Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله بجميع محامده ، والصلاة والسلام على محمد رسوله وآله وأصحابه ، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها ، والمختلف فيها بأدلتها ، والتنبيه على نكت الخلاف فيها ، ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع ، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا ، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها ، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد . وقبل ذلك فلنذكر كم أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وكم أصناف الأحكام الشرعية ، وكم أصناف الأسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما يمكننا في ذلك . فنقول :

قسم V01/P002

إن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة : إما لفظ ، وإما فعل ، وإما إقرار . وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام فقال الجمهور : إن طريق الوقوف عليه هو القياس . وقال أهل الظاهر : القياس في الشرع باطل . وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ودليل العقل يشهد بثبوته ، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية ، والنصوص والأفعال ، والإقرارات متناهية ، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى . وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام من السمع أربعة : ثلاثة متفق عليها ، ورابع مختلف فيه . أما الثلاثة المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه ، أو خاص يحمل على خصوصه ، أو لفظ عام يراد به الخصوص ، أو لفظ خاص يراد به العموم ، وفي هذا يدخل التنبيه بالأعلى على الأدنى ، وبالأدنى على الأعلى ، وبالمساوي على المساوي ؛ فمثال الأول قوله تعالى : ^ ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) ^ فإن المسلمين اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك ، مثل خنزير الماء ، ومثال العام يراد به الخاص قوله تعالى : ^ ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ^ . فإن المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع أنواع المال ؛ ومثال الخاص يراد به العام قوله تعالى : ^ ( فلا تقل لهما أف ) ^ وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك ، وهذه إما أن يأتي المستدعي بها فعله بصيغة الأمر ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر ، يراد به الأمر ، وكذلك المستدعي تركه ، إما أن يأتي بصيغة النهي ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر يراد به النهي ، وإذا أتت هذه الألفاظ بهذه الصيغ ، فهل يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب والمندوب إليه ، أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما ؟ فيه بين العلماء خلاف مذكور في كتب أصول الفقه ، وكذلك الحال في صيغ النهي هل تدل على الكراهية أو التحريم ، أو لا تدل على واحد منهما ؟ فيه الخلاف المذكور أيضا ، والأعيان التي يتعلق بها الحكم إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط ، وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص ، ولا خلاف في وجوب العمل به ، وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد ، وهذا قسمان : إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء ، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل ، ولا خلاف في أنه لا يوجب حكما ، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض ، وهذا يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا ، ويسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أقل محتملا ، وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التي هو أظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على المحتمل ، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع ، لكن ذلك من قبل ثلاثة معان : من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم ، ومن قبل الاشتراك في الألف واللام المقرونة بجنس تلك العين ، هل أريد بها الكل أو البعض ؟

قسم V01/P002–V01/P003

ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي ، وأما الطريق الرابع فهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفي ذلك الحكم عما عدا ذلك الشيء أو من نفي الحكم عن شيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفي عنه ، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب ، وهو أصل مختلف فيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ' في سائمة الغنم الزكاة ' فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة ؛ وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما ، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين قياس شبه ، وقياس علة ، والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام : أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس ، وإنما هو من باب دلالة اللفظ ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به ، وهما يلتبسان على الفقهاء كثير جدا . فمثال القياس إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد والصداق بالنصاب في القطع . وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم فمن باب الخاص أريد به العام ، فتأمل هذا فإن فيه غموضا . والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه . وأما الثاني فليس ينبغي لها أن تنازع فيه لأنه من باب السمع ، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب . وأما الفعل فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وقال قوم : الأفعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ ، والذين قالوا إنها تتلقى منها الأحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه ؛ فقال قوم : تدل على الوجوب ، وقال قوم : تدل على الندب ، والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب ، وإن أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب ؛ وإن لم تأت بيانا لمجمل ، فإن كانت من جنس القربة دلت على الندب ، وإن كانت من جنس لمباحات دلت على الإباحة ، وأما الإقرار فإنه يدل على الجواز فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام أو تستنبط . وأما الإجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة ، إلا أنه إذا وقع في واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع ، وليس الإجماع أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى واحد من هذه الطرق ، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضي إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة . وأما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين ، فهي بالجملة : إما أمر بشيء وإما نهي عنه ، وإما تخيير فيه . والأمر إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمي واجبا ، وإن فهم منه الثواب على الفعل وانتفى العقاب مع الترك سمي ندبا . والنهي أيضا إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمي محرما ومحظورا ، وإن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمي مكروها ، فتكون أصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذه الطرق خمسة : واجب ، ومندوب ، ومحظور ، ومكروه ، ومخير فيه وهو المباح . وأما أسباب الاختلاف بالجنس فستة : أحدها تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع : أعني بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص ، أو خاصا يراد به العام ، أو عاما يراد به العام ، أو خاصا يراد به الخاص ، أو يكون له دليل خطاب ، أو لا يكون له .

قسم V01/P003–V01/P004

والثاني الاشتراك الذي في الألفاظ ، وذلك إما في اللفظ المفرد كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحيض ، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو الندب ، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو الكراهية ؟ وإما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى : ^ ( إلا الذين تابوا ) ^ فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط ، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد ، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف . والثالث اختلاف الإعراب ، والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز ، التي هي إما الحذف ، وإما الزيادة ، وإما التقديم ، وإما التأخير ، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة . والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة ، مثل إطلاق الرقية في العتق تارة ، وتقييدها بالأيمان تارة . والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض ، وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات ، أو تعارض القياسات أنفسها ، أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة : أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس ، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس ، ومعارضة الإقرار للقياس .

قسم V01/P004–V01/P005

قال القاضي رضي الله عنه : وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء ، فلنشرع فيما قصدناه مستعينين بالله ، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم . بداية المجتهد ونهاية المقتصد كتاب الطهارة من الحدث فنقول إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان طهارة من الحدث وطهارة من الخبث واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف وضوء وغسل وبدل منهما وهو التيمم وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء فنقول كتاب الوضوء إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب الباب الأول في الدليل على وجوبها وعلى من تجب ومتى تجب الثاني في معرفة أفعالها الثالث في معرفة ما به تفعل وهو الماء الرابع في معرفة نواقضها الخامس في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها الباب الأول فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق الاية فإنه اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل وأما الإجماع فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف ولو كان هناك خلاف لنقل إذ العادات تقتضي ذلك وأما من تجب عليه فهو البالغ العاقل وذلك أيضا ثابت بالسنة والإجماع أما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق وأما الإجماع فإنه لم ينقل في ذلك خلاف واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي وأما متى تجب فإذا دخل وقت الصلاة وأراد الإنسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث فلا خلاف فيه لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الاية فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة ومن شروط الصلاة دخول الوقت وأما دليل وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء التي يفعل الوضوء من أجلها واختلاف الناس في ذلك الباب الثاني وأما معرفة فعل الوضوء فالأصل فيه ما ورد من صفته في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وما ورد من ذلك أيضا في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم في الاثار الثابتة ويتعلق بذلك مسائل اثنتا عشرة مشهورة تجري مجرى الأمهات وهي راجعة إلى معرفة الشروط والأركان وصفة الأفعال وأعدادها وتعيينها وتحديد محال أنواع أحكام جميع ذلك المسألة الأولى من الشروط اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات الحديث المشهور فذهب فريق منهم إلى أنها شرط وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وداود وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى وإنما يقصد بها القربة له فقط كالصلاة وغيرها وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية والوضوء فيه شبه من العبادتين ولذلك وقع الخلاف فيه وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به المسألة الثانية من الأحكام اختلف الفقهاء في غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء فذهب قوم إلى أنه من سنن الوضوء بإطلاق وإن تيقن طهارة اليد وهو مشهور مذهب مالك والشافعي

قسم V01/P005–V01/P006

وقيل إنه مستحب للشاك في طهارة يده وهو أيضا مروي عن مالك وقيل إن غسل اليد واجب على المنتبه من النوم وبه قال داود وأصحابه وفرق قوم بين نوم الليل ونوم النهار فأوجبوا ذلك في نوم الليل ولم يوجبوه في نوم النهار وبه قال أحمد فتحصل في ذلك أربعة أقوال 1 قول إنه سنة بإطلاق 2 وقول إنه استحباب للشاك 3 وقول إنه واجب على المنتبه من النوم 4 وقول إنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في مفهوم الثابت من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده وفي بعض رواياته فليغسلها ثلاثا فمن لم ير بين الزيادة الواردة في هذا الحديث على ما في آية الوضوء معارضة وبين آية الوضوء حمل لفظ الأمر ها ههنا على ظاهره من الوجوب وجعل ذلك فرضا من فروض الوضوء ومن فهم من هؤلاء من لفظ البيات نوم الليل أوجب ذلك من نوم الليل فقط ومن لم يفهم منه ذلك وإنما فهم منه النوم فقط أوجب ذلك على كل مستيقظ من النوم نهارا أو ليلا ومن رأى أن بين هذه الزيادة والاية تعارضا إذ كان ظاهر الاية المقصود منه حصر فروض الوضوء كان وجه الجمع بينهما عنده أن يخرج لفظ الأمر عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الندب ومن تأكد عنده هذا الندب لمثابرته عليه الصلاة والسلام على ذلك قال إنه من جنس السنن ومن لم يتأكد عنده هذا الندب قال إن ذلك من جنس المندوب المستحب وهؤلاء غسل اليد عندهم بهذه الحال إذا تيقنت طهارتها أعني من يقول إن ذلك سنة من يقول إنه ندب ومن لم يفهم من هؤلاء من هذا الحديث علة توجب عنده أن يكون من باب الخاص أريد به العام كان ذلك عنده مندوبا للمستيقظ من النوم فقط ومن فهم منه علة الشك وجعله من باب الخاص أريد به العام كان ذلك عنده للشاك لأنه في معنى النائم والظاهر من هذا الحديث أنه لم يقصد به حكم البدء في الوضوء وإنما قصد به حكم الماء الذي يتوضأ به إذا كان الماء مشترطا فيه الطهارة أما من نقل من غسله صلى الله عليه وسلم يديه قبل إدخالهما في الإناء في أكثر أحيانه فيحتمل أن يكون من حكم اليد على أن يكون غسلها في الابتداء من أفعال الوضوء ويحتمل أن يكون من حكم الماء أعني أن لا ينجس أو يقع فيه شك إن قلنا إن الشك مؤثر المسألة الثالثة من الأركان اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء على ثلاثة أقوال قول إنهما سنتان في الوضوء وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وقول إنهما فرض فيه وبه قال ابن أبي ليلى وجماعة من أصحاب داود وقول إن الاستنشاق فرض والمضمضة سنة وبه قال أبو ثور وأبو عبيدة وجماعة من أهل الظاهر وسبب اختلافهم في كونها فرضا أو سنة اختلافهم في السنن الواردة في ذلك هل هي زيادة تقتضي معارضة آية الوضوء أو لا تقتضي ذلك فمن رأى أن هذه الزيادة إن حملت على الوجوب اقتضت معارضة الاية إذ المقصود من الاية تأصيل هذا الحكم وتبيينه أخرجها من باب الوجوب إلى باب الندب ومن لم ير أنها تقتضي معارضة حملها على الظاهر من الوجوب ومن استوت عنده هذه الأقوال والأفعال في حملها على الوجوب لم يفرق بين المضمضة والاستنشاق ومن كان عنده القول محمولا على الوجوب والفعل محمولا على الندب فرق بين المضمضة والاستنشاق وذلك أن المضمضة نقلت من فعله عليه الصلاة والسلام ولم تنقل من أمره وأما الاستنشاق فمن أمره عليه الصلاة والسلام وفعله وهو قوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر ومن استجمر فليوتر خرجه مالك في موطئه و البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة

قسم V01/P006–V01/P008

المسألة الرابعة من تحديد المحال اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم واختلفوا منه في ثلاثة مواضع في غسل البياض الذي بين العذار والأذن وفي غسل ما انسدل من اللحية وفي تخليل اللحية فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه وقد قيل في المذهب بين الأمرد والملتحي فيكون في المذهب ثلاثة أقوال وقال أبو حنيفة والشافعي هو من الوجه وأما ما انسدل من اللحية فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه ولم يوجبه أبو حنيفة ولا الشافعي في أحد قوليه وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين أعني هل يتناولهما أو لا يتناولهما وأما تخليل اللحية فمذهب مالك أنه ليس واجبا وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الوضوء وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الاثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية والأكثر على أنها غير صحيحة مع أن الاثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء منها التخليل المسألة الخامسة من التحديد اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء لقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق واختلفوا في إدخال المرافق فيها فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها وذهب بعض أهل الظاهر وبعض متأخري أصحاب مالك والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف إلى وفي اسم اليد في كلام العرب وذلك أن حرف إلى مرة يدل في كلام العرب على الغاية ومرة يكون بمعنى مع واليد أيضا في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان على الكف فقط وعلى الكف والذراع وعلى الكف والذراع والعضد فمن جعل إلى بمعنى مع أو فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل ومن فهم من إلى الغاية ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلهما في الغسل وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى كذلك ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل اليسرى كذلك ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل وإن كانت إلى في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى مع وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب والمسألة محتملة كما ترى وقد قال قوم إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه المسألة السادسة من التحديد اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء واختلفوا في القدر المجزىء منه فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث ومنهم من حده بالثلثين وأما أبو حنيفة فحده بالربع وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح فقال إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ولا في الممسوح حدا وأصل هذاالإختلاف الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى تنبت بالدهن على قراءة من قرأ تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل أخذت بثوبه وبعضده ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب أعني كون الباء مبعضة وهو قول الكوفيين من النحويين

قسم V01/P008–V01/P009

فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكدة ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة خرجه مسلم وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضا احتمال آخر وهو هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها المسألة السابعة من الأعداد اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما لما صح أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ولأن الأمر ليس يقتضي إلا الفعل مرة مرة أعني الأمر الوارد في الغسل في آية الوضوء واختلفوا في تكرير مسح الرأس هل هو فضيلة أم ليس في تكريره فضيلة فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا يمسح رأسه أيضا ثلاثا وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد إذا أتت من طريق واحد ولم يرها الأكثر وذلك أن أكثر الأحاديث التي روي فيها أنه نه مسح واحدة فقط وفي بعض الروايات عن عثمان في صفة وضوئه أنه عليه الصلاة والسلام مسح برأسه ثلاثا وعضد الشافعي وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما روي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وذلك أن المفهوم من عموم هذا اللفظ وإن كان من لفظ الصحابي هو حمله على سائر أعضاء الوضوء إلا أن هذه الزيادة ليست في الصحيحين فإن صحت يجب المصير إليها لأن من سكت عن شيء ليس هو بحجة على من ذكره وأكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الأعضاء وروي عن ابن الماجشون أنه قال إذا نفد الماء مسح رأسه ببلل لحيته وهو اختيار ابن حبيب ومالك والشافعي ويستحب في صفة المسح أن يبدأ بمقدم الرأس فيمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ على ما في حديث عبد الله بن زيد الثابت وبعض العلماء يختار أن يبدأ من مؤخر الرأس وذلك أيضا مروي من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام من حديث الربيع بنت معوذ إلا أنه لم يثبت في الصحيحين المسألة الثامنة من تعيين المحال اختلف العلماء في المسح على العمامة فأجاز ذلك أحمد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام وجماعة ومنع من ذلك جماعة منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في وجوب العمل بالأثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة وغيره أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته وعلى العمامة وقياسا على الخف ولذلك اشترط أكثرهم لبسها على طهارة وهذا الحديث إنما رده من رده إما لأنه لم يصح عنده وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه عنده أعني الأمر فيه بمسح الرأس وإما لأنه لم يشتهر العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الاحاد وبخاصة في المدينة على المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل وهو حديث خرجه مسلم وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه حديث معلول وفي بعض طرقه أنه مسح على العمامة ولم يذكر الناصية ولذلك لم يشترط بعض العلماء في المسح على العمامة المسح على الناصية إذ لا يجتمع الأصل والبدل في فعل واحد المسألة التاسعة من الأركان اختلفوا في مسح الأذنين هل هو سنة أو فريضة وهل يجدد لهما الماء أم لا فذهب بعض الناس إلى أنه فريضة وأنه يجدد لهما الماء وممن قال بهذا القول جماعة من أصحاب مالك ويتأولون مع هذا أنه مذهب مالك لقوله فيهما إنهما من الرأس وقال أبو حنيفة وأصحابه مسحهما فرض كذلك إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد وقال الشافعي مسحهما سنة ويجدد لهما الماء وقال بهذا القول جماعة أيضا من أصحاب مالك ويتأولون أيضا أنه قوله لما روي عنه أنه قال حكم مسحهما حكم المضمضة

قسم V01/P009–V01/P010

وأصل اختلافهم في كون مسحهما سنة أو فرضا اختلافهم في الاثار الواردة بذلك أعني مسحه عليه الصلاة والسلام أذنيه هل هي زيادة على ما في الكتاب من مسح الرأس فيكون حكمهما أن يحمل على الندب لمكان التعارض الذي يتخيل بينها وبين الاية إن حملت على الوجوب أم هي مبينة للمجمل الذي في الكتاب فيكون حكمهما حكم الرأس في الوجوب فمن أوجبهما جعلها مبينة لمجمل الكتاب ومن لم يوجبهما جعلها زائدة كالمضمضة والاثار الواردة بذلك كثيرة وإن كانت لم تثبت في الصحيحين فهي قد اشتهر العمل بها وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما فسببه تردد الأذنين بين أن يكونا عضوا مفردا بذاته من أعضاء الوضوء أو يكونا جزءا من الرأس وقد شذ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه وذهب آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع الرأس ويغسل ظاهرهما مع الوجه وذلك لتردد هذا العضو بين أن يكون جزءا من الوجه أو جزءا من الرأس وهذا لا معنى له مع اشتهار الاثار في ذلك بالمسح واشتهار العمل به والشافعي يستحب فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس المسألة العاشرة من الصفات اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء واختلفوا في نوع طهارتهما فقال قوم طهارتهما الغسل وهم الجمهور وقال قوم فرضهما المسح وقال قوم بل طهارتهما تجوز بالنوعين الغسل والمسح وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء أعني قراءة من قرأ وأرجلكم بالنصب عطفا على المغسول وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفا على الممسوح وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل وقراءة الخفض ظاهرة في المسح كظهور تلك في الغسل فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين إما الغسل وإما المسح ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدل من الثانية على ظاهرها أيضا جعل ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين وغير ذلك وبه قال الطبري وداود وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى إذ كان ذلك موجودا في كلام العرب مثل قول الشاعر لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوا في المحور والقطر بالخفض ولو عطف على المعنى لرفع القطر وأما الفريق الثاني وهم الذين أوجبوا المسح فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه عليه الصلاة والسلام إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء ويل للأعقاب من النار قالوا فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب وهذا ليس فيه حجة لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الأمرين وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرجه أيضا مسلم أنه قال فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح فهو أدل على جوازه منه على منعه لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة بل سكت لمسح أيضا مروي عن بعض الصحابة والتابعين ولكن من طريق المعنى الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالبا إلا بالغسل وينقى دنس الرأس بالمسح وذلك أيضا غالب والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معنيين معنى مصلحيا ومعنى عباديا وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس

قسم V01/P010–V01/P012

وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح أو في الغسل عند من أجاز المسح وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف إلى أعني في قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في قوله تعالى إلى المرافق لكن الاشتراك وقع هنالك من جهتين من اشتراك اسم اليد ومن اشتراك حرف إلى وهنا من قبل اشتراك حرف إلى فقط وقد اختلفوا في الكعب ما هو وذلك لاشتراك اسم الكعب واختلاف أهل اللغة في دلالته فقيل هما العظمان اللذان عند معقد الشراك وقيل هما العظمان الناتئان في طرف الساق ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك إذ كانا جزءا من القدم لذلك قال قوم إنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخلت الغاية فيه أعني الشيء الذي يدل عليه حرف إلى وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل المسألة الحادية عشرة من الشروط اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الاية فقال قوم هو سنة وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب وبه قال أبو حنيفة والثوري وداود وقال قوم هو فريضة وبه قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند مالك مستحب وقال أبو حنيفة هو سنة وسبب اختلافهم شيئان أحدهما الاشتراك الذي في واو العطف وذلك أنه قد المرتبة وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين فقال نحاة البصرة ليس تقتضي نسقا ولا ترتيبا وإنما تقتضي الجمع فقط وقال الكوفيون بل تقتضي النسق والترتيب فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه والسبب الثاني اختلافهم في أفعاله عليه الصلاة والسلام هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ قط إلا مرتبا ومن حملها على الندب قال إن الترتيب سنة ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة ومن لم يفرق قال إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة المسألة الثانية عشرة من الشروط اختلفوا في الموالاة في أفعال الوضوء فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة ساقطة مع النسيان ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الموالاة ليست من واجبات الوضوء والسبب في ذلك الاشتراك الذي في الواو أيضا وذلك قد يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض وقد يعطف بها الأشياء المتراخية بعضها عن بعض وقد احتج قوم لسقوط الموالاة بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ في أول طهوره ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة أيضا في الاختلاف في حمل الأفعال على الوجوب أو على الندب وإنما فرق مالك بين العمد والنسيان لأن الناسي الأصل فيه في الشرع أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وكذلك العذر يظهر من أمر الشرع أن له تأثيرا في التخفيف وقد ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء واحتجوا لذلك بالحديث المرفوع وهو قوله عليه الصلاة والسلام لا وضوء لمن لم يسم الله وهذا الحديث لم يصح عند أهل النقل وقد حمله بعضهم على أن المراد به النية وبعضهم حمله على الندب فيما أحسب فهذه مشهورات المسائل التي تجري من هذا الباب مجرى الأصول وهي كما قلنا متعلقة إما بصفات أفعال هذه الطهارة وإما بتحديد مواضعها وإما بتعريف شروطها وأركانها وسائر ما ذكر ومما يتعلق بهذا الباب مسح الخفين إذ كان من أفعال الوضوء

قسم V01/P012–V01/P013

والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل بالنظر في جوازه وفي تحديد محله وفي تعيين محله وفي صفته أعني صفة المحل وفي توقيته وفي شروطه وفي نواقضه المسألة الأولى فأما الجواز ففيه ثلاثة أقوال القول المشهور أنه جائز على الإطلاق وبه قال جمهور فقهاء الأمصار والقول الثاني جوازه في السفر دون الحضر والقول الثالث منع جوازه بإطلاق وهو أشدها والأقاويل الثلاثة مروية عن الصدر الأول وعن مالك والسبب في اختلافهم ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الأمر بغسل الأرجل للاثار التي وردت في المسح مع تأخر آية الوضوء وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الأول فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الاثار وهو مذهب ابن عباس واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم حديث جرير وذلك أنه روى أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على الخفين فقيل له إنما كان ذلك قبل نزول المائدة فقال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة وقال المتأخرون القائلون بجوازه ليس بين الاية والاثار تعارض لأن الأمر بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له والرخصة إنما هي للابس الخف وقيل إن تأويل قراءة الأرجل بالخفض هو المسح على الخفين وأما من فرق بين السفر والحضر فلأن أكثر الاثار الصحاح الواردة في مسحه عليه الصلاة والسلام إنما كانت في السفر مع أن السفر مشعر بالرخصة والتخفيف والمسح على الخفين هو من باب التخفيف فإن نزعه مما يشق على المسافر المسألة الثانية وأما تحديد المحل فاختلف فيه أيضا فقهاء الأمصار فقال قوم إن الواجب من ذلك مسح أعلى الخف وأن مسح الباطن أعني أسفل الخف مستحب ومالك أحد من رأى هذا والشافعي ومنهم من أوجب مسح ظهورهما وبطونهما وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ولم يستحب مسح البطون وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة وشذ أشهب فقال إن الواجب مسح الباطن أو الأعلى أيهما مسح وسبب اختلافهم تعارض الاثار الواردة في ذلك وتشبيه المسح بالغسل وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين أحدهما حديث المغيرة بن شعبة وفيه أنه صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وباطنه والاخر حديث علي لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين حمل حديث المغيرة على الاستحباب وحديث علي على الوجوب وهي طريقة حسنة ومن ذهب مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي وإما بحديث المغيرة فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس أعني قياس المسح على الغسل ومن رجح حديث علي رجحه من قبل مخالفته للقياس أو من جهة السند والأسد في هذه المسألة هو مالك وأما من أجاز الاقتصار على مسح الباطن فقط فلا أعلم له حجة لأنه لا هذا الأثر اتبع ولا هذا القياس استعمل أعني قياس المسح على الغسل المسألة الثالثة وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفين واختلفوا في المسح على الجوربين فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري وسبب اختلافهم في صحة الاثار الواردة عنه عليه الصلاة والسلام أنه مسح على الجوربين والنعلين واختلافهم أيضا في هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه ومن صح عنده الأثر أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين وهذا الأثر لم يخرجه الشيخان أعني البخاري ومسلم وصححه الترمذي ولتردد الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد عن مالك في المسح عليهما روايتان إحداهما بالمنع والأخرى بالجواز

قسم V01/P013–V01/P014

المسألة الرابعة وأما صفة الخف فإنهم اتفقوا على جواز المسح على الخف الصحيح واختلفوا في المخرق فقال مالك وأصحابه يمسح عليه إذا كان الخرق يسيرا أقل من ثلاثة أصابع وقال قوم بجواز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى خفا وإن تفاحش خرقه وممن روي عنه ذلك الثوري ومنع الشافعي أن يكون في مقدم الخف خرق يظهر منه القدم ولو كان يسيرا في أحد القولين عنه وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في انتقال الفرض من الغسل إلى المسح هل هو لموضع الستر أعني ستر خف القدمين أم هو لموضع المشقة في نوع الخفين فمن رآه لموضع الستر لم يجز المسح على الخف المنخرق لأنه إذا انكشف من القدم شيء انتقل فرضها من المسح إلى الغسل ومن رأى أن العلة في ذلك المشقة لم يعتبر الخرق ما دام يسمى خفا وأما التفريق بين الخرق الكثير واليسير فاستحسان ورفع للحرج وقال الثوري كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم هذه المسألة هي مسكوت عنها فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم المسألة الخامسة وأما التوقيت فإن الفقهاء أيضا اختلفوا فيه فرأى مالك أن ذلك غير مؤقت وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصيبه جنابة وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ذلك مؤقت والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار في ذلك وذلك أنه ورد في ذلك ثلاثة أحاديث أحدها حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم أخرجه مسلم والثاني حديث أبي بن عمارة أنه قال يا رسول الله أأمسح على الخف قال نعم قال وثلاثة قال نعم حتى بلغ سبعا ثم قال امسح ما بدا لك خرجه أبو داود والطحاوي الثالث حديث صفوان بن عسال قال كنا في سفر فأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من بول أو نوم أو غائط أما حديث علي فصحيح خرجه مسلم وأما حديث أبي بن عمارة فقال فيه أبو عمرابن عبد البر إنه حديث لا يثبت وليس له إسناد قائم ولذلك ليس ينبغي أن يعارض به حديث علي وأما حديث صفوان بن عسال فهو وإن كان لم يخرجه البخاري ولا مسلم فإنه قد صححه قوم من أهل العلم بالحديث الترمذي وأبو محمد بن حزم وهو بظاهره معارض بدليل الخطاب لحديث أبي كحديث علي وقد يحتمل أن يجمع بينهما بأن يقال إن حديث صفوان وحديث علي خرجا مخرج السؤال عن التوقيت وحديث أبي بن عمارة نص في ترك التوقيت لكن حديث أبي لم يثبت بعد فعلى هذا يجب العمل بحديثي علي وصفوان وهو الأظهر إلا أن دليل الخطاب فيهما يعارضه القياس وهو كون التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة لأن النواقض هي الأحداث المسألة السادسة وأما شرط المسح على الخفين فهوأن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافا شاذا وقد روي عن ابن القاسم عن مالك ذكره ابن لبابة في المنتخب وإنما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة وغيره إذا أراد أن ينزع الخف عنه فقال عليه الصلاة والسلام دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل يمسح عليهما فمن لم ير أن الترتيب واجب ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك ومن رأى أن الترتيب واجب وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع أعضاء الطهارة لم يجز ذلك وبالقول الأول قال أبو حنيفة وبالقول الثاني قال الشافعي ومالك

قسم V01/P014–V01/P016

إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة وقد قال عليه الصلاة والسلام وهما طاهرتان فأخبر عن الطهارة الشرعية وفي بعض روايات المغيرة إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما وعلى هذه الأصول يتفرع الجواب فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه وقبل أن يغسل الأخرى فقال مالك لا يمسح على الخفين لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق وقال أبو حنيفة والثوري والمزي والطبري وداود يجوز له المسح وبه قال جماعة من أصحاب مالك منهم مطرف وغيره وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية ثم لبسها جاز له المسح وهل من شرط المسح على الخف أن لا يكون على خف آخر عن مالك فيه قولان وسبب الخلاف هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذا ستره الخف كذلك تنتقل طهارة الخف الأسفل الواجبة إلى الخف الأعلى فمن شبه النقلة الثانية بالأولى أجاز المسح على الخف الأعلى ومن لم يشبهها بها وظهر له الفرق لم يجز ذلك المسألة السابعة فأما نواقض هذه الطهارة فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء بعينها واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا فقال قوم إن نزعه ما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه وممن قال بذلك مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة إلا أن مالك رأى أنه إن أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة على الشرط الذي تقدم وقال قوم طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل وممن قال بهذا القول داود وابن أبي ليلى قال الحسن بن حي إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين وهذه المسألة هي مسكوت عنها وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين فإن قلنا هو أصل بذاته فالطهارة باقية وإن نزع الخفين كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما وإن قلنا إنه بدل فيحتمل أن يقال إذا نزع الخف بطلت الطهارة وإن كنا نشترط الفور ويحتمل أن يقال إن غسلهما أجزأت الطهارة إذا لم يشترط الفور وأما اشتراط الفور من حين نزع الخف فضعيف وإنما هو شيء يتخيل فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الباب الباب الثالث في المياه والأصل في وجوب الطهارة بالمياه قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وقوله فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها إلا ماء البحر فإن فيه خلافا في الصدر الأول شاذا وهم محجوجون بتناول اسم الماء المطلق له وبالأثر الذي خرجه مالك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو وإن كان حديثا مختلفا في صحته فظاهر الشرع يعضده وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبا أنه لا يسلب صفة الطهارة والتطهير إلا خلافا شاذا روى في الماء الآجن عن ابن سيرين وهو أيضا محجوج يتناول اسم الماء المطلق له واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه أو لونه أو ريحه أو أكثر من واحدة من هذه الأوصاف أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه وأنه طاهر فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب واختلفوا من ذلك في ست مسائل تجري مجرى القواعد والأصول لهذا الباب المسألة الأولى اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فقال قوم هو طاهر سواء أكان كثيرا أو قليلا وهي إحدى الروايات عن مالك وبه قال أهل الظاهر

قسم V01/P016–V01/P017

وقال قوم بالفرق بين القليل والكثير فقالوا إن كان قليلا كان نجسا وإن كان كثيرا لم يكن نجسا وهؤلاء اختلفوا في الحد بين القليل والكثير فذهب أبو حنيفة إلى أن الحد في هذا هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هجر وذلك نحو من خمسمائة رطل ومنهم من لم يحد في ذلك حدا ولكن قال إن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه وهذا أيضا مروي عن مالك وقد روي أيضا أن هذا الماء مكروه فيتحصل عن مالك في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة ثلاثة أقوال قول إن النجاسة تفسده وقول إنها لا تفسده إلا أن يتغير أحد أوصافه وقول إنه مكروه ويسبب اختلافهم في ذلك هو تعارض ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك وذلك أن حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من نومه الحديث يفهم من ظاهره أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء وكذلك أيضا حديث أبي هرير الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه فإنه يوهم بظاهره أيضا أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء وكذلك ما ورد من النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم وأما حديث أنس الثابت أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها فصاح به الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء فصب على بوله فظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء إذ معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب وحديث أبي سعيد الخدري كذلك أيضا خرجه أبو داود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له إنه يستقي من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذرة االناس فقال النبي عليه الصلاة والسلام إن الماء لا ينجسه شيء فرام العلماء الجمع بين هذه الأحاديث واختلفوا في طريق الجمع فاختلفت لذلك مذاهبهم فمن ذهب إلى القول بظاهر حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد قال إن حديثي أبي هريرة غير معقولي المعنى وامتثال ما تضمناه عبادة لا لأن ذلك الماء بنجس حتى أن الظاهرية أفرطت في ذلك فقالت لو صب البول إنسان في ذلك الماء من قدح لما كره الغسل به والوضوء فجمع بينهما على هذا الوجه من قال هذا القول ومن كره الماء القليل تحله النجاسة اليسيرة جمع بين الأحاديث فإنه حمل حديثي أبي هريرة على الكراهية وحمل حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد على ظاهرهما أعني على الإجزاء وأما الشافعي وأبو حنيفة فجمعا بين حديثي أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري بأن حملا حديثي أبي هريرة على الماء القليل وحديث أبي سعيد على الماء الكثير وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك الذي يجمع الأحاديث هو ما ورد في حديث عبد اللهابن عمر عن أبيه وخرجه أبو داود والترمذي وصححه أبو محمد بن حزم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا وأما أبو حنيفة فذهب إلى أن الحد في ذلك من جهة القياس وذلك أنه اعتبر سريان النجاسة في جميع الماء بسريان الحركة فإذا كان الماء بحيث يظن أن النجاسة لا يمكن فيها أن تسري في جميعه فالماء طاهر لكن من ذهب هذين المذهبين فحديث الأعرابي المشهور معارض له ولا بد فلذلك لجأت الشافعية إلى أن فرقت بين ورود الماء على النجاسة وورودها على الماء فقالوا إن ورد عليها الماء كما في حديث الأعرابي لم ينجس وإن وردت النجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس

قسم V01/P017–V01/P018

وقال جمهور الفقهاء هذا تحكم وله إذا تؤمل وجه من النظر وذلك أنهم إنما صاروا إلى الإجماع على أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر في الماء الكثير إذا كان الماء الكثير بحيث يتوهم أن النجاسة لا تسري في جميع أجزائه وأنه يستحيل عينها عن الماء الكثير وإذا كان ذلك كذلك فلا يبعد أن قدرا ما من الماء لوحله قدر ما من النجاسة لسرت فيه ولكان نجسا فإذا ورد ذلك الماء على النجاسة جزءا فجزءا فمعلوم أنه تفنى عين تلك النجاسة وتذهب قبل فناء ذلك الماء وعلى هذا فيكون آخر جزء ورد من ذلك الماء قد طهر المحل لأن نسبته إلى ما ورد عليه مما بقى من النجاسة نسبة الماء الكثير إلى القليل من النجاسة ولذلك كان العلم يقع في هذه الحال بذهاب عين النجاسة أعني في وقوع الجزء الأخير الطاهر على آخر جزء يبقى من عين النجاسة ولهذا أجمعوا على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب أو البدن واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القدر من الماء وأولى المذاهب عندي وأحسنها طريقة في الجمع هو أن يحمل حديث أبي هريرة وما في معناه على الكراهية وحديث أبي سعيد وأنس على الجواز لأن هذا التأويل يبقى مفهوم الأحاديث على ظاهرها أعني حديثي أبي هريرة من أن المقصود بها تأثير النجاسة في الماء وحد الكراهية عندي هو ما تعافه النفس وترى أنه ماء خبيث وذلك أن ما يعاف الإنسان شربه يجب أن يجتنب استعماله في القربة إلى الله تعالى وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخله وأما من احتج بأنه لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء لما كان الماء يطهر أحدا أبدا إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشيء النجس المقصود تطهيره أبدا نجسا فقول لا معنى له لما بيناه من أن نسبة آخر جزء يرد من الماء على آخر جزء يبقى من النجاسة في المحل نسبة الماء الكثير إلى النجاسة القليلة وإن كان يعجب به كثير من المتأخرين فإنا نعلم قطعا أن الماء الكثير يحيل النجاسة ويقلب عينها إلى الطهارة ولذلك أجمع العلماء على أن الماء الكثير لا تفسده النجاسة القليلة فإذا تابع الغاسل صب الماء على المكان النجس أو العضو النجس فيحيل الماء ضرورة عين النجاسة بكثرته ولا فرق بين الماء الكثير أن يرد على النجاسة الواحدة بعينها دفعة أو يرد عليها جزءا بعد جزء فإذن هؤلاء إنما احتجوا بموضع الإجماع على موضع الخلاف من حيث لم يشعروا بذلك والموضعان في غاية التباين لمسألة من سبب اختلاف الناس فيها وترجيح أقوالهم فيها ولوددنا لو أن سلكنا في كل مسألة هذا المسلك لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا وربما عاق الزمان عنه وأن الأحوط هو أن نؤم الغرض الأول الذي قصدناه فإن يسر الله تعالى فيه وكان لنا انفساح من العمر فسيتم هذا الغرض المسألة الثانية الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الأشياء الطاهرة التي تنفك منه غالبا متى غيرت أحد أوصافه فإنه طاهر عند جميع العلماء غير مطهر عند مالك والشافعي ومطهر عند أبي حنيفة ما لم يكن التغير عن طبخ وسبب اختلافهم هو خفاء تناول اسم الماء المطلق للماء الذي خالطه أمثال هذه الأشياء أعني هل يتناوله أو لا يتناوله فمن رأى أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق وإنما يضاف إلى الشيء الذي خالطه فيقال ماء كذا لا ماء مطلق لم يجز الوضوء به إذ كان الوضوء إنما يكون بالماء المطلق ومن رأى أنه يتناوله اسم الماء المطلق أجاز به الوضوء ولظهور عدم تناول اسم الماء للماء المطبوخ مع شيء طاهر اتفقوا على أنه لا يجوز الوضوء به وكذلك في مياه النبات المستخرجة منه إلا ما في كتاب ابن شعبان من إجازة طهر الجمعة بماء الورد

قسم V01/P018–V01/P020

والحق أن الاختلاط يختلف بالكثرة والقلة فقد يبلغ من الكثرة إلى حد لا يتناوله اسم المطلق مثل ما يقال ماء الغسل وقد لا يبلغ إلى ذلك الحد وبخاصة متى تغيرت منه الريح فقط ولذلك لم يعتبر الريح قوم ممن منعوا الماء المضاف وقد قال عليه الصلاة والسلام لأم عطية عند أمره أياها بغسل ابنته اغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور فهذا ماء مختلط ولكنه لم يبلغ من الاختلاط بحيث يسلب عنه اسم الماء في المخالطة والقلة والفرق بينهما فأجازه مع القلة وإن ظهرت الأوصاف ولم يجزه مع الكثرة المسألة الثالثة الماء المستعمل في الطهارة اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال فقوم لم يجيزوا الطهارة به على كل حال وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وقوم كرهوه ولم يجيزوا التيمم مع وجوده وهو مذهب مالك وأصحابه وقوم لم يروا بينه وبين الماء المطلق فرقا وبه قال أبو ثور وداود وأصحابه وشذ أبو يوسف فقال إنه نجس وسبب الخلاف في هذا أيضا ما يظن من أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق حتى إن بعضهم غلا فظن أن اسم الغسالة أحق به من اسم الماء وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصحابه يقتتلون على فضل وضوئه ولا بد أن يقع من الماء المستعمل في الإناء الذي بقى فيه الفضل وبالجملة فهو ماء مطلق لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي تغسل به فإن انتهى إلى ذلك فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه بشيء طاهر وإن كان هذا تعافه النفوس أكثر وهذا لحظ من كرهه وأما من زعم أنه نجس فلا دليل معه المسألة الرابعة اتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا كثيرا فمنهم من زعم أن كل حيوان طاهر السؤر ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير فقط وهذان القولان مرويان عن مالك ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير والكلب وهو مذهب الشافعي ومنهم من استثنى من ذلك السباع عامة وهو مذهب ابن القاسم ومنهم من ذهب إلى أن الأسآر تابعة للحوم فإن كانت اللحوم محرمة فالأسآر نجسة وإن كانت مكروهة فالأسآر مكروهة وإن كانت مباحة فالأسآر طاهرة وأما سؤر المشرك فقيل إنه نجس وقيل إنه مكروه إذا كان يشرب الخمر وهو مذهب ابن القاسم وكذلك عنده جميع أسآر الحيوانات التي لا تتوقى النجاسة غالبا مثل الدجاج المخلاة والإبل الجلالة والكلاب المخلاة وسبب اختلافهم في ذلك هو ثلاثة أشياء أحدها معارضة القياس لظاهر الكتاب والثاني معارضتة لظاهر الاثار والثالث معارضة الاثار بعضها بعضا في ذلك أما القياس فهو أنه لما كان الموت من غير ذكاة هو سبب نجاسة عين الحيوان بالشرع وجب أن تكون الحياة هي سبب طهارة عين الحيوان وإذا كان ذلك كذلك فكل حي طاهر العين وكل طاهر العين فسؤره طاهر وأما ظاهر الكتاب فإنه عارض هذا القياس في الخنزير والمشرك وذلك أن الله تعالى يقول في الخنزير فإنه رجس وما هو رجس في عينه فهو نجس لعينه ولذلك استثنى قوم من الحيوان الحي الخنزير فقط ومن لم يستثنه حمل قوله رجس على جهة الذم له وأما المشرك ففي قوله تعالى إنما المشركون نجس فمن حمل هذا أيضا على ظاهره استثنى من مقتضى ذلك في القياس المشركين ومن أخرجه مخرج الذم لهم طرد قياسه وأما الاثار فإنها عارضت هذا القياس في الكلب والهر والسباع أما الكلب فحديث أبي هريرة المتفق على صحته وهو قوله عليه الصلاة والسلام إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات وفي بعض طرقه أولاهن بالتراب وفي بعضها وعفروه الثامنة بالتراب وأما الهر فما رواه قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين وقرة ثقة عند أهل الحديث

قسم V01/P020–V01/P021

وأما السباع فحديث ابن عمر المتقدم عن أبيه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا وأما تعارض الاثار في هذا الباب فمنها أنه روي عنه أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها الكلاب والسباع فقال لها ما حملت في بطونها ولكم ما غير شرابا وطهورا ونحو هذا حديث عمر الذي رواه مالك في موطئه وهو قوله يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا وحديث أبي قتادة أيضا الذي خرجه مالك أن كبشة سكبت له وضوءا فجاءت هرة لتنشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات فاختلف العلماء في تأويل هذه الاثار ووجه جمعها مع القياس المذكور فذهب مالك بالأمر بإراقة سؤر الكلب وغسل الإناء منه إلى أن ذلك عبادة غير معللة وأن الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس ولم ير إراقة ما عدا الماء من الأشياء التي يلغ فيها الكلب في المشهور عنه وذلك كما قلنا لمعارضة ذلك القياس له ولأنه ظن أيضا أنه إن فهم منه أن الكلب نجس العين عارضه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم يريد أنه لو كان نجس العين لنجس الصيد بمماسته وأيد هذا التأويل بما جاء في غسله من العدد والنجاسات ليس يشترط في غسلها العدد فقال إن هذا الغسل إنما هو عبادة ولم يعرج على سائر تلك الاثار لضعفها عنده وأما الشافعي فاستثنى الكلب من الحيوان الحي ورأى أن ظاهر هذا الحديث يوجب نجاسة سؤره وأن لعابه هو النجس لا عينه فيما أحسب وأنه يجب أن يغسل الصيد منه وكذلك استثنى الخنزير لمكان الاية المذكورة وأما أبو حنيفة فإنه زعم أن المفهوم من تلك الاثار الواردة بنجاسة سؤر السباع والهر والكلب هو من قبل تحريم لحومها وأن هذا من باب الخاص أريد به العام فقال الأسآر تابعة للحوم الحيوان وأما بعض الناس فاستثنى من ذلك الكلب والهر والسباع على ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك وأما بعضهم فحكم بطهارة سؤر الكلب والهر فاستثنى من ذلك السباع فقط وأما سؤر الكلب فللعدد المشترط في غسله ولمعارضة ظاهر الكتاب له ولمعارضة حديث أبي قتادة له إذ علل عدم نجاسة الهرة من قبل أنها من الطوافين والكلب طواف وأما الهرة فمصيرا إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث قرة عن ابن سيرين وترجيح حديث ابن عمر على حديث عمر وما ورد في معناه لمعارضة حديث أبي قتادة له بدليل الخطاب وذلك أنه لما علل عدم النجاسة في الهرة بسبب الطواف فهم منه أن ما ليس بطواف وهي السباع فأسآرها محرمة وممن ذهب هذا المذهب ابن القاسم وأما أبو حنيفة فقال كما قلنا بنجاسة سؤر الكلب ولم ير العدد في غسله شرطا في طهارة الإناء الذي ولغ فيه لأنه عارض ذلك عنده القياس في غسل النجاسات أعني أن المعتبر فيها إنما هو إزالة العين فقط وهذا على عادته في رد أخبار الاحاد لمكان معارضة الأصول لها قال القاضي فاستعمل من هذا الحديث بعضا ولم يستعمل بعضا أعني أنه استعمل منه ما لم تعارضه عنده الأصول ولم يستعمل ما عارضته منه الأصول وعضد ذلك بأنه مذهب أبي هريرة الذي روى الحديث فهذه هي الأشياء التي حركت الفقهاء إلى هذا الاختلاف الكثير في هذه المسألة وقادتهم إلى الافتراق فيها

قسم V01/P021–V01/P022

والمسألة اجتهادية محضة يعسر أن يوجد فيها ترجيح ولعل الأرجح أن يستثنى من طهارة آسار الحيوان الكلب والخنزير والمشرك لصحة الاثار الواردة في الكلب ولأن ظاهر الكتاب أولى أن يتبع في القول بنجاسة عين الخنزير والمشرك من القياس وكذلك ظاهر الحديث وعليه أكثر الفقهاء أعني على القول بنجاسة سؤر الكلب فإن الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب مخيل ومناسب في الشرع لنجاسة الماء الذي ولغ فيه أعني أن المفهوم بالعادة في الشرع من الأمر بإراقة الشيء وغسل الإناء منه هو لنجاسة الشيء وما اعترضوا به من أنه لو كان ذلك لنجاسة الإناء لما اشترط فيه العدد فغير نكير أن يكون الشرع يخص نجاسة دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظا لها قال القاضي وقد ذهب جدي رحمة الله عليه في كتاب المقدمات إلى أن هذا الحديث معلل معقول المعنى ليس من سبب النجاسة بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الإناء كلبا فيخاف منه السم قال ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع كثيرة في العلاج والمداواة من الأمراض وهذا الذي قاله رحمه الله هو وجه حسن على طريقة المالكية فإنه إذا قلنا إن ذلك الماء غير نجس فالأولى أن يعطي علة في غسله من أن يقول إنه غير معلل وهذا طاهر بنفسه وقد اعترض عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال إن الكلب الكلب لا يقرب الماء في حين كلبه وهذا الذي قالوه هو عند استحكام هذه العلة بالكلاب لا في مباديها وفي أول حدوثها فلا معنى لاعتراضهم وأيضا فإنه ليس في الحديث ذكر الماء وإنما فيه ذكر الإناء ولعل في سؤره خاصية من هذا الوجه ضارة أعني قبل أن يستحكم به الكلب ولا يستنكر ورود مثل هذا في الشرع فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس وتعليل ذلك أن في أحد جناحيه داء وفي الاخر دواء وأما ما قيل في المذهب من أن هذا الكلب هو الكلب المنهي عن اتخاذه أو الكلب الحضري فضعيف وبعيد من هذا التعليل إلا أن يقول قائل إن ذلك أعني النهي من باب التحريج في اتخاذه المسألة الخامسة اختلف العلماء في أسآر الطهر على خمسة أقوال فذهب قوم إلى أن أسآر الطهر طاهرة بإطلاق وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وذهب آخرون إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ويجوز للمرأة أن تتطهر بسؤر الرجل وذهب آخرون إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن المرأة جنبا أو حائضا وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معا وقال قوم لا يجوز وإن شرعا معا وهو مذهب أحمد بن حنبل وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الاثار وذلك أن في ذلك أربعة آثار أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناء واحد والثاني حديث ميمونة أنه اغتسل من فضلها والثالث حديث الحكم الغفاري أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أخرجه أبو داود والترمذي والرابع حديث عبد الله بن سرجس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل ولكن يشرعان معا فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث مذهبين مذهب الترجيح ومذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض أما من رجح حديث اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه من إناء واحد على سائر الأحاديث لأنه مما اتفق الصحاح على تخريجه ولم يكن عنده فرق بين أن يغتسلا لأن المغتسلين معا كل واحد منهما مغتسل بفضل صاحبه وصحح حديث ميمونة مع هذا الحديث ورجحه على حديث الغفاري فقال بطهر الأسآر على الإطلاق وأما من رجح حديث الغفاري على حديث وحديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام مع أزواجه من إناء واحد بأن فرق بين الاغتسال معا وبين أن يغتسل أحدهما بفضل الاخر

قسم V01/P022–V01/P023

وعمل على هذين الحديثين فقط أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناء واحد ولم يجز أن يتطهر هو من فضل طهرها وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره وأما من ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة فإنه أخذ بحديث عبد الله بن سرجس لأنه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري وحديث غسل النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه من إناء واحد ويكون فيه زيادة وهي ألا تتوضأ المرأة أيضا بفضل الرجل لكن يعارضه حديث ميمونة وهو حديث خرجه مسلم لكن قد علله كما قلنا بعض الناس من أن بعض رواته قال فيه أكثر ظني وأكثر علمي أن أبا الشعثاء حدثني وأما من لم يجز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه ولا يشرعان معا فلعله لم يبلغه من الأحاديث إلا حديث الحكم الغفاري وقاس الرجل على المرأة وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب والحائض فقط فلست أعلم له حجة إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر المسألة السادسة صار أبو حنيفة من بين معظم أصحابه وفقهاء الأمصار إلى إجازة الوضوء بنبيذ التمر في السفر لحديث ابن عباس أن ابن مسعود خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل معك من ماء فقال معي نبيذ في إداوتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبب فتوضأ به وقال شراب وطهور وحديث أبي رافع مولى ابن عمر عن عبد الله ابن مسعود بمثله وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمرة طيبة وماء طهور وزعموا أنه منسوب إلى الصحابة علي وابن عباس وأنه لا مخالف لهم من الصحابة فكان كالإجماع عندهم ورد أهل الحديث هذا الخبر ولم يقبلوه لضعف رواته ولأنه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن واحتج الجمهور لرد هذا الحديث بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا قال فلم يجعل ها هنا وسطا بين الماء والصعيد وبقوله عليه الصلاة والسلام الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء إلى عشر حجيج فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ولهم أن يقولوا إن هذا قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء والزيادة لا تقتضي نسخا فيعارضها الكتاب لكن هذا مخالف لقولهم إن الزيادة نسخ الباب الرابع في نواقض الوضوء والأصل في هذا الباب قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء وقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ واتفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي لصحة الاثار في ذلك إذا كان خروجها على وجه الصحة ويتعلق بهذا الباب مما اختلفوا فيه سبع مسائل تجري منه مجرى القواعد لهذا الباب المسألة الأولى اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من النجس على ثلاثة مذاهب فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج وعلى أي جهة خرج وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وجماعة ولهم من الصحابة السلف فقالوا كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم والرعاف الكثير والفصد والحجامة والقيء إلا البلغم عند أبي حنيفة

قسم V01/P023–V01/P025

وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة إنه إذا ملأ الفم ففيه الوضوء ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد واعتبر قوم آخرون المخرجين الذكر والدبر فقالوا كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء من أي شيء خرج من دم أو حصا أو بلغم وعلى أي وجه خرج كان خروجه على سبيل الصحة أو على سبيل المرض وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه و محمد بن الحكم من أصحاب مالك واعتبر قوم آخرون الخارج والمخرج وصفة الخروج فقالوا كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه وهو البول والغائط والمذي والودي والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء فلم يروا في الدم والحصاة والبول وضوءا ولا في السلس وممن قال بهذا القول مالك وجل أصحابه والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي لظاهر الكتاب ولتظاهر الاثار بذلك تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات أحدها أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك رحمه الله الاحتمال الثاني أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس والاحتمال الثالث أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المجمع عليها إنما هو من باب الخاص أريد به العام ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه فالشافعي وأبو حنيفة اتفقا على أن الأمر بها هو من باب الخاص أريد به العام واختلفا أي عام هو الذي قصد به فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل على غير ذلك والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا الخارج باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرج من فوق وكلاهما ذات واحدة والفرق بينهما اختلاف المخرجين فكان هذا تنبيهماعلى أن الحكم للمخرج وهو ضعيف لأن الريحين مختلفان في الصفة والرائحة وأبو حنيفة يحتج لأن المقصود بذلك هو الخارج النجس لكون النجاسة مؤثرة في الطهارة وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حكمية فإن فيها شبها من الطهارة المعنوية أعني طهارة النجس وبحديث ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ وبما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما من إيجابهما الوضوء من الرعاف وبما روي من أمره صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس وإنما اتفق الشافعي وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث المتفق عليها وإن خرجت على جهة المرض لأمره صلى الله عليه وسلم بالوضوء عند كل صلاة المستحاضة والاستحاضة مرض وأما مالك فرأى أن المرض له ها هنا تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي من أن المستحاضة لم تؤمر إلا بالغسل فقط وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته ويختلف في هذه الزيادة فيه أعني الأمر بالوضوء لكل صلاة ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع مثل ما روي أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثغب دما المسألة الثانية اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب فقوم رأوا أنه حدث فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء وقوم رأوا أنه ليس بحدث فلم يوجبوا منه الوضوء إلا إذا تيقن بالحدث على مذهب من لا يعتبر الشك وإذا شك على مذهب من يعتبر الشك حتى إن بعض السلف كان يوكل بنفسه إذا نام من يتفقد حاله أعني هل يكون منه حدث أم لا وقوم فرقوا بين النوم القليل الخفيف والكثير المستثقل فأوجبوا في الكثير المستنقل الوضوء دون القليل وعلى هذا فقهاء الأمصار والجمهور