Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V06/P175

أما الذي يرجع إلى المزارع فنوعان الأول أن يكون عاقلا فلا تصح مزارعة المجنون والصبي الذي لا يعقل المزارعة دفعا واحدا لأن العقل شرط أهلية التصرفات وأما البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة حتى تجوز مزارعة الصبي المأذون دفعا واحدا لأن المزارعة استئجار ببعض الخارج والصبي المأذون يملك الإجارة لأنها تجارة فيملك المزارعة وكذلك الحرية ليست بشرط لصحة المزارعة فتصح المزارعة من العبد المأذون دفعا واحدا لما ذكرنا في الصبي المأذون والثاني أن لا يكون مرتدا على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله في قياس قول من أجاز المزارعة فلا تنفذ مزارعته للحال بل هي موقوفة وعندهما هذا ليس بشرط لجواز المزارعة ومزارعة المرتد نافذة للحال بيان ذلك أنه إذا دفع المرتد أرضا إلى رجل مزارعة بالنصف أو بالثلث أو بالربع فعمل الرجل وأخرجت الأرض زرعا ثم قتل المرتد أو مات على الردة أو لحق بدار الحرب وقضي بلحاقه بدار الحرب فهذا على وجهين إما إن دفع الأرض والبذر جميعا مزارعة أو دفع الأرض دون البذر فإن دفعهما جميعا مزارعة فالخارج كله للمزارع ولا شيء لورثة المرتد لأن مزارعته كانت موقوفة فإذا مات أو لحق بدار الحرب تبين أنه لم يصح أصلا فصار كأن العامل زرع أرضه ببذر مغصوب ومن غصب من آخر حبا وبذر به أرضه فأخرجت كان الخارج له دون صاحب البذر وعلى العامل مثل ذلك البذر لأنه مغصوب استهلكه وله مثله فيلزمه مثله ثم ينظر إن كانت الأرض نقصتها المزارعة فعليه ضمان النقصان لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه فيجب عليه الضمان ويتصدق بما وراء قدر البذر ونقصان الأرض لأنه حصل بسبب خبيث فكان سبيله التصدق وإن كانت لم ينقصها المزارعة فلا ضمان عليه لانعدام الإتلاف وإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط سواء أسلم قبل أن يستحصد الزرع أو بعدما استحصد لأنه لما أسلم تبين أن المزراعة ( ( ( المزارعة ) ) ) وقعت صحيحة وعند أبي يوسف ومحمد الخارج على الشرط كيف ما كان لأن تصرفات المرتد نافذة عندهما بمنزلة تصرفات الملسم ( ( ( المسلم ) ) ) فتكون حصته له فإن مات أو لحق بدار الحرب يكون لورثته وإن دفع إليه الأرض دون البذر فالخارج له أيضا لأنه لما ظهر أنه لما لم تصح المزراعة ( ( ( المزارعة ) ) ) صار كأنه غصب أرضا وبذرها ببذر نفسه فأخرجت ولو كان كذلك كان الخارج له كذا هذا إلا أنه يأخذ من ذلك قدر بذره ونفقته وضمان النقصان إن كانت المزارعة نقصتها ويتصدق بالفضل لما ذكرنا وإن كانت لم تنقصها فقياس قول أبي حنيفة رحمه الله على قياس قول من أجاز المزراعة ( ( ( المزارعة ) ) ) أن يكون الخارج كله للعامل ولا يلزمه نقصان الأرض ولا غيره وفي الاستحسان الخارج بين العامل وبين ورثة المرتد على الشرط وجه القياس ما ذكرنا أنه يصير بمنزلة الغاصب ومن غصب من آخر أرضا فزرعها ببذر نفسه ولم تنقصها الزراعة كان الخارج كله له ولا يلزمه شيء كذا هذا وجه الاستحسان أن انعدام صحة تصرف المرتد بعد الموت واللحاق ليس لمكان انعدام أهليته لأن الردة لا تنافي انعدام الأهلية بل لتعلق حق ورثته بماله لوجود أمارة الاستغناء بالردة لأن الظاهر أنه لا يسلم بل يقتل أو يلحق بدار الحرب فيستغني عن ماله فيثبت التعلق نظرا لهم ونظرهم هنا في تصحيح التصرف لا في إبطاله ليصل إليهم شيء فأشبه العبد المحجور إذا آجر نفسه وسلم من العمل أنه لا يبطل تصرفه بل يصحح حتى تجب الاجرة لأن الحكم يبطلان ( ( ( ببطلان ) ) ) تصرفه لنظر المولي ونظره ههنا في التصحيح دون الإبطال كذا هذا وإذا أسلم المرتد فالخارج على الشرط سواء أسلم قبل انقضاء المزارعة أو بعد انقضائها نقصت الزراعة الأرض أو لم تنقصها كما ذكرنا في الوجه الأول وعلى قولهما الخارج على الشرط كيف ما كان أسلم أو قتل أو لحق لأن تصرفاته نافذة بمنزلة تصرفات المسلم

قسم V06/P175–V06/P176

هذا إذا دفع مرتد أرضه مزارعة إلى مسلم فأما إذا دفع مسلم أرضه مزارعة إلى مرتد فهذا على وجهين أيضا إما إن دفع الأرض والبذر جميعا أو دفع الأرض دون البذر فإن دفعهما جميعا مزارعة فعمل المرتد فأخرجت الأرض زرعا كثيرا ثم قتل المرتد أو مات أو لحق بدار الحرب فالخارج كله بين المسلم وبين ورثة المرتد على الشرط بلا خلاف لأن انعدام صحة تصرف المرتد لا لعين ردته بل لتضمنه إبطال حق الورثة لتعلق حقهم بماله على ما مر وعمل المرتد ههنا ليس تصرفا في ماله بل على نفسه بإيفاء المانع ولا حق لورثته في نفسه فصحت المزارعة فكان الخارج على الشرط المذكور وإن دفع الأرض دون البذر فعمل المرتد ببذره وأخرجت الأرض زرعا ففي قياس قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة إن الخارج كله لورثة المرتد ولا يجب نقصان الأرض لأن عنده تصرفات المرتد موقوفة غير نافذة للحال فلم تنفذ مزارعته فكان الخارج حادثا على ملكه لكونه نماء ملكه فكان لورثته وفيه إشكال وهو أن هذا الخارج من أكساب ردته وكسب الردة فيء عند أبي حنيفة فكيف يكون لورثته والجواب أنه حين بذر كان حق الورثة متعلقا بالبذر لما مر من قبل فالحاصل منه يحدث على ملكهم فلا يكون كسب الردة ولا يجب نقصان الأرض لأن ضمان النقصان يعتمد إتلاف مال الغير بغير إذنه ولم يوجد إذ المزارعة حصلت بإذن المالك وعند أبي يوسف ومحمد الخارج على الشرط كما إذا كان مسلما لما ذكرنا وإن أسلم فالخارج على الشرط بلا خلاف سواء أسلم قبل أن يستحصد الزرع أو بعد ما استحصد لما ذكرنا هذا إذا كانت المزارعة بين مرتد ومسلم فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد أحدهما فالخارج على الشرط بلا خلاف لأنه لما كان مسلما وقت العقد صح التصرف فاعتراض الردة بعد ذلك لا تبطله وأما المرتدة فتصح مزارعتها دفعا واحدا بالإجماع لأن تصرفاتها نافذة بمنزلة تصرفات المسلمة فتصح المزارعة منها دفعا واحدا بمنزلة مزارعة المسلمة فصل وأما الذي يرجع إلى الزرع فنوع واحد وهو أن يكون معلوما بأن بين ما يزرع لأن حال المزروع يختلف باختلاف الزرع بالزيادة والنقصان فرب زرع يزيد في الأرض ورب زرع ينقصها وقد يقل النقصان وقد يكثر فلا بد من البيان ليكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه إلا إذا قال له ازرع فيها ما شئت فيجوز له أن يزرع فيها ما شاء لأنه لما فوض الأمر إليه فقد رضي بالضرر إلا أنه لا يملك الغرس لأن الداخل تحت العقد الزرع دون الغرس فصل وأما الذي يرجع إلى المزروع فهو أن يكون قابلا لعمل الزراعة وهو أن يؤثر فيه العمل بالزيادة بمجرى العادة لأن ما لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادة لا يتحقق فيه عمل الزراعة حتى لو دفع أرضا فيها زرع قد استحصد مزارعة لم يجز كذا قالوا لأن الزرع إذا استحصد لا يؤثر فيه عمل الزراعة بالزيادة فلا يكون قابلا لعمل الزراعة فصل وأما الذي يرجع إلى الخارج من الزرع فأنواع منها أن يكون مذكورا في العقد حتى لو سكت عنه فسد العقد لأن المزارعة استئجار والسكوت عن ذكر الأجرة يفسد الإجارة ومنها أن يكون لهما حتى لو شرطا أن يكون الخارج لأحدهما يفسد العقد لأن معنى الشركة لازم لهذا العقد وكل شرط يكون قاطعا للشركة يكون مفسدا للعقد ومنها أن تكون حصة كل واحد من المزارعين بعض الخارج حتى لو شرطا أن يكون من غيره لا يصح العقد لأن المزارعة استئجار ببعض الخارج به تنفصل عن الإجارة المطلقة ومنها أن يكون ذلك البعض من الخارج معلوم القدر من النصف والثلث والربع ونحوه لأن ترك التقدير يؤدي إلى الجهالة المفضية إلى المنازعة ولهذا شرط بيان مقدار الأجرة في الإجارات كذا هذا ومنها أن يكون جزءا شائعا من الجملة حتى لو شرط لأحدهما قفزانا معلومة لا يصح العقد لأن المزارعة فيها معنى الإجارة والشركة تنعقد إجارة ثم تتم شركة

قسم V06/P176–V06/P177

أما معنى الإجارة فلأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض والمزارعة كذلك لأن البذر إن كان من رب الأرض فالعامل يملك منفعة نفسه من رب الأرض بعوض وهو نماء بذره وإن كان البذر من قبل العامل فرب الأرض يملك منفعة أرضه من العامل بعوض هو نماء بذره فكانت المزارعة استئجارا إما للعامل وإما للأرض لكن ببعض الخارج وأما معنى الشركة فلأن الخارج يكون مشتركا بينهما على الشرط المذكور وإذا ثبت أن معنى الإجارة والشركة لازم لهذا العقد فاشتراط قدر معلوم من الخارج ينفي لزوم معنى الشركة لاحتمال أن الأرض لا تخرج زيادة على القدر المعلوم ولهذا إذا شرط في المضاربة سهم معلوم من الربح لا يصح كذا هذا وكذا إذا ذكر جزءا شائعا وشرط معه زيادة أقفزة معلومة إنه لا يصح لما قلنا وعلى هذا إذا شرط أحدهما البذر لنفسه وأن يكون الباقي بينهما لا تصح المزارعة لجواز أن لا تخرج الأرض إلا قدر البذر فيكون كل الخارج له فلا يوجد معنى الشركة ولأن هذا في الحقيقة شرط قدر البذر أن يكون له لا عين البذر لأن عينه تهلك في التراب وذا لا يصح لما ذكرنا وهذا بخلاف المضاربة لأن قدر رأس المال يرفع ويقسم الباقي على الشرط لأن المضاربة تقتضي الشركة في الربح لا في غيره ودفع رأس المال لانعدام معنى الشركة في الربح فأما المزارعة فتقتضي الشركة في كل الخارج واشتراط قدر معلوم من الخارج يمنع تحقق الشركة في كله فهو الفرق بين الفصلين وكذا إذا شرطا ما على الماذيانات والسواقي لا يصح العقد لأن ما على الماذيانات والسواقي معلوم فشرطه يمنع لزوم الشركة في العقد وقد روي أنهم كانوا يشترطون في عقد المزارعة لأحدهما ما على الماذيانات والسواقي فلما بعث النبي المكرم عليه أفضل التحية أبطله فصل وأما الذي يرجع إلى المزروع فيه وهو الأرض فأنواع منها أن تكون صالحة للزراعة حتى لو كانت سبخة أو نزة لا يجوز العقد لأن المزارعة عقد استئجار لكن ببعض الخارج والأرض السبخة والنزة لا تجوز إجارتها فلا تجوز مزارعتها فأما إذا كانت صالحة للزراعة في المدة لكن لا تمكن زراعتها وقت العقد لعارض من انقطاع الماء وزمان الشتاء ونحوه من العوارض التي هي على شرف الزوال في المدة تجوز مزارعتها كما تجوز إجارتها ومنها أن تكون معلومة فإن كانت مجهولة لا تصح المزارعة لأنها تؤدي إلى المنازعة ولو دفع الأرض مزارعة على أن ما يزرع فيها حنطة فكذا وما يزرع فيها شعيرا فكذا يفسد العقد لأن المزروع فيه مجهول لأن كلمة من للتبعيض فيقع على بعض الأرض وأنه غير معلوم وكذا لو قال على أن يزرع بعضها حنطة وبعضها شعيرا لأن التنصيص على التبعيض تنصيص على التجهيل ولو قال على أن ما زرعت فيها حنطة فكذا وما زرعت فيها شعيرا فكذا جاز لأنه جعل الأرض كلها ظرفا لزرع الحنطة أو لزرع الشعير فانعدم التجهيل ولو قال على أن أزرع فيها بغير كراب فكذا ذكر في الأصل أنه جائز وهذا مشكل لأن المزروع فيه من الأرض مجهول فأشبه ما إذا قال ما زرع فيها حنطة فكذا وما زرع فيها شعيرا فكذا ومنهم من اشتغل بتصحيح جواب الكتاب والفرق بين الفصلين على وجه لم يتضح ولو قال على أنه إن زرع حنطة فكذا وإن زرع شعيرا فكذا وإن زرع سمسما فكذا ولم يذكر منها فهو جائز لانعدام جهالة المزروع فيه وجهالة الزرع للحال ليس بضائر لأنه فوض الاختيار إليه فأي ذلك اختاره يتعين ذلك العقد باختياره فعلا كما قلنا في الكفارات الثلاث ولو زرع بعضها حنطة وبعضها شعيرا جاز لأنه لو زرع الكل حنطة أو الكل شعيرا لجاز فإذا زرع البعض حنطة والبعض شعيرا أولى

قسم V06/P177–V06/P178

ومنها أن تكون الأرض مسلمة إلى العامل مخلاة وهو أن يوجد من صاحب الأرض التخلية بين الأرض وبين العامل حتى لو شرط العمل على رب الأرض لا تصح المزارعة لانعدام التخلية فكذا إذا اشترط فيه عملهما فيمنع التخلية جميعا لما قلنا ولهذا لو شرط رب المال في عقد المضاربة العمل مع المضارب لا تصح المضاربة لأنه شرط يمنع وجود ما هو شرط لصحة العقد وهو التخلية كذا هذا وعلى هذا إذا دفع أرضا وبذرا وبقرا على أن يزرع العامل وعبد رب الأرض وللعامل الثلث ولرب الأرض الثلث ولعبده الثلث فهو جائز على ما اشترط لأن صاحب الأرض صار مستأجرا للعامل ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه فصح وشرط العمل على عبده لا يكون شرطا على نفسه لأن العبد المأذون له يد نفسه على كسبه لا يد النيابة عن مولاه فيصير بمنزلة الأجنبي فلا يمنع تحقيق التخلية فلا يمنع الصحة ويكون نصيب العبد لمولاه وإن كان البذر من العامل لا تصح المزارعة لأنه يصير مستأجرا للأرض والبقر والعبد ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه وذا لا يصح على ما نذكر ويكون الخارج له وعليه أجر مثل الأرض والبقر والعبد لأن هذا حكم المزارعة الفاسدة على ما يذكر في موضعه وكذا لو كان شرط عمل رب الأرض مع ذلك كان له أيضا أجر مثل عمله لأن هذا شرط مفسد للعقد والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى ما عقد عليه المزارعة فهو أن يكون المعقود عليه في باب المزارعة مقصودا من حيث إنها إجارة أحد أمرين إما منفعة العامل بأن كان البذر من صاحب الأرض وإما منفعة الأرض بأن كان البذر من العامل لأن البذر إذا كان من قبل رب الأرض يصير مستأجرا للعامل وإذا كان من قبل العامل يصير مستأجرا للأرض وإذا اجتمعا في الاستئجار فسدت المزارعة فأما منفعة البقر فإن حصلت تابعة صحت المزارعة وإن جعلت مقصودة فسدت فصل وبيان هذه الجملة ببيان أنواع المزارعة فنقول وبالله التوفيق المزارعة أنواع منها أن تكون الأرض والبذر والبقر والآلة من جانب والعمل من جانب وهذا جائز لأن صاحب الأرض يصير مستأجرا للعامل لا غير ليعمل له في أرضه ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه وهو البذر ومنها أن تكون الأرض من جانب والباقي كله من جانب وهذا أيضا جائز لأن العامل يصير مستأجرا للأرض لا غير ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه وهو البذر ومنها أن تكون الأرض والبذر من جانب والبقر والآلة والعمل من جانب فهذا أيضا جائز لأن هذا استئجار للعامل لا غير مقصودا فأما البذر فغير مستأجر مقصودا ولا يقابله شيء من الأجرة بل هي توابع للمعقود عليه وهو منفعة العامل لأنه آلة للعمل فلا يقابله شيء من العمل كمن استأجر خياطا فخاط بإبرة نفسه جاز ولا يقابلها شيء من الأجرة ولأنه لما كان تابعا للمعقود عليه فكان جاريا مجرى الصفة للعمل كان العقد عقدا على عمل جيد والأوصاف لا قسط لها من العوض فأمكن أن تنعقد إجارة ثم تتم شركة بين منفعة الأرض وبين منفعة العامل ومنها أن تكون الأرض والبقر من جانب والبذر والعمل من جانب وهذا لا يجوز في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يجوز وجه قوله أنه لو كان الأرض والبذر من جانب جاز وجعلت منفعة البقر تابعة لمنفعة العامل فكذا إذا كان الأرض والبقر من جانب يجب أن يجوز ويجعل منفعة البقر تابعة لمنفعة الأرض وجه ظاهر الرواية أن العامل هنا يصير مستأجرا للأرض والبقر جميعا مقصودا ببعض الخارج لأنه لا يمكن تحقيق معنى التبعية هنا لاختلاف جنس المنفعة لأن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض فبقيت أصلا بنفسها فكان هذا استئجار البقر ببعض الخارج أصلا ومقصودا واستئجار البقر مقصودا ببعض الخارج لا يجوز لوجهين أحدهما ما ذكرنا أن المزارعة تنعقد إجارة ثم تتم شركة ولا يتصور انعقاد الشركة بين منفعة البقر وبين منفعة العامل بخلاف الفصل الأول لأنه يتصور انعقاد الشركة بين منفعة الأرض ومنفعة العامل

قسم V06/P178–V06/P179

والثاني أن جواز المزارعة ثبت بالنص مخالفا للقياس لأن الأجرة معدومة وهي مع انعدامها مجهولة فيقتصر جوازها على المحل الذي ورد النص فيه وذلك فيما إذا كانت الآلة تابعة فإذا جعلت مقصودة يرد إلى القياس ومنها أن يكون البذر والبقر من جانب والأرض والعمل من جانب وهذا لا يجوز أيضا لأن صاحب البذر يصير مستأجرا للأرض والعامل جميعا ببعض الخارج والجمع بينهما يمنع صحة المزارعة ومنها أن يكون البذر من جانب والباقي كله من جانب وهذا لا يجوز أيضا لما قلنا وروي عن أبي يوسف في هذين الفصلين أيضا أنه يجوز لأن استئجار كل واحد منهما جائز عند الانفراد فكذا عند الاجتماع والجواب ما ذكرنا أن الجواز على مخالفة القياس ثبت عند الانفراد فتبقى حالة الاجتماع على أصل القياس وطريق الجواز في هذين الفصلين بالاتفاق أن يأخذ صاحب البذر الأرض مزارعة ثم يستعير من صاحبها ليعمل له فيجوز والخارج يكون بينهما على الشرط ومنها أن يشترك جماعة من أحدهم الأرض ومن الآخر البقر ومن الآخر البذر ومن الرابع العمل وهذا لا يجوز أيضا لما مر وفي عين هذا ورد الخبر بالفساد فإنه روى أن أربعة نفر اشتركوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم مزارعتهم وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف يجوز ومنها أن يشترط في عقد المزارعة أن يكون بعض البذر من قبل أحدهما والبعض من قبل الآخر وهذا لا يجوز لأن كل واحد منهما يصير مستأجرا صاحبه في قدر بذره فيجتمع استئجار الأرض والعمل من جانب واحد وأنه مفسد ومنها أن تكون الأرض من جانب والبذر والبقر من جانب دفع صاحب الأرض أرضه إليه على أن يزرعها ببذره وبقره مع هذا الرجل الآخر على أن ما خرج من شيء فثلثه لصاحب الأرض وثلثاه لصاحب البذر والبقر وثلثه لذلك العامل وهذا صحيح في حق صاحب الأرض والعامل الأول فاسد في حق العامل الثاني ويكون ثلث الخارج لصاحب الأرض وثلثاه للعامل الأول وللعامل الثاني أجر مثل عمله وكان ينبغي أن تفسد المزارعة في حق الكل لأن صاحب البذر وهو العامل الأول جمع بين استئجار الأرض والعامل وقد ذكرنا أن الجمع بينهما مفسد للعقد لكونه خلاف مورد الشرع بالمزارعة ومع ذلك حكم بصحتها في حق صاحب الأرض والعامل الأول وإنما كان كذلك لأن العقد فيما بين صاحب الأرض والعامل الأول وقع استئجارا للأرض لا غير وأنه صحيح وفيما بين العاملين وقع استئجار الأرض والعامل جميعا وأنه غير صحيح ويجوز أن يكون العقد الواحد له جهتان جهة الصحة وجهة الفساد خصوصا في حق شخصين فيكون صحيحا في حق أحدهما فاسدا في حق الآخر ولو كان البذر في هذه المسألة من صاحب الأرض صحت المزارعة في حق الكل والخارج بينهم على الشرط لأن صاحب الأرض في هذه الصورة يعتبر مستأجرا للعاملين جميعا والجمع بين استئجار العاملين لا يقدح في صحة العقد وإذا صح العقد كان الخارج على الشرط فصل وأما الذي يرجع إلى آلة المزارعة فهو أن يكون البقر في العقد تابعا فإن جعل مقصودا في العقد تفسد المزارعة وقد تقدم بيانه في الفصل المتقدم بما فيه كفاية فصل وأما الذي يرجع إلى مدة المزارعة فهو أن تكون المدة معلومة فلا تصح المزارعة إلا بعد بيان المدة لأنها استئجار ببعض الخارج ولا تصح الإجارة مع جهالة المدة وهذا هو القياس في المعاملة أن لا تصح إلا بعد بيان المدة لأنها استئجار العامل ببعض الخارج فكانت إجارة بمنزلة المزارعة إلا أنها جازت في الاستحسان لتعامل الناس ذلك من غير بيان المدة وتقع على أول جزء يخرج من الثمرة في أول السنة لأن وقت ابتداء المعاملة معلوم فأما وقت ابتداء المزارعة فمتفاوت حتى إنه لو كان في موضع لا يتفاوت يجوز من غير بيان المدة وهو على أول زرع يخرج كذا ذكر محمد بن سلمة أن بيان المدة في ديارنا ليس بشرط كما في المعاملة فصل وأما الشرائط المفسدة للمزارعة فأنواع

قسم V06/P179–V06/P180

وقد دخل بعضها في بيان الشرائط المصححة منها شرط كون الخارج لأحدهما لأنه شرط يقطع الشركة التي هي من خصائص العقد ومنها شرط العمل على صاحب الأرض لأن ذلك يمنع التسليم وهو التخلية ومنها شرط البقر عليه لأن فيه جعل منفعة البقر معقودا عليها مقصودة في باب المزارعة ولا سبيل إليه ومنها شرط العمل والأرض جميعا من جانب واحد لأن ذلك خلاف مورد الشرع الذي هو خلاف القياس على ما مر في الفصول المتقدمة ومنها شرط الحمل والحفظ على المزارع بعد القسمة لأنه ليس من عمل المزارعة ومنها شرط الحصاد والرفع إلى البيدر والدياس والتذرية لأن الزرع لا يحتاج إليه إذ لا يتعلق به صلاحه والأصل أن كل عمل يحتاج إليه الزرع قبل تناهيه وإدراكه وجفافه مما يرجع إلى إصلاحه من السقي والحفظ وقلع الحشاوة وحفر الأنهار وتسوية المسناة ونحوها فعلى المزارع لأن ما هو المقصود من الزرع وهو النماء لا يحصل بدونه عادة فكان من توابع المعقود عليه فكان من عمل المزارعة فيكون على المزارع وكل عمل يكون بعد تناهي الزرع وإدراكه وجفافه قبل قسمة الحب مما يحتاج إليه لخلوص الحب وتنقيته يكون بينهما على شرط الخارج لأنه ليس من عمل المزارعة ولهذا قالوا لو دفع أرضا مزارعة وفيها زرع قد استحصد لا يجوز لانقضاء وقت عمل المزارعة إذ العمل فيه بعد الإدراك مما لا يفيده وكل عمل يكون بعد القسمة من الحمل إلى البيت ونحوه مما يحتاج إليه لإحراز المقسوم فعلى كل واحد منهما في نصيبه لأن ذلك مؤنة ملكه فيلزمه دون غيره وروي عن أبي يوسف أنه أجاز شرط الحصاد ورفع البيدر والدياس والتذرية على المزارع لتعامل الناس وبعض مشايخنا بما وراء النهر يفتون به أيضا وهو اختيار نصير بن يحيى ومحمد بن سلمة من مشايخ خراسان والجذاذ في باب المعاملة لا يلزم العامل بلا خلاف أما في ظاهر الرواية فلا يشكل وأما على رواية أبي يوسف فلانعدام التعامل فيه ولو باع الزرع قصيلا فاجتمعا على أن يقصلاه كان القصل على كل واحد منهما في قدر شرط الحب لأنه بمنزلة شرط الحصاد ومنها شرط التبن لمن لا يكون البذر من قبله وجملته أن هذا لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن شرطا أن يكون التبن بينهما وإما إن سكتا عنه وإما إن شرطا أن يكون لأحدهما دون الآخر فإن شرطا أن يكون بينهما لا شك أنه يجوز لأنه شرط مقرر مقتضى ( ( ( ومقتضى ) ) ) العقد لأن الشركة في الخارج من الزرع من معاني هذا العقد على ما مر وإن سكتا عنه يفسد عند أبي يوسف وعند محمد لا يفسد ويكون لصاحب البذر منهما وذكر الطحاوي أن محمدا رجع إلى قول أبي يوسف وجه قول محمد أن ما يستحقه صاحب البذر يستحقه ببذره لا بالشرط فكان شرط التبن والسكوت عنه بمنزلة واحدة وجه قول أبي يوسف أن كل واحد منهما أعني الحب والتبن مقصود من العقد فكان السكوت عن التبن بمنزلة السكوت عن الحب وذا مفسد بالإجماع فكذا هذا وإن شرطا أن يكون لأحدهما دون الآخر فإن شرطاه لصاحب البذر جاز ويكون له لأن صاحب البذر يستحق ( ( ( يستحقه ) ) ) من غير شرط لكونه نماء ملكه فالشرط لا يزيده إلا تأكيدا وإن شرطاه لمن لا بذر له فسدت المزارعة لأن استحقاق صاحب البذر التبن بالبذر لا بالشرط لأنه نماء ملكه ونماء ملك الإنسان ملكه فصار شرط كون التبن لمن لا بذر من قبله بمنزلة شرط كون الحب له وذا مفسد كذا هذا ومنها أن يشترط صاحب الأرض على المزارع عملا يبقى أثره ومنفعته بعد مدة المزارعة ( ( ( فالمزارعة ) ) ) كبناء الحائط والسرقند واستحداث حفر النهر ورفع المسناة ونحو ذلك مما يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد انقضاء المدة لأنه شرط لا يقتضيه العقد

قسم V06/P180–V06/P181

وأما الكراب فلا يخلو في الأصل من وجهين إما إن شرطاه في العقد وإما إن سكتا عنه فإن سكتا عنه هل يدخل تحت عقد المزارعة حتى يجبر المزارع عليه لو امتنع أو لا فسنذكره في حكم المزارعة الصحيحة إن شاء الله تعالى وإن شرطاه في العقد فلا يخلو أيضا من وجهين إما إن شرطاه مطلقا عن صفة التثنية وإما إن شرطاه مقيدا بها فإن شرطاه مطلقا عن الصفة قال بعضهم إنه يفسد العقد لأن أثره يبقى إلى ما بعد المدة وقال عامتهم لا يفسد وهو الصحيح لأن الكراب بدون التثنية مما يبطل السقي على وجه لا يبقى له أثر ومنفعة بعد المدة فلم يكن شرطه مفسدا للعقد وإن شرطاه مع التثنية فسدت المزارعة لأن التثنية إما أن تكون عبارة عن الكراب مرتين مرة للزراعة ومرة بعد الحصاد ليرد الأرض على صاحبها مكروبة وهذا شرط فاسد لا شك فيه لما ذكرنا أنه شرط عمل ليس هو من عمل المزارعة لأن الكراب بعد الحصاد ليس من عمل المزارعة في هذه السنة وإما أن يكون عبارة عن فعل الكراب مرتين قبل الزراعة وإنه عمل يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد المدة فكان مفسدا حتى أنه لو كان في موضع لا يبقى لا يفسد كذا قال بعض مشايخنا ولو دفع الأرض مزارعة على أنه إن زرعها بغير كراب فللمزارع الربع وإن زرعها بكراب فله الثلث وإن كربها وثناها فله النصف فهو جائز على ما شرطا كذا ذكر في الأصل وهذا مشكل في شرط الكراب مع التثنية لأنه شرط مفسد فينبغي أن يفسدها هذا الشرط وإذا عمل يكون له أجر مثل عمله فأما شرط الكراب وعدمه فصحيح على الشرط المذكور لأنه غير مفسد وبعضهم صححوا جواب الكتاب وفرقوا بين هذا الشرط وبين شرط التثنية بفرق لم يتضح وفرع في الأصل فقال ولو زرع بعض الأرض بكراب وبعضها بغير كراب وبعضها بثنيان فهو جائز والشرط بينهما في كل الأرض نافذ على ما شرطا كذا في الأصل وهذا بناء على الأول لأنه إن شرط التثنية في كل الأرض عند اختياره ذلك يصح في البعض بالطريق الأولى فصل وأما بيان حكم المزارعة الصحيحة عند من يجيزها فنقول وبالله التوفيق للمزارعة الصحيحة أحكام منها أن كل ما كان من عمل المزارعة مما يحتاج الزرع إليه لإصلاحه فعلى المزارع لأن العقد تناوله وقد بيناه ومنها أن كل ما كان من باب النفقة على الزرع من السرقين وقلع الحشاوة ونحو ذلك فعليهما على قدر حقهما وكذلك الحصاد والحمل إلى البيدر والدياس وتذريته لما ذكرنا أن ذلك ليس من عمل المزارعة حتى يختص به المزارع ومنها أن يكون الخارج بينهما على الشرط المذكور لأن الشرط قد صح فيلزم الوفاء به لقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم ومنها أنها إذا لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء لواحد منهما لا أجر العمل ولا أجر الأرض سواء كان البذر من قبل العامل أو من قبل رب الأرض بخلاف المزارعة الفاسدة أنه يجب فيها أجر المثل وإن لم تخرج الأرض شيئا والفرق أن الواجب في العقد الصحيح هو المسمى وهو بعض الخارج ولم يوجد الخارج فلا يجب شيء والواجب في المزارعة الفاسدة أجر مثل العمل في الذمة لا في الخارج فانعدام الخارج لا يمنع وجوبه في الذمة فهو الفرق ومنها أن هذا العقد غير لازم في جانب صاحب البذر لازم في جانب صاحبه لو امتنع بعدما عقد عقد المزارعة على الصحة وقال لا أريد زراعة الأرض له ذلك

قسم V06/P181–V06/P182

سواء كان له عذر أو لم يكن ولو امتنع صاحبه ليس له ذلك إلا من عذر وعقد المعاملة لازم ليس لواحد منهما أن يمتنع إلا من عذر والفرق بين هذه الجملة أن صاحب البذر لا يمكنه المضي في العقد إلا بإتلاف ملكه وهو البذر لأن البذر يهلك في التراب فلا يكون الشروع فيه ملزما في حقه إذ الإنسان لا يجبر على إتلاف ملكه ولا كذلك من ليس البذر من قبله والمعاملات لأنه ليس في لزوم المعنى إياهم إتلاف ملكهم فكان الشروع في حقهم ملزما ولا ينفسخ إلا من عذر كما في سائر الإجارات وسواء كان المزارع كرب الأرض أو لم يكربها لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بينهما ولا شيء للعامل في عمل الكراب على ما نذكره في حكم المزارعة المنفسخة إن شاء الله تعالى ومنها ولاية جبر المزارع على الكراب وعدمها وهذا على وجهين إما إن شرطا الكراب في العقد وإما أن سكتا عن شرطه فإن شرطاه يجبر عليه لأنه شرط صحيح فيجب الوفاء به وإن سكتا عنه ينظر إن كانت الأرض مما يخرج الزرع بدون الكراب زرعا معتادا يقصد مثله في عرف الناس لا يجبر المزارع عليه وإن كانت مما لا يخرج أصلا أو يخرج ولكن شيئا قليلا لا يقصد مثله بالعمل يجبر على الكراب لأن مطلق عقد المزارعة يقع على الزراعة المعتادة وعلى هذا إذا امتنع المزارع عن السقي وقال أدعها حتى تسقيها السماء فهو على قياس هذا التفصيل أنه إن كان الزرع مما يكتفي بماء السماء ويخرج زرعا معتادا بدونه لا يجبر على السقي وإن كان مع السقي أجود فإن كان مما لا يكتفى به يجبر على السقي لما قلنا ومنها جواز الزيادة على الشرط المذكور من الخارج والحط عنه وعدم الجواز والأصل فيه أن كل ما احتمل إنشاء العقد عليه احتمل الزيادة وما لا فلا والحط جائز في الحالين جميعا كما في الزيادة في الثمن في باب البيع إذا عرف هذا فنقول الزيادة والحط في المزارعة على وجهين إما أن يكون من المزارع وإما أن يكون من صاحب الأرض ولا يخلو إما أن يكون البذر من قبل المزارع وإما أن يكون من صاحب الأرض بعدما استحصد الزرع أو قبل أن يستحصد فإن كان من بعدما استحصد والبذر من قبل العامل وكانت المزارعة على النصف مثلا فزاد المزارع صاحب الأرض السدس في حصته وجعل له الثلثين ورضي به صاحب الأرض لا تجوز الزيادة والخارج بينهما على الشرط نصفان وإن زاد صاحب الأرض المزارع السدس في حصته وتراضيا فالزيادة جائزة لأن الأول زيادة على الأجرة بعد انتهاء عمل المزارعة باستيفاء المعقود عليه وهو المنفعة وأنه لا يجوز ألا ترى أنهما لو أنشآ العقد بعد الحصاد لا يجوز فكذلك الزيادة والثاني حط من الأجرة وأنه لا يستدعي قيام المعقود عليه كما في باب البيع هذا إذا كان البذر من قبل العامل فإن كان من قبل صاحب الأرض فزاد صاحب الأرض لا يجوز وإن زاد المزارع جاز لما قلنا هذا إذا زاد أحدهما بعدما استحصد الزرع فإن زاد قبل أن يستحصد جاز أيهما كان لأن الوقت يحتمل إنشاء العقد فيحتمل الزيادة أيضا بخلاف الفصل الأول فصل وأما حكم المزارعة الفاسدة فأنواع منها أنه لا يجب على المزارع شيء من أعمال المزارعة لأن وجوبه بالعقد ولم يصح ومنها أن الخارج يكون كله لصاحب البذر سواء كان رب الأرض أو المزارع لأن استحقاق صاحب البذر الخارج لكونه نماء ملكه لا بالشرط لوقوع الاستغناء بالملك عن الشرط واستحقاق الأجر الخارج بالشرط وهو العقد فإذا لم يصح الشرط استحقه صاحب الملك ولا يلزمه التصدق بشيء لأنه نماء ملكه ومنها أن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض كان للعامل عليه أجر المثل لأن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض كان هو مستأجرا للعامل فإذا فسدت الإجارة وجب أجر مثل عمله

قسم V06/P182

وإذا كان البذر من قبل العامل كان عليه لرب الأرض أجر مثل أرضه لأن البذر إذا كان من قبل العامل يكون هو مستأجرا للأرض فإذا فسدت الأجارة يجب عليه أجر مثل أرضه ومنها أن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض واستحق الخارج وغرم للعامل أجر مثل عمله فالخارج كله له طيب لأنه حاصل من ملكه وهو البذر في ملكه وهو الأرض وإذا كان من قبل العامل واستحق الخارج وغرم لصاحب الأرض أجر مثل أرضه فالخارج كله لا يطيب له بل يأخذ من الزرع قدر بذره وقدر أجر مثل الأرض ويطيب ذلك له لأنه سلم له بعوض ويتصدق بالفضل على ذلك لأنه وإن تولد من بذره لكن في أرض غيره بعقد فاسد فتمكنت فيه شبهة الخبث فكان سبيله التصدق ومنها أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة ما لم يوجد استعمال الأرض لأن المزارعة عقد إجارة والأجرة في الإجارة الفاسدة لا تجب إلا بحقيقة الاستعمال ولا تجب بالتخلية لانعدام التخلية فيها حقيقة إذ هي عبارة عن رفع الموانع والتمكن من الانتفاع حقيقة وشرعا ولم يوجد بخلاف الإجارة الصحيح ( ( ( الصحيحة ) ) ) على ما عرف في الإجارات ومنها أن أجر المثل يجب في المزارعة الفاسدة وإن لم تخرج الأرض شيئا بعد أن استعملها المزارع وفي المزارعة الصحيحة إذ لم تخرج شيئا لا يجب شيء لواحد منهما وقد مر الفرق فيما تقدم ومنها أن أجر المثل في المزارعة الفاسدة يجب مقدرا بالمسمى عند أبي يوسف وعند محمد يجب تاما وهذا إذا كانت الأجرة وهو حصة كل واحد منهما مسماة في العقد فإن لم يكن يجب أجر المثل تاما بالإجماع وجه قول محمد رحمه الله أن الأصل في الأجارة وجوب أجر المثل لأنها عقد معاوضة وهو تمليك المنفعة بعوض ومبنى المعاوضات على المساواة بين البدلين وذلك في وجوب أجر المثل لأنه المثل الممكن في الباب إذ هو قدر قيمة المنافع المستوفاة إلا أن فيه ضرب جهالة وجهالة المعقود عليه تمنع صحة العقد فلا بد من تسمية البدل تصحيحا للعقد فوجب المسمى على قدر قيمة المنافع أيضا فإذا لم يصح العقد لفوات شرط من شرائطه وجب المصير إلى البدل الأصلي للمنافع وهو أجر المثل ولهذا إذا لم يسم البدل أصلا في العقد وجب أجر المثل بالغا ما بلغ وجه قول أبي يوسف أن الأصل ما قاله محمد وهو وجوب أجر المثل بدلا عن المنافع قيمة لها لأنه هو المثل بالقدر الممكن لكن مقدرا بالمسمى لأنه كما يجب اعتبار المماثلة في البدل في عقد المعاوضة بالقدر الممكن يجب اعتبار التسمية بالقدر الممكن لأن اعتبار تصرف العاقل واجب ما أمكن وأمكن ذلك بتقدير أجر المثل بالمسمى لأن المستأجر ما رضيب ( ( ( رضي ) ) ) الزيادة ( ( ( بالزيادة ) ) ) على المسمى والآجر ما رضي بالنقصان عنه فكان اعتبار المسمى في تقدير أجر المثل به عملا بالدليلين ورعاية للجانبين بالقدر الممكن فكان أولى بخلاف ما إذا لم يكن البدل مسمى في العقد لأن البدل إذا لم يكن مسمى أصلا لا حاجة إلى اعتبار التسمية فوجب اعتبار أجر المثل فهو الفرق فصل وأما المعاني التي هي عذر في فسخ المزارعة فأنواع بعضها يرجع إلى صاحب الأرض وبعضها يرجع إلى المزارع

قسم V06/P182–V06/P183

أما الأول الذي يرجع إلى صاحب الأرض فهو الدين الفادح الذي لا قضاء له إلا من ثمن هذه الأرض تباع في الدين ويفسخ العقد بهذا العذر إذا أمكن الفسخ بأن كان قبل الزراعة أو بعدها إذا أدرك الزرع وبلغ مبلغ الحصاد لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلحقه فلا يلزمه تحمل الضرر فيبيع القاضي الأرض بدينه أولا ثم يفسخ المزارعة ولا تنفسخ بنفس العذر وإن لم يمكن الفسخ بأن كان الزرع لم يدرك ولم يبلغ مبلغ الحصاد لا يباع في الدين ولا يفسخ إلى أن يدرك الزرع لأن في البيع إبطال حق العامل وفي الانتظار إلى وقت الإدراك تأخير حق صاحب الدين وفيه رعاية الجانبين فكان أولى ويطلق من الحبس إن كان محبوسا إلى غاية الإدراك لأن الحبس جزاء الظلم وهو المطل وأنه غير مماطل قبل الإدراك لكونه ممنوعا عن بيع الأرض شرعا والممنوع معذور فإذا أدرك الزرع يرد إلى الحبس ثانيا ليبيع أرضه ويؤدي دينه بنفسه وإلا فيبيع القاضي عليه وأما الثاني الذي يرجع إلى المزارع فنحو المرض لأنه معجز عن العمل والسفر لأنه يحتاج إليه وترك حرفة إلى حرفة لأن من الحرف ما لا يغني من جوع فيحتاج إلى الانتقال إلى غيره ومانع يمنعه من العمل على ما عرف في كتاب الإجارة فصل وأما الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجوده فأنواع منها الفسخ وهو نوعان صريح ودلالة فالصريح أن يكون بلفظ الفسخ والإقالة لأن المزارعة مشتملة على الإجارة والشركة وكل واحد منهما قابل لصريح الفسخ والإقالة وأما الدلالة فنوعان الأول امتناع صاحب البذر عن المضي في العقد بأن قال لا أريد مزارعة الأرض ينفسخ العقد لما ذكرنا أن العقد غير لازم في حقه فكان بسبيل من الامتناع عن المضي فيه من غير عذر ويكون ذلك فسخا منه دلالة والثاني حجر المولى على العبد المأذون بعدما دفع الأرض والبذر مزارعة وبيان ذلك أن العبد المأذون إذا دفع الأرض والبذر مزارعة فحجره المولى قبل المزارعة ينفسخ العقد حتى يملك منع المزارع عن المزارعة لأن العقد لم يقع لازما من جهة العبد لأنه صاحب بذر فيملك المولى منعه عن الزراعة بالحجر كما كان يملك العبد منعه قبل الحجر ولو كان البذر من جهة المزارع لا ينفسخ العقد حتى لا يملك المولى ولا العبد منع المزارع عن المزارعة لأن العقد لازم من قبل صاحب البذر ولهذا لا يملك العبد منعه من الزراعة قبل الحجر فلا يملك المولى منعه بالحجر أيضا هذا إذا دفع الأرض مزارعة فأما إذا أخذها مزارعة فإن كان البذر من قبله انفسخ العقد لأنه إذا حجر عليه فقد عجز عن العمل وأنه يوجب انفساخ العقد لفوات المعقود عليه وإن كان البذر والأرض من قبل صاحب البذر لا ينفسخ العقد بالحجر لأنه بالحجر لم يعجز عن العمل إلا أن للمولى منعه عن العمل لما فيه من إتلاف ملكه وهو البذر فله أن يفسخ ما لا ينفسخ بالحجر هذا إذا حجر على العبد المأذون فأما إذا لم يحجر عليه ولكن نهاه عن الزراعة أو فسخ العقد بعد الزراعة أو نهي قبل ذلك إلا أنه لم يحجر عليه فالنهي باطل وكذلك نهي الأب الصبي المأذون قبل عقد المزارعة أو بعده لا يصح لأن النهي عن الزراعة والفسخ بعدها من باب تخصيص الإذن بالتجارة والإذن بالتجارة مما لا يحتمل التخصيص ومنها انقضاء مدة المزارعة لأنها إذا انقضت فقد انتهى العقد وهو معنى الانفساخ ومنها موت صاحب الأرض سواء مات قبل الزراعة أو بعدها وسواء أدرك الزرع أو هو بقل لأن العقد أفاد الحكم له دون وارثه لأنه عاقد لنفسه والأصل أن من عقد لنفسه بطريق الأصالة فحكم تصرفه يقع له لا لغيره إلا لضرورة ومنها موت المزارع سواء مات قبل الزراعة أو بعدها بلغ الزرع حد الحصاد أو لم يبلغ لما ذكرنا فصل وأما بيان حكم المزارعة المنفسخة

قسم V06/P183–V06/P184

فنقول وبالله التوفيق لا يخلو من وجهين إما إن انفسخت قبل الزراعة أو بعدها فإن انفسخت قبل الزراعة لا شيء للعامل وإن كرب الأرض وحفر الأنهار وسوى المسنيات بأي طريق انفسخ سواء انفسخ بصريح الفسخ أو بدليله أو بانقضاء المدة أو بموت أحد المتعاقدين لأن الفسخ يظهر أثره في المستقبل بانتهاء حكمه لا في الماضي فلا يتبين أن العقد لم يكن صحيحا والواجب في العقد الصحيح المسمى وهو بعض الخارج ولم يوجد فلا شيء وقيل هذا جواب الحكم فأما فيما بينه وبين الله تعالى عليه أن يرضي العامل فيما إذا امتنع عن المضي في العقد قبل الزراعة ولا يحل له الامتناع شرعا فإنه يشبه التعزير ( ( ( التغرير ) ) ) وإنه حرام وإن انفسخت بعد الزراعة فإن كان الزرع قد أدرك وبلغ فالحصاد والخارج بينهما على الشرط وإن كان لم يدرك فكذا الجواب في صريح الفسخ ودليله وانقضاء المدة لأن الزرع بينهما على الشرط والعمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحب الأرض أما الزرع بينهما على الشرط فلما مر أن انفساخ العقد يظهر أثره في المستقبل لا في الماضي فبقي الزرع بينهما على ما كان قبل الانفساخ وأما العمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما لأنه عمل في مال مشترك لم يشترط العمل فيه على أحدهما فيكون عليهما وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحب الأرض لأن العقد قد انفسخ وفي القلع ضرر بالمزارع وفي الترك بغير أجر ضرر بصاحب الأرض فكان الترك بأجر المثل نظرا من الجانبين بخلاف ما إذا مات صاحب الأرض والزرع بقل أن العمل يكون على المزارع خاصة لأن هناك انفسخ العقد حقيقة لوجود سبب الفسخ وهو الموت إلا أنا بقيناه تقديرا دفعا للضرر عن المزارع لأنه لو انفسخ لثبت لصاحب الأرض حق القلع وفيه ضرر بالمزارع فجعل هذا عذرا في بقاء العقد تقديرا فإذا بقي العقد كان العمل على المزارع خاصة كما كان قبل الموت وهذا لا يتضح فإن اتفق أحدهما من غير إذن صاحبه ومن غير أمر القاضي فهو متطوع ولو أراد صاحب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك لأن فيه ضررا بالمزارع ولو أراد المزارع أن يأخذه بقلا فصاحب الأرض بين خيارات ثلاث إن شاء قلع الزرع فيكون بينهما وإن شاء أعطى المزارع قيمة نصيبه من الزرع وإن شاء أنفق هو على الزرع من ماله ثم يرجع على المزارع بحصته لأن فيه رعاية الجانبين وأما في موت أحد المتعاقدين أما إذا مات رب الأرض بعد ما دفع الأرض مزارعة ثلاث سنين ونبت الزرع وصار بقلا تترك الأرض في يدي المزارع إلى وقت الحصاد ويقسم على الشرط المذكور لأن في الترك إلى وقت الحصاد نظرا من الجانبين وفي القلع إضرارا بأحدهما وهو المزارع ويكون العمل على المزارع خاصة لبقاء العقد تقديرا في هذه السنة في هذا الزرع وإن مات المزارع والزرع بقل فقال ورثته نحن نعمل على شرط المزارعة وأبى ذلك صاحب الأرض فالأمر إلى ورثة المزارع لأن في القلع ضررا بالورثة ولا ضرر بصاحب الأرض في الترك إلى وقت الإدراك وإذا ترك لا أجر للورثة فيما يعملون لأنهم يعملون على حكم عقد أبيهم تقديرا فكأنه يعمل أبوهم وإن أراد الورثة قلع الزرع لم يجبروا على العمل لأن العقد ينفسخ حقيقة إلا أنا بقيناه باختيارهم نظرا لهم فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع مشتركا فإما أن يقسم بينهم بالحصص أو يعطيهم صاحب الأرض قدر حصتهم من الزرع البقل أو ينفق من مال نفسه إلى وقت الحصاد ثم يرجع عليهم بحصتهم لأن فيه رعاية الجانبين والله تعالى أعلم كتاب المعاملة وقد يسمى كتاب المساقاة والكلام في هذا الكتاب في المواضع التي ذكرناها في المزارعة أما معنى المعاملة لغة فهو مفاعلة من العمل وفي عرف الشرع عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط الجواز

قسم V06/P184–V06/P185

وأما شرعيتها فقد اختلف العلماء فيها قال أبو حنيفة عليه الرحمة إنها غير مشروعة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله والشافعي رحمه الله مشروعة واحتجوا بحديث خيبر أنه عليه الصلاة والسلام دفع نخيلهم معاملة ولأبي حنيفة رحمه الله أن هذا استئجار ببعض الخارج وأنه منهي عنه على ما ذكرنا في كتاب المزارعة وقد مر الجواب عن الاستدلال بحديث خيبر فلا نعيده وأما ركنها فهو الإيجاب والقبول على نحو ما ذكرنا فيما تقدم من غير تفاوت وأما الشرائط المصححة لها على قول من يجيزها فما ذكرنا في كتاب المزارعة منها أن يكون العاقدان عاقلين فلا يجوز عقد من لا يعقل فأما البلوغ فليس بشرط وكذا الحرية على نحو ما مر في كتاب المزارعة ومنها أن لا يكونا مرتدين في قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المعاملة حتى لو كان أحدهما مرتدا وقفت المعاملة ثم إن كان المرتد هو الدافع فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط وإن قتل أو مات أو لحق فالخارج كله للدافع لأنه نماء ملكه وللآخر أجر المثل إذا عمل وعندهما الخارج بين العامل المسلم وبين ورثة الدافع على الشرط في الحالين كما إذا كانا مسلمين وإن كان المرتد هو العامل فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط وإن قتل أو مات على الردة أو لحق فالخارج بين الدافع المسلم وبين ورثة العامل المرتد على الشرط بالإجماع لما مر في المزارعة هذا إذا كانت المعاملة بين مسلم ومرتد فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد أحدهما فالخارج على الشرط لما مر في كتاب المزارعة ويجوز معاملة المرتدة دفعا واحدا بالإجماع ومنها أن يكون المدفوع من الشجر الذي فيه ثمرة معاملة فيما يزيد ثمره بالعمل فإن كان المدفوع نخلا فيه طلع أو بسر قد احمر أو اخضر إلا أنه لم يتناه عظمه جازت المعاملة وإن كان قد تناهى عظمه إلا أنه لم يرطب فالمعاملة فاسدة لأنه إذا تناهى عظمه لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادة فلم يوجد العمل المشروط عليه فلا يستحق الخارج بل يكون كله لصاحب النخل ومنها أن يكون الخارج لهما فلو شرطا أن يكون لأحدهما فسدت لما علم ومنها أن تكون حصة كل واحد منهما من بعض الخارج مشاعا معلوم القدر لما علم ومنها أن يكون محل العمل وهو الشجر معلوما وبيان هذه الجملة في كتاب المزارعة ومنها التسليم إلى العامل وهو التخلية حتى لو شرطا العمل عليهما فسدت لانعدام التخلية فأما بيان المدة فليس بشرط لجواز المعاملة استحسانا ويقع على أول ثمرة تخرج في أول السنة بخلاف المزارعة والقياس أن يكون شرطا لأن ترك البيان يؤدي إلى الجهالة كما في المزارعة إلا أنه ترك القياس لتعامل الناس ذلك من غير بيان المدة ولم يوجد ذلك في المزارعة حتى إنه لو وجد التعامل به في موضع يجوز من غير بيان المدة وبه كان يفتي محمد بن سلمة على ما مر في المزارعة ولو دفع أرضا ليزرع فيها الرطاب أو دفع أرضا فيها أصول رطبة نابتة ولم يسم المدة فإن كان شيئا ليس لابتداء نباته ولا لانتهاء جذه وقت معلوم فالمعاملة فاسدة وإن كان وقت جذه معلوما يجوز ويقع على الجذة الأولى كما في الشجرة المثمرة فصل وأما الشرائط المفسدة للمعاملة فأنواع دخل بعضها في الشرائط المصححة للعقد لأن ما كان وجوده شرطا للصحة كان انعدامه شرطا للإفساد منها شرط كون الخارج كله لأحدهما ومنها شرط أن يكون لأحدهما قفزان مسماة ومنها شرط العمل على صاحب الأرض ومنها شرط الحمل والحفظ بعد القسمة على العامل لما ذكرنا في كتاب المزارعة ومنها شرط الجذاذ والقطاف على العامل بلا خلاف لأنه ليس من المعاملة في شيء ولانعدام التعامل به أيضا فكان من باب مؤنة الملك والملك مشترك بينهما فكانت مؤنته عليهما على قدر ملكيهما

قسم V06/P185–V06/P186

ومنها شرط عمل تبقى منفعته بعد انقضاء مدة المعاملة نحو السرقية ( ( ( السرقنة ) ) ) ونصب العرايش ( ( ( العرائش ) ) ) وغرس الأشجار وتقليب الأرض وما أشبه ذلك لأنه لا يقتضيه العقد ولا هو من ضرورات المعقود عليه ومقاصده ومنها شركة العامل فيما يعمل فيه لأن العامل أجير رب الأرض واستئجار الإنسان للعمل في شيء هو فيه شريك المستأجر لا يجوز حتى إن النخل لو كان بين رجلين فدفعه أحدهما إلى صاحبه معاملة مدة معلومة على أن الخارج بينهما أثلاث ثلثاه للشريك العامل وثلثه للشريك الساكت فالمعاملة فاسدة والخارج بينهما على قدر الملك ولا أجر للعامل على شريكه لما مر أن في المعاملة معنى الإجارة ولا يجوز الاستئجار لعمل فيه الأجير شريك المستأجر وإذا عمل لا يستحق الأجر على شريكه لما عرف في الإجارات ولا يشبه هذا المزارعة لأن الأرض إذا كانت مشتركة بين اثنين دفعها أحدهما إلى صاحبه مزارعة على أن يزرعها ببذره وله ثلثا الخارج أنه تجوز المزارعة لأن هناك لم يتحقق الاستئجار للعمل في شيء الأجير فيه شريك المستأجر لانعدام الشركة في البذر وهنا تحقق لثبوت الشركة في النخل فهو الفرق ولا يتصدق واحد منهما بشيء من الخارج لأنه خالص ماله لكونه نماء ملكه ولو شرطا أن يكون الخارج لهما على قدر ملكيهما جازت المعاملة لأن استحقاق كل واحد منهما أعني من الشريكين لكونه نماء ملكه لا بالعمل بل العامل منهما معين لصاحبه في العمل من غير عوض فلم يتحقق الاستئجار ولو أمر الشريك الساكت الشريك العامل أن يشتري ما يلقح به النخل فاشتراه رجع عليه بنصف ثمنه لأنه اشترى مالا متقوما على الشركة بأمره فيرجع عليه وسواء كان العامل في عقد المعاملة واحدا أو أكثر حتى لو دفع رجل نخله إلى رجلين معاملة بالنصف أو بالثلث جاز وسواء سوى بينهما في الاستحقاق أو جعل لأحدهما فضلا لأن كل واحد منهما أجير صاحب الأرض فكان استحقاق كل واحد منهما بالشرط فيتقدر بقدر الشرط ولو شرط لأحد العاملين مائة درهم على رب الأرض والآخر ثلث الخارج ولرب الأرض الثلثان جاز لأن الواجب لكل واحد منهما أجرة مشروطة فيجب على حسب ما يقتضيه الشرط ولو شرطا لصاحب النخل الثلث ولأحد العاملين الثلثين وللآخر أجر مائة درهم على العامل الذي شرط له الثلثان فهو فاسد ولا يشبه هذا المزارعة أن من دفع الأرض مزارعة على أن لرب الأرض الثلث وللزارع الثلثان على أن يعمل فلان معه بثلث الخارج أن المزارعة جائزة بين رب الأرض والمزارع فاسدة في حق الثالث لأن المعاملة استئجار العامل والأجرة تجب على المستأجر دون الأجير بمقابلة العمل والعمل للمستأجر فكانت الأجرة عليه فإذا اشترطها على الأجير فقد استأجره ليعمل له على أن تكون الأجرة على غيره ولا سبيل إليه ففسد العقد وهذا هو الموجب للفساد في حق الثالث في باب المزارعة لا أنه صح فيما بين صاحب الأرض والمزارع لأنه جعل بمنزلة عقدين ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر وهذا مع هذا التكلف غير واضح ويتضح إن شاء الله تعالى فصل وأما حكم المعاملة الصحيحة عند مجيزها فأنواع منها أن كل ما كان من عمل المعاملة مما يحتاج إليه الشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان من السقي وإصلاح النهر والحفظ والتلقيح للنخل فعلى العامل لأنها من توابع المعقود عليه فيتناوله العقد وكل ما كان من باب النفقة على الشجر والكرم والأرض من السرقين وتقليب الأرض التي فيها الكرم والشجر والرطاب ونصب العرايش ( ( ( العرائش ) ) ) ونحو ذلك فعليهما على قدر حقيهما لأن العقد لم يتناوله لا مقصودا ولا ضرورة وكذلك الجذاذ والقطاف لأن ذلك يكون بعد انتهاء العمل فلا يكون من حكم عقد المعاملة ومنها أن يكون الخارج بينهما على الشرط لما مر ومنها أنه إذا لم يخرج الشجر شيئا فلا شيء لواحد منهما بخلاف المزارعة الفاسدة لما مر من الفرق في كتاب المزارعة

قسم V06/P186–V06/P187

ومنها أن هذا العقد لازم من الجانبين حتى لا يملك أحدهما الامتناع والفسخ من غير رضا صاحبه إلا من عذر بخلاف المزارعة فإنها غير لازمة في جانب صاحب البذر وقد مر الفرق ومنها ولاية جبر العامل على العمل إلا من عذر على ما قدمناه ومنها جواز الزيادة على الشرط والحط عنه وانعدام الجواز والأصل فيه ما مر في كتاب المزارعة أن كل موضع احتمل إنشاء العقد احتمل الزيادة وإلا فلا والحط جائز في الموضعين أصله بالزيادة في الثمن والمثمن فإذا دفع نخلا بالنصف معاملة فخرج الثمر فإن لم يتناه عظمه جازت الزيادة منهما أيهما كان لأن الإنشاء للعقد في هذه الحالة جائز فكانت الزيادة جائزة ولو تناهى عظم البسر جازت الزيادة من العامل لزب ( ( ( لرب ) ) ) الأرض شيئا ولا تجوز الزيادة من رب الأرض للعامل شيئا لأن هذه زيادة في الأجرة لأن العامل أجير والمحل لا يحتمل الزيادة ألا ترى أنه لا يحتمل الإنشاء والأول حط من الأجرة واحتمال الإنشاء ليس بشرط لصحة الحط ومنها أن العامل لا يملك أن يدفع إلى غيره معاملة إلا إذا قال له رب الأرض اعمل فيه برأيك لأن الدفع إلى غيره إثبات الشركة في مال غيره بغير إذنه فلا يصح وإذا قال له اعمل فيه برأيك فقد أذن له فصح ولو لم يقل له اعمل برأيك فيه فدفع العامل إلى رجل آخر معاملة فعمل فيه فأخرج فهو لصاحب النخل ولا أجر للعامل الأول ولأن استحقاقه بالشرط وهو شرط العمل ولم يوجد منه العمل بنفسه ولا بغيره أيضا لأن عقده معه لم يصح فلم يكن عمله مضافا إليه وله على العامل الأول أجر مثل عمله يوم عمل لأنه عمل له بأمره فاستحق أجر المثل ولو هلك الثمر في يد العامل الأخير من ( ( ( منا ) ) ) غير عمله وهو في رؤوس النخل فلا ضمان على واحد منهما لانعدام الغصب من واحد منهما وهو تفويت يد المالك ولو هلك من عمله في أمر خالف فيه أمر العامل الأول فالضمان لصاحب النخل على العامل الآخر دون الأول لأن الخلاف قطع نسبة عمله إليه فبقي متلفا على المالك ماله فكان الضمان عليه ولو هلك في يده من عمله في أمر لم يخالف فيه أمر العامل الأول فلصاحب النخل أن يضمن أيهما شاء لأنه إذا لم يوجد منه بخلاف بقي عمله مضافا إليه كأنه عمل لنفسه فكان له أن يضمنه وله أن يضمن الثاني لأنه في معنى غاصب الغاصب فإن اختار تضمين الأول لم يرجع على الآخر بشيء لأنه عمل بأمر الأول فلو رجع عليه لرجع هو عليه أيضا فلا يفيد وإن اختار تضمين الآخر يرجع على الأول لأنه غره في هذا العقد فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان السلامة هذا إذا لم يقل له اعمل فيه برأيك فأما إذا قال وشرط النصف فدفعه إلى رجل آخر بثلث الخارج فهو جائز لما ذكرنا وما خرج من الثمر فنصفه لرب النخل والسدس للعامل الأول لأن شرط الثلث يرجع إلى نصيبه خاصة لأن العمل واجب عليه فبقي له السدس ضرورة وذكر محمد رحمه الله في الأصل أنه إذا لم يقل له اعمل فيه برأيك وشرط له شيئا معلوما وشرط الأول للثاني مثل ذلك فهما فاسدان ولا ضمان على العامل الأول فصل وأما حكم المعاملة الفاسدة فأنواع ذكرناها في المزارعة منها أنه لا يجبر العامل على العمل لأن الجبر على العمل بحكم العقد ولم يصح ومنها أن الخارج كله لصاحب الأرض لأن استحقاق الخارج لكونه نماء ملكه واستحقاق العامل بالشرط ولم يصح فيكون لصاحب الملك ولا يتصدق بشيء منه لأنه حصل عن خالص ملكه ومنها أن أجر المثل لا يجب في المعاملة الفاسدة ما لم يوجد العمل لما ذكرنا في المزارعة ومنها أن وجوب أجر المثل فيها لا يقف على الخارج بل يجب وإن لم يخرج الشجر شيئا بخلاف المعاملة الصحيحة وقد ذكرنا الفرق في كتاب المزارعة

قسم V06/P187

ومنها أن أجر المثل فيها يجب مقدرا بالمسمى لا يتجاوز عنه عند أبي يوسف وعند محمد يجب تاما وهذا الاختلاف فيما إذا كانت حصة كل واحد منهما مسماة في العقد فإن لم تكن مسماة في العقد يجب أجر المثل تاما بلا خلاف وقد مرت المسألة في كتاب المزارعة فصل وأما المعاني التي هي عذر في فسخها فما ذكرنا في كتاب المزارعة ومن الأعذار التي في جانب العامل أن يكون سارقا معروفا بالسرقة فيخاف الثمر والسعف فصل وأما الذي ينفسخ به عقد المعاملة فأنواع منها صريح الفسخ ومنها الإقالة ومنها انقضاء المدة ومنها موت المتعاقدين وقد مر في كتاب المزارعة فصل وأما حكم المعاملة المنفسخة فعلى نحو حكم المزارعة المنفسخة والله تعالى أعلم كتاب الشرب الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى الشرب لغة وشرعا وفي بيان أنواع المياه وفي بيان حكم كل نوع منها أما الأول فالشرب في اللغة عبارة عن الحظ والنصيب من الماء قال الله عز شأنه قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وفي الآية الكريمة دلالة على جواز قسمة الشرب بالأيام لأن الله سبحانه وتعالى عز اسمه أخبر عن نبيه سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام قبل ذلك ولم يعقبه بالفسخ فصارت شريعة لنا مبتدأة وبها استدل محمد رحمه الله في كتاب الشرب لجواز قسمة الشرب بالأيام وفي عرف الشرع عبارة عن حق الشرب والسقي وأما بيان أنواع المياه فنقول المياه أربعة أنواع الأول الماء الذي يكون في الأواني والظروف والثاني الماء الذي يكون في الآبار والحياض والعيون والثالث ماء الأنهار الصغار التي تكون لأقوام مخصوصين والرابع ماء الأنهار العظام كجيحون وسيحون ودجلة والفرات ونحوها أما بيان حكم كل نوع منها على القسمة أما الأول فهو مملوك لصاحبه لا حق لأحد فيه لأن الماء وإن كان مباحا في الأصل لكن المباح يملك بالاستيلاء إذا لم يكن مملوكا لغيره كما إذا استولى على الحطب والحشيش والصيد فيجوز بيعه كما يجوز بيع هذه الأشياء وكذا السقاؤون ( ( ( السقاءون ) ) ) يبيعون المياه المحروزة في الظروف به جرت العادة في الأمصار وفي سائر الأعصار من غير نكير فلم يحل لأحد أن يأخذ منه فيشرب من غير إذنه ولو خاف الهلاك على نفسه من العطش فسأله فمنعه فإن لم يكن عنده فضل فليس له أن يقاتله أصلا لأن هذا دفع الهلاك عن نفسه بإهلاك غيره لا بقصد إهلاكه وهذا لا يجوز وإن كان عنده فضل ماء عن حاجته فللممنوع أن يقاتله ليأخذ منه الفضل لكن بما دون السلاح كما إذا أصابته مخمصة وعند صاحبه فضل طعام فسأله فمنعه وهو لا يجد غيره

قسم V06/P187–V06/P188

وأما الثاني الماء الذي يكون في الحياض والآبار والعيون فليس بمملوك لصاحبه ( ( ( لصاحب ) ) ) بل هو مباح في نفسه سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة لكن له حق خاص فيه لأن الماء في الأصل خلق مباحا لقول النبي عليه الصلاة والسلام الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار والشركة العامة تقتضي الإباحة إلا أنه إذا جعل في إناء وأحرزه به فقد استولى عليه وهو غير مملوك لأحد فيصير مملوكا للمستولي كما في سائر المباحات الغير المملوكة وإذا لم يوجد ذلك بقي على أصل الإباحة الثابتة بالشرع فلا يجوز بيعه لأن محل البيع هو المال المملوك وليس له أن يمنع الناس من الشفة وهو الشرب بأنفسهم وسقي دوابهم منه لأنه مباح لهم وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن منع نبع البئر وهو فضل مائها الذي يخرج منها فلهم أن يسقوا منها لشفاههم ودوابهم فأما لزروعهم وأشجارهم فله أن يمنع ذلك لما في الإطلاق من إبطال حقه أصلا إلا إذا كان ذلك في أرض مملوكة فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول في أرضه إذا لم يضطروا إليه بأن وجدوا غيره لأن الدخول إضرار به من غير ضرورة فله أن يدفع الضرر عن نفسه وإن لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يقال له إما أن تأذن بالدخول وإما أن تعطي بنفسك فإن لم يعطهم ومنعهم من الدخول لهم أن يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم والأصل فيه ما روي أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا وسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا فقالوا لهم إن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا فذكروا ذلك لسيدنا عمر رضي الله عنه فقال هلا وضعتم فيهم السلاح بخلاف الماء المحرز في الأواني والطعام حالة المخمصة لأن الماء هناك مملوك لصاحبه وكذا الطعام فلا بد من مراعاة حرمة الملك لحرمة القتال بالسلاح ولا ملك هناك بل هو على الإباحة الأصلية على ما بينا فإذا منعه أحد ماله حق أخذه قاتله بالسلاح كما إذا منعه ماله المملوك وأما الثالث الماء الذي يكون في الأنهار التي تكون لأقوام مخصوصين فيتعلق به أحكام بعضها يرجع إلى نفس الماء وبعضها يرجع إلى الشرب وبعضها يرجع إلى النهر أما الذي يرجع إلى نفس الماء فهو أنه غير مملوك لأحد لما ذكرنا أن الماء خلق مباح الأصل بالنص وإنما يأخذ حكم الملك بالإحراز بالأواني فلا يجوز بيعه لعدم الملك ولو قال اسقني يوما من نهرك على أن أسقيك يوما من نهر كذا لا يجوز لأن هذا مبادلة الماء بالماء فيكون بيعا أو إجارة الشرب بالشرب وكل ذلك لا يجوز ولا تجوز إجارته لأن الإجارة تمليك المنفعة لا تمليك العين بمنافعها ليست بمملوكة ولو استأجر حوضا أو بئرا ليسقي منه ماء لا يجوز لأن هذا استئجار الماء وكذا لو استأجر النهر ليصيد منه السمك لأن هذا استئجار السمك وكذا لو استأجر أجمة ليحتطب لأن هذا استئجار الحطب ( ( ( لحطب ) ) ) والأعيان لا تحتمل الإجارة وليس لصاحب النهر أن يمنع من الشفة وهو شرب الناس والدواب وله أن يمنع من سقي الزرع والأشجار لأن له فيه حقا خاصا وفي إطلاق السقي إبطال حقه لأن كل أحد يتبادر إليه فيسقي منه زرعه وأشجاره فيبطل حقه أصلا ولو أذن بالسقي والنهر خاص له جاز لأنه أبطل حق نفسه وأما الذي يرجع إلى الشرب فهو أنه لا يجوز بيعه منفردا بأن باع شرب يوم أو أكثر لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي والحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع والشراء ولو اشترى به دارا وعبدا وقبضهما لزمه رد الدار والعبد لأنه مقبوض بحكم عقد فاسد فكان واجب الرد كما في سائر البياعات الفاسدة ولا شيء على البائع بما انتفع به من الشرب

قسم V06/P188–V06/P189

ولو باع الأرض مع الشرب جاز تبعا للأرض ويجوز أن يحمل ( ( ( يجعل ) ) ) الشيء تبعا لغيره وإن كان لا يجعله مقصودا بنفسه كأطراف الحيوان ولا يدخل الشرب في بيع الأرض إلا بالتسمية صريحا أو بذكر ما يدل عليه بأن يقول بعتها بحقوقها أو بمرافقها أو كل قليل وكثير هو لها داخل فيها وخارج عنها من حقوقها فإن لم يذكر شيئا من ذلك لا يدخل لأن اسم الأرض بصيغته وحروفه لا يدل على الشرب ولا تجوز إجارته مفردا لأن الحقوق لا تحتمل الإجارة على الانفراد كما لا تحتمل البيع وكذا لو جعله أجرة في إجارة الدار والعبد ونحو ذلك لا يجوز لأن الأجرة في باب الإجارة كالثمن في باب البيع وأنه لا يصلح ثمنا في البياعات فلا يصلح أجرة في الإجارات ولو انتفع بالدار والعبد لزمه أجر مثله لأنه استوفى منفعة المعقود عليه عقدا فاسدا فيلزمه أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة ولو استأجر الأرض مع الشرب جاز تبعا للأرض كما في البيع على ما ذكرنا ولو استأجر أرضا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلا فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل في البيع وفي الاستحسان كانا له ويدخلان ( ( ( ويدخلا ) ) ) تحت إجارة الأرض من غير تسمية نصا لوجودها دلالة لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض ولا يمكن الانتفاع بالأرض بدون الشرب فيصير الشرب مذكورا بذكر الأرض دلالة بخلاف البيع لأن البيع تمليك العين والعين تحتمل الملك بدونه ولا تجوز هبته والتصدق به لأن كل واحد منهما تمليك والحقوق المفردة لا تحتمل التمليك ولا يجوز الصلح عليه بأن صالح من دعوى على شرب سواء كان دعوى المال أو الحق من القصاص في النفس وما دونه لأن الصلح في معنى البيع إلا أنه يسقط القصاص ويكون الصلح كأنه على العفو لما ذكرنا في كتاب الصلح ولأن صورة الصلح أورثت شبهة والقصاص لا يستوفى مع الشبهات وتجب على القاتل والجارح الدية وأرش الجناية ولا تصح تسميته في باب النكاح بأن تزوج امرأة عليه وعلى الزوج مهر المثل لأن النكاح تصرف تمليك وأنه لا يحتمل التمليك وإذا لم تصح التسمية يجب العوض الأصلي وهو مهر المثل ولا تصح تسميته في الخلع بأن اختلعت المرأة من نفسها عليه وعليها رد المأخوذ من المهر لأن تسميته في معرض التمليك إن لم يصح فهو مال لكونه مرغوبا فيه فمن حيث أنه لم يحتمل التمليك لم يصلح بدل الخلع ومن حيث هو مال مرغوب فيه في نفسه لم يبطل ذلك أصلا فيظهر في وجوب رد المأخوذ وهذا أصلي في باب الخلع محفوظ أنه شيء تعذر تسليم البدل المذكور وهو مال مرغوب في نفسه يجب عليها رد المأخوذ من المهر ومورثه لأن الإرث لا يقف على الملك لا محالة بل يثبت في حق المال كما يثبت في الملك كخيار العيب ونحو ذلك ويوصي به حتى لو أوصى لرجل أن يسقي أرضه مدة معلومة من شربه جازت الوصية وتعتبر من الثلث لأن الوصية وإن كان تمليكا لكنها تمليك بعد الموت ألا ترى أن الموصي له لا يملك الموصى به في الحال وإنما يملك بعد الموت فأشبه الميراث فإذا احتمل الإرث احتمل الوصية التي هي أخت الميراث وإذا مات الموصى له تبطل الوصية حتى لا تصير ميراثا لورثة الموصى له لأن الشرب ليس بعين مال بل هو حق مالي وشبه الخدمة ثم الوصية بالخدمة تبطل بموت الموصى له ولا تصير ميراثا فكذلك الوصية بالشرب ولو أوصى أن يتصدق بالشرب على المساكين لم يصح لأنه لما لم يحتمل التمليك بالتصدق استوى فيه الحال والإضافة إلى ما بعد الموت بالوصية ويسقى كل واحد من الشركاء على قدر شربه

قسم V06/P189–V06/P190

ولو اختلفا في قدر الشرب ولا بينة لأحدهم تحكم الأراضي فيكون الشرب بينهم على قدر أراضيهم ولا يعتبر عدد الرؤوس بخلاف الجماعة إذا اختلفوا في طريق مشترك بينهم أنه لا تحكم فيه بقعة الدار بل يعتبر فيه عدد الرؤوس وإنما كان كذلك لاختلاف المقصود إذ المقصود من الشرب السقي والسقي يختلف باختلاف الأراضي والمقصود من الطريق هو المرور وأنه لا يختلف باختلاف الدور ولو كان الأعلى منهم لا يشرب ما لم يسكر النهر عن الأسفل بأن كانت أرضه ربوة لم يكن له ذلك ولكن يشرب بحصته لأن في سكر النهر حتى يشرب الأعلى منع الأسفل من الشرب وهذا لا يجوز إلا إذا تراضيا على أن يسكر كل في نوبته فيجوز ولو أراد أحد الشركاء أن ينصب على النهر المشترك رحى أو دالية أو سانية نظر فيه فإن كان لا يضر بالشرب والنهر وكان موضع البناء أرض صاحبه وإلا فلا لأن رقبة النهر وموضع البناء ملك بين الجماعة على الشركة وحق الكل متعلق بالماء ولا سبيل إلى التصرف في الملك المشترك والحق المشترك إلا برضا الشركاء وأما الذي يرجع إلى النهر فالأصل فيه أن النهر الخاص لجماعة لا يملك أحدهم التصرف فيه من غير رضا الباقين سواء أضر بهم التصرف أو لا لأن رقبة النهر مملوكة لهم وحرمة التصرف في المملوك لا تقف على الإضرار بالمالك حتى لو أراد واحد من الشركاء أن يحفر نهرا صغيرا من النهر المشترك فيسوق الماء إلى أرض أحياها ليس لها منه شرب ليس له ذلك إلا برضاهم لأن الحفر تصرف في محل مملوك على الشركة من غير رضاهم فيمنع عنه وكذلك لو كان هذا النهر يأخذ الماء من النهر العظيم فأراد واحد أن يزيد فيها كوة من غير رضا الشركاء ليس له ذلك وإن كان ذلك لا يضرهم لأن ذلك تصرفهم في النهر بإجراء زيادة ماء فيه من غير رضاهم فيمنع عنه ولو أراد أن ينصب عليه رحى فإن كان موضع البناء مملوكا له والماء يدير الرحى على سيبه له ذلك وإن كان موضع البناء مشتركا أو تقع الحاجة إلى تعريج الماء ثم الإعادة ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالشركاء بتأخير وصول حقهم إليهم بالتعريج كما إذا حفر نهرا في أرضه وأراد أن يعرج الماء إليه ثم يعيده إلى النهر وكذلك لو أراد أحدهم أن ينصب دالية أو سانية فهو على هذا التفصيل وليس لأحدهم أن يضع قنطرة على هذا النهر من غير رضاهم لأن القنطرة تصرف في حافتي النهر وفي هواه وكل ذلك مشترك ولو كان النهر بين شريكين له خمس كوى من النهر الأعظم ولأحد الشريكين أرض في أعلى النهر وللآخر أرض في أسفله فأراد صاحب الأعلى أن يسد شيئا من تلك الكوى لما يدخل من الضرر في أرضه ليس له ذلك إلا برضا شريكه لأنه يتضرر به شريكه فلا يجوز له دفع الضرر عن نفسه بإضرار غيره وإن أراد أن يتهايآ حتى يسد في حصته ما شاء لم يكن له ذلك إلا برضا الشريك لما قلنا وإن تراضيا على ذلك زمانا ثم بدا لصاحب الأسفل أن ينقض فله ذلك لأن المراضاة على ما لا يحتمل التمليك تكون مهايأة وأنها غير لازمة ولو كان النهر بين رجلين له كوى فأضاف رجل أجنبي إليها كوة وحفر نهرا منه إلى أرضه برضا منهما ومضى على ذلك زمان ثم بدا لأحدهما أن ينقض فله ذلك لأن العارية لا تكون لازمة وكذلك لو مات لورثتهما أن ينقضوا ذلك لما قلنا ولو كان نهر بين جماعة يأخذ الماء من النهر الأعظم ولكل رجل نهر من هذا النهر فمنهم من له كوتان ومنهم من له ثلاث كوى فقال صاحب الأسفل لصاحب الأعلى إنكم تأخذون أكثر من نصيبكم لأن دفعة الماء وكثرته في أول النهر ولا يأتينا إلا وهو قليل فأرادوا المهايأة أياما معلومة فليس لهم ذلك ويترك الماء والنهر على حاله لأن ملكهم في رقبة النهر لا في نفس الماء

قسم V06/P190–V06/P191

ولو أراد واحد منهم أن يوسع كوة نهره لم يكن له ذلك لأنه يدخل فيها الماء زائدا على حقه فلا يملك ذلك ولو حفر في أسفل النهر جاز ولو زاد في عرضه لا يجوز لأن الكوى من حقوق النهر فيملكه بملك النهر بخلاف الزيادة في العرض ولو كان نهر يأخذ الماء من النهر الأعظم بين قوم فخافوا أن ينبثق فأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم عن ذلك فإن كان ضررا عاما يجبرون على أن يحصنوه بالحصص وإن لم يكن فيه ضرر عام لا يجبرون عليه لأن الانتفاع متعذر عند عموم الضرر فكان الجبر على التحصيص من باب دفع الضرر عن الجماعة فجاز وإذا لم يكن الضرر عاما يمكن الانتفاع بالنهر فكان الجبر بالتحصيص جبرا عليه لزيادة الانتفاع بالنهر وهذا لا يجوز ولو كان نهر لرجل ملاصق لأرض رجل فاختلف صاحب الأرض والنهر في مسناة فالمسناة لصاحب الأرض عند أبي حنيفة رحمه الله له أن يغرس فيها طينه ولكن ليس له أن يهدمها وعند أبي يوسف ومحمد المسناة لصاحب النهر حريما لنهره وله أن يغرس فيها ويلقي طينه ويجتاز فيها وإن لم يكن ملاصقا بل كان بين النهر والأرض حائل من حائط ونحوه كانت المسناة لصاحب النهر بالإجماع وبعض مشايخنا بنوا هذا الاختلاف على أن النهر هل له حريم أم لا بأن حفر رجل نهرا في أرض موات بإذن الإمام عند أبي حنيفة لا حريم له وعندهما له حريم ووجه البناء عليه أنه لما لم يكن للنهر حريم عند أبي حنيفة كان الظاهر شاهدا لصاحب الأرض فكان القول قوله ولما كان له حريم عندهما كان الظاهر شاهدا لصاحب النهر فيكون القول قوله وبعضهم لم يصححوا البناء وقالوا لا خلاف أن للنهر حريما في أرض الموات لأن للبئر وللعين ( ( ( والعين ) ) ) حريما فيها بالإجماع وقد روي عليه الصلاة والسلام أنه جعل لهما حريما لحاجتهما إلى الحفر لتعذر الانتفاع بها بدون الحفر لأن حاجة النهر إلى الحريم كحاجة البئر والعين بل أشد فكان جعل الشرع للبئر والعين حريما جعلا للنهر من طريق الأولى دل أن البناء على هذا الأصل غير صحيح فكان هذا خلافا مبتدأ وجه قولهما أنه لما كان للنهر حريم بالاتفاق كان الظاهر شاهدا لصاحب النهر فيجب العمل بالظاهر حتى يقوم الدليل بخلافه ولهذا كان القول قول صاحب البئر والعين عند الاختلاف كذا هذا ولأبي حنيفة أن المسناة إذا كانت مستوية بالأرض فالظاهر أنها ملك صاحب الأرض إذ لو كانت حريما للنهر لكانت مرتفعة لكونها ملقى طينه فكان الظاهر شاهدا لصاحب الأرض إلا أنه لا يملك هدمها لتعلق حق صاحب النهر بها وفي الهدم إبطاله ويجوز أن يمنع الإنسان من التصرف في ملكه لتعلق حق الغير كحائط لإنسان عليه جذوع لغيره فأراد هدم الحائط يمنع منه كذا هذا ثم كري النهر المشترك على أصحاب النهر وليس على أصحاب الشفة في الكري شيء لأن هذا من حقوق الملك ولا ملك لأهل الشفة في رقبة النهر بل لهم حق شرب الماء والسقي للدواب فقط واختلف في كيفية الكري عليهم قال أبو حنيفة عليهم أن يكروا من أعلاه وإذا جاوزوا أرض رجل دفع عنه وكان الكري على من بقي وقال أبو يوسف ومحمد الكري عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب والأراضي حتى إن النهر لو كان بين عشرة أنفس أراضيهم عليه لأخر كري فوهة النهر إلى أن يجاوز شرب أولهم بينهم على عشرة أسهم على كل واحد منهم العشر فإذا جاوزوا شرب الأول سقط عنه الكري وكان على الباقين على تسعة أسهم فإذا جاوزوا شرب الثاني سقط عنه الكري وكان على الباقين على ثمانية أسهم هكذا وهذا عند أبي حنيفة وأما عندهما فالكري بينهم على عشرة أسهم من أعلى النهر إلى أسفله

قسم V06/P191–V06/P192

وجه قول أبي حنيفة أن الكري من حقوق الملك والملك في الأعلى مشترك بين الكل من فوهة النهر إلى شرب أولهم فكانت مؤنته على الكل فأما بعده فلا ملك لصاحب الأعلى فيه إنما له حق وهو حق تسييل الماء فيه فكانت مؤنته على صاحب الملك لا على صاحب الحق ولهذا كانت مؤنة الكري على أصحاب النهر ولا شيء على أهل الشفة لأن الملك لأصحاب النهر ولأهل الشفة حق الشرب وسقي دوابهم وكذا كل من كان له ميل على سطح مملوك لغيره فكانت غرامته على صاحب السطح لا عليه لما قلنا وأما الأنهار العظام كسيحون ودجلة والفرات ونحوها فلا ملك لأحد فيها ولا في رقبة النهر وكذا ليس لأحد حق خاص فيها ولا في الشرب بل هو حق لعامة المسلمين فلكل أحد أن ينتفع بهذه الأنهار بالشفة والسقي وشق النهر منها إلى أرضه بأن أحيا أرضا ميتة بإذن الإمام له أن يشق إليها نهرا من هذه الأنهار وليس للإمام ولا لأحد منعه إذا لم يضر بالنهر وكذا له أن ينصب عليه رحى ودالية وسانية إذا لم يضر بالنهر لأن هذه الأنهار لم تدخل تحت يد أحد فلا يثبت الاختصاص بها لأحد فكان الناس فيها كلهم على السواء فكان كل واحد بسبيل من الانتفاع لكن بشريطة عدم الضرر بالنهر كالانتفاع بطريق العامة وإن أضر بالنهر فلكل واحد من المسلمين منعه لما بينا أنه حق لعامة المسلمين وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر كالتصرف في الطريق الأعظم وسئل أبو يوسف عن نهر مرو وهو نهر عظيم أحيا رجل أرضا كانت مواتا فحفر لها نهرا فوق مرو من موضع ليس يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر فقال أبو يوسف إن كان يدخل على أهل مرو ضرر في مائهم ليس له ذلك وإن كان لا يضرهم فله ذلك وليس لهم أن يمنعوه لما قلنا وسئل أيضا إذا كان لرجل من هذا النهر كوى معروفة هل له أن يزيد فيها فقال إن زاد في ملكه وذلك لا يضر بأهل النهر فله ذلك ولو كان نهر خاص لقوم يأخذ الماء من هذا النهر فأراد واحد منهم أن يزيد كوة لم يكن له ذلك وإن كان لا يضر بالنهر ووجه الفرق أن الزيادة في الفصل الأول تصرف في حق مشترك بين العامة وحرمة التصرف في حقوق العامة لا تثبت إلا بشريطة الضرر والزيادة في الفصل الثاني تصرف في ملك مشترك بأخذ زيادة الماء في النهر والتصرف في الملك المشترك لا تقف حرمته على الضرر بالمالك هو الفرق ولو جزر ماء هذه الأنهار عن أرض فليس لمن يليها أن يضمها إلى أرض نفسه لأنه يحتمل أن يعود ماؤها إلى مكانه ولا يجد إليه سبيلا فيحمل على جانب آخر فيضر حتى لو أمن العود أو كان بإزائها من الجانب الآخر أرض موات لا يستضر أحد بحمل الماء عليه فله ذلك ويملكه إذا أحياه بإذن الإمام أو بغير إذنه على الاختلاف المعروف ولو احتاجت هذه الأنهار إلى الكري فعلى السلطان كراها من بيت المال لأن منفعتها لعامة المسلمين فكانت مؤنتها من بيت المال لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وكذا لو خيف منها الغرق فعلى السلطان إصلاح مسناتها من بيت المال لما قلنا والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الأراضي الكلام في موضعين في بيان أنواع الأراضي وفي بيان حكم كل نوع منها أما الأول فالأراضي في الأصل نوعان أرض مملوكة وأرض مباحة غير مملوكة والمملوكة نوعان عامرة وخراب والمباحة نوعان أيضا نوع هو من مرافق البلدة محتطبا لهم ومرعى لمواشيهم ونوع ليس من مرافقها وهو المسمى بالموات أما بيان حكم كل نوع منها أما الأراضي المملوكة العامرة فليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها لأن عصمة الملك تمنع من ذلك وكذلك الأرض الخراب الذي انقطع ماؤها ومضى على ذلك سنون لأن الملك فيها قائم وإن طال الزمان حتى يجوز بيعها وهبتها وإجارتها وتصير ميراثا إذا مات صاحبها