Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
والحد يسقط بالشبهة وأما ردة المقذوف ففيها وجهان أحدهما أنها تسقط الحد والثانى أنها لا تسقط لان الردة تدين والعادة فيها الإظهار وليس كذلك الزنا فإنه يكتم فإذا ظهر دل على تقدم أمثاله وأما ثيوبة الزانى وحريته فإنها لا تورث شبهة فى بكارته ورقه فى حال الزنا فصل ولا يجب الحد إلا بصريح القذف أو بالكناية مع النية فالصريح مثل أن يقول زنيت أو يا زانى والكناية كقوله يا فاجر أو يا خبيث أو يا حلال بن الحلال فإن نوى به القذف وجب به الحد لان ما لا تعتبر فيه الشهادة كانت الكناية فيه مع النية بمنزلة الصريح كالطلاق والعتاق وإن لم ينو به القذف لم يجب به الحد سواء كان ذلك فى حال الخصومة أو غيرها لانه يحتمل القذف وغيره فلم يجعل قذفا من غير نية كالكناية في الطلاق والعتاق فصل وإن قال لطت أو لاط بك فلان باختيارك فهو قذف لانه قذفه بوطء يوجب الحد فأشبه القذف بالزنا وإن قال يا لوطى وأراد به أنه على دين قوم لوط لم يجب به الحد لانه يحتمل ذلك وإن أراد أنه يعمل عمل قوم لوط وجب الحد وإن قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت لم يكن قولها قذفا له من غير نية لانه يجوز أن تكون زانية ولا يكون هو زانيا بأن وطئها وهو يظن أنها زوجته وهى تعلم أنه أجنبى ولانه يجوز أن تكون قصدت نفى الزنا كما يقول الرجل لغيره سرقت فيقول معك سرقت ويريد أنى لم أسرق كما لم تسرق ويجوز أن يكون معناه ما وطئنى غيرك فإن كان ذلك زنا فقد زنيت وإن قال لها يا زانية فقالت أنت أزنى منى لم يكن قولها قذفا له من غير نية لانه يجوز أن يكون معناه ما وطئنى غيرك فإن كان ذلك زنا فأنت أزنى منى لان المغلب فى الجماع فعل الرجل وإن قال لغيره أنت أزنى من فلان أو أنت أزنى الناس لم يكن قذفا من غير نية لان لفظة أفعل لا تستعمل إلا فى أمر يشتركان فيه ثم ينفرد أحدهما فيه بمزية وما ثبت أن فلانا زان ولا أن الناس زناة فيكون هو أزنى منهم وإن قال فلان زان وأنت أزنى منه أو أنت أزنى زناة الناس فهو قذف لانه أثبت زنا غيره ثم جعله أزنى منه فصل وإن قال لامرأته يا زانى فهو قذف لانه صرح بإضافة الزنا إليها وأسقط الهاء للترخيم كقولهم فى مالك يا مال وفى حارث يا حار وإن قال لرجل يا زانية فهو قذف لانه صرح بإضافة الزنا إليه وزاد الهاء للمبالغة كقولهم علامة ونسابة وشتامة ونوامة فإن قال زنأت فى الجبل فليس بقذف من غير نية لان الزنء هو الصعود فى الجبل والدليل عليه قول الشاعر ( الرجز ) وارق إلى الخيرات زنئا فى الجبل وإن قال زنأت ولم يذكر الجبل ففيه وجهان أحدهما أنه قذف لانه لم يقرن به ما يدل على الصعود والثانى وهو قول أبى الطيب بن سلمة رحمه الله أنه إن كان من أهل اللغة فليس بقذف وإن كان من العامة فهو قذف لان العامة لا يفرقون بين زنيت وزنأت فصل وإن قال زنى فرجك أو دبرك أو ذكرك فهو قذف لان الزنا يقع بذلك وإن قال زنت عينك أو يدك أو رجلك فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هو قذف وهو ظاهر ما نقله المزنى رحمه الله لانه أضاف الزنا إلى عضو منه فأشبه إذا أضاف إلى الفرج ومنهم من قال ليس بقذف من غير نية وخطأ المزنى فى النقل لان الزنا لا يوجد من هذه الأعضاء حقيقة ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه فإن قال زنى بدنك ففيه وجهان أحدهما أنه ليس بقذف من غير نية لان الزنا بجميع البدن يكون بالمباشرة فلم يكن صريحا فى القذف والثانى أنه قذف لانه أضاف إلى جميع البدن والفرج داخل فيه
وإن قال لا ترد يد لامس لم يكن قاذفا لما روى أن رجلا من بنى فزارة قال للنبى صلى الله عليه وسلم إن امرأتى لا ترد يد لامس ولم يجعله النبى صلى الله عليه وسلم قاذفا 8 وإن قال زنى بك فلان وهو صبى لا يجامع مثله لم يكن قاذفا لانه لا يوجد منه الوطء الذى يجب به الحد عليها وإن كان صبيا يجامع مثله فهو قذف لانه يوجد منه الوطء الذى يجب به الحد عليها وإن قال لامرأته زنيت بفلانة أو زنت بك فلانة لم يجب به الحد لان ما رماها به لا يوجب الحد فصل وإن أتت امرأته بولد فقال ليس منى لم يكن قاذفا من غير نية لجواز أن يكون معناه ليس منى خلقا أو خلقا أو من زوج غيرى أو من وطء شبهة أو مستعار وإن نفى نسب ولده باللعان فقال رجل لهذا الولد لست بابن فلان لم يكن قذفا لانه صادق فى الظاهر أنه ليس منه لانه منفى عنه قال الشافعى رحمه الله إذا أقر بنسب ولد فقال له رجل لست بابن فلان فهو قذف وقال فى الزوج إذا قال للولد الذى أقر به لست بابنى إنه ليس بقذف واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن أراد القذف فهو قذف فى المسألتين وإن لم يرد القذف فليس بقذف فى المسألتين وحمل جوابه فى المسألتين على هذين الحالين ومن أصحابنا من نقل جوابه فى كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما أنه ليس بقذف فيهما لجواز أن يكون معناه لست بابن فلان أو لست بابنى خلقا أو خلقا والثانى أنه قذف لان الظاهر منه النفى والقذف ومن أصحابنا من قال ليس بقذف من الزوج وهو قذف من الأجنبى لان الأب يحتاج إلى تأديب ولده فيقول لست بابنى مبالغة فى تأديبه والأجنبى غير محتاج إلى تأديبه فجعل قذفا منه فصل وإن قال لعربى يا نبطى فإن أراد نبطى اللسان أو نبطى الدار لم يكن قذفا وإن أيراد نفى نسبه من العرب ففيه وجهان أحدهما أنه ليس بقذف لان الله تعالى علق الحد على الزنا فقال والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وشهادة الأربعة يحتاج إليها فى إثبات الزنا والثانى أنه يجب به الحد لما روى الأشعث بن قيس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا أوتى برجل يقول إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال لا حد إلا فى اثنتين قذف محصنة ونفى رجل من أبيه فصل ومن لا يجب عليه الحد لعدم إحصان المقذوف أو للتعريض بالقذف من غير نية عزر لانه آذى من لا يجوز أذاه وإن قال لامرأته استكرهت على الزنا ففيه وجهان أحدهما أنه يعزر لانه يلحقها بذلك عار عند الناس والثانى أنه لا يعزر لانه لا عار عليها في الشريعة بما فعل بها مستكرهة فصل وما يجب بالقذف من الحد أو التعزير بالأذى فهو حق للمقذوف يستوفى إذا طالب به ويسقط إذا عفا عنه والدليل عليه ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أيعجز أحدكم أن يكون كأبى ضمضم كان يقول تصدقت بعرضى والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له ولانه لا خلاف أنه لا يستوفى إلا بمطالبته فكان له العفو كالقصاص وإن قال لغيره اقذفنى فقذفه ففيه وجهان أحدهما أنه لا حد عليه لانه حق له فسقط بإذنه كالقصاص والثانى أنه يجب عليه الحد لان العار يلحق بالعشيرة فلا يملك إلا بإذن فيه وإذا أسقط الإذن وجب الحد ومن وجب له الحد أو التعزير لم يجز أن يستوفى إلا بحضرة السلطان لانه يحتاج إلى الاجتهاد ويدخله التخفيف فلو فوض إلى المقذوف لم يؤمن أن يحيف للتشفى فصل وإن مات من له الحد أو التعزير وهو ممن يورث انتقل ذلك إلى الوارث وفيمن يرثه ثلاثة أوجه أحدها أنه يرثه جميع الورثة لانه موروث فكان لجميع الورثة كالمال
والثانى أنه لجميع الورثة إلا لمن يرث بالزوجية لان الحد يجب لدفع العار ولا يلحق الزوج عار بعد الموت لانه لا تبقى زوجية والثالث أنه يرثه العصبات دون غيرهم لانه حق ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح وإن كان له وارثان فعفا أحدهما ثبت للآخر جميع الحد لانه جعل للردع ولا يحصل الردع إلا بما جعله الله عز وجل للردع وإن لم يكن له وارث فهو للمسلمين ويستوفيه السلطان فصل وإن جن من له الحد أو التعزير لم يكن لوليه أن يطالبه باستيفائه لانه حق يجب للتشفى ودرك الغيظ فأخر إلى الإفاقة كالقصاص وإن قذف مملوكا كانت المطالبة بالتعزير للمملوك دون السيد لانه ليس بمال ولا له بدل هو مال فلم يكن للسيد فيه حق كفسخ النكاح إذا عتقت الأمة تحت عبد وإن مات المملوك ففى التعزير ثلاثة أوجه أحدها أنه يسقط لانه لا يستحق عنه بالإرث فلا يستحق المولى لانه لو ملك بحق الملك لملك فى حياته والثانى أنه للمولى لانه حق ثبت للمملوك فكان المولى أحق به بعد الموت كمال المكاتب والثالث أنه ينتقل إلى عصباته لانه حق ثبت لنفى العار فكان عصباته أحق به فصل وإن قذف جماعة نظرت فإن كانوا جماعة لا يجوز أن يكونوا كلهم زناة كأهل بغداد لم يجب الحد لان الحد يجب لنفى العار ولا عار على المقذوف لانا نقطع بكذبه ويعزر للكذب وإن كانت جماعة يجوز أن يكونوا كلهم زناة نظرت فإن كان قد قذف كل واحد منهم على الانفراد وجب لكل واحد منهم حد وإن قذفهم بكلمة واحدة ففيه قولان قال فى القديم يجب حد واحد لان كلمة القذف واحدة فوجب حد واحد كما لو قذف امرأة واحدة وقال فى الجديد يجب لكل واحد منهم حد وهو الصحيح لانه ألحق العار بقذف كل واحد منهم فلزمه لكل واحد منهم حد كما لو أفرد كل واحد منهم بالقذف فإن قذف زوجته برجل ولم يلاعن ففيه طريقان من أصحابنا من قال هى على قولين كما لو قذف رجلين أو امرأتين ومنهم من قال يجب حد واحد قولا واحدا لان القذف ههنا بزنا واحد والقذف هناك بزناءين فإن وجب عليه حد لاثنين فإن وجب لاحدهما قبل الآخر وتشاحا قدم السابق منهما لان حقه أسبق وإن وجب ( عليه ) لهما فى حالة واحدة بأن قذفهما معا وتشاحا أقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر فقدم بالقرعة وإن قال لزوجته يا زانية بنت الزانية وهما محصنتان لزمه حدان ومن حضر منهما وطالبت بحدها حدلها وإن حضرتا وطالبتا بحدهما ففيه وجهان أحدهما أنه يبدأ بحد البنت لانه بدأ بقذفها والثانى وهو المذهب أنه يبدأ بحد الأم لان حدها مجمع عليه وحد البنت مختلف فيه لان عند أبى حنيفة لا يجب على الزوج بقذف زوجته حد ولان حد الأم آكد لانه لا يسقط إلا بالبينة وحد البنت يسقط بالبينة وباللعان فقدم أكدهما فصل وإن وجب حدان على حر لاثنين فحد لاحدهما لم يحد للآخر حتى يبرأ ظهره من الأول لان الموالاة بينهما تؤدى إلى التلف وإن كان الحدان على عبد ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز الموالاة بينهما كما لو كانا على حر والثانى أنه يجوز لان الحدين على العبد كالحد الواحد ( على الحر ) فصل وإن قذف أجنبيا بالزنا فحد ثم قذفه ثانيا بذلك الزنا عزر للأذى ولم يحد لان أبا بكرة شهد على المغيرة بالزنا فجلده عمر رضى الله عنه ثم أعاد القذف وأراد أن يجلده فقال له على كرم الله وجهه إن كنت تريد أن تجلده فارجم صاحبك فترك عمر رضى الله عنه جلده ولانه قد حصل التكذيب بالحد وإن قذفه بزنا ثم قذفه بزنا آخر قبل أن يقام عليه الحد ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليه حدان لانه من حقوق الآدميين فلم تتداخل كالديون والثانى يلزمه حد واحد وهو الصحيح لانهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فتداخلا كما لو زنى ثم زنى
وإن قذف زوجته ولاعنها ثم قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل اللعان ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب عليه الحد لان اللعان فى حق الزوج كالبينة ولو أقام عليها البينة ثم قذفها لم يلزمه الحد فكذلك إذا لاعنها والثانى أنه يجب عليه الحد لان اللعان إنما يسقط إحصانها فى الحالة التى يوجد فيها وما بعدها ( ولا يسقط ) فيما تقدم فوجب الحد بما رماها به وإن قذف زوجته وتلاعنا ثم قذفها أجنبى وجب عليه الحد لان اللعان يسقط الإحصان فهى حق الزوج لانه بينة يختص بها فأما فى حق الأجنبى فهى باقية على إحصانها فوجب عليه الحد بقذفها وإن قذفها الزوج ولاعنها ولم تلاعن فحدت ثم قذفها الأجنبى بذلك الزنا ففيه وجهان أحدهما أنه لا حد عليه لانه قذفها بزنا حدت فيه فلم يجب كما لو أقيم عليها الحد بالبينة والثانى أنه يجب لان اللعان يختص به الزوج فزال به الإحصان فى حقه وبقى فى حق الأجنبى فصل إذا سمع السلطان رجلا يقول زنى رجل لم يقم عليه الحد لان المستحق مجهول ولا يطالبه بتعيينه لقوله عز وجل لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ولان الحد يدرأ بالشبهة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ألا سترته بثوبك يا هزال وإن قال سمعت رجلا يقول إن فلانا زنى لم يحد لانه ليس بقاذف وإنما هو حاك ولا يسأله عن القاذف لان الحد يدرأ بالشبهة وإن قال زنى فلان فهل يلزم السلطان أن يسأل المقذوف فيه وجهان أحدهما أنه يلزمه لانه قد ثبت له حق لا يعلم به فلزم الإمام إعلامه كما لو ثبت له عنده مال لا يعلم به فعلى هذا إن سأل المقذوف فأكذبه وطالب بالحد حد وإن صدقه حد المقذوف لان النبى صلى الله عليه وسلم قال يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها والوجه الثانى أنه لا يلزم الإمام إعلامه لقوله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود بالشبهات فصل إذا قذف محصنا وقال قذفته وأنا ذاهب العقل فإن لم يعلم له حال جنون فالقول قول المقذوف ( مع يمينه ) أنه لا يعلم أنه مجنون لان الأصل عدم الجنون وإن علم له حال جنون ففيه قولان بناء على القولين فى الملفوف إذا قده ثم اختلفا فى حياته أحدهما أن القول قول المقذوف لان الأصل الصحة والثانى أن القول قول القاذف لانه يحتمل ما يدعيه والأصل حمى الظهر ولان الحد يسقط بالشبهة والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود بالشبهات وادرءوا الحدود ما استطعتم ولان يخطىء الإمام فى العفو خير من أن يخطىء فى العقوبة فصل وإن عرض بالقذف وادعى المقذوف أنه أراد قذفه وأنكر القاذف فالقول قوله لان ما يدعيه محتمل والأصل براءة ذمته فصل وإن قال لمحصنة زنيت فى الوقت الذى كنت فيه نصرانية أو أمة فإن عرف أنها كانت نصرانية أو أمة لم يجب الحد لانه أضاف القذف إلى حال هى فيها غير محصنة وإن قال لها زنيت ثم قال أردت فى الوقت الذى كنت فيه نصرانية أو أمة وقالت المقذوفة بل أردت قذفى فى هذا الحال وجب الحد لان الظاهر أنه أراد قذفها فى الحال فإن قذف امرأة وادعى أنها مشركة أو أمة ( وأقرت المرأة أنها كانت مشركة أو أمة ) وادعت أنها أسلمت أو أعتقت فالقول قول القاذف لان الأصل بقاء الشرك والرق وإن قذف امرأة وأقر أنها كانت مسلمة وادعى أنها ارتدت وأنكرت المرأة ذلك فالقول قولها لان الأصل بقاؤها على الإسلام وإن قذف مجهولة وادعى أنها أمة أو نصرانية وأنكرت المرأة ( ذلك ) ففيه طريقان ذكرناهما فى الجنايات فصل وإن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها وأنكر
فشهد شاهدان أنه قذفها جاز أن يلاعن لان إنكاره للقذف لا يكذب ما يلاعن عليه من الزنا لانه يقول إنما أنكرت القذف وهو الرمى بالكذب وما كذبت عليها لانى صادق أنها زنت فجاز أن يلاعن كما لو ادعى على رجل أنه أودعه مالا فقال المدعى عليه مالك عندى شيء فشهد شاهدان أنه أودعه فإن له أن يحلف لان إنكاره لا يمنع الإيداع لانه قد يودعه ثم يتلف فلا يلزمه شيء من المال الذى يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه وجب عليه القطع والدليل عليه قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما باب حد السرقة ومن سرق وهو بالغ عاقل مختار التزم حكم الإسلام نصابا ولان السارق يأخذ المال على وجه لا يمكن الاحتراز منه ولو لم يجب القطع عليه لادى ذلك إلى هلاك الناس بسرقة أموالهم ولا يجب القطع على المنتهب ولا على المختلس لما روى جابر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ليس على المنتهب قطع ولا على المختلس قطع ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا ولان المنتهب والمختلس يأخذان المال على وجه يمكن انتزاعه منه بالاستغاثة بالناس وبالسلطان فلم يحتج فى ردعه إلى القطع ولا يجب على من جحد أمانة أو عارية لانه يمكن أخذ المال منه بالحكم فلم يحتج إلى القطع فصل ولا يجب على صبى ولا على مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وروى ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بجارية قد سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها وهل يجب على السكران فيه قولان ذكرناهما فى الطلاق ولا يجب على مكره لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولان ما أوجب عقوبة الله عز وجل على المختار لم يوجب على المكره ككلمة الكفر ولا تجب على الحربى لانه لم يلتزم حكم الإسلام وهل يجب على المستأمن فيه قولان ذكرناهما فى السير فصل ولا يجب فيما دون النصاب والنصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار لما روت عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا ) فإن سرق غير الذهب قوم بالذهب لان النبى صلى الله عليه وسلم قدر النصاب بالذهب فوجب أن يقوم غيره به وإن سرق ربع مثقال من الخلاص وقيمته دون ربع دينار ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى وأبى على بن أبى هريرة أنه لا يقطع لان النبى صلى الله عليه وسلم نص على ربع دينار وهذا قيمته دون ربع دينار والثانى وهو قول عامة أصحابنا أنه يقطع لان الخلاص يقع عليه اسم الدينار ( وإن لم يصرف ) لانه يقال دينار خلاص كما يقال دينار قراضة وإن نقب اثنان حرزا وسرقا نصابين قطعا لان كل واحد منهما سرق نصابا وإن أخرج أحدهما نصابين ولم يخرج الآخر شيئا قطع الذى أخرج دون الآخر لانه هو الذى انفرد بالسرقة فإن اشتركا فى سرقة نصاب لم يقطع واحد منهما وقال أبو ثور يجب القطع عليهما كما لو اشترك رجلان فى القتل وجب القصاص عليهما وهذا خطأ لان كل واحد منهما لم يسرق نصابا ويخالف القصاص فأنا لو لم نوجب على الشريكين ( فى القتل ) جعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص وليس كذلك السرقة فإنا إذا لم نوجب القطع على الشريكين فى سرقة نصاب لم يصر الاشتراك طريقا إلى إسقاط القطع لانهما لا يقصدان إلى سرقة نصاب واحد لقلة ما يصيب كل واحد منهما فإذا اشتركا فى نصابين أوجبنا القطع وإذا نقب حرزا وسرق منه ثمن دينار ثم عاد وسرق ثمنا آخر ففيه ثلاثة أوجه أحدهما وهو قول أبى العباس ( بن سريج ) أنه يجب القطع لانه سرق نصابا من حرز مثله فوجب عليه القطع كما لو سرقه فى دفعة واحدة
والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يجب القطع لانه سرق تمام النصاب من حرز مهتوك والثالث وهو قول أبى على بن خيران أنه إن عاد وسرق الثمن الثانى بعدما اشتهر هتك الحرز لم يقطع لانه سرق من حرز اشتهر خرابه وإن سرق قبل أن يشتهر خرابه قطع لانه سرق ( من ) قبل ظهور خرابه فصل ولا يجب القطع فيما سرق من غير حرز لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه أن رجلا من مزينة قال يا رسول الله كيف ترى فى حريسة الجبل قال ليس فى شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح وليس فى شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع فأسقط القطع فى الماشية إلا ما أواه المراح وفى الثمر المعلق إلا ما أواه الجرين فدل على أن الحرز شرط فى إيجاب القطع ويرجع فى الحرز إلى ما يعرفه الناس حرزا فما عرفوه حرزا قطع بالسرقة منه وما لا يعرفونه حرزا لم يقطع بالسرقة منه لان الشرع دل على اعتبار الحرز وليس له حد من جهة الشرع فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالقبض والتفرق فى البيع وإحياء الموات فإن سرق مالا مثمنا كالذهب والفضة والخز والقز من البيوت أو الخانات الحريزة والدور المنيعة في العمران ودونها أغلاق وجب القطع لان ذلك حرز مثله وإن لم يكن دونها أغلاق فإن كان فى الموضع حافظ مستيقظ وجب القطع لانه محرز به وإن لم يكن حافظ أو كان فيه حافظ نائم لم يجب القطع لانه غير محرز فإن سرق من بيوت فى غير العمران كالرباطات التى فى البرية والجواسق التى فى البساتين فإن لم يكن فيها حافظ لم تقطع مغلقا كان الباب أو مفتوحا لان المال لا يحرز فيه من غير حافظ وإن كان فيها حافظ فإن كان مستيقظا قطع السارق مغلقا كان الباب أو مفتوحا لانه محرز به وإن كان نائما فإن كان مغلقا قطع ( لانه محرز ) وإن كان مفتوحا لم يقطع لانه غير محرز وإن سرق متاع الصياد له والبقالين من الدكاكين فى الأسواق ودونها أغلاق أو درابات وعليها قفل أو سرق أوانى الخزف ودونها شرائح القصب فإن كان الأمن ظاهرا قطع السارق لان ذلك حرز مثله وإن قل الأمن فإن كان فى السوق حارس قطع لانه محرز به وإن لم يكن حارس لم يقطع لانه غير محرز وإن سرق باب دار أو دكان قطع لان حرزه بالنصب وإن سرق حلقة الباب وهى مسمرة فيه قطع لانها محرزة بالتسمير فى الباب وإن سرق آجر الحائط قطع لانه محرز بالتشريح فى البناء وإن سرق الطعام أو الدقيق فى غرائر شد بعضها إلى بعض فى موضع البيع قطع على المنصوص فمن أصحابنا من قال إن كان فى موضع مأمون في وقت الأمن فيه ظاهر ولم يمكن أخذ شيء منه إلا بحل رباطه أو فتق طرفه قطع لان العادة تركها فى موضع البيع ومن أصحابنا من قال لا يقطع إلا أن يكون في بيت دونه باب مغلق والذى نص عليه الشافعى رحمه الله فى غير العراق وإن سرق حطبا شد بعضه إلى بعض بحيث لا يمكن أن يسل منه شيء إلا بحل رباطه قطع لانه محرز بالشد وإن كان متفرقا لم يقطع لانه غير محرز ومن أصحابنا من قال لا يقطع إلا أن يكون فى بيت دونه باب مغلق مجتمعا كان أو متفرقا وإن سرق أجزاعا ثقالا مطروحة على أبواب المساكن قطع لان العادة فيها تركها على الأبواب فصل وإن نبش قبرا وسرق منه الكفن فإن كان فى برية لم يقطع لانه ليس بحرز للكفن وإنما يدفن فى البرية للضرورة وإن كان فى مقبرة تلى العمران قطع لما روى البراء بن عازب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ومن نبش قطعناه ولان القبر حرز للكفن
وإن كان الكفن أكثر من خمسة أثواب فسرق ما زاد على الخمسة لم يقطع لان ما زاد على الخمسة ليس بمشروع فى الكفن فلم يجعل القبر حرزا له كالكيس المدفون معه وإن أكل السبع الميت وبقى الكفن ففيه وجهان أحدهما أنه ملك للورثة يقسم عليهم وهو قول أبى على بن أبى هريرة وأبى على الطبرى لان ذلك المال ينتقل إليهم بالإرث وإنما اختص الميت بالكفن للحاجة وقد زالت الحاجة فرجع إليهم والثانى أنه لبيت المال لانهم لم يورثوه عند الموت فلم يرثوه بعده فصل وإذا نام رجل على ثوب فسرقه سارق قطع لما روى أن صفوان بن أمية أنه قدم المدينة فنام فى المسجد متوسدا رداءه فجاءه سارق فأخذ رداءه من تحت رأسه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يده فقال صفوان إنى لم أرد هذا هو عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتينى به ولانه محرز به وإن زحف عنه فى النوم فسرق لم يقطع لانه زال الحرز فيه وإن ضرب فسطاطا وترك فيه مالا فسرق وهو فيه أو على بابه نائم أو مستيقظ قطع لان عادة الناس إحراز المتاع فى الخيم على هذه الصفة وإن لم يكن صاحبه معه لم يقطع السارق لانه لا يترك الفسطاط بلا حافظ فصل وإن كان ماله بين يديه وهو ينظر إليه فتغفله رجل وسرق ( ماله ) قطع لانه سرق من حرزه وإن نام أو اشتغل عنه أو جعله خلفه بحيث تناله اليد فسرق لم يقطع لانه سرقه من غير حرز وإن علق الثياب فى الحمام ولم يأمر الحمامى بحفظها فسرقت لم يضمن الحمامى لانه لا يلزمه حفظها ولا يقطع السارق لانه سرق من غير حرز لان الحمام مستطرق وإن أمر الحمامى بحفظها فسرقت فإن كان الحمامى مراعيا ( لها ) لم يضمن لانه لم يفرط ويقطع السارق لانه سرق من حرز وإن نام الحمامى أو تشاغل عن الثياب فسرقت ضمن الحمامى لانه فرط فى الحفظ ولم يقطع السارق لانه سرق من غير حرز فصل فإن سرق ماشية من الرعى نظرت فإن كان الراعى ينظر إليها ويبلغها صوته إذا زجرها قطع السارق لانها فى حرز وإن سرق والراعى نائم أو سرق منها ما غاب عن عينه بحائل لم يقطع لان الحرز بالحفظ وما لا يراه غير محفوظ وإن سرق ما لا يبلغها صوته لم يقطع لانها تجتمع وتفترق بصوته وإذا لم يبلغها صوته لم تكن فى حفظه فلم يجب القطع بسرقته وإن سرق ماشية سائرة أو جمالا مقطرة فإن كان خلفها سائق ينظر إليها جميعها ويبلغها صوته إذا زجرها قطع لانها محرزة به وإن سرق منه ما غاب عن عينه أو ما لم يبلغه صوته لبعده لم يقطع لما ذكرناه فى الراعية وإن كان مع الجمال قائد إذا التفت نظر إلى جميعها وبلغها صوته إذا زجرها وأكثر الالتفات إليها قطع لانها محرزة ( بالقائد ) وإن سرق ما لا ينظر إليه إذا التفت أو لا يبلغه صوته أو لم يكثر الالتفات إليها لم يقطع لانه سرق من غير حرز وإن كانت الجمال باركة فإن كان صاحبها ينظر إليها قطع السارق لانها محرزة بحفظه وإن سرق وصاحبها نائم فإن كانت غير معقلة لم يقطع لانها غير محرزة وإن كانت ( مثقلة ) قطع لان عادة الجمال إذا نام أن يعقلها وإن كان على الجمال أحمال كان حرزها كحرز الجمال لان العادة ترك الأحمال على الجمال فصل ولا يجب القطع إلا بأن يخرج المال من الحرز بفعله فإن دخل الحرز ورمى المال إلى خارج الحرز أو نقب الحرز وأدخل يده أو محجنا معه فأخرج المال قطع وإن دخل الحرز وأخذ المال ودفعه إلى آخر خارج الحرز قطع لانه هو الذى أخرجه فإن أخرجه ولم يأخذ منه الآخر فرده إلى الحرز لم يسقط القطع لانه وجب القطع بالإخراج فلم يسقط بالرد
وإن ربط جيبه أو كمه فوقع منه المال أو نقب حرزا فيه طعام فانثال قطع لانه خرج بفعله وإن كان فى الحرز ماء جار فترك فيه المال حتى خرج إلى خارج الحرز قطع لانه خرج بسبب فعله وإن تركه فى ماء راكد فحركه حتى خرج المال قطع لما ذكرناه وإن حركه غيره لم يقطع لانه لم يخرج المال بفعله وإن تفجر الماء وخرج المال ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لانه سبب لخروجه والثانى أنه لا يقطع لان خروجه بالانفجار الحادث من غير فعله وإن وضع المال فى النقب فى وقت هبوب الريح فأطارته الريح إلى خارج الحرز قطع كما لو تركه فى ماء جار وإن وضعه ولا ريح ثم هبت ريح فأخرجته ففيه وجهان كما قلنا فيما لو تركه فى ماء راكد فتفجر الماء فخرج به فإن وضع المال على حمار ثم قاده أو ساقه حتى خرج من الحرز قطع لانه خرج بسبب فعله وإن خرج الحمار من غير سوق ولا قود ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لان عادة البهائم إذا أثقلها الحمل أن تسير والثانى أنه لا يقطع لانه سار باختياره وإن ثقب الحرز وأمر صغيرا لا يميز بإخراج المال من الحرز فأخرجه قطع لان الصغير كالآلة وإن دخل الحرز وأخذ جوهرة فابتلعها وخرج ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع لانه استهلكها فى الحرز ولهذا يجب عليه قيمتها فلم يقطع كما لو أخذ طعاما فأمله والثانى أنه يقطع لانه أخرجه من الحرز فى وعاء فأشبه إذا جعلها فى جيبه ثم خرج وإن أخذ طيبا فتطيب به ثم خرج فإن لم يمكن أن يجتمع منه ( ما قيمته ) قدر النصاب لم يقطع لانه استهلكه فى الحرز فصار كما لو كان طعاما فأكله وإن أمكن أن يجتمع منه قدر النصاب ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع لان استعمال الطيب إتلاف له فصار كالطعام إذا أكله فى الحرز والثانى أنه يقطع لان عينه باقية ولهذا يجوز لصاحبه أن يطالبه برده فصل ولا يجب القطع حتى ينفصل المال عن جميع الحرز فإن سرق جذعا أو عمامة فأخذ قبل أن ينفصل الجميع من الحرز لم يقطع لانه لا ينفرد بعضه عن بعض ولهذا لو كان فى طرف منه نجاسة لم تصح صلاته فيه فإذا لم يجب القطع فيما بقى من الحرز لم يجب فيما خرج منه وإن ثقب رجلان حرزا فأخذ أحدهما المال ووضعه على باب الثقب وأخذه الآخر ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليهما القطع لانا لو لم نوجب القطع عليهما صار هذا طريقا إلى إسقاط القطع والثانى أنه لا يقطع واحد منهما وهو الصحيح لان كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز وإن نقب أحدهما الحرز ودخل الآخر وأخرج المال ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالمسألة قبلها ومنهم من قال لا يجب ( عليه ) القطع قولا واحدا لان أحدهما نقب ولم يخرج المال والآخر أخرج المال من غير حرزه فصل وإن فتح مراحا فيه غنم فحلب من ألبانها قدر النصاب وأخرجه قطع لان الغنم مع اللبن فى حرز واحد فصار كما لو سرق نصابا من حرزين فى بيت واحد فصل فإن دخل السارق إلى دار فيها سكان ينفرد كل واحد منهم ببيت مقفل فيه مال ففتح بيتا وأخرج المال إلى صحن الدار قطع لانه أخرج المال من حرزه وإن كانت الدار لواحد وفيها بيت فيه مال فأخرج السارق المال من البيت إلى الصحن فإن كان باب البيت مفتوحا وباب الدار مغلقا لم يقطع لان ما فى البيت محرز بباب الدار وإن كان باب الدار مفتوحا وباب البيت مغلقا قطع لان المال محرز بالبيت دون الدار وإن كان باب البيت مفتوحا وباب الدار مفتوحا لم يقطع لان المال غير محرز وإن كان ( باب البيت مغلقا ) وباب الدار مغلقا ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لان البيت حرز لما فيه كما لو كان باب الدار مفتوحا
والثانى أنه لا يقطع لان البيت المغلق فى دار مغلقة حرز فى حرز فلم يقطع بالإخراج من أحدهما كما لو كان فى بيت مقفل صندوق مقفل فأخرج المال من الصندوق ولم يخرجه من البيت فصل وإن سرق الضيف من مال المضيف نظرت فإن سرقه من مال لم يحرزه عنه لم يقطع لما روى أبو الزبير عن جابر قال أضاف رجل رجلا فأنزله فى مشربة له فوجد متاعا له قد اختانه فيه فأتى به أبا بكر رضى الله عنه فقال خل عنه فليس بسارق وإنما هى أمانة اختانها ولانه غير محرز عنه فلم يقطع فيه وإن سرقه من بيت مقفل قطع لما روى محمد بن حاطب أو الحارث أن رجلا قدم المدينة فكان يكثر الصلاة فى المسجد وهو أقطع اليد والرجل فقال له أبو بكر رضى الله عنه ما ليلك بليل سارق فلبثوا ما شاء الله ففقدوا حليا لهم فجعل الرجل يدعو على من سرق أهل هذا البيت الصالح فمر رجل بصائغ فرأى عنده حليا فقال ما أشبه هذا الحلى بحلى آل أبى بكر فقال للصائغ ممن اشتريته فقال من ضيف أبى بكر فأخذ فأقر فجعل أبو بكر رضى الله عنه يبكى فقالوا ما يبكيك من رجل سرق فقال أبكي لغرته بالله تعالى فأمر به فقطعت يده ولان البيت المغلق حرز لما فيه فقطع بالسرقة منه فصل ولا يجب القطع بسرقة ما ليس بمال كالكلب والخنزير والخمر والسرجين سواء سرقة من مسلم أو من ذمى لان القطع جعل لصيانة الأموال وهذه الأشياء ليست بمال فإن سرق إناء يساوى نصابا فيه خمر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع لان ما فيه تجب إراقته ولا يجوز إقراره فيه والثانى أنه يقطع لان سقوط القطع فيما فيه لا يوجب سقوط القطع فيه كما لو سرق إناء فيه بول فصل وإن سرق صنما أو بربطا أو مزمارا فإن كان إذا فصل لم يصلح لغير معصية لم يقطع لانه لا قيمة لما فيه من التأليف وإن كان إذا فصل يصلح لمنفعة مباحة ففيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه يقطع لانه مال يقوم على متلفه والثانى أنه لا يقطع لانه آلة معصية فلم يقطع بسرقته كالخمر والثالث وهو قول أبى على بن أبى هريرة رحمه الله أنه إن أخرجه مفصلا قطع لزوال المعصية وإن أخرجه غير مفصل لم يقطع لبقاء المعصية وإن سرق أوانى الذهب والفضة قطع لانها تتخذ للزينة لا للمعصية فصل وإن سرق حرا صغيرا لم يقطع لانه ليس بمال وإن سرقه وعليه حلى بقدر النصاب ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لانه قصد سرقة ما عليه من المال والثانى أنه لا يقطع لان يده ثابتة على ما عليه ولهذا لو وجد لقيط ومعه مال كان المال له فلم يقطع كما لو سرق جملا وعليه صاحبه وإن سرق أم ولد نائمة ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لانها تضمن باليد فقطع بسرقتها كسائر الأموال والثانى أنه لا يقطع لان معنى المال فيها ناقص لانه لا يمكن نقل الملك فيها وإن سرق عينا موقوفة على غيره ففيه وجهان كالوجهين فى أم الولد وإن سرق من غلة وقف على غيره قطع لانه مال يباع ويبتاع وإن سرق الماء ففيه وجهان أحدهما أنه يقطع لانه يباع ويبتاع والثانى أنه لا يقطع لانه لا يقصد إلى سرقته لكثرته فصل ولا يقطع فيما له فيه شبهة لقوله عليه السلام ادرأوا الحدود بالشبهات فإن سرق مسلم من مال بيت المال لم يقطع لما روى أن عاملا لعمر رضى الله عنه كتب إليه يسأله عمن سرق من مال بيت المال قال لا تقطعه فما من أحد إلا وله فيه حق وروى الشعبى أن رجلا سرق من بيت المال فبلغ عليا كرم الله وجهه فقال إن له فيه سهما ولم يقطعه وإن سرق ذمى ( مالا ) من بيت المسلمين قطع لانه لا حق له فيه وإن كفن ميت بثوب من بيت المال فسرقه سارق قطع لان بالتكفين به انقطع عنه حق سائر المسلمين
وإن سرق من غلة ( وقفت ) على المسلمين لم يقطع لان له ( فيها ) حقا وإن سرق فقير من غلة وقف على الفقراء لم يقطع لان له ( فيها ) حقا وإن سرق منها غنى قطع لانه لا حق له فيها فصل وإن سرق رتاج الكعبة أو باب المسجد أو تأزيره قطع لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قطع سارقا سرق قبطية من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه مال محرز بحرز مثله لا شبهة له فيه وإن سرق مسلم من قناديل المسجد أو من حصره لم يقطع لانه جعل ذلك لمنفعة المسلمين وللسارق فيها حق وإن سرقه ذمى قطع لانه لا حق له فيها فصل ومن سرق من ولده أو ولد ولده وإن سفل أو من أبيه أو من جده وإن علا لم يقطع وقال أبو ثور يقطع لقوله عز وجل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فعم ولم يخص وهذا خطأ لقوله عليه الصلاة والسلام ادرؤا الحدود بالشبهات وللأب شبهة في مال الابن وللابن شبهة فى مال الأب لانه جعل ماله كماله فى استحقاق النفقة ورد الشهادة فيه والآية نخصها بما ذكرناه ومن سرق ممن سواهما من الأقارب قطع لانه لا شبهة له فى ماله ولا يقطع العبد بسرقة مال مولاه وقال أبو ثور يقطع لعموم الآية وهذا خطأ لما روى السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمى فقال إن غلامى هذا سرق فاقطع يده فقال عمر ما سرق فقال مرآة امرأتى فقال له أرسله خادمكم أخذ متاعكم ولكن لو سرق من غيركم قطع ولان يده كيد المولى بدليل أنه لو كان بيده مال فادعاه رجل كان القول فيه قول المولى فيصير كما لو نقل ماله من زاوية داره إلى زاوية أخرى ولان له فى ماله شبهة فى استحقاق النفقة فلم يقطع كالأب والابن وإن سرق من غيره قطع لقول عمر رضى الله عنه ولانه لا شبهة له فى مال غيره وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يقطع لان النكاح عقد على المنفعة فلا يسقط القطع فى السرقة كالإجارة والثانى أنه لا يقطع لان الزوجة تستحق النفقة على الزوج والزوج يملك أن يحجر عليها ويمنعها من التنصرف على قول بعض الفقهاء فصار ذلك شبهة والثالث أنه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج لان للزوجة حقا فى مال الزوج بالنفقة وليس للزوج حق فى مالها ومن لا يقطع من الزوجين بسرقة مال الآخر لا يقطع عبده بسرقة ماله لقول عمر رضى الله عنه فى سرقة علام الحضرمى الذى سرق مرآة امرأته أرسله فلا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم ولان يد عبده كيده فكانت سرقته من ماله كسرقته فصل وإن كان له على رجل دين فسرق من ماله فإن كان جاحدا له أو مماطلا له لم يقطع لان له أن يتوصل إلى أخذه بدينه وإن كان مقرا مليا قطع لانه لا شبهة له في سرقته وإن غصب مالا فأحرزه فى بيت فنقب المغصوب منه البيت وسرق مع ماله نصابا من مال الغاصب ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يقطع لانه هتك حرزا كان له هتكه لاخذ ماله والثانى أنه يقطع لانه لما سرق مال الغاصب علم أنه قصد سرقة مال الغاصب والثالث أنه إن كان ما سرقه متميزا عن ماله قطع لانه لا شبهة له فهى سرقته وإن كان مختلطا بما له لم يقطع لانه لا يتميز ما يجب فيه القطع ( مما لا يجب فيه ) فلم يقطع وإن سرق الطعام عام المجاعة نظرت فإن كان الطعام موجودا قطع لانه غير محتاج إلى سرقته وإن كان معدوما لم يقطع لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لا قطع فى عام المجاعة أو السنة ولان له أن يأخذه فلم يقطع فيه
فصل وإن نقب المؤجر الدار المستأجرة وسرق منها مالا للمستأجر قطع لانه لا شبهة له فى ماله ولا فى هتك حرزه وإن نقب المعير الدار المستعارة وسرق منها مالا للمستعير ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع لان له أن يرجع فى العارية فجعل النقب رجوعا والثانى وهو المنصوص أنه يقطع لانه أحرز ماله بحرز بحق فأشبه إذا نقب المؤجر الدار المستأجرة وسرق ( من ) مال المستأجر وإن غصب رجل مالا أو سرقه وأحرزه فجاء سارق فسرقه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع لانه حرز لم يرضه مالكه والثانى أنه يقطع لانه سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله فصل وإن وهب المسروق منه العين المسروقة من السارق بعدما رفع إلى السلطان لم يسقط القطع لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر فى سارق رداء صفوان أن تقطع يده فقال صفوان إنى لم أرد هذا هو عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتينى به ولان ما حدث بعد وجوب الحد ولم يوجب شبهة فى الوجوب فلم يؤثر فى الحد كما لو زنى وهو عبد فصار حرا قبل أن يحد أو زنى وهو بكر فصار ثيبا قبل أن يحد وإن سرق عينا قيمتها ربع دينار فنقصت قيمتها قبل أن يقطع لم يسقط القطع لما ذكرناه وإن ثبتت السرقة بالبينة فأقر المسروق منه بالملك للسارق أو قال كنت أبحته له سقط القطع لانه يحتمل أن يكون صادقا فى إقراره وذلك شبهة فلم يجب معها الحد وإن ثبتت السرقة بالبينة فادعى السارق أن المسروق ماله ( وهبه منه ) أو أباحه له وأنكر المسروق منه ولم يكن للسارق بينة لم يقبل دعواه فى حق المسروق منه لانه خلاف الظاهر بل يجب تسليم المال إليه وأما القطع فالمنصوص أنه لا يجب لانه يجوز أن يكون صادقا وعوذلك شبهة فمنعت وجوب الحد وذكر أبو إسحاق وجها آخر أنه يقطع لانا لو أسقطنا القطع بدعواه أفضى إلى ألا يقطع سارق وهذا خطأ لانه يبطل به إذا ثبت عليه الزنا بامرأة وادعى زوجيتها فإنه يسقط الحد وإن أفضى ذلك إلى إسقاط حد الزنا وإن ثبتت السرقة بالبينة والمسروق منه غائب فالمنصوص فى السرقة أنه لا يقطع حتى يحضر فيدعى وقال فيمن قامت البينة عليه أنه زنى بأمة ومولاها غائب أنه يحد ولا ينتظر حضور المولى فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة مذاهب أحدها وهو قول أبى العباس بن سريج رحمه الله أنه لا يقام عليه الحد فى المسألتين حتى يحضر وما روى فى حد الزنا سهو من الناقل ووجهه أنه يجوز أن يكون عند الغائب شبهة تسقط الحد بأن يقول المسروق منه كنت أبحته له ويقول مولى الأمة كنت وقفتها عليه والحد يدرأ بالشبهة فلا يقام عليه قبل الحضور والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه ينقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى فيكون فى المسألتين قولان أحدهما أنه لا يحد لجواز أن يكون عند الغائب شبهة والثانى أنه يحد لانه وجب الحد فى الظاهر فلا يؤخر والثالث وهو قول أبى الطيب بن سلمة وأبى حفص بن الوكيل أنه يحد الزانى ولا يقطع السارق على ما نص عليه لان حد الزنا لا تمنع الإباحة من وجوبه والقطع فى السرقة تمنع الإباحة من وجوبه وإن ثبتت السرقة والزنا بالإقرار فهو كما لو ثبتت بالبينة فيكون على ما تقدم من المذاهب ومن أصحابنا من قال فيه وجه آخر أنه يقطع السارق ويحد الزانى فى الإقرار وجها واحدا والصحيح أنه كالبينة وإذا قلنا إنه ينتظر قدوم الغائب ففيه وجهان أحدهما أنه يحبس لانه قد وجب الحد وبقى الاستيفاء فحبس كما يحبس من عليه القصاص إلى أن يبلغ الصبى ويقدم الغائب والثانى أنه إن كان السفر قريبا حبس إلى أن يقدم الغائب وإن كان ( السفر ) بعيدا لم يحبس لان فى حبسه إضرارا به والحق لله عز وجل فلم يحبس لاجله فصل وإذا ثبت الحد عند السلطان لم يجز العفو عنه
ولا تجوز الشفاعة فيه لما روت عائشة رضى الله عنها قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق قد سرق فأمر به فقطع فقيل يا رسول الله ما كنا نراك تبلغ به هذا قال لو كانت فاطمة بنت محمد لاقمت عليها الحد وروى عروة قال شفع الزبير في سارق فقيل حتى يأتى السلطان قال إذا بلغ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان الحد لله فلا يجوز فيه العفو والشفاعة فصل وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى فإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى السارق وإن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله وإن سرق خامسا لم يقتل لان النبى صلى الله عليه وسلم بين فى حديث أبى هريرة ما يجب عليه فى أربع مرات فلو وجب فى الخامسة قتل لبين ويعزر لانه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فعزر فيها فصل وتقطع اليد من مفصل الكف لما روى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع ولان البطش بالكف وما زاد من الذراع تابع ولهذا تجب الدية فيه ويجب فيما زاد الحكومة وتقطع الرجل من مفصل القدم وقال أبو ثور تقطع الرجل من شطر القدم لما روى الشعبى قال كان على عليه السلام يقطع الرجل من شطر القدم ويترك له عقبا ويقول ادع له ما يعتمد عليه والمذهب ما ذكرناه والدليل عليه ما روى عن عمر رضى الله عنه أنه كان يقطع القدم من مفصلها ولان البطش بالقدم ويجب فيها الدية فوجب قطعه فصل وإن سرق ولا يمين له قطعت الرجل اليسرى فإن كانت له يمين عند السرقة فذهبت بآكلة أو جناية سقط الحد ولم ينتقل الحد إلى الرجل والفرق بين المسألتين أنه إذا سرق ولا يمين له تعلق الحد بالعضو الذى يقطع بعده وإذا سرق وله يمين تعلق القطع بها فإذا ذهبت زال ما تعلق به القطع فسقط وإن سرق وله يد ناقصة الأصابع قطعت لان اسم اليد يقع عليها وإن لم يبق غير الراحة ففيه وجهان أحدهما أنه لا يقطع وينتقل الحد إلى الرجل لانه قد ذهبت المنفعة المقصودة بها ولهذا لا يضمن بأرش مقدر فصار كما لو لم يبق منها شيء والثانى أنه يقطع ما بقى لانه بقى جزء من العضو الذى تعلق به القطع فوجب قطعه كما لو بقيت أنملة فإن سرق وله يد شلاء فإن قال أهل الخبرة إنها إذا قطعت انسدت عروقها قطعت وإن قالوا لا تنسد عروقها لم تقطع لان قطعها يؤدى إلى أن يهلك فصل وإذا قطع فالسنة أن يعلق العضو فى عنقه ساعة لما روى فضالة بن عبيد قال أتى النبى صلى الله عليه وسلم بسارق فأمر به فقطعت يده ثم أمر فعلقت فى رقبته ولان في ذلك ردعا للناس ويحسم موضع القطع لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقال اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتونى به فقطع فأتى به فقال تب إلى الله تعالى فقال تبت إلى الله تعالى فقال تاب الله عليك والحسم هو أن يغلى الزيت غليا جيدا ثم يغمس فيه موضع القطع لتنحسم العروق وينقطع الدم فإن ترك الحسم جاز لانها مداواة فجاز تركها وأما ثمن الزيت وأجرة القاطع فهو فى بيت المال لانه من المصالح فإن قال أنا أقطع بنفسى ففيه وجهان أحدهما أنه لا يمكن كما لا يمكن فى القصاص والثانى أنه يمكن لان الحق لله تعالى والقصد به التنكيل وذلك قد يحصل بفعله بخلاف القصاص فإنه يجب للآدمى للتسفى فكان الاستيفاء إليه فصل وإن وجب عليه قطع يمينه فأخرج يساره
فاعتقد أنها يمينه أو اعتقد أن قطعها يجزىء عن اليمين فقطعها القاطع ففيه وجهان أحدهما وهو المنصوص أنه يجزئه عن اليمين لان الحق لله تعالى ومبناه على المساهلة فقامت اليسار فيه مقام اليمين والثانى أنه لا يجزئه لانه قطع غير العضو الذى تعلق به القطع فعلى هذا إن كان القاطع تعمد قطع اليسار وجب عليه القصاص فى يساره وإن قطعها وهو يعتقد أنها يمينه أو قطعها وهو يعتقد أن قطعها يجزئه عن اليمين وجب عليه نصف الدية فصل إذا تلف المسروق فى يد السارق ضمن بدله وقطع ولا يمنع أحدهما الآخر لان الضمان يجب لحق الآدمى والقطع يجب لله تعالى فلا يمنع أحدهما الآخر كالدية والكفارة باب حد قاطع الطريق من شهر السلاح وأخاف السبيل فى مصر أو برية وجب على الإمام طلبه لانه إذا ترك قويت شوكته وكثر الفساد به فى قتل النفوس وأخذ الأموال فإن وقع قبل أن يأخذ المال ويقتل النفس عزر وحبس على حسب ما يراه السلطان لانه تعرض للدخول فى معصية عظيمة فعزر كالمتعرض للسرقة بالنقب والمتعرض للزنا بالقبلة وإن أخذ نصابا محرزا مثله ممن يقطع بسرقة ماله وجب عليه قطع يده اليمنى ورجله اليسرى لما روى الشافعى عن ابن عباس أنه قال فى قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم إذا هربوا أن يطلبوا حتى يؤخذوا وتقام عليهم الحدود لانه ساوى السارق في أخذ النصاب على وجه لا يمكن الاحتراز منه فساواه فى قطع اليد وزاد عليه بإخافة السبيل بشهر السلاح فغلظ بقطع الرجل فإن لم يكن له اليد اليمنى وله الرجل اليسرى قطع الرجل ( اليسرى ) لان الحد تعلق بهما فإذا فقد أحدهما تعلق الحد بالباقى كما قلنا فى السارق إذا كانت له يد ناقصة الأصابع وإن لم يكن له اليد اليمنى ولا الرجل اليسرى انتقل القطع إلى اليد اليسرى والرجل اليمنى لان ما يبدأ به معدوم فتعلق الحد بما بعده وإن أخذ دون النصاب لم يقطع وخرج أبو على بن خيران قولا آخر أنه لا يعتبر النصاب كما لا يعتبر التكافؤ فى القتل فى المحاربة فى أحد القولين وهذا خطأ لانه قطع يجب بأخذ المال فشرط فيه النصاب كالقطع فيي السرقة فإن أخذ المال من غير حرز بأن انفرد عن القافلة أو أخذ من جمال مقطرة ترك القائد تعاهدها لم يقطع لانه قطع يتعلق بأخذ المال فشرط فيه الحرز كقطع السرقة فصل وإن قتل ولم يأخذ المال انحتم قتله ولم يجز لولى الدم العفو عنه لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال نمل جبريل عليه السلام بالحد فيهم أن من قتل ولم يأخذ المال قتل والحد لا يكون إلا حتما ولان ما أوجب عقوبة في غير المحاربة تغلظت العقوبة فيه بالمحاربة كأخذ المال يغلظ بقطع الرجل وإن جرح جراحة توجب القود فهل يتحتم القود فيه قولان أحدهما أنه يتحتم لان ما أوجب القود فى غير المحاربة انحتم القود فيه فى المحاربة كالقتل والثانى أنه لا يتحتم لانه تغليظ لا يتبعض فى النفس فلم يجب فيما دون النفس كالكفارة فصل وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أصحابنا من قال يصلب حيا ويمنع الطعام والشراب حتى يموت وحكى أبو العباس ابن القاص في التخليص عن الشافعى رضى الله عنه أنه قال يصلب ثلاثا قبل القتل ولا يعرف هذا للشافعى والدليل على أنه يصلب بعد القتل قوله صلى الله عليه وسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإن كان الزمان باردا أو معتدلا صلب بعد القتل ثلاثا وإن كان الحر شديدا وخيف عليه التغير قبل الثلاث حنط وغسل وكفن وصلى عليه وقال أبو على بن أبى هريرة رحمه الله يصلب إلى أن يسيل صديده وهذا خطأ لان فى ذلك تعطيل أحكام الموتى من الغسل والتكفين والصلاة والدفن
وإن مات فهل يصلب فيه وجهان أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد الإسفرايينى رحمه الله أنه لا يصلب لان الصلب تابع للقتل وصفة له وقد سقط القتل فسقط الصلب والثانى وهو قول شيخنا القاضى أبى الطيب الطبرى رحمه الله أنه يصلب لانهما حقان فإذا تعذر أحدهما لم يسقط الآخر فصل وإن وجب عليه الحد ولم يقع فى يد الإمام طلب إلى أن يقع فيقام عليه الحد لقوله عز وجل أو ينفوا من الأرض وقد روينا عن ابن عباس أنه قال ونفيهم إذا هربوا أن يطلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود فصل ولا يجب ما ذكرناه من الحد إلا على من باشر القتل أو أخذ المال فأما من حضر ردءا لهم أو عينا فلا يلزمه الحد لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق ويعزر لانه أعان على معصية فعزر وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال وجب على من قتل القتل وعلى من أخذ المال القطع لان كل واحد منهم انفرد بسبب حد فاختص بحده فصل إذا قطع قاطع الطريق اليد اليسرى من رجل وأخذ المال قدم قطع القصاص ( سواء تقدم ) على أخذ المال ( أو تأخر ) لان حق الآدمى آكد فإذا اندمل موضع القصاص قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لاخذ المال ولا يوالى بينهما لانهما عقوبتان مختلفتان فلا تجوز الموالاة بينهما وإن قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وأخذ المال وقلنا إن القصاص يتحتم نظرت فإن تقدم أخذ المال سقط القطع الواجب بسببه لانه يجب تقديم القصاص عليه لتأكد حق الآدمى وإذا قطع للآدمى زال ما تعلق الوجوب به لاخذ المال فسقط وإن تقدمت الجناية لم يسقط الحد لاخذ المال فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى لانه استحق بالجناية فيصير كمن أخذ المال وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى فتعلق باليد اليسرى والرجل اليمنى فصل وإن تاب قاطع الطريق بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء مما وجب عليه من حد المحاربة لقوله عز وجل إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم فشرط فى العفو عنهم أن تكون التوبة قبل القدرة عليهم فدل على أنهم إذا تابوا بعد القدرة لم يسقط عنهم وإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ما يختص بالمحاربة وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل للآية وهل يسقط قطع اليد فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه يسقط لانه قطع عضو وجب بأخذ المال فى المحاربة فسقط بالتوبة قبل القدرة كقطع الرجل والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يسقط لانه قطع يد لاخذ المال فلم يسقط بالتوبة قبل القدرة كقطع السرقة فصل فأما الحد الذى لا يختص بالمحاربة ينظر فيه فإن كان للآدمى وهو حد القذف لم يسقط بالتوبة لانه حق للآدمى فلم يسقط بالتوبة كالقصاص وإن كان لله عز وجل وهو حد الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمر ففيه قولان أحدهما أنه لا يسقط بالتوبة لانه حد لا يختص بالمحاربة فلم يسقط بالتوبة كحد القذف ( والزنا ) والثانى أنه يسقط وهو الصحيح والدليل عليه قوله عز وجل فى ( حد ) الزنا فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما وقوله تعالى فى السرقة فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم وقوله صلى الله عليه وسلم التوبة تجب ما قبلها ولانه حد خالص لله تعالى فسقط بالتوبة كحد قاطع الطريق فإن قلنا إنها تسقط نظرت فإن كانت وجبت فى غير المحاربة لم تسقط بالتوبة حتى يقترن بها الإصلاح فى زمان يوثق بتوبته لقوله تعالى فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ولقوله تعالى فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه فعلق العفو بالتوبة والإصلاح ولانه قد يظهر التوبة للتقية فلا يعلم صحتها حتى يقترن بها الإصلاح فى زمان يوثق بتوبته
وإن وجبت عليه الحدود فى المحاربة سقطت بإظهار التوبة والدخول فى الطاعة لانه خارج من يد الإمام ممتنع عليه فإذا أظهر التوبة لم تحمل توبته على التقية باب حد الخمر كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وكثيره والدليل عليه قوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون واسم الخمر يقع على كل مسكر والدليل عليه ما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام وروى النعمان بن بشير رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن من التمر لخمرا وإن من البر لخمرا وإن من الشعير لخمرا وإن من العسل خمرا وروى سعد رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره وروت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام فصل ومن شرب مسكرا وهو مسلم بالغ عاقل مختار وجب عليه الحد فإن كان حرا جلد أربعين جلدة لما روى أبو ساسان قال لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلى عليه السلام دونك ابن عمك فاجلده قال قم يا حسن فاجلده قال فيم أنت وذاك ول هذا غيرى قال ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت فقال قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده ( فجلده ) وعلى عليه السلام يعد ذلك فعد أربعين وقال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وإن كان عبدا جلد عشرين لانه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا فإن رأى الإمام أن يبلغ ( بحد الحر ) ثمانين وبحد العبد أربعين جاز لما روى أبو وبرة الكلبى قال أرسلنى خالد بن الوليد إلى عمر رضى الله عنه فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلى وطلحة والزبير رضى الله عنهم فقلت إن خالد بن الوليد رضى الله عنه يقرأ عليك السلام ويقول إن الناس قد انهمكوا فى الخمر وتحاقروا العقوبة فيه قال عمر هم هؤلاء عندك فسلهم فقال على عليه السلام تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون فقال عمر بلغ صاحبك ما قال فجلد خالد ثمانين وجلد عمر ثمانين قال وكان عمر إذا أتى بالرجل القوى المنهمك فى الشراب جلده ثمانين وإذا أتى بالرجل الضعيف الذى كانت منه الزلة جلده أربعين ( جلدة ) فإن جلده أربعين ومات لم يضمن لان الحق قتله وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية لان نصفه حد ونصفه تعزير وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير وإن ( جلد ) إحدى وأربعين فمات ففيه قولان أحدهما أنه يضمن نصف ديته لانه مات من مضمون وغير مضمون فضمن نصف ديته كما لو جرحه واحد جراحة وجرح نفسه جراحات والثانى أنه يضمن جزءا من أحد وأربعين جزءا من الدية لان الأسواط متماثلة فسقطت الدية على عددها وتخالف الجراحات فإنها لا تتماثل وقد يموت من جراحة ولا يموت من جراحات ولا يجوز أن يموت من سوط ويعيش من أسواط وإن أمر الإمام الجلاد أن يضرب فى الخمر ثمانين فجلده إحدى وثمانين ومات المضروب فإن قلنا إن الدية تسقط على عدد الضرب سقط منها أربعون جزءا لاجل الحد ووجب على الإمام أربعون جزءا لاجل التعزير ووجب على الجلاد جزء وإن قلنا إنه يقسط على عدد الجناية ففيه وجهان أحدهما يسقط نصفها لاجل الحد ويبقى النصف على الإمام نصفه وعلى الجلاد نصفه لان الضرب نوعان مضمون وغير مضمون فسقط النصف بما ليس بمضمون ووجب النصف بما هو مضمون والثانى أنه تقسط الدية أثلاثا فسقط ثلثها بالحد وثلثها على الإمام وثلثها على الجلاد لان الحد ثلاثة أنواع فجعل لكل نوع الثلث فصل ويضرب فى حد الخمر بالأيدى والنعال
وأطراف الثياب على ظاهر النص لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب ( الخمر ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اضربوه قال فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض الناس أخزاك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا هكذا ولا تعينوا عليه الشيطان ولكن قولوا رحمك الله ولانه لما كان أخف من غيره فى العدد وجب أن يكون أخف من غيره فى الصفة وقال أبو العباس وأبو إسحاق يضرب بالسوط ووجهه ما روى أن عليا رضى الله عنه لما أقام الحد على الوليد بن عقبة قال لعبد الله بن جعفر أقم عليه الحد قال فأخذ السوط فجلده حتى انتهى إلى أربعين سوطا فقال له أمسك وإن قلنا إنه يضرب بغير السوط فضرب بالسوط أربعين سوطا فمات ضمن لانه تعدى بالضرب بالسوط وكم يضمن فيه وجهان أحدهما أنه يضمن بقدر ما زاد ألمه على ألم النعال والثانى أنه يضمن جميع الدية لانه عدل من جنس إلى غيره فأشبه إذا ضربه بما يجرح فمات منه فصل والسوط الذى يضرب به سوط بين سوطين ولا يمد ولا يجرد ولا تشد يده لما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال ليس فى هذه الأمة مد ولا تجريد ولا غل ولا صفد فصل ولا يقام الحد فى المسجد لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن إقامة الحد فى المسجد ولانه لا يؤمن أن يشق الجلد بالضرب فيسيل منه الدم أو يحدث من شدة الضرب فينجس المسجد وإن أقيم الحد فى المسجد سقط الفرض لان النهى لمعنى يرجع إلى المسجد لا إلى الحد فلم يمنع صحته كالصلاة فى الأرض المغصوبة فصل إذا زنى دفعات حد للجميع حدا واحدا وكذلك إن سرق دفعات أو شرب الخمر دفعات حد للجميع حدا واحدا لان سببها واحد فتداخلت وإن اجتمعت عليه حدود بأسباب بأن زنى وسرق وشرب الخمر وقذف لم تتداخل لانها حدود وجبت بأسباب فلم تتداخل وإن اجتمع عليه الجلد فى حد الزنا والقطع فى السرقة أو فى قطع الطريق قدم حد الزنا تقدم الزنا وتأخر لانه أخف من القطع فإذا تقدم أمكن استيفاء القطع بعده وإذا قدم القطع لم يؤمن أن يموت منه فيبطل حد الزنا وإن اجتمع عليه مع ذلك حد الشرب أو حد القذف قدم حد الشرب وحد القذف على حد الزنا لانهما أخف منه وأمكن للاستيفاء وإن اجتمع حد الشرب وحد القذف ففيه وجهان أحدهما أنه يقدم حد القذف لانه للآدمى والثانى أنه يقدم حد الشرب وهو الصحيح لانه أخف من حد القذف فإذا أقيم عليه حد لم يقم عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول لانه إذا توالى عليه حدان لم يؤمن أن يتلف وإن اجتمع عليه حد السرقة والقطع فى قطع الطريق قطعت يمينه للسرقة وقطع الطريق ثم تقطع رجله لقطع الطريق وهل تجوز الموالاة بينهما فيه وجهان أحدهما أنه تجوز لان قطع الرجل مع قطع اليد حد واحد فجاز الموالاة بينهما والثانى أنه لا يجوز قطع الرجل حتى تندمل اليد لان قطع الرجل لقطع الطريق وقطع اليد للسرقة وهما سببان مختلفان فلا يوالى بين حديهما والأول أصح لان اليد تقطع لقطع الطريق أيضا فأشبه إذا قطع الطريق ولم يسرق وإن كان مع هذه الحدود قتل فإن كان فى غير المحاربة أقيمت الحدود على ما ذكرناه من الترتيب والتفريق بينها فإذا فرغ من الحدود قتل وإن كان القتل فى المحاربة ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أنه يوالى بين الجميع والفرق بينه وبين القتل فى غير المحاربة أن القتل فى غير المحاربة غير متحتم وربما عفى ( عنه ) فتسلم نفسه والقتل فى المحاربة متحتم فلا معنى لترك الموالاة
والوجه الثانى أنه لا يوالى بينهما لانه لا يؤمن إذا والى بين الحدين أن يموت فى الثانى فيسقط ما بقى من الحدود باب التعزير من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج وسرقة ما دون النصاب أو السرقة من غير حرز أو القذف بغير الزنا أو الجناية التى لا قصاص فيها وما أشبه ذلك من المعاصى عزر على حسب ما يراه السلطان لما روى عبد الملك بن عمير قال سئل على كرم الله وجهه عن قول الرجل للرجل يا فاسق يا خبيث قال هن فواحش فيهن التعزير وليس فيهن حد وروى عن ابن عباس أنه لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الديلى فأتى بلص نقب ( حرزا ) على قوم فوجدوه في النقب فقال مسكين أراد أن يسرق فأعجلتموه فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى عنه ولا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود فإن كان على حر لم يبلغ به أربعين وإن كان على عبد لم يبلغ به عشرين لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من بلغ بما ليس بحد حدا فهو من المعتدين وروى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبى موسى لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا وروى عنه ثلاثين سوطا وروى عنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين سوطا ولان هذه المعاصى دون ما يجب فيه الحد فلا تلحق بما يجب فيه الحد من العقوبة وإن رأى السلطان ترك التعزير جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمى لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا فى الحدود وروى عبد الله بن الزبير أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله فى شراج الحرة الذى يسقون به النخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اسق أرضك الماء ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصارى فقال يا رسول الله وأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا زبير اسق أرضك الماء ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير فوالله إنى لاحسب هذه الآية نزلت فى ذلك فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ولو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال فصل وإن عزر الإمام رجلا فمات وجب ضمانه لما روى عمرو بن سعيد عن على كرم الله وجهه أنه قال ما من رجل أقمت عليه حدا فمات فأجد فى نفسى أنه لا دية له إلا ( شارب ) الخمر فإنه لو مات وديته لان النبى صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولا يجوز أن يكون المراد به إذا مات من الحد فإن النبى صلى الله عليه وسلم حد فى الخمر فثبت أنه أراد من الزيادة على الأربعين ولانه ضرب جعل إلى اجتهاده فإذا أدى إلى التلف ضمن كضرب الزوج زوجته فصل وإن كان على رأس بالغ عاقل سلعة لم يجز قطعها بغير إذنه فإن قطعها قاطع بإذنه فمات لم يضمن لانه قطع بإذنه وإن قطعها بغير إذنه فمات وجب عليه القصاص لانه تعدى بالقطع وإن كانت على رأس صبى أو مجنون لم يجز قطعها لانه جرح لا يؤمن معه الهلاك فإن قطعت فمات منه نظرت فإن كان القاطع لا ولاية له عليه وجب عليه القود لانها جناية يعدى بها وإن كان أبا أو جدا وجبت عليه الدية وإن كان وليا غيرهما ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليه القود لانه قطع منه ما لا يجوز قطعه والثانى أنه لا يجب القود لانه لم يقصد القتل وإنما قصد المصلحة فعلى هذا يجب عليه دية مغلظة لانها عمد خطإ وبالله التوفيق كتاب الأقضية باب ولاية القضاء وأدب القاضى
القضاء فرض على الكفاية والدليل عليه قوله عز وجل يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقوله عز وجل إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولان النبى صلى الله عليه وسلم حكم بين الناس وبعث عليا كرم الله وجهه إلى اليمن للقضاء بين الناس ولان الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم حكموا بين الناس وبعث عمر رضى الله عنه أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا وبعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيا ولان الظلم فى الطباع فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم فإن لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه ويلزمه طلبه وإذا امتنع أجبر عليه لان الكفاية لا تحصل إلا به فإن كان هناك من يصلح له غيره نظرت فإن كان خاملا وإذا ولى القضاء انتشر علمه استحب أن يطلبه لما يحصل به من المنفعة بنشر العلم وإن كان مشهورا فإن كانت له كفاية كره له الدخول فيه لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من استقضى فكأنما ذبح بغير سكين ولانه يلزمه بالقضاء حفظ الأمانات وربما عجز عنه وقصر فيه فكره له الدخول فيه وإن كان فقيرا يرجو بالقضاء كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لانه يكتسب كفاية بسبب مباح وإن كان جماعة يصلحون للقضاء اختار الإمام أفضلهم وأورعهم وقلده فإن اختار غيره جاز لانه تحصل به الكفاية وإن امتنعوا من الدخول فيه أثموا لانه حق وجب عليهم فأثموا بتركه كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهل يجوز للإمام أن يجبر واحدا منهم على الدخول فيه أم لا فيه وجهان أحدهما أنه ليس له إجباره لانه فرض على الكفاية فلو أجبرناه عليه تعين عليه والثانى أن له إجباره لانه إذا لم يجبر بقى الناس بلا قاض ( وضاعت الحقوق ) وذلك لا يجوز فصل ومن تعين عليه القضاء وهو فى كفاية لم يجز أن يأخذ عليه رزقا لانه فرض تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه مالا من غير ضرورة فإن لم يكن له كفاية فله أن يأخذ الرزق عليه لان القضاء لا بد منه والكفاية لا بد منها فجاز أن يأخذ عليه الرزق فإن لم يتعين عليه فإن كانت له كفاية كره أن يأخذ عليه الرزق لانه قربة فكره أخذ الرزق عليها من غير حاجة فإن أخذ جاز لانه لم يتعين عليه وإن لم يكن له كفاية لم يكره أن يأخذ عليه الرزق لان أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما ولى خرج برزمة إلى السوق فقيل ما هذا فقال أنا كاسب أهلى فأجروا له كل يوم درهمين وعن عمر رضى الله عنه أنه قال أنزلت نفسى من هذا المال بمنزلة ولى اليتيم ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وبعث عمر رضى الله عنه إلى الكوفة عمار بن ياسر واليا وعبد الله بن مسعود قاضيا وعثمان بن حنيف ماسحا وفرض لهم كل يوم شاة نصفها وأطرافها لعمار والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان ولانه لما جاز للعامل على لالصدقات أن يأخذ مالا على العمالة جاز للقاضى أن يأخذ على القضاء ويدفع إليه مع رزقه شيء للقرطاس لانه يحتاج إليه لكتب المحاضر ويعطى لمن على بابه من الأجر ياء لانه يحتاج إليهم لاحضار الخصوم كما يعطى من يحتاج إليه العامل على الصدقات من العرفاء ويكون ذلك من سهم المصالح لانه من المصالح فصل ولا يجوز أن يكون القاضى كافرا ولا فاسقا ولا عبدا ولا صغيرا ولا معتوها لانه إذا لم يجز أن يكون واحد من هؤلاء شاهدا فلان لا يجوز أن يكون قاضيا أولى ولا يجوز أن يكون امرأة لقوله صلى الله عليه وسلم ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة ولانه لا بد للقاضى من مجالسة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال لما يخاف عليهم من الافتتان بها
ولا يجوز أن يكون أعمى لانه لا يعرف الخصوم والشهود وفى الأخرس الذى يفهم الإشارة وجهان كالوجهين فى شهادته ولا يجوز أن يكون جاهلا بطرق الأحكام لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال القضاة ثلاثة قاضيان فى النار وقاض فى الجنة فأما الذى فى الجنة فرجل عرف الحق فحكم به فهو فى الجنة وأما اللذان فى النار فرجل عرف الحق فجار فى حكمه فهو فى النار ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار ولانه إذا لم يجز أن يفتى الناس وهو لا يلزمهم الحكم فلان ( لا يجوز ) ألا يقضى بينهم وهو يلزمهم الحكم أولى ويكره أن يكون القاضى جبارا عسوفا وأن يكون ضعيفا مهينا لان الجبار يهابه الخصم فلا يتمكن من استيفاء حجته والضعيف يطمع فيه الخصم وينشط عليه ولهذا قال بعض السلف وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة من غير عنف ولين من غير ضعف فصل ولا يجوز ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو تولية من فوض إليه الإمام لانه من المصالح العظام فلا يجوز إلا من جهة الإمام فإن تحاكم رجلان إلى من يصلح أن يكون حاكما ليحكم بينهما جاز لانه تحاكم عمر وأبى بن كعب إلى زيد بن ثابت وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم واختلف قوله فى الذى يلزم به حكمه فقال فى أحد القولين لا يلزم الحكم إلا بتراضيهما بعد الحكم وهو قول المزنى رحمه الله تعالى لانا لو ألزمناهما حكمه كان ذلك عزلا للقضاة وافتياتا على الإمام ولانه لما اعتبر تراضيهما فى الحكم اعتبر رضاهما فى لزوم الحكم والثانى أنه يلزم بنفس الحكم لان من جاز حكمه لزم حكمه كالقاضى الذى ولاه الإمام واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال يجوز فى كل ما تحاكم فيه الخصنمان كما يجوز حكم القاضى الذى ولاه الإمام ومنهم من قال يجوز فى الأموال فأما فى النكاح والقصاص واللعان وحد القذف فلا يجوز فيها التحكيم لانها حقوق بنيت على الاحتياط فلم يجز فيها التحكيم فصل ويجوز أن يجعل قضاء بلد إلى اثنين وأكثر على أن يحكم كل واحد منهم فى موضع ويجوز أن يجعل إلى أحدهما القضاء فى حق وإلى الآخر فى حق آخر وإلى أحدهما فى زمان وإلى الآخر فى زمان آخر لانه نيابة عن الإمام فكان على حسب الاستنابة وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء فى مكان واحد فى حق واحد وزمان واحد فيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه نيابة فجاز أن يجعل إلى اثنين كالوكالة والثانى أنه لا يجوز لانهما قد يختلفان فى الحكم فتقف الحكومة ولا تنقطع الخصومة فصل ولا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه لقوله عز وجل فاحكم بين الناس بالحق والحق ما دل عليه الدليل وذلك لا يتعين فى مذهب بعينه فإن قلد على هذا الشرط بطلت التولية لانه علقها على شرط وقد بطل الشرط فبطلت التولية فصل وإذا ولى القضاء على بلد كتب له العهد بما ولى لان النبى صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن وكتب أبو بكر الصديق رضى الله عنه لانس حين بعثه إلى البحرين كتابا وختمه بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى حارثة بن مضرب أن عمر كتب إلى أهل الكوفة أما بعد فإنى بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله قاضيا ووزيرا فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بها فإن كان البلد الذى ولاه بعيدا أشهد له على التولية شاهدين ليثبت بهما التولية وإن كان قريبا بحيث يتصل به الخبر فى التولية ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أنه يجب الإشهاد لانه عقد فلا يثبت بالاستفاضة كالبيع والثانى وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه لا يجب الإشهاد لانه يثبت بالاستفاضة فلا يفتقر إلى الإشهاد
والمستحب للقاضى أن يسأل عن أمناء البلد ومن فيه من العلماء لانه لا بد له منهم فاستحب تقدم العلم بهم والمستحب أن يدخل البلد يوم الاثنين لان النبى صلى الله عليه وسلم دخل المدينة يوم الاثنين والمستحب أن ينزل وسط البلد ليتساوى الناس كلهم فى القرب منه ويجمع الناس ويقرأ عليهم العهد ليعلموا التولية وما فوض إليه فصل فإذا أذن له من ولاه أن يستخلف فله أن يستخلف وإن نهاه عن الاستخلاف لم يجز له أن يستخلف لانه نائب عنه فتبع أمره ونهيه وإن لم يأذن له ولم ينهه نظرت فإن كان ما تقلده يقدر أن يقضى فيه بنفسه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه يجوز أن يستخلف لانه ينظر فى المصالح فجاز أن ينظر بنفسه وبغيره والثانى وهو المذهب أنه لا يجوز لان الذى ولاه لم يرض بنظر غيره وإن كان ما ولاه لا يقدر أن يقضى فيه بنفسه لكثرته جاز أن يستخلف فيما لا يقدر عليه لان تقليده لما لا يقدر عليه بنفسه إذن له فى الاستخلاف فيما لا يقدر عليه كما أن توكيل الوكيل فيما لا يقدر عليه بنفسه إذن له فى استنابة غيره وهل له أن يستخلف فيما يقدر عليه أن يقضى فيه بنفسه فيه وجهان أحدهما أن له ذلك لان ما جاز له أن يستخلف فى البعض جاز أن يستخلف فى الجميع كالإمام والثانى أنه لا يجوز لانه إنما أجيز له أن يستخلف فيما لا يقدر عليه للعجز فوجب أن يكون مقصورا على ما عجز عنه فصل ولا يجوز أن يقضى ولا يولى ولا يسمع البينة ولا يكاتب قاضيا فى حكم فى غير عمله فإن فعل شيئا من ذلك فى غير عمله لم يعتد به لانه لا ولاية له فى غير عمله فكان حكمه فيما ذكرناه حكم الرعية فصل ولا يحكم لنفسه وإن اتفقت له حكومة مع خصم تحاكما فيها إلى خليفة له لان عمر بن الخطاب رضى الله عنه تحاكم مع أبى بن كعب إلى زيد بن ثابت وتحاكم عثمان رضى الله عنه مع طلحة إلى جبير بن مطعم وتحاكم على ( عليه السلام ) مع يهودي في درع إلى شريح ولانه لا يجوز أن يكون شاهدا لنفسه فلا يجوز أن يكون حاكما لنفسه ولا يجوز أن يحكم لوالده وإن علا ولا لولده وإن سفل وقال أبو ثور يجوز وهذا خطأ لانه متهم فى الحكم لهما كما يتهم فى الحكم لنفسه وإن تحاكم إليه والده مع ولده فحكم لاحدهما فقد قال بعض أصحابنا إنه يحتمل وجهين أحدهما أنه لا يجوز كما لا يجوز إذا حكم له مع أجنبى والثانى أنه يجوز لانهما استويا في التعصيب فارتفعت عنه تهمة الميل وإن أراد أن يستخلف فى أعماله والده وولده جاز لانهما يجريان مجرى نفسه ثم يجوز أن يحكم فى أعماله فجاز أن يستخلفهما للحكم فى أعماله وأما إذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضيا لم يجز أن يختار والده أو ولده لانه لا يجوز أن يختار نفسه فلا يجوز أن يختار والده أو ولده فصل ولا يجوز أن يرتشى على الحكم لما روى أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعن الله الراشى والمرتشى فى الحكم ولانه أخذ مال على حرام فكان حراما كمهر البغى ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة أن يهدى إليه قبل الولاية لما روى أبو حميد الساعدى قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بنى أسد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدى إلى فقام النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلى ألا جلس فى بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدى إليه أم لا والذى نفسى بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته فدل على أن ما أهدى إليه بعد الولاية لا يجوز قبوله