Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال ومن باع سلعة بثمن قيل للمشتري ادفع الثمن أولا لأن حق المشتري تعين في المبيع فيقدم دفع الثمن ليتعين حق البائع بالقبض لما أنه لا يتعين بالتعيين تحقيقا للمساواة قال ومن باع سعلة بسلعة أو ثمنا بثمن قيل لهما سلما معا لاستوائهما في التعين وعدمه فلا حاجة إلى تقديم أحدهما في الدفع 2 باب خيار الشرط 2 خيار الشرط جائز في البيع للبائع والمشتري ولهما الخيار ثلاثة أيام فما دونها والأصل فيه ما روى أن حبان بن منقذ بن عمرو الآنصاري رضي الله عنه كان يغبن في البياعات فقال له النبي عليه الصلاة والسلام إذا بايعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام ولا يجوز أكثر منها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول زفر والشافعي رضي الله عنهما وقالا يجوز إذا سمى مدة معلومة لحديث ابن عمر رضي الله عنه أنه أجاز الخيار إلى شهرين ولأن الخيار إنما شرع للحاجة إلى التروي ليندفع الغبن وقد تمس الحاجة إلى الأكثر فصار كالتأجيل في الثمن ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد وهو اللزوم وإنما جوزناه بخلاف القياس لما رويناه من النص فيقتصر على المدة المذكورة فيه وانتفت الزيادة إلا أنه إذا أجاز في الثلاث جاز عند أبي حنيفة رضي الله عنه خلافا لزفر هو يقول إنه انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا وله أنه أسقط المفسد قبل تقرره فيعود جائزا كما إذا باع بالرقم وأعلمه في المجلس ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع فإذا أجاز قبل ذلك لم يتصل المفسد بالعقد ولهذا قيل إن العقد يفسد بمضي جزء من اليوم الرابع وقيل ينعقد فاسدا ثم يرتفع الفساد بحذف الشرط وهذا على الوجه الأول ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما جاز وإلى أربعة أيام لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يجوز إلى أربعة أيام أو أكثر فإن نقد في الثلاث جاز في قولهم جميعا والأصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد تحرزا عن المماطلة في الفسخ فيكون ملحقا به وقد مر أبو حنيفة على أصله في الملحق به ونفى الزيادة عن الثلاث وكذا محمد في تجويز الزيادة وأبو يوسف أخذ في الأصل بالأثر وفي هذا بالقياس وفي هذه المسألة قياس آخر وإليه مال زفر وهو أنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط أو اشتراط الصحيح منها فيه مفسد للعقد فاشتراط الفاسد أولى ووجه الاستحسان ما بينا قال وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه لأن تمام هذا السبب بالمراضاة ولا تتم مع الخيار ولهذا ينفذ عتقه ولا يملك المشتري التصرف فيه وإن قبضه بإذن البائع فلو قبضه المشتري وهلم في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة لأن البيع ينفسخ بالهلاك لأنه كان موقوفا ولا نفاذ بدون المحل فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء وفيه القيمة ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالبيع الصحيح المطلق قال وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع لأن البيع في جانب الآخر لازم وهذا لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار لأنه شرع نظرا له دون الآخر قال إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يملكه لأنه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنا به في الشرع ولأبي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة ولا أصل له في الشرع لأن المعاوضة تقتضي المساواة ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى فيقف على المصلحة ولو ثبت الملك وبما يعتق عليه من غير اختيارة بأن كان قريبه فيفوت النظر
قال فإن هلك في يده هلك بالثمن وكذا إذا دخله عيب بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ووجه الفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد والهلاك لا يعري عن مقدمة عيب فيهلك والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن بخلاف ما تقدم لأن بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما بخيار البائع فيهلك والعقد موقوف قال ومن اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح لأنه لم يملكها لما له من الخيار وإن وطئها له أن يردها لأن الوطء بحكم النكاح إلا إذا كانت بكرا لأن الوطءينقصها وهذا عند أبي حنيفة وقالا يفسد النكاح لأنه ملكها وإن وطئها لم يردها لأن وطأها يملك اليمين فيمتنع الرد وإن كانت ثيبا ولهذه المسألة أخوات كلها تبتنى على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار وعدمه منها عتق المشترى على المشتري إذا كان قريبا له في مدة الخيار ومنها عتقه إذا كان المشتري حلف إن ملكت عبدا فهو حر بخلاف ما إذا قال إن اشتريت فهو حر لأنه يصير كالمنشىء للعتق بعد الشراء فيسقط الخيار ومنها أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزأ به على الاستبراء عنده وعندهما يجتزأ ولو ردت بحكم الخيار إلى البائع لا يجب عليه الاستبراء عنده وعندهما يجب إذا ردت بعد القبض ومنها إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما ومنها إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أودعه عند البائع فهلك في يده في المدة هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد لعدم الملك عنده وعندهما من مال المشتري لصحة الإيداع باعتبار قيام الملك ومنها لو كان المشتري عبدا مأذونا له فأبرأه البائع من الثمن في المدة بقي على خياره عنده لأن الرد امتناع عن التملك والمأذون له يليه وعندهما بطل خياره لأنه لما ملكه كان الرد منه تمليكا بغير عوض وهو ليس من أهله ومنها إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما لأنه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم وعنده يبطل البيع لأنه لم يملكها فلا يتملكها بإسقاط الخيار بعده وهومسلم قال ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في مدة الخيار وله أن يجيز فإن أجازه بغيرحضرة صاحبه جاز وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخرحاضرا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يجوز وهو قول الشافعي والشرط هو العلم وإنما كني بالحضرة عنه له أنه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه فلا يتوقف على علمه كالإجازة ولهذا لا يشترط رضاه وصار كالوكيل بالبيع ولهما أنه تصرف في حق الغير وهو العقد بالرفع ولا يعرى عن المضرة لأنه عساه يعتمد على تمام البيع السابق فيتصرف فيه فتلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع أو لايطلب لسلعته مشتريا فيما إذا كان الخيار للمشتري وهذا نوع ضرر فيتوقف على علمه وصار كعزل الوكيل بخلاف الإجازة لأنه لا إلزام فيه ولا نقول إنه مسلط وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ ولا تسليط في غير ما يملكه المسلط ولو كان فسخ في حال غيبة صاحبة وبلغه في المدة تم الفسخ لحصول العلم به ولو بلغه بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ قال وإذا مات من له الخيار بطل خياره ولم ينتقل إلى ورثته وقال الشافعي يورث عنه لأنه حتى لازم ثابت في البيع فيجري فيه الإرث كخيار الغيب والتعيين ولنا أن الخيار ليس إلا مشيئة وإرادة ولا يتصور انتقاله والإرث فيما يقبل الانتقال بخلاف خيار العيب لأن المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث فأما نفس الخيار لا يورث وإما خيار التعيين فيثبت للوارث ابتداء لاختلاط ملكه بملك الغير لا أن يورث الخيار
قال ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره فأيهما أجاز جاز الخيار وأيهما نقض انتقض وأصل هذا أن اشتراط الخيار لغيره جائز استحسانا وفي القياس لا يجوز وهو قول زفر لأن الخيار من مواجب العقد وأحكامه فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري ولنا أن الخيار لغير العاقد لا يثبت إلا بطريق النيابة عن العاقد فيقدر الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه وعند ذلك يكون لكل واحد منهما الخيار فأيها أجاز جاز أيهما نقض انتقض ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره ولو خرج الكلامان منهما معا يعتبر تصرف العاقد في رواية وتصرف الفاسخ في أخرى وجه الأول أن تصرف العاقد أقوى لأن النائب يستفيد الولاية منه ووجه الثاني أن الفسخ أقوى لأن المجاز يلحقه الفسخ والمفسوخ لا تلحقه الإجازة ولما ملك كل واحد منهما التصرف رجحنا بحال التصرف وقيل الأول قول محمد والثاني قول أبي يوسف واستخرج ذلك مما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا فمحمد يعتبر فيه تصرف الموكل وأبو يوسف يعتبرهما قال ومن باع عبدين بالف درهم على أنه بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام فالبيع فاسد وإن باع كل واحد منهما بخمسمائة على أنه بالخيار في أحدهما بعينه جاز البيع والمسألة على أربعة أوجه أحدها أن لا يفصل الثمن ولا يعين الذي فيه الخيار وهو الوجه الأول في الكتاب وفساده لجهالة الثمن والمبيع لأن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد إذ العقد مع الخيار لا ينعقد في حق الحكم فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم والوجه الثاني أن يفصل الثمن ويعين الذي فيه الخيار وهو المذكور ثانيا في الكتاب وإنما جاز لأن المبيع معلوم والثمن معلوم وقبول العقد في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاد العقد في الآخر ولكن هذا غير مفسد للعقد لكونه محلا للبيع كما إذا جمع بين قن ومدبر والثالث أن يفصل ولا يعين والرابع أن يعين ولا يفصل والعقد فاسد في الوجهين إما لجهالة المبيع أو لجهالة الثمن قال ومن اشترى ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء بعشرة وهو بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز وكذا الثلاثة فإن كانت أربعة أثواب فالبيع فاسد والقياس أن يفسد البيع في الكل لجهالة المبيع وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله وجه الاستحسان أن شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ماهو الأرفق والأوفق والحاجة إلى هذا النوع من البيع متحققة لأنه يحتاج إلى اختيار من يثق به أو اختيار من يشتريه لأجله ولا يمكنه البائع من الحمل إليه إلا بالبيع فكان في معنى ما ورد به الشرع غير أن هذه الحاجة تندفع بالثلاث لوجود الجيد والوسط والرديء فيها والجهالة لا تفضي إلى المنازعة في الثلاثة لتعيين من له الخيار وكذا في الأربع إلا أن الحاجة إليها غير متحققة والرخصة ثبوتها بالحاجة وكون الجهالة غير مفضية إلى المنازعة فلا تثبت بأحدهما ثم قيل يشترط أن يكون في هذا العقد خيار الشرط مع خيار التعيين وهو المذكور في الجامع الصغير وقيل لا يشترط وهو المذكور في الجامع الكبير فيكون ذكره على هذا الاعتبار وفاقا لا شرطا وإذا لم يذكر خيار الشرط لا بد من توقيت خيار التعيين بالثلاث عنده وبمدة معلومة أيتها كانت عندهما ثم ذكر في بعض النسخ اشترى ثوبين وفي بعضها اشترى أحد الثوبين وهو الصحيح لأن المبيع في الحقيقة أحدهما والآخر أمانة والأول تجوز واستعارة ولو هلك أحدهما أو تعيب لزمه البيع فيه بثمنه وتعين الآخر للأمانه لامتناع الرد بالتعيب ولو هلكا جميعا معا يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما لشيوع البيع والأمانة فيهما ولو كان فيه خيار الشرط له أن يردهما جميعا ولو مات من له الخيار فلوارثه أن يرد أحدهما لأن الباقي خيار التعيين للاختلاط ولهذا لا يتوقف في حق الوارث وأما خيار الشرط لا يورث وقد ذكرناه من قبل
قال ومن اشترى دارا على أنه بالخيار فبيعت دار أخرى إلى جنبها فأخذها بالشفعة فهو رضى لأن طلب الشفعة يدل على اختياره الملك فيها لأنه ما ثبت إلا لدفع ضرر الجوار وذلك بالاستدامة فيتضمن ذلك سقوط الخيار سابقا عليه فيثبت الملك من وقت الشراء فيتبين أن الجوار كان ثابتا وهذا التقرير يحتاج إليه لمذهب أبي حنيفة رحمه الله خاصة قال وإذا اشترى الرجلان عبدا على أنهما بالخيار فرضي أحدهما فليس للآخر أن يرده عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا له أن يرده وعلى هذا الخلاف خيار العيب وخيار الرؤية لهما أن إثبات الخيار لهما إثباته لكل واحد منهما فلا يسقط بإسقاط صاحبه لما فيه من إبطال حقه وله أن المبيع خرج عن ملكه غير معيب بعيب الشركة فلورده أحدهما رده معيبا به وفيه إلزام ضرر زائد وليس من ضرورة إثبات الخيار لهما الرضى برد أحدهما لتصور اجتماعهما على الرد قال ومن باع عبدا على أنه خباز أو كاتب وكان بخلافه فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك لأن هذا وصف مرغوب فيه فيستحق في العقد بالشرط ثم فواته يوجب التخيير لأنه ما رضي به دونه وهذا يرجع إلى اختلاف النوع لقلة التفاوت في الأغراض فلا يفسد العقد بمنزلة وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات وصار كفوات وصف السلامة وإذا أخذه بجميع الثمن لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن لكونها تابعة في العقد على ما عرف 2 باب خيار الرؤية 2 قال ومن اشترى شيئا لم يره فالبيع جائز وله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده وقال الشافعي رحمه الله لا يصح العقد أصلا لأن المبيع مجهول ولنا قوله عليه الصلاة والسلام من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه ولأن الجهالة بعد الرؤية لا تفضي إلى المنازعة لأنه لو لم يوافقه يرده فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه وكذا إذا قال رضيت ثم رآه له أن يرده لأن الخيار معلق بالرؤية لما روينا فلا يثبت قبلها وحق الفسخ قبل الرؤية بحكم أنه عقد غير لازم لا بمقتضى الحديث ولأن الرضى بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله رضيت قبل الرؤية بخلاف قوله رددت قال ومن باع مالم يره فلا خيار له وكان أبو حنيفة يقول أولا له الخيار اعتبارا بخيار العيب وخيار الشرط وهذا لأن لزوم العقد بتمام الرضى زوالا وثبوتا ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم بأوصاف المبيع وذلك بالرؤية فلم يكن البائع راضيا بالزوال ووجه القول المرجوع إليه أنه معلق بالشراء لما روينا فلا يثبت دونه وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه باع أرضا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله فقيل لطلحة إنك قد غبنت فقال لي الخيار لأني اشتريت مالم أره وقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال لي الخيار لأني بعت ما لم اره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ثم خيار الرؤية غير موقت بل يبقى إلى أن يوجد ما يبطله وما يبطل خيار الشرط من تعيب أو تصرف يبطل خيار الرؤية ثم إن كان تصرفا لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير أو تصرفا يوجب حقا للغير كالبيع المطلق والرهن والإجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها لأنه لما لزم تعذر الفسخ فبطل الخيار وإن كان تصرفا لا يوجب حقا للغير كالبيع بشرط الخيار والمساومة والهبة من غير تسليم لا يبطله قبل الرؤية لأنه لا يربو على صريح الرضى ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضى
قال ومن نظر إلى وجه الصبرة أو إلى ظاهر الثوب مطويا أو إلى وجه الجارية أو إلى وجه الدابة وكفلها فلا خيار له وألأصل في هذا أن رؤية جميع المبيع غير مشروط لتعذره فيكتفى برؤية ما يدل على العلم بالمقصود ولو دخل في البيع أشياء فإن كانت لا تتفاوت أحادها كالمكيل والموزون وعلامته أن يعرض بالنموذج يكتفى برؤية واحد منها إلا إذا كان الباقي أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار وإن كانت تتفاوت آحادها كالثياب والدواب لا بد من رؤية كل واحد منها والجوز والبيض من هذا القبيل فيما ذكره الكرخي وكان ينبغي أن يكون مثل الحنطة والشعير لكونها متقاربة إذا ثبت هذا فنقول النظر إلى وجه الصبرة كاف لأنه يعرف وصف البقية لأنه مكيل يعرض بالنموذج وكذا النظر إلى ظاهر الثوب مما يعلم به البقية إلا إذا كان في طيه ما يكون مقصودا كموضع العلم والوجه هو المقصود في الآدمي وهو والكفل في الدواب فيعتبر رؤية المقصود ولا يعتبر رؤية غيره وشرط بعضهم رؤية القوائم والأول هو المروي عن أبي يوسف رحمه الله وفي شاة اللحم لا بد من الحس لأن المقصود هو اللحم يعرف به وفي شاة القنية لا بد من رؤية الضرع وفيما يطعم لا بد من الذوف لأن ذلك هو المعرف للمقصود قال وإن رأى صحن الدار فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها وكذلك إذا رأى خارج الدار أو رأى أشجار البستان من خارج وعند زفر لا بد من دخول داخل البيوت والأصح أن جواب الكتاب على وفاق عادتهم في الأبنية فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ فأما اليوم فلا بد من الدخول في داخل الدار للتفاوت والنظر إلى الظاهر لا يوقع العلم بالداخل قال ونظر الوكيل كنظر المشتري حتى لا يرده إلا من عيب ولا يكون نظر الرسول كنظر المشتري وهذا عند أبي حنيفة وقالا هما سواء وله أن يرده قال معناه الوكيل بالقبض فأما الوكيل بالشراء فرؤيته تسقط الخيار بالإجماع لهما أنه توكل بالقبض دون إسقاط الخيار فلا يملك مالم يتوكل به وصار كخيار العيب والشرط والإسقاط قصدا وله أن القبض نوعان تام وهو أن يقبضه وهو يراه وناقص وهو أن يقبضه مستورا وهذا لأن تمامه بتمام الصفقة ولا تتم مع بقاء خيار الرؤية والموكل ملكه بنوعية فكذا الوكيل ومتى قبض الموكل وهو يراه سقط الخيار فكذا الوكيل لإطلاق التوكيل وإذاقبضه مستورا انتهى التوكيل بالناقص منه فلا يملك إسقاطه قصدا بعد ذلك بخلاف خيار العيب لأنه لا يمنع تمام الصفقة فيتم القبض مع بقائه وخيار الشرط على هذا الخلاف ولو سلم فالموكل لا يملك التام منه فإنه لا يسقط بقبضه لأن الاختيار وهو المقصود بالخيار يكون بعده فكذا لا يملكه وكيله وبخلاف الرسول لأنه لا يملك شيئا وإنما إليه تبليغ الرسالة ولهذا لا يملك القبض والتسليم إذا كان رسولا في البيع قال وبيع الأعمى وشراؤه جائز وله الخيار إذا اشترى لأنه اشترى مالم يره وقد قررناه من قبل ثم يسقط خياره بجسه المبيع إذا كان يعرف بالجس ويشمه إذا كان يعرف بالشم ويذوقه إذا كان يعرف بالذوق كما في البصير ولا يسقط خياره في العقار حتى يوصف له لأن الوصف يقام مقام الرؤية كما في السلم وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا وقف في مكان لو كان بصيرا لرآه وقال قد رضيت سقط خياره لأن التشبيه يقام مقام الحقيقة في موضع العجز كتحريك الشفتين يقام مقام القراءة في حق الأخرس في الصلاة وإجراء الموسى مقام الحلق في حق من لا شعر له في الحج وقال الحسن يوكل وكيلا بقبضه وهو يراه وهذا أشبه بقول أبي حنيفة رحمه الله لأن رؤية الوكيل كرؤية الموكل على ما مر آنفا
قال ومن رأى أحد الثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر جاز له أن يردهما لأن رؤية أحدهما لا تكون رؤية الآخر للتفاوت في الثياب فبقي الخيار فيما لم يره ثم لا يرده وحده بل يردهما كيلا يكون تفريقا للصفقة قبل التمام وهذا لأن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده ولهذا يتمكن من الرد بغير قضاء ولا رضى ويكون فسخا من الأصل ومن مات وله خيار الرؤية بطل خياره لأنه لا يجري فيه الإرث عندنا وقد ذكرناه في خيار الشرط ومن رأى شيئا ثم اشتراه بعد مدة فإن كان على الصفة التي رآه فلا خيار له لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة وفواته يثبت الخيار إلا إذا كان لا يعلمه مرئيه لعدم الرضا به وإن وجده متغيرا فله الخيار لأن تلك الرؤية لم تقع معلمة بأوصافه فكأنه لم يره وإن اختلفا في التغير فالقول قول البائع لأن التغير حادث وسبب اللزوم ظاهر إلا إذا بعدت المدة على ما قالوا لأن الظاهر شاهد للمشتري بخلاف ما إذا اختلفا في الرؤية لأنها أمر حادث والمشتري ينكره فيكون القول قوله قال ومن اشترى عدل زطي ولم يره فباع منه ثيابا أو وهبه وسلمه لم يرد شيئا منها إلا من عيب وكذلك خيار الشرط لأنه تعذر الرد فيما خرج عن ملكه وفي رد ما بقي تفريق الصفقة قبل التمام لأن خيار الرؤية والشرط يمنعان تمامها بخلاف خيار العيب لأن الصفقة تتم مع خيار العيب بعد القبض وإن كانت لا تتم قبله وفيه وضع المسألة فلو عاد إليه بسبب هو فسخ فهو على خيار الرؤية كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله وعن أبي يوسف أنه لا يعود بعد سقوطه كخيار الشرط وعليه اعتمد القدوري 2 باب خيار العيب 2 وإذا اطلع المشتري على عيب في المبيع فهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده لأن مطلق العقد يقتضي وصف السلامة فعند فواته يتخير كيلا يتضرر بلزوم ما لايرضى به وليس له أن يمسكه ويأخذالنقصان لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن في مجرد العقد ولأنه لم يرض بزواله عن ملكه بأقل من المسمى فيتضرر به ودفع الضرر عن المشتري ممكن بالرد بدون تضرره والمراد به عيب كان عند البائع ولم يره المشتري عند البيع ولا عند القبض لأن ذلك رضا به قال وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب لأن التضرر بنقصان المالية وذلك بانتفاص القيمة والمرجع في معرفته عرف أهله والإباق والبول في الفراش والسرقة في الصغير عيب مالم يبلغ فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يعاوده بعد البلوغ ومعناه إذا ظهرت عند البائع في صغره ثم حدثت عند المشتري في صغره فله أن يرده لأنه عين ذلك وإن حدثت بعد بلوغه لم يرده لأنه غيره وهذا لأن سبب هذه الأشياء يختلف بالصغر والكبر فالبول في الفراش في الصغر لضعف المثانة وبعد الكبر لداء في الباطن والإباق في الصغر لحب اللعب والسرقة لقلة المبالاة وهما بعد الكبر لخبث في الباطن والمراد من الصغير من يعقل فأما الذي لا يعقل فهو ضال لا آبق فلا يتحقق عيبا قال والجنون في الصغر عيب أبدا ومعناه إذا جن في الصغر في يد البائع ثم عاوده في يد المشتري فيه أو في الكبر يرده لأنه عين الأول إذ السبب في الحالين متحد وهو فساد العقل وليس معناه أنه لا يشترط المعاودة في يد المشتري لأن الله تعالى قدر على إزالته وإن كان قلما يزول فلا بد من المعاودة للرد قال والبخر والدفر عيب في الجارية لأن المقصود قد يكون الاستفراش وطلب الولد وهما يخلان به وليس بعيب في الغلام لأن المقصود هو الاستخدام ولا يخلان به إلا أن يكون من داء لأن الداء عيب
والزنا وولد الزنا عيب في الجارية دون الغلام لأنه يخل بالمقصود في الجارية وهو الاستفراش وطلب الولد ولا يخل بالمقصود في الغلام وهو الاستخدام إلا أن يكون الزنا عادة له على ما قالوا لأن اتباعهن يخل بالخدمة قال والكفر عيب فيهما لأن طبع المسلم ينفر عن صحبته ولأنه يمتنع صرفه في بعض الكفارات فتختل الرغبة فلو اشتراه على أنه كافر فوجده مسلما لا يرده لآنه زوال العيب وعند الشافعي يرده لآن الكافر يستعمل فيما لا يستعمل فيه المسلم وفوات الشرط بمنزلة العيب قال فلو كانت الجارية بالغة لا تحيض أو هي مستحاضة فهو عيب لأن ارتفاع الدم واستمراره علامة الداء ويعتبر في الارتفاع أقصى غاية البلوغ وهو سبع عشرة سنة فيها عند أبي حنيفة رحمه الله ويعرف ذلك بقول الأمة فترد إذا انضم إليه نكول البائع قبل القبض وبعده وهو الصحيح قال وإذا حدث عند المشتري عيب فاطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان ولا يرد المبيع لأن في الرد إضرار بالبائع لأنه خرج عن ملكه سالما ويعود معيبا فامتنع ولا بد من دفع الضرر عنه فتعين الرجوع بالنقصان إلا أن يرضى البائع أن يأخذه بعيبه لأنه رضي بالضرر قال ومن اشترى ثوبا فقطعه فوجد به عيبا رجع بالعيب لأنه امتنع الرد بالقطع فإنه عيب حادث فإن قال البائع أنا أقبله كذلك كان له ذلك لأن الامتناع لحقه وقد رضي به فإن باعه المشتري لم يرجع بشيء لأن الرد غير ممتنع برضا البائع فيصير هو بالبيع حابسا للمبيع فلا يرجع بالنقصان فإن قطع الثوب وخاطه أو صبغه أحمر أولت السويق بسمن ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه لامتناع الرد بسبب الزيادة لأنه لا وجه إلى الفسخ في الأصل بدونها لأنها لا تنفك عنه ولا وجه إليه معها لأن الزيادة ليست بمبيعة فامتنع أصلا وليس للبائع أن يأخذه لأن الامتناع لحق الشرع لا لحقه فإن باعه المشتري بعد ما رأى العيب رجع بالنقصان لأن الرد ممتنع أصلا قبله فلا يكون بالبيع حابسا للمبيع وعن هذا قلنا إن من اشترى ثوبا فقطعه لباسا لولده الصغير وخاطه ثم اطلع على عيب لا يرجع بالنقصان ولو كان الولد كبيرا يرجع لأن التمليك حصل في الأول قبل الخياطة وفي الثاني بعدها بالتسليم إليه قال ومن اشترى عبدا فأعتقه أو مات عنده ثم اطلع على عيب رجع بنقصانه أما الموت فلأن الملك ينتهي به والامتناع حكمي لا بفعله وأما الإعتاق فالقياس فيه أن لا يرجع لأن الامتناع بفعله فصار كالقتل وفي الاستحسان يرجع لأن العتق إنهاء الملك لأن الآدمي ما خلق في الأصل محلا للملك وإنما يثبت الملك فيه موقتا إلى الإعتاق فكان إنهاء فصار كالموت وهذا لأن الشيء يتقرر بانتهائه فيجعل كأن الملك باق والرد متعذر والتدبير والاستيلاد بمنزلته لأن تعذر النقل مع بقاء المحل بالأمر الحكمي وإن أعتقه على مال لم يرجع بشيء لأنه حبس بدله وحبس البدل كحبس المبدل وعن أبي حنيفة أنه يرجع لأنه إنهاء للملك وإن كان بعوض فإن قتل المشتري العبد أو كان طعاما فأكله لم يرجع بشيء عند أبي حنيفة أما القتل فالمذكور ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه يرجع لأن قتل المولى عبده لا يتعلق به حكم دنياوي فصار كالموت حتف أنفه فيكون إنهاء ووجه الظاهر أن القتل لا يوجد إلا مضمونا وإنما يسقط الضمان ههنا باعتبار الملك فيصير كالمستفيد به عوضا بخلاف الإعتاق لأنه لا يوجب الضمان لا محالة كإعتاق المعسر عبدا مشتركا وأما الأكل فعلى الخلاف فعندهما يرجع وعنده لا يرجع استحسانا وعلى هذا الخلاف إذا لبس الثوب حتى تخرق لهما أنه صنع في المبيع ما يقصد بشرائه ويعتاد فعله فيه فأشبه الإعتاق وله أنه تعذر الرد بفعل مضمون منه في المبيع فأشبه البيع والقتل ولا معتبر بكونه مقصودا ألا ترى أن البيع مما يقصد بالشراء ثم هو يمنع الرجوع فإن أكل بعض الطعام ثم علم بالعيب فكذا الجواب عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الطعام كشيء واحد فصار كبيع البعض وعندهما أنه يرجع بنقصان العيب في الكل وعنهما أنه يرد ما بقي لأنه لا يضره التبعيض
قال ومن اشترى بيضا أو بطيخا أو قثاء أو خيارا أو جوزا فكسره فوجده فاسدا فإن لم ينتفع به رجع بالثمن كله لأنه ليس بمال فكان البيع باطلا ولا يعتبر في الجوز صلاح قشره على ما قيل لأن ما ليته باعتبار اللب وإن كان ينتفع به مع فساده لم يرده لأن الكسر عيب حادث ولكنه يرجع بنقصان العيب دفعا للضرر بقدر الإمكان وقال الشافعي رحمه الله يرده لأن الكسر بتسليطه قلنا التسليط على الكسر في ملك المشتري لا في ملكه فصار كما إذا كان ثوبا فقطعه ولو وجد البعض فاسدا وهو قليل جاز البيع استحسانا لأنه لا يخلو عن قليل فاسد والقليل ما لا يخلو عنه الجوز عادة كالواحد والإثنين في المائة وإن كان الفاسد كثيرا لا يجوز ويرجع بكل الثمن لأنه جمع بين المال وغيره فصار كالجمع بين الحر والعبد قال ومن باع عبدا فباعه المشتري ثم رده عليه بعيب فإن قبل بقضاء القاضي بإقرار أو بينة أو بإباء يمين له أن يرده على بائعه لأنه فسخ من الأصل فجعل البيع كأن لم يكن غاية الأمر أنه أنكر قيام العيب لكنه صار مكذبا شرعا بالقضاء ومعنى القضاء بالإقرار أنه أنكر الإقرار فأثبت بالبينة وهذا بخلاف الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب بالبينة حيث يكون ردا على الموكل لأن البيع هناك واحد والموجود ههنا بيعان فيفسخ الثاني والأول لا ينفسخ وإن قبل بغير قضاء القاضي ليس له أن يرده لأنه بيع جديد في حق ثالث وإن كان فسخا في حقهما والأول ثالثهما وفي الجامع الصغير وإن رد عليه بإقراره بغير قضاء بعيب لا يحدث مثله لم يكن له أن يخاصم الذي باعه وبهذا يتبين أن الجواب فيما يحدث مثله وفيما لا يحدث سواء وفي بعض روايات البيوع إن كان فيما لا يحدث مثله يرجع بالنقصان للتيقن بقيام العيب عند البائع الأول قال ومن اشترى عبدا فقبضه فادعى عيبا لم يجبر على دفع الثمن حتى يحلف البائع أو يقيم المشتري البينة لأنه أنكر وجوب دفع الثمن حيث أنكر تعين حقه بدعوى العيب ودفع الثمن أولا ليتعين حقه بإزاء تعين المبيع ولأنه لو قضى بالدفع فلعله يظهر العيب فينتقض القضاء فلا يقضى به صونا لقضائه فإن قال المشتري شهودي بالشام استحلف البائع ودفع الثمن يعني إذا حلف ولا ينتظر حضور الشهود لأن في الانتظار ضررا بالبائع وليس في الدفع كثير ضرر به لأنه على حجته أما إذا نكل ألزم العيب لأنه حجة فيه قال ومن اشترى عبدا فادعى إباقا لم يحلف البائع حتى يقيم المشتري البينة أنه أبق عنده والمراد التحليف على أنه لم يأبق عنده لأن القول وإن كان قوله ولكن إنكاره إنما يعتبر بعد قيام العيب به في يد المشتري ومعرفته بالحجة فإذا أقامها حلف بالله تعالى لقد باعه وسلمه إليه وما أبق عنده قط كذا قال في الكتاب وإن شاء حلفه بالله ماله حق الرد عليك من الوجه الذي يدعى أو بالله ما أبق عندك قط أما لا يحلفه بالله لقد باعه وما به هذا العيب ولا بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب لأن فيه ترك النظر للمشتري لأن العيب قد يحدث بعد البيع قبل التسليم وهو موجب للرد والأول ذهول عنه والثاني يوهم تعلقه بالشرطين فيتأوله في اليمين عند قيامه وقت التسليم دون البيع ولو لم يجد المشتري بينة على قيام العيب عنده وأراد تحليف البائع بالله ما يعلم أنه أبق عنده يحلف على قولهما
واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة لهما أن الدعوى معتبرة حتى يترتب عليها البينة فكذا يترتب التحليف وله على ما قاله البعض أن الحلف يترتب عليها البينة فكذا يترتب التحليف وله على ما قاله البعض أن الحلف يترتب على دعوى صحيحة وليست تصح إلا من خصم ولا يصير خصما فيه إلا بعد قيام العيب وإذا نكل عن اليمين عندهما يحلف ثانيا للرد على الوجه الذي قدمناه قال رضي الله عنه إذا كانت الدعوى في إباق الكبير يحلف ما أبق منذ بلغ مبلغ الرجل لأن الإباق في الصغر لا يوجب رده بعد البلوغ قال ومن اشترى جارية وتقابضا فوجد بها عيبا فقال البائع بعتك هذه وأخرى معها وقال المشتري بعتنيها وحدها فالقول قول المشتري لأن الاختلاف في مقدار المقبوض فيكون القول للقابض كما في الغصب وكذا إذا اتفقا على مقدار المبيع واختلفا في المقبوض لما بينا قال ومن اشترى عبدين صفقة واحدة فقبض أحدهما ووجد بالآخر عيبا فإنه يأخذهما أو يدعهما لأن الصفقة تتم بقبضهما فيكون تفريقا قبل التمام وقد ذكرناه وهذا لأن القبض له شبه بالعقد فالتفريق فيه كالتفريق في العقد ولو وجد بالمقبوض عيبا اختلفوا فيه ويروى عن أبي يوسف رحمه الله أنه يرده خاصة والأصح أنه يأخذهما أو يردهما لأن تمام الصفقة تعلق بقبض المبيع وهو اسم للكل فصار كجنس المبيع لما تعلق زواله باستيفاء الثمن لا يزول دون قبض جميعه ولو قبضهما ثم وجد بأحدهما عيبا يرده خاصة خلافا لزفر فهو يقول فيه تفريق الصفقة ولا يعرى عن ضرر لأن العادة جرت بضم الجيد إلى الرديء فأشبه ما قبل القبض وخيار الرؤية والشرط ولنا أنه تفريق الصفقة بعد التمام لأن بالقبض تتم الصفقة في خيار العيب وفي خيار الرؤية والشرط لاتتم به على ما مر ولهذا لو استحق أحدهما ليس له أن يرد بالآخر قال ومن اشترى شيئا مما يكال أو يوزن فوجد ببعضه عيبا رده كله أو أخذه كله ومراده بعد القبض لأن المكيل إذا كان من جنس واحد فهو كشيء واحد ألا ترى أنه يسمى باسم واحد وهو الكر ونحوه وقيل هذا إذا كان في وعاء واحد فإذا كان في وعاءين فهو بمنزلة عبدين حتى يرد الوعاء الذي وجد فيه العيب دون الآخر ولو استحق بعضه فلا خيار له في رد ما بقي لأنه لا يضره التبعيض والإستحقاق لا يمنع تمام الصفقة لأن تمامها برضا العاقد لا برضا المالك وهذا إذا كان بعض القبض أما لو كان قبل القبض فله أن يرد الباقي لتفرق الصفقة قبل التمام قال وإن كان ثوبا فله الخيار لأن التشقيص فيه عيب وقد كان وقت البيع حيث ظهر الاستحقاق بخلاف المكيل والموزون قال ومن اشترى جارية فوجد بها قرحا فداواه أو كانت دابة فركبها في حاجة فهو رضا لأن ذلك دليل قصده الاستيفاء بخلاف خيار الشرط لأن الخيار هناك للاختبار وأنه بالاستعمال فلا يكون الركوب تسقطا وإن ركبها ليردها على بائعها أو ليسقيها أو ليشتري لها علفا فليس برضا أما الركوب للرد فلأنه سبب الرد والجواب في السقي واشتراء العلف محمول على ما إذا كان لا يجد بدا منه إما لصعوبتها أو لعجزه أو لكون العلف في عدل واحد وأما إذا كان يجد بدا منه لانعدام ما ذكرناه يكون رضا قال ومن اشترى عبدا قد سرق ولم يعلم به فقطع عند المشتري له أن يرده ويأخذ الثمن عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يرجع بما بين قيمته سارقا إلى غير صرف وعلى هذا الخلاف إذا قتل بسبب وجد في يد البائع
والحاصل أنه بمنزلة الاستحقاق عنده وبمنزلة العيب عندهما لهما أن الموجود في يد البائع سبب القطع والقتل وأنه لا ينافي المالية فنفذ العقد فيه لكنه متعيب فيرجع بنفصانه عند تعذر رده وصار كما إذا اشترى جارية حاملا فماتت في يده بالولادة فإنه يرجع بفضل ما بين قيمتها حاملا إلى غير حامل وله أن سبب الوجوب في يد البائع والوجوب يقضي إلى الوجود فيكون الوجود مضافا إلى السبب السابق وصار كما إذا قتل المغصوب أو قطع بعد الرد بجناية وجدت في يد الغاصب وما ذكر من المسألة ممنوعة ولو سرق في يد البائع ثم في يد المشتري فقطع بهما عندهما يرجع بالنقصان كما ذكرنا وعنده لا يرده بدون رضا البائع للعيب الحادث ويرجع بربع الثمن وإن قبله البائع فبثلاثة الأرباع لأن اليد من الآدمي نصفه وقد تلفت بالجنايتين وفي أحداهما رجوع فتنصف ولو تداولته الأيدي ثم قطع في يد الآخير رجع الباعة بعضهم على بعض عنده كما في الاستحقاق وعندهما يرجع الأخير على بائعه ولا يرجع بائعه على بائعه لأنه بمنزلة العيب وقوله في الكتاب ولم يعلم المشتري يفيد على مذهبهما لأن العلم بالعيب رضا به ولا يفيد على قوله في الصحيح لأن العلم بالاستحقاق لا يمنع الرجوع قال ومن باع عبدا وشرط البراءة من كل عيب فليس له أن يرده بعيب وإن لم يسم العيوب بعددها وقال الشافعي رحمه الله لا تصح البراءة بناء على مذهبه أن الإبراء عن الحقوق المجهولة لا يصح هو يقول إن في الإبراء معنى التمليك حتى يرتد بالرد وتمليك المجهول لا يصح ولنا أن الجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة وإ كان في ضمنه التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم فلا تكون مفسدة ويدخل في هذه البراءة العيب الموجود والحادث قبل القبض في قول أبي يوسف وقال محمد رحمهما الله لا يدخل فيه الحادث وهو قول زفر رحمه الله لأن البراءة تتناول الثابت ولأبي يوسف رحمه الله أن الفرض إلزام العقد بإسقاط حقه عن صفة السلامة وذلك بالبراءة عن الموجود والحادث 2 باب البيع الفاسد 2 وإذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد كالبيع بالميتة والدم والخمر والخنزير وكذا إذا كان غير مملوك كالحر قال العبد الضعيف هذه فصول جمعها وفيها تفصيل نبينه إن شاء الله تعالى فنقول البيع بالميتة والدم باطل وكذا بالحر لانعدام ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال فإن هذه الأشياء لا تعد مالا عند أحد والبيع بالخمر والخنزير فاسد لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال فإنه مال عند البعض والباطل لا يفيد ملك التصرف ولو هلك المبيع في يد المشتري فيه يكون أمانة عند بعض المشايخ لأن العقد غير معتبر فبقي القبض بإذن المالك وعند البعض يكون مضمونا لأنه لا يكون أدنى حالا من المقبوض على سوم الشراء وقيل الأول قول أبي حنيفة رحمه الله والثاني قولهما كما في بيع أم الولد والمدبر على ما نبينه إن شاء الله تعالى والفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به ويكون المبيع مضمونا في يد المشترى فيه وفيه خلاف الشافعي رحمه الله وسنبينه بعد إن شاء الله تعالى وكذا بيع الميتة والدم والحر باطل لأنها ليست أموالا فلا تكون محلا للبيع وأما بيع الخمر والخنزير إن كان قوبل بالدين كالدراهم والدنانير فالبيع باطل وإن كان قوبل بعين فالبيع فاسد حتى يملك ما يقابله وإن كان لا يملك عين الخمر والخنزير ووجه الفرق أن الخمر مال وكذا الخنزير مال عند أهل الذمة إلا أنه غير متقوم لما أن الشرع أمر بإهانته وترك إعزازه وفي تملكه بالعقد مقصودا إعزاز له وهذا لأنه متى اشتراهما بالدراهم فالدراهم غير مقصودة لكونها وسيلة لما أنها تجب في الذمة وإنما المقصود الخمر فسقط التقوم أصلا بخلاف ما إذا اشترى الثوب بالخمر لأن المشتري للثوب إنما يقصد تملك الثوب بالخمر وفيه إعزاز للثوب دون الخمر فبقي ذكر الخمر معتبرا في تملك الثوب لا في حق نفس الخمر حتى فسدت التسمية ووجبت فيمة الثوب دون الخمر وكذا إذا باع الخمر بالثوب لأنه يعتبر شراء الثوب بالخمر لكونه مقايضة
قال وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسد ومعناه باطل لأن استحقاق العتق قد ثبت لأم الولد لقوله عليه الصلاة والسلام أعتقها ولدها وسبب الحرية العقد في حق المدبر في الحال لبطلان الأهلية بعد الموت والمكاتب استحق يدا على نفسه لازمة في حق المولى ولو ثبت الملك بالبيع لبطل ذلك كله فلا يجوز ولو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان والأظهر الجواز والمراد المدبر المطلق دون المقيد وفي المطلق خلاف الشافعي رحمه الله وقد ذكرناه في العتاق قال وإن ماتت أم الولد أو المدبر في يد المشتري فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليه قيمتهما وهو رواية عنه لهما أنه مقبوض بجهة البيع فيكون مضمونا عليه كسائر الأموال وهذا لأن المدبر وأم الولد يدخلان تحت البيع حتى يملك ما يضم إليهما في البيع بخلاف المكاتب لأنه في يد نفسه فلا يتحقق في حقه القبض وهذا الضمان به وله أن جهة البيع إنما تلحق بحقيقته في محل يقبل الحقيقة وهما لا يقبلان حقيقة البيع فصارا كالمكاتب وليس دخولهما في البيع في حق أنفسهما وإنما ذلك ليثبت حكم البيع فيما ضم إليهما فصار كمال المشتري لا يدخل في حكم عقده بانفراده وإنما يثبت حكم الدخول فيما ضمه إليه كذا هذا قال ولا يجوز بيع السمك قبل أن يصطاد لأنه باع ما لا يملكه ولا في حظيرة إذا كان لا يؤخذ إلا بصيد لأنه غير مقدور التسليم ومعناه إذا أخذه ثم ألقاه فيها ولو كان يؤخذ من غيره حيلة جاز إلا إذا اجتمعت فيها بأنفسها ولم يسد عليها المثل لعدم الملك قال ولا بيع الطير في الهواء لأنه غير مملوك قبل الأخذ وكذا لو أرسله من يده لأنه غير مقدور التسليم ولا بيع الحمل ولا النتاج لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الحبل وحبل الحبلة ولأن فيه غررا قال ولا اللبن في الضرع للغرر فعساه انفتاخ ولأنه ينازع في كيفية الحلب وربما يزداد فيختلط المبيع بغيره قال ولاالصوف على ظهر الغنم لأنه من أوصاف الحيوان ولأنه ينبت من أسفل فيختلط المبيع بغيره بخلاف القوئم لأنها تزيد من أعلى وبخلاف الفصيل لأنه يمكن قلعه والقطع في الصوف متعين فيقع التنازع في موضع القطع وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم وعن لبن في ضرع وعن سمن في لبن وهو حجة على أبي يوسف رحمه الله في هذا الصوف حيث جوز بيعه فيما يروى عنه قال وجذع في سقف وذراع من ثوب ذكرا القطع أو لم يذكراه لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر بخلاف ما إذا باع عشرة دراهم من نقرة فضة لأنه لا ضرر في تبعيضه ولو لم يكن معينا لا يجوز لما ذكرنا وللجهالة أيضا ولو قطع البائع الذراع أو قلع الجذع قبل أن يفسخ المشتري يعود صحيحا لزوال المفسد بخلاف ما إذا باع النوى في التمر أو البذر في البطيخ حيث لا يكون صحيحا وإن شقهما وأخرج المبيع لأن في وجودهما احتمالا أما الجذع فعين موجود قال وضربة القانص وهو ما يخرج من الصيد بضرب الشبكة مرة لأنه مجهول ولأن فيه غررا قال وبيع المزابنة وهو بيع الثمر على النخيل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصا لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المزابنة والمحاقلة فالمزابنة ما ذكرنا والمحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصا ولأنه باع مكيلا بمكيل من جنسه فلا تجوز بطريق الخرص كما إذا كان موضوعين على الأرض وكذا العنب بالزبيب على هذا وقال الشافعي رحمه الله يجوز فيما دون خمسة أوسق لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المزابنة ورخص في العرايا وهو أن يباع بخرصها تمرا فيما دون خمسة أوسق قلنا العرية العطية لغة وتأويله أن يبيع المعرى له ما على النخيل من المعرى بتمر مجذوذ وهو بيع مجازا لأنه لم يملكه فيكون برا مبتدأ
قال ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة والمنابذة وهذه بيوع كانت في الجاهلية وهو أن يتراوض الرجلان على سلعة أي يساومان فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع المشتري عليها حصاة لزم البيع فالأول بيع الملامسة والثاني بيع المنابذة والثالث إلقاء الحجر وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع الملامسة والمنابذة ولأن فيه تعليقا بالخطر قال ولا يجوز بيع ثوب من ثوبين لجهالة المبيع ولو قال على أنه بالخيار في أن يأخذ أيهما شاء جاز البيع استحسانا وقد ذكرناه بفروعه قال ولا يجوز بيع المراعي ولا إجارتها المراد الكلأ أما البيع فلأنه ورد على ما يملكه لاشتراك الناس فيه بالحديث وأما الإجارة فلأنها عقدت على استهلاك عين مباح ولو عقدت على استهلاك عين مملوك بأن استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يجوز فهذا أولى قال ولا يجوز بيع النحل وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يجوز إذا كان محرزا وهو قول الشافعي رحمه الله لأنه حيوان منتفع به حقيقة وشرعا فيجوز بيعه وإن كان لا يؤكل كالبغل والحمار ولهما أنه من الهوام فلا يجوز بيعه كالزنابير والانتفاع بما يخرج منه لا بعينه فلا يكون منتفعا به قبل الخروج حتى لو باع كوارة فيها عسل بما فيها من النحل يجوز تبعا له كذا ذكره الكرخي ولا يجوز بيع دود القز عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه من الهوام وعند أبي يوسف رحمه الله يجوز إذا ظهر فيه القز تبعا له وعند محمد رحمه الله يجوز كيفما كان لكونه منتفعا به ولا يجوز بيع بيضه عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجوز لمكان الضرورة وقيل أبو يوسف مع أبي حنيفة كما في دود القز والحمام إذا علم عددها وأمكن تسليمها جاز بيعها لأنه مال مقدور التسليم ولا يجوز بيع الآبق لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عنه ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا أن يبيعه من رجل زعم أنه عنده لأن المنهى عنه بيع آبق مطلق وهو أن يكون آبقا في حق المتعاقدين وهذا غير آبق في حق المشتري ولأنه إذا كان عند المشتري انتفى العجز عن التسليم وهو المانع ثم لا يصير قابضا بمجرد العقد إذا كان في يده وكان أشهد عند أخذه لأنه أمانة عنده وقبض الأمانة لا ينوب عن قبض البيع ولو كان لم يشهد يجب أن يصير قابضا لأنه قبض غصب ولو قال هو عند فلان فبعه مني فباعه لا يجوز لأنه آبق في حق المتعاقدين ولأنه لا يقدر على تسليمه ولو باع الآبق ثم عاد من الإباق لا يتم ذلك العقد لأنه بيع باطل لانعدام المحلية كبيع الطير في الهواء وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتم العقد إذا لم يفسخ لأن العقد انعقد لقيام المالية والمانع قد ارتفع وهو العجز عن التسليم كما إذا أبق بعد البيع وهكذا يروى عن محمد قال ولا يجوز بيع لبن امرأة في قدح وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه لأنه مشروب طاهر ولنا أنه جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع ولا فرق في ظاهر الرواية بين لبن الحرة والأمة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه يجوز إيراد العقد على نفسها فكذا على جزئها قلنا الرق قد حل نفسها فأما اللبن فلا رق فيه لأنه يختص بمحل يتحقق فيه القوة التي هي ضده وهو الحي ولا حياة في اللبن قال ولا يجوز بيع شعر الخنزير لأنه نجس العين فلا يجوز بيعه إهانة له ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ويوجد مباح الأصل فلا ضرورة إلى البيع ولو وقع في الماء القليل أفسده عند أبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله لا يفسده لأن إطلاق الانتفاع به دليل طهارته ولأبي يوسف رحمه الله أن الإطلاق للضرورة فلا يظهر إلا في حالة الاستعمال وحالة الوقوع تغايرها
قال لا يجوز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها لأن الآدمي مكرم لا مبتذل فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهانا ومبتذلا وقد قال عليه الصلاة والسلام لعن الله الواصلة والمستوصلة الحديث وإنما يرخص فيما يتخذ من الوبر فيزيد في قرون النساء وذوائبهن قال ولا بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ لأنه غير منتفع به قال عليه الصلاة والسلام لا تنتفعوا من الميتة بإهاب وهو اسم لغير المدبوغ على ما مر في كتاب الصلاة ولا بأس ببيعها والانتفاع بها بعد الدباغ لآنها قد طهرت بالدباغ وقد ذكرناه في كتاب الصلاة ولا بأس ببيع عظام الميتة وعصبها وصوفها وقرنها وشعرها ووبرها والانتفاع بذلك كله لأنها طاهرة لا يحلها الموت لعدم الحياة وقد قررناه من قبل والفيل كالخنزير نجس العين عند محمد رحمه الله وعندهما بمنزلة السباع حتى يباع عظمه وينتفع به قال وإذا كان السفل لرجل وعلوه لآخر فسقطا أو سقط العلو وحده فباع صاحب العلو علوه لم يجز لأن حق التعلي ليس بمال لأن المال ما يمكن إحرازه والمال هو المحل للبيع بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه تبعا للأرض باتفاق الروايات ومنفردا في رواية وهو اختيار مشايخ بلخ لأنه حظ من الماء ولهذا يضمن بالإتلاف وله قسط من الثمن على ما نذكره في كتاب الشرب قال وبيع الطريق وهبته جائز وبيع مسيل الماء وهبته باطل والمسألة تحتمل وجهين بيع رقبة الطريق والمسيل وبيع حق المرور والتسييل فإن كان الأول فوجه الفرق بين المسألتين أن الطريق معلوم لأن له طولا وعرضا معلوما وأما المسيل فمجهول لأنه لا يدرى قدر قدر ما يشغله من الماء وإن كان الثاني ففي بيع حق المرور روايتان ووجه الفرق على إحداهما بينه وبين حق التسييل أن حق المرور معلوم لتعلقه بمحل معلوم وهو الطريق أما المسيل على السطح فهو نظير حق التعلي وعلى الأرض مجهول لجهالة محله ووجه الفرق بين حق المرور وحق التعلي على إحدى الروايتين أن حق التعلي يتعلق بعين لا تبقى وهو البناء فأشبه المنافع أما حق المرور يتعلق بعين تبقى وهو الأرض فأشبه الأعيان قال ومن باع جارية فإذا هو غلام فلا بيع بينهما بخلاف ما إذا باع كبشا فإذا هو نعجة حيث ينعقد البيع ويتخير والفرق يبتنى على الأصل الذي ذكرناه في النكاح لمحمد رحمه الله وهو أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا ففي مختلفي الجنس يتعلق العقد بالمسمى ويبطل لانعدامه وفي متحدى الجنس يتعلق بالمشار إليه وينعقد لوجوده ويتخير لفوات الوصف كمن اشترى عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب وفي مسألتنا الذكر والأنثى من بني آدم جنسان للتفاوت في الأغراض وفي الحيوانات جنس واحد للتقارب فيها وهو المعتبر في هذا دون الأصل كالخل والدبس جنسان والوذاري والزندنيجي على ما قالوا جنسان مع اتحاد أصلهما قال ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول لا يجوز البيع الثاني وقال الشافعي رحمه الله يجوز لأن الملك قد تم فيها بالقبض فصار البيع من البائع ومن غيره سواء وصار كما لو باع بمثل الثمن الأول أو بالزيادة أو بالعرض ولنا قول عائشة رضي الله عنها لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة بئسما شريت واشتريت أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب و ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة بقي بقي له فضل خمسمائة وذلك بلا عوض يخلاف ما إذا باع بالعرض لأن الفضل إنما يظهر عند المجانسة
قال ومن اشترى جارية بخمسمائة ثم باعها وأخرى معها من البائع قبل أن ينقد الثمن بخمسمائة فالبيع جائز في التي لم يشترها من البائع ويبطل في الآخرى لآنه لا بد أن يجعل بعض الثمن بمقابلة التي لم يشترها منه فيكون مشتريا للأخرى بأقل مما باع وهو فاسد عندنا ولم يوجد هذا المعنى في صاحبتها ولا يشيع الفساد لأنه ضعيف فيها لكونه مجتهدا فيه أو لأنه باعتبار شبهة الربا أو لأنه طارىء لأنه يظهر بانفسام الثمن أو المقاصة فلا يسري إلى غيرها قال ومن اشترى زيتا على أن يزنه بظرفه فيطرح عنه مكان كل ظرف خمسين رطلا فهو فاسد وإن اشترى على أن يطرح عنه بوزن الظرف جاز لأن الشرط الأول لا يقتضيه العقد والثاني يقتضيه قال ومن اشترى سمنا في زق فرد الظرف و هو عشرة أرطال فقال البائع الزق غير هذا وهو خمسة أرطال فالقول قول المشتري لأنه إن اعتبر اختلافا في تعيين الزق المقبوض فالقول قول القابض ضمينا كان أو أمينا وإن اعتبر اختلافا في السمن فهو في الحقيقة اختلاف في الثمن فيكون القول قول المشتري لأنه ينكر الزيادة قال وإذا أمر المسلم نصرانيا ببيع خمر أو بشرائها ففعل ذلك جاز عند أبي حنيفة وقالا لا يجوز على المسلم وعلى هذا الخلاف الخنزير وعلى هذا توكيل المحرم غيره ببيع صيده لهما أن الموكل لا يليه فلا يوليه غيره ولأن ما يثبت للوكيل ينتقل إلى الموكل فصار كأنه باشره بنفسه فلا يجوز ولأبي حنيفة أن العاقد هو الكفيل بأهليته وولايته وانتقال الملك إلى الآمر أمر حكمي فلا يمتنع بسبب الإسلام كما إذا ورثهما ثم إن كان خمرا يخللها وإن كان خنزيرا يسيبه قال ومن باع عبدا على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه أو أمة على أن يستولدها فالبيع فاسد لأن هذا بيع وشرط وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط ثم جملة المذهب فيه أن يقال كل شرط يقتضيه العقد كشرط الملك للمشتري لا يفسد العقد لثبوته بدون الشرط وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق يفسده كشرط أن لا يبيع المشتري العبد المبيع لأن فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدي إلى الربا أو لأنه يقع بسببه المنازعة فيعري العقد عن مقصوده إلا أن يكون متعارفا لأن العرف قاض على القياس ولو كان لا يقتضيه العقد ولا منفعه فيه لأحد لا يفسده وهو الظاهر من المذهب كشرط أن لا يبيع المشتري الدابة المبيعة لأنه انعدمت المطالبة فلا يؤدي إلى الربا ولا إلى المنازعة إذا ثبت هذا فنقول إن هذه الشروط لا يقتضيها العقد لأن قضيته الإطلاق في التصرف والتخيير لا الإلزام حتما والشرط يقتضي ذلك وفيه منفعة للمعقود عليه والشافعي رحمه الله وإن كان يخالفنا في العتق ويقيسه على بيع العبد نسمة فالحجة عليه ما ذكرناه وتفسير المبيع نسمة أن يباع ممن يعلم أنه يعتقه لا أن يشترط فيه فلو أعتقه المشتري بعد ما اشتراه بشرط العتق صح البيع حتى يجب عليه الثمن عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يبقى فاسدا حتى يجب عليه القيمة لأن البيع قد وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا كما إذا تلف بوجه آخر ولأبي حنيفة رحمه الله أن شرط العتق من حيث ذاته لا يلائم العقد على ما ذكرناه ولكن من حيث حكمه يلائمه لأنه منه للملك والشيء بانتهائه يتقرر ولهذا لا يمنع العتق الرجوع بنقصان العيب فإذا تلف من وجه آخر لم تتحقق الملاءمة فيتقرر الفساد وإذا وجد العتق تحققت الملاءمة فيرجح جانب الجواز فكان الحال قبل ذلك موقوفا
قال وكذلك لو باع عبدا على أن يستخدمه البائع شهرا أو دارا على أن يسكنها أو على أن يقرضه المشتري درهما أو على أن يهدي له هدية لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ولأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وسلف ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن يكون إجارة في بيع ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صفقتين في صفقة قال ومن باع عينا على أن يسلمه إلى رأس الشهر فالبيع فاسد لأن الأجل في المبيع العين باطل فيكون شرطا فاسدا وهذا لأن الأجل شرع ترفيها فيليق بالديون دون الأعيان قال ومن اشترى جارية إلا حملها فالبيع فاسد والأصل أن مالا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه من العقد والحمل من هذا القبيل وهذا لأنه يمنزلة أطراف الحيوان لاتصاله به خلقة وبيع الأصل يتناولهما فالاستثناء يكون على خلاف الموجب فلا يصح فيصير شرطا فاسدا والبيع يبطل به والكتابة والإجارة والرهن بمنزلة البيع لأنها تبطل بالشروط الفاسدة غير أن المفسد في الكتابة ما يتمكن في صلب العقد منها والهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد لا تبطل باستثناء الحمل بل يبطل الاستثناء لأن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة وكذا الوصية لا تبطل به لكن يصح الاستثناء حتى يكون الحمل ميراثا والجارية وصية لأن الوصية أخت الميراث والميراث يجري فيما في البطن بخلاف ما إذا استثنى خدمتها لأن الميراث لا يجري فيها قال ومن اشترى ثوبا على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصا أو قباء فالبيع فاسد لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ولأنه يصير صفقة في صفقة على ما مر قال ومن اشترى نعلا على أن يحذوه البائع أو يشركه فالبيع فاسد قال العبد الضعيف ما ذكره جواب القياس ووجهه ما بينا وفي الاستحسان يجوز للتعامل فيه فصار كصبغ الثوب وللتعامل جوزنا الاستصناع قال والبيع إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى وفطر اليهود إذا لم يعرف المتبايعان ذلك فاسد لجهالة الأجل وهي مفضية إلى المنازعة في البيع لابتنائها على المماكسة إلا إذا كانا يعرفانه لكونه معلوما عندهما أو كان التأجيل إلى فطر النصارى بعد ما شرعوا في صومهم لأن مدة صومهم معلومة بالأيام فلا جهالة فيه قال ولا يجوز البيع إلى قدوم الحاج وكذلك إلى الحصاد والدياس والقطاف والجذاد لأنها تتقدم وتتأخر ولو كفل إلى هذه الأوقات جاز لأن الجهالة اليسيرة متحملة في الكفالة وهذه الجهالة يسيرة مستدركة لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم فيها ولأنه معلوم الأصل ألا ترى أنها تحتمل الجهالة في أصل الدين بأن تكفل بما ذاب على فلان ففي الوصف أولى بخلاف البيع فإنه لا يحتملها في أصل الثمن فكذا في وصفه بخلاف ما إذا باع مطلقا ثم أجل الثمن إلى هذه الأوقات حيث جاز لأن هذا تأجيل في الدين وهذه الجهالة فيه محتملة بمنزلة الكفالة ولا كذلك اشتراطه في أصل العقد لأنه يبطل بالشرط الفاسد ولو باع إلى هذه الآجال ثم تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج جاز البيع أيضا وقال زفر لا يجوز لأنه وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا وصار كإسقاط الأجل في النكاح إلى أجل ولنا أن الفساد للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره وهذه الجهالة في شرط زائد لا في صلب العقد فيمكن إسقاطه بخلاف ما إذا باع الدرهم بالدرهمين ثم أسقطا الدرهم الزائد لأن الفساد في صلب العقد وبخلاف النكاح إلى أجل لأنه متعة وهو عقد غير عقد النكاح وقوله في الكتاب ثم تراضيا خرج وفاقا لأن من له الأجل يستبد بإسقاطه لأنه خالص حقه
قال ومن جمع بين حر وعبد أو شاة ذكية وميتة بطل البيع فيهما وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد إن سمى لكل واحد منهما ثمنا جاز في العبد والشاة الذكية وإن جمع بين عبد ومدبر أو بين عبده وعبد غيره صح البيع في العبد بحصته من الثمن عند علمائنا الثلاثة وقال زفر رحمه الله فسد فيهما ومتروك التسمية عامدا كالميتة والمكاتب وأم الولد كالمدبر له الاعتبار بالفصل الأول إذ محلية البيع منفية بالإضافة إلى الكل ولهما أن الفساد يقدر المفسد فلا يتعدى إلى القن كمن جمع بين الأجنبية وأخته في النكاح بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد منهما لأنه مجهول ولأبي حنيفة رحمه الله وهو الفرق بين الفصلين أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لأنه ليس بمال والبيع صفقة واحدة فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد وهذا شرط فاسد بخلاف النكاح لأنه لا يبطل بالشروط الفاسدة وأما البيع في هؤلاء فموقوف وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية ولهذا ينفذ في عبد الغير بإجارته وفي المكاتب برضاه في الأصح وفي المدبر بقضاء القاضي وكذا في أم الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلا أن المالك باستحقاقه المبيع وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع فكان هذا إشارة إلى البقاء كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض وهذا لا يكون شرط القبول في غير المبيع ولا بيعا بالحصة ابتداء ولهذا لا يشترط بيان ثمن كل واحد فيه فصل في أحكامه وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال ملك المبيع ولزمته قيمته وقال الشافعي رحمه الله لا يملكه وإن قبضه لأنه محظور فلا ينال به نعمة الملك ولأن النهي نسخ للمشروعية للتضاد ولهذا لا يفيده قبل القبض وصار كما إذا باع بالميتة أو باع الخمر بالدراهم ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله فوجب القبول بانعقادة ولا خفاء في الأهلية والمحلية وركنه مبادلة المال بالمال وفيه الكلام والنهي يقرر المشروعية عندنا لاقتضائه التصور فنفس البيع مشروع وبه تنال نعمة الملك وإنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء وإنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور إذ هو واجب الرفع بالاسترداد فبالامتناع عن المطالبة أولى ولأن السبب قد ضعف لمكان اقترانه بالقبيح فيشترط اعتضاده بالقبض في إفاذة الحكم بمنزلة الهبة والميتة ليست بمال فانعدم الركن ولو كان الخمر مثمنا فقد خرجناه وشيء آخر وهو أن الخمر الواجب هو القيمة وهي تصلح ثمنا لا مثمنا ثم شرط أن يكون القبض بإذن البائع وهو الظاهر إلا أنه يكتفى به دلالة كما إذا قبضه في مجلس العقد استحسانا وهو الصحيح لأن البيع تسليط منه على القبض فإذا قبضه بحضرته قبل الافتراق ولم ينهه كان بحكم التسليط السابق فكذا القبض في الهبة في مجلس العقد يصح استحسانا وشرط أن يكون في العقد عوضان كل واحد منهما مال ليتحقق ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال فيخرج عليه البيع بالميتة والدم والحر والريح والبيع مع نفي الثمن وقوله لزمته قيمته في ذوات القيم فأما في ذوات الأمثال فيلزمه المثل لأنه مضمون بنفسه بالقبض فشابه الغصب وهذا لأن المثل صورة ومعنى أعدل من المثل معنى
قال ولكل واحد من المتعاقدين فسخه رفعا للفساد وهذا قبل القبض ظاهر لأنه لم يفد حكمه فيكون الفسخ امتناعا منه وكذا بعد القبض إذا كان الفساد في صلب العقد لقوته وإن كان الفساد بشرط زائد فلمن له الشرط ذلك دون من عليه لقوة العقد إلا أنه لم تتحقق المراضاة في حق من له الشرط قال فإن باعه المشتري نفذ بيعه لأنه ملكه فملك التصرف فيه وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد بالثاني ونقض الأول لحق الشرع وحق العبد مقدم لحاجته ولأن الأول مشروع بأصله دون وصفه والثاني مشروع بأصله ووصفه فلا يعارضه مجرد الوصف ولأنه حصل بتسليط من جهة البائع بخلاف تصرف المشتري في الدار المشفوعة لأن كل واحد منهما حق العبد ويستويان في المشروعية وما حصل بتسليط من الشفيع قال ومن اشترى عبدا بخمر أو خنزير فقبضه وأعتقه أو باعه أو وهبه وسلمه فهو جائز وعليه القيمة لما ذكرنا أنه ملكه بالقبض فتنفذ تصرفاته وبالإعتاق قد هلك فتلزمه القيمة وبالبيع والهبة انقطع الاسترداد على ما مر والكتابة والرهن نظير البيع لأنهما لازمان إلا أنه يعود حق الاسترداد بعجز المكاتب وفك الرهن لزوال المانع وهذا بخلاف الإجارة لأنها تفسخ بالأعذار ورفع الفساد عذر ولأنها تنعقد شيئا فشيئا فيكون الرد امتناعا قال وليس للبائع البيع الفاسد أن يأخذ المبيع حتى يرد الثمن لأن المبيع مقابل به فيصير محبوسا به كالرهن وإن مات البائع فالمشتري أحق به حتى يستوفي الثمن لأنه يقدم عليه في حياته فكذا على ورثته وغرمائه بعد وفاته كالراهن ثم إن كانت دراهم الثمن قائمة يأخذها بعينها لأنها تتعين في البيع الفاسد وهو الأصح لأنه بمنزلة الغصب وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها لما بينا قال ومن باع دارا بيعا فاسدا فبناها المشتري فعليه قيمتها عند أبي حنيفة رحمه الله رواه يعقوب عنه في الجامع الصغير ثم شك بعد ذلك في الرواية وقالا ينقض البناء وترد الدار والغرس على هذا الاختلاف لهما أن حق الشفيع أضعف من حق البائع حتى يحتاج فيه إلى القضاء ويبطل بالتأخير بخلاف حق البائع ثم أضعف الحقين لا يبطل بالبناء فأقواهما أولى وله أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام وقد حصل بتسليط من جهة البائع فينقطع حق الاسترداد كالبيع بخلاف حق الشفيع لأنه لم يوجد منه التسليط ولهذا لا يبطل بهبة المشتري وبيعه فكذا ببنائه وشك يعقوب في حفظ الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله وقد نص محمد على الاختلاف في كتاب الشفعة فإن حق الشفعة مبني على انقطاع حق البائع بالبناء وثبوته على الاختلاف قال ومن اشترى جارية بيعا فاسدا وتقابضا فباعها وربح فيها تصدق بالربح ويطيب للبائع ما ربح في الثمن والفرق أن الجارية مما يتعين فيتعلق العقد بها فيتمكن الخبث في الربح والدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود فلم يتعلق العقد الثاني بعينها فلم يتمكن الخبث فلا يجب التصدق وهذا في الخبث الذي سببه فساد الملك أما الخبث لعدم الملك فعند أبي حنيفة رحمه الله ومحمد يشمل النوعين لتعلق العقد فيما يتعين حقيقة وفيما لا يتعين شبهة من حيث أنه يتعلق به سلامة المبيع أو تقدير الثمن وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها قال وكذا إذا ادعى على آخر مالا فقضاه إياه ثم تصادقا أنه لم يكن عليه شيء وقد ربح المدعي في الدراهم يطيب له الربح لأن الخبث لفساد الملك ههنا لآن الدين وجب بالتسمية ثم استحق بالتصادق وبدل المستحق مملوك فلا يعمل فيما لا يتعين فصل فيما يكره قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره قال عليه الصلاة والسلام لا تناجشوا
قال وعن السوم على سوم غيره قال عليه الصلاة والسلام لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ولأن في ذلك أيحاشا وإضرارا وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة أما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد ولا بأس به على ما نذكره وما ذكرناه محمل النهي في النكاح أيضا قال وعن تلقي الجلب وهذا إذا كان يضر بأهل البد فإن كان لا يضر فلا باس به إلا إذا لبس السعر على الواردين فحينئذ يكره لما فيه من الغرر والضرر قال وعن بيع الحاضر للبادي فقد قال عليه الصلاة والسلام لا يبيع الحاضر للبادي وهذا إذا كان أهل البلدة في قحط وعوز وهو أن يبيع من أهل البدو طمعا في الثمن الغالي لما فيه من الإضرار بهم أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر قال والبيع عند أذان الجمعة قال الله تعالى وذروا البيع ثم فيه إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه وقد ذكرنا الأذان المعتبر فيه في كتاب الصلاة قال وكل ذلك يكره لما ذكرنا ولا يفسد به البيع لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد ولا في شرائط الصحة قال ولا بأس ببيع من يزيد وتفسيره ما ذكرنا وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام باع قدحا وحلسا ببيع من يزيد ولآنه بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه نوع منه قال ومن ملك مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر لم يفرق بينهما وكذلك إن كان احدهما كبيرا والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ووهب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه غلامين أخوين صغيرين ثم قال له ما فعل الغلامان فقال بعت أحدهما فقال عليه الصلاة والسلام أدرك أدرك ويروى اردد اردد ولأن الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير والكبير يتعاهده فكان في بيع أحدهما قطع الاستئناس والمنع من التعاهد وفيه ترك المرحمة على الصغار وقد أوعد عليه ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم ولا يدخل فيه الزوجان حتى جاز التفريق بينهما لأن النص ورد بخلاف القياس فيقتصر على مورده ولا بد من اجتماعهما في ملكه لما ذكرنا حتى لو كان أحد الصغيرين له والآخر لغيره لا بأس ببيع واحد منهما ولو كان التفريق بحق مستحق لا بأس به كدفع أحدهما بالجناية وبيعه بالدين ورده بالعيب لأن المنظور إليه دفع الضرر عن غيره لا الإضرار به قال فإن فرق كره له ذلك وجاز العقد وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز في قرابة الولادة ويجوز في غيرها وعنه أنه لا يجوز في جميع ذلك لما روينا فإن الأمر بالإدراك والرد لا يكون إلا في البيع الفاسد ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله وإنما الكراهة لمعنى مجاور فشابه كراهة الاستيام وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما لأنه ليس في معنى ما ورد به النص وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام فرق بين مارية وسيرين وكانتا أمتين أختين والله أعلم 2 باب الإقالة 2
الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول لقوله عليه الصلاة والسلام من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة ولأن العقد حقهما فيملكان رفعه دفعا لحاجتهما فإن شرطا أكثر منه أو أقل فالشرط باطل ويرط مثل الثمن الأول والأصل أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق غيرها إلا أن لا يمكن جعله فسخا فتبطل وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف رحمه الله هو بيع إلا أن لا يمكن جعله بيعا فيجعل فسخا إلا أن لا يمكن فتبطل وعند محمد رحمه الله هو فسخ إلا إذا تعذر جعله فسخا فيجعل بيعا إلا أن لا يمكن فتبطل لمحمد رحمه الله أن اللفظ للفسخ والرفع ومنه يقال أقلني عثراتي فتوفر عليه قضيته وإذا تعذر يحمل على محتمله وهو البيع ألا ترى أنه بيع في حق الثالث ولأبي يوسف رحمه الله أنه مبادلة المال بالمال بالتراضي وهذا هو حد البيع ولهذا يبطل بهلاك السلعة ويرد بالعيب وتثبت به الشفعة وهذه احكام البيع ولأبي حنيفة رحمه الله أن اللفظ ينبىء عن الفسخ والرفع كما قلنا والأصل إعمال الألفاظ في مقتضياتها الحقيقة ولا يحتمل ابتداء العقد ليحمل عليه عند تعذره لأنه ضده واللفظ لا يحتمل ضده فتعين البطلان وكونه بيعا في حق الثالث أمر ضروري لأنه يثبت به مثل حكم البيع وهو الملك لا مقتضى الصيغة إذ لا ولاية لهما على غيرهما إذا ثبت هذا نقول إذا شرط الأكثر فالإقالة على الثمن الأول لتعذر الفسخ على الزيادة إذ رفع مالم يكن ثابتا محال فيبطل الشرط لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة بخلاف البيع لأن الزيادة يمكن إثباتها في العقد فيتحقق الربا أماما لا يمكن إثباتها في الرفع وكذا إذا شرط الأقل لما بيناه إلا أن يحدث في المبيع عيب فحينئذ جازت الإقالة بالأقل لأن الحط يجعل بإزاء ما فات بالعيب وعندهما في شرط الزيادة يكون بيعا لأن الأصل هو البيع عند أبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله جعله بيعا ممكن فإذا زاد كان قاصدا بهذا ابتداء البيع وكذا في شرط الأقل عند أبي يوسف رحمه الله لأنه هو الأصل عنده وعند محمد رحمه الله هو فسخ بالثمن الأول لا سكوت عن بعض الثمن الأول ولو سكت عن الكل وأقال يكون فسخا فهذا أولى بخلاف ما إذا زاد وإذا دخله عيب فهو فسخ بالأقل لما بيناه ولو أقال بغيرجنس الثمن الأول فهو فسخ بالثمن الأول عند أبي حنيفة رحمه الله ويجعل التسمية لغوا وعندهما بيع لما بينا ولو ولدت المبيعة ولدا ثم تقايلا فالإقالة باطلة عنده لأن الولد مانع من الفسخ وعندهما تكون بيعا والإقالة قبل القبض في المنقول وغيره فسخ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وكذا عند أبي يوسف رحمه الله في المنقول لتعذر البيع وفي العقار يكون بيعا عنده لامكان البيع فإن بيع العقار قبل القبض جائز عنده قال وهلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة وهلاك المبيع يمنع منها لأن رفع البيع يستدعي قيامه وهو قائم بالمبيع دون الثمن فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في الباقي لقيام البيع فيه وإن تقابضا تجوز الإقالة بعد هلاك أحدهما ولا تبطل بهلاك أحدهما لأن كل واحد منهما مبيع فكان المبيع باقيا والله أعلم بالصواب 2 باب المرابحة والتولية 2
قال المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح والتولية نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح والبيعان جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن الخيانة وعن شبهتها وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر رضي الله عنه بعيرين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ولني أحدهما فقال هو لك بغير شيء فقال عليه الصلاة والسلام أما بغير ثمن فلا قال ولا تصح المرابحة والتولية حتى يكون العوض مما له مثل لأنه إذا لم يكن له مثل لو ملكه ملكه بالقيمة وهي مجهولة ولو كان المشتري باعه مرابحة ممن يملك ذلك البدل وقد باعة بربح درهم أو بشيء من المكيل موصوف جاز لأنه يقدر على الوفاء بما التزم وإن باعه بربح ده يازدة لا يجوز لأنه باعه برأس المال وببعض قيمته لأنه ليس من ذوات الأمثال ويجوز أن يضيف إلى رأس المال أجرة القصار والطراز والصبغ والفتل وأجرة حمل الطعام لأن العرف جار بإلحاق هذه الأشياء برأس المال في عادة التجار ولأن كل ما يزيد في المبيع أو في قيمته يلحق به هذا هو الأصل وما عددناه بهذه الصفة لأن الصبغ وأخواته يزيد في العين والحمل يزيد في القيمة إذ القيمة تختلف باختلاف المكان ويقول قام على بكذا ولا يقول اشتريته بكذا كيلا يكون كاذبا وسوق الغنم بمنزلة الحمل بخلاف أجرة الراعي وكراء بيت الحفظ لأنه لا يزيد في العين والمعنى وبخلاف أجرة التعليم لأن ثبوت الزيادة لمعنى فيه هو حذاقته فإن اطلع المشتري على خيانة في المرابحة فهو بالخيار عند أبي حنيفة رحمه الله إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه وإن اطلع على خيانة في التولية أسقطها من الثمن وقال أبو يوسف رحمه الله يحط فيهما وقال محمد رحمه الله يخير فيهما لمحمد رحمه الله أن الاعتبار للتسمية لكونه معلوما والتولية والمرابحة ترويج وترغيب فيكون وصفا مرغوبا فيه كوصف السلامة فيتخير بفواته ولأبي يوسف رحمه الله أن الأصل فيه كونه تولية ومرابحة ولهذا ينعقد بقوله وليتك بالثمن الأول أو بعتك مرابحة على الثمن الأول إذا كان ذلك معلوما فلا بد من البناء على الأول وذلك بالحط غير أنه يحط في التولية قدر الخيانة من رأس المال وفي المرابحة منه ومن الربح ولأبي حنيفة رحمه الله أنه لو لم يحط في التولية لا تبقى تولية لأنه يزيد على الثمن الأول فيتغير التصرف فتعين الحط وفي المرابحة لو لم يحط تبقى مرابحة وإن كان يتفاوت الربح فلا يتغير التصرف فأمكن القول بالتخيير فلو هلك قبل أن يرده أو حدث فيه ما يمنع الفسخ يلزمه جميع الثمن في الروايات الظاهرة لأنه مجرد خيار لا يقابله شيءمن الثمن كخيار الرؤية والشرط بخلاف خيار العيب لأنه مطالبة بتسليم الفائت فيسقط ما يقابله عند عجزه قال ومن اشترى ثوبا وباعه بربح ثم اشتراه فإن باعه مرابحة طرح عنه كل ربح كان قبل ذلك فإن كان استغرق الثمن لم يبعه مرابحة وهذاعند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يبيعه مرابحة على الثمن الأخير