم ينظر ما بين المسافتين فيجب من الدية بقسطها فصل وإن جنى على عين صبى أو مجنون فذهب ضوء عينه وقال أهل الخبرة قد زال الضوء ولا يعود ففيه قولان أحدهما أنه لا يجب عليه فى الحال شيء حتى يبلغ الصبى ويفيق المجنون ويدعى زوال الضوء لجواز ألا يكون الضوء زائلا والقول الثانى أنه يجب القصاص أو الدية لان الجناية قد وجدت فتعلق بها موجبها فصل وإن جنى على عين فشخصت أو احولت وجبت عليه حكومة لانه نقصان جمال من غير منفعة فضمن بالحكومة وإن أتلف عينا قائمة وجبت عليه الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فوجبت فيها الحكومة فصل ويجب فى الجفون الدية لان فيها جمالا كاملا ومنفعة كاملة لانها تقى العين من كل ما يؤذيها ويجب فى كل واحد منها ربع الدية لانه محدود لانه ذو عدد تجب الدية فى جميعها فوجب فى كل واحد منها ما يخصها من الدية كالأصابع وإن قلع الأجفان والعينين وجب عليه ديان لانهما جنسان يجب بإتلاف كل واحد منهما الدية فوجب بإتلافهما ديان كاليدين والرجلين فإن أتلف الأهداب وجبت عليه الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فضمن بحكومة وإن قلع الأجفان وعليها الأهداب ففيه وجهان أحدهما لا يجب للأهداب حكومة لانه شعر نابت فى العضو المتلف فلا يفرد بالضمان كشعر الذراع والثانى يجب للأهداب حكومة لان فيها جمالا ظاهرا فأفردت عن العضو بالضمان فصل ويجب فى الأذنين الدية وفى أحدهما نصفها لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب فى كتاب عمرو بن حزم فى الأذن خمسون من الإبل فأوجب فى الأذن خمسين من الإبل فدل على أنه يجب فى الأذنين مائة ولان فيها جمالا ظاهرا ومنفعة مقصودة وهو أنها تجمع الصوت وتوصله إلى الدماغ فوجب فيها الدية كالعين وإن قطع بعضها من نصف أو ربع أو ثلث وجب فيه من الدية بقسطه لان ما وجبت الدية فيه وجبت فى بعضه بقسطه كالأصابع وإن ضرب أذنه فاستحشفت ففيه قولان أحدهما تجب عليه الدية كما لو ضرب يده فشلت والثانى تجب عليه الحكومة لانه منفعة الأذن جمع الصوت وذلك لا يزول بالاستحشاف بخلاف اليد فإن منفعتها بالبطش وذلك يزول بالشلل وإن قطع أذنا مستحشفة فإن قلنا إنه إذا ضربها فاستحشفت وجبت عليه الدية وجب فى المستحشفة الحكومة كما لو قطع يدا شلاء وإن قلنا إنه تجب عليه الحكومة وجب فهى المستحشفة الدية كما لو قطع يدا مجروحة فإن قطع أذن الأصم وجبت عليه الدية لان عدم السمع نقص فى غير الأذن فلا يؤثر فى دية الأذن فصل ويجب فى السمع الدية
لما روى أبو المهلب عن أبى قلابة أن رجلا رمى رجلا بحجر فى رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه فقضى فيه عمر رضى الله عنه بأربع ديات والرجل حى ولانها حاسة تختص بمنفعة فأشبهت حاسة البصر وإن أذهب السمع فى أحد الأذن وجب نصف الدية لان كل شيئين وجبت الدية فيهما وجب نصفها فى أحدهما كالأذنين وإن قطع الأذنين وذهب السمع وجب عليه ديتان لان السمع فى غير الأذن فلا تدخل دية أحدهما فى الآخر وإن جنى عليه فزال السمع وأخذت منه الدية ثم عاد وجب رد الدية لانه لم يذهب السمع لانه لو ذهب لما عاد وإن ذهب السمع فشهد شاهدان من أهل الخبرة أنه يرجى عوده إلى مدة فالحكم فيه كالحكم فى العين إذا ذهب ضوؤها فشهد شاهدان أنه يرجى عوده وقد بيناه وإن نقص السمع وجب أرش ما نقص فإن عرف القدر الذى نقص بأن كان يسمع الصوت من مسافة فصار لا يسمع إلا من بعضها وجب فيه من الدية بقسطه وإن لم يعرف القدر بأن ثقلت أذنه وساء سمعه وجبت الحكومة وإن نقص السمع فى أحد الأذنين سدت العليلة وأطلقت الصحيحة ويؤمر رجل حتى يصيح من موضع يسمعه ثم لا يزال يبعد ويصيح إلى أن يقول لا أسمع ثم تمسح المسافة ثم تطلق العليلة وتسد الصحيحة ثم يصيح الرجل ثم لا يزال يقرب ويصيح إلى أن يسمعه وينظر ما بين المسافتين ويجب من الدية بقسطه فصل ويجب فى مارن الأنف الدية لما روى طاوس قال كان فى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأنف إذا أوغب مارنه جدعا الدية ولانه عضو فيه جمال ظاهر ومنفعة كاملة ولانه يجمع الشم ويمنع من وصول التراب إلى الدماغ والأخشم كالأشم فى وجوب الدية لان عدم الشم نقص فى غير الأنف فلا يؤثر فى دية الأنف ويخالف العين القائمة فإن عدم البصر نقص فى العين فمنه من وجوب الدية فى العين وإن قطع جزءا من المارن كالنصف والثلث وجب فيه من الدية بقدره لان ما ضمن بالدية يضمن بعضه بقدره من الدية كالأصابع وإن قطع أحد المنخرين ففيه وجهان أحدهما وهو المنصوص أن عليه نصف الدية لانه أذهب نصف الجمال ونصف المنفعة والثانى يجب عليه ثلث الدية لان المارن يشتمل على ثلاثة أشياء المنخرين والحاجز فوجب فى كل واحد من المنخرين ثلث الدية وإن قطع أحد المنخرين والحاجز وجب عليه على الوجه الأول نصف الدية للحاجز وعلى الوجه الثانى يجب عليه ثلثا الدية ثلث للحاجز وثلث للمنخر وإن شق الحاجز وجب عليه حكومة وإن قطع المارن وقصبة الأنف وجب عليه الدية فى المارن والحكومة فى القصبة لان القصبة تابعة فوجب فيها الحكومة كالذراع مع الكف وإن جنى على المارن فاستحشف ففيه قولان كالقولين فيمن جنى على الأذن حتى استحشف أحدهما تجب عليه الدية والثانى تجب عليه الحكومة وقد مضى وجههما فى الأذن فصل وتجب بإتلاف الشم الدية لانها حاسة تختص بمنفعة مقصودة فوجب بإتلافها الدية كالسمع والبصر وإن ذهب الشم من أحد المنخرين وجب فيه نصف الدية كما تجب فى إذهاب البصر من أحد العينين والسمع من أحد الأذنين وإن جنى عليه فنقص الشم وجب عليه أرش ما نقص وإن أمكن أن يعرف قدر ما نقص وجب فيه من الدية بقدره وإن لم يمكن معرفة قدره وجبت فيه الحكومة لما بيناه فى نقصان السمع وإن ذهب الشم وأخذت ( فيه ) الدية ثم عاد وجب رد الدية لانا تبينا أنه لم يذهب وإنما حال دونه حائل لانه لو ذهب لم يعد فصل وإن جنى على رجل جناية لا أرش لها
بأن لطمه أو لكمه أو ضرب رأسه بحجر فزال عقله وجب عليه الدية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب فى كتاب عمرو بن حزم وفى العقل الدية ولان العقل أشرف من الحواس لان به يتميز الإنسان من البهيمة وبه يعرف حقائق المعلومات ويدخل فى التكليف فكان بإيجاب الدية أحق وإن نقص عقله فإن كان يعرف قدر ما نقص بأن يجن يوما ويفيق يوما وجب عليه من الدية بقدره لان ما وجبت فيه الدية وجب بعضها فى بعضه كالأصابع وإن لم يعرف قدره بأن صار إذا سمع صيحة زال عقله ثم يعود وجبت فيه الحكومة لانه تعذر إيجاب جزء مقدر من الدية فعدل إلى الحكومة فإن كانت الجناية لها أرش مقدر نظرت فإن بلغ الأرش قدر الدية أو أكثر لم يدخل فى دية العقل ولم تدخل فيه دية العقل لما روى أبو المهلب عم أبى قلابة أن رجلا رمى رجلا بحجر فى رأسه فذهب عقله وسمعه ولسانه ( ونكاحه ) فقضى فيه عمر رضى الله عنه بأربع ديات وهو حى وإن كان الأرش دون الدية كأرش الموضحة ونحوه ففيه قولان قال فى القديم يدخل فى دية العقل لانه معنى يزول التكليف بزواله فدخل أرش الطرف فى ديته كالنفس وقال فى الجديد لا يدخل وهو الصحيح لانه لو دخل فى ديته ما دون الدية لدخلت فيها الدية كالنفس ولان العقل فى محل والجناية فى محل آخر فلا يدخل أرشها فى ديتها كما لو أوضح رأسه فذهب بصره وإن شهر سيفا على صبى أو بالغ مضعوف أو صاح عليه صيحة عظيمة فزال عقله وجبت عليه الدية لان ذلك سبب لزوال عقله وإن شهر سيفا على بالغ متيقظ أو صاح عليه فزال عقله لم تجب عليه الدية لان ذلك ليس بسبب لزوال عقله فصل ويجب فى الشفتين الدية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب فى كتاب عمرو بن حزم فى الشفتين الدية ولان فيهما جمالا ظاهرا ومنافع كثيرة لانهما يقيان الفم من كل ما يؤذيه ويردان الريق وينفخ بهما ويتم بهما الكلام ويجب فى إحداهما نصف الدية لان كل شيئين وجب فيهما الدية وجب فى أحدهما نصف الدية كالعينين والأذنين وإن قطع بعضها وجب فيه من الدية بقدره كما قلنا فى الأذن والمارن وإن جنى عليهما فيبستا وجبت عليه الدية لانه أتلف منافعهما فوجبت عليه الدية كما لو جنى على يديه فشلتا فإن تقلصتا وجبت عليه الحكومة لان منافعهما لم تبطل وإنما حدث بهما نقص فصل ويجب فى اللسان الدية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب فى كتاب عمرو بن حزم وفى اللسان الدية ولان فيه جمالا ظاهرا ومنافع فأما الجمال فإنه من أحسن ما يتجمل به الإنسان والدليل عليه ما روى محمد بن على بن الحسين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للعباس أعجبنى جمالك يا عم النبى فقال يا رسول الله وما الجمال فى الرجل قال اللسان ويقال المرء بأصغريه قلبه ولسانه ويقال ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وأما المنافع فإنه يبلغ به الأغراض ويقضى به الحاجات وبه تتم العبادات فى القراءة والأذكار وبه يعرف ذوق الطعام والشراب ويستعين به فى مضغ الطعام وإن بنى عليه فخرس وجبت الدية لأنه أتلف عليه المنفعة المقصودة فأشبه إذا جنى على اليد فشلت أو على العين فعميت وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدره لان ما ضمن جميعه بالدية ضمن بعضه ببعضها كالأصابع ويقسم على حروف كلامه لان حروف اللغات مختلفة الأعداد فإن فى ( بعض ) اللغات ما عدد حروف كلامها أحد وعشرون حرفا ومنها ما عدد حروفها ستة وعشرون وحروف لغة العرب ثمانية وعشرون حرفا فإن كان المجنى عليه يتكلم بالعربية قسمت ديته على ثمانية وعشرين حرفا وقال أبو سعيد الإصطخرى يقسم على حروف اللسان وهى ثمانية عشر حرفا ويسقط حروف الحلق وهى ستة الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين
ويسقط حروف الشفة وهى أربعة الباء والميم والفاء والواو والمذهب الأول لان هذه الحروف وإن كان مخرجها الحلق والشفة إلا أن الذى ينطق بها هو اللسان ولهذا لا ينطق بها الأخرس وإن ذهب حرف من كلامه وعجز به عن كلمة وجب عليه أرش الحرف لان الضمان يجب لما تلف وإن جنى على لسانه فصار ألثغ وجب عليه دية الحرف الذى ذهب لان ما ابتدل به لا يقوم مقام الذاهب وإن جنى عليه فحصل فى لهسانه ثقل لم يكن أو عجلة لم تكن أو تمتمة لم تجب عليه دية لان المنفعة باقية وتجب عليه حكومة لما حصل من النقص والشين فصل وإن قطع ربع لسانه فذهب ربع كلامه وجب عليه ربع الدية وإن قطع نصف لسانه وذهب نصف كلامه وجب عليه نصف الدية لان الذى فات من العضو والكلام سواء فى القدر فوجب من الدية بقدر ذلك فإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام وجب عليه نصف الدية وإن قطع نصف اللسان وذهب ربع الكلام وجب عليه نصف الدية واختلف أصحابنا فى علته فمنهم من قال العلة فيه أن ما يتلف من اللسان مضمون وما يذهب من الكلام مضمون وقد اجتمعا فوجب أكثرهما وقال أبو إسحاق الاعتبار باللسان إلا أنه إذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام دل ذهاب نصف الكلام على شلل ربع آخر من اللسان فوجب عليه نصف الدية ربعها بالقطع وربعها بالشلل فإن قطع ربع اللسان وذهب نصف الكلام وقطع آخر ما بقى من اللسان وجب عليه على ( تعليل ) الأول ثلاثة أرباع الدية اعتبارا بما بقى من اللسان ويجب عليه على تعليل أبى إسحاق نصف الدية وحكومة لانه قطع من اللسان نصفا صحيحا وربعا أشل وإن قطع واحد نصف لسانه وذهب ربع الكلام وجاء الثانى وقطع الباقى وجب عليه على تعليل الأول ثلاثة أرباع الدية اعتبارا بما ذهب من الكلام ويجب عليه على تعليل أبى إسحاق نصف الدية اعتبارا بما قطع من اللسان وإن قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه فاقتص منه فذهب نصف كلامه فقد استوفى المجنى عليه حقه وإن ذهب ربع كلامه أخذ المجنى عليه مع القصاص ربع الدية لتمام حقه فإن ذهب بالقصاص ثلاثة أرباع كلامه لم يضمن الزيادة لانه ذهب بقود مستحق فصل وإن كان لرجل لسان له طرفان فقطع رجل أحد الطرفين فذهب كلامه وجبت عليه الدية وإن ذهب نصفه وجب عليه نصف الدية وإن ذهب ربعه وجب عليه ربع الدية وإن لنم يذهب من الكلام شيء نظرت فإن كانا متساويين فى الخلقة فهما كاللسان المشقوق ويجب بقطعهما الدية وبقطع أحدهما نصف الدية وإن كان أحدهما تام الخلقة والآخر ناقص الخلقة فالتام هو اللسان الأصلى والآخر خلقة زائدة فإن قطعهما قاطع وجب عليه دية وحكومة وإن قطع التام وجبت عليه دية وإن قطع الناقص وجبت عليه حكومة فصل وإن جنى على لسانه فذهب ذوقه فلا يحس بشىء من المذاق وهى خمسة الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة العذوبة وجبت عليه الدية لانه أتلف عليه حاسة لمنفعة مقصودة فوجبت عليه الدية كما لو أتلف عليه السمع أو البصر وإن نقص بعض الذوق نظرت فإن كان النقصان لا يتقدر بأن كان يحس بالمذاق الخمس إلا أنه لا يدركها على كمالها وجبت عليه والحكومة لانه نقص لا يمكن تقدير الأرش فيه فوجبت فيه حكومة وإن كان نقصا يتقدر بألا يدرك أحد المذاق الخمس ويدرك الباقى وجب عليه خمس الدية وإن لم يدرك اثنين وجب عليه خمسان لانه يتقدر المتلف فيقدر الأرش فصل وإن قطع لسان أخرس فإن كان بقى بعد القطع ذوقه وجبت عليه الحكومة لانه عضو بطلت منفعته فضمن بالحكومة كالعين القائمة واليد الشلاء وإن ذهب ذوقه بالقطع وجبت عليه دية كاملة لاتلاف حاسة الذوق وإن قطع لسان طفل فإن كان قد تحرك بالبكاء أو بما يعبر عنه اللسان كقوله بابا وماما وجبت عليه الدية لانه لسان ناطق
وإن لم يكن تحرك بالبكاء ولا بما يعبر عنه اللسان فإن كان بلغ حدا يتحرك اللسان فيه بالبكاء والكلام وجبت الحكومة لان الظاهر أنه لم يكن ناطقا لانه لو كان ناطقا لتحرك بما يدل عليه وإن قطعه قبل أن يمضى عليه زمان يتحرك فيه اللسان وجبت عليه الدية لان الظاهر السلامة فضمن كما تضمن أطرافه وإن لم يظهر فيها بطش فصل وإن قطع لسان رجل فقضى عليه بالدية ثم نبت لسانه فقد قال فيمن قلع سن من ثغر ثم نبت سنه إنه على قولين أحدهما يرد الدية والثانى لا يرد فمن أصحابنا من جعل اللسان أيضا على قولين وهو قول أبى إسحاق لانه إذا كان فى السن التى لا تنبت فى العادة إذا نبتت قولان وجب أن يكون فى اللسان أيضا قولان ومنهم من قال لا يرد الدية فى اللسان قولا واحدا وهو قول أبى على بن أبى هريرة والفرق بينه وبين السن أن فى جنس السن ما يعود وليس فى جنس اللسان ما يعود فوجب أن يكون ما عاد هبة مجددة فلم يسقط به بدل ما أتلف عليه وإن جنى على لسانه فذهب كلامه وقضى عليه بالدية ثم عاد الكلام وجب رد الدية قولا واحدا لان الكلام إذا ذهب لم يعد فلما عاد علمنا أنه لم يذهب وإنما امتنع لعارض فصل ويجب فى كل سن خمس من الإبل لما روى عمر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وفى السن خمس من الإبل والأنياب والأضراس والثنايا والرباعيات فى ذلك سواء للخبر ولانه جنس ذو عدد فلم تختلف ديتها باختلاف منافعها كالأصابع وإن قلع ما ظهر وخرج من لحم اللثة وبقى السنخ لزمه دية السن لان المنفعة والجمال فيما ظهر فكملت ديته كما لو قطع الأصابع دون الكف فإن عاد هو أو غيره وقلع السنخ المغيب وجبت عليه حكومة لانه تابع لما ظهر فوجبت فيه الحكومة كما لو قطع الكف بعدما قطع الأصابع وإن قلع السن من أصلها مع السنخ لم يلزمه لما تحتها من السنخ حكومة لان السنخ تابع لما ظهر فدخل فى ديته كالكف إذا قطع مع الأصابع وإن كسر بعض السن طولا أو عرضا وجب عليه من دية السن بقدر ما كسر منها من النصف أو الثلث أو الربع لان ما وجب فى جميعه الدية وجب فى بعضه من الدية بقدره كالأصابع ويعتبر القدر من الظاهر دون السنخ المغيب لان الدية تكمل بقطع الظاهر فاعتبر المكسور منه فإن ظهر السنخ المغيب بعلة اعتبر القدر المكسور بما كان ظاهرا قبل العلة لا بما ظهر بالعلة لان الدية تجب فيما كان ظاهرا فاعتبر القدر المكسور منه فصل وإن قلع سنا فيها شق أو أكلة فإن لم يذهب شيء من أجزائها وجبت فيها دية السن كاليد المريضة وإن ذهب من أجزائها شيء سقط من ديتها بقدر الذاهب ووجب الباقى فإن كانت إحدى ثنيتيه العلياوين أو السفلاوين أقصر من الأخرى فقلع القصيرة نقص من ديتها بقدر ما نقص منها لانهما لا يختلفان فى العادة فإذا اختلفا كانت القصيرة ناقصة فلم تكمل ديتها وإن قلع سنا مضطربة نظرت فإن كانت منافعها باقية مع حركتها من المضغ وحفظ الطعام والريق وجبت فيها الدية لبقاء المنفعة والجمال وإن ذهبت منافعها وجبت فيها الحكومة لانه لم يبق غير الجمال فلم يجب غير الحكومة كاليد الشلاء وإن نقصت منافعها فذهب بعضها وبقى البعض ففيه قولان أحدهما يجب فيها الدية لان الجمال تام والمنفعة باقية وإن كانت ضعيفة فكملت ديتها كما لو كانت ضعيفة من أصل الخلقة والثانى يجب فيها الحكومة لان المنفعة قد نقصت ويجهل قدر الناقص فوجب فيها الحكومة
وإن ضرب سنه فاصفرت أو احمرت وجبت فيها الحكومة لان منافعها باقية وإنما نقص بعض جمالها فوجب فيها الحكومة فإن ضربها فاسودت فقد قال فى موضع تجب فيها الحكومة وقال فى موضع تجب الدية وليست على قولين وإنما هى على اختلاف حالين فالذى قال تجب فيها الدية إذا ذهبت المنفعة والذى قال تجب فيها الحكومة إذا لم تذهب المنفعة وذكر المزنى أنها على قولين واختار أنه يجب الحكومة والصحيح هو الطريق الأول فصل وإذا قلع أسنان رجل كلها نظرت فإن قلع واحدة بعد واحدة وجب لكل سن خمس من الإبل فيجب فى أسنانه وهى اثنان وثلاثون سنا مائة وستون بعيرا وإن قلعها فى دفعة واحدة ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب عليه أكثر من دية لانه جنس ذو عدد فلم يضمن بأكثر من دية كأصابع اليدين والثانى أنه يجب فى كل سن خمس من الإبل وهو المذهب لحديث عمرو بن حزم ولان ما ضمن ديته بالجناية إذا انفرد لم تنقص ديته بانضمام غيره إليه كالموضحة فصل إذا قلع سن صغير لم يثغر لم يلزمه شيء فى الحال لان العادة فى سنه أن يعود وينبت فلم يلزمه شيء فى الحال كما لو نتف شعره فإن نبت له مثلها فى مكانها لم يلزمه ديتها وهل تلزمه حكومة فيه وجهان أحدهما لا تلزمه كما لو نتف شعره فنبت مثله والثانى تلزمه حكومة الجرح الذى حصل بالقلع وإن لم تنبت له ووقع الإياس من نباتها وجبت ديتها لانا تحققنا إتلاف السن وإن مات قبل الإياس من نباتها ففيه قولان أحدهما يجب عليه دية السن لانه قلع سنا لم تعد والثانى لا يجب لان الظاهر أنها تعود وإنما مات بموته وإن نبتت له سن خارجة عن صف الأسنان فإن كانت بحيث ينتفع بها وجبت ديتها وإن كانت بحيث لا ينتفع بها وجبت الحكومة للشين الحاصل بخروجها عن سمت الأسنان فإن نبتت أقصر من نظيرتها وجب عليه من ديتها بقدر ما نقص لانه نقص بجنايته فصار كما لو كسر بعض سن وإن نبت أطول منها فقد قال بعض أصحابنا لا يلزمه شيء وإن حصل بها شين لان الزيادة لا تكون من الجناية وقال الشيخ الإمام ) ويحتمل عندى أنه تلزمه الحكومة للشين الحاصل بطولها كما تلزمه فى الشين الحاصل بقصرها لان الظاهر أن الجميع حصل بسبت قلع السن وإن نبتت له سن صفراء أو سن خضراء وجبت عليه الحكومة لنقصان الكمال فإن قلع سن من أثغر وجبت ديتها فى الحال لان الظاهر أنه لا ينبت له مثلها فإن أخذ الدية ثم نبت له مثلها فى مكانها ففيه قولان أحدهما يجب رد الدية لانه عاد له مثلها فلم يستحق بدلها كالذى لم يثغر والثانى أنه لا يجب رد الدية لان العادة جرت فى سن من ثغر أنه لا يعود فإذا عادت كان ذلك هبة مجددة فلا يسقط به ضمان ما أتلف عليه فصل ويجب فى اللحيين الدية لان فيهما جمالا وكمالا ومنفعة كاملة فوجبت فيهما الدية كالشفتين وإن قلع أحدهما وتماسك الآخر وجب عليه نصف الدية لانهما عضوان تجب الدية فيهما فوجب نصف الدية فى أحدهما كالشفتين واليدين وإن قلع اللحيين مع الأسنان وجب عليه دية اللحيين ودية الأسنان ولا تدخل دية أحدهما فى الآخر لانهما جنسان مختلفان فيجب فى كل دية مقدرة فلم تدخل دية إحداهما فى دية الأخرى كالشفتين مع الأسنان وتخالف الكف مع الأصابع فإن الكف تابع للأصابع فى المنفعة واللحيان أصلان فى الجمال والمنفعة فهما كالشفتين مع الأسنان فصل ويجب فى اليدين الدية
لما روى معاذ رضى الله عنه أن النبى قال فى اليدين الدية ويجب فى إحداهما نصف الدية لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم حين أمره على نجران فى اليد خمسون من الإبل واليد التى تجب فيها الدية هى الكف فإن قطع الكف وجبت الدية وإن قطع من نصف الذراع أو من المرفق أو من العضد أو من المنكب وجبت الدية فى الكف ووجب فيما زادا الحكومة وقال أبو عبيد بن حرب الذى تجب فيه الدية هو اليد من المنكب لان اليد اسم للجميع والمذهب الأول لان اسم اليد يطلق على الكف والدليل عليه قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما والمراد به الكف ولان المنفعة المقصودة من اليد هو البطش والأخذ والدفع وهو بالكف وما زاد تابع للكف فوجبت الدية فى الكف والحكومة فيما زاد ويجب فى كل أصبع عشر الدية لما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن فى كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل ولا يفضل إصبع على إصبع لما ذكرناه من الخبر ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مسندا الأصابع كلها سواء عشر عشر من الإبل ولانه جنس ذو عدد تجب فيه الدية فلم تختلف ديتها باختلاف منافعها كاليدين ويجب فى كل أنملة من غير الإبهام ثلث دية الأصبع وفى كل أنملة من الإبهام نصف دية الإصبع لانه لما قسمت دية اليد على عدد الأصابع وجب أن يقسم دية الأصبع على عدد الأنامل فصل وإن جنى على يد فشلت أو على أصبع فشلت أو على أنملة فشلت وجب عليه ما يجب فى قطعها لان المقصود بها هو المنفعة فوجب فى إتلاف منفعتها ما وجب فى إتلافها وإن قطع يدا شلاء أو إصبعا شلاء أو أنملة شلاء وجب عليه الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فصل ويجب فى الرجلين الدية لما روى معاذ رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى الرجلين الدية ويجب فى إحداهما نصف الدية لما روى عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى الرجل نصف الدية والرجل التى يجب فى قطعها نصف الدية فإن قطع من الساق أو من الركبة أو من بعض الفخذ أو من أصل الفخذ وجبت الدية فى القدم ووجبت الحكومة فيما زاد لما ذكرناه فى اليد ويجب فى كل إصبع من أصابع الرجل عشر الدية لما ذكرناه فى اليد من حديث عمرو بن حزم ويجب فى كل أنملة من غير الإبهام ثلث دية الإصبع وفى كل أنملة من الإبهام نصف دية الإصبع لما ذكرناه فى اليد فصل ويجب فى قدم الأعرج ويد الأعسم إذا كانتا سليمتين الدية لان العرج إنما يكون من قصر إحدى الساقين وذلك ليس بنقص في القدم والعسم لقصد العضد أو الذراع أو اعوجاج الرسغ وذلك ليس بنقص فى الكف فلم يمنع كمال الدية فى القدم والكف كذكر الخصى وأذن الأصم وأنف الأخشم فصل إذا كسر الساعد فجبره مجبر أو ( خلع كفه ) فاعوجت ثم جبرها فجبرت وعادت مستقيمة وجبت الحكومة لانه حصل به نقص وإن لم تعد إلى ما كانت كانت الحكومة أكثر لان النقص أكثر فإن قال الجانى أنا أعيد خلعها وأعيدها مستقيمة منع من ذلك لانه استئناف جناية أخرى فإن كابره وخلعه فعاد مستقيما وجب عليه بهذا الخلع حكومة ولا يسقط ما وجب من الحكومة الأولى لانها حكومة استقرت بالجناية وما حصل من الاستقامة حصل بمعنى آخر فلم يسقط ما وجب ويخالف إذا جنى على العين فذهب الضوء ثم عاد لانا نتيقن أن الضوء لم يذهب فصل وإن كان لرجل كفان من ذراع فإن لم يبطش بواحد منهما لم يجب فيهما قود ولا دية لان منافعهما قد بطلت فصارا كاليد الشلاء ويجب فيهما حكومة لان فيهما جمالا
وإن كان أحدهما يبطش دون ( الآخر ) فالذى يبطش به هو الأصلى فيجب فيه القود أو الدية والآخر خلقة زائدة ويجب فيها الحكومة وإن كان أحدهما أكثر بطشا كان الأصلى هو أكثرهما بطشا سواء كان الباطش على مستوى الذراع أو منحرفا عنه لان الله تعالى جعل البطش فى الأصلى فوجب أن يرجع فى الاستدلال عليه إليه كما يرجع فى الخنثى إلى بوله وإن استويا فى البطش فإن كان أحدهما على مستوى الذراع والآخر منحرفا عن مستوى الذراع فالأصلى هو الذى على مستوى الذراع فيجب فيه القود أو الدية ويجب فى الآخر الحكومة فإن استويا فى ذلك فإن كان أحدهما تام الأصابع والآخر ناقص الأصابع فالأصلي هو التام الأصابع فيجب فيه القود أو الدية والآخر خلقة زائدة ويجب فيها الحكومة وإن استويا في تمام الأصابع إلا أن فى أحدهما زيادة إصبع لم ترجح الزيادة ولانه قد يكون الإصبع الزائدة فى غير اليد الأصلية فإذا استويا فى الدلائل فهما يد واحدة فإن قطعهما قاطع وجب عليه القود أو الدية ووجب عليه للزيادة حكومة فإن قطع إحداهما لم يجب القود لعدم المماثلة وعليه نصف دية يد وزيادة حكومة لانها نصف يد زائدة وإن قطع إصبعا من إحداهما فعليه نصف دية إصبع وزيادة حكومة لانها نصف إصبع زائدة وإن قطع أنملة إصبع من إحداهما ( وجب ) عليه نصف دية أنملة وزيادة حكومة لانها نصف أنملة زائدة فصل ويجب فى الأليتين الدية لان فيهما جمالا كاملا ومنفعة كاملة فوجب فيهما الدية كاليدين ويجب فى إحداهما نصف الدية لان ما وجبت الدية فى اثنين منه وجب نصفها فى أحدهما كاليدين وإن قطع بعضها وجب فيه من الدية بقدره وإن جهل قدره وجبت فيه الحكومة فصل وإن كسر صلبه انتظر فإن جبر وعاد إلى حالته لزمته حكومة الكسر وإن احدودب لزمه حكومة للشين الذى حصل به وإن ضعف مشيه أو احتاج إلى عصا لزمته حكومة لنقصان مشيه وإن عجز عن المشى وجبت عليه الدية لما روى الزهرى عن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أن فى الصلب الدية وفى اللسان الدية وفى الذكر الدية وفى الأنثيين الدية ولانه أبطل عليه منفعة مقصودة فوجبت عليه الدية وإن كسر صلبه وعجز عن الوطء وجبت عليه الدية لانه أبطل عليه منفعة مقصودة وإن ذهب مشيه وجماعه ففيه وجهان أحدهما لا تلزمه إلا دية واحدة لانهما منفعتا عضو واحد والثانى يلزمه ديتان وهو ظاهر النص لانه يجب فى كل واحد منهما الدية عند الانفراد فوجبت فيهما ديتان عند الاجتماع كما لو قطع أذنيه فذهب سمعه أو قطع أنفه فذهب شمه فصل ويجب فى الذكر الدية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب مع عمرو بن حزم إلى اليمن وفى الذكر الدية ويجب ذلك فى ذكر الشيخ والطفل والخصى والعنين لان العضو فى نفسه سليم ولا تجب فى ذكر أشل لانه بطلت منفعته فلم تكمل ديته ويجب فيه الحكومة لانه أتلف عليه جماله وإن جنى على ذكره فشل وجبت ديته لان المقصود بالعضو هو المنفعة فوجب فى إتلاف منفعته ما وجب فى إتلافه وإن قطع الحشفة وجبت الدية لان منفعة الذكر تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة الكف بالأصابع فكملت الدية بقطعها وإن قطع الحشفة وجاء آخر فقطع الباقى وجبت ( فيه ) حكومة كما لو قطع الأصابع وجاء آخر وقطع الكف وإن قطع بعض الحشفة وجب عليه من الدية بقسطها وهل تتقسط على الحشفة وحدها أو على جميع الذكر فيه قولان أحدهما تقسط على الحشفة لان الدية تكمل بقطعها فقسطت عليها كدية الأصابع والثانى يقسط على الجميع لان الذكر هو الجميع فقسطت الدية على الجميع فصل ويجب فى الأنثيين الدية لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم وفى الأنثيين الدية ويجب فى أحدهما نصف الدية لان ما وجب فى اثنين منه الدية وجبت فى أحدهما نصفها كاليد فصل وما اشترك فيه الرجل والمرأة من الجروح والأعضاء
ففيه قولان قال فى القديم تساوى المرأة الرجل إلى ثلث الدية فإذا زادت على ذلك كانت المرأة على النصف من الرجل لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال تستوى دية الرجل والمرأة إلى ثلث الدية ويختلفان فيما سوى ذلك وقال فى الجديد هى على النصف من الرجل فى جميع الأروش وهو الصحيح لانهما شخصان مختلفان فهى دية النفس فاختلفا فى أروش الجنايات كالمسلم والكافر ولانه جناية يجب فيها أرش مقدر فكانت المرأة على النصف من الرجل فى أرشها كقطع اليد والرجل وقول ابن عمر يعارضه قول على كرم الله وجهه فى جراحات الرجال والنساء سواء على النصف فيما قل أو كثر فصل ويجب فى ثديى المرأة الدية لان فيهما جمالا ومنفعة فوجب فيهما الدية كاليدين والرجلين ويجب فى إحداهما نصف الدية لما ذكرناه فى الأنثيين وإن جنى عليهما فشلتا وجبت عليه الدية لان المقصود بالعضو هو المنفعة فكان إتلاف منفعته كإتلافه وإن كانتا ناهدين فاسترسلتا وجبت الحكومة لانه نقص جمالهما وإن كان لها لبن فجنى عليهما فانقطع لبنها وجبت عليه الحكومة لانه قطع اللبن بجنايته وإن جنى عليهما قبل أن ينزل لها لبن فولدت ولم ينزل لها لبن سئل أهل الخبرة فإن قالوا لا ينقطع إلا بالجناية وجبت الحكومة وإن قالوا قد ينقطع من غير جناية لم تجب الحكومة لجواز أن يكون انقطاعه لغير الجناية فلا تجب الحكومة بالشك وتجب الدية فى حلمتيهما وهو رأس الثدى لان منفعة الثديين بالحلمتين لان الصبى بها ( يمص ) اللبن وبذها بهما تتعطل منفعة الثديين فوجب فيهما ما يجب فى الثديين كما يجب فى الأصابع ما يجب فى الكف وأما حلمتا الرجل فقد قال فى موضع يجب فيه حكومة وقال فى موضع قد قيل إن فيهما الدية فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما تجب فيهما الدية لان ما وجبت فيه الدية من المرأة وجبت فيه الدية من الرجل كاليدين والثانى وهو الصحيح أنه يجب فيهما الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فوجبت فيه الحكومة ومنهم من قال يجب فيه الحكومة قولا واحدا وقوله قد قيل إن فيهما الدية حكاية عن غيره فصل ويجب فى إسكتى المرأة وهما الشفران المحيطان بالفرج الدية لان فيهما جمالا ومنفعة فى المباشرة ويجب فى أحدهما نصف الدية لان كل ما وجب فى اثنين منه الدية وجب فى أحدهما نصفها كاليدين فصل قال الشافعى رحمه الله إذا وطىء امرأة فأفضاها وجبت عليه الدية واختلف أصحابنا فى الإفضاء فقال بعضهم هو أن يزيل الحاجز الذى بين الفرج وثقبة البول وهو قول الشيخ أبى حامد الإسفرايينى رحمة الله عليه وقال بعضهم هو أن يزيل الحاجز الذى بين الفرج والدبر وهو قول أبى على بن أبى هريرة وشيخنا القاصى أبى الطيب الطبرى لان الدية لا تجب إلا بتلاف منفعة كاملة ولا يحصل ذلك إلا بإزالة الحاجز بين السبيلين فأما إزالة الحاجز بين الفرج وثقبة البول فلا تتلف بها المنفعة وإنما تنقص بها المنفعة فلا يجوز أن يجب بها دية كاملة وإن أفضاها واسترسل البول وجب مع دية الإفضاء حكومة للنقص الحاصل باسترسال البول وإن أفضاها والتأم الجرح وجبت الحكومة دون الدية وإن أجاف جائفة والتأمت لم يسقط أرشها والفرق بينهما أن أرش الجائفة وجب باسمها فلم يسقط بالالتئام ودية الإفضاء وجبت بإزالة الحاجز وقد عاد الحاجز فلم تجب الدية فصل ولا يجب فى إتلاف الشعور غير الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فلم تجب فيه غير الحكومة كإتلاعف العين القائمة واليد الشلاء فصل ويجب فى تعويج الرقبة وتصعير الوجه الحكومة لانه إذهاب جمال من غعير منفعة فوجبت فيه الحكومة فإن كسر الترقوة أو كسر ضلعا فقد قال فى موضع آخر يجب فيه جمل وقال فى موضع تجب فيه الحكومة
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق وأبو على بن أبى هريرة تجب فيه الحكومة قولا واحدا والذى قال فيه جمل أراد على سبيل الحكومة لان تقدير الأرش لا يجوز إلا بنص أو قياس على أصل وليس فى هذا نص ولا له أصل يقاس عليه وقال المزنى وغيره هو على قولين وهو الصحيح أحدهما أنه يجب فيه جمل لما روى أسلم مولى عمر عن عمر رضى الله عنه أنه قضى فى الترقوة بجمل وفى الضلع بجمل وقول الصحابى فى قوله القديم حجة تقدم على القياس والقول الثانى وهو الصحيح أنه يجب فيه حكومة لانه كسر عظم فى غير الرأس والوجه فلم يجب فيه أرش مقدر ككسر عظم الساق وما روى عن عمر يحتمل أنه قضى به على سبيل الحكومة ولان قول الصحابى ليس بحجة فى قوله الجديد فصل وإن لطم رجلا أو لكمه أو ضربه بمثقل فإن لم يحصل به أثر لم يلزمه أرش لانه لم يحصل به نقص فى جمال ولا منفعة فلم يلزمه أرش وإن حصل به شين بأن اسود أو اخضر وجبت فيه الحكومة لما حصل به من الشين فإن قضى فيه بالحكومة ثم زال الشين سقطت الحكومة كما لو جنى على عين فابيضت ثم زال البياض وإن فزع إنسان فأحدث فى الثياب لم يلزمه ضمان مال لان المال إنما يجب فى الجناية إذا أحدثت نقصا فى جمال أو منفعة ولم يوجد شيء من ذلك فصل إذا جنى على حر جناية ليس فيها أرش مقدر نظرت فإن كان حصل بها نقص فى منفعة أو جمال وجبت فيها حكومة وهو أن يقوم المجنى عليه قبل الجناية ثم يقوم بعد اندمال الجناية فإن نقص العشر من قيمته وجب العشر من ديته وإن نقص الخمس من قيمته وجب الخمس من ديته لانه ليس فى أرشه نص فوجب التقدير بالاجتهاد ولا طريق إلى معرفة قدر النقصان من جهة الاجتهاد إلا بالتقويم وهذا كما قلنا فى المحرم إذا قتل صيدا وليس فى جزائه نص أنه يرجع إلى ذوى عدل فى معرفة مثله إن كان له مثل من النعم أو إلى قيمته إذا لم يكن له مثل ويجب القدر الذى نقص من قيمته من الدية لان النفس مضمونة بالدية فوجب القدر الناقص منها كما يقوم المبيع عند الرجوع بأرش العيب ثم ( يؤخذ ) القدر الناقص من الثمن حيث كان المبيع مضمونا بالثمن وقال أصحابنا يعتبر نقص الجناية من دية العضو المجنى عليه لا من دية النفس فإن كان الذى نقص هو العشر والجناية على اليد وجب عشر دية اليد وإن كانت على أصبع وجب عشر دية الإصبع وإن كانت على الرأس فيما دون الموضحة وجب عشر أرش الموضحة وإن كانت على الجسد فيما دون الجائفة وجب عشر أرش الجائفة لانا لو اعتبرناه من دية النفس لم نأمن أن تزيد الحكومة فى عضو على دية العضو والمذهب الأول وعليه التفريع لانه لما وجب تقويم النفس وجب أن يعتبر النقص من دية النفس ولان اعتبار النقص من دية العضو يؤدى إلى أن يتقارب الجنايتان ويتباعد الأرشان بأن تكون الحكومة فى السمحاق فتوجب فيه عشر أرش الموضحة فيتباعد ما بينها وبين أرش الموضحة مع قربها منها فإن كانت الجناية على أصبع فبلغت الحكومة فيها أرش الإصبع أو على الرأس فبلغت الحكومة فيها أرش الموضحة نقص الحاكم من أرش الإصبع ومن أرش الموضحة شيئا على قدر ما يؤدى إليه الاجتهاد لانه لا يجوز أن يكون فيما دون الإصبع الموضحة ما يجب فيها وإن كانت الجناية فى الكف فبلغت الحكومة أرش الأصابع نقص شيئا من أرش الأصابع لان الكف تابع للأصابع فى الجمال والمنفعة فلا يجوز أن يجب فيه ما يجب فى الأصابع فصل وإن لم يحصل بالجناية نقص فى جمال ولا منفعة
بأن قطع أصبعا زائدة أو قلع سنا زائدة أو أتلف لحية امرأة واندمل الموضع من غير نقص ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى العباس بن سريخ أنه لا شيء عليه لانه جناية لم يحصل بها نقص فلم يجب بها أرش كما لو لطم وجهه فلم يؤثر والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه يجب فيه الحكومة لانه إتلاف جزء من مضمون فلا يجوز أن يعرى من أرش فعلى هذا إن كان قد قطع أصبعا زائدة قوم المجنى عليه قبل الجناية ثم يقوم فى أقرب أحواله إلى الاندمال ثم يجب ما بينهما من الدية لانه لما سقط اعتبار قيمته بعد الاندمال قوم فى أقرب الأحوال إليه وهذا كما قلنا فى ولد المغرور بها لما تعذر تقويمه حال العلوق قوم فى أقرب حال يمكن فيه التقويم بعد العلوق وهو عند الوضع فإن قوم ولم ينقص قوم قبيل الجناية ثم يقوم والدم جار لانه لا بد أن تنقص قيمته لما يخاف عليه فيجب بقدر ما بينهما من الدية وإن قلع سنا زائدة ولم تنقص قيمته قوم وليس له خلف الزائدة سن أصلية ثم يقوم وليس له سن أصلية ولا زائدة ويجب بقدر ما بينهما من الدية وإن أتلف لحية امرأة قوم لو كان رجلا وله لحية ثم يقوم ولا لحية له ويجب بقدر ما بينهما من الدية فصل وإن جنى على رجل جناية لها أرش مقدر ثم قتله قبل الاندمال دخل أرش الجناية فهى دية النفس وقال أبو سعيد الإصطخرى لا يدخل لان الجناية انقطعت سرايتها بالقتل فلم يسقط ضمانها كما لو اندملت ثم قتله والمذهب الأول لانه مات بفعله قبل استقرار الأرش فدخل فى ديته كما لو مات من سراية الجناية ويخالف إذا اندملت فإن هناك استقر الأرش فلم تسقط فصل ويجب فى قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت لانه مال مضمون بالإتلاف لحق الآدمى بغير جنسه فضمنه بقيمته بالغة ما بلغت كسائر الأموال وما ضمن مما دون النفس من الجزء بالدية كالأنف واللسان والذكر والعينين واليدين والرجلين ضمن من العبد بقيمته وما ضمن من الحر بجزء من الدية كاليد والإصبع والأنملة والموضحة والجائفة ضمن من العبد بمثله من القيمة لانهما متساويان فى ضمان الجناية بالقصاص والكفارة فتساويا فى اعتبار ما دون النفس ببدل النفس كالرجل والمرأة والمسلم والكافر فصل وإن قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات من سراية القطع وجبت عليه دية حر لان الجناية استقرت فى حال الحرية ويجب للسيد من ذلك أقل الأمرين من أرش الجناية وهو نصف القيمة أو كمال الدية فإن كان نصف القيمة أقل لم يستحق أكثر منه لانه هو الذى وجب فى ملكه والزيادة حصلت فى حال لا حق له فيها وإن كانت الدية أقل لم يستحق أكثر منها لان ما نقص من نصف القيمة بسبب من جهته وهو العتق فصل وإن فقأ عينى عبد أو قطع يديه وقيمته ألفا دينار ثم أعتق ومات بعد اندمال الجناية وجب على الجانى أرش الجناية وهو قيمة العبد سواء كان الاندمال قبل العتق أو بعده لان الجرح إذا اندمل استقر حكمه ويكون ذلك لمولاه لانه أرش جناية كانت فى ملكه وإن لم يندمل وسرى إلى نفسه وجب على الجانى دية حر وقال المزنى يجب الأرش وهو ألفا دينار لان السيد ملك هذا القدر بالجناية فلا ينقص وهذا خطأ لان الاعتبار فى الأرش بحال الاستقرار ولهذا لو قطع يدى رجل ورجليه وجب عليه ديتان فإذا سرت الجناية إلى النفس وجب دية اعتبارا بحال الاستقرار وفى حال الاستقرار هو حر فوجبت فيه الدية ودليل ( قول ) المزنى يبطل بمن قطع يدى رجل ورجليه ثم مات فإنه وجبت ديتان ثم نقصت بالموت فصل وإن قطع حر يد عبد فأعتق ثم قطع حر يده الأخرى ومات لم يجب على الأول قصاص لعدم التكافؤ فى حال الجناية وعليه نصف الدية لان المجنى عليه حر فى وقت استقرار الجناية
وأما الثانى ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى الطيب بن سلمة أنه يجب عليه القصاص فى الطرف ولا يجب فى النفس لان الروح خرجت من سراية قطعين وأحدهما يوجب القود والآخر لا يوجب فسقط كحرين قتلا من نصفه حر ونصفه عبد والثانى وهو المذهب أنه يجب عليه القصاص فى الطرف والنفس لانهما متكافئان فى حال الجناية وقد خرجت الروح عن عمد محض مضمون وإنما سقط القود عن أحدهما لمعنى فى نفسه فلم يسقط عن الآخر كما لو اشترك حر وعبد فى قتل عبد ويخالف الحرين إذا قتلا من نصفه حر ونصفه عبد لان كل واحد منهما غير مكافىء له حال الجناية فإن عفى على مال كان عليه نصف الدية لانهما شريكان فى القتل وللمولى الأقل من نصف قيمته يوم ( الجناية الأولى ) أو نصف الدية فإن كان نصف القيمة أقل أو مثله كان له ذلك وإن كان أكثر فله نصف الدية لان الحرية نقصت ما زاد عليه والفرق بينه وبين المسألة قبلها أن الجناية هناك من واحد وجميع الدية عليه فقوبل بين أرش الجناية وبين الدية والجناية ههنا من اثنين والدية عليهما والثانى جنى عليه فى حال الحرية فقوبل بين أرش الجناية وبين النصف المأخوذ من الجانى على ملكه وكان الفاضل لورثته فصل وإن قطع حر يد عبد ثم أعتق ثم قطع يده الأخرى نظرت فإن اندمل الجرحان لم يجب فى اليد الأولى قصاص لانه جنى عليه وهو غيره مكافىء ( له ) يجب فيها ( نصف ديته ) ويكون للمولى ويجب فى اليد الأخرى القصاص لانه قطعها وهو مكافىء له وإن عفى على المال وجب عليه نصف الدية وإن مات من الجراحتين قبل الاندمال وجب القصاص فى اليد الأخرى التى قطعت بعد عتقه ولم يجب القصاص فى النفس لانه مات من جنايتين إحداهما توجب القصاص والأخرى لا توجب فإن اقتص منه فى اليد وجب عليه نصف الدية لانه مات بجنايته وقد استوفى منه ما يقابل نصف الدية ويكون للمولى أقل الأمرين من نصف القيمة وقت الجناية أو نصف الدية وإن عفى عن القصاص على مال وجب كمال الدية ويكون للمولى أقل الأمرين من نصف القيمة وقت الجناية أو نصف الدية ولورثته الباقى لان الجناية الثانية فى حال الحرية فصل وإن قطع حر يد عبد فأعتق ثم قطع آخر يده الأخرى ثم قطع ثالث رجله ومات لم يجب على الأول القصاص فى النفس ولا فى الطرف لعدم التكافؤ ويجب عليه ثلث الدية ويجب على الآخرين القصاص فى الطرف وفى النفس على المذهب فإن عفى عنهما كان عليهما ثلثا الدية وفيما يستحق المولى قولان أحدهما أقل الأمرين من أرش الجناية أو ما يجب على هذا الجانى فى ملكه وهو ثلث الدية لان الواجب بالجناية هو الأرش فإذا أعتق انقلب وصار ثلث الدية فيجب أن يكون له أقل الأمرين فإن كان الأرش أقل لم يكن له أكثر منه لانه هو الذى وجب بالجناية فى ملكه وما زاد بالسراية فى حال الحرية لا حق له فيه وإن كان ثلث الدية أقل لم يكن له أكثر منه لانه هو الذى يجب على الجانى فى ملكه ونقص الأرش بسبب من جهته وهو العتق فلم يستحق أكثر منه والقول الثانى يجب له أقل الأمرين من ثلث الدية أو ثلث القيمة لان الجانى على ملكه هو الأول والآخر لا حق له فهى جنايتهما فيجب أن يكون له أقل الأمرين ( من ثلث الدية أو ثلث القيمة ) فإن كان ثلث القيمة أقل لم يكن له أكثر منه لانه لما كان عبدا كان له القدر وما زاد وجب فى حال الحرية فلم يكن له فيها حق وإن كان ثلث الدية أقل لم يكن له أكثر منه لان ثلث القيمة نقص وعاد إلى ثلث الدية بفعله فلم يستحق أكثر منه فصل إذا ضرب بطن مملوكة حامل بمملوك فألقت جنينا ميتا وجب فيه عشر قيمة الأم لانه جنين آدمية سقط ميتا بجنايته فضمن بعشر بدل الأم كجنين الحرة
واختلف أصحابنا فى الوقت الذى يعتبر فيه قيمة الأم فقال المزنى وأبو سعيد الإصطخرى تعتبر قيمتها يوم الإسقاط لانه حال استقرار الجناية والاعتبار فى قدر الضمان بحال استقرار الجناية والدليل عليه أنه لو قطع يد نصرانى ثم أسلم ومات وجب فيه دية مسلم وقال أبو إسحاق تعتبر قيمتها يوم الجناية وهو المنصوص لان المجنى عليه لم يتغير حاله فكان أولى الأحوال باعتبار قيمتها يوم الجناية لانه حال الوجوب ولهذا لو قطع يد عبد ومات على الرق وجبت قيمته يوم الجناية ( لانه حال الوجوب ) وإن ضرب بطن أمة ثم أعتقت وألقت جنبنا ( ميتا ) وجب فيه دية جنين حر لان الضمان يعتبر بحال استقرار الجناية والجنين حر عند استقرار الجناية فضمن بالدية باب العاقلة وما تحمله من الديات إذا قتل الحر حرا عمد خطأ وله عاقله وجب جميع الدية على عاقلته لما روى المغيرة بن شعبة قال ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بديتها على عصبة وإن قتله خطأ وجبت الدية على عاقلته لانه إذا تحمل عن القاتل فى عند الخطإ تخفيفا عنه مع قصده إلى الجناية فلان يحمل عن قاتل الخطإ ولم يقصد الجناية أولى ولان الخطأ وعمد الخطأ يكثر فلو أوجبنا ديتهما فى مال الجانى أجحفنا به وإن قطع أطرافه خطأ أو عمد خطإ ففيه قولان قال فى القديم لا تحمل العاقلة ديتهما لانه لا يضمن بالكفارة ولا تثبت فيه القسامة فلم تحمل العاقلة بدله كالمال وقال فى الجديد تحمل العاقلة ديتها لان ما ضمن بالقصاص والدية وخففت الدية فيه بالخطإ حملت العاقلة بدله كالنفس فعلى هذا تحمل ما قل منه وكثر كما تحمل ما قل وكثر من دية النفس وإن قتل عمدا أو جنى على طرفه عمدا لم تحمل العاقلة ديته لان الخبر ورد فى الحمل عن القاتل فى عمد الخطإ تخفيفا عنه لانه لم يقصد القتل والعامد قصد القتل فلم يلحق به فى التخفيف وإن وجب له القصاص فى الطرف فاقتص بحديدة مسمومة فمات فعليه نصف الدية وهل تحمل العاقلة ذلك أم لا فيه وجهان أحدهما تحمله لانا حكمنا بأنه ليس بعمد محض والثانى لا تحمله لانه قصد القتل بغير حق فلم تحمل العاقلة عنه وإن وكل من يقتص له فى النفس ثم عفا وقتل الوكيل ولم يعلم بالعفو وقلنا إن العفو يصح ووجبت الدية على الوكيل فهل تحملها العاقلة فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أنه لا تحملها العاقلة وهو الصحيح لانه تعمد القتل فلم تحمل العاقلة عنه كما لو قتله بعد العلم بالعفو والثانى وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه تحملها العاقلة لانه لم يقصد الجناية فصل وإن قتل عبدا خطأ أو عمد خطأ ففى قيمته قولان أحدهما أنها تحملها العاقلة لانه يجب القصاص والكفارة بقتله فحملت العاقلة بدله كالحر والثانى أنه لا تحملها العاقلة لانه مال فلم تحمل العاقلة بدله كسائر الأموال فصل ومن قتل نفسه خطأ لم تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته لما روى أن عوف بن مالك الأشجعى ضرب مشركا بالسيف فرجع السيف عليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وقالوا قد أبطل جهاده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل مات مجاهدا ولو وجبت الدية على عاقلته لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فصل وما يجب بخطإ الإمام من الدية بالقتل ففيه قولان أحدهما يجب على عاقلته لما روى أن عمر رضى الله عنه قال لعلى رضى الله عنه فى جنين المرأة التى بعث إليها عزمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك والثانى يجب فى بيت المال لان الخطأ يكثر منه فى أحكامه واجتهاده فلو أوجبنا ما يجب بخطئه على عاقلته أجحفنا بهم فإذا قلنا إنه يجب على عاقلته وجبت الكفارة فى ماله كغير الإمام وإذا قلنا إنها تجب فى بيت المال ففى الكفارة وجهان أحدهما أنها تجب فى ماله لانها لا تتحمل
والثانى أنها تجب فى بيت المال لانه يكثر خطؤه فلو أوجبنا فى ماله ( أجحفنا ) به فصل وما يجب بجناية العمد يجب حالا لانه بدل متلف لا تتحمله العاقلة بحال فوجب حالا كغرامة المتلفات وما يجب بجناية الخطإ وشبه العمد من الدية يجب مؤجلا فإن كانت دية كاملة وجبت فى ثلاث سنين لانه روى ذلك عن عمر وابن عباس رضى الله عنهما ويجب فى كل سنة ثلثها فإن كان دية نفس كان ابتداء الأجل من وقت القتل لانه حق مؤجل فاعتبر الأجل من حين وجود السبب كالدين المؤجل وإن كان دية طرف فإن لم تسر اعتبرت المدة من وقت الجناية لانه وقت الوجوب وإن سرت إلى عضو آخر اعتبرت المدة من وقت الاندمال لان الجناية لم تقف فاعتبرت المدة من وقت الاستقرار وإن كان الواجب أقل من دية نظرت فإن كان ثلث الدية أو دونه لم تجب إلا في سنة لانه لا يجب على العاقلة شيء فى أقل من سنة فإن كان أكثر من الثلث ولم يرد على الثلثين وجب فى السنة الأولى الثلث ووجب الباقى فى السنة الثانية وإن كان أكثر من الثلثين ولم يزد على دية وجب فى السنة الأولى الثلث وفى الثانية الثلث وفى الثالثة الباقى وإن وجب بجنايته ديتان فإن كانتا الاثنين بأن قتل اثنين وجب فى كل سنة لكل واحد منهما ثلث الدية لانهما يجبان لمستحقين فلا ينقص حق كل واحد منهما فى كل سنة من الثلث فإن كانتا لواحد بأن قطع اليدين والرجلين من رجل وجب ( الكل ) فى ست سنين فى كل سنة ثلث دية لانها جناية على واحد فلا يجب له على العاقلة فى كل سنة أكثر من ثلث دية وإن وجب بجناية الخطإ أو عمد الخطإ دية ناقصة كدية الجنين والمرأة ودية أهل الذمة ففيه وجهان أحدهما أنه يجب فى ثلاث سنين فى كل سنة ثلثها لانها دية نفس فوجب فى كل سنة ثلثها كالدية الكاملة والثانى أنه كأرش الطرف إذا نقص عن الدية لانه دون الدية الكاملة فعلى هذا إن كان ثلث دية وهو كدية اليهودى والنصرانى أو أقل من الثلث وهو دية المجوسى ودية الجنين وجب الكل فى سنة واحدة وإن كان أكثر من الثلث وهو دية المرأة وجب فى السنة الأولى ثلث دية كاملة ويجب ما زاد فى السنة الثانية كما قلنا فى الطرف وإن كان قيمة عبد وقلنا إنها على العاقلة ففيه وجهان أحدهما أنها تقسم فى ثلاث سنين وإن زاد حصة كل سنة على ثلث الدية لانها دية نفس والثانى تؤدى فى كل سنة ثلث دية الحر فصل والعاقلة هم العصبات الذين يرثون بالنسب أو الولاء غير الأب والجد والابن وابن الابن والدليل عليه ما روى المغيرة بن شعبة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأة بديتها على عصبة العاقلة وأما الأب والجد والابن وابن الابن فلا يعقلون لما روى جابر رضي لله عنه أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل النبى صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها وعإذا ثبت هذا فى الولد ثبت فى الأب لتساويهما فى العصبة ولان الدية جعلت على العاقلة إبقاء على القاتل حتى لا يكثر عليه فيجحف به فلو جعلناه على الأب والابن أجحفنا به لان مالهما كماله ولهذا لا تقبل شهادته لهما كما لا تقبل لنفسه ويستغنى عن المسألة بمالهما كما يستغنى بمال نفسه وإن كان فى بنى عمها ابن لها لم يحمل معهم لما ذكرناه وإن لم يكن له عصبة نظرت فإن كان مسلما حملت عنه من بيت المال لان مال بيت المال للمسلمين وهم يرثونه كما ترث العصبات
وإن كان ذميا لم يحمل عنه فى بيت المال لان مال بيت المال للمسلمين وهم لا يرثونه وإنما ينقل ماله إلى بيت المال فيأ واختلف قوله فى المولى من أسفل فقال فى أحد القولين لا يعقل عنه وهو الصحيح لانه لا يرثه فلم يعقله وقال فى الآخر يعقله لانه يعقله المولى فعقل عنه المولى كالأخوين فعلى هذا يقدم على بيت المال لانه من خواص العاقلة فقدم على بيت المال كالمولى من أعلى وإن لم يكن له عاقلة ولا بيت مال فهل يجب على القاتل فيه وجهان بناء على أن الدية هل تجب على القاتل ثم تتحمل عنه العاقلة أو تجب على العاقلة ابتداء وفيه قولان أحدهما تجب على القاتل ثم تنتقل إلى العاقلة لانه هو الجانى فوجبت الدية عليه فعلى هذا تجب الدية فى ماله والقول الثانى تجب على العاقلة ابتداء لانه لا يطالب غيرهم فعلى هذا لا تجب عليه وقال أبو على الطبرى إذا قلنا إنها تجب على القاتل عند عدم بيت المال حمل الأب والابن ويبدأ بهما قبل القاتل لانا لم نحمل عليهما إبقاء على القاتل وإذا حمل على القاتل كانا بالحمل أولى قال ( الشيخ الإمام حرس الله مدته ) ويحتمل عندى أنه لا يجب عليهما لانا إنما أوجبنا على القاتل على هذا القول لانه وجب عليه فى الأصل فإذا لم يجد من يتحمل بقى الوجوب فى محله والأب والابن لم يجب عليهما فى الأصل ولا حملا مع العاقلة فلم يجب الحمل عليهما فصل ولا يعقل مسلم عن كافر ولا كافر عن مسلم ولا ذمى عن حربى ولا حربى عن ذمى لانه لا يرث بعضهم من بعض فإن رمى نصرانى سهما إلى صيد ثم أسلم ثم أصاب السهم إنسانا وقتله وجبت الدية فى ماله لانه لا يمكن إيجابها على عاقلته من النصارى لانه وجد القتل وهو مسلم ولا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين لانه رمى وهو نصرانى فإن قطع نصرانى يد رجل ثم أسلم ومات المقطوع عقلت عنه عصباته من النصارى دون المسلمين لان الجناية وجدت منه وهو نصرانى ولهذا يجب بها القصاص ولا تسقط عنه بالإسلام وإن رمى مسلم سهما إلى صيد ثم ارتد ثم أصاب السهم إنسانا فقتله وجبت الدية فى ذمته لانه لا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين لانه وجد القتل وهو مرتد ولا يمكن إيجابها على الكفار لانه ليس له منهم عاقلة يرثونه فوجبت فى ذمته وإن جرح مسلم إنسانا ثم ارتد الجارح وبقى فى الردة زمانا يسرى فى مثله الجرح ثم أسلم المجروح وجبت الدية وعلى من تجب فيه قولان أحدهما تجب على عاقلته لان الجناية فى حال الإسلام وخروج الروح فى حال الإسلام والعاقلة تحمل ما يجب بالجنايتين فى حال الإسلام فوجبت ديته عليها والقول الثانى أنه يجب على العاقلة نصف الدية ويجب فى مال الجانى النصف لانه وجد سراية فى حال الاسلام وسراية فى حال الردة فحملت ما سرى فى حال الإسلام ولم تحمل ما سرى فى الردة فصل ولا يعقل صبى ولا معتوه ولا امرأة لان حمل الدية على سبيل النصرة بدلا عما كان فى الجاهلية من النصرة بالسيف ولا نصرة فى الصبى والمعتوه والمرأة ويعقل المريض والشيخ الكبير إذا لم يبلغ المريض حد الزمانة والشيخ حد الهرم لانهما من أهل النصرة بالتدبير وقد قاتل عمار فى محفة وأما إذا بلغ الشيخ حد الهرم والمريض حد الزمانة ففيه وجهان بناء على القولين فى قتلهما في الأسر فإن قلنا إنهما يقتلان فى الأسر عقلا وإن قلنا لا يقتلان فى الأسر لم يعقلا فصل ولا يعقل فقير لان حمل الدية على العاقلة مواساة والفقير ليس من أهل المواساة ولهذا لا تجب عليه الزكاة ولا نفقة الأقارب ولان العاقلة تتحمل لدفع الضرر عن القاتل والضرر لا يزال بالضرر
ويجب على المتوسط ربع دينار لان المواساة لا تحصل بأقل قليل ولا يمكن إيجاب الكثير لان فيه إضرارا بالعاقلة فقدر أقل ما يؤخذ بربع دينار لانه ليس فى حد التافه والدليل عليه أنه تقطع فيه يد السارق وقد قالت عائشة رضى الله عنها يد السارق لم تكن تقطع فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشيء التافه ويجب على الغنى نصف دينار لانه لا يجوز أن يكون ما يؤخذ من الغنى والمتوسط واحدا فقدر بنصف دينار لانه أقل قدر يؤخذ من الغنى فى الزكاة التى قصد بها المواساة فيقدر ما يؤخذ من الغنى فى الدية بذلك لانه فى معناه ويجب هذا القدر فى كل سنة لانه حق يتعلق بالحال على سبيل المواساة فتكرر بتكرر الحول كالزكاة ومن أصحابنا من قال يجب ذلك القدر فى الثلاث سنين لانا لو أوجبنا هذا القدر فى كل سنة أجحف به ويعتبر حاله فى الفقر والغنى والتوسط عند حلول النجم لانه حق مال يتعلق بالحول على سبيل المواساة فاعتبر فيه حاله عند حلول الحول كالزكاة فإن مات قبل حلول الحول لم تجب كما لا تجب الزكاة إذا مات قبل الحول وإن مات بعد الحول لم يسقط ما وجب كما لا يسقط ما وجب من الزكاة قبل الموت فصل وإذا أراد الحاكم قسمة الدية على العاقلة قدم الأقرب من العصبات على ترتيبهم فى الميراث لانه حق يتعلق بالتعصيب فقدم فيه الأقرب فالأقرب كالميراث وإن كان فيهم من يدلى بالأبوين وفيهم من يدلى بالأب ففيه قولان أحدهما أنهما سواء لتساويهما فى قرابة الأب لان الأم لا مدخل لها فى النصرة وحمل الدية فلا يقدم بها والثانى يقدم من يدلى بالأبوين على من يدلى بالأب لانه حق يستحق بالتعصيب فقدم من يدلى بالأبوين على من يدلى بالأب كالميراث فإن أمكن أن يقسم ما يجب على الأقربين منهم لم يحمل على من بعدهم وإن لم يكن أن يقسم على الأقربين لقلة عددهم قسم ما فضل على من بعدهم على الترتيب فإن كان القاتل من بنى هاشم قسم عليهم فإن عجزوا دخل معهم بنو عبد مناف فإن عجزوا دخل معهم بنو قصى ثم كذلك حتى تستوعب قريش ولا يدخل معهم غير قريش لان غيرهم لا ينسب إليهم وإن غاب الأقربون فى النسب وحضر الأبعدون ففيه قولان أحدهما يقدم الأقربون فى النسب لانه حق يستحق بالتعصيب فقدم فيه الأقربون فى النسب كالميراث والثانى يقدم الأقربون فى الحضور على الأقربين فى النسب لان تحمل العاقلة على سبيل النصرة والحاضرون أحق بالنصرة من الغيب فعلى هذا إن كان القاتل بمكة وبعض العاقلة بالمدينة وبعضهم بالشام قدم من بالمدينة على من بالشام لانهم أقرب إلى القاتل وإن استوت جماعة فى النسب وبعضهم حضور وبعضهم غيب ففيه قولان أحدهما يقدم الحضور لانهم أقرب إلى النصرة والثانى يسوى بين الجميع كما يسوى فى الميراث وإن كثرت العاقلة وقل المال المستحق بالجناية بحيث إذا قسم عليهم خص المتوسط دون ربع دينار والغنى دون نصف دينار ففيه قولان أحدهما أن الحاكم يقسمه على من يرى منهم لان فى تقسيط القليل على الجميع مشقة والثانى وهو الصحيح أنه يقسم على الجميع لانه حق يستحق بالتعصيب فقسم قليله وكثيره بين الجميع كالميراث فصل وإن جنى عبد على حر أو عبد جناية توجب المال تعلق المال برقبته
لانه لا يجوز إيجابه على المولى لانه لم يوجد منه جناية ولا يجوز تأخيره إلى أن يعتق لانه يؤدى إلى إهدار الدماء فتعلق برقبته والمولى بالخيار بين أن يبيعه ويقضى حق الحناية من ثمنه وبين أن يفديه ولا يجب عليه تسليم العبد إلى المجنى عليه لانه ليس من جنس حقه وإن اختار بيعه فباعه فإن كان الثمن بقدر مال الجناية صرفه فيه وإن كان أكثر قضى ما عليه والباقى للمولى وإن كان أقل لم يلزم المولى ما بقى لان حق المجنى عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة فإن اختار أن يفديه ففيه قولان أحدهما يلزمه أن يفديه بأقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمة العبد لانه لا يلزمه ما زاد على واحد منهما والقول الثانى يلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع لانه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته فإذا امتنع من البيع لزمه الأرش بالغا ما بلغ وإن قتل عشرة أعبد لرجل عبدا لآخر عمدا فاقتص مولى المقتول من خمسة وعفا عن خمسة على المال تعلق برقبتهم نصف القيمة فى رقبة كل واحد منهم عشرها لانه قتل خمسة بنصف عبده ( وعفا عن خمسة على المال ) وبقى له النصف باب اختلاف الجانى وولى الدم إذا قتل رجلا ثم ادعى أن المقتول كان عبدا وقال الولى بل كان حرا فالمنصوص أن القول قول الولى مع يمينه وقال فيمن قذف امرأة ثم ادعى أنها أمة أن القول قول القاذف فمن أصحابنا من نقل جوابه فى كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما أن القول قول الجانى والقاذف لان ما يدعيان محتمل لان الدار تجمع الأحرار والعبيد والأصل فيه حمى الظهر وحقن الدم والثانى أن القول قول ولى المجنى عليه والمقذوف لان الظاهر من الدار الحرية ولهذا لو وجد فى الدار لقيط حكم بحريته ومن أصحابنا من قال القول فى الجناية قول الولى والقول فى القذف قول القاذف والفرق بينهما أنا إذا جعلنا القول قول القاذف أسقطنا حد القذف وأوجبنا التعزير فيحصل به الردع وإذا جعلنا القول قول الجانى سقط القصاص ولم يبق ما يقع به الردع فصل فإذا وجب له القصاص فى موضحة فاقتص فى أكثر من حقه أو وجب له القصاص فى إصبع فاقتص فى إصبعين وادعى أنه أخطأ فى ذلك وادعى المستقاد منه أنه تعمد فالقول قول المقتص مع يمينه لانه أعرف بفعله وقصده وما يدعيه يجوز الخطأ فى مثله فقبل قوله فيه وإن قال المقتص منه إن هذه الزيادة حصلت باضطرابه وأنكره المستفاد منه ففيه وجهان أحدهما أن القول قول المقتص لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة الذمة والثانى أن القول قول المستفاد منه لان الأصل عدم الاضطراب فصل إذا اشترك ثلاثة فى جرح رجل ومات المجروح ثم ادعى أحدهم أن جراحته اندملت وأنكر الآخران وصدق الولى المدعى وصدق الولى المدعى نظرت فإن أراد القصاص قبل تصديقه ولم يجب على المدعى إلا ضمان الجراحة لانه لا ضرر على الآخرين لان القصاص يجب عليهما فى الحالين وإن أراد أن يأخذ الدية لم يقبل تصديقه لانه يدخل الضرر على الآخرين لانه إذا حصل القتل من الثلاثة وجب على كل واحد منهم ثلث الدية وإذا حصل من جراحهما وجب على كل واحد منهما نصف دية والأصل براءة ذمتهما مما زاد على الثلث فصل إذا قد رجلا ملفوفا فى كساء ثم ادعى أنه قده وهو ميت وقال الولى بل كان حيا ففيه قولان أحدهما أن القول قول الجانى لان ما يدعيه محتمل والأصل براءة ذمته والثانى أن القول قول الولى لان الأصل حياته وكونه مضمونا فصار كما لو قتل مسلما وادعى أنه كان مرتدا فصل وإن جنى على عضو ثم اختلفا فى سلامته فادعى الجانى أنه جنى عليه وهو أشل وادعى المجنى عليه أنه جنى عليه وهو سليم فقد اختلف أصحابنا فيه
فمنهم من قال فيه قولان أحدهما أن القول قول الجانى لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة ذمته والثانى أن القول قول المجنى عليه لان الأصل سلامة العضو ومنهم من قال القول فى الأعضاء الظاهرة قول الجانى وفى الأعضاء الباطنة القول قول المجنى عليه لانه لا يتعذر عليه إقامة البينة على السلامة فى الأعضاء الظاهرة فكان القول قول الجانى ويتعذر عليه إقامة البينة فى الأعضاء الباطنة والأصل السلامة فكان القول قول المجنى عليه ولهذا لو علق طلاق امرأته على ولادتها فقالت ولدت لم يقبل قولها لانه يمكن إقامة البينة على الولادة ولو علق طلاقها على حيضها فقالت حضت قبل قولها لانه يتعذر إقامة البينة على حيضها فإن اتفقا على سلامة العضو الظاهر وادعى الجانى أنه طرأ عليه الشلل وأنكر المجنى عليه ففيه قولان أحدهما أن القول قول الجانى لانه لا يتعذر إقامة البينة على سلامته والثانى أن القول قول المجنى عليه لانه قد ثبتت سلامته فلا يزال عنه حتى يثبت الشلل فصل إذا أوضح رأس رجل موضحتين بينهما حاجز ثم زال الحاجز فقال الجانى تأكل ما بينهما بسراية فعلى فلا يلزمنى إلا أرش موضحة وقال المجنى عليه أنا خرقت ما بينهما فعليك أرش موضحتين فالقول قول المجنى عليه لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل بقاء الموضحتين ووجوب الأرشين وإن أوضح رأسه فقال الجانى أوضحته موضحة واحدة وقال المجنى عليه أوضحتنى موضحتين وأنا خرقت ما بينهما فالقول قول الجانى لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والأصل براءة الذمة فصل وإن قطع رجل يدى رجل ورجليه ومات واختلف الجانى والولى فقال الجانى مات من سراية الجنايتين فعلى دية واحدة وقال الولى بل اندملت الجنايتان ثم مات فعليك ديتان فإن كان قد مضى زمان يمكن فيه اندمال الجراحتين فالقول قول الولى لان الأصل وجوب الديتين وإن لم يمض زمان يمكن فيه الاندمال فالقول قول الجانى لان ما يدعيه الولى غير محتمل وإن اختلفا فى المدة فقال الولى مضت مدة يمكن فيها الاندمال وقال الجانى لم يمض فالقول قول الجانى لان الأصل عدم المدة فصل وإن قطع يد رجل ومات فقال الولى مات من سراية قطعك فعليك الدية وقال الجانى اندملت جنايتى ومات بسبب آخر فعلى نصف الدية نظرت فإن لم تمض مدة يمكن فيها الاندمال فالقول قول الولى لان الظاهر أنه مات من سراية الجناية ويحلف على ذلك لجواز أن يكون قتله آخر أو شرب سما فمات منه وإن مضت مدة يمكن فيها الاندمال ثم مات فإن كان مع الولى بينة أنه لم يزل متألما ضمنا إلى أن مات فالقول قوله مع يمينه لان الظاهر أنه مات من الجناية وإن لم يكن معه بينة على ذلك فالقول قول الجانى لان ما يدعيه كل واحد منهما ممكن والأصل براءة ذمة الجانى مما زاد على نصف الدية فصل وإن قطع يد رجل ومات ثم اختلف الولى والجانى فقال الجانى شرب سما أو جنى عليه آخر بعد جنايتى فلا يجب على إلا نصف الدية وقال الولى مات من سراية جنايتك فعليك الدية فليس فيها نص ويحتمل أن يكون القول قول الولى لان الأصل حصول جنايته وعدم غيرها ويحتمل أن يكون القول قول الجانى لانه يحتمل ما يدعيه والأصل براءه ذمته فصل وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء العين وقال أهل الخبرة يرجى عود البصر فمات واختلف الولى والجانى فقال الجانى عاد الضوء ثم مات وقال الولى لم يعد فالقول قول الولى مع يمينه لان الأصل ذهاب الضوء وعدم العود وإن جنى على عينه فذهب الضوء ثم جاء آخر فقلع العين واختلف الجانيان فقال الأول عاد الضوء ثم قلعت أنت فعليك الدية وقال الثانى قلعت ولم يعد الضوء فعلى حكومة وعليك الدية فالقول قول الثانى لان الأصل عدم العود فإن صدق المجنى عليه الأول قبل قوله فى إبراء الأول لانه يسقط عنه حقا له ولا يقبل قوله على الثانى لانه يوجب عليه حقا له والأصل عدمه