Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإن قتله مسلم قبل أن يختار الإمام يراه عزر القاتل لافتياته على الإمام ولا ضمان عليه لانه حربى لا أمان له وإن أسلم حقن دمه لقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وهل يرق بالإسلام أو يبقى الخيار فيه بين الاسترقاق والمن والفداء فيه قولان أحدهما أنه يرق بنفس الإسلام ويسقط الخيار فى الباقى لانه أسير لا يقتل فرق كالصبى والمرأة والثانى أنه لا يرق بل يبقى الخيار فى الباقى لما روى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن الأسير العقيلى قال ( يا رسول الله ) إنى مسلم ثم فاداه برجلين ولان ما ثبت الخيار فيه بين أشياء إذا سقط أحدهما لم يسقط الخيار فى الباقى ككفارة اليمين إذا عجز فيها عن العتق فعلى هذا إذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به إلا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه وإن أسر شيخ لا قتال فيه ولا رأى له فى الحرب فإن قلنا إنه يجوز قتله فهو كغيره فى الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره إذا أسلم فى الأسر وقد بيناه فصل وإن رأى الإمام القتل ضرب عنقه لقوله عز وجعل فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ولا يمثل به لما روى بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية قال اغزوا باسم الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تعلوا ويكره حمل رأس من قتل من الكفار إلى بلاد المسلمين لما روى عقبة بن عامر أن شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص بعثا بريدا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه برأس يناق البطريق فقال أتحملون الجيف إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون بنا هكذا قال لا تحملوا إلينا منهم شيئا وإن اختار استرقاقه كان للغانمين وإن فاداه بمال كان للغانمين وإن أراد أن يسقط ( منهم شيئا من ) المال لم يجز إلا برضا الغانمين لما روى عروة بن الزبير أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وفد هوازن مسلمين فقال إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين وإنى قد رأيت أن أرد إليهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل فقال الناس قد طيبنا لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزهرى أخبرنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة آلاف سبى من سبى هوازن من النساء والصبيان والرجال إلى هوازن حين أسلموا وإن أسر عبد فرأى الإمام أن يمن عليه لم يجز إلا برضا الغانمين وإن رأى قتله لشره وقوته قتله وضمن قيمته للغانمين لانه مال لهم فصل وإن دعا مشرك إلى المبارزة فالمستحب أن يبرز إليه مسلم لما روى أن عتبة وشيبة ابنى ربيعة والوليد بن عتبة دعوا إلى المبارزة فبرز إليهم حمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب وعبيدة بن الحرث ولانه إذا لم يبرز إليه أحد ضعفت قلوب المسلمين وقويت قلوب المشركين فإن بدأ المسلم ودعا إلى المبارزة لم يكره وقال أبو على بن أبى هريرة يكره لانه ربما قتل وانكسرت قلوب المسلمين والصحيح أنه لا يكره لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال لا بأس ويستحب ألا يبارز إلا قوى فى الحرب لانه إذا بارز ضعيف لم يؤمن أن يقتل فيضعف قلوب المسلمين وإن بارز ضعيف جاز
ومن أصحابنا من قال لا يجوز لان القصد من المبارزة إظهار القوة وذلك لا يحصل من مبارزة الضعيف والصحيح هو الأول لان التغرير بالنفس يجوز فى الجهاد ولهذا يجوز للضعيف أن يجاهد كما يجوز للقوى والمستحب ألا يبارز إلا بإذن الأمير ليكون ردءا له إذا احتاج فإن بارز بغير إذنه جاز ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه لا يؤمن أن يتم عليه ما ينكسر به الجيش والصحيح أنه يجوز لان التغرير بالنفس فى الجهاد جائز وإن بارز مشرك مسلما نظرت فإن بارز من غير شرط جاز لكل أحد أن يرميه لانه حربى لا أمان له وإن شرط ألا يقابله غير من برز إليه لم يجز رميه وفاء بشرطه فإن ولى عنه مختارا أو مثخنا أو ولى عنه المسلم مختارا أو مثخنا جاز لكل أحد رميه لانه شرط الأمان فى حال القتال وقد انقضى القتال فزال الأمان وإن استنجد المشرك أصحابه فى حال القتال فأنجدوه أو بدأ المشركون بمعاونته فلم يمنعهم جاز لكل أحد رميه لانه نقض الأمان وإن أعانوه فمنعهم فلم يقبلوا منه فهو على أمانه لانه لم ينقض الأمان ولا انقضى القتال وإن لم يشترط ولكن العادة فى المبارزة ألا يقاتله غير من يبرز إليه فقد قال بعض أصحابنا إنه يستحب ألا يرميه غيره وعندى أنه لا يجوز لغيره رميه وهو ظاهر النص لان العادة كالشرط فإن شرط ألا يقاتله غيره ولا يتعرض له إذا انقضى القتال حتى يرجع إلى موضعه وفى له بالشرط فإن ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله جاز لكل أحد أن يرميه لانه نقض الشرط فسقط أمانه فصل وإن غرر بنفسه من له سهم فى قتل كافر مقبل على الحرب ( فقتله ) استحق سلبه لما روى أبو قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه فأقبل على فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت ( فمات ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقصصت عليه فقال رجل صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندى فأرضه ( منه ) فقال أبو بكر رضى الله عنه لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه إياه فأعطانى إياه فبعث الدرع فابتعت به مخرفا فى بنى سلمة وإنه لاول مال تأثلته فى الإسلام فإن كان ممن لا حق له فى الغنيمة كالمخذل والكافر إذا حضر من غير إذن لم يستحق لانه لا حق له فى السهم الراتب فلان لا يستحق السلب وهو غير راتب أولى فإن كان ممن يرضخ له كالصبى والمرأة والكافر إذا حضر بالإذن ففيه وجهان أحدهما أنه لا يستحق لما ذكرناه والثانى أنه يستحق لان له حقا فى الغنيمة فأشبه من له سهم وإن لم يغرر بنفسه فى قتله بأن رماه من وراء الصف فقتله لم يستحق سلبه وإن قتله وهو غير مقبل على الحرب كالأسير والمثخن والمنهزم لم يستحق سلبه وقال أبو ثور كل مسلم قتل مشركا استحق سلبه لما روى أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من قتل ( كافرا ) فله سلبه ولم يفصل وهذا لا يصح لان ابن مسعود رضى الله عنه قتل أبا جهل وكان قد أثخنه غلامان من الأنصار فلم يدفع النبى صلى الله عليه وسلم سلبه إلى ابن مسعود وإن قتله وهو مول ليكر استحق السلب لان الحرب كر وفر وإن اشترك اثنان فى القتل اشتركا في السلب لاشتراكهما فى القتل وإن قطع أحدهما يديه أو رجليه وقتله الآخر ففيه قولان أحدهما أن السلب للأول لانه عطله
والثانى أن السلب للثانى لانه هو الذى كف شره دون الأول لان بعد قطع اليدين يمكنه أن يعدو أو يجلب وبعد قطع الرجلين يمكنه أن يقاتل إذا ركب وإن غرر من له سهم فأسر رجلا مقبلا على الحرب وسلمه إلى الإمام حيا ففيه قولان أحدهما لا يستحق سلبه لانه لم يكف شره بالقتل والثانى أنه يستحق لان تغريره بنفسه فى أسره ومنعه من القتال أبلغ من القتل وإن من عليه الإمام أو قتله استحق الذى أسره سلبه وإن استرقه أو فاداه بمال ففى رقبته وفى المال المفادى به قولان أحدهما أنه للذى أسره والثانى أنه لا يكون له لانه مال حصل بسبب تغريره فكان فيه قولان كالسلب فصل والسلب ما كان يده عليه من جنة الحرب كالثياب التى يقاتل فيها والسلاح الذى يقاتل به والمركوب الذى يقاتل عليه فأما ما لا بد له عليه كخيمته وما فى رحله من السلاح والكراع فلا يستحق سلبه لانه ليس من السلب وأما ما فى يده مما لا يقاتل به كالطوق والمنطقة والسوار والخاتم وما فى وسطه من النفقة ففيه قولان أحدهما أنه ليس من السلب لانه ليس من جنة الحرب والثانى أنه من السلب لان يده عليه فهو كجنة الحرب ولا يخمس السلب لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى السلب للقاتل ولم يخمس السلب فصل وإن حاصر قلعة ونزل أهلها على حكم حاكم جاز لان بنى قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل رجالهم وسبى نسائهم وذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة ويجب أن يكون الحاكم حرا مسلما ذكرا بالغا عاقلا عدلا عالما لانه ولاية حكم فشرط فيها هذه الصفات كولاية القضاء ويجوز أن يكون أعمى لان الذى يقتضى الحكم هو الذى يشتهر من حالهم وذلك يدرك بالسماع فصح من الأعمى كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأي فيهم لميله إليهم ويجوز حكمه لانه عدل فى الدين وإن نزلوا على حكم حاكم يختاره الإمام جاز لانه لا يختار الإمام إلا من يجوز حكمه وإن نزلوا على حكم من يختارونه لم يجز إلا أن يشترط أن يكون الحاكم على الصفات التى ذكرناها وإن نزلوا على حكم اثنين جاز لانه تحكيم فى مصلحة طريقها الرأى فجاز أن يجعل إلى اثنين كالتحكيم فى اختيار الإمام وإن نزلوا على حكم من لا يجوز أن يكون حاكما أو على حكم من يجوز أن يكون حاكما فمات أو على حكم اثنين فماتا أو مات أحدهما وجب ردهم إلى القلعة لانهم نزلوا على أمان فلا يجوز أخذهم ( إلا برضاهم ) ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه مصلحة للمسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء وإن حكم بعقد الذمة وأخذ الجزية ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز ( إلا برضاهم ) لانه عقد معاوضة فلا يجوز من غير رضاهم والثانى يجوز لانهم نزلوا على حكمه وإن حكم أن من أسلم منهم استرق ومن أقام على الكفر قتل جاز وإن حكم بذلك ثم أراد أن يسترق من حكم بقتله لم يجز لانه لم ينزل على هذا الشرط وإن حكم عليهم بالقتل ثم رأى هو أو الإمام أن يمن عليهم جاز لان سعد بن معاذ رضى الله عنه حكم بقتل رجال بنى قريظة فسأل ثابت الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب له الزبير بن باطا اليهودي ففعل فإن حكم باسترقاقهم لم يجز أن يمن عليهم إلا برضا الغانمين لانهم صاروا مالا لهم فصل ومن أسلم من الكفار قبل الأسر عصم دمه وماله لما روى عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها
فإن كانت له منفعة بإجارة لم تملك عليه لانها كالمال وإن كانت له زوجة جاز استرقاقها على المنصوص ومن أصحابنا من قال لا يجوز كما لا يجوز أن يملك ماله ومنفعته وهذا خطأ لان منفعة البضع ليست بمال ولا تجرى مجرى المال ولهذا لا يضمن بالغصب بخلاف المال والمنفعة وإن كان له ولد صغير لم يجز استرقاقه لان النبى صلى الله عليه وسلم حاصر بنى قريظة فأسلم ابنا شعية فأحرز بإسلامهما أموالهما وأولادهما ولانه مسلم فلم يجز استرقاقه كالأب وإن كان له حمل من حربية لم يجز استرقاقه لانه محكوم بإسلامه فلم يسترق كالولد وهل يجوز استرقاق الحامل فيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه إذا لم يسترق الحمل لم يسترق الحامل ألا ترى أنه لما لم يجز بيع الحر لم يجز بيع الحامل به والثانى أنه يجوز لانها حربية لا أمان لها فصل وإن أسلم رجل وله ولد صغير تبعه الولد فى الإسلام لقوله عز وجل والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وإن أسلمت امرأة ولها ولد صغير تبعها فى الإسلام لانها أحد الأبوين فتبعها الولد فى الإسلام كالأب وإن أسلم أحدهما والولد حمل تبعه فى الإسلام لانه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع المسلم منهما كالولد وإن أسلم أحد الأبوين دون الآخر تبع الولد المسلم منهما لان الإسلام أعلى فكان إلحاقه بالمسلم منهما أولى وإن لم يسلم واحد منهما فالولد كافر لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن بلغ وهو مجنون فأسلم أحد أبويه تبعه فى الإسلام لانه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع الأبوين فى الإسلام كالطفل وإن بلغ عاقلا ثم جن ثم أسلم أحد أبويه ففيه وجهانه أحدهما أنه لا يتبعه لانه زال حكم الاتباع ببلوغه عاقلا فلا يعود إليه والثانى أنه يتبعه وهو المذهب لانه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع أبويه فى الإسلام كالطفل فصل وإن سبى المسلم صبيا فإن كان معه أحد أبويه كان كافرا لما ذكرناه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه وإن سبى وحده ففيه وجهان أحدهما أنه باق على حكم كفره ولا يتبع السابى فى الإسلام وهو ظاهر المذهب لان يد السابى يد ملك فلا توجب إسلامه كيد المشترى والثانى أنه يتبعه لانه لا يصح إسلامه بنفسه ولا معه من يتبعه فى كفره فجعل تابعا للسابى لانه كالأب فى حضانته وكفالته فتبعه فى الإسلام فصل وإن وصف الإسلام صبى عاقل من أولاد الكفار لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب لما روى على كرم الله وجهه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون ( و ) المغلوب على عقله ( حتى يفيق ) وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم ولانه غير مكلف فلم يصح إسلامه بنفسه كالمجنون فعلى هذا يحال بينه وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ لانه إذا ترك معهم خدعوه وزهدوه فى الإسلام فإن بلغ ووصف الإسلام حكم بإسلامه وإن وصف الكفر هدد وضرب وطولب بالإسلام وإن أقام على الكفر رد إلى أهله من الكفار ومن أصحابنا من قال يصح إسلامه لانه يصح صومه وصلاته فصح إسلامه كالبلغ فصل وإن سبيت امرأة ومعها ولد صغير لم يجز التفريق بينهما وقد بيناه فى البيع وإن سبى رجل ومعه ولد صغير ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز التفريق بينهما لانه أحد الأبوين فلم يفرق بينه وبين الولد الصغير كالأم والثانى أنه يجوز أن يفرق بينهما لان الأب لا بد أن يفارقه فى الحضانة لانه لا يتولى حضانته بنفسه وإنما يتولاها غيره فلم يحرم التفريق ولهت بمفارقته فحرم التفريق بينهما فصل وإن سبى الزوجان أو أحدهما انفسخ النكاح
لما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فاستحللناهن بينهما بخلاف الأم فإنها لا تفارقه فى الحضانة فإنه إذا فرق بينهما فصل وإن سبى الزوجان أو حدهما انفسخ النكاح لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا بهن فأنزل الله تعالى ^(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فاستحللناهن)^ قال الشافعى رحمه الله سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوطاس وبنى المصطلق وقسم الفيء وأمر ألا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض وعلم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وإن كان الزوجان مملوكين فسبيا أو أحدهما فلا نص فيه والذى يقتضيه قياس المذهب ألا ينفسخ النكاح لانه لم يحدث بالسبى رق وإنما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النكاح كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع ومن أصحابنا من قال ينفسخ النكاح لانه حدث سبى يوجب الاسترقاق وإن صادف رقا كما أن الزنا يوجب الحد وإن صادف حدا فصل إذا دخل الجيش دار الحرب فأصابوا ما يؤكل من طعام أو فاكهة أو حلاوة واحتاجوا ( إلى ذلك ) جاز لهم أكله من غير ضمان لما روى ابن عمر رضى الله عنهما قال كنا نصيب من المغازى العسل والفاكهة فنأكله ولا نرفعه وسئل ابن أبى أوفى عن طعام خيبر فقال كان الرجل يأخذ منه قدر حاجته ولان الحاجة تدعو إلى ما يؤكل ولا يوجد من يشترى منه مع قيام الحرب فجاز لهم الأكل وهل يجوز لهم الأكل من غير حاجة فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى على بن هريرة أنه لا يجوز كما لا يجوز فى غير دار الحرب أكل مال الغير بغير إذنه من غير حاجة والثانى أنه يجوز وهو ظاهر المذهب وقول أكثر أصحابنا لما روى عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال دلى جراب من شحم يوم خيبر فأتيته فالتزمته ثم قلت لا أعطى من هذا أحدا اليوم شيئا فالتفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلى ولو لم يجز أكل ما زاد على الحاجة لنهاه عن منع ما زاد على الحاجة ويخالف طعام الغير بأن ذلك لا يجوز أكله من غير ضرورة وهذا يجوز أكله من غير ضرورة قطعا وطعام الغير يأكله بعوض وهذا يأكله بغير عوض فجاز أن يأكله من غير حاجة ولا يجوز لاحد منهم أن يبيع شيئا منه لان حاجته إلى الأكل دون البيع وإن باع شيئا منه نظرت فإن باعه من بعض الغانمين وسلمه إليه صار المشترى أحق به لانه من الغانمين وقد حصل فى يده ما يجوز له أخذه للأكل فكان أحق به فإن رده إلى البائع صار البائع أحق به لما ذكرناه فى المشترى وإن باعه من غير الغانمين وسلمه إليه وجب على المشترى رده إلى الغنيمة لانه ابتاعه ممن لا يملك بيعه وليس هو من الغانمين فيمسكه لحقه فوجب رده إلى الغنيمة فصل ويجوز أن يعلف منه المركوب وما يحمل عليه رحله من البهائم لان حاجته إليه كحاجته ولا يدهن منه شعره ولا شعر البهائم لانه لا حاجة به إليه ولا يعلف منه ما معه من الجوارح كالصقر والفهد لانه لا حاجة به إليه وإن خرج إلى دار الإسلام ومعه بقية من الطعام ففيه قولان أحدهما أنه لا يلزمه ردها فى المغنم لانه مال اختص به من الغنيمة فلا يجب رده فيها كالسلب والثانى أنه يجب ردها لانه إنما أجيز أخذه فى دار الحرب للحاجة ولا حاجة إليه فى دار الإسلام ومن أصحابنا من قال إن كان كثيرا وجب رده قولا واحدا وإن كان قليلا فعلى القولين والصحيح هو الأول ولا يجوز تناول ما يصاب من الأدوية من غير حاجة وإن دعت الحاجة إليه جاز تناوله ويجب ضمانه لانه ليس من الأطعمة التى يحتاج إليها فى العادة
ولا يجوز له لبس ما يصاب من الثياب لما روى رويفع بن ثابت الأنصارى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فىء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه ولانه لا يحتاج إليه فى العادة فإن لبسه لزمته أجرته لانه كالغاصب فصل ويجوز ذبح ما يؤكل للأكل ومن أصحابنا من قال لا يجوز والمذهب الأول لانه مما يؤكل فى العادة فهو كسائر الطعام ولا يجوز أن يعمل من أهبها حذاء ولا سقاء ولا دلاء ولا فراء فإن اتخذ منه شيئا من ذلك وجب رده فى المغنم وإن زادت بالصنعة قيمته لم يكن له في الزيادة حق وإن نقص لزمه أرش ما نقص لانه كالغاصب فصل وإن أصابوا كتبا فيها كفر لم يجز تركها على حالها لان قراءتها والنظر فيها معصية وإن أصابوا التوراة والإنجيل لم يجز تركها على حالها لانه لا حرمة لها لانها مبدلة فإن أمكن الانتفاع بما كتب عليه إذا غسل كالجلود غسل وقسم مع الغنيمة وإن لم يمكن الانتفاع به إذا غسل كالورق مزق ولا يحرق لانه إذا حرق لم يكن له قيمة فإذا مزق كانت له قيمة فلا يجوز إتلافه على الغانمين فصل وإذا أصابوا خمرا وجب إراقتها كما يجب إذا أصيبت فى يد مسلم فإن أصابوا خنزيرا فقد قال فى سير الواقدى يقتل إن كان به عدو فمن أصحابنا من قال إن كان فيه عدو قتل لما فيه من الضرر وإن لم يكن فيه عدو لم يقتل لانه لا ضرر فيه ومنهم من قال يجب قتله بكل حال لانه يحرم الانتفاع به فوجب إتلافه كالخمر وإن أصابوا كلبا فإن كان عقورا قتل لما فيه من الضرر وإن كان فيه ( منفعة ) دفع إلى من ينتفع به من الغانمين أو من أهل الخمس وإن لم يكن فيهم من يحتاج إليه خلى لان اقتناءه لغير حاجة محرم وقد بيناه فى البيوع فصل وإن أصابوا مباحا لم يملكه الكفار كالصيد والحجر والحشيش والشجر فهو لمن أخذه كما لو وجده فى دار الإسلام وإن وجد ما يمكن أن يكون للمسلمين ويمكن أن يكون للكفار كالسيف والقوس عرف سنة فإن لم يوجد صاحبه فهو غنيمة فصل وإن فتحت أرض عنوة وأصيب فيها موات فإن لم يمنع الكفار عنها فهو لمن ( أحياها ) كموات دار الإسلام وإن منعوا عنها كان للغانمين لانه يثبت لهم بالمنع عنها حق التملك فانتقل ذلك الحق إلى الغانمين كما لو تحجروا مواتا للأحياء ثم صارت الدار للمسلمين وإن فتحت صلحا على أن تكون الأرض لهم لم يجز للمسلمين أن يملكوا فيها مواتا بالأحياء لان الدار لهم فلم يملك المسلم فيها بالإحياء فصل وما أصاب المسلمون من مال الكفار وخيف أن يرجع إليهم ينظر فيه فإن كان غير الحيوان أتلف حتى لا ينتفعوا به ويتقووا به على المسلمين وإن كان حيوانا لم يجز إتلافه من غير ضرورة لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله تعالى عن قتلها قيل يا رسول الله وما حقها قال أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمى بها وإن دعت إلى قتله ضرورة بأن كان الكفار لا خيل لهم وما أصابه المسلمون من خيل وخيف أن يأخذوه ويقاتلونا عليه جاز قتله لانه إذا لم يقتل أخذه الكفار وقاتلوا به المسلمين فصل إذا سرق بعض الغانمين نصابا من الغنيمة فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لمعنيين أحدهما أن له حقا فى خمسها والثانى أن له حقا فهى أربعة أخماسها
وإن سرق بعد إخراج الخمس نظرت فإن سرق من الخمس لم يقطع لان له حقا فيه وإن سرق من أربعة أخماسها نظرت فإن سرق قدر حقه أو دونه لم يقطع لان له في ذلك القدر شبهة وإن كان أكثر من حقه ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لانه لا شبهة له فى سرقة النصاب والثانى أنه لا يقطع لان حقه شائع فى الجميع فلم يقطع فيه وإن كان السارق من غير الغانمين نظرت فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لان له حقا فى خمسها وإن كان بعد إخراج الخمس فإن سرق من الخمس لم يقطع لان فيه حقا وإن سرق ذلك من أربعة أخماسها فإن كان فى الغانمين من للسارق شبهة فى ماله كالأب والابن لم يقطع لان له شبهة فيما سرق وإن لم يكن له فيهم من له شبهة فى ماله قطع لانه لا شبهة له ( فيما سرق ) فصل وإن وطىء بعض الغانمين جارية من الغنيمة لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور يجب وهذا خطأ لان له فيها شبهة وهو حق التملك ويجب عليه المهر لانه وطء يسقط فيه الحد على الموطوءة للشبهة فوجب المهر على الواطىء كالوطء فى النكاح الفاسد وإن أحبلها ثبت النسب للولد وينعقد الولد حرا للشبهة وهل تقسم الجارية فى الغنيمة أو تقوم على الواطىء فيه طريقان من أصحابنا من قال إن قلنا إذا ملكها صارت أم ولد قومت عليه وإن قلنا إنها لا تصير أم ولد له لم تقوم عليه وقال أبو إسحاق تقوم على القولين لانه لا يجوز قسمتها كما لا يجوز بيعها ولا يجوز تأخير القسمة لان فيه إضرارا بالغانمين فوجب أن تقوم وإن وضعت فهل تلزمه قيمة الولد ينظر فيه فإن كان قد قومت عليه لم تلزمه لانها تضع فى ملكه وإن لم تكن قومت عليه لزمه قيمة الولد لانها وضعته فى غير ملكه فصل ومن قتل فى دار الحرب قتلا يوجب القصاص أو أتى بمعصية توجب الحد وجب عليه ما يجب فى دار الإسلام لانه لا تختلف الداران فى تحريم الفعل فلم تختلفا فيما يجب به من العقوبة فصل وإن تجسس رجل من المسلمين للكفار لم يقتل لما روى عن على كرم الله وجهه قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا بالظعينة فقلنا أخرجى الكتاب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن ( أبى ) بلتعة رضى الله عنه إلى أناس بمكة يخبرهم ببعض أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حاطب ما هذا قال يا رسول الله لا تعجل على إنما كنت امرأ ملصقا فأحببت أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتى ولم أفعل ذلك ارتدادا عن دينى ولا أرضى الكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه قد صدق فقال عمر دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال ) إنه قد شهد بدرا فقال سفيان بن عيينة فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقرأ سفيان إلى قوله فقد ضل سواء السبيل فصل إذا أخذ المشركون مال المسلمين بالقهر لم يملكوه وإذا استرجع منهم وجب رده إلى صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه روى عمران بن الحصين رضى الله عنه قال أغار المشركون على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبوا به وذهبوا بالعضباء وأسروا امرأة من المسلمين فركبتها وجعلت لله عليها إن نجاها الله لتنحرنها فقدمت المدينة وأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بئس ما جزيتها لا وفاء لنذر فى معصية الله عز وجل ولا فيما لا يملكه ابن آدم
فإن لم يعلم به حتى قسم دفع إلى من وقع فى سهمه العوض من خمس الخمس ورد المال إلى صاحبه لانه يشق نقض القسمة فصل وإن أسر الكفار مسلما وأطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم فى النفس والمال لانهم كفار لا أمان لهم وإن أطلقوه على أنه فى أمان ولم يستأمنوه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه لا أمان لهم لانهم لم يستأمنوه والثانى وهو ظاهر المذهب أنهم فى أمانه لانهم جعلوه فى أمان فوجب أن يكونوا منه فى أمان وإن كان محبوسا فأطلقوه واستحلفوه أنه لا يرجع إلى دار الإسلام لم يلزمه حكم اليمين ولا كفارة عليه إذا حلف لان ظاهره الإكراه فإن ابتدأ وحلف أنه إن أطلق لم يخرج إلى دار الإسلام ففيه وجهان أحدهما أنها يمين إكراه فإن خرج لم تلزمه كفارة لانه لم يقدر على الخروج إلا باليمين فأشبه إذا حلفوه على ذلك والثانى أنه يمين اختيار فإن خرج لزمته الكفارة لانه بدأ بها من غير إكراه وإن أطلق ليخرج إلى دار الإسلام وشرط عليه أن يعود إليهم أو يحمل لهم مالا لم يلزمه العود لان مقامه في دار الحرب لا يجوز ولا يلزمه بالشرط ما ضمن من المال لانه ضمان من مال بغير حق والمستحب أن يحمل لهم ما ضمن ليكون ذلك طريقا إلى إطلاق الأسرى باب الأنفال يجوز لامير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلا يفضى إلى الظفر بالعدو كالتجسس والدلالة على طريق أو قلعة أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها لما روى عبادة بن الصامت رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفى القفول الثلث وتقدير النفل إلى رأي أمير الجيش لانه بذل لمصلحة الحرب فكان تقديره إلى رأى الأمير ويكون ذلك على قدر العمل لان النبى صلى الله عليه وسلم جعل فى البدأة الربع وفى القفول الثلث لان التغرير فى القفول أعظم لانه يدخل إلى دار الحرب والعدو منه على حذر وفى البدأة يدخل والعدو منه على غير حذر ويجوز شرط النفل من ( بيت ) مال المسلمين ويجوز شرطه من المال الذى يؤخذ من المشركين فإن جعل في بيت مال المسلمين كان ذلك من خمس الخمس لما روى سعيد بن المسيب قال كان الناس يعطون النفل من الخمس ولانه مال يصرف فى مصلحة فكان من خمس الخمس ولا يجوز أن يكون مجهولا لانه عوض فى عقد لا تدعو الحاجة فيه إلى الجهل به فلم يجز أن يكون مجهولا كالجهل فى رد الآبق وإن كان النفل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا لان النبى صلى الله عليه وسلم جعل فى البدأة الربع وفى القفول الثلث وذلك جزء من غنيمة مجهولة فصل وإن قال الأمير من دلنى على القلعة الفلانية فله منها جارية فدله عليها رجل نظرت فإن لم تفتح القلعة لم يجب للدليل شيء ومن أصحابنا من قال يرضخ له لدلالته والمذهب الأول لانه لما جعل له الجارية من القلعة صار تقديره من دلنى على القلعة وفتحت كانت له منها جارية لانه لا يقدر على تسليم الجارية إلا بالفتح فلم يستحق من غير الفتح شيئا وإن فتحت عنوة ولم تكن فيها جارية لم يستحق شيئا لانه شرط معدوم وإن كانت فيها جارية سلمت إليه ولا حق فيها للغانمين ولا لاهل الخمس لانه استحقها بسبب سابق للفتح وإن أسلمت الجارية قبل القدرة عليها لم يستحقها لان إسلامها يمنع من استرقاقها ويجب له قيمتها لان النبى صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء من المسلمات فمنعه الله عز وجل من ردهن وأمره أن يرد مهورهن وإن أسلمت بعد القدرة عليها فإن كان الدليل مسلما سلمت إليه وإن كان كافرا فإن قلنا إن الكافر يملك العبد المسلم بالشراء استحقها ثم أجبر على إزالة الملك عنها
وإن قلنا إنه لا يملك دفع إليه قيمتها وإن أسلم الدليل بعد ذلك لم يستحقها لانه أسلم بعد ما انتقل حقه إلى قيمتها وإن فتحت والجارية قد ماتت ففيه قولان أحدهما أن له قيمتها لانه تعذر تسليمها فوجب قيمتها كما لو أسلمت والثانى أنه لا يجب له قيمتها لانه غير مقدور عليها فلم يجب قيمتها كما لو لم تكن فيها جارية وإن فتحت صلحا نظرت فإن لم تدخل الجارية فى الصلح كان الحكم فيها كالحكم إذا فتحت عنوة فإن دخلت فى الصلح ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أن الجارية للدليل وشرطها فى الصلح لا يصح كما لو زوجت امرأة من رجل ثم زوجت من آخر والثانى أن شرطها فى الصلح صحيح لان الدليل لو عفا عنها أمضينا الصلح فيها ولو كان فاسدا لم يمض إلا بعقد مجدد فعلى هذا إن رضى الدليل بغيرها من جوارى القلعة أو رضى بقيمتها أمضينا الصلح وإن لم يرض ورضى أهل القلعة بتسليمها فكذلك وإن امتنع أهل القلعة من دفع الجارية وامتنع الدليل من الانتقال إلى البدل ردوا إلى القلعة وقد زال الصلح لانه اجتمع أمران متنافيان وتعذر الجمع بينهما وحق الدليل سابق ففسخ الصلح ولصاحب القلعة أن يحصن القلعة كما كانت من غير زيادة وإن فتحت بعد ذلك عنوة كانت الجارية للدليل وإن لم تفتح لم يكن له شيء فصل إذا قال الأمير قبل الحرب من أخذ شيئا فهو له فقد أومأ فيه إلى قولين أحدهما أن الشرط صحيح لان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر من أخذ شيئا فهو له والثانى وهو الصحيح أنه لا يصح الشرط لانه جزء من الغنيمة شرطه لمن لا يستحقه من غير شرط فلا يستحقه بالشرط كما لو شرطه لغير الغانمين والخبر ورد فى غنائم بدر وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء باب قسم الغنيمة والغنيمة ما أخذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب فإن كان فيها سلب للقاتل أو مال لمسلم سلم إليه لانه استحقه قبل الاغتنام ثم يدفع منها أجرة النقال والحافظ لانه لمصلحة الغنيمة فقدم ثم يقسم الباقى على خمسة أخماس خمس لاهل الخمس ثم يقسم أربعة أخماسها بين الغانمين لقوله عز وجل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فأضاف الغنيمة إلى الغانمين ثم جعل الخمس لاهل الخمس فدل على أن الباقى للغانمين والمستحب أن يقسم ذلك فى دار الحرب ويكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر لان النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر وقسم غنائم بني المصطلق على مياههم وقسم غنائم حنين بأوطاس وهو واد ( من أودية ) حنين فإن كان الجيش رجالة سوى بينهم وإن كانوا فرسانا سوى بينهم وإن كان بعضهم فرسانا وبعضهم رجالة جعل للراجل سهما وللفارس ثلاثة أسهم لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم للرجل سهم وللفرس سهمان ولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل لان من لم يقاتل كالمقاتل فى الارهاب العدو ولانه أرصد نفسه للقتال ولا يسهم لمركوب غير الخيل لانه لا يلحق بالخيل فى التأثير فى الحرب من الكر والفر فلم يلحق بها فى السهم ويسهم للفرس العتيق وهو الذى أبواه عربيان وللبرذون وهو الذى أبواه عجميان وللمقرف وهو الذى أمه عربية وأبوه عجمى وللهجين وهو الذى أبوه عربى وأمه عجمية لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ولانه حيوان يسهم له فلم يختلف سهمه باختلاف أبويه كالرجل وإن حضر بفرس حطم أو صرع أو أعجف فقد قال فى الأم قيل لا يسهم له وقيل يسهم له فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما أنه لا يسهم له لانه لا يغنى غناء الخيل فلم يسهم له كالبغل
والثانى يسهم له لان ضعفه لا يسقط سهمه كضعف الرجل وقال أبو إسحاق إن أمكن القتال عليه أسهم له وإن لم يمكن القتال عليه لم يسهم له لان الفرس يراد للقتال عليه وهذا أقيس والأول أشبه بالنص ولا يسهم للرجل لاكثر من فرس لما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس فلم يسهم له النبى صلى الله عليه وسلم إلا لفرس واحد ولانه لا يقاتل إلا على فرس واحد فلا يسهم لاكثر منه وإن حضر بفرس والقتال فى الماء أو على حصن استحق سهمه لانه أرهب بفرسه فاستحق سهمه كما لو حضر به القتال ولم يقاتل ولانه قد يحتاج إليه إذا خرجوا من الماء والحصن فصل فإن غصب فرسا وحضر به الحرب استحق للفرس سهمين لانه حصل به الإرهاب وفى مستحقه وجهان أحدهما أنه له والثانى أنه لصاحب الفرس بناء على القولين فى ربح الدراهم المغصوبة أحدهما أنه للغاصب والثانى أنه للمغصوب منه وإن استعار فرسا أو استأجره للقتال فحضر به الحرب استحق به السهم لانه ملك القتال عليه وإن حضر دار الحرب بفرس وانقضت الحرب ولا فرس معه بأن نفق أو باعه أو أجره أو أعاره أو غصب منه لم يسهم له وإن دخل دار الحرب راجلا ثم ملك فرسا أو استعاره وحضر به الحرب استحق السهم لان استحقاق المقاتل بالحضور فكذلك الاستحقاق بالفرس وإن حضر بفرس وعار الفرس إلى أن انقضت الحرب لم يسهم له ومن أصحابنا من قال يسهم له لانه خرج من يده بغير اختياره والمذهب الأول لان خروجه من يده يسقط السهم وإن كان بغير اختياره كما يسقط سهم الراجل إذا ضل عن الوقعة وإن كان بغير اختياره فصل ومن حضر الحرب ومرض فإن كان مرضا يقدر معه على القتال كالسعال ونفور الطحال والحمى الخفيفة أسهم له لانه من أهل القتال ولان الإنسان لا يخلو من مثله فلا يسقط سهمه لاجله وإن كان لا يقدر على القتال لم يسهم له لانه ليس من أهل القتال فلم يسهم له كالمجنون والطفل فصل ولا حق فى الغنيمة لمخذل ولا لمن يرجف بالمسلمين ولا لكافر حضر بغير إذن لانه لا مصلحة للمسلمين فى حضورهم ويرضخ للصبى والمرأة والعبد والمشرك إذا حضر بالإذن ولم يسهم لهم لما روى عمير قال غزوت مع النبى صلى الله عليه وسلم وأنا عبد مملوك فلما فتح الله على نبيه خيبر قلت يا رسول الله سهمى فلم يضرب لى بسهم وأعطانى سيفا فتقلدته وكنت أخط بنعله فى الأرض وأمر لى من حرثى المتاع وروى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم فكتب إليه ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن بسهم فصل وتقدير الرضخ إلى اجتهاد أمير الجيش ولا يبلغ به سهم راجل لانه تابع لمن له سهم فنقص عنه كالحكومة لا يبلغ بها أرش العضو ومن أين يرضخ لهم فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يرضخ لهم من أصل الغنيمة لانهم أعوان المجاهدين فجعل حقهم من أصل الغنيمة كالنقال والحافظ والثانى أنه من أربعة أخماس الغنيمة لانهم من المجاهدين فكان حقهم من أربعة أخماس الغنيمة والثالث أنه من خمس الخمس لانهم من أهل المصالح فكان حقهم من سهم المصالح فصل وإن حضر أجير فى إجارة مقدرة بالزمان ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يرضخ له مع الأجرة لان منفعته مستحقة لغيره فرضخ له كالعبد والثانى أنه يسهم له مع الأجرة لان الأجرة تجب بالتمكين والسهم بالحضور وقد وجد الجميع والثالث أنه يخير بين السهم والأجرة فإن اختار الأجرة رضخ له مع الأجرة وإن اختار السهم أسهم له وسقطت الأجرة لان المنفعة الواحدة لا يستحق بها حقان واختلف قوله فى تجار الجيش فقال فى أحد القولين يسهم لهم لانهم شهدوا الوقعة
والثانى أنه لا يسهم لهم لانهم لم يحضروا للقتال واختلف أصحابنا فى موضع القولين فمنهم من قال القولان إذا حضروا ولم يقاتلوا وأما إذا حضروا فقاتلوا فإنه يسهم لهم قولا واحدا ومنهم من قال القولان إذا قاتلوا فأما إذا لم يقاتلوا فإنه لا يسهم لهم قولا واحدا فصل وإذا لحق بالجيش مدد أو أفلت أسير ولحق بهم نظرت فإن كان قبل انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة أسهم لهم لقول عمر رضى الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة لم يسهم لهم لانهم حضروا بعد ما صارت الغنيمة للغانمين وإن كان بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة ففيه قولان أحدهما أنه لا يسهم لهم لانهم لم يشهدوا الوقعة والثانى أنه يسهم لهم لانهم حضروا قبل أن يملك الغانمون فصل وإن خرج أمير فى جيش وأنفذ سرية من الجيش إلى الجهة التى يقصدها أو إلى غيرها فغنمت السرية شاركهم الجيش وإن غنم الجيش شاركتهم السرية لان النبى صلى الله عليه وسلم حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية وغنمت فقسم غنائمهم بين الجميع وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم ( قال المسلمون يد على من سواهم ) يسعى بذمتهم أدناهم وترد عليهم أقصاهم وترد سرايهم على قاعدهم ولان الجميع جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة وإن أنفذ سريتين إلى جهة واحدة من طريق أو طريقين اشترك الجيش والسريتان فيما يغنم كل واحد منهم لان الجميع جيش واحد وإن أنفذ سريتين إلى جهتين شارك السريتان الجيش فيما يغنمه وشارك الجيش السريتين فيما يغنمان وهل تشارك كل واحدة من السريتين السرية الأخرى فيما تغنمه فيه وجهان أحدهما أنها لا تشارك لان الجيش أصل السريتين وليست إحدى السريتين أصلا للأخرى والثانى وهو الصحيح أنها تشارك لانهما من جيش واحد وإن أنفذ الأمير سرية من الجيش وأقام هو مع الجيش فغنمت السرية لم يشاركها الجيش المقيم مع الأمير لان النبى صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من المدينة فلم يشاركهم أهل المدينة فيما غنموا ولان الغنيمة للمجاهدين والجيش مقيم مع الأمير ما جاهدوا فلم يشارك السرية فيما غنمت والله أعلم باب قسم الخمس ويقسم الخمس على خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم لذوى القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل والدليل عليه قوله عز وجل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فأما سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يصرف فى مصالح المسلمين والدليل عليه ما روى جبير بن مطعم رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدر من خيبر تناول بيده نبذة من الأرض أو وبرة من بعيره وقال والذى نفسى بيده مالى مما أفاء الله إلا الخمس والخمس مردود عليكم فجعله لجميع المسلمين ولا يمكن صرفه إلى جميع المسلمين إلا بأن يصرف فى مصالحهم وأهم المصالح سد الثغور لانه يحفظ به الإسلام والمسلمين ثم الأهم فالأهم فصل وأما سهم ذوى القربى فهو لمن ينتسب إلى هاشم والمطلب ابنى عبد مناف لما روى جبير بن مطعم رضى الله عنه قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب جئت أنا وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنوا هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذى وضعك الله فيهم أرأيت إخواننا من بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وإياهم منك بمنزلة واحدة قال إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنوا المطلب شيء ثم شبك بين أصابعه
ويسوى فيه بين الأغنياء والفقراء لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى منه العباس وكان موسرا بقول عامة بنى عبد المطلب ولانه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الغنى والفقير كالميراث ويشترك فيه الرجال والنساء لما روى عبد الله بن الزبير رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أسهم لام الزبير فى ذوى القربى ولانه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الذكر والأنثى كالميراث ويجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وقال المزنى وأبو ثور يسوى بين الذكر والأنثى لانه مال يستحق باسم القرابة فلا يفضل الذكر ( فيه ) على الأنثى كالمال المستحق بالوصية للقرابة وهذا خطأ لانه مال يستحق بقرابة الأب بالشرع ففضل الذكر فيه على الأنثى كميراث ولد الأب ويدفع ذلك إلى القاصى منهم والدانى وقال أبو إسحاق يدفع ( ما ) فى كل إقليم إلى من فيه منهم لانه يشق نقله من إقليم إلى إقليم والمذهب الأول لقوله عز وجل ولذي القربى فعم ولم يخص ولانه حق مستحق بالقرابة فاستوى فيه القاصى والدانى كالميراث فصل وأما سهم اليتامى فهو لكل صغير فقير لا أب له فأما من له أب فلا حق له فيه لان اليتيم هو الذى لا أب له وليس لبالغ فيه حق لانه لا يسمى بعد البلوغ يتيما والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد الحلم وليس للغنى فيه حق ومن أصحابنا من قال للغنى فيه حق لان اليتيم هو الذى لا أب له غنيا كان أو فقيرا والمذهب الأول لان غناه بالمال أكثر من غناه بالأب فإذا لم يكن لمن له أب فيه حق فلان لا يكون لمن له مال أولى فصل وأما سهم المساكين فهو لكل محتاج من الفقراء والمساكين لانه إذا أفرد المساكين تناول الفريقين فصل وأما سهم ابن السبيل فهو لكل مسافر أو مريد لسفر فى غير معصية وهو محتاج على ما ذكرناه فى الزكاة فصل ولا يدفع شيء من الخمس إلى كافر لانه عطية من الله تعالى فلم يكن للكافر فيها حق كالزكاة ولانه مال مستحق على الكافر بكفره فلم يجز أن يستحقه الكافر وبالله التوفيق باب قسم الفيء الفيء هو ( المال ) الذى يؤخذ من الكفار من غير قتال وهو ضربان أحدهما ما انجلوا عنه خوفا من المسلمين أو بذلوه للكف عنهم فهذا يخمس ويصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة والدليل عليه قوله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والثانى ما أخذ من غير خوف كالجزية وعشور تجاراتهم ومال من مات منهم فى دار الإسلام ولا وارث ففى تخميسه قولان قال فى القديم لا يخمس لانه مال أخذ ( منهم ) من غير خوف فلم يخمس كالمال المأخوذ بالبيع والشراء وقال فى الجديد يخمس وهو الصحيح للآية ولانه مال مأخوذ من الكفار بحق الكفر لا يختص به بعض المسلمين فوجب تخميسه كالمال الذى انجلوا عنه وأما أربعة أخماسه فقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته والدليل عليه قوله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ولا ينتقل ما ملكه إلى ورثته لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا تقاسم ورثتى دينارا ولا درهما ما تركته بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فإنه صدقة وروى مالك بن أوس بن الحدثان رضى الله عنه عن عمر رضى الله عنه أنه قال لعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنا لا نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث فقال القوم بلى قد سمعناه ثم أقبل على على وعباس فقال أنشدكما بالله هل سمعتما ( أن ) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما تركناه صدقة إن الأنبياء لا تورث فقالا نعم أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود
واختلف قول الشافعى رضى الله عنه فيما يحصل من مال الفيء بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فى أحد القولين يصرف فى المصالح لانه مال راتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصرف بعد موته فى المصالح كخمس الخمس فعلى هذا يبدأ بالأهم وهو سد الثغور وأرزاق المقاتلة ثم الأهم فالأهم وقال فى القول الثانى هو للمقاتلة لان ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان فيه من حفظ الإسلام والمسلمين ولما كان له فى قلوب الكفار من الرعب وقد صار ذلك بعد موته فى المقاتلة فوجب أن يصرف إليهم ف صل وينبغى للإمام أن يضع ديوانا يثبت فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال قدمت على عمر رضى الله عنه من عند أبى موسى الأشعرى بثمانمائة ألف درهم فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم قد جاء للناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام أشيروا على بمن أبدأ منهم فقالوا بك يا أمير المؤمنين إنك ولى ذلك قال لا ولكن أبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب إليه فوضع الديوان على ذلك ويستحب أن يجعل على كل طائفة عريفا لان النبى صلى الله عليه وسلم جعل عام خيبر على كل عشرة عريفا ولان فى ذلك مصلحة وهو أن يقوم التعريف بأمورهم ويجمعهم فى وقت العطاء وفى وقت الغزو ويجعل العطاء فى كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل فى كل شهر ولا فى كل أسبوع لان ذلك يشغلهم عن الجهاد فصل ويستحب أن يبدأ بقريش لقوله صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا ولا تتقدموها ولان النبى صلى الله عليه وسلم منهم فإنه محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة واختلف الناس فى قريش فمنهم من قال كل من ينتسب إلى فهر بن مالك فهو من قريش ومنهم من قال كل من ينتسب إلى النضر بن كنانة فهو من قريش ويقدم من قريش بنو هاشم لانهم أقرب قبائل قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضم إليهم بنو المطلب لان النبى صلى الله عليه وسلم قال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه وعن عمر رضى الله عنه أنه قال حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم فإذا كان السن فى الهاشمى قدمه على المطلبى وإذا كان فى المطلبى قدمه على الهاشمى ثم يعطى بنى عبد شمس وبنى نوفل ابنى عبد مناف ويقدم بنى عبد شمس على بنى نوفل لان عبد شمس أقرب إليه لانه أخو هاشم من أبيه وأمه ونوفل أخوه من أبيه وأنشد آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزير ( من الرمل ) يا أمين الله إنى قائل قول ذى بر ودين وحسب عبد شمس لا تهنها إنما عبد شمس عم عبد المطلب عبد شمس كان يتلو هاشما وهما بعد لام ولاب ثم يعطى بنى عبد العزى وبنى عبد الدار ويقدم عبد عبد العزى على عبد الدار لان فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خديجة بنت خويلد منهم ولان فيهم من حلف المطيبين وحلف الفضول وهما حلفان كانا من قوم من قريش اجتمعوا فيهما على نصر المظلوم ومنع الظالم وروت عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال شهدت حلف الفضول ولو دعيت إليه لاجبت وعلى هذا يعطى الأقرب فالأقرب حتى تنقضى قريش
فإن استوى اثنان فى القرب قدم أسنهما لما رويناه من حديث عمر فى بنى هاشم وبنى المطلب فإن استويا فى السن قدم أقدمهما هجرة وسابقة فإذا انقضت قريش قدم الأنصارى على سائر العرب لما لهم من السابقة والآثار الحميدة فى الإسلام ثم يقسم على سائر العرب ثم يعطى العجم ولا يقدم بعضهم على بعض إلا بالسن والسابقة دون النسب فصل ويقسم بينهم على قدر كفايتهم لانهم كفوا المسلمين أمر الجهاد فوجب أن يكفوا أمر النفقة ويتعاهد الإمام فى وقت العطاء عدد عيالهم لانه قد يزيد وينقص ويتعرف الأسعار وما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة لانه قد يغلو ويرخص ليكون عطيتهم على قدر حاجتهم ولا يفضل من سبق إلى الإسلام أو إلى الهجرة على غيره لان الاستحقاق بالجهاد وقد تساووا فى الجهاد فلم يفضل بعضهم على بعض كالغانمين فى الغنيمة فصل ولا يعطى من الفىء صبى ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال لان الفىء للمجاهدين وليس هؤلاء من أهل الجهاد وإن مرض مجاهد فإن كان مرضا يرجى زواله أعطى لان الناس لا يخلون من عارض مرض وإن كان مرضا لا يرجى زواله سقط حقه من الفيء لانه خرج عن أن يكون من المجاهدين وإن مات المجاهد وله ولد صغير أو زوجة ففيه قولان أحدهما أنه لا يعطى ولده ولا زوجته من الفىء شيئا لان ما كان يصل إليهما على سبيل التبع لمن يعولهما وقد زال الأصل وانقطع التبع والثانى أنه يعطى الولد إلى أن يبلغ وتعطى الزوجة إلى أن تتزوج لان فى ذلك مصلحة فإن المجاهد إذا علم أنه يعطى عياله بعد موته توفر على الجهاد وإذا علم أنه لا يعطى اشتغل بالكسب لعياله وتعطل الجهاد فإذا قلنا لهذا فبلغ الولد فإن كان لا يصلح للقتال كالأعمى والزمن أعطى الكفاية كما كان يعطى قبل البلوغ وإن كان يصلح للقتال وأراد الجهاد فرض له وإن لم يرد الجهاد لم يكن له فى الفىء حق لانه صار من أهل الكسب وإن تزوجت الزوجة سقط حقها من الفىء لانها استغنت بالزوج وإن دخل وقت العطاء فمات المجاهد انتقل حقه إلى ورثته لانه مات بعد الاستحقاق فانتقل حقه إلى الوارث فصل وإن كان فى الفىء أراض كان خمسها لاهل الخمس فأما أربعة أخماسها فقد قال الشافعى رحمه الله تكون وقفا فمن أصحابنا من قال هذا على القول الذى يقول إنه للمصالح فإن المصلحة فى الأراضى أن تكون وقفا لانها تبقى فتصرف غلتها فى المصالح وأما إذا قلنا إنها للمقاتلة فإنه يجب قسمتها بين أهل الفىء لانها صارت لهم فوجبت قسمتها بينهم كأربعة أخماس الغنيمة ومن أصحابنا من قال تكون وقفا على القولين فإن قلنا إنها للمصالح صرفت غلتها فى المصالح وإن قلنا أنها للمقاتلة صرفت غلتها فى مصالحهم لان الاجتهاد فى مال الفىء إلى الإمام ولهذا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض ويخالف الغنيمة فإنه ليس للإمام فيها الاجتهاد ولهذا لا يجوز أن يفضل ( فيها ) بعض الغانمين على بعض وبالله التوفيق باب الجزية لا يجوز أخذ الجزية ممن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان لقوله عز وجل قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فخص أهل الكتاب بالجزية فدل على أنها لا تؤخذ من غيرهم ويجوز أخذها من أهل الكتابين وهم اليهود والنصارى للآية ويجوز أخذها ممن بدل منهم دينه لانه وإن لم تكن لهم حرمة بأنفسهم فلهم حرمة بآبائهم ويجوز أخذها من المجوس لما روى عبد الرحمن ابن عوف أن النبى صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وروى أيضا عبد الرحمن بن عوف أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر
واختلف قول الشافعى رحمه الله هل كان لهم كتاب أم لا فقال فيه قولان أحدهما أنه لم يكن لهم كتاب والدليل عليه قوله عز وجل وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين والثانى أنه كان لهم كتاب والدليل عليه ما روى عن على كرم الله وجهه أنه قال كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وأن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فجاؤا يقيمون عليه الحد فامتنع فرفع الكتاب من بين أظهرهم وذهب العلم من صدورهم فصل وإن دخل وثنى في دين أهل الكتاب نظرت فإن دخل قبل التبديل أخذت منه الجزية وعقدت له الذمة لانه دخل في دين حق وإن دخل بعد التبديل نظرت فإن دخل فى دين من بدل لم تؤخذ منه الجزية ولم تعقد له الذمة لانه دخل فى دين باطل وإن دخل فى دين من لم يبدل فإن كان ذلك قبل النسخ بشريعة بعده أخذت منه الجزية لانه دخل فى دين حق وإن كان بعد النسخ بشريعة بعده لم تؤخذ منه الجزية كالمسلم إذا ارتد وإن دخل فى دينهم ولم يعلم أنه دخل فى دين من بدل أو فى دين من لم يبدل كنصارى العرب وهم بهراء وتنوح وتغلب أخذت منهم الجزية لان عمر رضى الله عنه أخذ منهم الجزية باسم الصدقة ولانه أشكل أمره فحقن دمه بالجزية احتياطا للدم وأما من تمسك بالكتب التى أنزلت على شيث وإبراهيم وداود ( عليهم السلام ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أنهم يقرون ببذل الجزية لانهم أهل كتاب فأقروا ببذل الجزية كاليهود والنصارى والثانى لا يقرون لان هذه الصحف كالأحكام التى تنزل بها الوحى وأما السامرة والصابئون ففيهم وجهان أحدهما أنه تؤخذ منهم الجزية والثانى لا تؤخذ وقد بيناهما فى كتاب النكاح وأما من كان أحد أبويه وثنيا والآخر كتابيا فعلى ما ذكرناه فى النكاح وإن دخل وثنى في دين أهل الكتاب وله ابن صغير فجاء الإسلام وبلغ الابن واختار المقام على الدين الذى انتقل إليه أبوه أخذت منه الجزية لانه تبعه فى الدين فأخذت منه الجزية وإن غزا المسلمون قوما من الكفار لا يعرفون دينهم فادعوا أنهم من أهل الكتاب أخذت منهم الجزية لانه لا يمكن معرفة دينهم إلا من جهتهم فقبل قولهم وإن أسلم منهم اثنان وعدلا وشهدا أنهم من غير أهل الكتاب نبذا إليهم عهدهم لانه بان بطلان دعواهم فصل وأقل الجزية دينار لما روى معاذ بن جبل رضى الله عنه قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرنى أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا وإن التزم أكثر من دينار عقدت له الذمة وأخذ بأدائه لانه عوض فى عقد منع الشرع فيه من النقصان عن دينار وبقى الأمر فيما زاد على ما يقع عليه التراضى كما لو وكل وكيلا فى بيع سلعة وقال لا تبع بما دون دينار فإن امتنع قوم من أداء الجزية باسم الجزية وقالوا نؤدى باسم الصدقة ورأى الإمام أن يأخذ باسم الصدقة جاز لان نصارى العرب قالوا لعمر رضى الله عنه ما تؤدى العجم ولكن خذ منا باسم الصدقة كما تأخذ من العرب فأبى عمر رضى الله عنه وقال لا أقركم إلا بالجزية فقالوا خذ منا ضعف ما تأخذ من المسلمين فأبى عليهم فأرادوا اللحاق بدار الحرب فقال زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة لعمر إن بنى تغلب عرب وفيهم قوة فخذ منهم ما قد بذلوا ولا تدعهم أن يلحقوا بعدوك فصالحهم على أن يضعف عليهم الصدقة وإن كان ما يؤخذ منهم باسم الصدقة لا يبلع الدينار وجب إتمام الدينار لان الجزية لا تكون أقل من دينار وإن أضعف عليهم الصدقة فبلغت دينارين فقالوا أسقط عنا دينارا وخذ منا دينارا باسم الجزية وجب أخذ الدينار لان الزيادة وجبت لتغيير الاسم فإذا رضوا بالاسم وجب إسقاط الزيادة
فصل والمستحب أن يجعل الجزية على ثلاث طبقات فيجعل على الفقير المعتمل دينارا وعلى المتوسط دينارين وعلى الغنى أربعة دنانير لان عمر رضى الله عنه بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر ولان بذلك يخرج من الخلاف لان أبا حنيفة لا يجيز إلا كذلك فصل ويجوز أن يضرب الجزية على مواشيهم وعلى ما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع فإن كان لا يبلغ ما يضرب على الماشية وما يخرج من الأرض دينارا لم يجز لان الجزية لا تجوز أن تنقص عن دينار وإن شرط أنه إن نقص عن دينار تمم الدنار جاز لانه يتحقق حصول الدينار وإن غلب على الظن أنه يبلغ الدينار ولم يشترط أنه لو نقص الدينار تمم الدينار ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز لانه قد ينقص عن الدينار والثانى أنه يجوز لان الغالب فى الثمار أنها لا تختلف وإن ضرب الجزية على ما يخرج من الأرض فباع الأرض من مسلم صح البيع لانه مال له وينتقل ما ضرب عليها إلى الرقبة لانه لا يمكن أخذ ما ضرب عليها من المسلم لقوله صلى الله عليه وسلم لا ينبغى لمسلم أن يؤدى الخراج ولانه جزية فلا يجوز أخذها من المسلم ولا يجوز إقرار الكافر على الكفر من غير جزية فانتقل إلى الرقبة فصل وتجب الجزية فى آخر الحول لان النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من كل حالم فى كل سنة دينار وروى أبو مجلز أن عثمان بن حنيف وضع على الرؤوس على كل رجل أربعة وعشرين فى كل سنة فإن مات أو أسلم بعد الحول لم يسقط ما وجب ( عليه ) لانه عوض عن الحقن والمساكنة وقد استوفى ذلك فاستقر عليه العوض كالأجرة بعد استيفاء المنفعة فإن مات أو أسلم فى أثناء الحول ففيه قولان أحدهما أنه لا يلزمه شيء لانه مال يتعلق وجوبه بالحول فسقط بموته فى أثناء الحول كالزكاة والثانى وهو الصحيح أنه يلزمه من الجزية بحصة ما مضى لانها تجب عوضا عن الحقن والمساكنة وقد استوفى البعض فوجب عليه بحصته كما لو استأجر عينا مدة واستوفى المنفعة فى بعضها ثم هلكت العين فصل ويجوز أن يشترط عليهم فى الجزية ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم صالح أكيدر دومة من نصارى أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة رجل وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين وروى عبد الرحمن بن غنم قال كتبت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حين صالح نصارى أهل الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصارى مدينة كدى إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لانفسنا وذرارينا وأموالنا وشرطنا لكم أن ننزل من يمر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ولا شرط ذلك عليهم إلا برضاهم لانه ليس من الجزية ويشترط عليهم الضيافة بعد الدينار لحديث أكيدر دومة لانه إذا جعل الضيافة من الدينار لم يؤمن ألا يحصل من بعد الضيافة مقدار الدينار ولا تشترط الضيافة إلا على غنى أو متوسط وأما الفقير فلا تشترط عليه وإن وجبت عليه الجزية لان الضيافة تتكرر فلا يمكنه القيام بها ويجب أن تكون أيام الضيافة من السنة معلومة وعدد من يضاف من الفرسان والرجالة وقدر الطعام والأدم والعلوفة معلوما ولانه من الجزية فلم يجز مع الجهل بها ولا يكلفون إلا من طعامهم إدامهم لما روى أسلم أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقالوا إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج فى ضيافتهم فقال أطعموهم مما تأكلون ولا تزيدوهم على ذلك
ويقسط ذلك على قدر جزيتهم ولا تزاد أيام الضيافة على ثلاثة أيام لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الضيافة ثلاثة أيام وعليهم أن يسكنوهم فى فضول مساكنهم وكنائسهم لما روى عبد الرحمن بن غنم فى الكتاب الذى كتب ( لعمر رضى الله عنه ) على نصارى الشام وشرطنا ألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين من ليل ونهار وأن توسع أبوابها للمارة وأبناء السبيل فإن كثروا وضاق المكان قدم من سبق فإذا جاءوا فى وقت واحد أقرع بينهم لتساويهم وإن لم تسعهم هذه المواضع نزلوا في فضول بيوت الفقراء من غير ضيافة فصل ولا تؤخذ الجزية من صبى لحديث معاذ قال أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا ولان الجزية تجب لحقن الدم والصبى محقون الدم وإن بلغ صبى من أولاد أهل الذمة فهو فى أمان لانه كان فى الأمان فلا يخرج منه من غير عناد فإن اختار أن يكون فى الذمة ففيه وجهان أحدهما أنه يستأنف له عقد الذمة لان العقد الأول كان للأب دونه فعلى هذا جزيته ( على ) ما يقع عليه التراضى والثانى لا يحتاج إلى استئناف عقد لانه تبع الأب فى الأمان فتبعه فى الذمة فعلى هذا يلزمه جزية أبيه ( وجده من الأب ) ولا يلزمه جزية جده من الأم لانه لا جزية على الأم فلا يلزمه جزية أبيها فصل ولا تؤخذ الجزية من مجنون لانه محقون الدم فلا تؤخذ منه الجزية كالصبى وإن كان يجن يوما ويفيق يوما لفق أيام الإفاقة فإذا بلغ قدر سنة أخذت منه الجزية لانه ليس تغليب أحد الأمرين بأولى من الآخر فوجب التلفيق وإن كان عاقلا فى أول الحول ثم جن فى أثنائه وأطبق الجنون ففى جزية ما مضى من أول الحول قولان كما قلنا فيمن مات أو أسلم فى أثناء الحول فصل ولا تؤخذ الجزية من امرأة لما روى أسلم أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أمراء الجزية ألا تضربوا الجزية على النساء ولا تضربوا إلا على من جرت عليه الموسى ولانها محقونة الدم فلا تؤخذ منها الجزية كالصبى ولا تؤخذ من الخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة وإن طلبت امرأة من دار الحرب أن تعقد لها الذمة وتقيم فى دار الإسلام من غير جزية جاز لانه لا جزية عليها ولكن يشترط عليها أن تجرى عليها أحكام الإسلام وإن نزل المسلمون على حصن فيه نساء بلا رجال فطلبن عقد الذمة بالجزية ففيه قولان أحدهما أنه لا يعقد لهن لان دماءهن محقونة فعلى هذا يقيمون حتى يفتحوا الحصن ويستبقوهن والثانى أنه يجوز أن يعقد لهن الذمة وتجرى عليهن أحكام المسلمين كما قلنا فى الحربية إذا طلبت عقد الذمة فعلى هذا لا يجوز سبيهن وما بذلن من الجزية كالهدية وإن دفعن أخذ منهن وإن امتنعن لم يخرجن من الذمة فصل ولا يؤخذ من العبد ولا من السيد بسببه لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لا جزية على مملوك ولانه لا يقتل بالكفر فلم تؤخذ منه الجزية كالصبى والمرأة ولا تؤخذ ممن نصفه حر ونصفه عبد لانه محقون الدم فلم تؤخذ منه الجزية كالعبد ومن أصحابنا من قال فيه وجه آخر أنه يؤخذ منه بقدر ما فيه من الجزية لانه يملك المال بقدر ما فيه من الحرية وإن أعتق العبد نظرت فإن كان المعتق مسلما عقدت له الذمة بما يقع عليه التراضى من الجزية وإن كان ذميا ففيه وجهان أحدهما أنه يستأنف له عقد الذمة بما يقع عليه التراضى من الجزية لان عقد المولى كان له دون العبد والثانى يلزمه جزية المولى لانه تبعه فى الأمان فلزمه جزيته فصل وفى الراهب والشيخ الفانى قولان بناء على القولين فى قتلهما فإن قلنا يجوز قتلهما أخذت منهما الجزية ليحقن بها دمهما وإن قلنا إنه لا يجوز قتلهما لم تؤخذ منهما لان دمهما محقون فلم تؤخذ منهما الجزية كالصبى والمرأة
وفى الفقير الذى لا كسب له قولان أحدهما أنه ( لا تجب عليه الجزية ) لان عمر رضى الله عنه جعل أهل الجزية طبقات وجعل أدناهم الفقير المعتمل فدل على أنها لا تجب على غير المعتمل ولانه إذا لم يجب خراج الأرض فى أرض لا نبات لها لم يجب خراج الرقاب فى رقبة لا كسب لها فعلى هذا يكون مع الأغنياء فى عقد الذمة فإذا أيسر استؤنف الحول والثانى أنها تجب عليه لانها تجب على سبيل العوض فاستوى فيه المعتمل وغير المعتمل كالثمن والأجرة ولان المعتمل وغير المعتمل يستويان فى القتل بالكفر فاستويا فى الجزية فعلى هذا ينظر إلى الميسرة فإذا أيسر طولب بجزية ما مضى ومن أصحابنا من قال لا ينظر لانه يقدر على حقن الدم بالإسلام فلم ينظر كما لا ينظر من وجبت عليه كفارة ولا يجد رقبة وهو يقدر على الصوم فعلى هذا يقول له إن توصلت إلى أداء الجزية خليناك وإن لم تفعل نبذنا إليك العهد فصل ويثبت الإمام عدد أهل الذمة وأسماءهم ويحليهم بالصفات التى لا تتغير بالأيام فيقول طويل أو قصير أو ربعة أو أبيض أو أسود أو أسمر أو أشقر أو أدعج العينين أو مقرون الحاجبين أو أقنى الأنف ويكتب ما يؤخذ من كل واحد منهم ويجعل على كل طائفة عريفا ليجمعهم عند أخذ الجزية ويكتب من يدخل ( منهم ) فى الجزية بالبلوغ ومن يخرج منهم بالموت والإسلام وتؤخذ منهم الحزية برفق كما تؤخذ سائر الديون ولا يؤذيهم فى أخذها بقول ولا فعل لانه عوض فى عقد فلم يؤذهم فى أخذه بقول ولا فعل كأجرة الدار ومن قبض منه جزيته كتبت له براءة لتكون حجة له إذا احتاج إليها فصل وإن مات الإمام أو عزل وولى غيره ولم يعرف مقدار ما عليهم من الجزية رجع إليهم فى ذلك لانه لا يمكن معرفته مع تعذر البينة إلا من جهتهم ويحلفهم استظهارا ولا يجب لان ما يدعونه لا يخالف الظاهر فإن قال بعضهم هو دينار وقال بعضهم هو ديناران أخذ من كل واحد منهم ما أقر به لان إقرارهم مقبول ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض لان شهادتهم لا تقبل وإن ثبت بعد ذلك بإقرار أو بينة أن الجزية كانت أكثر استوفى منهم فإن قالوا كنا ندفع دينارين دينارا عن الجزية ودينارا هدية فالقول قولهم مع يمينهم واليمين واجبة لان دعواهم تخالف الظاهر وإن غاب منهم رجل سنين ثم قدم وهو مسلم وادعى أنه أسلم فى أول ما غاب ففيه قولان أحدهما أنه لا يقبل قوله ويطالب بجزية ما مضى فى غيبته فى ( حال الكفر ) لان الأصل بقاؤه على الكفر والثانى أنه يقبل لان الأصل براءة الذمة من الجزية باب عقد الذمة لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام لانه من المصالح العظام فكان إلى الإمام ومن طلب عقد الذمة وهو ممن يجوز إقراره على الكفر بالجزية وجب العقد له لقوله عز وجل قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ثم قال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فدل على أنهم إذا أعطوا الجزية وجب الكف عنهم وروى بريدة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا على جيش قال إذا لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى الدخول فى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم ولا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين بذل الجزية والتزام أحكام المسلمين فى حقوق الآدميين فى العقود والمعاملات وغرامات المتلفات
فإن عقد على غير هذين الشرطين لم يصح العقد والدليل عليه قوله عز وجل قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والصغار هو أن تجرى عليهم أحكام المسلمين ولا فرق بين الخيابرة وغيرهم فى الجزية والذى يدعيه الخيابرة أن معهم كتابا من على ابن أبى طالب كرم الله وجهه بالبراءة من الجزية لا أصل له ولم يذكره أحد من علماء الإسلام وأخبار أهل الذمة لا تقبل وشهادتهم لا تسمع فصل وإن كان أهل الذمة فى دار الإسلام أخذوا بلبس الغبار وشد الزنار والغيار أن يكون فيما يظهر من ثيابهم ثوب يخالف لونه لون ثيابهم كالأزرق والأصفر ونحوهما والزنار أن يشدوا فى أوساطهم خيطا غليظا فوق الثياب وإن لبسوا القلانس جعلوا فيها خرقا ليتميزوا ( بها ) عن قلانس المسلمين لما روى عبد الرحمن بن غنم فى الكتاب الذى كتبه لعمر حين صالح نصارى الشام فشرطنا ألا نتشبه بهم فى شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر وأن نشد الزنانير فى أوساطنا ولان الله عز وجل أعز الإسلام وأهله وندب إلى إعزاز أهله وأذل الشرك وأهله وندب إلى إذلال أهله والدليل عليه ما روى ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعثت بين يدى الساعة بالسيف حتى يعبد الله ولا يشرك به شىء وجعل الصغار والذل على من خالف أمرىء فوجب أن يتميزوا عن المسلمين لنستعمل مع كل واحد منهم ما ندبنا إليه وإن شرط عليهم الجمع بين الغيار والزنار أخذوا بهما وإن شرط أحدهما أخذوا به لان التمييز يحصل بأحدهما ويجعل فى أعناقهم خاتم ليتميزوا به عن المسلمين فى الحمام وفى الأحوال التى يتجردون فيها عن الثياب ويكون ذلك من حديد أو رصاص أو نحوهما ولا يكون من ذهب أو فضة لان فى ذلك إعظاما لهم وإن كان لهم شعر أمروا بجز النواصى ومنعوا من إرساله كما تصنع الأشراف والأخيار من المسلمين لما روى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر على نصارى الشام وشرطنا أن نجز مقادم رؤوسنا ولا يمنعون من لبس العمائم والطيلسان لان التمييز يحصل بالغيار والزنار وهل يمنعون من لبس الديباج فيه وجهان أحدهما أنهم يمنعون لما فيه من التجبر والتفخيم والتعظيم والثانى أنهم لا يمنعون كما لا يمنعون من لبس المرتفع من القطن ( والكتان ) وتؤخذ نساؤهم بالغيار والزنار لما روى أن عمر كتب إلى أهل الآفاق أن مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن وتكون زنانيرهن تحت الإزار لانه إذا كان فوق الإزار انكشفت رؤوسهن واتصفت أبدانهن ويجعلن فى أعناقهن خاتم ( حديد ) ليتميزن به عن المسلمات فى الحمام كما قلنا فى الرجال وإن لبسن الخفاف جعلن الخفين من لونين ليتميزن عن النساء المسلمات ويمنعون من ركوب الخيل لما روى فى حديث عبد الرحمن بن غنم شرطنا ألا نتشبه بالمسلمين فى مراكبهم وإن ركبوا الحمير والبغال ركبوها على الأكف دون السروج ولا يتقلدون السيوف ولا يحملون السلاح لما روى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر ولا نركب بالسروج ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ويركبون عرضا من جانب واحد لما روى ابن عمر أن عمر كان يكتب إلى عماله يأمرهم أن يجعل أهل الكتاب المناطق فى أوساطهم وأن يركبوا الدواب عرضا على شق فصل ولا يبدؤون بالسلام ويلجئون إلى أضيق الطرق لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقيتم المشركين فى طريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطرهم إلى أضيفها ولا يصدرون فى المجالس لما روى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر وأن نوفر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولان فى تصديرهم فى المجالس إعزازا لهم وتسوية بينهم وبين المسلمين فى الإكرام فلم يجز ذلك
فصل ويمنعون من إحداث بناء يعلو بناء جيرانهم من المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم الإسلام يعلو ولا يعلى وهل يمنعون من مساواتهم فى البناء فيه وجهان أحدهما أنهم لا يمنعون لانه يؤمن أن يشرف المشرك على المسلم والثانى أنهم يمنعون لان القصد أن يعلو الإسلام ولا يحصل ذلك مع المساواة وإن ملكوا دارا عالية أقروا عليها وإن كانت أعلى من دور جيرانهم لانه ملكها على هذه الصفة وهل يمنعون من الاستعلاء فى غير محلة المسلمين فيه وجهان أحدهما أنهم لا يمنعون لانه يؤمن مع البعد أن يعلوا على المسلمين والثانى أنهم يمنعون فى جميع البلاد لانهم يتطاولون على المسلمين فصل ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير وضرب النواقيس والجهر بالتوراة والإنجيل وإظهار الصليب وإظهار أعيادهم ورفع الصوت على موتاهم لما روى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر رضى الله عنه على نصارى الشام شرطنا ألا نبيع الخمور ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا فى شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا ولا نرفع أصواتنا بالقراءة فى كنائسنا فى شيء من حضرة المسلمين ولا نخرج سعانيننا ولا باعوثنا ولا نرفع أصواتنا على موتانا فصل ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع والصوامع فى بلاد المسلمين لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة وروى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر على نصارى الشام إنكم لما قدمتم علينا شرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث فى مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب وهل يجوز إقرارهم على ما كان منها قبل الفتح ينظر فيه فإن كان فى بلد فتح صلحا واستثنى فيه الكنائس والبيع جاز إقرارهما لانه إذا جاز أن يصالحوا على أن لنا النصف ولهم النصف جاز أن يصالحوا على أن لنا البلد إلا الكنائس والبيع وإن كان فى بلد فتح عنوة أو فتح صلحا ولم تستثن الكنائس والبيع ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز كما لا يجوز إقرار ما أحدثوا بعد الفتح والثانى أنه يجوز لانه لما جاز إقرارهم على ما كانوا عليه من الكفر جاز إقرارهم على ما يبنى للكفر وما جاز تركه من ذلك فى دار الإسلام إذا انهدم فهل يجوز إعادته فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى وأبى على بن أبى هريرة أنه لا يجوز لما روى كثير بن مرة قال سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبنى الكنيسة فى دار الإسلام ولا يجدد ما خرب منها وروى عبد الرحمن بن غنم فى كتاب عمر بن الخطاب على نصارى الشام ولا يجدد ما خرب منها ولانه بناء كنيسة فى دار الإسلام فمنع منه كما لو بناها فى موضع آخر والثانى أنه يجوز لانه لما جاز تشييد ما تشعب منها جاز إعادة ما انهدم وإن عقدت الذمة فى بلد لهم ينفردون به لم يمنعوا من إحداث الكنائس والبيع والصوامع ولا من إعادة ما خرب منها ولا يمنعون من إظهار الخمر والخنزير والصليب وضرب الناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل وإظهار ما لهم من الأعياد ولا يؤخذون بلبس الغيار وشد الزنانير لانهم فى دار لهم فلم يمنعوا من إظهار دينهم فيه فصل ويجب على الإمام الذب عنهم ومنع من يقصدهم من المسلمين والكفار واستنقاذ من أسر منهم واسترجاع ما أخذ من أموالهم سواء كانوا مع المسلمين أو كانوا منفردين عنهم فى بلد ( لهم ) لانهم بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم فإن لم يدفع عنهم حتى مضى حول لم تجب الجزية عليهم لان الجزية للحفظ وذلك لم يوجد فلم يجب ما فى مقابلته كما لا تجب الأجرة إذا لم يوجد التمكين من المنفعة وإن أخذ منهم خمر أو خنزير لم يجب استرجاعه لانه يحرم فلا يجوز اقتناؤه فى الشرع فلم تجب المطالبة به فصل وإن عقدت الذمة بشرط ألا يمنع عنهم أهل الحرب