Qur'an&Sunnah

Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)

قسم V04/P045–V04/P047

قال ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم لأنه لا شركة في الدراهم والقسمة من حقوق الاشتراك ولأنه يفوت به التعديل في القسمة لأن أحدهما يصل إلى عين العقار ودراهم الآخر في ذمته ولعلها لا تسلم له وإذا كان أرض وبناء فعن أبي يوسف أنه يقسم كل ذلك على اعتبار القيمة لأنه لا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالتقويم وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يقسم الأرض بالمساحة لأنه هو الأصل في الممسوحات ثم يرد من وقع البناء في نصيبه أو من كان نصيبه أجود دراهم على الآخر حتى يساويه فتدخل الدراهم في القسمة ضرورة كالأخ لا ولاية له في المال ثم يملك تسمية الصداق ضرورة التزويج وعن محمد رحمه الله أنه يرد على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة وإذا بقي فضل ولم يمكن تحقيق التسوية بأن كان لا تفي العرصة بقيمة البناء فحينئذ يرد الفضل دراهم لأن الضرورة في هذا القدر فلا يترك الأصل إلا بها وهذا يوافق رواية الأصل قال فإن قسم بينهم ولأحدهم مسيل في نصيب الآخر أو طريق لم يشترط في القسمة فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه ليس له أن يستطرق ويسيل في نصيب الآخر لأنه أمكن تحقيق معنى القسمة من غير ضرر وإن لم يكن فسخت القسمة لأن القسمة مختلة لبقاء الاختلاط فتستأنف بخلاف البيع حيث لا يفسد في هذه الصورة لأن المقصود منه تملك العين وأنه يجامع تعذر الانتفاع في الحال أما القسمة فلتكميل المنفعة ولا يتم ذلك إلا بالطريق ولو ذكر الحقوق في الوجه الأول كذلك الجواب لأن معنى القسمة الإفراز والتمييز وتمام ذلك بأن لا يبقى لكل واحد تعلق بنصيب الآخر وقد أمكن تحقيقه بصرف الطريق والمسيل إلى غيره من غير ضرر فيصار إليه بخلاف البيع إذا ذكر فيه الحقوق حيث يدخل فيه ما كان له من الطريق والمسيل لأنه أمكن تحقيق معنى البيع وهو التمليك مع بقاء هذا التعلق بملك غيره وفي الوجه الثاني يدخل فيها لأن القسمة لتكميل المنفعة وذلك بالطريق والمسيل فيدخل عند التنصيص باعتباره وفيها معنى الإفراز وذلك بانقطاع التعلق على ما ذكرنا فباعتباره لا يدخل من غير تنصيص بخلاف الإجارة حيث يدخل فيها بدون التنصيص لأن كل المقصود الانتفاع وذلك لا يحصل إلا بإدخال الشرب والطريق فيدخل من غير ذكر ولو اختلفوا في رفع الطريق بينهم في القسمة إن كان يستقيم لكل واحد طريق يفتحه في نصيبه قسم الحاكم من غير طريق يرفع لجماعتهم لتحقق الإفراز بالكلية دونه وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقا بين جماعتهم ليتحقق تكميل المنفعة فيما وراء الطريق ولو اختلفوا في مقداره جعل على عرض باب الدار وطوله لأن الحاجة تندفع به والطريق على سهامهم كما كان قبل القسمة لأن القسمة فيما وراء الطريق لا فيه ولو شرطوا أن يكون الطريق بينهما ثلاثا جاز وإن كان أصل الدار نصفين لأن القسمة على التفاضل جائزة بالتراضي قال وإذا كان سفل لا علو عليه وعلو لا سفل له وسفل له علوم قوم كل واحد على حدته وقسم بالقيمة ولا معتبر بغير ذلك قال رضي الله عنه هذا عند محمد رحمه الله وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقسم بالذرع لمحمد أن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو من اتخاذه بئر ماء أو سردابا أو إصطبلا أو غير ذلك فلا يتحقق التعديل إلا بالقيمة وهما يقولان إن القسمة بالذرع هي الأصل لأن الشركة في المذروع لا في القيمة فيصار إليه ما أمكن والمراعي التسوية في السكنى لا في المرافق ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع فقال أبو حنيفة رحمه الله ذراع من سفل بذراعين من علو وقال أبو يوسف رحمه الله ذراع بذراع

قسم V04/P047–V04/P049

قيل أجاب كل واحد منهم على عادة أهل عصره أو أهل بلده في تفضيل السفل على العلو واستوائهما وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى وقيل هو اختلاف معنى ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن منفعة السفل تربو على منفعة العلو بضعفه لأنها تبقى بعد فوات العلو ومنفعة العلو لا تبقى بعد فناء السفل وكذا السفل فيه منفعة البناء والسكنى وفي العلو السكنى لا غير إذ لا يمكنه اليناء على علوه إلا برضا صاحب السفل فيعتبر ذراعان منه بذراع من السفل ولأبي يوسف أن المقصود أصل السكنى وهما يتساويان فيه والمنفعتان متماثلتان لأن لكل واحد منهما أن يفعل مالا يضر بالآخر على أصله ولمحمد أن المنفعة تختلف باختلاف الحر والبرد بالإضافة إليهما فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة والفتوى اليوم على قول محمد رحمه الله وقوله لا يفتقر إلى التفسير وتفسير قول أبي حنيفة رحمه الله في مسألة الكتاب أن يجعل بمقابلة مائة ذراع من العلو المجرد ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل لأن العلو مثل نصف السفل فثلاثة وثلاثون وثلث من السفل ستة وستون وثلثان من العلو المجرد ومعه ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من العلو فبلغت مائة ذراع تساوي مائة من العلو المجرد ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد من البيت الكامل ستة وستون وثلثا ذراع لأن علوه مثل نصف سفله فبلغت مائة ذراع كما ذكرنا والسفل المجرد ستة وستون وثلثان لأنه ضعف العلو فيجعل بمقابلة مثله وتفسير قول أبي يوسف رحمه الله أن يجعل بإزاء خمسين ذراعا من البيت الكامل مائة ذراع من السفل المجرد ومائة ذراع من العلو المجرد لأن السفل والعلو عنده سواء فخمسون ذراعا من البيت الكامل بمنزلة مائة ذراع خمسون منها سفل وخمسون منها علو قال وإذا اختلف المتقاسمون وشهد القاسمان قبلت شهادتهما قال رضي الله عنه هذا الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد رحمه الله لا تقبل وهو قول أبي يوسف أولا وبه قال الشافعي رحمه الله وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما وقاسما القاضي وغيرهما سواء لمحمد رحمه الله أنهما أشهدا على فعل أنفسهما فلا تقبل كمن علق عتق عبده بفعل غيره فشهد ذلك الغير على فعله ولهما أنهما شهدا على فعل غيرهما وهو الاستيفاء والقبض لا على فعل أنفسهما لأن فعلهما التميز ولا حاجة إلى الشهادة عليه أو لأنه لا يصلح مشهودا به لما أنه غير لازم وإنما يلزمه بالقبض والاستيفاء وهو فعل للغير فتقبل الشهادة عليه وقال الطحاوي رحمه الله إذا قسما بأجر لا تقبل الشهادة بالإجماع وإليه مال بعض المشايخ رحمهم الله لأنهما يدعيان إيفاء عمل استؤجرا عليه فكانت شهادة صورة ودعوى معنى فلا تقبل إلا أنا نقول هما لايجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما مغنما لاتفاق الخصوم على إيفائهما العمل المستأجر عليه وهو التمييز وإنما الاختلاف في الاستيفاء فانتفت التهمة ولوشهد قاسم واحد لا تقبل لأن شهادة الفرد غير مقبولة على الغير ولو أمر القاضي أمينه بدفع المال إلى آخر يقبل قول الأمين في دفع الضمان عن نفسه ولا يقبل في إلزام الآخر إذا كان منكرا والله أعلم 2 باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها 2 قال وإذا ادعى أحدهم الغلط وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء لم يصدق على ذلك إلا ببينة لأنه يدعى فسخ القسمة بعد وقوعها فلا يصدق إلا بحجة فإن لم يكن له بينة استحلف الشركاء فمن نكل منهم جمع بين نصيب الناكل والمدعي فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما لأن النكول حجة في حقه خاصة فيعاملان على زعمهما

قسم V04/P049–V04/P050

قال رضي الله عنه ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا لتناقضه وإليه أشار من بعد وإن قال قد استوفيت حقي وأخذت بعضه فالقول قول خصمه مع يمينه لأنه يدعي عليه الغصب وهو منكر وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة فصار نظير الاختلاف في مقدار البيع على ما ذكرنا من أحكام التحالف فيما تقدم ولو اختلفا في التقويم لم يلتفت إليه لأنه دعوى الغبن ولا معتبر به في البيع فكذا في القسمة لوجود التراضي إلا إذا كانت القسمة بقضاء القاضي والغبن فاحش لأن تصرفه مقيد بالعدل ولو اقتسما دارا وأصاب كل واحد طائفة فادعى أحدهما بيتا في يد الآخر أنه مما أصابه بالقسمة وأنكر الآخر فعليه إقامة البينة لما قلنا وإن أقاما البينة يؤخذ ببينة المدعي لأنه خارج وبينة الخارج تترجح على بينة ذي اليد وإن كان قبل الإشهاد على القبض تحالفا وترادا وكذا إذا اختلفا في الحدود وأقاما البينة يقضى لكل واحد بالجزء الذي هو في يد صاحبه لما بينا وإن قامت لأحدهما بينة قضي له وإن لم تقم لواحد منهما تحالفا كما في البيع فصل قال وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة رحمه الله ورجع بحصة ذلك في نصيب صاحبه وقال أبو يوسف رحمه الله تفسخ القسمة قال رضي الله عنه ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه وهكذا ذكر في الأسرار والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما فأما في استحقاق بعض معين لانفسخ القسمة بالإجماع ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق فهذه ثلاثة أوجه ولم يذكر قول محمد رحمه الله وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف وأبو حفص مع أبي حنيفة وهو الأصح لأبي يوسف رحمه الله أن باستحقاق بعض شائع ظهر شريك ثالث لهما والقسمة بدون رضاه باطلة كما إذا استحق بعض شائع في النصيبين وهذا لأن باستحقاق جزء شائع ينعدم معنى القسمة وهو الإفراز لأنه يوجب الرجوع بحصته نصيب الآخر شائعا بخلاف المعين ولهما أن معنى الإفراز لا ينعدم باستحقاق جزء شائع في نصيب أحدهما ولهذا جازت القسمة على هذا الوجه في الابتداء بأن كان النصف المقدم مشتركا بينهما وبين ثالث والنصف المؤخر بينهما لا شركة لغيرهما فيه فاقتسما على أن لأحدهما ما لهما من المقدم وربع المؤخر يجوز فكذا في الانتهاء وصار كاستحقاق شيء معين بخلاف الشائع في النصيبين لأنه لو بقيت القسمة لتضرر الثالث بتفرق نصيبه في النصيبين أما ههنا فلا ضرر بالمستحق فافترقا وصورة المسألة إذا أخذ أحدهما الثلث المقدم من الدار والآخر الثلثين من المؤخر وقيمتهما سواء ثم استحق نصف المقدم فعندهما إن شاء نقض القسمة دفعا لعيب التشقيص وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في يده من المؤخر لأنه لو استحق كل المقدم رجع بنصف ما في يده فإذا استحق النصف رجع بنصف النصف وهو الربع اعتبارا للجزء بالكل ولو باع صاحب المقدم نصفه ثم استحق النصف الباقي شائعا رجع بربع ما في يد الآخر عندهما لما ذكرنا وسقط خياره ببيع البعض وعند أبي يوسف رحمه الله ما في يد صاحبه بينهما نصفان ويضمن قيمة نصف ما باع لصاحبه لأن القسمة تنقلب فاسدة عنده والمقبوض بالعقد الفاسد مملوك فنفذ البيع فيه وهو مضمون بالقيمة فيضمن نصف نصيب صاحبه

قسم V04/P050–V04/P051

قال ولو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة لأنه يمنع وقوع الملك للوارث وكذا إذا كان غير محيط لتعلق حق الغرماء بالتركة إلا إذا بقي من التركة ما بقي بالدين وراء ما قسم لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة في إيفاء حقهم ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة أو أداه الورثة من مالهم والدين محيط أوغير محيط جازت القسمة لأن المانع قد زال ولو ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة صح دعواه لأنه لا تناقض إذ الدين يتعلق بالمعنى والقيمة تصادف الصورة ولو ادعى عينا بأي سبب كان لم يسمع للتناقض إذ الإقدام على القسمة اعتراف بكون المقسوم مشتركا فصل في المهايأة المهايأة جائزة استحسانا للحاجة إليه إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع فأشبه القسمة ولهذا يجري فيه جبر القاضي كما يجري في القسمة إلا أن القسمة أقوى منه في استكمال المنفعة لأنه جمع المنافع في زمان واحد والتهايؤ جمع على التعاقب ولهذا لو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة يقسم القاضي لأنه أبلغ في التكميل ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم وتبطل المهايأة لأنه أبلغ ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما ولا بموتهما لأنه لو انتقض لاستأنفه الحاكم فلا فائدة في النقض ثم الاستئناف ولو تهايآ في دار واحدة على أن يسكن هذا طائفة وهذا طائفة أو هذا علوها وهذا سفلها جاز لأن القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا المهايأة والتهايؤ في هذا الوجه إفراز لجميع الأنصباء لا مبادلة ولهذا لا يشترط فيه التأقيت ولكل واحد أن يستغل ما أصابه بالمهايأة شرط ذلك في العقد أو لم يشترط لحدوث المنافع على ملكه ولو تهايآ في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما جاز وكذا هذا في البيت الصغير لأن المهايأة قد تكون في الزمان وقد تكون من حيث المكان والأول متعين ههنا ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان في محل يحتملهما يأمرهما القاضي بأن يتفقا لأن التهايؤ في المكان اعدل وفي الزمان أكمل فلما اختلفت الجهة لا بد من الاتفاق فإن اختاراه من حيث الزمان يقرع في البداية نفيا للتهمة ولو تهايآ في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبد والآخر الآخر جاز عندهما لأن القسمة على هذا الوجه جائزة عندهما جبرا من القاضي وبالتراضي فكذا المهايأه وقيل عند أبي حنيفة لا يقسم القاضي وهكذا روى عنه لأنه لا يجري فيه الجبرعنده والأصح أنه يقسم القاضي عنده أيضا لأن المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت بخلاف أعيان الرقيق لأنها تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما تقدم ولو تهايآ فيهما على أن نفقة كل عبد على من يأخذه جاز استحسانا للمسامحة في إطعام المماليك بخلاف شرط الكسوة لأنه لا يسامح فيها

قسم V04/P051–V04/P052

ولو تهايآ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز ويجبر القاضي عليه أما عندهما فظاهر لأن الدارين عندهما كدار واحدة وقد قيل لا يجبر عنده اعتبارا بالقسمة وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز التهايؤ فيهما أصلا بالجبر لما قلنا وبالتراضي لأنه بيع السكنى بالسكنى بخلاف قسمة رقبتهما لأن بيع بعض احدهما ببعض الآخر جائز وجه الظاهر أن التفاوت يقل في المنافع فيجوز بالتراضي ويجري فيه جبر القاضي ويعتبر إفرازا أما التفاوت فيكثر في أعيانهما فاعتبر مبادلة وفي الدابتين لا يجوز التهايؤ على الركوب عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجوز اعتبارا بقسمة الأعيان وله أن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين فإنهم بين حاذق وأخرق والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة على هذا الخلاف لما قلنا بخلاف العبد لأنه يخدم باختياره فلا يتحمل زيادة على طاقته والدابة تحملها وأما التهايؤ في الاستغلال فيجوز في الدار الواحدة في ظاهر الرواية وفي العبد الواحد والدابة الواحدة لا يجوز ووجه الفرق أن النصيبين يتعاقبان في الاستيفاء والاعتدال ثابت في الحال والظاهر بقاؤه في العقار وتغيره في الحيوانات لتوالي أسباب التغير عليه فتفوت المعادلة ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما عليها في نوبة الآخر يشتركان في الزيادة ليتحقق التعديل بخلاف ما إذا كان التهايؤ على المنافع فاستغل أحدهما في نوبته زيادة لأن التعديل فيما وقع عليه التهايؤ حاصل وهو المنافع فلا تضره زيادة الإستغلال من بعد والتهايؤ على الاستغلال في الدارين جائز أيضا في طاهر الرواية لما بينا ولو فضل غلة أحدهما لا يشتركان فيه بخلاف الدار الواحدة والفرق أن في الدارين معنى التمييز والإفراز راجح لاتحاد زمان الاستيفاء وفي الدار الواحدة يتعاقب الوصول فاعتبر قرضا وجعل كل واحد في نوبته كالوكيل عن صاحبه فلهذا يرد عليه حصته من الفضل وكذا يجوز في العبدين عندهما اعتبارا بالتهايؤ في المنافع ولا يجوز عنده لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر منه من حيث الزمان في العبد الواحد فأولى أن يمتنع الجواز والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة ولا ضرورة في الغلة لإمكان قسمتها لكونها عينا ولإن الظاهر هو التسامح في الخدمة والاستقصاء في الاستغلال فلا يتقاسمان ولا يجوز في الدابتين عنده خلافا لهما والوجه ما بيناه في الركوب ولو كان نخل أو شجر أو غنم بين اثنين فتهايآ على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها أو يرعاها ويشرب ألبانها لايجوز لأن المهايأة في المنافع ضرورة أنها لا تبقى فيتعذر قسمتها وهذه أعيان باقية ترد عليها القسمة عند حصولها والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته أو ينتفع باللبن بمقدار معلوم استقراضا لنصيب صاحبه إذ قرض المشاع جائز والله أعلم بالصواب 1 كتاب المزارعة 1 قال أبو حنيفة رحمه الله المزارعة بالثلث والربع باطلة

قسم V04/P052–V04/P054

اعلم أن المزارعة لغة مفاعلة من الزرع وفي الشريعة هي عقد على الزرع ببعض الخارج وهي فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هي جائزة لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع ولأنه عقد شركة بين المال والعمل فيجوز اعتبارا بالمضاربة والجامع دفع الحاجة فإن ذا المال قد لا يهتدي إلى العمل والقوى عليه لا يجد المال فمست الحاجة إلى انعقاد هذا العقد بينهما بخلاف دفع الغنم والدجاج ودود القز معاملة بنصف الزوائد لأنه لا أثر هناك للعمل في تحصيلها فلم تتحقق شركة وله ما روى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المخابرة وهي المزارعة ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله فيكون في معنى قفيز الطحان ولأن الأجر مجهول أو معدوم وكل ذلك مفسد ومعاملة النبي عليه الصلاة والسلام أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز وإذا فسدت عنده فإن سقى الأرض وكربها ولم يخرج شيء منه فله أجر مثله لأنه في معنى إجارة فاسدة وهذا إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض وإن كان البذر من قبله فعليه أجر مثل الأرض والخارج في الوجهين لصاحب البذر لأنه نماء ملكه وللآخر الأجر كما فصلنا إلا أن الفتوى على قولهما لحاجة الناس إليها ولظهور تعامل الأمة بها والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع ثم المزارعة لصحتها على قول من يجيزها شروط أحدها كون الأرض صالحة للزراعة لأن المقصود لا يحصل بدونه والثاني أن يكون رب الأرض والمزارع من أهل العقد وهو لا يختص به لأن عقدا ما لا يصح إلا من الأهل والثالث بيان المدة لأنه عقد على منافع الأرض أو منافع العامل والمدة هي المعيار لها فيعلم بها والرابع بيان من عليه البذر قطعا للمنازعة وإعلاما للمعقود عليه وهو منافع الأرض أو منافع العامل والخامس بيان نصيب من لا بذر من قبله لأنه يستحقه عوضا بالشرط فلا بد أن يكون معلوما وما لايعلم لا يستحق شرطا بالعقد والسادس أن يخلي رب الأرض بينها وبين العامل حتى لو شرط عمل رب الأرض يفسد العقد لفوات التخلية والسابع الشركة في الخارج بعد حصوله لأنه ينعقد شركة في الانتهاء فما يقطع هذه الشركة كان مفسدا للعقد والثامن بيان جنس البذر ليصير الأجر معلوما قال وهي عندهما على أربعة أوجه إن كانت الأرض والبذر لواحد والبقر والعمل لواحد جازت المزارعة لأن البقر آلة العمل فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط بإبرة الخياط وإن كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد جازت لأنه استئجار الآرض ببعض معلوم من الخارج فيجوز كما إذا استأجرها بدراهم معلومة وإن كانت الأرض والبذر والبقر لواحد والعمل من آخر جازت لأنه استأجره للعمل بآلة المستأجر فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط ثوبه بإبرته أو طيانا ليطين بمره وإن كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة وهذا الذي ذكره ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز أيضا لأنه لو شرط البذر والبقر عليه يجوز فكذا إذا شرط وحده وصار كجانب العامل وجه الظاهر أن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض لأن منفعة الأرض قوة في طبعها يحصل بها النماء ومنفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كل ذلك بخلق الله تعالى فلم يتجانسا فتعذر أن تجعل تابعة لها بخلاف جانب العامل لأنه تجانست المنفعتان فجعلت تابعة لمنفعة العامل وههنا وجهان آخران لم يذكرها أحدهما أن يكون البذر لأحدهما والأرض والبقر والعمل لآخر فإنه لا يجوز لأنه يتم شركة بين البذر والعمل ولم يرد به الشرع والثاني أن يجمع بين البذر والبقر وأنه لايجوز أيضا لأنه لا يجوز عند الانفراد فكذا عند الاجتماع والخارج في الوجهين لصاحب البذر في رواية اعتبارا بسائر المزارعات الفاسدة وفي رواية لصاحب الأرض ويصير مستقرضا للبذر قابضا له لاتصاله بأرضه

قسم V04/P054–V04/P056

قال ولا تصح المزارعة إلآ على مدة معلومة لما بينا وأن يكون الخارج شائعا بينهما تحقيقا لمعنى الشركة فإن شرطا لأحدهما قفزانا مسماة فهي باطلة لأن به تنقطع الشركة لأن الأرض عساها لا تخرج إلا هذا القدر فصار كاشتراط دراهم معدودة لأحدها في المضاربة وكذا إذا شرطا أن يرفع صاحب البذر بذره ويكون الباقي بينهما نصفين لأنه يؤدي إلى قطع الشركة في بعض معين أو في جميعه بأن لم يخرج إلا قدر البذر فصار كما إذا شرطا رفع الخراج فالأرض خراجية وأن يكون الباقي بينهما لأنه معين بخلاف ما إذا شرط صاحب البذر عشر الخارج لنفسه أو للآخر والباقي بينهما لأنه معين مشاع فلا يؤدي إلى قطع الشركة كما إذا شرطا رفع العشر وقسمة الباقي بينهما والأرض عشرية قال وكذلك إن شرطا ما على الماذيانات والسواقي معناه لأحدهما لأنه إذا شرط لأحدهما زرع موضع معين أفضى ذلك إلى قطع الشركة لأنه لعله لا يخرج إلا من ذلك الموضع وعلى هذا إذا شرطا لأحدهما ما يخرج من ناحية معينة ولآخر ما يخرج من ناحية أخرى وكذا إذا شرطا لأحدهما التبن وللآخر الحب لأنه عسى أن تصيبه آفة فلا ينعقد الحب ولا يخرج إلا التبن وكذا إذاشرطا التبن نصفين والحب لأحدهما بعينه لأنه يؤدي إلى قطع الشركة فيما هو المقصود وهو الحب ولو شرطا الحب نصفين ولم يتعرضا للتبن صحت لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود ثم التبن يكون لصاحب البذر لأنه نماء بذره وفي حقه لا يحتاج إلى الشرط والمفسد هو الشرط وهذا سكوت عنه وقال مشايخ بلخ رحمهم الله التبن بينهما أيضا اعتبارا للعرف فيما لم ينص عليه المتعاقدان ولأنه تبع للحب والتبع يقوم بشرط الأصل ولو شرطا الحب نصفين والتبن لصاحب البذر صحت لأنه حكم العقد وإن شرطا التبن للآخر فسدت لأنه شرط يؤدي إلى قطع الشركة بأن لا يخرج إلا التبن واستحقاق غير صاحب البذر بالشرط قال وإذا صحت المزارعة فالخارج على الشرط لصحة الالتزام وإن لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء للعامل لأنه يستحقه شركة ولا شركة في غير الخارج وإن كانت إجارة فالأجر مسمى فلا يستحق غيره بخلاف ما إذا فسدت لأن أجر المثل في الذمة ولا تفوت الذمة بعدم الخارج قال وإذا فسدت فالخارج لصاحب البذر لأنه نماء ملكه واستحقاق الأجر بالتسمية وقد فسدت فبقي النماء كله لصاحب البذر قال ولو كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله لا يزاد على مقدار ما شرطه من الخارج لأنه رضي بسقوط الزيادة وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد له أجر مثله بالغا ما بلغ لأنه استوفى منافعه بعقد فاسد فتجب عليه قيمتها إذ لا مثل لها وقد مر في الإجارات وإن كان البذر من قبل العامل فلصاحب الأرض أجر مثل أرضه لأنه استوفى منافع الأرض بعقد فاسد فيجب ردها وقد تعذر ولا مثل لها فيجب رد قيمتها وهل يزاد على ما شرط له من الخارج فهو على الخلاف الذي ذكرناه ولو جمع بين الأرض والبقر حتى فسدت المزارعة فعلى العامل أجر مثل الأرض والبقر هو الصحيح لأن له مدخلا في الإجارة وهي إجارة معنى وإذا استحق رب الأرض الخارج لبذره في المزارعة الفاسدة طاب له جميعه لأن النماء حصل في أرض مملوكة له وإن استحقه العامل أخذ قدر بذره وقدر أجر الأرض وتصدق بالفضل لأن النماء يحصل من البذر ويخرج من الأرض وفسادالملك في منافع الأرض أوجب خبثا فيه فما سلم له يعوض طاب له وما لا عوض له تصدق به قال وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلزمه فصار كما اذا استأجر أجيرا ليهدم داره وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل لأنه لا يلحقه بالوفاء بالعقد ضرر والعقد لازم بمنزلة الإجارة إلا إذا كان عذر يفسخ به الإجارة فيفسخ به المزارعة

قسم V04/P056–V04/P057

قال ولو امتنع رب الأرض والبذر من قبله وقد كرب المزارع الأرض فلا شيء له في عمل الكراب قيل هذا في الحكم أما فيما بينه وبين الله تعالى فيلزمه استرضاء العامل لأنه غره في ذلك قال وإذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة اعتبارا بالإجارة وقد مر الوجه في الإجارات فلو كان دفعها في ثلاث سنين فلما نبت الزرع في السنة الأولى ولم يستحصد الزرع حتى مات رب الأرض ترك الأرض في يد المزارع حتى يستحصد الزرع ويقسم على الشرط وتنتقض المزارعة فيما بقي من السنتين لأن في إبقاء العقد في السنة الأولى مراعاة للحقين بخلاف السنة الثانية والثالثة لأنه ليس فيه ضرر بالعامل فيحافظ فيهما على القياس ولو مات رب الأرض قبل الزراعة بعد ما كرب الأرض وحفر الأنهار انتقضت المزارعة لأنه ليس فيه إبطال مال على المزارع ولا شيء للعامل بمقابلة ما عمل كما نبينه إن شاء الله تعالى وإذا فسخت المزارعة بدين فادح لحق صاحب الأرض فاحتاج إلى بيعها فباع جاز كما في الإجارة وليس للعامل أن يطالبه بما كرب الأرض وحفر الأنهار بشيءلأن المنافع إنما تتقوم بالعقد وهو إنما قوم بالخارج فإذا انعدم الخارج لم يجب شيء ولو ثبت الزرع ولم يستحصد لم تبع الأرض في الدين حتى يستحصد الزرع لأن في البيع إبطال حق المزارع والتأخير أهون من الإبطال ويخرجه القاضي من الحبس إن كان حبسه بالدين لأنه لما امتنع بيع الأرض لم يكن هو ظالما والحبس جزاء الظلم قال وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يستحصد والنفقة على الزرع عليهما على مقدار حقوقهما معناه حتى يستحصد لأن في تبقية الزرع بأجر المثل تعديل النظر من الجانبين فيصار إليه وإنما كان العمل عليهما لأن العقد قد انتهى بانتهاء المدة وهذا عمل في المال المشترك وهذا بخلاف ما إذا مات رب الأرض والزرع بقل حيث يكون العمل فيه على العامل لأن هناك أبقينا العقد في مدته والعقد يستدعي العمل على العامل أما ههنا العقد قد انتهى فلم يكن هذا أبقاء ذلك العقد فلم يختص العامل بوجوب العمل عليه فإن أنفق أحدهما بغير إذن صاحبه وأمر القاضي فهو متطوع لأنه لا ولاية له عليه ولو أراد رب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك لأن فيه إضرارا بالمزارع ولو أراد المزارع أن يأخذه بقلا قيل لصاحب الأرض اقلع الزرع فيكون بينكما أو أعطه قيمة نصيبه أو أنفق أنت على الزرع وارجع بما تنفقه في حصته لأن المزارع لما امتنع من العمل لا يجبر عليه لأن إبقاء العقد بعد وجود المنهي نظر له وقد ترك النظر لنفسه ورب الأرض مخير بين هذه الخيارات لأن بكل ذلك يستدفع الضرر ولو مات المزارع بعد نبات الزرع فقالت ورثته نحن نعمل إلى أن يستحصد الزرع وأبي رب الأرض فلهم ذلك لأنه لا ضرر على رب الأرض ولا أجر لهم بما عملوا لأنا أبقينا العقد نظرا لهم فإن أرادوا قلع الزرع لم يجبروا على العمل لما بينا والمالك على الخيارات الثلاثة لما بينا قال وكذلك أجرة الحصاد والرفاع والدياس والتذرية عليهما بالحصص فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت وهذا الحكم ليس بمختص بما ذكر من الصورة وهو انقضاء المدة والزرع لم يدرك بل هو عام في جميع المزارعات ووجه ذلك أن العقد يتناهى بتناهي الزرع لحصول المقصود فيبقى مال مشترك بينهما ولا عقد فيجب مؤنته عليهما وإذا شرط في العقد ذلك ولا يقتضيه وفيه منفعة لأحدهما يفسد العقد كشرط الحمل أو الطحن على العامل وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز إذا شرط ذلك على العامل للتعامل اعتبارا باستصناع وهو اختيار مشايخ بلخ قال شمس الأئمة السرخسي هذا هو الأصح في ديارنا

قسم V04/P057–V04/P059

فالحاصل أن ما كان من عمل قبل الإدراك كالسقي والحفظ فهو على العامل وما كان منه بعد الإدراك قبل القسمة فهو عليهما في ظاهر الرواية كالحصاد والدياس وأشباههما على ما بيناه وما كان بعد النسمة فهو عليهما والمعاملة على قياس هذا ما كان قبل إدراك الثمر من السقي والتلقيح والحفظ فهو على العامل وما كان بعد الإدراك كالجداد والحفظ فهو عليهما ولو شرط الجداد على العامل لا يجوز بالاتفاق لأنه لا عرف فيه وما كان بعد القسمة فهو عليهما لأنه مال مشترك ولا عقد ولو شرط الحصاد في الزرع على رب الأرض لا يجوز بالإجماع لعدم العرف فيه ولو أراد قصل القصيل أو جذ التمر بسرا أو التقاط الرطب فذلك عليهما لأنهما أنهيا العقد لما عزما على الفصل والجداد بسرا فصار كما بعد الإدراك والله أعلم 1 كتاب المساقاة 1 قال أبو حنيفة رحمه الله المساقاة بجزء من الثمر باطلة وقالا جائزة إذا ذكر مدة معلومة وسمى جزءا من الثمر مشاعا والمساقاة هي المعاملة في الأشجار والكلام فيها كالكلام في المزارعة وقال الشافعي رحمه الله المعاملة جائزة ولا تجوز المزارعة إلا تبعا للمعاملة لأن الأصل في هذا المضاربة والمعاملة أشبه بها لأن فيه شركة في الزيادة دون الأصل وفي المزارعة لو شرطا الشركة في الربح دون البذر بأن شرطا رفعه من رأس الخارج تفسد فجعلنا المعاملة أصلا وجوزنا المزارعة تبعا لها كالشرب في بيع الأرض والمنقول في وقف العقار وشرط المدة قياس فيها لأنها إجارة معنى كما في المزارعة وفي الاستحسان إذا لم يبين المدة يجوز ويقع على أول ثمر يخرج لأن الثمر لإدراكها وقت معلوم وقلما يتفاوت ويدخل فيها ما هو المتيقن وإدراك البذر في أصول الرطبة في هذا بمنزلة إدراك الثمار لأن له نهاية معلومة فلا يشترط بيان المدة بخلاف الزرع لأن ابتداءه يختلف كثيرا خريفا وصيفا وربيعا والانتهاء بناء عليه فتدخله الجهالة وبخلاف ما إذا دفع إليه غرسا قد علق ولم يبلغ الثمر معاملة حيث لا يجوز إلا ببيان المدة لأنه يتفاوت بقوة الأراضي وضعفها تفاوتا فاحشا وبخلاف ما إذا دفع نخيلا أو أصول رطبة على أن يقوم عليهما أو أطلق في الرطبة تفسد المعاملة لأنه ليس لذلك نهاية معلومة لأنها تنمو ما تركت في الأرض فجهلت المدة قال ويشترط تسمية الجزء مشاعا لما بينا في المزارعة إذ شرط جزء معين بقطع الشركة قال فإن سميا في المعاملة وقتا يعلم أنه لايخرج الثمر فيها فسدت المعاملة لفوات المقصود وهو الشركة في الخارج قال ولو سميا مدة قد يبلغ الثمر فيها وقد يتأخر عنها جازت لأنا لا نتيقن بفوات المقصود قال ثم لو خرج في الوقت المسمى فهو على الشركة لصحة العقد قال وإن تأخر فللعامل أجر المثل لفساد العقد لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة فصار كما إذا علم ذلك في الابتداء بخلاف ما إذا لم يخرج أصلا لأن الذهاب بآفة فلا يتبين فساد المدة فبقي العقد صحيحا ولا شيء لكل واحد منهما على صاحبه قال وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان وقال الشافعي رحمه الله في الجديد لا تجوز إلا في الكرم والنخل لأن جوازها بالأثر وقد خصهما وهو حديث خيبر ولنا أن الجواز للحاجة وقد عمت وأثر خيبر لا يخصهما لأن أقلها كانوا يعملون في الأشجار والرطاب أيضا ولو كان كما زعم فالأصل في النصوص أن تكون معلولة سيما على أصله قال وليس لصاحب الكرم أن يخرج العامل من غير عذر لأنه لا ضرر عليه في الوفاء بالعقد قال وكذا ليس للعامل أن يترك العمل بغير عذر بخلاف المزارعة بالإضافة إلى صاحب البذر على ما قدمناه

قسم V04/P059–V04/P061

قال فإن دفع نخلا فيه تمر مساقاة والتمر يزيد بالعمل جاز وإن كانت قد انتهت لم يجز وكذا على هذا إذا دفع الزرع وهو بقل جاز ولو استحصد وأدرك لم يجز لأن العامل إنما يستحق بالعمل ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك فلو جوزناه لكان استحقاقا بغير عمل ولم يرد به الشرع بخلاف ما قبل ذلك لتحقق الحاجة إلى العمل قال وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله لأنه في معنى الإجارة الفاسدة وصار كالمزارعة إذا فسدت قال وتبطل المساقاة بالموت لأنها في معنى الإجارة وقد بيناه فيها فإن مات رب الأرض والخارج بسر فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر وإن كره ذلك ورثة رب الأرض استحسانا فيبقى العقد دفعا للضرر عنه ولا ضرر فيه على الآخر قال ولو التزم العامل الضرر يتخير ورثة الآخر بين أن يقسموا البسر على الشرط وبين أن يعطوه قيمة نصيبه من البسر وبين أن يتفقوا على البسر حتى يبلغ فيرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر لأنه ليس له إلحاق الضرر بهم وقد بينا نظيره في المزارعة قال ولو مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه وإن كره رب الأرض لأن فيه النظر من الجانبين قال فإن أرادوا أن يصرموه بسرا كان صاحب الأرض بين الخيارات الثلاثة التي بيناها قال وإن ماتا جميعا فالخيار لورثة العامل لقيامهم مقامه وهذا خلافه في حق مالي وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك لا أن يكون وارثه في الخيار قال فإن أبى ورثة العامل أن يقوموا عليه كان الخيار في ذلك لورثة رب الأرض على ما وصفنا قال وإذا انقضت مدة المعاملة والخارج بسر أخضر فهذا والأول سواء وللعامل أن يقوم عليها إلى أن يدرك لكن بغير أجر لأن الشجر لا يجوز استئجاره بخلاف المزارعة في هذا لأن الأرض يجوز استئجارها وكذلك العمل كله على العامل ههنا وفي المزارعة في هذا عليهما لأنه لما وجب أجر مثل الأرض بعد انتهاء المدة على العامل لا يستحق عليه العمل وههنا لا أجر فجاز أن يستحق العمل كما يستحق قبل انتهائها قال وتفسخ بالأعذار لما بينا في الإجارات وقد بينا وجوه العذر فيها ومن جملتها أن يكون العامل سارقا يخاف عليه سرقة السعف والثمر قبل الإدراك لأنه يلزم صاحب الأرض ضررا لم يلتزمه فتفسخ به ومنها مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل لأن في إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه فيجعل ذلك عذرا ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذرا فيه روايتان وتأويل إحداهما أن يشترط العمل بيده فيكون عذرا من جهته قال ومن دفع أرضا بيضاء إلى رجل سنين معلومة يغرس فيها شجرا على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك لاشتراط الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة لا بعمله قال وجميع الثمر والغرس لرب الأرض وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل لأنه في معنى قفيز الطحان إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمله وهو نصف البستان فيفسد وتعذر رد الغراس لاتصالها بالأرض فيجب قيمتها وأجر مثله لأنه لا يدخل في قيمة الغراس لتقومها بنفسها وفي تخريجها طريق آخر بيناه في كفاية المنتهى وهذا أصحهما والله أعلم 1 كتاب الذبائح 1

قسم V04/P061–V04/P063

قال الذكاة شرط حل الذبيحة لقوله تعالى إلا ما ذكيتم ولأن بها يتميز الدم النجس من اللحم الطاهر وكما يثبت الحل يثبت به الطهارة في المأكول وغيره فإنها تنبىء عنها ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ذكاة الأرض يبسها وهي اختيارية كالجرح فيما بين اللبة واللحيين واضطرارية وهي الجرح في أي موضع كان من البدن والثاني كالبدن عن الأول لأنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأول وهذا آية البدلية وهذا لأن الأول أعمل في أخراج الدم والثاني أقصر فيه فاكتفى به عند العجز عن الأول إذ التكليف بحسب الوسع ومن شرطه أن يكون الذابح صاحب ملة التوحيد إما اعتقادا كالمسلم أو دعوى كالكتابي وأن يكون حلالا خارج الحرم على ما نبينه إن شاء الله تعالى قال وذبيحة المسلم والكتابي حلال لما تلونا ولقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ويحل إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط وإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة أما إذا كان لا يضبط ولا يعقل التسمية فالذبيحة لا تحل لأن التسمية على الذبيحة شرط بالنص وذلك بالقصد وصحة القصد بما ذكرنا والأقلف والمختون سواء لما ذكرنا وإطلاق الكتابي ينتظم الكتابي والذمي والحربي والعربي والتغلبي لأن الشرط قيام الملة على ما مر قال ولا تؤكل ذبيحة المجوسي لقوله عليه الصلاة والسلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب غيرنا كحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ولأنه لا يدعي التوحيد فانعدمت الملة اعتقادا ودعوى قال والمرتد لأنه لا ملة له فإنه لا يقر على ما انتقل إليه بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه لأنه يقر عليه عندنا فيعتبر ما هو عليه عند الذبح لا ما قبله قال والوثني لأنه لا يعتقد الملة قال والمحرم يعني من الصيد وكذا لا يؤكل ما ذبح في الحرم من الصيد والإطلاق في المحرم ينتظم الحل والحرم والذبح في الحرم يستوي فيه الحلال والمحرم وهذا لأن الذكاة فعل مشروع وهذا الصنيع محرم فلم تكن ذكاة بخلاف ما إذا ذبح المحرم غير الصيد أو ذبح في الحرم غير الصيد صح لأنه فعل مشروع إذ الحرم لا يؤمن الشاة وكذا لا يحرم ذبحه على المحرم قال وإن ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة ميتة لا تؤكل وإن تركها ناسيا أكل وقال الشافعي رحمه الله أكل في الوجهين وقال مالك رحمه الله لا يؤكل في الوجهين والمسلم والكتابي في ترك التسمية سواء وعلى هذا الخلاف إذا ترك التسمية عند إرسال البازي والكلب وعند الرمي وهذا القول من الشافعي رحمه الله مخالف للإجماع فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا فمن مذهب ابن عمر رضي الله عنهما أنه يحرم ومن مذهب علي وابن عباس رضي الله عنهم أنه يحل بخلاف متروك التسمية عامدا ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ رحمهم الله إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للإجماع له قوله عليه الصلاة والسلام المسلم يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم ولأن التسمية لو كانت شرطا للحل لما سقطت بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة ولو كانت شرطا فالملة أقيمت مقامها كما في الناسي ولنا الكتاب وهو قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الآية نهى وهو للتحريم والإجماع وهو ما بينا والسنة وهو حديث عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه فإنه عليه الصلاة والسلام قال في آخره فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك علل الحرمة بترك التسمية ومالك رحمه الله يحتج بظاهر ما ذكرنا إذ لا فصل فيه ولكنا نقول في اعتبار ذلك من الحرج ما لايخفى لأن الإنسان كثير النسيان والحرج مدفوع والسمع غير مجرى على ظاهره إذ لو أريد به لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول والإقامة في حق الناسي وهو معذور لا يدل عليها في حق العامد ولا عذر وما رواه محمول على حالة النسيان ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح وهي على المذبوح وفي الصيد تشترط عند الإرسال والرمي وهي على الآية المقدور له في الأول الذبح وفي الثاني الرمي والإرسال دون الإصابة فتشترط عند فعل يقدر عليه حتى إذا أضجع الثاني سمى فذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز ولو رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره حل وكذا في الإرسال ولو اضطجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بالأخرى أكل ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره صيدا لا يؤكل

قسم V04/P063–V04/P064

قال ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره وأن يقول عند الذبح اللهم تقبل من فلان وهذه ثلاث مسائل إحداها أن يذكر موصولا لا معطوفا فيكره ولا تحرم الذبيحة وهو المراد بما قال ونظيره أن يقول بسم الله محمد رسول الله لأن الشركة لم توجد فلم يكن الذبح واقعا له إلا أنه يكره لوجود القرآن صورة فيتصور بصورة المحرم والثانية أن يذكر موصولا على وجه العطف والشركة بأن يقول بسم الله واسم فلان أو يقول بسم الله وفلان أو يسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال فتحرم الذبيحة لأنه أهل به لغير الله والثالثة أن يقول مفصولا عنه صورة ومعنى بأن يقول قبل التسمية وقبل أن يضجع الذبيحة أو بعده وهذا لا بأس به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد الذبح اللهم تقبل هذه عن أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ والشرط هو الذكر الخالص المجرد على ما قال ابن مسعود رضي الله عنه جردوا التسمية حتى لو قال عند الذبح اللهم اغفر لي لا يحل لأنه دعاء وسؤال ولوقال الحمد لله أو سبحان الله يريد التسمية حل ولو عطس عند الذبح فقال الحمد لله لا يحل في أصح الروايتين لأنه يريد به الحمد على نعمه دون التسمية وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله بسم الله والله أكبر منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف قال والذبح بين الحلق واللبة وفي الجامع الصغير لا بأس بالذبح في الحلق كله وسطه وأعلاه وأسفله والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام الذكاة ما بين اللبة واللحيين ولأنه مجمع المجرى والعروق فيحصل بالفعل فيه إنهار الدم على أبلغ الوجوه فكان حكم الكل سواء قال والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة الحلقوم والمريء والودجان لقوله عليه الصلاة والسلام أفر الأوداج بما شئت وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك رحمه الله ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها وعندنا إن قطعها حل الأكل وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين قال رضي الله عنه هكذا ذكر القدوري رحمه الله الاختلاف في مختصره والمشهور في كتب مشايخنا رحمهم الله أن هذا قول أبي يوسف رحمه الله وحده وقال في الجامع الصغير إن قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج لم يؤكل وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل ولم يحك خلافا فاختلفت الرواية فيه والحاصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله إذا قطع الثلاث أي ثلاث كان يحل وبه كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع إلى ما ذكرنا وعن محمد رحمه الله أنه يعتبر أكثر كل فرد وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها ولأبي يوسف رحمه الله أن المقصود من قطع الودحين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر إذ كل واحد منهما مجرى الدم أما الحلقوم فيخالف المريءفإنه مجرى العلف والماء والمريء مجرى النفس فلا بد من قطعهما ولأبي حنيفة رحمه الله أن الآكثر يقوم مقام الكل في كثير من الآحكام وأي ثلاث قطعها فقد قطع الأكثر منها وما هو المقصود يحصل بها وهو إنهار الدم المسفوح والتوحية في إخراج الروح لأنه لا يحيا بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ويخرج الدم بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب بخلاف ما إذا قطع النصف لأن الأكثر باق فكأنه لم يقطع شيئا احتياطا لجانب الحرمة

قسم V04/P064–V04/P066

قال ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح وقال الشافعي رحمه الله المذبوح ميتة لقوله عليه الصلاة والسلام كل ما أنهرالدم وأفرى الأوداج ما خلا الظفر والسن فإنهما مدى الحبشة ولأنه فعل غير مشروع فلا يكون ذكاة كما إذا ذبح بغير المنزوع ولنا قوله عليه الصلاة والسلام أنهر الدم بما شئت ويروى أفر الأوداج بما شئت وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود وهو إخراج الدم وصار كالحجر والحديد بخلاف غير المنزوع لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي ولأن فيه إعسارا على الحيوان وقد أمرنا فيه بالإحسان قال ويجوز الذبح بالليطة والمروة وكل شيء أنهر الدم إلا السن القائم والظفر القائم أن المذبوح بهما ميتة لما بينا ونص محمد رحمه الله في الجامع الصغير على أنها ميتة لأنه وجد فيه نصا وما لم يجد فيه نصا يحتاط في ذلك فيقول في الحل لا بأس به وفي الحرمة يقول يكره أو لم يؤكل قال ويستحب أن يحد الذابح شفرته لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله كتب الإحسان عل كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القلتة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ويكره أن يضجعها ثم يحد الشفرة لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال لقد أردت أن تميتها موتات هلا حددتها قبل أن تضجعها قال ومن بلغ بالسكين النخاع أو قطع الرأس كره له ذلك وتؤكل ذبيحته وفي بعض النسخ قطع مكان بلغ والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة أما الكراهة فلما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت وتفسيره ما ذكرناه وقيل معناه أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه وقيل أن يكسر عنقه قبل أن يسكن من الاضطراب وكل ذلك مكروه وهذا لأن في جميع ذلك وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة وهو منهي عنه والحاصل أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة مكروه ويكره أن يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح وأن تنخع الشاة قبل أن تبرد يعني تسكن من الاضطراب وبعده لا ألم فلا يكره النخع والسلخ إلا أن الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم قبل الذبح أو بعده فلا يوجب التحريم فلهذا قال تؤكل ذبيحته قال وإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل لتحقق الموت بما هو ذكاة ويكره لأن فيه زيادة الألم من غير حاجة فصار كما إذا جرحها ثم قطع الأوداج وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها قال وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليه عند العجز عن ذكاة الاختيار على ما مر والعجز متحقق في الوجه الثاني دون الأول وكذا ما تردى من النعم في بئر ووقع العجز عن ذكاة الاختيار لما بينا وقال مالك رحمه الله لايحل بذكاة الاضطرار في الوجهين لأن ذلك نادر ونحن نقول المعتبر حقيقة العجز وقد تحقق فيصار إلى البدل كيف وأنا لا نسلم الندرة بل هو غالب وفي الكتاب أطلق فيما توحش من النعم وعن محمد رحمه الله أن الشاة إذا ندت في الصحراء فذكاتها العقر وإن ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنها لا تدفع عن نفسها فيمكن أخذها في المصر فلا عجز والمصر وغيره سواء في البقر والبعير لأنهما يدفعان على أنفسهما فلا يقدر على أخذهما وإن ندا في المصر فيتحقق العجز والصيال كالند إذا كان لا يقدر على أخذه حتى لو قتله المصول عليه وهو يريد الذكاة حل أكله

قسم V04/P066–V04/P067

قال والمستحب في الإبل النحر فإن ذبحها جاز ويكره والمستحب في البقر والغنم الذبح فإن نحرهما جاز ويكره أما الاستحباب فلموافقة السنة المتوارثة ولاجتماع العروق فيها في المنحر وفيهما في المذبح والكراهة لمخالفة السنة وهي لمعنى في غيره فلا تمنع الجواز والحل خلافا لما يقوله مالك رحمه الله أنه لا يحل قال ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينا ميتا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا تم خلقه أكل وهو قول الشافعي رحمه الله لقوله عليه الصلاة والسلام ذكاة الجنين ذكاة أمه ولأنه جزء من الأم حقيقة لأنه متصل بها حتى يفصل بالمقراض ويتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها وكذا حكما حتى يدخل في البيع الوارد على الأم ويعتق بأعتاقها وإذا كان جزءا منها فالجرح في الأم ذكاة له عند العجز عن ذكاته كما في الصيد وله أنه أصل في الحياة حتى تتصور حياته بعد موتها وعند ذلك يفرد بالذكاة ولهذايفرد بإيجاب الغرة ويعتق بإعتاق مضاف إليه وتصح الوصية له وبه وهو حيوان دموي وما هو المقصود من الذكاة وهو الميز بين الدم واللحم لا يتحصل بجرج الأم إذ هو ليس بسبب لخروج الدم عنه فلا يجعل تبعا في حقه بخلاف الجرح في الصيد لأنه سبب لخروجه ناقصا فيقام مقام الكامل فيه عند التعذر وإنما يدخل في البيع تحريا لجوازه كيلا يفسد باستثنائه ويعتق بإعتاقها كيلا ينفصل من الحرة ولد رقيق فصل فيما يحل أكله وما لا يحل قال ولا يجوز أكل ذي ناب من السباع ولا ذي مخلب من الطيور لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع وقوله من السباع ذكر عقب النوعين فينصرف إليهما فيتناول سباع الطيور والبهائم لا كل ماله مخلب أو ناب والسبع كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة ومعنى التحريم والله أعلم كرامة بني آدم كيلا يعدو شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم بالأكل ويدخل فيه الضبع والثعلب فيكون الحديث حجة على الشافعي في إباحتهما والفيل ذو ناب فيكره واليربوع وابن عرس من السباع الهوام وكرهوا أكل الرخم والبغاث لأنهما يأكلان الجيف قال ولا بأس بغراب الزرع لأنه يأكل الحب ولا يأكل الجيف وليس من سباع الطير قال ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغداف وقال أبو حنيفة رحمه الله لابأس بأكل العقعق لأنه يخلط فأشبه الدجاجة وعن أبي يوسف أنه يكره لأن غالب أكله الجيف قال ويكره أكل الضبع والضب والسلحفاة والزنبور والحشرات كلها أماالضبع فلما ذكرنا وأما الضب فلأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عائشة رضي الله عنها حين سألته عن أكله وهي حجة على الشافعي في إباحته والزنبور من المؤذيات والسلحفاة من خبائث الحشرات ولهذا لا يجب على المحرم بقتله شيء وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب لأنه منها قال ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال لما روي خالد بن الوليد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير وعن على رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر

قسم V04/P067–V04/P069

قال ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة رحمه الله وهو قول مالك وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله لا بأس بأكله لحديث جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وإذن في لحوم الخيل يوم خيبر ولأبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة خرج مخرج الامتنان والأكل من أعلى منافعها والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها ولأنه آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراما له ولهذا يضرب له بسهم في الغنيمة ولأن في إباحته تقليل آلة الجهاد وحديث جابر معارض بحديث خالد رضي الله عنه والترجيح للمحرم ثم قيل الكراهة عنده كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه والأول أصح وأما لبنه فقد قيل لا بأس به لأنه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد قال ولا بأس بأكل الأرنب لأن النبي عليه الصلاة والسلام أكل منه حين أهدى إليه مشويا وأمر أصحابه رضي الله عنهم بالأكل منه ولأنه ليس من السباع ولا من أكلة الجيف فأشبه الظبي قال وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الآدمي والخنزير فإن الذكاة لا تعمل فيهما أما الآدمي فلحرمته وكرامته والخنزير لنجاسته كما في الدباغ وقال الشافعي رحمه الله الذكاة لا تؤثر في جميع ذلك لأنه لا يؤثر في إباحة اللحم أصلا وفي طهارته وطهارة الجلد تبعا ولا تبع بدون الأصل وصار كذبح المجوسي ولنا أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات والدماء السيالة وهي النجسة دون ذات الجلد واللحم فإذا زالت طهر كما في الدباغ وهذا الحكم مقصود في الجلد كالتناول في للحم وفعل المجوسي إماتة في الشرع فلا بد من الذباغ وكما يطهر لحمه يطهر شحمه حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده خلافا له وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل قيل لا يجوز اعتبارا بالأكل وقيل يجوز كالزيت إذا خالطه ودك الميتة والزيت غالب لا يؤكل وينتفع به في غير الأكل قال ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك وقال مالك رحمه الله وجماعة من أهل العلم بإطلاق جميع ما في البحر واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان وعن الشافعي رحمه الله أنه أطلق ذلك كله والخلاف في الأكل والبيع واحد لهم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر من غير فصل وقوله عليه الصلاة والسلام في البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته ولأنه لا دم في هذه الآشياء إذ الدموي لا يسكن الماء والمحرم هو الدم فأشبه السمك قلنا قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث وما سوى السمك حبيث ونهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن دواء يتخذ فيه الضفدع ونهى عن بيع السرطان والصيد المذكور فيما لا محمول على الاصطياد وهو مباح فيما لا يحل والميتة المذكورة فيما روي محمولة على السمك وهو حلال مستثنى من ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال قال ويكره أكل الطافي منه وقال مالك والشافعي رحمهما الله لا بأس به لإطلاق ما روينا ولأن ميتة البحر موصوفة بالحل بالحديث ولنا ما روى جابر رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ما نضب عنه الماء فكلوا وما لفظه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوا وعن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا وميتة البحر ما لفظه البحر ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة

قسم V04/P069–V04/P070

قال ولا بأس بأكل الجريث والمار ماهي وأنواع السمك والجراد بلا ذكاة وقال مالك رحمه الله لا يحل الجراد إلا أن يقطع الآخذ رأسه أويشويه لأنه صيد البر ولهذا يجب على المحرم بقتله جزاء يليق به فلا يحل إلا بالقتل كما في سائره والحجة عليه ما روينا وسئل علي رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيها الميت وغيره فقال كله كله وهذا عد من فصاحته ودل على إباحته وإن مات حتف أنفه بخلاف السمك إذا مات من غير آفة لأنا خصصناه بالنص الوارد في الطافي ثم الأصل في السمك عندنا أنه إذا مات بآفة يحل كالمأخوذ وإذا مات حتف أنفه من غيرآفة لا يحل كالطافي وتنسحب عليه فروع كثيرة بيناها في كفاية المنتهى وعند التأمل يقف المبرز عليها منها إذا قطع بعضه فمات يحل أكل ما أبين وما بقي لأن موته بآفة وما أبين من الحي وإن كان ميتا فميتته حلال وفي الموت بالحر والبرد روايتان والله أعلم بالصواب 1 كتاب الأضحية 1 قال الأضحية واجهة على كل حر مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله وعنه أنها سنة ذكره في الجوامع وهو قول الشافعي رحمه الله وذكر الطحاوي رحمه الله أن على قول أبي حنيفة رحمه الله واجبة وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله سنة مؤكدة وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف وجه السنة قوله عليه الصلاة والسلام من أراد أن يضحي منكم فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر لأنهما لا يختلفان في الوظائف المالية كالزكاة وصار كالعتيرة ووجه الوجوب قوله عليه الصلاة والسلام من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب ولأنه قربة يضاف إليها وقتها يقال يوم الأضحى وذلك يؤذن بالوجوب لأن الإضافة للاختصاص وهو بالوجود والوجوب هوالمفضي إلى الوجود ظاهرا بالنظر إلى الجنس غير أن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها ويفوت بمضي الوقت فلا تجب عليه بمنزلة الجمعة والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم ما هو ضد السهو لا التخيير والعتيرة منسوخة وهي شاة تقام في رجب على ما قيل وإنما اختص الوجوب بالحرية لأنها وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك والمالك هو الحر وبالإسلام لكونها قربة وبالإقامة لما بينا واليسار لما روينا من اشتراط السعة ومقداره مايجب به صدقة الفطر وقد مر في الصوم وبالوقت وهو يوم الأضحى لأنها مختصة به وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى وتجب عن نفسه لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه وعن ولده الصغير لأنه في معنى نفسه فيلحق به كما في صدقة الفطر وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله وروى عنه أنه لا تجب عن ولده وهو ظاهر الرواية بخلاف صدقة الفطر لأن السبب هناك رأس يمونه ويلي عليه وهما موجودان في الصغير وهذه قربة محضة والأصل في القرب أن لا تجب على الغير بسبب الغير ولهذا لا تجب عن عبده وإن كان يجب عنه صدقة فطره وإن كان للصغير مال يضحى عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر والشافعي رحمهم الله يضحى من مال نفسه لا من مال الصغير فالخلاف في هذا كالخلاف في صدقة الفطر وقيل لا تجوز التضحية من مال الصغير في قولهم جميعا لأن هذه القربة تتادى بالإراقة والصدقة بعدها تطوع ولا يجوز ذلك من مال الصغير ولا يمكنه أن يأكل كله والأصح أن يضحي من ماله ويأكل منه ما أمكنه ويبتاع مما بقي ما ينتفع بعينه

قسم V04/P070–V04/P072

قال ويذبح عن كل واحد منهم شاة أو يذبح بقرة أو بدنه عن سبعة والقياس أن لا تجوز إلا عن واحد لأن الإراقة واحدة وهي القربة إلا أنا تركناه بالأثر وهو ما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال نحرنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة ولا نص في الشاة فبقي على أصل القياس وتجوز عن خمسة أو ستة أو ثلاثة ذكره محمد رحمه الله في الأصل لأنه لما جاز عن سبعة فعمن دونهم أولى ولا تجوز عن ثمانية أخذا بالقياس فيما لا نص فيه وكذا إذا كان نصيب أحدهم أقل من السبع ولا تجوز عن الكل لانعدام وصف القربة في البعض وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى وقال مالك رحمه الله تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة ولا تجوز عن أهل بيتين وإن كانوا أقل منها لقوله عليه الصلاة والسلام على كل أهل بيت في كل عام اضحاة وعتيرة قلنا المراد منه والله أعلم قيم أهل البيت لأن اليسار له يؤيده ما يروى على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة ولو كانت البدنة بين اثنين نصفين تجوز في الأصح لأنه لما جاز ثلاثة الأسباع جاز نصف السبع تبعا له وإذا جاز على الشركة فقسمة اللحم بالوزن لأنه موزون ولو اقتسموا جزافا لا يجوز إلا إذا كان معه شيء من الأكارع والجلد اعتبارا بالبيع قال ولو اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه ثم اشترك فيها ستة معه جاز استحسانا وفي القياس لا يجوز هو قول زفر لأنه أعدها للقربة فيمنع عن بيعها تمولا والاشتراك هذه صفته وجه الاستحسان أنه قد يجد بقرة سمينة يشتريها ولا يظفر بالشركاء وقت البيع وإنما يطلبهم بعده فكانت الحاجة إليه ماسة فجوزناه دفعا للحرج وقد أمكن لأن بالشراء للتضحية لا يمتنع البيع والأحسن أن يفعل ذلك قبل الشراء ليكون أبعد عن الخلاف وعن صورة الرجوع في القربة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يكره الاشتراك بعد الشراء لما بينا قال وليس على الفقير والمسافر أضحبة لما بينا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان إذا كانا مسافرين وعن علي رضي الله عنه ليس على المسافر جمعة ولا أضحية قال ووقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد فأما اهل السواد فيذبحون بعد الفجر والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين وقال عليه الصلاة والسلام إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الأضحية غير أن هذا الشرط في حق من عليه الصلاة وهو المصري دون أهل السواد لأن التأخير لاحتمال التشاغل به عن الصلاة ولا معنى للتأخير في حق القروي ولا صلاة عليه وما رويناه حجة على مالك والشافعي رحمهما الله في نفيهما الجواز بعد الصلاة قبل نحر الإمام ثم المعتبر في ذلك مكان الأضحية حتى لو كانت في السواد والمضحى في المصر يجوز كما انشق الفجر ولو كان على العكس لا يجوز إلا بعد الصلاة وحيلة المصري إذا أراد التعجيل أن يبعث بها إلى خارج المصر فيضحى بها كما طلع الفجر هذا لأنها تشبه الزكاة من حيث إنها تسقط بهلاك المال قبل مضي أيام النحر كالزكاة بهلاك النصاب فيعتبر في الصرف مكان المحل لا مكان الفاعل اعتبارا بها بخلاف صدقة الفطر لأنها لا تسقط بهلاك المال بعدما طلع الفجر من يوم الفطر ولو ضحى بعد ما صلى أهل المسجد ولم يصل أهل الجبانة أجزأه استحسانا لأنها صلاة معتبرة حتى لو اكتفوا بها أجزأتهم وكذا على عكسه وقيل هو جائز قياسا واستحسانا

قسم V04/P072–V04/P073

قال وهي جائزة في ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده وقال الشافعي رحمه الله ثلاثة أبام بعده لقوله عليه الصلاة والسلام أيام التشريق كلها أيام ذبح ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها وقد قالوه سماعا لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير وفي الأخبار تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل وأفضلها أولها كما قالوا ولأن فيه مسارعة إلى أداء القربة وهو الأصل إلا لمعارض ويجوز الذبح في لياليها إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل وأيام النحر ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة والكل يمضي بأريعة أولها نحر لا غير وآخرها تشريق لا غير والمتوسطان نحر وتشريق والتضحية فيها أفضل من التصدق بثمن الأضحية لأنها تقع واجبة أو سنة والتصدق تطوع محض فتفضل عليه ولأنها تفوت بفوات وقتها والصدقة يؤتى بها في الآوقات كلها فنزلت منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي ولو لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان فقيرا وقد اشترى الأضحية تصدق بها حية وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر لأنها واجبة على الغني وتجب على الفقير بالشراء بنية التضحية عندنا فإذا فات الوقت يجب عليه التصدق إخراجا له عن العهدة كالجمعة تقضى بعد فواتها ظهرا والصوم بعد العجز فدية قال ولا يضحى بالعمياء والعوراء والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك ولا العجفاء لقوله عليه الصلاة والسلام لا تجزىء في الضحايا أربعة العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى قال ولا تجزىء مقطوعة الأذن والذنب أما الأذن فلقوله عليه الصلاة والسلام استشرفوا العين والأذن أي اطلبوا سلامتهما وأما الذنب فلأنه عضو كامل مقصود فصار كالأذن قال ولا التي ذهب أكثر أذنها وذنبها وإن بقي أكثر الأذن والذنب جاز لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهابا ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا واختلفت الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله في مقدار الأكثر ففي الجامع الصغير عنه وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الإلية الثلث أو أقل أجزأه وإن كان أكثر لم يجزه لأن الثلث نتفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلا وفيما زاد لا تنفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرا ويروى عنه الربع لأنه يحكى حكاية الكمال على ما مر في الصلاة ويروى الثلث لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الوصية الثلث والثلث كثير وقال أبو يوسف ومحمد إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة على ما تقدم في الصلاة وهو اختيار الفقيه أبي الليث وقال أبو يوسف أخبرت بقولي أبا حنيفة فقال قولي هو قولك قيل هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف وقيل معناه قولي قريب من قولك وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما كما في انكشاف العضو عن أبي يوسف ثم معرفة المقدار في غير العين متيسر وفي العين قالوا تشد العين المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يوما أو يومين ثم يقرب العلف إليها قليللا قليلا فإذا رأته من موضع أعلم على ذلك المكان ثم تشتد عينها الصحيحة وقرب إليها العلف قليلا قليلا حتى إذا رأته من مكان أعلم عليه ثم ينظر إلى تفاوت ما بينهما فإن كان ثلثا فالذاهب الثلث وإن كان نصفا فالنصف

قسم V04/P073–V04/P075

قال ويجوز أن يضحى بالجماء وهي التي لا قرن لها لأن القرن لا يتعلق به مقصود وكذا مكسورة القرن لم قلنا والخصي لأن لحمها أطيب وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجوءين والثولاء وهي المجنونة وقيل هذا إذا كانت تعتلف لأنه لا يخل بالمقصود أما إذا كانت لا تعتلف فلا تجزئه والجرباء إن كانت سمينة جاز لأن الجرب في الجلد ولا نقصان في اللحم وإن كانت مهزولة لا تجوز لأن الجرب في اللحم فانتقض وأما الهتماءوهي التي لا أسنان لها فعن أبي يوسف رحمه الله أنه يعتبر في الأسنان الكثرة والقلة وعنه إن بقي ما يمكنه الاعتلاف به أجزأه لحصول المقصود والسكاء وهي التي لا أذن لها خلقة لا تجوز لأن مقطوع أكثر الأذن إذا كان لا يجوز فعديم الأذن أولى وهذا الذي ذكرنا إذا كانت هذه العيوب قائمة وقت الشراء ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع إن كان غنيا فعليه غيرها وإن كان فقيرا تجزئه هذه لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداء لا بالشراء فلم تتعين به وعلى الفقير بشرائه بنية الأضحية فتعينت ولا يجب عليه ضمان نقصانه كما في نصاب الزكاة وعن هذا الأصل قالوا إذا ماتت المشتراة للتضحية على الموسر مكانها أخرى ولا شيء على الفقير ولو ضلت أو سرقت فاشترى أخرى ثم ظهرت الأولى في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما وعلى الفقير ذبحهما ولو أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا عندنا خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله أن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح فكأنه حصل به اعتبارا وحكما وكذا لو تعيبت في هذه الحالة فانفلتت ثم أخذت من فوره وكذا بعد فوره عند محمد رحمه الله خلافا لأبي يوسف لأنه حصل بمقدمات الذبح قال والأضحية من الإبل والبقر والغنم لأنها عرفت شرعا ولم تنقل التضحية بغيرها من النبي عليه الصلاة والسلام ولا من الصحابة رضي الله عنهم قال ويجزىء من ذلك كله الثنى فصاعدا إلا الضأن فإن الجذع منه يجزىء لقوله عليه الصلاة والسلام ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن وقال عليه الصلاة والسلام نعمت الأضحية الجذع من الضأن قالوا وهذا إذا كانت عظيمة بحيث لو خلط بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر في مذهب الفقهاء وذكر الزعفراني رحمه الله أنه ابن سبعة أشهر والثني منها ومن المعز ابن سنة ومن البقر ابن سنتين ومن الإبل ابن خمس سنين ويدخل في البقر الجاموس لأنه من جنسه والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم لأنها هي الأصل في التبعية حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد قال وإذا اشترى سبعة بقرة ليضحوا بها فمات أحدهم قبل النحر وقالت الورثة اذبحوها عنه وعنكم أجزأهم وإن كان شريك الستة نصرانيا أو رجلا يريد اللحم لم يجز عن واحد منهم ووجهه أن البقرة تجوز عن سبعة لكن من شرطه أن يكون قصد الكل القربة وإن اختلفت جهاتها كالأضحية والقران والمتعة عندنا لاتحاد المقصود وهو القربة وقد وجد هذا الشرط في الوجه الأول لأن التضحية عن الغير عرفت قربة ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته على ما روينا من قبل ولم يوجد في الوجه الثاني لأن النصراني ليس من أهلها وكذا قصد اللحم ينافيها وإذا لم يقع البعض قربه والإرادة لا تتجزأ في حق القربة لم يقع الكل أيضا فامتنع الجواز وهذا الذي ذكره استحسان والقياس أن لا يجوز وهو رواية عن أبي يوسف لأنه تبرع بالإتلاف فلا يجوز عن غيره كالإعتاق عن الميت لكنا نقول القربة قد تقع عن الميت كالتصدق بخلاف الإعتاق لأن فيه إلزام الولاء على الميت ولو ذبحوها عن صغير في الورثة أو أم ولد جاز لما بينا أنه قربة ولو مات واحد منهم فذبحها الباقون بغير إذن الورثة لا تجزئهم لأنه لم يقع بعضها قربة وفيما تقدم وجد الأذن من الورثة فكان قربة

قسم V04/P075–V04/P076

قال ويأكل من لحم الأضحية ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر لقوله عليه الصلاة والسلام كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله غنيا قال ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث لأن الجهات ثلاث الأكل والإدخار لما روينا والإطعام لقوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر فانقسم عليها أثلاثا قال ويتصدق بجلدها لأنه جزء منها أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال ونحوها لأن الإنتفاع به غير محرم ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه في البيت مع بقائه استحسانا وذلك مثل ما ذكرنا لأن للبدل حكم المبدل ولا يشتري به مالا ينتفع به إلا بعد استهلاكه كالخل والأبازير اعتبارا بالبيع بالدراهم والمعنى فيه أنه تصرف على قصد التمول واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح فلو باع الجلد أو اللحم بالدراهم أو بما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه تصدق بثمنه لأن القربة انتقلت إلى بدله وقوله عليه الصلاة والسلام من باع جلد أضحية فلا أضحية له يفيد كراهة البيع أما البيع فجائز لقيام الملك والقدرة على التسليم قال ولا يعطى أجرة الجزار من الأضحية لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط أجر الجزار منها شيئا والنهي عنه نهي عن البيع أيضا لأنه في معنى البيع قال ويكره أن يجز صوف أضحيته وينتفع به قبل أن يذبحها لأنه التزم إقامة القربة بجميع أجزائها بخلاف ما بعد الذبح لأنه أقيمت القربة بها كما في الهدي ويكره أن يحلب لبنها فينتفع به كما في الصوف قال والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح وإن كان لا يحسنه فالأفضل أن يستعين بغيره وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه لقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمة رضي الله عنها قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب قال ويكره أن يذبحها الكتابي لأنه عمل هو قربة وهو ليس من أهلها ولو أمره فذبح جاز لأنه من أهل الذكاة والقربة أقيمت بإنابته ونيته بخلاف ما إذا أمر المجوسي لأنه ليس من أهل الذكاة فكان إفسادا قال وإذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما أضحبة الآخر أجزأعنهما عليهما وهذا استحسان وأصل هذا أن من ذبح أضحية غيره بغير إذنه لا يحل له ذلك وهو ضامن لقيمتها ولا يجزئه عن الأضحية في القياس وهو قول زفر رحمه الله وفي الاستحسان يجوز ولا ضمان على الذابح وهو قولنا وجه القياس أنه ذبح شاة غيره بغير أمره فيضمن كما إذا ذبح شاة اشتراها القصاب وجه الاستحسان أنه تعينت للذبح لتعيها للأضحية حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر ويكره أن يبدل بها غيرها فصار المالك مستعينا بكل من يكون أهلا للذبح آذنا له دلالة لأنها تفوت بمضي هذه الأيام وعساه يعجز عن إقامتها بعوارض فصار كما إذا ذبح شاة شد القصاب رجلها فإن قيل يفوته أمر مستحب وهو أن يذبحها بنفسه أو يشهد الذبح فلا يرضى به قلنا يحصل له به مستحبان آخران صيرورته مضحيا لما عينه وكونه معجلا به فيرتضيه ولعلمائنا رحمهم الله من هذا الجنس مسائل استحسانية وهي أن من طبخ لحم غيره أو طحن حنطته أو رفع جرته فانكسرت أو حمل على دابته فعطبت كل ذلك بغير أمر المالك يكون ضامنا ولو وضع المالك اللحم في القدر والقدر على الكانون والحطب تحته أو جعل الحنطة في الدورق وربط الدابة عليه أو رفع الجرة وأمالها إلى نفسه أو حمل على دابته فسقط في الطريق فأوقد هو النار فيه فطبخه أو ساق الدابة فطحنها أو أعانه على رفع الجرة فانكسرت فيما بينهما أو حمل على دابته ما سقط فعطبت لا يكون ضامنا في هذه الصور كلها استحسانا لوجود الإذن دلالة

الأسئلة