Qur'an&Sunnah

Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)

قسم V02/P026–V02/P027

وإن حلف لا تخير وإن كانت ثيبا في الأصل فالقول قوله مع يمينه وقد ذكرناه فإن اختارت زوجها لم يكن لها بعد ذلك خيار لأنها رضيت ببطلان حقها وفي التأجيل تعتبر السنة القمرية هو الصحيح ويحتسب بأيام الحيض وبشهر رمضان لوجود ذلك في السنة ولا يحتسب بمرضه ومرضها لأن السنة قد تخلو عنه وإذا كان بالزوجة عيب فلا خيار للزوج وقال الشافعي رحمه الله ترد بالعيوب الخمسة وهي الجذام والبرص والجنون والرتق والقرن لأنها تمنع الاستيفاء حسا أو طبعا والطبع مؤيد بالشرع قال عليه الصلاة والسلام فر من المجذوم فرارك من الأسد ولنا أن فوت الاستيفاء أصلا بالموت لا يوجب الفسخ فاختلاله بهذه العيوب أولى وهذا الأن الاستيفاء من الثمرات والمستحق هو التمكن وهو حاصل وإذا كان بالزوج جنون أو برص أو جذام فلا خيار لها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لها الخيار دفعا للضرر عنها كما في الجب والعنة بخلاف جانبه لأنه متمكن من دفع الضرر بالطلاق ولهما أن الأصل عدم الخيار لما فيه من إبطال حق الزوج وإنما يثبت في الجب والعنة لأنهما يخلان بالمقصود المشروع له النكاح وهذه العيوب غير مخلة به فافترقا والله أعلم بالصواب 2 باب العدة 2 وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا أو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق وهي حرة ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء والفرقة إذا كانت بغير طلاق فهي في معنى الطلاق لأن العدة وجبت للتعرف عن براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح وهذا يتحقق فيها والأقراء الحيض عندنا وقال الشافعي رحمه الله الأطهار واللفظ حقيقة فيهما إذ هو من الأضداد كذا قاله ابن السكيت ولا ينتظمهما جملة للاشتراك والحمل على الحيض أولى إما عملا بلفظ الجمع لأنه لو حمل على الأطهار والطلاق يوقع في طهر لم يبق جمعا أو لأنه معرف لبراءة الرحم وهو المقصود أو لقوله عليه الصلاة والسلام وعدة الأمة حيضتان فيلتحق بيانا به وإن كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم الآية وكذا التي بلغت بالسن ولم تحض بآخر الآية وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وإن كانت أمة فعدتها حيضتان لقوله عليه الصلاة والسلام طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ولأن الرق منصف والحيضة لا تتجزأ فكملت فصارت حيضتين وإليه أشار عمر رضي الله عنه بقوله لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفا وإن كانت لا تحيض فعدتها شهر ونصف لأنه متجز فأمكن تنصيفه عملا بالرق وعدة الحرة في الوفاة أربعة أشهر وعشر لقوله تعالى ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وعدة الأمة شهران وخمسة أيام لأن الرق منصف وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها لإطلاق قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة وقال عمر رضي الله عنه لو وضعت وزوجها على سريره لانقضت عدتها وحل لها أن تتزوج وإذا ورثت المطلقة في المرض فعدتها أبعد الأجلين وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله ثلاث حيض ومعناه إذا كان الطلاق بائنا أو ثلاثا

قسم V02/P027–V02/P029

أما إذا كان رجعيا فعليها عدة الوفاة بالإجماع لأبي يوسف رحمه الله أن النكاح قد انقطع قبل الموت بالطلاق ولزمتها ثلاث حيض وإنما تجب عدة الوفاة إذا زال النكاح في الوفاة إلا أنه بقي في حق الإرث لا في حق تغير العدة بخلاف الرجعي لأن النكاح باق من كل وجه ولهما أنه لما بقي في حق الإرث يجعل باقيا في حق العدة احتياطا فيجمع بينهما ولو قتل على ردته حتى ورثته امرأته فعدتها على هذا الاختلاف وقيل عدتها بالحيض بالإجماع لأن النكاح حينئذ ا اعتبر باقيا إلى وقت الموت في حق الإرث لأن المسلمة لا ترث من الكافر فإذا عتقت الأمة في عدتها من طلاق رجعي انتقلت عدتها إلى عدة الحرائر لقيام النكاح من كل وجه وإن أعتقت وهي مبتوتة أو متوفى عنها زوجها لم تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر لزوال النكاح بالبينونة أو الموت وإن كانت آيسة فاعتدت بالشهور ثم رأت الدم انتقض ما مضى من عدتها وعليها أن تستأنف العدة بالحيض ومعناه إذا رأت الدم على العادة لأن عودها يبطل الإياس هو الصحيح فظهر أنه لم يكن خلفا وهذا لأن شرط الخلفية تحقق اليأس وذلك باستدامة العجز إلى الممات كالفدية في حق الشيخ الفاني ولو حاضت حيضتين ثم أيست تعتد بالشهور تحرزا عن الجمع بين البدل والمبدل والمنكوحة نكاحا فاسدا والموطوءة بشبهة عدتهما الحيض في الفرقة والموت لأنها للتعرف عن براءة الرحم لا لقضاء حق النكاح والحيض هو المعرف وإذا مات مولى أم الولد عنها أو أعتقها بعدتها ثلاث حيض وقال الشافعي رحمه الله حيضة واحدة لأنها تجب بزوال ملك اليمين فشابهت الاستبراء ولنا أنها وجبت بزوال الفراش فأشبه عدة النكاح ثم إمامنا فيه عمر رضي الله عنه فإنه قال عدة أم الولد ثلاث حيض ولو كانت ممن لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر كما في النكاح وإذا مات الصغير عن امرأته وبها حبل فعدتها أن تضع حملها وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله عدتها أربعة أشهر وعشر وهو قول الشافعي رحمه الله لأن الحمل ليس بثابت النسب منه فصار كالحادث بعد الموت ولهما إطلاق قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ولأنها مقدرة بمدة وضع الحمل في أولات الأحمال قصرت المدة أو طالت لا للتعرف عن فراغ الرحم لشرعها بالأشهر مع وجود الأقراء لكن لقضاء حق النكاح وهذا المعنى يتحقق في الصبي وإن لم يكن الحمل منه بخلاف الحمل الحادث لأنه وجبت العدة بالشهور فلا تتغير بحدوث الحمل وفيما نحن فيه كما وجبت وجبت مقدرة بمدة الحمل فافترقا ولا يلزم امرأة الكبير إذا حدث لها الحبل بعد الموت لأن النسب يثبت منه فكان كالقائم عند الموت حكما ولا يثبت نسب الولد في الوجهين لأن الصبي لا ماء له فلا يتصور منه العلوق والنكاح يقوم مقامه في موضع التصور وإذا طلق الرجل امرأته في حالة الحيض لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق لأن العدة مقدرة بثلاث حيض كوامل فلا ينقص عنها وإذا وطئت المعتدة بشبهة فعليها عدة أخرى وتداخلت العدتان ويكون ما تراه المرأة من الحيض محتسبا منهما جميعا وإذا انقضت العدة الأولى ولم تكمل الثانية فعليها تمام العدة الثانية وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا تتداخلان لأن المقصود هو العبادة فإنها عبادة كف عن التزوج والخروج فلا تتداخلان كالصومين في يوم واحد ولنا أن المقصود التعرف عن فراغ الرحم وقد حصل بالواحدة فتتداخلان ومعنى العبادة تابع ألا ترى أنها تنقضي بدون علمها ومع تركها الكف

قسم V02/P029–V02/P031

والمعتدة عن وفاة إذا وطئت بشبهة تعتد بالشهور وتحتسب بما تراه من الحيض فيها تحقيقا للتداخل بقدر الإمكان وإبتداء العدة في الطلاق عقيب الطلاق وفي الوفاة عقيب الوفاة فإن لم تعلم بالطلاق أو الوفاة حتى مضت مدة العدة فقد انقضت عدتها لأن سبب وجوب العدة الطلاق أو الوفاة فيعتبر ابتداؤها من وقت وجود السبب ومشايخنا رحمهم الله يفتون في الطلاق أن ابتداءها من وقت الإقرار نفيا لتهمة ا لمواضعة والعدة في النكاح الفاسد عقيب التفريق أو عزم الواطئ على ترك وطئها وقال زفر رحمه الله من آخر الوطآت لأن الوطء هو السبب الموجب ولنا أن كل وطء وجد في العقد الفاسد يجري مجرى الوطأة الواحدة لاستناد الكل إلى حكم عقد واحد ولهذا يكتفى في الكل بمهر واحد فقبل المتاركة أو العزم لا تثبت العدة مع جواز وجود غيره ولأن التمكن على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطء لخفائه ومساس الحاجة إلى معرفة ا لحكم في حق غيره وإذا قالت المعتدة انقضت عدتي وكذبها الزوج كان القول قولها مع اليمين لأنها أمينة في ذلك وقد اتهمت بالكذب فتحلف كالمودع وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا ثم تزوجها في عدتها وطلقها قبل الدخول بها فعليه مهر كامل وعليها عدة مستقبلة وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله عليه نصف المهر وعليها إتمام العدة الأولى لأن هذا طلاق قبل المسيس فلا يوجب كمال المهر ولا استئناف العدة وإكمال العدة الأولى إنما يجب بالطلاق الأول إلا أنه لم يظهر حال التزوج الثاني فإذا ارتفع بالطلاق الثاني ظهر حكمه كما لو اشترى أم ولده ثم أعتقها ولهما أنها مقبوضة في يده حقيقة بالوطأة الأولى وبقي أثره وهو العدة فإذا جدد النكاح وهي مقبوضة ناب ذلك القبض عن القبض المستحق في هذا النكاح كالغاصب يشتري المغصوب الذي في يده يصير قابضا بمجرد العقد فوضح بهذا أنه طلاق بعد الدخول وقال زفر رحمه الله لا عدة عليها أصلا لأن الأولى قد سقطت بالتزوج فلا تعود والثانية لم تجب وجوابه ما قلنا وإذا طلق الذمي الذمية فلا عدة عليها وكذا إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة فإن تزوجت جاز إلا أن تكون حاملا وهذا كله عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا عليها وعلى الذمية العدة أما الذمية فالاختلاف فيها نظير الاختلاف في نكاحهم محارمهم وقد بيناه في كتاب النكاح وقول أبي حنيفة رحمه الله فيما إذا كان معتقدهم أنه لا عدة عليها وأما المهاجرة فوجه قولهما إن الفرقة لو وقعت بسبب آخر وجبت العدة فكذا بسبب التباين بخلاف ما إذا هاجر الرجل وتركها لعدم التبليغ وله قوله تعالى ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ولأن العدة حيث وجبت كان فيها حق بني آدم والحربي ملحق بالجماد حتى كان محلا للتملك إلا أن تكون حاملا لأن في بطنها ولدا ثابت النسب وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجوز نكاحها ولا يطؤها كالحبلى من الزنا والأول أصح فصل قال وعلى المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة الحداد أما المتوفى عنها زوجها فلقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا وأما المبتوتة فمذهبنا وقال الشافعي رحمه الله لا حداد عليها لأنه وجب إظهارا للتأسف على فوت زوج وفى بعهدها إلى مماته وقد أوحشها بالإبانة فلا تأسف بفوته ولنا ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال الحناء طيب ولأنه يجب إظهارا للتأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنها والإبانة أقطع لها من الموت حتى كان لها أن تغسله ميتا قبل الإبانة لا بعدها والحداد ويقال الإحداد وهما لغتان أن تترك الطيب والزينة والكحل والدهن والمطيب وغير المطيب إلا من عذر وفي الجامع الصغير إلا من وجع

قسم V02/P031–V02/P032

والمعنى فيه وجهان أحدهما ما ذكرناه من إظهار التأسف والثاني أن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة عن النكاح فتجتنبها كيلا تصير ذريعة إلى الوقوع في المحرم وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن للمعتدة في الاكتحال والدهن لا يعرى عن نوع طيب وفيه زينة الشعر ولهذا يمنع المحرم عنه قال إلا من عذر لأن فيه ضرورة والمراد الدواء لا الزينة ولو اعتادت الدهن فخافت وجعا فإن كان ذلك أمرا ظاهرا يباح لها لأن الغالب كالواقع وكذا لبس الحرير إذا احتاجت إليه لعذر لا بأس به ولا تختضب بالحناء لما روينا ولا تلبس ثوبا مصبوغا بعصفر ولا بزعفران لأنه يفوح منه رائحة الطيب قال ولا حداد على كافرة لأنها غير مخاطبة بحقوق الشرع ولا على صغيرة لأن الخطاب موضوع عنها وعلى الأمة الإحداد لأنها مخاطبة بحقوق الله تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى بخلاف المنع من الخروج لأن فيه إبطال حقه وحق العبد مقدم لحاجته قال وليس في عدة أم الولد ولا في عدة النكاح الفاسد إحداد لأنها ما فاتها نعمة النكاح لتظهر التأسف والإباحة أصل ولا ينبغي أن تخطب المعتدة ولا بأس بالتعريض في الخطبة لقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء إلى أن قال ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا وقال عليه الصلاة والسلام السر النكاح وقال ابن عباس رضي الله عنهما التعريض أن يقول إني أريد أن أتزوج وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه في القول المعروف إني فيك لراغب وإني أريد أن نجتمع ولا يجوز للمطلقة الرجعية والمبتوتة الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا والمتوفى عنها زوجها تخرج نهارا وبعض الليل ولا تبيت في غير منزلها أما المطلقة فلقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قيل الفاحشة نفس الخروج وقيل الزنا ويخرجن لإقامة الحد وأما المتوفى عنها زوجها فلأنه لا نفقة لها فتحتاج إلى الخروج نهارا لطلب المعاش وقد يمتد إلى أن يهجم الليل ولا كذلك المطلقة لأن النفقة دارة عليها من مال زوجها حتى لو اختلعت على نفقة عدتها قيل إنها تخرج نهارا وقيل لا تخرج لأنها أسقطت حقها فلا يبطل به حق عليها وعلى المعتدة أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة والموت لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن والبيت المضاف إليها هو البيت الذي تسكنه ولهذا لو زارت أهلها وطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه وقال عليه الصلاة والسلام للتي قتل زوجها اسكني في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله وإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها فأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا انتقال بعذر والعبادات تؤثر فيها الأعذار فصار كما إذا خافت على متاعها أو خافت سقوط المنزل أو كانت فيها بأجر ولا تجد ما تؤديه ثم إن وقعت الفرقة بطلاق بائن أو ثلاث لا بد من سترة بينهما ثم لا بأس به لأنه معترف بالحرمة إلا أن يكون فاسقا يخاف عليها منه فحينئذ تخرج لأنه عذر ولا تخرج عما انتقلت إليه والأولى أن يخرج هو ويتركها

قسم V02/P032–V02/P034

وإن جعلا بينهما امرأة ثقة تقدر على الحيلولة فحسن وإن ضاق عليهما المنزل فلتخرج والأولى خروجه وإذا خرجت المرأة مع زوجها إلى مكة فطلقها ثلاثا أو مات عنها في غير مصر فإن كان بينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام رجعت إلى مصرها لأنه ليس بابتداء الخروج معنى بل هو بناء وإن كانت مسيرة ثلاثة أيام إن شاءت رجعت وإن شاءت مضت سواء كان معها ولي أو لم يكن معناه إذا كان إلى المقصد ثلاثة أيام أيضا لأن المكث في ذلك المكان أخوف عليها من الخروج إلا أن الرجوع أولى ليكون الاعتداد في منزل الزوج قال إلا أن يكون طلقها أو مات عنها زوجها في مصر فإنها لا تخرج حتى تعتد ثم تخرج إن كان لها محرم وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إن كان معها محرم فلا بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتد لهما أن نفس الخروج مباح دفعا لأذى الغربة ووحشة الوحدة وهذا عذر وإنما الحرمة للسفر وقد ارتفعت بالمحرم وله أن العدة أمنع من الخروج من عدم المحرم فإن للمراة أن تخرج إلى ما دون السفر بغير محرم وليس للمعتدة ذلك فلما حرم عليها الخروج إلى السفر بغير المحرم ففي العدة أولى 2 باب ثبوت النسب 2 ومن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها فولدت ولدا لستة أشهر من يوم تزوجها فهو ابنه وعليه المهر أما النسب فلأنها فراشه لأنها لما جاءت بالولد لستة أشهر من وقت النكاح فقد جاءت به لأقل منها من وقت الطلاق فكان العلوق قبله في حالة النكاح والتصور ثابت بأن تزوجها وهو يخالطها فوافق الإنزال النكاح والنسب يحتاط في إثباته وأما المهر فلأنه لما ثبت النسب منه جعل واطئا حكما فتأكد المهر به قال ويثبت نسب ولد المطلقة الرجعية إذا جاءت به لسنتين أو أكثر مالم تقر بانقضاء عدتها لاحتمال العلوق في حالة العدة لجواز أنها تكون ممتدة الطهر وإن جاءت به لأقل من سنتين بانت من زوجها بانقضاء العدة وثبت نسبه لوجود العلوق في النكاح أو في العدة فلا يصير مراجعا لأنه يحتمل العلوق قبل الطلاق ويحتمل بعده فلا يصير مراجعا بالشك وإن جاءت به لأكثر من سنتين كانت رجعية لأن العلوق بعد الطلاق والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا منها فيصير بالوطء مراجعا والمثبوتة يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سنتين لأنه يحتمل أن يكون الولد قائما وقت الطلاق فلا يتيقن زوال الفراش قبل العلوق فيثبت النسب إحتياطا وإذا جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت لأن الحمل حادث بعد الطلاق فلا يكون منه لأن وطأها حرام إلا أن يدعيه لأنه لتزمه وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة فإن كانت المبتونة صغيرة يجامع مثلها فجاءت بولد لتسعة أشهر لم يلزمه حتى تأتي به لأقل من تسعة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله يثبت النسب منه إلى سنتين لأنها معتدة يحتمل أن تكون حاملا ولم تقر بانقضاء العدة فأشبهت الكبيرة ولهما أن لانقضاء عدتها جهة متعينة وهو الأشهر فبمضيها يحكم الشرع بالانقضاء وهو في الدلالة فوق إقرارها لأنه لا يحتمل الخلاف والإقرار يحتمله وإن كانت مطلقة طلاقا رجعيا فكذلك الجواب عندهما وعنده يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا لأنه يجعل واطئا في آخر العدة وهي الثلاثة الأشهر ثم تأتي به لأكثر مدة الحمل وهو سنتان وإن كانت الصغيرة ادعت الحبل في العدة فالجواب فيها وفي الكبيرة سواء لأن بإقرارها يحكم ببلوغها ويثبت نسب ولد المتوفى عنها زوجها ما بين الوفاة وبين السنتين وقال زفر رحمه الله إذا جاءت به بعد انقضاء عدة الوفاة لستة أشهر لا يثبت النسب لأن الشرع حكم بانقضاء عدتها بالشهور لتعين الجهة فصار كما إذا أقرت بالانقضاء كما بينا في الصغيرة إلا أنا نقول لانقضاء عدتها جهة أخرى وهو وضع الحمل بخلاف الصغيرة لأن الأصل فيها عدم الحبل لأنها ليست بمحل قبل البلوغ وفيه شك

قسم V02/P034–V02/P035

وإذا اعترفت المعتدة بانقضاء عدتها ثم جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر يثبت نسبه لأنه ظهر كذبها بيقين فبطل الإقرار وإن جاءت به لستة أشهر لم يثبت لأنا لم نعلم ببطلان الإقرار لاحتمال الحدوث بعده وهذا اللفظ بإطلاقه يتناول كل معتدة وإذا ولدت المعتدة ولدا لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يشهد بولادتها رجلان أو رجل وامرأتان إلا أن يكون هناك حبل ظاهر أو اعتراف من قبل الزوج فيثبت النسب من غير شهادة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يثبت في الجميع بشهادة امرأة واحدة لأن الفراش قائم بقيام العدة وهو ملزم للنسب والحاجة إلى تعيين الولد أنه منها فيتعين بشهادتها كما في حال قيام النكاح ولأبي حنيفة رحمه الله تنقضي بإقرارها بوضع الحمل والمنقضي ليس بحجة فمست الحاجة إلى إثبات النسب ابتداء فيشترط كمال الحجة بخلاف ما إذا كان ظهرالحبل أو صدر الاعتراف من الزوج لأن النسب ثابت قبل الولادة والتعين يثبت بشهادتها فإن كانت معتدة عن وفاة فصدقها الورثة في الولادة ولم يشهد على الولادة أحد فهو ابنه في قولهم جميا وهذا في حق الإرث ظاهر لأنه خالص حقهم فيقبل فيه تصديقهم أما في حق النسب هل يثبت في حق غيرهم قالوا إذا كانوا من أهل الشهادة يثبت لقيام الحجة ولهذا قيل تشترط لفظة الشهادة وقيل لا تشترط لأن الثبوت في حق غيرهم تبع للثبوت في حقهم بإقراراهم وما ثبت تبعا لا يراعى فيه الشرائط وإذا تزوج الرجل امرأة فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم تزوجها لم يثبت نسبه لأن العلوق سابق على النكاح فلا يكون منه وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا يثبت نسبه اعترف به الزوج أو سكت لأن الفراش قائم والمدة تامة فإن جحد الولادة يثبت بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة حتى لو نفاه الزوج يلاعن لأن النسب يثبت بالفراش القائم واللعان إنما يجب بالقذف وليس من ضرورته وجود الولد فإنه يصح بدونه فإن ولدت ثم اختلفا فقال الزوج تزوجتك منذ أربعة وقالت هي منذ ستة أشهر فالقول قولها وهو ابنه لأن الظاهر شاهد لها فإنها تلد ظاهرا من نكاح لا من سفاح ولم يذكر الاستحلاف وهو على الاختلاف وإن قال لامرأته إذا ولدت ولدا فأنت طالق فشهدت امرأة على الولادة لم تطلق عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تطلق لأن شهادتها حجة في ذلك قال عليه الصلاة والسلام شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه ولأنها لما قبلت في الولادة تقبل فيما يبتنى عليها وهو الطلاق ولأبي حنيفة رحمه الله أنها ادعت الحنث فلا يثبت إلا بحجة تامة وهذا لأن شهادتهن ضرورية في حق الولادة فلا تظهر في حقا الطلاق لأنه ينفك عنها وإن كان الزوج قد أقر بالحبل طلقت من غير شهادة عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما تشترط شهادة القابلة لأنه لا بد من حجة لدعواها الحنث وشهادتها حجة فيه على ما بينا وله أن الإقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه وهو الولادة ولأنه أقر بكونها مؤتمنة فيقبل قولها في رد الأمانة قال وأكثر مدة الحمل سنتان لقول عائشة رضي الله عنها الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بطل مغزل وأقله ستة أشهر لقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ثم قال وفصاله في عامين فبقي للحمل ستة أشهر والشافعي رحمه الله يقدر الأكثر بأربع سنين والحجة عليه ما رويناه والظاهر أنها قالته سماعا إذ العقل لا يهتدى إليه

قسم V02/P035–V02/P037

ومن تزوج أمة فطلقها ثم اشتراها فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم اشتراها لزمه وإلا لم يلزمه لأنه في الوجه الأول ولد المعتدة فإن العلوق سابق على الشراء وفي الوجه الثاني ولد المملوكة لأنه يضاف الحادث إلى أقرب وقته فلا بد من دعوة وهذا إذا كان الطلاق واحدا بائنا أو خلعا أو رجعيا أما إذا كان اثنتين يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق لأنها حرمت عليه حرمة غليظة فلا يضاف العلوق إلا إلى ما قبله لأنها لا تحل بالشراء ومن قال لأمته إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت على الولادة امرأة فهي أم ولده لأن الحاجة إلى تعيين الولد ويثبت ذلك بشهادة القابلة بالإجماع ومن قال الغلام هو ابني ثم مات فجاءت أم الغلام وقالت أنا امرأته فهي امرأته وهو ابنه يرثانه وفي النوادر جعل هذا جواب الاستحسان والقياس أن لا يكون لها الميراث لأن النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد وبالوطءعن شبهة وبملك اليمين فلم يكن قوله إقرارا بالنكاح وجه الاستحسان أن المسألة فيما إذا كانت معروفة بالحرية وبكونها أم الغلام والنكاح الصحيح هو المتعين لذلك وضعا وعادة ولو لم يعلم بأنها حرة فقالت الورثة أنت أم ولد فلا ميراث لها لأن ظهور الحرية باعتبار الدار حجة في دفع الرق لا في استحقاق الميراث والله أعلم 2 باب الولد من أحق به 2 وإذا وقعت الفرقة ين الزوجين فالأم أحق بالولد لما روى أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال عليه الصلاة والسلام أنت أحق به مالم تتزوجي ولأن الأم أشفق وأقدر على الحضانة فكان الدفع إليها أنظر وإليه أشار الصديق رضي الله عنه بقوله ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر قاله حين وقعت الفرقة بينه وبين امرأته والصحابة حاضرون متوافرون والنفقة على الأب على ما نذكر ولا تجبر الأم عليه لأنها عست تعجز عن الحضانة فإن لم تكن له أم فأم الأم أولى من أم الأب وإن بعدت لأن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات فإن لم تكن أم الأم فأم الأب أولى من الأخوات لأنها من الأمهات ولهذا تحرز ميراثهن السدس ولأنها أوفر شفقة للأولاد فإن لم تكن له جدة فالأخوات أولى من العمات والخالات لأنهن بنات الأبوين ولهذا قدمن في الميراث وفي رواية الخالة أولى من الأخت لأب لقوله عليه الصلاة والسلام الخالة والدة وقيل في قوله تعالى ورفع أبويه على العرش أنها كانت خالته وتقدم الأخت لأب وأم لأنها أشفق ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب لأن الحق لهن من قبل الأم ثم الخالات أولى من العمات ترجيحا لقرابة الأم وينزلن كما نزلنا الأخوات معناه ترجيح ذات قرابتين ثم قرابة الأم ثم العمات ينزلن كذلك وكل من تزوجت من هؤلاء يسقط حقها لما روينا ولأن زوج الأم إذا كان أجنبيا يعطيه نزرا وينظر إليه شزرا فلا نظر قال إلا الجدة إذا كان زوجها الجدلأنه قام مقام أبيه فينظر له وكذلك كل زوج هو ذو رحم محرم منه لقيام الشفقة نظرا إلى القرابة القريبة ومن سقط حقها بالتزوج يعود إذا ارتفعت الزوجية لأن المانع قد زال فإن لم تكن للصبي امرأة من أهله فاختصم فيه الرجال فأولاهم أقربه تعصيبا لأن الولاية للأقرب وقد عرف الترتيب في موضعه غير أن الصغيرة لا تدفع إلى عصبة غير محرم كمولى العتاقة وابن العم تحرزا عن الفتنة والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده وفي الجامع الصغير حتى يستغني فيأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده والمنع واحد لأن تمام الاستغناء بالقدرة على الاستنجاء

قسم V02/P037–V02/P039

ووجهه أنه إذا استغنى يحتاج إلى التأدب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقم والأب أقدر على التأديب والتثقيف والخصاف رحمه الله قدر الاستغناء بسبع سنين اعتبارا للغالب والأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض لأن بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء والمرأة على ذلك أقدر وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ والأب فيه أقوى وأهدى وعن محمد رحمه الله أنها تدفع ألى الأب إذا بلغت حد الشهوة لتحقق الحاجة إلى الصيانة ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدا تشتهى وفي الجامع الصغير حتى تستغنى لأنها لا تقدر على استخدامها ولهذا لا تؤاجراها للخدمة فلا يحصل المقصود بخلاف الأم والجدة لقدرتهما عليه شرعا قال والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت كالحرة في حق الولد لأنهما حرتان أو أن ثبوت الحق وليس لهما قبل العتق حق في الولد لعجزهما عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى والذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعق الأديان أويخاف أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده ولا خيار للغلام والجارية وقال الشافعي رحمه الله لهما الخيار لأن النبي عليه الصلاة والسلام خير ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم لم يخيروا وأما الحديث فقلنا قد قال عليه الصلاة والسلام اللهم اهده فوفق لاختياره الأنظر بدعائه عليه الصلاة والسلام أو يحمل على ما إذا كان بالغا فصل وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك لما فيه من الإضرار بالأب إلا أن تخرج به إلى وطنها وقد كان الزوج تزوجها فيه لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا قال عليه الصلاة والسلام من تأهل ببلدة فهو منهم ولهذا يصير الحربي به ذميا وإن أرادت الخروج إلى مصر غير وطنها وقد كان التزوج فيه أشار في الكتاب إلى أنه ليس لها ذلك وهذه رواية كتاب الطلاق وقد ذكر في الجامع الصغير أن لها ذلك لأن العقد متى وجد في مكان يوجب أحكامه فيه كما يوجب البيع التسليم في مكانه ومن جملة ذلك حق إمساك الأولاد وجه الأول أن التزوج في دار الغربة ليس التزاما للمكث فيه عرفا وهذا أصح والحاصل أنه لا بد من الأمرين جميعا الوطن ووجود النكاح وهذا كله إذا كان بين المصرين تفاوت أما إذا تقاربا بحيث يمكن للوالد أن يطالع ولده ويبيت في بيته فلا بأس به وكذا الجواب في القريتين ولو انتقلت من قرية المصر إلى المصر لا بأس به لأن فيه نظرا للصغيرحيث يتخلف بأخلاق أهل المصر وليس فيه ضرر بالأب وفي عكسه ضرر بالصغير لتخلقه بأخلاق السواد فليس لها ذلك 2 باب النفقة 2 قال النفقة واجبة للزوجة على زوجها مسلمة كانت أو كافرة إذا سلمت نفسها إلى منزله فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها والأصل في ذلك قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته وقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث حجة الوداع ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولأن النفقة جزاء الاحتباس وكل من كان محبوسا بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه أصله القاضي والعامل في الصدقات وهذه الدلائل لا فصل فيها فتستوي فيها المسلمة والكافرة ويعتبر في ذلك حالهما جميعا قال العبد الضعيف وهذا اختيار الخصاف وعليه الفتوى وتفسيره أنهما إذا كانا موسرين تجب نفقة اليسار وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار وإن كانت معسرة والزوج موسرا فنفقتها دون نفقة الموسرات وفوق نفقة المعسرات وقال الكرخي رحمه الله يعتبر حال الزوج وهو قول الشافعي رحمه الله لقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته وجه الأول قوله عليه الصلاة والسلام لهند امرأة أبي سفيان خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف اعتبر حالها وهو الفقه فإن النفقة تجب بطريق الكفاية والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة

قسم V02/P039–V02/P040

وأما النص فنحن نقول بموجبه أنه يخاطب بقدر وسعه والباقي دين في ذمته ومعنى قوله بالمعروف الوسط وهو الواجب وبه يتبين أنه لا معنى للتقدير كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أنه على الموسر مدان وعلى المعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف مد لأن ما يوجب كفاية لا يتقدر شرعا في نفسه وإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة لأنه منع بحق فكان فوت الاحتباس بمعنى من قبله فيجعل كالفائت وإن نشزت لا نفقة لها حتى تعود إلى منزله لأن فوت الاحتباس منها وإذا عادت جاء الاحتباس قائم والزوج يقدر على الوطء كرها وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها والاحتباس الموجب ما يكون وسيلة إلى مقصود مستحق بالنكاح ولم يوجد بخلاف المريضة على ما نبين وقال الشافعي رحمه الله لها النفقة لأنها عوض عن الملك عنده كما في المملوكة بملك اليمين ولنا أن المهر عوض عن الملك ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد فلها المهر دون النفقة وإن كان الزوج صغيرا لا يقدر على الوطء وهي كبيرة فلها النفقة من ماله لأن التسليم قد تحقق منها وإنما العجز من قبله فصار كالمجبوب والعنين وإذا حبست المرأة في دين فلا نفقة لها لأن فوت الاحتباس منها بالمماطلة وإن لم يكن منها بأن كانت عاجزة فليس منه وكذا إذا غصبها رجل كرها فذهب بها وعن أبي يوسف أن لها النفقة والفتوى على الأول لأن فوت الاحتباس ليس منه ليجعل باقيا تقديرا وكذا إذا حجت مع محرم لأن فوت الاحتباس منها وعن أبي يوسف رحمه الله أن لها النفقة لأن إقامة الفرض عذر ولكن تجب عيه نفقة الحضر دون السفرلأنها هي المستحقة عليه ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاتفاق لأن الإحتباس قائم لقيامه عليها وتجب نفقة الحضر دون السفر ولا يجب الكراء لما قلنا وإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة والقياس أن لا نفقة لها إذا كان مرضا يمنع من الجماع لفوت الاحتباس للاستمتاع وجه الاستحسان أن الاحتباس قائم فإنه يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت والمانع يعارض فأشبه الحيض وعن أبي يوسف رحمه الله أنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت بجب النفقة لتحقق التسليم ولو مرضت ثم سلمت لا تجب لأن التسليم لم يصح قالوا هذا حسن وفي لفظ الكتاب ما يشير إليه قال وتفرض على الزوج النفقة إذا كان موسرا ونفقة خادمها والمراد بهذا بيان نفقة الخادم ولهذا ذكر في بعض النسخ وتفرض على الزوج إذا كان موسرا نفقة خادمها ووجهه أن كفايتها واجبة عليه وهذا من تمامها إذ لا بد لها منه ولا تفرض لأكثر من نفقة خادم واحد وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله تفرض لخادمين لأنها تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل وإلى الآخر لمصالح الخارج ولهما أن الواحد يقوم بالأمرين فلا ضرورة إلى اثنين ولأنه لو تولى كفايتها بنفسه كان كافيا فكذا إذا أقام الواحد مقام نفسه وقالوا إن الزوج الموسر يلزمه من نفقة الخادم ما يلزم المعسر من نفقة امرأته وهو أدنى الكفاية وقوله في الكتاب إذا كان موسرا إشارة إلى أنه لا تجب نفقة الخادم عند إعساره وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله وهو الأصح خلافا لما قاله محمد رحمه الله لأن الواجب على المعسر أدنى الكفاية وهي قد تكتفي بخدمة نفسها ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما ويقال لها استديني عليه وقال الشافعي رحمه الله يفرق لأنه عجز عن الإمساك بالمعروف فينوب القاضي منابه في التفريق كما في الجب والعنة بل أولى لأن الحاجة إلى النفقة أقوى ولنا أن حقه يبطل وحقها يتأخر والأول أقوى في الضرر وهذا لأن النفقة تصير دينا بفرض القاضي فتستوفى في الزمان الثاني وفوت المال وهو تابع في النكاح لا يلحق بما هو المقصود وهو التناسل وفائدة الأمر بالاستدانة مع الفرض أن يمكنها إحالة الغريم على الزوج فأما إذا كانت الاستدانة بغير أمر القاضي كانت المطالبة عليها دون الزوج

قسم V02/P040–V02/P042

وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار وما قضى به تقدير لنفقة لم تجب فإذا تبدل حاله فلها المطالبة بتمام حقها وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك فلا شيء لها إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة أو صالحت الزوج على مقدار نفقتها فيقضي لها بنفقة ما مضى لأن النفقة صلة وليست بعوض عندنا عل مامر من قبل فلا يستحكم الوجوب فيها إلا بالقضاء لا توجب الملك إلا بمؤكد وهو القبض والصلح بمنزلة القضاء لأن ولايته على نفسه أقوى من ولاية القاضي بخلاف المهر لأنه عوض وإن مات الزوج بعد ما قضي عليه بالنفقة ومضى شهور سقطت النفقة وكذا إذا ماتت الزوجة لأن النفقة صلة والصلات تسقط بالموت كالهبة تبطل بالموت قبل القبض وقال الشافعي رحمه الله تصير دينا قبل القضاء ولا تسقط بالموت لأنه عوض عنده فصار كسائر الديون وجوابه قد بيناه وإن أسلفها نفقة السنة أي عجلها ثم مات لم يسترجع منها شيء وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي فهو للزوج وهو قول الشافعي رحمه الله وعلى هذا الخلاف الكسوة لأنها استعجلت عوضا عما تستحقه عليه بالاحتباس وقد بطل الاستحقاق بالموت فيبطل العوض بقدره كرزق القاضي وعطاء المقاتلة ولهما أنه صلة وقد اتصل به القبض ولا رجوع في الصلات بعد الموت لانتهاء حكمها كما في الهبة ولهذا لو هلكت من غير استهلاك لا يسترد شيء منها بالإجماع وعن محمد رحمه الله أنها إذا قبضت نفقة الشهر أو ما دونه لايسترجع منها شيء لأنه يسير فصار في حكم الحال وإذا تزوج العبد حرة فنفقتها دين عليه يباع فيها ومعناه إذا تزوج بإذن المولى لأنه دين وجب في ذمته لوجود سببه وقد ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته كدين التجارة في العبد التاجر وله أن يفدى لأن حقها في النفقة لا في عين الرقبة ولو مات العبد سقطت وكذا إذا قتل في الصحيح لأنه صلة وإن تزوج الحر أمة فبوأها مولاها معه منزلا فعليه النفقة لأنه تحقق الاحتباس وإن لم يبوئها فلا نفقة لها لعدم الاحتباس والتبوئه أن يخلي بينها وبينه في منزله ولا يستخدمها ولو استخدمها بعد التبوئه سقطت النفقة لأنه فات الاحتباس والتبوئه غير لازمة على ما مر في النكاح ولو خدمته الجارية أحيانا من غير أن يستخدمها لا تسقط النفقة لأنه لم يستخدمها ليكون استردادا والمدبرة وأم الولد في هذا كالأمة والله تعالى أعلم بالصواب فصل وعلى الزوج أن يسكنها في دار مفردة ليس فيها أحد من أهله إلا أن تختار ذلك لآن السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة وقد أوجبه الله تعالى مقرونا بالنفقة وإذا أوجب حقا لها ليس له أن يشرك غيرها فيه لأنها تتضرر به فإنها لا تأمن على متاعها ويمنعها ذلك عن المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار لأنها رضيت بانتقاص حقها وإن كان له ولد من غيرها فليس له أن يسكنه معها لما بينا ولو أسكنها في بيت من الدار مفرد وله غلق كفاها لأن المقصود قد حصل وله أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول عليها لأن المنزل ملكه فله حق المنع من دخول ملكه ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها في أي وقت اختاروا لما فيه من قطيعة الرحم وليس له في ذلك ضرر وقيل لا يمنعهم من الدخول والكلام وإنما يمنعهم من القرار والدوام إن الفتنة في اللباث وتطويل الكلام وقيل لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة وفي غيرهما من المحارم التقدير بسنة وهو الصحيح

قسم V02/P042–V02/P044

وإذا غاب الرجل وله مال في يد رجل يعترف به وبالزوجية فرض القاضي في ذلك المال نفقة زوجة الغائب وولده الصغار ووالديه وكذا إذا علم القاضي ذلك ولم يعترف به لأنه لما أقر بالزوجية والوديعة فقد أقر أن حق الأخذ لها لأن لها أن تأخذ من مال الزوج حقها من غير رضاه وإقرار صاحب اليد مقبول في حق نفسه لا سيما ههنا فإنه لو أنكر أحد الأمرين لا تقبل بينة المرأة فيه لأن المودع ليس بخصم في إثبات الزوجية عليه ولا المرأة خصم في إثبات حقوق الغائب فإذا ثبت في حقه تعدى إلى الغائب وكذا إذا كان المال في يده مضاربه وكذا الجواب في الدين وهذا كله إذا كان المال من جنس حقها دراهم أو دنانير أو طعاما أو كسوة من جنس حقها أما إذا كان من خلاف جنسه لا تفرض النفقة فيه لأنه يحتاج إلى البيع ولا يباع مال الغائب بالاتفاق أما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأنه لا يباع على الحاضر وكذا على الغائب وأما عندهما فلأنه إن كان يقضي على الحاضر لأنه يعرف امتناعه لا يقضى على الغائب لأنه لا يعرف امتناعه قال ويأخذ منها كفيلا بها نظرا للغائب لأنها ربما استوفت النفقة أو طلقها الزوج وانقضت عدتها فرق بين هذا وبين الميراث إذا قسم بين ورثة حضور البينة ولم يقولوا لا نعلم له وارثا آخر حيث لا يؤخذ منهم الكفيل عند أبي حنيفة رحمه الله لأن هناك المكفول له مجهول وههنا معلوم وهو الزوج ويحلفها بالله ما أعطاها النفقة نظرا للغائب قال ولا يقضى بنفقة في مال غائب إلا لهؤلاء ووجه الفرق هو أن نفقة هؤلاء واجبة قبل قضاء القاضي ولهذا كان لهم أن يأخذوا قبل القضاء فكأن قضاء القاضي إعانة لهم أما غيرهم من المحارم فنفقتهم إنما تجب بالقضا لأنه مجتهد فيه والقضاء على الغائب لا يجوز ولو لم يعلم القاضي بذلك ولم يكن مقرا به فأقامت البينة على الزوجية أو لم يخلف مالا فأقامت ألبينة ليفرض القاضي نفقتها على الغائب ويأمرها بالاستدانة لا يقضى القاضي بذلك لأن في ذلك قضاء على الغائب وقا زفر رحمه الله يقضى فيه لأن فيه نظرا لها ولا ضرر فيه على الغائب فإنه لو حضر وصدقها فقد أخذت حقها وإن جحد يحلف فإن نكل فقد صدق وإن أقامت بينة فقد ثبت حقها وإن عجزت يضمن الكفيل أو المرأة وعمل القضاة اليوم على هذا أنه يقضى بالنفقة على الغائب لحاجة الناس وهو مجتهد فيه وفي هذه المسألة أقاويل مرجوع عنها فلم يذكرها فصل وإذا طلق الرجل امرأته فلها النفقة والسكنى في عدتها رجعيا كان أو بائنا وقال الشافعي رحمه الله لا نفقة للمبتوتة إلا إذا كانت حاملا أما الرجعى فلأن النكاح بعده قائم لا سيما عندنا فإنه يحل له الوطء وأما البائن فوجه قوله ما روى عن فاطمة بنت قيس قالت طلقني زوجي ثلاثا فلم يفرض لي رسول الله عليه الصلاة والسلام سكنى ولا نفقة ولأنه لا ملك له وهي مرتبة على الملك ولهذا لا تجب للمتوفي عنها زوجها لانعدامه بخلاف ما إذا كانت حاملا لأنا عرفناه بالنص وهو قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن الآية ولنا أن النفقة جزاءاحتباس على ما ذكرنا والاحتباس قائم في حق حكم مقصود بالنكاح وهو الولد إذ العدة واجبة لصيانة الولد فتجب النفقة ولهذا كان لها السكنى بالإجماع وصار كما إذا كانت حاملا وحديث فاطمة بنت قيس رده عمر رضي الله عنه فإنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسبت سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت في العدة ورده أيضا زيد بن ثابت رضي الله عنه وأسامة بن زيد وجابر وعائشة رضي الله عنهم

قسم V02/P044–V02/P045

ولا نفقة للمتوفي عنها زوجها لأن احتباسها ليس لحق الزوج بل لحق الشرع فإن التربص عبادة منها ألا ترى أن معنى التعرف عن براءة الرحم ليس بمراعى فيه حتى لا يشترط فيها الحيض فلا تجب نفقتها عليه ولأن النفقة تجب شيئا فشيئا ولا ملك له بعد الموت فلا يمكن إيجابها في ملك الورثة وكل فرقة جاءت من قبل المرأة بمعصية مثل الردة وتقبيل ابن الزوج فلا نفقة لها لأنها صارت حابسة نفسها بغير حق فصارت كما إذا كانت ناشزة بخلاف المهر بعد الدخول لأنه وجد التسليم في حق ا لمهر بالوطء وبخلاف ما إذا جاءت الفرقة من قبلها بغير معصية كخيار العتق وخيار البلوغ والتفريق لعدم الكفاءة لأنها حبست نفسها بحق وذلك لا يسقط النفقة كما إذا حبست نفسها لاستيفاء المهر وإن طلقها ثلاثا ثم ارتدت والعياذ بالله سقطت نفقتها وإن مكنت ابن زوجها من نفسها فلها النفقة معناه مكنت بعد الطلاق لأن الفرقة تثبت بالطلقات الثلاث ولا عمل فيها للردة والتمكين إلا أن المرتدة تحبس حتى تتوب ولا نفقة للمحبوسة والممكنة لا تحبس فلهذا يقع الفرق فصل ونفقة الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه في نفقة الزوجة لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن والمولود له هو الأب وإن كان الصغير رضيعا فليس على أمه أن ترضعه لما بينا أن الكفاية على الأب وأجرة الرضاع كالنفقة ولأنها عساها لا تقدر عليه لعذر بها فلا معنى للجبر عليه وقيل في تأويل قوله تعالى لا تضار والدة بولدها بإلزامها الإرضاع مع كراهتها وهذا الذي ذكرنا بيان الحكم وذلك إذا كان يوجد من ترضعه أما إذا كان لا توجد من ترضعه تجبر الأم على الإرضاع صيانة للصبي عن الضياع قال ويستأجر الأب من ترضعه عندها أما استئجار الأب فلأن الأجر عليه وقوله عندها معناه إذا أرادت ذلك لأن الحجر لها وإن استأجرها وهي زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن إلا أنها عذرت لاحتمال عجزها فإذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها فكان الفعل واجبا عليها فلا يجوز أخذ الآجر عليه وهذا في المعتدة عن طلاق رجعي رواية واحدة لأن النكاح قائم وكذا في المبتوتة في رواية وفي رواية أخر جاز استئجارها لأن النكاح قد زال وجه الأولى أنه باق في حق بعض الأحكام ولو استأجرها وهي منكوحته أو معتدته لإرضاع ابن له من غيرها جاز لأنه غير مستحق عليها وإن انقضت عدتها فاستأجرها يعني لإرضاع ولدها جاز لأن النكاح قد زال بالكلية وصارت كالأجنبية فإن قال الأب لا أستأجرها وجاء بغيرها فرضيت الأم بمثل أجر الأجنبية أورضيت بغيرأجر كانت هي أحق لأنها أشفق فكان نظرا للصبي في الدفع إليها وإن التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها دفعا للضرر عنه وإليه الإشارة بقوله تعالى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده أي بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية ونفقة الصغير واجبة على أبيه وإن خالفه في دينه كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه أماالولد فلإطلاق ما تلونا ولأنه جزؤه فيكون في معنى نفسه وأما الزوجة فلأن السبب هو العقد الصحيح فإنه بإزاء الاحتباس الثابت به وقد صح العقد بين المسلم والكافرة وترتب عليه الاحتباس فوجبت النفقة وفي جميع ما ذكرنا إنما تجب النفقة على الأب إذا لم يكن للصغير مال أما إذا كان فالأصل أن نفقة الإنسان في مال نفسه صغيرا كان أو كبيرا فصل

قسم V02/P045–V02/P046

وعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجدته إذا كانوا فقراء وإن خالفوه في دينه أما الأبوان فلقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا نزلت الآية في الأبوين الكافرين وليس من المعروف أن يعيش في نعم الله تعالى ويتركهما يموتان جوعا وأما الأجداد والجدات فلأنهم من الآباء والأمهات ولهذا يقوم الجد مقام الأب عند عدمه ولأنهم سببوا لإحياءه فاستوجبوا عليه الإحياء بمنزلة الأبوين وشرط الفقر لأنه لو كان ذا مال فإيجاب نفقته في ماله أولى من إيجابها في مال غيره ولا يمنع ذلك باختلاف الدين لما تلونا ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين للزوجة والأبوين والأجداد والولد وولد الولد أما الزوجة فلما ذكرنا أنها واجبة لها بالعقد لاحتباسها لحق له مقصود وهذا يتعلق باتحاد الملة وأما غيرها فلآن الجزئية ثابته وجزء المرء في معنى نفسه فكما لا يمتنع نفقة نفسه لكفره لا يمتنع نفقة جزئه إلا أنهم إذا كانوا حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمنين لأنا نهينا عن البر في حق من يقاتلنا في الدين ولا تجب على النصراني نفقة أخيه المسلم وكذا لا تجب على المسلم نفقة أخيه النصراني لأن النفقة متعلقة بالإرث بالنص بخلاف العتق عند الملك لأنه متعلق بالقرابة والمحرمية بالحديث ولأن القرابة موجبة للصلة ومع الاتفاق في الدين آكد ودوام ملك اليمين أعلى في القطيعة من حرمان النفقة فاعتبرنا في الأعلى أصل العلة وفي الأدنى العلة المؤكدة فلهذا افترقا ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد لأن لهما تأويلا في مال الولد بالنص ولا تأويل لهما في مال غيره ولأنه أقرب الناس إليهما فكان أولى باستحقاق نفقتهما عليه وهي على الذكور والإناث بالسوية في ظاهر الرواية وهو الصحيح لآن المعنى يشملهما والنفقة لكل ذي رحم محرم إذا كان صغيرا فقيرا أو كانت امرأة بالغة فقيرة أو كان ذكرا بالغا فقيرا زمنا أو أعمى لأن الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة والفاصل أن يكون ذا رحم محرم وقد قال الله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك وفي قراءة عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ثم لا بد من الحاجة والصغر والأنوثة والزمانة والعمى أمارة الحاجة لتحقق العجز فإن القادر على الكسب غني بكسبه بخلاف الأبوين لأنه يلحقهما تعب الكسب والولد مأمور بدفع الضرر عنهما فتجب نفقتهما مع قدرتهما على الكسب قال ويجب ذلك على مقدار الميراث ويجبر عليه لأن التنصيص على الوارث تنبيه على اعتبار المقدار ولأن الغرم بالغنم والجبر لإيفاء حق مستحق

قسم V02/P046–V02/P048

قال وتجب نفقة الإبنة البالغة والإبن الزمن على أبويه أثلاثا على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث لأن الميراث لهما على هذا المقدار قال العبد الضعيف هذا الذي ذكره رواية الخصاف والحسن رحمه الله وفي ظاهر الرواية كل النفقة على الأب لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن وصار كالولد الصغير ووجه الفرق على الرواية الأولى أنه اجتمعت للأب في الصغير ولاية ومؤنة حتى وجبت عليه صدقة فطره فاختص بنفقته ولا كذلك الكبير لانعدام الولاية فيه فتشاركه الأم وفي غير الوالد يعتبر قدر الميراث حتى تكون نفقة الصغير على الأم والجد أثلاثا ونفقة الأخ المعسر على الأخوات المتفرقات الموسرات أخماسا على قدر الميراث غير أن المعتبر أهلية الإرث في الجملة لا إحرازه فإن المعسر إذا كان له خال وابن عم تكون نفقته على خاله وميراثه يحرزه ابن عمه ولا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين لبطلان أهلية الإرث ولا بد من اعتباره ولا تجب على الفقير لأنها تجب صلة وهو يستحقها على غيره فكيف تستحق عليه بخلاف نفقة الزوجة وولده الصغير لأنه التزمها بالإقدام على العقد إذا المصالح لا تنتظم دونها ولا يعمل في مثلها الإعسار ثم اليسار مقدر بالنصاب فيما روي عن أبي يوسف وعن محمد رحمه الله أنه قدره بما يفضل على نفقة نفسه وعياله شهرا أو بما يفضل على ذلك من كسبه الدائم كل يوم لأن المعتبر في حقوق العباد إنما هو القدرة دون النصاب فإنه للتيسير والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة وإذا كان للابن الغائب مال قضى فيه بنفقة أبويه وقد بينا الوجه فيه وإذا باع أبوه متاعه في نفقته جاز عند أبي حنيفة رحمه الله وهذا استحسان وإن باع العقار لم يجز وفي قولهما لا يجوز في ذلك كله وهو القياس لأنه لا ولاية له لانقطاعها بالبلوغ ولهذا لا يملك في حال حضرته ولا يملك البيع في دين له سوى النفقة وكذا لا تملك الأم في النفقة ولأبي حنيفة رحمه الله أن للأب ولاية الحفظ في مال الغائب ألا ترى أن للوصي ذلك فالأب أولى لوفور شفقته وبيع ا لمنقول من باب الحفظ ولا كذلك العقار لأنها محصنة بنفسها وبخلاف غير الأب من الأقارب لأنه لا ولاية لهم أصلا في التصرف حالة الصغر ولا في الحفظ بعد الكبر وإذا جاز بيع الأب والثمن من جنس حقه وهو النفقة فله الاستيفاء منه كما لو باع العقار والمنقول على الصغير جاز لكمال الولاية ثم له أن يأخذ منه بنفقته لأنه من جنس حقه وإن كان للابن الغائب مال في يد أبويه وأنفقا منه لم يضمنا لأنهما استوفيا حقهما لأن نفقتهما واجبة قبل القضاء على ما مر وقد أخذا جنس الحق وإن كان له مال في يد أجنبي فأنفق عليهما بغير إذن القاضي ضمن لأنه تصرف في مال الغير بغير ولاية لأنه نائب في الحفظ لا غير بخلاف ما إذا أمره القاضي لأن أمره ملزم لعموم ولايته وإذا ضمن لا يرجع على القابض لأنه ملكه بالضمان فظهر أنه كان متبرعا به وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدة سقطت لأن نفقة هؤلاء تجب كفاية للحاجة حتى لا تجب مع اليسار وقد حصلت بمضي المدة بخلاف نفقة الزوجة إذا قضى بها القاضي لأنها تجب مع يسارها فلا تسقط بحصول الاستغناء فيما مضى قال إلا أن يأذن القاضي بالاستدانة عليه لأن القاضي له ولاية عامة فصار إذنه كأمر الغائب فيصير دينا في ذمته فلا تسقط بمضي المدة والله تعالى أعلم بالصواب فصل

قسم V02/P048–V02/P049

وعلى المولى أن ينفق على أمته وعبده لقوله عليه الصلاة والسلام في المماليك إنهم إحوانكم جعلهم الله تعالى تحت أيديكم اطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تعذبوا عباد الله فإن امتنع وكان لهما كسب اكتسبا وأنفقا لأن فيه نظرا للجانبين حتى يبقى المملوك حيا ويبقى في ملك المالك وإن لم يكن لهما كسب بأن كان عبدا زمنا أو جارية لا يؤاجر مثلها أجبر المولى على بيعهما لأنهما من أهل الاستحقاق وفي البيع إيفاء حقهما وإيفاء حق المولى بالخلف بخلاف نفقة الزوجة لأنها تصير دينا فكان تأخيرا على ما ذكرنا ونفقة المملوك لا تصير دينا فكان إبطالا وبخلاف سائر الحيوانات لأنها ليست من أهل الاستحقاق فلا يجبر على نفقتها إلا أنه يؤمر به فيما بينه وبين الله تعالى لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تعذيب الحيوان وفيه ذلك ونهى عن إضاعة المال وفيه إضاعته وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجبر والأصح ما قلنا والله أعلم 1 كتاب العتاق 1 الإعتاق تصرف مندوب إليه قال عليه الصلاة والسلام أيما مسلم أعتق مؤمنا أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد والمرأة الأمة ليتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء قال رضي الله عنه العتق يصح من الحر البالغ العاقل في ملكه شرط الحرية لأن العتق لا يصح إلا في الملك ولا ملك للمملوك والبلوغ لأن الصبي ليس من أهله لكونه ضررا ظاهرا ولهذا لا يملكه الولي عليه والعقل لأن المجنون ليس بأهل للتصرف ولهذا لو قال البالغ أعتقت وأنا صبي فالقول قوله وكذا إذا قال المعتق أعتقت وأنا مجنون وجنونه كان ظاهرا لوجود الإسناد إلى حالة منافية وكذا لو قال الصبي كل مملوك أملكه فهو حر إذا احتلمت لا يصح لأنه ليس بأهل لقول ملزم ولا بد أن يكون العبد في ملكه حتى لو أعتق عبد غيره لا ينفذ عتقه لقوله عليه الصلاة والسلام لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم وإذا قال لعبده أو أمته أنت حر أو معتق أو عتيق أو محرر أو قد حررتك أو قد أعتقتك فقد عتق نوى به العتق أو لم ينو لأن هذه الألفاظ صريحة فيه لأنها مستعملة فيه شرعا وعرفا فأغنى ذلك عن النية والوضع وإن كان في الإخبار فقد جعل إنشاء في التصرفات الشرعية للحاجة كما في الطلاق والبيع وغيرهما ولو قال عنيت به الإخبار الباطل أو أنه حر من العمل صدق ديانة لأنه يحتمله ولا يدين قضاء لأنه خلاف الظاهر ولو قال له يا حر يا عتيق يعتق لأنه نداء بما هو صريح في العتق وهو لاستحضار المنادى بالوصف المذكور هذا هو حقيقته فيقتضى تحقق الوصف فيه وأنه يثبت من جهته فيقضى بثبوته تصديقا له فيما أخبر وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى إلا إذا سماه حرا ثم ناداه يا حر لأن مراده الإعلام باسم علمه وهو ما لقبه به ولو ناداه بالفارسية ياآزاد وقد لقبه بالحر قالوا يعتق وكذا عكسه لأنه ليس بنداء باسم علمه فيعتبر إخبارا عن الوصف وكذا لو قال رأسك حر أو جهك أو رقبتك أو بدنك أو قال لأمته فرجك حر لأن هذه الألفاظ يعبر بها عن جميع البدن وقد مر في الطلاق وإن أضافه إلى جزء شائع يقع في ذلك الجزء وسيأتيك الاختلاف فيه إن شاء الله تعالى وإن أضافه إلى جزء معين لا يعبر به عن الجملة كاليد والرجل لا يقع عندنا خلافا للشافعي رحمه الله والكلام فيه كالكلام في الطلاق وقد بيناه

قسم V02/P049–V02/P051

ولو قال لا ملك لي عليك ونوى به الحرية عتق وإن لم ينو لم يعتق لأنه يحتمل أنه أراد لا ملك لي عليك لأني بعتك ويحتمل لأن أعتقتك فلا يتعين أحدهما مرادا إلا بالنية قال رضي الله عنه وكذا كنايات العتق وذلك مثل قوله خرجت من ملكي ولا سبيل لي عليك ولا رق لي عليك وقد خليت سبيلك لأنه يحتمل نفي السبيل والخروج عن الملك وتخلية السبيل بالبيع أو الكتابة كما يحتمل بالعتق فلا بد من النية وكذا قوله لأمته قد أطلقنك لأنه بمنزلة قوله قد خليت سبيلك وهو المروي عن أبي يوسف رحمه الله بخلاف قوله طلقتك على ما نبين من بعد إن شاء الله تعالى ولو قال لا سلطان لي عليك ونوى العتق لم يعتق لأن السلطان عبارة عن اليد وسمى السلطان به لقيام يده وقد بقي الملك دون اليد كما في المكاتب بخلاف قوله لا سبيل لي عليك لأن نفيه مطلقا بانتفاء الملك لأن للمولى على المكاتب سبيلا فلهذا يحتمل العتق ولو قال هذا ابني وثبت على ذلك عتق ومعنى المسألة إذا كان يولد مثله لمثله فإن كان لا يولد مثله لمثله ذكره بعد هذا ثم إن لم يكن للعبد نسب معروف يثبت نسبه منه لأن ولاية الدعوة بالملك ثابتة والعبد محتاج إلى النسب فيثبت نسبه منه وإذا ثبت عتق لأنه يستند النسب إلى وقت العلوق وإن كان له نسب معروف لا يثبت نسبه منه للتعذر ويعتق إعمالا للفظ في مجازه عند تعذر إعماله بحقيقته ووجه المجاز نذكره من بعد إن شاء الله تعالى ولو قال هذا مولاي أو يا مولاي عتق أما الأول فلأن اسم المولى وإن كان ينتظم الناصر وابن العم والموالاة في الدين والأعلى والأسفر في العتاقة إلا أنه تعين الأسفل فصار كاسم خاص له وهذا لأن المولى لا يستنصر بمملوكه عادة وللعبد نسب معروف فانتفى الأول والثاني والثالث نوع مجاز والكلام للحقيقة والإضافة إلى العبد تنافي كونه معتقا فتعين المولى الأسفل فالتحق بالصريح وكذا إذا قال لأمته هذه مولاتي لما بينا ولو قال عنيت به المولى في الدين أو الكذب يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر وأما الثاني فلأنه لما تعين الأسفل مرادا التحق بالصريح وبالنداء باللفظ الصريح يعتق بأن قال يا حر يا عتيق فكذا النداء بهذا اللفظ وقال زفر رحمه الله لا يعتق في الثاني لأنه يقصد به الإكرام بمنزلة قوله يا سيدي يا مالكي قلنا الكلام لحقيقته وقد أمكن العمل به بخلاف ما ذكره لأنه ليس فيه ما يختص بالعتق فكان إكراما محضا ولو قال يا ابني أو يا أخي لم يعتق لأن النداء لإعلام المنادي إلا أنه إذا كان بوصف يمكن إثباته من جهته كان لتحقيق ذلك الوصف في المنادى استحضارا له بالوصف المخصوص كما في قوله يا حر على ما بيناه وإذا كان النداء بوصف لا يمكن إثباته من جهته كان للإعلام المجرد دون تحقيق الوصف فيه لتعذره والبنوة لا يمكن إثباتها حالة النداء من جهته لأنه لو انخلق من ماء غيره لا يكون ابنا له بهذا النداء فكان لمجرد الإعلام ويروى عن أبي حنيفة رحمه الله شاذا أنه يعتق فيهما والاعتماد على الظاهر

قسم V02/P051–V02/P052

ولو قال يا ابن لا يعتق لأن الأمر كما أخبر فإنه ابن أبيه وكذا إذا قال يا بني أو يا بنية لأنه تصغير للابن والبنت من غير إضافة والأمر كما أخبر وإن قال لغلام لا يولد مثله لمثله هذا ابني عتق عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يعتق وهو قول الشافعي رحمه الله لهم أنه كلام محال الحقيقة فيرد ويلغو كقوله أعتقتك قبل أن أخلق أو قبل أن تخلق ولأبي حنيفة رحمه الله أنه كلام محال بحقيقته لكنه صحيح بمجازه لأنه إخبار عن حريته من حين ملكه وهذا لأن البنوة في المملوك سبب لحريته إما إجماعا أو صلة للقرابة وإطلاق السبب وإرادة المسبب مستجاز في اللغة تجوزا ولأن الحرية ملازمة للبنوة في المملوك والمشابهة في وصف ملازم من طرق المجاز على ما عرف فيحمل عليه تحرزا عن الإلغاء بخلاف ما استشهد به لأنه لا وجه له في المجاز فتعين الإلغاء وهذا بخلاف ما إذا قال لغيره قطعت يدك فأخرجهما صحيحتين حيث لم يجعل مجازا عن الإقرار بالمال والتزامه وإن كان القطع سببا لوجوب المال لأن القطع خطأ سببا لوجوب مال مخصوص وهو الأرش وهو يخالف مطلق المال في الوصف حتى وجب على العاقلة في سنتين ولا يمكن إثباته بدون القطع وما أمكن إثباته فالقطع ليس بسبب له أما الحرية فلا تختلف ذاتا وحكما فأمكن جعله مجازا عنه ولو قال هذا أبي أو أمي ومثله لا يولد لمثلهما فهو على الخلاف لما بينا ولو قال لصبي صغير هذا جدي قيل هو على الخلاف وقيل لا يعتق بالإجماع لأن هذا الكلام لا موجب له في الملك إلا بواسطة وهو الأب وهي غير ثابتة في كلامه فتعذر أن يجعل مجازا عن الموجب بخلاف الأبوة والبنوة لأن لهما موجبا في الملك من غير واسطة ولو قال هذا أخي لا يعتق في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يعتق ووجه الروايتين ما بيناه ولو قال لعبده هذا ابنتي فقد قيل على الخلاف وقيل هو بالإجماع لأن المشار إليه ليس من جنس المسمى فتعلق الحكم بالمسمى وهو معدوم فلا يعتبر وقد حققناه في النكاح وإن قال لأمته أنت طالق أو بائن أو تخمري ونوى به العتق لم تعتق وقال الشافعي رحمه الله تعتق إذا نوى وكذا على هذا الخلاف سائر ألفاظ الصريح والكناية على ما قال مشايخهم رحمه الله له أنه نوى ما يحتمله لفظه لأن بين الملكين موافقة إذ كل واحد منهما ملك العين أما ملك اليمين فظاهر وكذا ملك النكاح في حكم ملك العين حتى كان التأبيد من شرطه والتأقيت مبطلا له وعمل اللفظين في إسقاط ما هو حقه وهو الملك ولهذا يصح التعليق فيه بالشرط أما الأحكام فتثبت لسبب سابق وهو كونه مكلف ولهذا يصلح لفظه العتق والتحرير كناية عن الطلاق فكذا عكسه ولنا أنه نوى مالا يحتمله لفظه لأن الإعتاق لغة إثبات القوة والطلاق رفع القيد وهذا لأن العبد ألحق بالجمادات وبالإعتاق يحيا فيقدر ولا كذلك المنكوحة فإنها قادرة إلا أن قيد النكاح مانع وبالطلاق يرتفع المانع فتظهر القوة ولا خفاء أن الأول أقوى ولأن ملك اليمين فوق ملك النكاح فكان إسقاطه أقوى واللفظ يصلح مجازا عما هو دون حقيقته لا عما هو فوقه فلهذا امتنع في المتنازع فيه وانساغ في عكسه وإذا قال لعبده أنت مثل الحر لم يعتق لأن المثل يستعمل للمشاركة في بعض المعاني عرفا فوقع الشك في الحرية ولو قال ما أنت إلا حر عتق لأن الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد كما في كلمة الشهادة ولو قال رأسك رأس حر لا يعتق لأنه تشبيه بحذف حرفه ولو قال رأسك رأس حر عتق لأنه إثبات الحرية فيه إذ الرأس يعبر به عن جمع البدن فصل

قسم V02/P052–V02/P054

ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه وهذا اللفظ مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام وقال عليه الصلاة والسلام من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر واللفظ بعمومه ينتظم كل قرابة مؤبدة بالمحرمية ولادا أو غيره والشافعي رحمه الله يخالفنا في غيره له أن ثبوت العتق من غير مرضاة المالك ينفيه القياس أولا يقتضيه والأخوة وما يضاهيها نازلة عن قرابة الولاد فامتنع الإلحاق أو الاستدلال به ولهذا امتنع التكاتب على المكاتب في غير الولاد ولم يمتنع فيه ولنا ما روينا ولأنه ملك قريبه قرابة مؤثرة في المحرمية فيعتق عليه وهذا هو المؤثر في الأصل والولاد ملغي لأنها هي التي يفترض وصلها ويحرم قطعها حتى وجبت النفقة وحرم النكاح ولا فرق بين ما إذا كان المالك مسلما أو كافرا في دار الإسلام لعموم العلة والمكاتب إذا اشترى أخاه ومن يجري مجراه لا يتكاتب عليه لأنه ليس له ملك تام يقدره على الإعتاق والافتراض عند القدرة بخلاف الولاد لأن العتق فيه من مقاصد الكتابة فامتنع البيع فيعتق تحقيقا لمقصود العقد وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتكاتب على الأخ أيضا وهو قولهما فلنا أن نمنع وهذا بخلاف ما إذا ملك ابنة عمه وهي أخته من الرضاع لأن المحرمية ما ثبتت بالقرابة والصبي جعل أهلا لهذا العتق وكذا المجنون حتى عتق القريب عليهما عند الملك لأنه تعلق به حق العبد فشابه النفقة ومن أعتق عبدا لوجه الله تعالى أو للشيطان أو للصنم عتق لوجود ركن الإعتاق من أهله في محله ووصف القربة في اللفظ الأول زيادة فلا يختل العتق بعدمه في اللفظين الآخرين وعتق المكره والسكران واقع لصدور الركن من الأهل في المحل كما في الطلاق وقد بيناه من قبل وإن أضاف العتق إلى ملك أو شرط صح كما في الطلاق أما الإضافة إلى الملك ففيه خلاف الشافعي رحمه الله وقد بيناه في كتاب الطلاق وأما التعليق بالشرط فلأنه إسقاط فيجري فيه التعليق بخلاف التمليكات على ما عرف في موضعه وإذا خرج عبد الحربي إلينا مسلما عتق لقوله عليه الصلاة والسلام في عبيد الطائف حين خرجوا إليه مسلمين هم عتقاء الله تعالى ولأنه أحرز نفسه وهو مسلم ولا استرقاق على المسلم ابتداء وإن أعتق حاملا عتق حملها تبعا لها إذ هو متصل بها ولو أعتق الحمل خاصة عتق دونها لأنه لا وجه إلى إعتاقها مقصودا لعدم الإضافة إليها ولا إليه تبعا لما فيه من قلب الموضوع ثم إعتاق الحمل صحيح ولا يصح بيعه وهبته لأن التسليم نفسه شرط في الهبة والقدرة عليه في البيع ولم يوجد ذلك بالإضافة إلى الجنين وشيء من ذلك ليس بشرط في الإعتاق فافترقا ولو أعتق الحمل على مال صح ولا يجب المال إذ لا وجه إلى إلزام المال على الجنين لعدم الولاية عليه ولا إلى إلزامه الأم لأنه في حق العتق نفس على حدة واشتراط بدل العتق على غير المعتق لا يجوز على ما مر في الخلع وإنما يعرف قيام الحبل وقت العتق إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر منه لأنه أدنى مدة الحمل قال وولد الأمة من مولاها حر لأنه مخلوق من مائه فيعتق عليه هذا هو الأصل ولا معارض له فيه لأن ولد الأمة لمولاها وولدها من زوجها مملوك لسيدها لترجح جانب الأم باعتبار الحضانة أو لاستهلاك مائه بمائها والمنافاة متحققة والزوج قد رضي به بخلاف ولد المغرور لأن الوالد ما رضي به وولد الحرة حر على كل حال لأن جانبها راجح فيتبعها في وصف الحرية كما يتبعها في المملوكية والمرقوقية والتدبير وأمومية الولد والكتابة والله تعالى أعلم 2 باب العبد يعتق بعضه 2

قسم V02/P054–V02/P055

وإذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر ويسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يعتق كله وأصله أن الإعتاق يتجزأ عنده فيقتصر على ما أعتق وعندهما لا يتجزأ وهو قول الشافعي رحمه الله فإضافته إلى ا لبعض كإضافته إلى الكل فلهذا يعتق كله لهم أن الإعتاق إثبات العتق وهو قوة حكمية وإثباتها بإزالة ضدها وهو الرق الذي هو ضعف حكمي وهما لا يتجزآن فصار كالطلاق والعفو عن القصاص والاستيلاد ولأبي حنيفة رحمه الله أن الإعتاق إثبات العتق بإزالة الملك أو هو إزالة الملك لأن الملك حقه والرق حق الشرع أو حق العامة وحكم التصرف ما يدخل تحت ولاية المتصرف وهو إزالة حقه لا حق غيره والأصل أن التصرف يقتصر على موضع الإضافة والتعدي إلى ما وراءه ضرورة عدم التجزي والملك متجزي كما في البيع والهبة فيبقى على الأصل وتجب السعاية لاحتباس مالية البعض عند العبد والمستسعي بمنزلة المكاتب عنده لأن الإضافة إلى البعض توجب ثبوت المالكية في كله وبقاء الملك في بعضه يمنعه فعملنا بالدليلين بإنزاله مكاتبا إذ هو مالك يدا لا رقبة والسعاية كبدل الكتابة فله أن يستسعيه وله خيار أن يعتقه لأن المكاتب قابل للإعتاق غير أنه إذا عجز لا يرد إلى الرق لأنه إسقاط لا إلى أحد فلا يقبل الفسخ بخلاف الكتابة المقصودة لأنه عقد يقال ويفسخ وليس في الطلاق والعفو عن القصاص حالة متوسطة فأثبتناه في الكل ترجيحا للمحرم والاستيلاد متجزي عنده حتى لو استولد نصيبه من مدبرة يقتصر عليه وفي القنة لما ضمن نصيب صاحبه بالإفساد ملكه بالضمان فكمل الاستيلاد وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق فإن كان موسرا فشريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه وإن شاء استسعى العبد فإن ضمن رجع المعتق على العبد والولاء للمعتق وإن أعتق أو استسعى فالولاء بينهما وإن كان المعتق معسرا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد والولاء بينهما في بينهما في الوجهين وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ليس له إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار ولا يرجع المعتق على العبد والولاء للمعتق وهذه المسئلة تبتني على حرفين أحدهما تجزي الإعتاق وعدمه على ما بيناه والثاني أن يسار المعتق لا يمنع سعاية العبد عنده وعندهما يمنع لهما في الثاني قوله عليه الصلاة والسلام في الرجل يعتق نصيبه إن كان غنيا ضمن وإن كان فقيرا سعى في حصة الآخر قسم والقسمة تنافي الشركة وله أنه احتبست مالية نصيبه عند العبد فله أن يضمنه كما إذا هبت الريح في ثوب إنسان وألقته في صبغ غيره حتى انصبغ به فعلى صاحب الثوب قيمة صبغ الاخر موسرا كان أو معسرا لما قلنا فكذا ههنا إلا أن العبد فقير فيستسعيه ثم المعتبر يسار التيسير وهو أن يملك من المال قدر قيمة نصيب الآخر لإيسار الغني لأن به يعتدل النظر من الجانبين بتحقيق ما قصده المعتق من القربة وإيصال بدل حق الساكت إليه ثم التخريج على قولهما ظاهر فعدم رجوع المعتق بما ضمن على العبد لعدم السعاية عليه في حالة اليسار والولاء للمعتق لأن العتق كله من جهته لعدم التجزي

قسم V02/P055–V02/P057

وأما التخريج على قوله فخيار الإعتاق لقيام ملكه في الباقي إذ الإعتاق يتجزأ عنده والتضمين لأن المعتق جان عليه بإفساد نصيبه حيث امتنع عليه البيع والهبة ونحو ذلك مما سوى الإعتاق وتوابعه والاستسعاء لما بينا ويرجع المعتق بما ضمن على العبد لأنه قام مقام الساكت بأداء الضمان وقد كان له ذلك بالاستسعاء فكذلك للمعتق ولأنه ملكه بأداء الضمان ضمنا فيصير كأن الكل له وقد أعتق بعضه فله أن يعتق الباقي أو يستسعي إن شاء والولاء للمعتق في هذا الوجه لأن العتق كله من جهته حيث ملكه بأداء الضمان وفي حال إعسار المعتق إن شاء أعتق لبقاء ملكه وإن شاء استسعى لما بينا والولاء له في الوجهين لأن العتق من جهته ولا يرجع المستسعي على المعتق بما أدى بإجماع بيننا لأنه يسعى لفكاك رقبته أولا يقضي دينا على المعتق إذ لا شيء عليه لعسرته بخلاف المرهون إذا أعتقه الراهن المعسر لأنه يسعى في رقبة قد فكت أو يقضي دينا على الراهن فلهذا يرجع عليه وقول الشافعي رحمه الله في الموسر كقولهما وقال في المعسر يبقى نصيب الساكت على ملكه يباع ويوهب لأنه لا وجه إلى تضمين الشريك لإعساره ولا إلى السعاية لأن العبد ليس بجان ولا راض به ولا إلى إعتاق الكل للإضرار بالساكت فتعين ما عيناه قلنا إلى الاستسعاء سبيل لأنه لا يفتقر إلى الجناية بل تبتني السعاية على احتباس المالية فلا يصار إلى الجمع بين القوة الموجبة للمالكية والضعف السالب لها في شخص واحد قال ولو شهد كل واحد من الشريكين على صاحبه بالعتق سعى العبد لكل واحد منهما في نصيبه موسرين كانا أو معسرين عند أبي حنيفة رحمه الله وكذا إذا كان أحدهما موسرا والآخر معسرا لأن كل واحد منهما يزعم أن صاحبه أعتق نصيبه فصار مكاتبا في زعمه عنده وحرم عليه الاسترقاق فيصدق في حق نفسه فيمنع من استرقاقه ويستسعيه لأنا تيقنا بحق الاستسعاء كاذبا كان أو صادقا لأنه مكاتبه أو مملوكه فلهذا يستسعيانه ولا يختلف ذلك باليسار والإعسار لأن حقه في الحالين في أحد شيئين لأن يسار المعتق لا يمنع السعاية عنده وقد تعذر التضمين لإنكار الشريك فتعين الآخر وهو السعاية والولاء لهما لأن كلا منهما يقول عتق نصيب صاحبي عليه بإعتاقه وولاؤه له وعتق نصيبي بالسعاية وولاؤه لي وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إن كانا موسرين فلا سعاية عليه لأن كل واحد منهما يتبرأ عن سعايته بدعوى العتاق على صاحبه لأن يسار المعتق يمنع السعاية عندهما إلا أن الدعوى لم تثبت لإنكار الآخر والبراءة عن السعاية قد ثبتت لإقراره على نفسه وإن كانا معسرين سعى لهما لأن كل واحد منهما يدعي السعاية عليه صادقا كان أو كاذبا على ما بيناه إذ المعتق معسر وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا سعى للموسر منهما لأنه لا يدعي الضمان على صاحبه لإعساره وإنما يدعي عليه السعاية فلا يتبرأ عنه ولا يسعى للمعسر منهما لأنه يدعي الضمان على صاحبه ليساره فيكون مبرئا للعبد عن السعاية والولاء موقوف في جميع ذلك عندهما لأن كل واحد منهما يحيله على صاحبه وهو يتبرأعنه فيبقى موقوفا إلى أن يتفقا على إعتاق أحدهما ولو قال أحد الشريكين إن لم يدخل فلان هذه الدار غدا فهو حر وقال الآخر إن دخل فهو حر فمضى الغد ولا يدري أدخل أم لا عتق النصف وسعى لهما في النصف الآخر وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يسعى في جميع قيمته لأن المقضي عليه بسقوط السعاية مجهول ولا يمكن القضاء على المجهول فصار كما إذا قال لغيره لك على أحدنا ألف درهم فإنه لا يقضي بشيء للجهالة كذا هذا ولهما أنا تيقنا بسقوط نصف السعاية لأن أحدهما حانث بيقين ومع التيقن بسقوط النصف كيف يقضي بوجوب الكل والجهالة ترتفع بالشيوع والتوزيع كما إذا أعتق أحد عبديه لا بعينه أو بعينه ونسيه ومات قبل التذكر أو البيان ويتأتى التفريع فيه على أن اليسار هل يمنع السعاية أو لا يمنعها على الاختلاف الذي سبق

الأسئلة