Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V06/P159

هذا إذا كانت الأم قائمة وقت الزيادة فأما إذا هلكت الأم ثم زادوا العبد زيادة على الولد فكانا جميعا رهنا بخمسمائة يفتك الرهن كل واحد منهما بمائتين وخمسين لأن الزيادة تستدعي مزيدا عليه والهالك خرج عن احتمال ذلك فتعين الولد مزيدا عليه وقد ذهب نصف الدين بهلاك الأم وبقي النصف وذلك خمسمائة فينقسم ذلك على الزيادة والولد على قدر قيمتهما ولو هلك الولد أخذ الراهن العبد بغير شيء لأنه لما هلك فقد التحق بالعدم وجعل كأنه لم يكن وعادت حصته إلى الأم فتبين أنها هلكت بجميع الدين فتبين أن الزيادة حصلت بعد سقوط الدين فلم تصح ولو هلك العبد الزيادة بعد هلاك الولد في يد المرتهن هلك أمانة إلا إذا منعه بعد الطلب لأنه تبين أنه لم يكن رهنا في الحقيقة لما بينا فصار كما إذا رهن بدين ثم تصادقا على أنه لا دين ثم هلك الرهن أنه يهلك أمانة لما قلنا كذا هذا إلا إذا منع بعد الطلب لأنه صار غاصبا بالمنع فيلزمه ضمان الغصب وأما بيان كيفية الضمان وقدره فالرهن لا يخلو إما أن يكون من جنس حق المرتهن أو من خلاف جنس حقه فإن كان من خلاف جنس حقه فإما أن يكون شيئا واحدا وإما أن يكون أشياء فإن كان شيئا واحدا يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومن الدين وتفسيره إذا رهن عبدا قيمته ألف بألف فهلك ذهب الدين كله وإن كانت قيمة العبد ألفين فهلك ذهب كل الدين أيضا وفضل الرهن يهلك أمانة وإن كانت قيمته خمسمائة ذهب من الدين خمسمائة ويرجع المرتهن على الراهن بفضل الدين وهذا قول عامة العلماء وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم مثل سيدنا عمر وعبد الله بن مسعود وهو رواه عن سيدنا علي رضي الله عنهم ومنهم من قال إنه مضمون بقيمته بالغة ما بلغت أي على المرتهن فضل قيمة الرهن وهكذا روي عن ابن سيدنا عمر رضي الله عنهما ومنهم من قال إنه مضمون بالدين بالغا ما بلغ أي يذهب كل الدين قلت قيمة الدين أو كثرت وهو مذهب شريح وعن سيدنا علي رضي الله عنه رواية أخرى أنه قال يترادان الفضل يعني إن كانت قيمة الرهن أكثر فللراهن أن يرجع على المرتهن بفضل القيمة وإن كانت قيمته أقل فللمرتهن أن يرجع على الراهن بفضل الدين واختلافهم على هذا الوجه حجة على الشافعي رحمه الله في قوله إن المرهون أمانة لأن اختلافهم في كيفية الضمان وقدره اتفاق منهم على كونه مضمونا فإنكار الضمان أصلا يرجع إلى مخالفة الإجماع فكان باطلا ثم الرجحان في كيفية الضمان لقول سيدنا عمر وابن مسعود رضي الله عنهما لأن المرهون مضمون عندنا بطريق الاستيفاء لأن قبض الرهن قبض استيفاء ويتقرر الاستيفاء عند الهلاك فيتقرر الضمان فيه بقدر الاستيفاء فإن كانت قيمة الرهن مثل الدين أمكن تحقيق الاستيفاء لأن استيفاء الدين مثله صورة ومعنى أو معنى لا صورة وإذا كانت قيمته أكثر لا يتحقق الاستيفاء إلا في قدر الدين ولا يتحقق في الزيادة لأن استيفاء الأقل من الأكثر يكون ربا وإذا كانت قيمته أقل لا يمكنه تحقيق الاستيفاء إلا بقدر الدين لأن استيفاء الأكثر من الأقل لا يتصور هذا إذا كان المرهون شيئا واحدا فأما إذا كان أشياء بأن رهن عبدين أو ثوبين أو دابتين أو نحو ذلك فلا يخلو إما إن أطلق الرهن ولم يسم لكل واحد منهما شيئا من الدين وإما إن قيد وسمى لكل واحد منهما قدرا معلوما من الدين فإن أطلق يقسم الدين عليهما على قدر قيمتهما وكان كل واحد منهما مضمونا بالأقل من قيمة نفسه ومن حصته من الدين لأن كل واحد منهما مرهون والمرهون مضمون بالدين فلا بد من قسمة الدين على قيمتهما ليعرف قدر ما في كل واحد منهما من الضمان كما ينقسم الثمن عليهما في باب البيع باعتبار قيمتهما لمعرفة مقدار الثمن لأن المرهون مضمون بالدين كما أن البيع مضمون بالثمن

قسم V06/P159–V06/P160

وإن قيد كان كل واحد منهما مضمونا بالأقل من قيتمه ( ( ( قيمته ) ) ) ومما سمى له لأنه لما سمي وجب اعتبار التسمية فينظر إلى القدر المسمى لكل واحد منهما فأيهما هلك يهلك بالأقل من قميته ( ( ( قيمته ) ) ) ومن القدر المسمى كما في باب البيع إذا سمى لكل واحد من المبيعين ثمنا أنه ينقسم الثمن عليهما بالقدر المسمى كذا هذا هذا إذا كان المرهون من خلاف جنس الدين وهلك في يد المرتهن فأما إذا كان من جنسه بأن رهن موزونا بجنسه أو مكيلا بجنسه وهلك في يد المرتهن فقد اختلف أصحابنا فيه قال أبو حنيفة يهلك مضمونا بالدين باعتبار الوزن دون القيمة حتى لو كان وزن الرهن بمثل وزن الدين وقيمته أقل منه فهلك يذهب كل الدين عنده وعند أبي يوسف ومحمد يضمن القيمة من خلاف الجنس على ما نذكر فمن أصل أبي حنيفة أنه يعتبر الوزن دون القيمة في الهالك ومن أصلهما أنهما يعتبران الوزن فيما لا يتضرر به المرتهن فأما فيما يتضرر به فيضمنان القيمة من خلاف الجنس وأما في الانكسار فأبو حنيفة يضمن القيمة وكذلك أبو يوسف عند الاستواء في الوزن والقيمة ولا يريان الجعل بالدين أصلا ومحمد يجعل بالدين لكن عند الإمكان بأن لا يؤدي ذلك إلى الضرر بالراهن ولا بالمرتهن ولا يؤدي إلى الربا فإن أدى إلى شيء مما ذكرنا فإنه لا يجعل بالدين أيضا وإذا كانت قيمة الرهن أكثر فأبو يوسف يجعل النقصان الحاصل بالانكسار شائعا في قدر الأمانة والمضمون فما كان في الأمانة يذهب بغير شيء وما كان في المضمون يضمن المرتهن قيمته ويهلك ( ( ( ويملك ) ) ) من الرهن بقدره ومحمد رحمه الله يصرف النقصان إلى الزيادة وإذا كثر النقصان حتى انتقص من الدين يخير الراهن بين أن يفتكه وبين أن يجعله بالدين ومن أصل أبي حنيفة أنه يجوز استيفاء الزيوف من الجياد حتى لو أخذ صاحب الدين الزيوف عن الجياد ولم يعلم به حتى هلك عنده سقط دينه وكذا عند محمد إلا أن محمدا ترك أصله في الرهن وعن ( ( ( وعند ) ) ) أبي يوسف لا يسقط بل يرد مثل ما قبض ويأخذ مثل حقه فمن أصله أنه لا يجوز استيفاء الزيوف عن الجياد فهذه أصول هذه المسائل وأما تخريجها على هذه الأصول فنقول وبالله التوفيق إذا كان الدين عشرة دراهم فرهن به قلب فضة فهلك أو انكسر في يد المرتهن فوزن القلب لا يخلو إما أن يكون مثل وزن الدين بأن كان عشرة أو ( ( ( وإما ) ) ) إما أن يكون أقل من وزنه بأن كان ثمانية وإما أن يكون أكثر من وزنه بأن كان اثني عشر وكل وجه من هذه الوجوه يدخله الهلاك والانكسار فإن كان وزن القلب مثل وزن الدين عشرة فإن كانت قيمته مثل وزنه فهلك يهلك بالدين بلا خلاف لأن في وزنه وقميته ( ( ( وقيمته ) ) ) وفاء بالدين ولا ضرر فيه بأحد ولا فيه ربا فيهلك بالدين على ما هو حكم الرهن عندنا وإن انكسر وانتقص لا يجبر الراهن على الافتكاك بلا خلاف لأنه لو افتكه إما أن يفتكه بجميع الدين وإما أن يسقط شيء من الدين بمقابلة النقصان لا سبيل إلى الأول لأن فيه ضررا بالراهن لفوات حقه عن الجودة والصناعة من غير عوض ولا سبيل إلى الثاني لأنه يؤدي إلى الربا لأن الدين والرهن يستويان في الوزن والجودة لا قيمة لها شرعا عند مقابلتها بجنسها فكانت ملحقة بالعدم شرعا فيكون إيفاء عشرة بثمانية فتكون ربا فيتخير إن شاء افتكه بجميع الدين ورضي بالنقصان وإن شاء ضمن المرتهن قيمته بالغة ما بلغت فكانت رهنا مكانه ويصير القلب ملكا للمرتهن بالضمان وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء جعله بالدين ويصير ملك المرتهن بدينه

قسم V06/P160–V06/P161

وجه قول محمد أن ضمان القيمة لا يناسب قبض الرهن لأن ذلك موجب قبض هو تعدي ( ( ( تعد ) ) ) كقبض الغصب وقبض الرهن مأذون فيه فلا يناسب ضمان القيمة ويناسبه الجعل بالدين لأنه قبض استيفاء وفي الجعل بالدين تقرير الاستيفاء وجه قولهما أن جعل الرهن بالدين حال قيامه من أعمال الجاهلية جاء الإسلام وأبطله بقوله لا يغلق الرهن والجعل بالدين غلق الرهن فكان باطلا وبه تبين أن ملك الرهن بالدين لا يجوز أن يكون حكم هذا التصرف وإن حكمه ملك اليد والحبس لا ملك العين والرقبة فأما ضمان القيمة فيصلح حكما له في الجملة ألا ترى أن محمدا يقول به عند تعذر الجعل بالدين على ما نذكر وإن كانت قيمته أقل من وزن الدين بأن كانت ثمانية فهلك يهلك بجميع الدين عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه يعتبر الوزن دون القيمة عند الهلاك وفي وزنه وفاء الدين وعندهما لا يهلك بالدين ويضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه وجه قولهما أنه لو هلك بالدين إما أن يهلك بوزنه وإما أن يهلك بقيمته لا سبيل إلى الأول لأن فيه ضررا بالمرتهن ولا وجه إلى الثاني لأنه يؤدي إلى الربا فيخير المرتهن بين أن يرضى بسقوط الدين وبين أن يضمن قيمة الرهن من خلاف جنسه فيكون رهنا مكانه ولأبي حنيفة رحمه الله إن قبض الرهن قبض ( ( ( قبل ) ) ) استيفاء ( ( ( الاستيفاء ) ) ) والجيد والرديء في الاستيفاء على السواء لأن استيفاء الزيوف عن الجياد جائز عنده وإن انكسر فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء ضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه بالإجماع وليس له خيار الجعل بالدين هنا بلا خلاف أما على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنهما لا يريان الجعل بالدين أصلا ومحمد رحمه الله إن كان يرى ذلك لكن عند الإمكان وههنا لا يمكن لأنه لو جعل الدين باعتبار الوزن يؤدي إلى الضرر بالمرتهن حيث يصير الرهن الذي قيمته ثمانية بعشرة ولو جعل باعتبار القيمة يؤدي إلى الربا فمست الضرورة إلى ضمان القيمة والله تعالى أعلم وإن كانت قيمته أكثر من وزنه بأن كانت اثني عشر فهلك يهلك بالدين عند أبي حنيفة اعتبارا للوزن وكذلك عند محمد لأن الجودة هنا فضل فكان أمانة بمنزلة الفضل في الوزن أما على قول أبي يوسف فقيل يضمن المرتهن قيمة خمسة أسداس القلب من الذهب ويرجع بدينه لأن الجودة عنده مضمونة وقيل يهلك بالدين عنده أيضا لأنه يعتبر الوزن في الهلاك لا الجودة وإنما يعتبر الجودة في الانكسار وإن انكسر فالراهن بالخيار عند أبي حنيفة إن شاء افتكه بالدين مع النقصان وإن شاء ضمنه قيمته من خلاف جنسه فيكون رهنا مكانه لما ذكرنا فيما تقدم سواء كان النقصان الحاصل بالانكسار قدر درهم بأن عادت قيمته إلى أحد عشر أو قدر درهمين بأن عادت قيمته عشرة أو أكثر من ذلك بأن صارت قيمته ثمانية وعند أبي يوسف إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمن المرتهن قميته ( ( ( قيمته ) ) ) خمسة أسداس القلب من خلال ( ( ( خلاف ) ) ) جنسه فيصير ( ( ( فتصير ) ) ) خمسة أسداس الرهن ملكا للمرتهن بالضمان وسدس الرهن مع خمسة أسداس القيمة رهنا بالدين لأن من أصله أن يجعل قدر النقصان الحاصل بالانكسار شائعا في قدر الأمانة والمضمون والقدر الذي في الأمانة يذهب بغير شيء والقدر الذي في المضمون يضمن قيمته فيصير ذلك القدر من الرهن ملكا له وعند محمد ينظر إلى النقصان إن كان قدر درهم أو درهمين لا ضمان على المرتهن ويجبر الراهن على الفكاك

قسم V06/P161–V06/P162

وإن زاد على ذلك يخير بين الفكاك وبين الجعل بالدين كما لو كانت قيمته ووزنه سواء لأن من أصله أنه يصرف النقصان الحاصل بالانكسار إلى الجودة الزائدة إلا إذا كثر النقصان حتى عادت قيمته إلى ثمانية فله أن يجعله بالدين إن شاء وإن شاء افتكه وقيل إن على قوله له أن يضمنه كما قال أبو حنيفة رحمه الله لما في الجعل بالدين من إسقاط حقه عن الجودة هذا إذا كان وزن القلب مثل وزن الدين عشرة فأما إذا كان أقل من وزنه ثمانية فإن كانت قيمته مثل وزنه فهلك يهلك بمثل وزنه من الدين وهو ثمانية بالإجماع وإن انكسر فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه فكانت رهنا والقلب للمرتهن بالضمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد إن شاء افتكه بالدين وإن شاء جعله بمثل وزنه من الدين لما قلنا وإن كانت قيمته أقل من وزنه سبعة فهلك يهلك بثمانية في قول أبي حنيفة اعتبارا للوزن وعندهما يضمن قيمته من خلاف جنسه لما بينا وإن انكسر ضمن القيمة بالإجماع أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنهما لا يجيزان الجعل بالدين حال قيام الرهن أصلا ورأسا ومحمد إن كان يجيزه لكن بشريطة ( ( ( شريطة ) ) ) انعدام الضرر وفي الجعل بالدين هنا ضرر بالمرتهن وإن كانت قيمته أكثر من وزنه فكانت تسعة أو كانت مثل الدين عشرة فهلك يهلك بقدر وزنه ثمانية عند أبي حنيفة وعندهما يضمن القيمة وإن انكسر إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمن القيمة بالإجماع لما ذكرنا وإن كانت قيمته أكثر من الدين اثني عشر فهلك يهلك بثمانية عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يضمن خمسة أسداس قيمته وإن انكسر فعند أبي حنيفة إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمنه جميع القيمة وكانت قيمته رهنا والقلب ملكا للمرتهن وعند أبي يوسف يضمن خمسة أسداس قيمته ويكون سدس القلب مع خمسة أسداس قيمته رهنا عنده بالدين وعند محمد يصرف النقصان الحاصل بالانكسار بالأمانة إن قل النقصان بأن كان درهما أو درهمين ويجبر الراهن على الافتكاك وإن كان أكثر من ذلك يخير الراهن بين الافتكاك وبين الجعل بالدين هذا إذا كان وزن القلب أقل من وزن الدين ثمانية فأما إذا كان أكثر من وزنه اثنا عشر فإن كانت قيمته مثل وزنه اثني عشر فهلك سقط الدين والزيادة على الدين تهلك بلا أمانة خلاف وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد له أن يجعل خمسة أسداسه بالدين وإن كانت قيمته أقل من وزنه وأكثر من الدين بأن كانت أحد عشر فهلك سقط الدين بخمسة أسداسه والزيادة تهلك أمانة عند أبي حنيفة ولا رواية عنهما في هذا الفصل وإن انكسر ضمن خمسة أسداس القلب عند أبي حنيفة لأنه لا يعتبر الجودة ولا يرى الجعل بالدين وعند أبي يوسف يجب أن يكون هكذا وكذلك عند محمد لتعذر التمليك بالدين لما فيه من الضرر وإن كانت قيمته مثل وزن الدين عشرة فهلك يهلك خمسة أسداس بالدين عند أبي حنيفة لأنه يعتبر الوزن وعندهما يضمن خمسة أسداسه ويرجع بحقه وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة وعندهما يغرم جميع القيمة ولا يمكن الجعل بالدين عند محمد لأنه يؤدي إلى الربا وإن كانت قيمته أقل من الدين ثمانية فهلك ذهب خمسة أسداسه بالدين في قول أبي حنيفة وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه وعندهما يغرم القيمة في الحالين وإن كانت قيمته خمسة عشر فهلك يهلك خمسة أسداسه بالدين في قول أبي حنيفة وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة ثم في كل موضع ضمن المرتهن بعض القلب وهلك ذلك القدر بالضمان وصار شريكا فهذا شيوع طارىء ( ( ( طارئ ) ) )

قسم V06/P162–V06/P163

فعلى جواب ظاهر الرواية يقطع القلب فيكون الباقي مع القدر الذي غرم رهنا لأن الشيوع يمنع صحة الرهن مقارنا كان أو طارئا وعلى رواية أبي يوسف لا حاجة إلى القطع لأن الشيوع الطارىء لا يمنع بقاء العقد على الصحة وأما الرهن الفاسد فلا حكم له حال قيام المرهون حتى لا يثبت للمرتهن حق الحبس وللراهن أن يسترده منه فإن منعه حتى هلك يضمن مثله إن كان له مثل وقيمته إن لم يكن له مثل لأنه صار غاصبا بالمنع والمغصوب مضمون على الغاصب بالمثل أو بالقيمة وإن لم يوجد المنع من المرتهن حتى هلك الرهن في يده ذكره الكرخي رحمه الله إنه يهلك أمانة لأن الرهن إذا لم يصح كان القبض قبض أمانة لأنه قبض بإذن المالك فأشبه قبض الوديعة وحكى القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه ذكر في الجامع الكبير أن كل ما هو محل للرهن الصحيح فإذا رهنه رهنا فاسدا فهلك في يد المرتهن يهلك بالأقل من قيمته ومن الدين وكل ما ليس بمحل للرهن الصحيح لا يكون مضمونا بالرهن الفاسد كالمدبر وأم الولد وهذا يدل على أن الفساد كان لمعنى في نفس المرهون لا يكون مضمونا بل يكون أمانة وإن كان الفساد لمعنى في غيره يكون مضمونا ووجهه أن المرهون مضمون بالقبض ولا فساد في القبض إلا أن شرط كون المقبوض مضمونا أن يكون مالا مطلقا متقوما كالمقبوض بالبيع الفاسد فإن وجد الشرط يكون مضمونا وإلا فلا هذا الذي ذكرنا حكم هلاك المرهون وأما حكم استهلاكه فنقول المرهون لا يخلو إما أن يكون من بني آدم كالعبد والأمة وأما إن كان من غير بني آدم من سائر الأموال فإن كان من غير بني آدم فاستهلكه أجنبي ضمن قيمته إن كان مما لا مثل له ومثله إن كان مما له مثل كما إذا لم يكن مرهونا والمرتهن هو الخصم في تضمينه وكان الضمان رهنا لأنه بدل المرهون ثم إن كان الضمان من جنس الدين والدين حال استوفاه بدينه وإن كان الدين لم يحل حبسه رهنا مكانه وكذلك لو استهلكه المرتهن لأنه لو أتلف مالا مملوكا متقوما بغير إذن مالكه فيضمن مثله أو قيمته كما لو أتلفه أجنبي وكان رهنا مكانه وإن استهلكه الراهن فإن كان الدين حالا يطالب بالدين لا فائدة في المطالبة بالضمان فيطالب بالدين وإن كان لم يحل أخذ المرتهن منه الضمان ( ( ( بالضمان ) ) ) فأمسكه إلى أن يحل الدين وإذا كان في الرهن نماء كاللبن والولد فاستهلكه المرتهن أو الراهن أو أجنبي بأن كان الرهن شاة قيمتها عشرة بعشرة فحلبت أو ولدت فعليه ضمانه أما وجوب الضمان على الأجنبي والمرتهن فظاهر لأن الزيادة ملك الراهن وإتلاف مال مملوك للغير بغير إذنه يوجب الضمان وأما وجوبه على الرهن ( ( ( الراهن ) ) ) فلأن المتلف وإن كان مملوكا له لكن للمرتهن فيه حق قوي فيلحق بالملك في حق وجوب الضمان وإذا وجب الضمان على المتلف كان الضمان مع الشاة رهنا عند المرتهن لأنه بدل المرهون فيقوم مقامه فإن هلك الضمان لا يسقط شيء من الدين لأنه بدل ما ليس بمضمون بالدين فكان حكمه حكم الأصل والأصل لو هلك يهلك بغير شيء كذا البدل وإن هلكت الشاة سقطت حصتها من الدين لأنها مرهونة مقصودة فكانت مضمونة بالهلاك ويفتك الراهن ضمان الزيادة بقدرها من الدين لأن الزيادة تصير مقصودة بالفكاك فيصير لها حصة من الدين هذا إذا كان الاستهلاك بغير إذن فأما إذا كان بإذن بأن قال الراهن للمرتهن احلب الشاة فما حلبت فهو حلال لك أو قال له كل هذا الحمل فحلب وشرب وأكل حل له ذلك ولا ضمان عليه لأن الزيادة ملك الراهن فيصح إذنه بالأكل والشرب ولا يسقط شيء من دين المرتهن حتى لو جاء الراهن يفتك الشاة يفتكها بجميع الدين لأن إتلاف المرتهن بإذن الراهن مضاف إلى الراهن كأنه أتلفه بنفسه ولو كان كذلك لكان لا يسقط شيء من الدين وكان عليه ضمان المتلف كذا هذا

قسم V06/P163

وإن لم يفتكها حتى هلك تهلك بحصتها من الدين فيقسم الدين عليها وعلى لبنها أو ولدها على قدر قيمتها فما كان حصة الشاة يسقط وما كان حصة الزيادة يبقى ويخاطب الراهن بقضائه لأن فعل المرتهن لما كان مضافا إلى الراهن كان مضمونا عليه كأنه فعل بنفسه فيصير للزيادة حصة من الدين فينظر إلى قيمة الزيادة فإن كان فيها خمسة كان فيها ثلث الدين وفي الشاة ثلثاه فإذا هلكت الشاة ذهب ثلثا الدين وبقي الثلث وعلى الراهن قضاؤه وكذلك لو استهلكه أجنبي بإذن الراهن والمرتهن فالجواب فيه وفي المرتهن إذا استهلكه بإذن الراهن سواء وقد ذكرناه ولو استهلكه الراهن بإذن المرتهن لا شيء عليه لأن الضمان لو وجب لوجب لحق المرتهن لا لحق نفسه لأنه ملكه وقد أبطل المرتهن حق نفسه بالإذن فلا يستحق الضمان وجعل كأن الزيادة هلكت بآفة سماوية وبقيت الشاة رهنا بجميع الدين وإن كان المرهون من بني آدم فجنى عليه فجملة الكلام في جنايات الرهن أنها ثلاثة أقسام جناية غير الرهن على الرهن وجناية الرهن على غير الرهن وجناية الرهن على الرهن أما جناية غير الرهن على الرهن فلا يخلو إما إن كانت الجناية في النفس وإما إن كانت فيما دون النفس وكل ذلك لا يخلو إما إن كان عمدا أو خطأ أو في معنى الخطأ والجاني لا يخلو إما إن كان حرا أو عبدا فإن كانت في النفس عمدا والجاني حر فللراهن أن يقتص إذا اجتمعا على الاقتصاص في قول أبي حنيفة وقال محمد ليس له الاقتصاص وإن اجتمعا عليه وعن أبي يوسف روايتان كذا ذكر الكرخي رحمه الله الاختلاف وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا قصاص على قاتله وإن اجتمع عليه الراهن والمرتهن ولم يذكر الخلاف وجه قول محمد أن استيفاء القصاص لا بد له من ولي والولي هنا غير معلوم لأن ملك العين والرقبة للراهن وملك اليد والحبس للمرتهن فكان العبد مضافا إلى الراهن من وجه وإلى المرتهن من وجه فصار الولي مشتبها مجهولا وجهالة الولي تمنع استيفاء القصاص كعبد المكاتب إذا قتل عمدا أنه لا يقتص من قاتله وإن اجتمع عليه المولى والمكاتب لما قلنا كذا هذا بخلاف العبد المشترك بين اثنين إذا قتل عمدا أن لهما الاقتصاص إذا اجتمعا عليه لأن هناك الولاية لهما ثابتة على الشركة لثبوت الملك لكل واحد منهما في النصف من كل وجه فكان الولي معلوما فأمكن القول بوجوب القصاص لهما على الشركة لاستوائهما في الملك وجه قول أبي حنيفة أن الملك للراهن من كل وجه وإنما للمرتهن حق الحبس فقط والملك سبب لثبوت الولاية فكان الولي معلوما وكان ينبغي أن لا تتوقف ولاية الاستيفاء على رضا المرتهن إلا أنه توقف لتعلق حقه به فإذا رضي فقد زال المانع بخلاف عبد المكاتب لأن الملك فيه للمولى من وجه وللمكاتب من وجه فلم يكن الملك فيه ثابتا للمولى مطلقا ولا للمكاتب مطلقا فأشبه الولي فامتنع الاستيفاء وإذا اقتص القاتل سقط الدين لأن العبد إنما كان رهنا من حيث إنه مال وقد بطلت ماليته بالقتل لا إلى بدل إذ القصاص لا يصلح بدلا عن المالية فسقط القصاص كما لو هلك بنفسه هذا إذا اجتمعا على القصاص فأما إذا اختلفا لا يقتص القاتل لأنه لا سبيل إلى إثبات الاقتصاص للمرتهن لعدم ملك الرقبة ولا للراهن لأن في استيفائه إبطال حق المرتهن وهو الدين من غير رضاه وهذا لا يجوز وعلى القاتل قيمة المقتول في ماله في ثلاث سنين وكانت القيمة رهنا

قسم V06/P163–V06/P164

ولو اختلفا فأبطل القاضي القصاص ثم قضى الراهن الدين فلا قصاص لأن حق المرتهن وإن بطل بالفكاك لكن بعدما حكم القاضي ببطلان القصاص فلا يحتمل العود وإن كانت الجناية خطأ أو شبه عمد فعلى عاقلة القاتل قيمته في ثلاث سنين يقبضها المرتهن فتكون رهنا لأن العبد وإن كان مضمونا من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مال على أصل أصحابنا رحمهم الله حتى لا تزاد ديته على دية الحر ولكنه مرهون من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي فجاز أن تقوم قيمته مقامه وتكون رهنا عند المرتهن ثم إن كان الرهن مؤجلا كانت في يده إلى حل الأجل وإذا حل فإن كانت القيمة من جنس الدين استوفى الدين منها وإن بقي فيها فضل رده على الراهن وإن كانت أقل من الدين استوفى منها من الدين بقدرها بالفضل أي يرجع بالبقية على الراهن وإن كانت من خلاف جنس الدين حبسها في يده إلى وقت الفكاك وإن كان الدين حالا فالحكم فيه وفيما إذا كان مؤجلا فحل سواء وقد بيناه وتعتبر قيمة العبد في ضمان الاستهلاك يوم الاستهلاك وفي ضمان الرهن يوم القبض لأن ضمان الاستهلاك يجب بالاستهلاك وضمان الرهن يجب بالقبض فيعتبر حال وجود السبب حتى لو كان الدين ألف درهم وقيمة العبد يوم الرهن ألفا فانتقصت قيمته فتراجعت إلى خمسمائة فقتل غرم القاتل خمسمائة وسقط من الدين خمسمائة وإذا غرم خمسمائة بالاستهلاك كانت هذه الدراهم رهنا بمثلها من الدين ويسقط الباقي من الدين لأنه يصير مستوفيا كل الدين بها ولا يجوز استيفاء أكثر من خمسمائة بخمسمائة لما فيه من الربا وهذا بخلاف ما إذا قتله عبد أقل قيمة منه فدفع به لأن الدفع لا يؤدي إلى الربا لأنه لا يجوز استيفاء كل الدين من هذا العبد ألا ترى أنه لو باعه جاز وإن كان لا يساويه فلم يكن فيه ربا وكذلك لو قتله المرتهن يغرم قيمته والحكم فيه وفي الأجنبي سواء وقد ذكرناه ولو قتله الراهن فهذا وما إذا كان الرهن من غير بني آدم سواء وقد ذكرناه فيما تقدم هذا إذا كان الجاني حرا أما إذا كان عبدا أو أمة يخاطب مولى القاتل بالدفع أو بالفداء بقيمة المقتول فإن اختار الدفع فإن كانت قيمة المقتول مثل قيمة المدفوع أو أكثر فالمدفوع رهن بجميع الدين ويجبر الراهن على الافتكاك بلا خلاف وإن كانت قيمته أقل من قيمة المقتول بأن كانت قيمة المقتول ألفا والدين ألف وقيمة المدفوع مائة فهو رهن بجميع الدين أيضا ويجبر الراهن على الافتكاك بجميع الدين كما كان يجبر على افتكاك العبد المقتول لو كان حيا بجميع الدين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد إن لم يكن بقيمة القاتل وفاء بقيمة المقتول فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء تركه للمرتهن بدينه فمحمد مر على أصله في الجعل بالدين عند تعذر الجبر على الافتكاك وهنا تعذر لما فيه من الضرر بالراهن ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لما دفع الثاني بالأول قام مقام الأول لحما ودما والأول كان رهنا بجميع الدين وكان يجبر الراهن على الافتكاك بجميع الدين فكذا الثاني وكذلك لو كان العبد المرتهن نقص في السعر حتى صار يساوي مائة درهم فقتله عبد يساوي مائة درهم فدفع به فهو على الاختلاف هذا إذا كان اختار مولى القاتل الدفع فأما إذا اختار الفداء فإنه يفديه بقيمة المقتول وكانت القيمة رهنا عند المرتهن ثم ينظر إن كانت القيمة من جنس الدين استوفى دينه منها وإن كانت من خلاف الجنس حبسها رهنا حتى يستوفي جميع دينه ويجبر الراهن على الافتكاك عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يخير الراهن بين الافتكاك بجميع الدين وبين الترك للمرتهن بالدين وقد مرت المسألة هذا إذا كانت الجناية في النفس فأما إذا كانت فيما دون النفس فإن كان الجاني حرا يجب أرشه في ماله لا على عاقلته سواء كانت الجناية خطأ أو عمدا

قسم V06/P164–V06/P165

أما الوجوب في ماله فلأن العاقلة لا تعقل فيما دون النفس وأما التسوية بين الخطأ والعمد فلأن القصاص لا يجري بين الحر والعبد فيما دون النفس فاستوى فيه العمد والخطأ في وجوب الأرش فكان الأرش رهنا مع العبد لأنه بدل جزء مرهون وإن كان الجاني عبدا يخاطب مولاه بالدفع أو الفداء بأرش الجناية فإن اختار الفداء بالأرش كان الأرش مع المجني عليه رهنا وإن اختار الدفع يكون الجاني مع المجني عليه رهنا والخصومة في ذلك كله إلى المرتهن لأن حق الحبس له والجاني فوت الحبس عن بعض أجزاء الرهن فله أن يقيم بدل الفائت فيقيمه مقامه رهنا هذا الذي ذكرنا حكم جناية غير الرهن على الرهن وأما حكم جناية الرهن على غير الرهن فجنايته لا تخلو إما إن كانت على بني آدم وإما إن كانت على غير بني آدم من سائر الأموال فإن كانت على بني آدم فلا تخلو إما إن كانت عمدا وإما إن كانت خطأ أو في معناه فإن كانت عمدا يقتص منه كما إذا لم تكن رهنا لأن ملك الراهن لا يمنع وجوب القصاص ألا يرى أنه لا يمنع إذا لم يكن رهنا وإذا لم يكن الملك مانعا فحق المرتهن أولى لأنه دون الملك سواء قتل أجنبيا أو الراهن أو المرتهن لأن القصاص ضمان الدم ولا حق للمولى في دمه بل هو أجنبي عنه وكذا للمرتهن من طريق الأولى إذ الثابت له الحق والحق دون الملك فصارت جنايته على الراهن والمرتهن في حق القصاص وجنايته على الأجنبي سواء وإذا قتل قصاصا سقط الدين لأن هلاكه حصل في ضمان المرتهن فسقط ديته كما إذا هلك بنفسه هذا إذا كانت جنايته عمدا فأما إذا كانت خطأ أو ملحقة بالخطأ فإن كانت شبه عمد أو كانت عمدا لكن القاتل ليس من أهل وجوب القصاص عليه بأن كان صبيا أو مجنونا أو كانت جنايته فيما دون النفس فإنه يدفع أو يفدي لأن هذه الجنايات من العبيد والإماء توجب الدفع أو الفداء ثم ينظر إن كان العبد كله مضمونا بأن كانت قيمته مثل الدين أو دونه نحو أن تكون قيمة العبد ألفا والدين ألفا أو كان الدين ألفا وقيمة العبد خمسمائة يخاطب المرتهن أولا بالفداء لأنه بالفداء يستبقي حق نفسه في الرهن بتطهيره عن الجناية من غير أن يسقط حق المرتهن ولو بدىء بالراهن وخوطب بالدفع أو الفداء على ما هو حكم الشرع فربما يختار الدفع فيبطل حق المرتهن ويسقط دينه فكانت البداءة بخطاب المرتهن بالفداء أولى وإذا فداه بالأرش فقد استخلصه واستصفاه عن الجناية وصار كأنه لم يجن أصلا فيبقى رهنا كما كان ولا يرجع بشيء مما فدى على الراهن لأنه فدى ملك الغير بغير إذنه فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع كما لو فداه أجنبي ولأنه بالفداء أصلح الرهن باختياره واستبقى حق نفسه فكان عاملا لنفسه بالفداء فلا يرجع على غيره وليس له أن يدفع لأن الدفع تمليك الرقبة وهو لا يملك رقبته وإن أبى الراهن ( ( ( المرتهن ) ) ) أن يفدي يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء لأن الأصل في الخطاب هو الراهن لأن الملك له وإنما يبدأ بالمرتهن بخطاب الفداء صيانة لحقه فإذا أبى عاد الأمر إلى الأصل فإن اختار الدفع بطل الرهن وسقط الدين أما بطلان الرهن فلأن العبد زال عن ملكه بالدفع إلى خلف فخرج عن كونه رهنا وأما سقوط الدين فلأن استحقاق الزوال حصل بمعنى في ضمان المرتهن فصار كأنه هلك في يده وكذلك إن اختار الفداء لأنه صار قاضيا بما فدى المرتهن لأن الفداء على المرتهن لحصول الجناية في ضمانه إلا أنه لما أبى الفداء والراهن محتاج إلى استخلاص عبده ولا يمكنه ذلك إلا بالفداء فكان مضطرا في الفداء فلم يكن متبرعا فكان له أن يرجع على المرتهن بما فدى وله على الراهن مثله فيصير قصاصا به

قسم V06/P165–V06/P166

وإذا صار قاضيا دين المرتهن مما فدى ينظر إلى ما فدى وإلى قدر قيمة العبد وإلى الدين فإن كان الفداء مثل الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط الدين كله وإن كان الفداء أقل من الدين وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط من الدين بقدر الفداء وحبس العبد رهنا بالباقي وإن كان الفداء قدر الدين أو أكثر وقيمة العبد أقل من الدين يسقط من الدين قدر قيمة العبد ولا يسقط أكثر منها لأنه لو هلك العبد لا يسقط من الدين أكثر من قيمته فكذا عند الفداء وإن كان العبد بعضه مضمونا والبعض أمانة بأن كانت قيمة العبد ألفين والدين ألفا فالفداء عليهما جميعا لأن نصفه مضمون ونصفه أمانة فكان فداء نصف المضمون منه على المرتهن وفداء نصف الأمانة على الراهن فيخاطبان جميعا بالدفع أو بالفداء والمعنى من خطاب الدفع في جانب المرتهن الرضا بالدفع لا فعل الدفع لأن فعل الدفع ليس إليه ثم إذا خوطب بذلك إما إن اجتمعا على الدفع وإما إن اجتمعا على الفداء وإما إن اختلفا فاختار أحدهما الدفع والآخر الفداء والحال لا يخلو إما أن يكونا حاضرين وإما إن كان أحدهما غائبا فإن كانا حاضرين واجتمعا على الدفع ودفعا فقد سقط دين المرتهن لأن الدفع بمنزلة الهلاك وإن اجتمعا على الفداء فدى كل واحد منهما بنصف الأرش وإذا فديا طهرت رقبة العبد عن الجناية ويكون رهنا كما كان وكان كل واحد منهما متبرعا حتى لا يرجع على صاحبه بما فدى لأن كل واحد منهما أدى ما عليه فكان مؤديا عن نفسه لا عن صاحبه وإن اختلفا فأراد أحدهما الفداء والآخر الدفع فأيهما اختار الفداء فاختياره أولى أما المرتهن فلأنه بالفداء يستبقي حق نفسه ولا يسقط حق الراهن والراهن بالدفع يسقط حق المرتهن فكان اختيار المرتهن أولى وأما الراهن فلأنه يستبقي ملك الرقبة بالفداء والمرتهن باختيار الدفع يريد إسقاط دينه وإبطال ملك الراهن فلم يكن له في اختيار الدفع نفع بل كان سفها محضا وتعنتا باردا فلا يلتفت إليه فكان للراهن أن يفدي ثم أيهما اختار الفداء فدى العبد بجميع الأرش ولا يملك الآخر دفعه ثم ينظر إن كان الذي اختار الدفع هو المرتهن ففدى بجميع الأرش بقي العبد رهنا كما كان لأنه طهرت رقبته عن الجناية بالفداء فصار كأنه لم يجن ويرجع المرتهن على الراهن بدينه وهل يرجع عليه بحصة الأمانة ذكر الكرخي فيه روايتين في رواية لا يرجع بل يكون متبرعا وفي رواية يرجع وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يرجع إلا بدينه خاصة ولم يذكر اختلاف الرواية وجه الرواية الأولى أنه التزم الفداء باختياره مع قدرته على أن لا يلتزم لأنه لو لم يلتزم لخوطب الراهن فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع وجه الرواية الأخرى أن المرتهن يحتاج إلى إصلاح قدر المضمون منه ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح قدر الأمانة فكان مضطرا فلم يكن متبرعا وإن كان الذي اختار الفداء هو الراهن ففداه بجميع الأرش لا يكون متبرعا بل يكون قاضيا بنصف الفداء دين المرتهن ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل كل الدين سقط الدين كله وإن كان أقل منه سقط من الدين بقدره ورجع بالفضل على الراهن ويحبسه رهنا به هذا إذا كانا حاضرين فأما إذا كان أحدهما حاضرا فليس له ولاية الدفع أيهما كان سواء كان المرتهن أو الراهن أما المرتهن فلا شك فيه لأنه لا ملك له في العبد أصلا والدفع تمليك فلا يتصور بدون الملك وأما الراهن فلأن الدفع إسقاط حق المرتهن وله ولاية الفداء بجميع الأرش فإن كان الحاضر هو المرتهن ففداه بجميع الأرش لا يكون متبرعا في نصف الفداء عند أبي حنيفة وله أن يرجع على الراهن بدينه وبنصف الفداء لكنه يحبس العبد رهنا بالدين وليس له أن يحبسه رهنا بنصف الفداء بعد قضاء الدين

قسم V06/P166–V06/P167

وعند أبي يوسف ومحمد كان المرتهن متبرعا في نصف الفداء فلا يرجع على الراهن إلا بدينه خاصة كما لو فداه بحضرة الراهن فهما سويا بين الغيبة والحضرة وجعلاه متبرعا في الحالين جميعا وأبو حنيفة رضي الله عنه فرق بين حال الحضرة والغيبة فجعله متبرعا في الحضرة لا في الغيبة وإن كان الحاضر هو الراهن ففداه بجميع الأرش لا يكون متبرعا في نصف الفداء بالإجماع بل يكون قاضيا بنصف الفداء دين المرتهن كما لو فداه الراهن بحضرة المرتهن وجه قولهما أن المرتهن فدى ملك الغير بغير إذنه فكان متبرعا كما لو فداه أجنبي ولهذا كان متبرعا في حالة الحضرة كما في الغيبة ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه في حال الحضرة التزم الفداء باختياره مع إمكان خطاب الراهن فكان متبرعا والخطاب لا يمكن حالة الغيبة وهو محتاج إلى إصلاح قدر المضمون ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح قدر الأمانة فكان مضطرا فلم يكن متبرعا هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن فأما حكم جناية ولد الرهن بأن قتل إنسانا خطأ فحكمه أنه لا فداء على المرتهن ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء أما عدم وجوب الفداء على المرتهن فلأن خطابه بفداء الرهن مع أنه ليس ملكه لحصول الجناية من الرهن في ضمانه ولم يوجد في الولد لأنه ليس بمضمون أنه لو هلك يهلك بغير شيء وأما خطاب المولى بالدفع أو الفداء فلأن الملك له فإن دفعه خرج الولد عن الرهن ولم يسقط شيء من الدين أما خروجه عن الرهن فلزوال ملك الراهن عنه فيخرج عن الرهن كما لو هلك وأما عدم سقوط شيء من الدين فلأن الولد غير مضمون بالهلاك بخلاف الأم وإن فدى فهو رهن مع أنه على حاله فإن اختار الراهن الدفع فقال له المرتهن أنا أفدي فله ذلك لأن الولد مرهون وإن لم يكن مضمونا ألا ترى أن الحكم الأصلي للرهن ثابت فيه وهو حق الحبس فكان الفداء منه إصلاحا للرهن فكان له ذلك هذا إذا جنى الرهن على أجنبي فأما إذا جنى على الراهن أو على المرتهن أما جنايته على نفس المرتهن جناية موجبة للمال أو على ماله فهدر لأن العبد ملكه والمولى لا يجب له على عبده دين بخلاف جناية العبد المغصوب على المغصوب منه أو على ماله على أصل أبي حنيفة رحمه الله أنها معتبرة لأن المضمونات تملك عند أداء الضمان من وقت الغصب فتبين أن تلك الجناية لم تكن جناية العبد على مولاه وأما جنايته على نفس المرتهن فهدر عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد معتبرة يدفع أو يفدي إن رضي به المرتهن ويبطل الدين وإن قال المرتهن لا أطلب الجناية لما في الدفع أو الفداء من سقوط حقي فله ذلك وبطلت الجناية والعبد رهن على حاله هكذا أطلق الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وفصل فقال إن كان العبد كله مضمونا بالدين فهو على الاختلاف وإن كان بعضه مضمونا وبعضه أمانة فجنايته معتبرة بالاتفاق فيقال للراهن إن شئت فادفع وإن شئت فافده فإن دفعه وقبل المرتهن بطل الدين كله وصار العبد كله للراهن وإن اختار الفداء فنصف الفداء على الراهن ونصفه على المرتهن فما كان حصة المرتهن يبطل وما كان حصة الراهن يفدي والعبد رهن على حاله واختلافهم في جناية الرهن على المرتهن نظير اختلافهم في جنايته عند الغصب على الغاصب أنها هدر عند أبي حنيفة وعندهما معتبرة وجه قولهما أن هذه جناية وردت على عير المالك فكانت معتبرة كما إذا وردت على أجنبي وهذا لأن الأصل في الجنايات اعتبارها وسقوط الاعتبار لمكان عدم الفائدة وهنا في اعتبار هذه الجناية فائدة لأن موجبها الدفع وله فيه فائدة وهو الوصول إلى ملك العبد وإن كان فيه سقوط دينه

قسم V06/P167

ولأبي حنيفة أن هذه الجناية وردت على غير المالك لكنها وجدت في ضمان المرتهن فورودها على غير المالك إن كان يقتضي أن تكون معتبرة فوجودها في ضمان المرتهن يقتضي أن لا تعتبر لأنها توجب الفداء عليه وذلك غير ممكن لما فيه من إيجاب الضمان عليه له وأنه محال فوقع الشك والاحتمال في اعتبارها فلا تعتبر هذا إذا جنى على نفس المرتهن فأما إذا جنى على ماله فإن كانت قيمته والدين سواء وليس في قيمته فضل فجنايته هدر بالإجماع لأنه لا فائدة في اعتبار هذه الجناية إذ ليس حكمها وجوب الدفع إلى المرتهن ليملكه بل تعلق الدين برقبته فلو بيع وأخذ ثمنه لسقط دينه فلم يكن في اعتبار هذه الجناية فائدة فلا تعتبر وإن كانت قيمته أكثر من الدين فعن أبي حنيفة رحمه الله روايتان في رواية تعتبر الجناية في قدر الأمانة وفي رواية لا يثبت حكم الجناية أصلا وجه الرواية الأولى أن المانع من الاعتبار كون العبد في ضمان المرتهن وقدر الأمانة وهو الفضل على الدين ليس في ضمانه فأمكن اعتبار الجناية في ذلك القدر فلزم اعتبارها وجه الرواية الأخرى أن ذلك القدر وإن لم يكن مضمونا فهو في حكم المضمون لثبوت حكم الرهن فيه وهو الحبس فيمنع الاعتبار وأما جناية الرهن على ابن الراهن أو على ابن المرتهن فلا شك أنها معتبرة لأن المانع من الاعتبار في حق الراهن هو كون العبد مملوكا له وفي حق المرتهن كونه في ضمانه ولم يوجد شيء من ذلك هنا فكانت جنايته عليه وعلى الأجنبي سواء هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن على بني آدم وأما حكم جنايته على سائر الأموال بأن استهلك ما ( ( ( مالا ) ) ) لا ( ( ( يستغرق ) ) ) تستغرق رقبته فحكمها وحكم جناية غير الرهن سواء وهو تعلق الدين برقبته يباع فيه إلا إذا قضى الراهن أو المرتهن دينه فإذا قضاه أحدهما فالحكم فيه والحكم فيما ذكر من الفداء من جنايته على بني آدم سواء وهو أنه إن قضى المرتهن الدين بقي دينه وبقي العبد رهنا على حاله لأنه بالفداء استفرغ رقبة العبد عن الدين واستصفاها عنه فيبقى العبد رهنا بدينه كما كان لو فداه عن الجناية وإن أبى المرتهن أن يقضي وقضاه الراهن بطل دين المرتهن لما ذكرنا في الفداء من الجناية فإن امتنعا عن قضاء دينه يباع العبد بالدين ويقضي دين الغريم من ثمنه لأن دين العبد مقدم على حق المرتهن ألا ترى أنه مقدم على حق المولى فعلى حق المرتهن أولى لأنه دونه ثم إذا بيع العبد وقضى دين الغريم من ثمنه فثمنه لا يخلو إما أن يكون فيه وفاء بدين الغريم وإما إن لم يكن فيه وفاء به فإن كان فيه وفاء بدينه فدينه لا يخلو إما أن يكون مثل دين المرتهن وإما أن يكون أكثر منه وإما أن يكون أقل منه فإن كان مثله أو أكثر منه سقط دين المرتهن كله لأن العبد زال عن ملك الراهن بسبب وجد في ضمان المرتهن فصار كأنه هلك وما فضل من ثمن العبد يكون للراهن لأنه بدل ملكه لا حق لأحد فيه فيكون له خاصة وإن كان أقل منه سقط من دين المرتهن بقدره وما فضل من ثمن العبد يكون رهنا عند المرتهن بما بقي لأنه لا دين فيه فيبقي رهنا ثم إن كان الدين قد حل أخذه بدينه إن كان من جنس حقه وإن كان من خلاف جنس حقه أمسكه إلى أن يستوفي حقه وإن كان الدين لم يحل أمسكه بما بقي من دينه إلى أن يحل هذا إذا كان كل العبد مضمونا بالدين فأما إذا كان نصفه مضمونا ونصفه أمانة لا يصرف الفاضل كله إلى المرتهن بل يصرف نصفه إلى المرتهن ونصفه إلى الراهن لأن قدر الأمانة لا دين فيه فيصرف ذلك إلى الراهن وكذلك أن كان قدر المضمون منه والأمانة على التفاضل يصرف الفضل إليهما على قدر تفاوت المضمون والأمانة في ذلك لما قلنا

قسم V06/P167–V06/P168

وإن لم يكن في ثمن العبد وفاء بدين الغريم أخذ الغريم ثمنه وما بقي من دينه يتأخر إلى ما بعد العتاق ولا يرجع به على أحد لأنه لم يوجد سبب وجوب الضمان من أحد إنما وجد منه وحكمه تعلق الدين برقبته واستيفاء الدين منها فإذا لم تف رقبته بالدين يتأخر ما بقي إلى ما بعد العتق وإذا أعتق وأدى الباقي لا يرجع بما أدى على أحد لأنه وجب عليه بفعله فلا يرجع على غيره وكذلك حكم جناية ولد الرهن على سائر الأموال وحكم جناية الأم سواء في أنه يتعلق الدين برقبته كما في الأم إلا أن هنا لا يخاطب المرتهن بقضاء دين الغريم لأن سبب وجوب الدين لم يوجد في ضمان المرتهن ولأن الولد ليس بمضمون بخلاف الأم بل يخاطب الراهن بين أن يبيع الولد بالدين وبين أن يستخلفه بقضاء الدين فإن قضى الدين بقي الولد رهنا كما كان وإن بيع بالدين لا يسقط شيء من دين المرتهن لأنه ليس بمضمون بخلاف الأم هذا الذي ذكرنا حكم جناية غير الرهن على الرهن وحكم جناية الرهن على غير الرهن فأما حكم جناية الرهن على الرهن فنقول وبالله التوفيق جناية الرهن على الرهن نوعان جناية على الرهن نفسه وجناية على جنسه أما جنايته على نفسه فهي والهلاك بآفة سماوية سواء ثم ينظر إن كان العبد كله مضمونا سقط من الدين بقدر النقصان وإن كان بعضه مضمونا وبعضه أمانة سقط من الدين قدر ما انتقص من المضمون لا من الأمانة وأما جناية الرهن على نفسه فعلى ضربين أيضا جناية بني آدم على جنسه وجناية البهيمة على جنسها وعلى غير جنسها أما جناية بني آدم على جنسه بأن كان الرهن عبدين فجنى أحدهما على صاحبه فالعبدان لا يخلو إما إن كانا رهنا في صفقة واحدة وإما إن كانا رهنا في صفقتين فإن كانا رهنا في صفقة واحدة فجنى أحدهما على صاحبه فجنايته لا تخلو من أربعة أقسام جناية المشغول على المشغول وجناية المشغول على الفارغ وجناية الفارغ على الفارغ وجناية الفارغ على المشغول والكل هدر إلا واحدة وهي جناية الفارغ على المشغول فإنها معتبرة ويتحول ما في المشغول من الدين إلى الفارغ ويكون رهنا مكانه أما جناية المشغول على المشغول فلأنها لو اعتبرت إما أن تعتبر لحق المولى أعني الراهن وإما أن تعتبر لحق المرتهن والاعتبار لحق الرهن لا سبيل إليه في الفصول كلها لأن كل واحد منهما ملكه وجناية المملوك على المملوك ساقطة الاعتبار لحق المالك لأن اعتبارها في حقه لوجوب الدفع عليه أو الفداء له وإيجاب شيء على الإنسان لنفسه ممتنع ولهذا لا يجب للمولى على عبده دين ولا سبيل إلى اعتبار جناية المشغول على المشغول لحق المرتهن لأن الاعتبار لحقه يحول ما في المجني عليه من الدين إلى الجاني والجاني مشغول بدين نفسه والمشغول بنفسه لا يشتغل بغيره وكذلك جناية المشغول على الفارغ لما قلنا وأما جناية الفارغ على الفارغ فلأنه لا دين للفارغ ليتحول إلى الجاني فلا يفيد اعتبارها في حقه وأما جناية الفارغ على المشغول فممكن الاعتبار لحق يتحول ما فيه من الدين إلى الفارغ وبيان هذه الجملة في مسائل إذا كان الدين ألفين والرهن عبدين يساوي كل واحد منهما ألفا فقتل أحدهما صاحبه أو جنى عليه جناية فيما دون النفس مما قل أرشها أو كثر فجنايته هدر ويسقط الدين الذي كان في المجني عليه بقدره ولا يتحول قدر ما سقط إلى الجاني لأن كل واحد منهما مشغول كله بالدين وجناية المشغول على المشغول هدر فجعل كأن المجني عليه هلك بآفة سماوية

قسم V06/P168–V06/P169

ولو كان الدين ألفا فقتل أحدهما صاحبه فلا دفع ولا فداء وكان القاتل رهنا بسبعمائة وخمسين لأن في كل واحد منهما من الدين خمسمائة فكان نصف كل واحد منهما فارغا ونصفه مشغولا فإذا قتل أحدهما صاحبه فقد جنى كل واحد من نصفي القاتل على النصف المشغول والنصف الفارغ من المجني عليه وجناية قدر المشغول على المشغول وقدر المشغول على الفارغ وقدر الفارغ على الفارغ هدر لما بينا فيسقط ما كان فيه شيء من الدين ولا يتحول إلى الجاني وجناية قدر الفارغ على قدر المشغول معتبرة فيتحول قدر ما كان فيه إلى الجاني وذلك مائتان وخمسون وقد كان في الجاني خمسماية ( ( ( خمسمائة ) ) ) فيبقي رهنا بسبعمائة وخمسين ولو فقأ أحدهما عين صاحبه تحول نصف ما كان من الدين في العين إلى الباقي فيصير الباقي رهنا بستمائة وخمسة وعشرين وبقي المفقوء عينه رهنا بمائتين وخمسين لأن العبد الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) جنى على نصف العبد الآخر لأن العين من الآدمي نصفه إلا أن ذلك النصف نصفه مشغول بالدين ونصفه فارغ من الدين والفاقىء ( ( ( والفاقئ ) ) ) جنى على النصف المشغول والفارغ جميعا والفاقىء ( ( ( والفاقئ ) ) ) نصفه مشغول ونصفه فارغ إلا أن جناية المشغول على قدر المشغول والفارغ وجناية الفارغ على قدر الفارغ والمشغول فقدر جناية الفارغ على قدر المشغول معتبرة فيتحول قدر ما كان في المشغول من الدين إلى الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) وذلك مائة وخمسة وعشرون وقد كان في الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) خمسمائة فيصير الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) رهنا بستمائة وخمسة وعشرين ويبقى المفقوء عينه رهنا بمائتين وخمسين لانعدام ورود الجناية على ذلك النصف والله عز وجل أعلم وإن كان العبدان رهنا في صفقتين فإن كان فيهما فضل على الدين بأن كان الدين ألفا وقدر كل واحد منهما ألفا فقتل أحدهما الآخر تعتبر الجناية رهنا بخلاف الفصل الأول لأن الصفقة إذا تفرقت صارت بمنزلة ما لو رهن كل واحد منهما رجلا على حدة فجنى أحدهما على الآخر وهناك يثبت حكم الجناية كذا ههنا بخلاف ما إذا اتحدت الصفقة وإذا اعتبرت الجناية هنا يخير الراهن والمرتهن فإن شاءا جعلا القاتل مكان المقتول فيبطل ما كان في القاتل ( ( ( القتل ) ) ) من الدين وإن شاءا فديا القاتل بقيمة المقتول ويكون رهنا مكان المقتول والقاتل رهن على حاله وإن لم يكن فيهما فضل على الدين بأن كان الدين ألفين وقيمة كل واحد منهما ألفا فقتل أحدهما الآخر فإن دفعاه في الجناية قام المدفوع مقام المقتول ويبطل الدين الذي كان في القاتل وإن قالا نفدي فالفداء كله على المرتهن بخلاف الفصل الأول لأن هناك كل واحد منهما ليس بمضمون كل ( ( ( كله ) ) ) بل بعضه وهنا كل واحد منهما مضمون كله فإذا حل الدين دفع الراهن ألفا وأخذ عبده وكانت الألف الأخرى قصاصا بهذه الألف إذا كان مثله ولو فقأ أحدهما عين الآخر قيل لهما ادفعاه أو افدياه فإن دفعاه بطل ما كان فيه من الدين وإن فدياه كان الفداء عليهما نصفين وكان الفداء رهنا مع المفقوء عينه لأن الجناية معتبرة لما ذكرنا فصار كعبد الرهن إذا جنى على عبد أجنبي فإن قال المرتهن أنا لا أفدي ولكني أدع الرهن على حاله فله ذلك وكان الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) رهنا مكانه على حاله وقد ذهب نصف ما كان في المفقوء من الدين لأن اعتبار الجناية إنما كان لحق المرتهن لا لحق الراهن فإذا رضي المرتهن بهدر الجناية صار هدرا وإن قال الراهن أنا أفدي وقال المرتهن لا أفدي كان للراهن أن يفديه وهذا إذا طلب المرتهن حكم الجناية لأنه إذا طلب حكم الجناية فحكمها التخيير وإن أبى الراهن الفداء

قسم V06/P169–V06/P170

وقال المرتهن أنا أفدي والراهن حاضر أو غائب فهو على ما بينا في العبد الواحد وأما جناية البهيمة على جنسها فهي هدر لما روي عن النبي أنه قال جرح العجماء جبار أي هدر والعجماء البهيمة والجناية إذا هدرت سقط اعتبارها وصار الهلاك بها والهلاك بآفة سماوية سواء وكذلك جنايتها على خلاف جنسها هدر لعموم الحديث وأما جناية بني آدم عليها فحكمها وحكم جنايته على سائر الأموال سواء وقد بينا ذلك فصل وأما بيان ما يخرج به المرهون عن كونه مرهونا ويبطل به عقد الرهن وما لا يخرج ولا يبطل فنقول وبالله التوفيق يخرج المرهون عن كونه مرهونا ويبطل الرهن بالإقالة لأنها فسخ العقد ونقضه والشيء لا يبقى مع ما ينقضه إلا أنه لا يبطله بنفس الإقالة من العاقدين ما لم يرد المرتهن الرهن على الراهن بعد الإقالة حتى كان للمرتهن حبسه بعد الإقالة لأن العقد لا ينعقد في الحكم بدون القبض فلا يتم فسخه بدون فسخه أيضا وفسخه بالرد وعلى هذا يخرج ما إذا رهن عبدا يساوي ألفا بألف فقبضه المرتهن ثم جاء الراهن بجارية وقال للمرتهن خذها مكان الأولى ورد العبد إلي لا شك أن هذا جائز لأن هذا إقالة العقد في الأول وإنشاء العقد في الثاني وهما يملكان ذلك إلا أنه لا يخرج الأول عن ضمان الرهن إلا بالرد على الراهن حتى لو هلك في يده قبل الرد يهلك بالدين لما ذكرنا أن القبض في هذا الباب يجري مجرى الركن حتى لا يثبت الضمان بدونه فلا يتم الفسخ بدون نقض القبض وكذا لا يدخل الثاني في الضمان إلا برد الأول حتى لو هلك الثاني في يده قبل رد الأول يهلك ( ( ( ويهلك ) ) ) أمانة لأن الراهن لم يرض برهنيتهما على الجميع وإنما رضي برهن أحدهما حيث رهن الثاني وطلب رد الأول والأول كان مضمونا بالقبض فما لم يخرج عن كونه مضونا ( ( ( مضمونا ) ) ) ببعض القبض فيه لا يدخل الثاني في الضمان ولو هلكا جميعا في يد المرتهن فسقط الدين بهلاك العبد وهلكت الجارية بغير شيء لأنها أمانة هلكت في يده فتهلك هلاك الأمانات ولو قبض الراهن العبد وسلم الجارية خرج عن الضمان لأنه خرج عن كونه مرهونا وصارت الجارية مضمونة حتى لو هلكت تهلك بالدين لأنه رهنها بالدين الذي كان العبد مرهونا به والعبد كان مضمونا بذلك الدين فكذا الجارية فإن كانت قيمة العبد خمسمائة وهو رهن بألف وقيمة الجارية ألف فهلكت تهلك بالألف لأنه رهن الجارية بعقد على حدة فكانت رهنا ابتداء إلا أن شرط كونه مضمونا رد الأول لأنه لم يرض برهنهما جميعا إلا أن يكون الثاني بدل الأول بل هو مقصود بنفسه في كونه رهنا فكان المضمون قدر قيمته لا قدر قيمة الأول ولو كان العبد يساوي ألفا والجارية تساوي خمسمائة فرد العبد على الراهن وقبض الجارية فهي رهن بالألف ولكنها إن هلكت تهلك بخمسمائة لما ذكرنا أن الثاني أصل بنفسه لكونه مرهونا بعقد على حدة فيعتبر في الضمان قدر قيمته ولا يخرج باستيفاء الدين حتى لو هلك في يد المرتهن بعد ما استوفى دينه فعليه رد ما استوفى ويخرج بالإبراء عن الدين عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله ويبطل الرهن خلافا لزفر والمسألة مرت في مواضع أخر من هذا الكتاب ولا يخرج بالإعارة ويخرج بالإجارة بأن أجره الراهن من أجنبي بإذن المرتهن أو المرتهن بإذن الراهن أو استأجره المرتهن ويبطل الرهن وقد ذكرنا الفرق بينهما فيما تقدم ويخرج بالكتابة والهبة والصدقة إذا فعل أحدهما بإذن صاحبه ويخرج بالبيع بأن باعه الراهن أو المرتهن بإذن الراهن أو باعه العدل لأن ملك المرهون قد زال بالبيع ولكن لا يبطل الرهن لأنه زال إلى خلف وهو الثمن فبقي العقد عليه وكذا في كل موضع خرج واختلف بدلا ويخرج بالإعتاق إذا كان المعتق موسرا بالإنفاق وإن كان معسرا فكذلك عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يخرج بناء على أن الاعتاق نافذ عندنا وعنده لا ينفذ

قسم V06/P170–V06/P171

وجه قوله أن هذا إعتاق تضمن إبطال حق المرتهن ولا شك أنه تضمن إبطال حقه لأن حقه متعلق بالرهن ويبطل بالإعتاق وعصمة حقه تمنع من الإبطال ولهذا لا ينفذ البيع كذا الإعتاق بخلاف ما إذا كان الراهن موسرا لأن هناك لم يوجد الإبطال لأنه يمكنه الوصول إلى دينه للحال من جهة الراهن ولنا أن إعتاقه صادف موقوفا هو مملوكه رقبة فينفذ كإعتاقه الآبق والمستأجر ودلالة الوصف ظاهر لأن المرهون مملوك للراهن عينا ورقبة إن لم يكن مملوكا يدا وحبسا وملك الرقبة يكفي لنفاذ الإعتاق كما في اعتاق العبد المستأجر والآبق وقوله يبطل حق المرتهن قلنا نعم لكن ضرورة بطلان ملك الراهن وذا لا يمنع النفاذ كما في موضع الإجماع مع ما أن الثابت للراهن حقيقة الملك والثابت المرتهن ( ( ( للمرتهن ) ) ) حق الحبس ولا شك أن اعتبار الحقيقة أولى لأنها أقوى بخلاف البيع لأن نفاذه يعتمد قيام ملك الرقبة واليد جميعا لأن القدرة على تسليم المبيع شرط نفاذه ولم يوجد في المرهون لأنه في يد المرتهن فإذا نفذ إعتاقه خرج العبد عن أن يكون مرهونا لأنه صار حرا من كل وجه والحر من وجه وهو المدبر لا يصلح للرهن فالحر من كل وجه أولى ولهذا لم يصلح رهنا في حالة الابتداء فكذا في حالة البقاء ثم ينظر إن كان الراهن موسرا والدين حال يجبر الراهن على قضائه لأنه لا معنى لإيجاب الضمان وكذلك إن كان الدين مؤجلا وقد حل الأجل وإن كان لم يحل غرم الراهن قيمة العبد وأخذه المرتهن رضا مكانه ولا سعاية على العبد أما وجوب الضمان على الراهن فلأنه أبطل على المرتهن حقه حقا قويا هو في معنى الملك أو هو ملكه من وجه لصيرورته مستوفيا دينه من ماليته من وجه فجاز أن يكون مضمونا بالإتلاف وأما كونه رهنا فلأنه بدل العبد وفي الحقيقة بدل ماليته فيقوم مقامه وإذا حل الأجل ينظر إن كانت القيمة من جنس الدين يستوفي منها دينه فإن كانت قيمته أكثر من الدين رد الفضل على الراهن وإن كانت قيمته أقل من الدين يرجع بفضل الدين على الراهن وإن كانت قيمته من خلاف جنس الدين حبسها بالدين حتى يستوفي دينه وأما عدم وجوب السعاية على العبد فلأنه لم يوجد منه بسبب وجوب الضمان وهو الإتلاف لأن الإتلاف وجد من الراهن لا من العبد ومؤاخذة الإنسان بالضمان من غير مباشرة سبب منه خلاف الأصل وكذلك لو كان الراهن موسرا وقت الإعتاق ثم أعسر بعد ذلك لأن العبرة لوقت الإعتاق لأنه وقت مباشرة سبب وجوب الضمان وإن كان معسرا فللمرتهن أن يرجع بدينه على الراهن إن شاء وإن شاء استسعى العبد في الأقل من قيمته ومن الدين ويعتبر في العبد أيضا أقل قيمته وقت الرهن ووقت الإعتاق ويسعى في الأقل منهما ومن الدين حتى لو كان الدين ألفين وقيمة العبد وقت الرهن ألفا فازدادت قيمته في يد المرتهن حتى صارت تساوي ألفين ثم أعتقه الراهن وهو معسر سعى العبد في ألف قدر قيمته وقت الرهن ولو انتقصت قيمته حتى صار يساوي خمسمائة سعى في خمسمائة قدر قيمته وقت الإعتاق

قسم V06/P171

أما اختيار الرجوع على الراهن فلأنه أبطل حقه بالإعتاق وأما ولاية استسعاء العبد فلأن بالرهن صارت مالية هذا العبد مملوكة للمرتهن من وجه لأنه صار مستوفيا لدينه من ماليته فإذا أعتقه الراهن فقد صارت هذه المالية محتبسة عند العبد فوصلت إلى العبد بالإتلاف مالية مشغولة بحق المرتهن فكان للمرتهن أن يستخرجها منه ولا يمكنه ذلك إلا باستسعاء العبد فله أن يستسعيه بخلاف حالة اليسار لأن الدين في الحقيقة على الراهن وإنما العبد جعل محلا لاستيفاء الدين منه عند تعذر الاستيفاء من الراهن على ما هو موضوع الرهن في الشرع أن الراهن يؤمر بقضاء الدين وعند التعذر يستوفى من الرهن كما قبل قبل الإعتاق والتعذر عند إعسار الراهن لا عند يساره فيسعى في حال الإعسار لا في حال اليسار وبخلاف العبد المشتري قبل القبض إذا أعتقه المشتري وهو مفلس لا يكون للبائع ولاية استسعاء العبد بقدر الثمن وإن كان محبوسا قبل التسليم بالثمن كالمرهون محبوس بالدين لأن العبد بنفس البيع خرج عن ملك البائع من كل وجه فلم يوجد احتباس مالية مملوكة للبائع عند العبد وإنما للبائع مجرد حق الحبس فإذا خرج عن محلية الحبس بالإعتاق بطل حق الحبس أصلا وبقي حقه في مطالبة المشتري بالثمن فحسب أما ههنا فبخلافه وأما السعاية في الأقل من قيمته ومن الدين فلما ذكرنا أن الاستسعاء لمكان ضرورة المالية المملوكة للمرتهن من وجه محتبسة عند العبد فتقدر السعاية بقدر الاحتباس ثم إذا سعى العبد يرجع بما سعى على الراهن لأنه قضى دين الراهن من خالص ملكه على وجه الاضطرار لأن الشرع أوجب عليه السعاية والقاضي ألزمه ومن قضى دين غيره مضطرا من مال نفسه لا يكون متبرعا ويرجع عليه كالوارث إذا قضى دين الميت من مال نفسه أنه يرجع على التركة كذا هذا فإن بقي بعد السعاية شيء من الدين رجع المرتهن بذلك على الراهن ولو نقص العبد في السعر قبل الإعتاق بأن كان الدين ألفا وقيمة العبد وقت الرهن ألفا فنقص في السعر حتى عادت قيمته إلى خمسمائة ثم أعتقه الراهن وهو معسر سعى في قدر قيمته وقت الاعتاق وهو خمسمائة فللمرتهن أن يرجع على الراهن بخمسمائة أخرى لأنه لم يصل إليه من حقه إلا قدر خمسمائة فله أن يرجع عليه بالباقي ولو لم ينقص العبد في السعر ولكنه قتله عبد يساوي مائة درهم فدفع مكانه فأعتقه الراهن وهو معسر يسعى في قيمته مائة درهم ويرجع بذلك على الراهن ويرجع المرتهن على الراهن بتسعمائة لأنه لما دفع به فقد قام مقام الأول لحما ودما فصار رهنا بجميع المال كان الأول قائم وتراجع سعره إلى مائة فأعتقه الراهن وهو معسر ولو كان كذلك لسعى في قيمته وقت الإعتاق مائة درهم ويرجع بذلك على الراهن وكان للمرتهن أن يرجع ببقية دينه على الراهن كذا هذا ولو كان الرهن جارية تساوي ألفا بألف فولدت ولدا يساوي ألفا فأعتقها المولى وهو معسر سعيا في ألف لأن الضمان فيهما ألف ولو لم تلد ولكن قتلها عبد قيمته ألفان فدفع بها ثم أعتقه المولى سعى في ألف درهم لأنه كان مضمونا بهذا القدر لقيامه مقام المقتولة لحما ودما وهي كانت مضمونة بهذا القدر كذا هذا ولو قال المولى لعبده رهنتك عند فلان وكذبه العبد ثم أعتقه المولى وهو معسر فالقول قول المولى ولزمه السعاية عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وقال زفر رحمه الله القول قول العبد ولا سعاية عليه وجه قوله أن المولى بهذا الإقرار يريد إلزام السعاية على العبد وقوله في إلزام السعاية عليه غير مقبول كما لو أقر عليه بذلك بعد الإعتاق

قسم V06/P171–V06/P172

ولنا أنه أقر بما يملك إنشاءه عليه للحال لثبوت الولاية له عليه للحال لوجود سبب الولاية وهو الملك فيصح ولا يلتفت إلى تكذيب العبد بخلاف ما بعد الإعتاق لأنه هناك أقر بما لا يملك للحال إنشاءه لزوال ملك الولاية بالإعتاق هذا إذا أعتقه فأما إذا دبره فيجوز تدبيره ويخرج عن كونه رهنا أما جواز التدبير فلأنه يقف على قيام ملك الرقبة لجواز الإعتاق وملك الرقبة قائم بعد الرهن وأما خروجه عن الرهن فلأن المدبر لا يصلح رهنا لأن كون المرهون مالا مطلقا شرط جواز الرهن على ما بينا فيما تقدم وبالتدبير خرج من أن يكون مالا مطلقا فيخرج عن كونه رهنا ولهذا لم يصلح رهنا ابتداء فكذا في حالة البقاء وهل يسعى للمرتهن لا خلاف في أن الراهن إذا كان معسرا يسعى وأما إذا كان موسرا ذكر الكرخي رحمه الله أنه يسعى وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يسعى وسوى بين المرتهن وبين الإعتاق وهو أن الدين إن كان حالا أخذ المرتهن جميع دينه من الراهن وإن كان مؤجلا أخذ قيمة العبد من الراهن ويكون رهنا مكانه كما في الإعتاق وجه ما ذكره الكرخي أن الدين على المولى وكسب المدبر ملك المولى لأنه بالتدبير لم يخرج عن ملك المولى فكانت سعاية مال المولى فكان صرف السعاية إلى المرتهن قضاء دين المولى من مال المولى فيستوي فيه حال الإعسار واليسار بخلاف كسب المعتق لأنه كسب الحر من كل وجه وكسب الحر من كل وجه ملكه فكانت السعاية ملكه والأصل أن لا يؤمر الإنسان بقضاء دين غيره من مال نفسه إلا عند العجز ( ( ( العجر ) ) ) عن القضاء بنفسه فيتقيد بحال العجز وهي حالة الإعسار وجه ما ذكره القاضي أن السعاية وإن كانت ملك المولى لكن لا صنع للعبد في الكتابة بسبب وجوبها إذ لا صنع له في التدبير بل هو فعل المولى ومهما أمكن إيجاب الضمان على من وجد منه مباشرة بسبب وجوبه كان أولى من إيجابه على من لا صنع فيه أصلا ورأسا فإذا كان المولى معسرا كان الإمكان ثابتا فلا معنى لإيجاب السعاية على العبد ثم إذا سعى في حالة الإعسار يسعى في جميع الدين بالغا ما بلغ لأن السعاية مال المولى فكان الاستسعاء من المرتهن استيفاء الدين من مال المولى فكان له أن يستوفيه بتمامه سواء كان الدين حالا أو مؤجلا لما قلنا وقيل إن كان الدين حالا فكذلك فأما إذا كان مؤجلا فلا يسعى إلا في قدر قيمته ويكون رهنا مكانه وهكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ووجه الفرق على هذا القول أن الدين إذا كان حالا كان واجب القضاء للحال على سبيل التضييق وهذا مال المولى فيقضي منه دينه على الكمال وإذا كان مؤجلا لا يجب قضاؤه للحال أصلا ولا يجب على سبيل التضييق إلا أن الراهن بالتدبير فوت حق المرتهن فتجب إعادة حقه إليه بعوض يقوم مقامه جبرا للفائت فيتقدر الجائز بقدر الفائت فيستسعيه بقدر قيمته ويكون رهنا مكانه ولا يرجع المدبر بما يسعى على الراهن بخلاف المعتق فوقع الفرق بين التدبير والإعتاق في موضعين أحدهما أن المدبر يسعى في جميع الدين بالغا ما بلغ ولا ينظر إلى القيمة والمعتق يسعى في الأقل من قيمته ومن الدين

قسم V06/P172–V06/P173

والثاني أن المدبر لا يرجع بما يسعى على المولى والمعتق يرجع والفرق بينهما يرجع إلى حرف واحد وهو أن سعاية المدبر ملك مولاه لكون المدبر ملكه إذ الفائت بالتدبير ليس إلا منفعة البيع فكان الاستسعاء استيفاء الدين من مال المولى فله أن يستوفيه على التمام والكمال ولا يرجع بما يسعى على المولى لأنه قضى دين المولى من مال المولى فكيف يرجع عليه بخلاف المعتق لأن سعاية ملكه على الخصوص لأنه حر خالص إلا أنه لزمته السعاية لاستخراج ملك المرتهن من وجه المحتبس عنده وهو مال فتتقدر السعاية بقدر الاحتباس ويرجع بالسعاية على المولى إذا كان معسرا لأنه قضى دينا واجبا عليه من مال نفسه مضطرا فيملك الرجوع في الشرع على ما بينا بخلاف المدبر والله أعلم وعلى ما ذكره الكرخي رحمه يقع الفرق بينهما في موضع ثالث أيضا وهو أن المدبر يسعى مع إيسار المولى والمعتق لا يسعى مع إيساره وقد بينا وجه ذلك فيما تقدم هذا إذا أعتق أو دبر فأما إذا استولد بأن كان الرهن جارية فحبلت عند المرتهن فادعاه الراهن فدعواه لا يخلو أما إن كانت قبل وضع الحمل وإما إن كانت بعده فإن كانت قبل وضع الحمل صحت دعوته ويثبت نسب الولد منه وصارت الجارية أم ولد له وخرجت عن الرهن أما صحة الدعوة فلأن الجارية ملكه من كل وجه والملك من وجه يكفي لصحة الدعوة فالملك من كل وجه أولى وثبوت النسب حكم صحة الدعوة وصيرورة الجارية أم ولد له حكم ثبوت النسب وخروج الجارية عن الرهن حكم الاستيلاد وهو صيرورتها أم ولد له لأن أم الولد لا تصلح للرهن ألا ترى أنها لا تصلح رهنا ابتداء فكذا في حال البقاء ولا سعاية على الولد لأنه صار حرا قبل الولادة فلم يدخل في الرهن فلا يثبت حكم الرهن فيه وأما الجارية فحكمها حكم العبد المرهون إذا دبره الراهن وقد بينا ذلك كله وإن كانت الجارية وضعت الحمل ثم ادعى الراهن الولد صحت دعوته وثبت النسب وصار حرا وصارت الجارية أم ولد له وخرجت من الرهن لما ذكرنا في الفصل الأول إلا أن هنا صار الولد حرا بعدما دخل في الرهن وصارت له حصة من الرهن فيقسم الدين عليهما على قدر قيمتهما إلا أن قيمة الجارية تعتبر يوم الرهن وقيمة الولد تعتبر يوم الدعوة فيكون حكم الجارية في حصتها من الدين حكم المدبر في جميع الدين وقد ذكرنا ذلك وحكم الولد في حصته من الدين حكم المعتق في جميع ما ذكرنا وقد بينا ذلك إلا أن هناك ينظر إلى ثلاثة أشياء إلى قيمة العبد وقت الرهن وإلى قيمته وقت الإعتاق وإلى الدين فيسعى في الأقل من الأشياء الثلاثة وهنا ينظر فقط إلى قيمة الولد وقت الدعوة وإلى حصته من الدين فيسعى في أقلهما إذا كان الراهن معسرا ويرجع بما سعى عليه فصل وأما حكم اختلاف الراهن والمرتهن والعدل فنقول وبالله التوفيق إذا كان الدين ألف درهم فاختلف الراهن والمرتهن في قدر المرهون به فقال الراهن إنه رهن بخمسمائة وقال المرتهن بألف فالقول قول الراهن مع يمينه لأن المرتهن يدعي على الراهن زيادة ضمان وهو ينكر فكان القول قوله ولو أقاما البينة فالبينة بينة المرتهن لأنها تثبت زيادة ضمان ولو قال الراهن رهنته بجميع الدين الذي لك علي وهو ألف والرهن يساوي ألفا وقال المرتهن ارتهنته بخمسمائة والرهن قائم فقد روي عن أبي حنيفة أن القول قول الراهن ويتحالفان ويترادان لأنهما اختلفا في قدر ما وقع عليه العقد وهو المرهون به فأشبه اختلاف البائع والمشتري في مقدار الثمن وهناك يتحالفان ويترادان كذا هنا فإن هلك الرهن قبل أن يتحالفا كان كما قال المرتهن لأن الراهن يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر وإن إتفقا على أن الرهن كان بألف واختلفا في قيمة الجارية فالقول قول المرتهن لأن الراهن يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر ولهذا كان القول قول الغاصب في مقدار الضمان فكذا هذا

قسم V06/P173–V06/P174

ولو أقاما البينة فالبينة بينة الراهن لأنها تثبت زيادة ضمان وكذلك لو كان الرهن ثوبين هلك أحدهما فاختلفا في قيمة الهالك إن القول قول المرتهن في قيمة الهالك والبينة بينة الراهن في زيادة القيمة لما قلنا وكذلك لو اختلفا في قدر الرهن فقال المرتهن رهنتني هذين الثوبين بألف درهم وقال الراهن رهنت أحدهما بعينه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لأنهما اختلفا في قد ( ( ( قدر ) ) ) المعقود عليه وأنه يوجب التحالف كما في باب البيع ولو أقاما البينة فالبينة بينة المرتهن هكذا ذكر في الأصل لأنها تثبت زيادة ضمان ولو قال الراهن للمرتهن هلك الرهن في يدك وقال المرتهن قبضته من ( ( ( مني ) ) ) بعد الرهن فهلك في يدك فالقول قول الراهن لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان والمرتهن يدعي البراءة والراهن ينكر فكان القول قوله ولو أقاما ( ( ( أقام ) ) ) البينة فالبينة بينته أيضا لأنها تثبت استيفاء الدين وبينة المرتهن تنفي ذلك فالمثبتة أولى ولو قال المرتهن هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه فالقول قوله لأن الراهن يدعي دخوله في الضمان وهو ينكر ولو أقاما البينة فالبينة بينة الراهن لأنها تثبت الضمان ولو كان الرهن عبدا فاعور فاختلفا فقال الراهن كانت القيمة يوم الرهن ألفا فذهب بالاعورار النصف خمسمائة وقال المرتهن لا بل كانت قيمته يوم الرهن خمسمائة وإنما ازداد بعد ذلك فإنما ذهب من حقي الربع مائتان وخمسون فالقول قول الراهن لأنه يستدل بالحال على الماضي فكان الظاهر شاهدا له وإن أقاما البينة فالبينة بينته أيضا لأنها تثبت زيادة ضمان فكانت أولى بالقبول ولو كان الدين مائة والرهن في يد عدل فباعه فاختلفا فقال الراهن باعه بمائة وقال المرتهن بخمسين ودفع إلي وصدق العدل الراهن فالقول قول المرتهن مع يمينه لأن المرهون خرج عن كونه مضمونا بنفسه بخروجه عن كونه رهنا بالمبيع وتحول الضمان إلى الثمن فالراهن يدعي تحول زيادة ضمان وهو ينكر فكان القول قوله كماإذا اختلفا في مقدار قيمة الرهن بعد هلاكه ولو أقاما البينة فالبينة بينة الراهن لأنها تثبت زيادة ضمان وبينة المرتهن تنفي تلك الزيادة فالمثبتة أولى لأن اتفاقهما على الرهن اتفاق منهما على الدخول في الضمان فالمرتهن بدعوى البيع يدعي خروجه عن الضمان وتحول الضمان إلى الثمن والراهن ينكر فكان القول قوله مع يمينه وكذلك قال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا كان الرهن مثل الدين في القيمة والمرتهن مسلط على بيعه بأن ادعى أنه باعه بمثل الثمن وهو ألف فالقول قوله وإن قال بعته بتسعمائة لم يقبل قوله فصار كأنه ضاع ولا يرجع على الراهن بالنقصان إلى أن تجيء بينته أو يصدقه لما ذكرنا أنه كان مضمونا فلا يقبل قوله في انتقال الضمان وكذلك العدل إذا قال بعت بتسعمائة ولا يعلم إلا بقوله لم يكن على العدل إلا تسعمائة ويكون الراهن راهنا بمافيه ولا يرجع المرتهن على الراهن بالمائة الفاضلة لأن قول العبد ( ( ( العدل ) ) ) مقبول في براءة نفسه غير مقبول في إسقاط الضمان عن بعض ما تعلق به ولا في الرجوع على الراهن وذكر في الأصل إذا كان المرتهن مسلطا على البيع فأقام بينة أنه باعه بتسعة وأقام الراهن بينة أنه مات في يد المرتهن أخذ ببينة المرتهن وقال أبو يوسف يؤخذ ببينة الراهن وجه قوله أن بينة الراهن تثبت زيادة ضمان بنفيها بينة المرتهن فكانت المثبتة أولى وجه رواية الأصل أن بينة المرتهن تثبت أمرا لم يكن وهو تحول الضمان من العين إلى الثمن وبينة الراهن تقرر ضمانا كان ثابتا قبل الموت فكانت المثبتة أولى والله تعالى أعلم كتاب المزارعة

قسم V06/P174–V06/P175

الكلام في هذا الكتاب في مواضع في معنى المزارعة لغة وشرعا وفي بيان شرعيتها وفي بيان ركن المزارعة وفي بيان الشرائط المصححة للركن على قول من يجيز المزارعة والشرائط المفسدة لها وفي بيان حكم المزارعة الصحيحة وفي بيان حكم المزارعة الفاسدة وفي بيان المعاني التي هي عذر في فسخ المزارعة وفي بيان الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجودها وفي بيان حكم المزارعة المنفسخة أما الأول فالمزارعة في اللغة مفاعلة من الزرع وهو الإنبات والإنبات المضاف إلى العبد مباشرة فعل أجرى الله سبحانه وتعالى العادة بحصول النبات عقيبه لا بتخليقه وإيجاده وفي عرف الشرع عبارة عن العقد على المزارعة ببعض الخارج بشرائطه الموضوعة له شرعا فإن قيل المزارعة من باب المفاعلة فيقتضي وجود الفعل من اثنين كالمقابلة والمضاربة ونحوهما وفعل الزرع يوجد من العامل دون غيره بدليل أنه يسمى هو مزارعا دون رب الأرض والبذر ومن لا عمل من جهته فكيف يسمى هذا العقد مزارعة فالجواب عنه من وجهين أحدهما إن المفاعلة جاز أن تستعمل فيما لا يوجد الفعل إلا من واحد كالمداواة والمعالجة وإن كان الفعل لا يوجد إلا من الطبيب والمعالج وقال الله تعالى عز شأنه قاتلهم الله أنى يؤفكون ولا أحد يقصد مقاتلة الله عز شأنه فكذلك المزارعة جاز أن تكون كذلك والثاني إن كان أصل الباب ما ذكر فقد وجد الفعل هنا من اثنين لأن المزارعة مفاعلة من الزرع والزرع هو الإنبات لغة وشرعا والإنبات المتصور من العبد هو التسبيب لحصول النبات وفعل التسبيب يوجد من كل واحد منهما إلا أن التسبيب من أحدهما بالعمل ومن الآخر بالتمكين من العمل بإعطاء الآلات والأسباب التي لا يحصل العمل بدونها عادة فكان كل واحد منهما مزارعا حقيقة لوجود فعل الزرع منه بطريق التسبيب إلا أنه اختص العامل بهذا الاسم في العرف ومثل هذا جائز كاسم الدابة ونحوه على ما عرف في أصول الفقه فصل وأما شرعية المزارعة فقد اختلف فيها قال أبو حنيفة عليه الرحمة إنها غير مشروعة وبه أخذ الشافعي رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنها مشروعة وجه قولهما ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع نخل خيبر معاملة وأرضها مزارعة وأدنى درجات فعله عليه الصلاة والسلام الجواز وكذا هي شريعة متوارثة لتعامل السلف والخلف ذلك من غير إنكار وجه قول أبي حنيفة أن عقد المزارعة استئجار ببعض الخارج وأنه منهي بالنص والمعقول أما النص فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرافع بن خديج في حائط لا تستأجره بشيء منه وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قفيز الطحان والاستئجار ببعض الخارج في معناه والمنهي غير مشروع وأما المعقول فهو أن الاستئجار ببعض الخارج من النصف والثلث والربع ونحوه استئجار ببدل مجهول وأنه لا يجوز كما في الإجارة وبه تبين أن حديث خيبر محمول على الجزية دون المزارعة صيانة لدلائل الشرع عن التناقض والدليل على أنه لا يمكن حمله على المزارعة أنه عليه الصلاة والسلام قال فيه أقركم ما أقركم الله وهذا منه عليه الصلاة والسلام تجهيل المدة وجهالة المدة تمنع صحة المزارعة بلا خلاف بقي ترك الإنكار على التعامل وذا يحتمل أن يكون للجواز ويحتمل أن يكون لكونه محل الاجتهاد فلا يدل على الجواز مع الاحتمال فصل وأما ركن المزارعة فهو الإيجاب والقبول وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل دفعت إليك هذه الأرض مزراعة ( ( ( مزارعة ) ) ) بكذا ويقول العامل قبلت أو رضيت أو ما يدل على قبوله ورضاه فإذا وجدا تم العقد بينهما فصل وأما الشرائط فهي في الأصل نوعان شرائط مصححة للعقد على قول من يجيز المزارعة وشرائط مفسدة له أما المصححة فأنواع بعضها يرجع إلى المزارع وبعضها يرجع إلى الزرع وبعضها يرجع إلى ما عقد عليه المزارعة وبعضها يرجع إلى الآلة للمزارعة وبعضها إلى الخارج وبعضها يرجع إلى المزروع فيه وبعضها يرجع إلى مدة المزارعة

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 101 · Qur'an & Sunnah