Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

قسم V01/P261–V01/P262

لكن يعارض هذا القياس اشتراط العمد في وجوب الجزاء فقد أجاب بعضهم عن هذا أي العمد إنما اشترط لمكان تعلق العقاب المنصوص عليه في قوله تعالى ليذوق وبال أمره وذلك لا معنى له لأن الوبال المذوق هو في الغرامة فسواء قتله مخطئا أو متعمدا قد ذاق الوبال ولا خلاف أن الناسي غير معاقب وأكثر ما تلزم هذه الحجة لمن كان من أصله أن الكفارات لا تثبت بالقياس فإنه لا دليل لمن أثبتها على الناسي إلا القياس وأما اختلافهم في المثل هل هو الشبيه أو المثل في القيمة فإن سبب الاختلاف أن المثل يقال على الذي هو مثل وعلى الذي هو مثل في القيمة لكن حجة من رأى أن الشبيه أقوى من جهة دلالة اللفظ أن انطلاق لفظ المثل على الشبيه في لسان العرب أظهر وأظهر منه على المثل في القيمة لكن لمن حمل ههنا المثل على القيمة دلائل حركته إلى اعتقاد ذلك أحدها أن المثل الذي هو العدل هو منصوص عليه في الإطعام والصيام وأيضا فإن المثل إذا حمل ههنا على التعديل كان عاما في جميع الصيد فإن من الصيد ما لا يلقى له شبيه وأيضا فإن المثل فيما لا يوجد له شبيه هو التعديل وليس يوجد للحيوان المصيد في الحقيقة شبيه إلا من جنسه وقد نص أن المثل الواجب فيه هو من غير جنسه فوجب أن يكون مثله في التعديل والقيمة وأيضا فإن الحكم في الشبيه قد فرغ منه فأما الحكم بالتعديل فهو شيء يختلف باختلاف الأوقات ولذلك هو كل وقت يحتاج إلى الحكمين المنصوص عليهما وعلى هذا يأتي التقدير في الآية بمشابه فكأنه قال ومن قتله منكم متعمدا فعليه قيمة ما قتل من النعم أو عدل القيمة طعاما أو عدل ذلك صياما وأما اختلافهم هل المقدر هو الصيد أو مثله من النعم إذا قدر بالطعام فمن قال المقدر هو الصيد قال لأنه الذي لما لم يوجد مثله رجع إلى تقديره بالطعام ومن قال إن المقدر هو الواجب من النعم قال لأن الشيء إنما تقدر قيمته إذا عدم بتقدير مثله أعني شبيهه وأما من قال إن الآية على التخيير فإنه التفت إلى حرف أو إذ كان مقتضاها في لسان العرب التخيير وأما من نظر إلى ترتيب الكفارات في ذلك فشبهها في الكفارات التي فيها الترتيب باتفاق وهي كفارة الظهار والقتل وأما اختلافهم في هل يستأنف الحكم في الصيد الواحد الذي قد وقع الحكم فيه من الصحابة فالسبب في اختلافهم هو هل الحكم شرعي غير معقول المعنى أم هذا معقول المعنى فمن قال هو معقول المعنى قال ما قد حكم فيه فليس يوجد شيء أشبه به منه مثل النعامة فإنه لا يوجد أشبه بها من البدنة فلا معنى لإعادة الحكم ومن قال هو عبادة قال يعاد ولا بد منه وبه قال مالك وأما اختلافهم في الجماعة يشتركون في قتل الصيد الواحد فسببه هل الجزاء موجبه هو التعدي فقط أو التعدي على جملة الصيد فمن قال التعدي فقط أوجب على كل واحد من الجماعة القاتلة للصيد جزاء ومن قال التعدي على جملة الصيد قال عليهم جزاء واحد وهذه المسألة شبيهة بالقصاص في النصاب في السرقة وفي القصاص في الأعضاء وفي الأنفس وستأتي في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله وتفريق أبي حنيفة بين المحرمين وبين غير المحرمين القاتلين في الحرم على جهة التغليظ على المحرمين ومن أوجب على كل واحد من الجماعة جزاء فإنما نظر إلى سد الذرائع فإنه لو سقط عنهم الجزاء جملة لكان من أراد أن يصيد في الحرم صاد في جماعة وإذا قلنا إن الجزاء هو كفارة للإثم فيشبه أنه لا يتبعض إثم قتل الصيد بالاشتراك فيه فيجب أن لا يتبعض الجزاء فيجب على كل واحد كفارة

قسم V01/P262–V01/P264

وأما اختلافهم في هل يكون أحد الحكمين قاتل الصيد فالسبب فيه معارضة مفهوم الظاهر لمفهوم المعنى الأصلي في الشرع وذلك أنه لم يشترطوا في الحكمين إلا العدالة فيجب على ظاهر هذا أن يجوز الحكم ممن يوجد فيه هذا الشرط سواء أكان قاتل الصيد أو غير قاتل وأما مفهوم المعنى الأصلي في الشرع فهو أن المحكوم عليه لا يكون حاكما على نفسه وأما اختلافهم في الموضع فسببه الإطلاق أعني أنه لم يشترط فيه موضع فمن شبهه بالزكاة في أنه حق للمساكين فقال لا ينقل من موضعه وأما من رأى أن المقصود بذلك إنما هو الرفق بمساكين مكة قال لا يطعم إلا مساكين مكة ومن اعتمد ظاهر الإطلاق قال يطعم حيث شاء وأما اختلافهم في الحلال يقتل الصيد في الحرم هل عليه كفارة أم لا فسببه هل يقاس في الكفارات عند من يقول بالقياس وهل القياس أصل من أصول الشرع عند الذين يختلفون فيه فأهل الظاهر ينفون قياس قتل الصيد في الحرم على المحرم لمنعهم القياس في الشرع ويحق على أصل أبي حنيفة أن يمنعه لمنعه القياس في الكفارات ولا خلاف بينهم في تعلق الاسم به لقوله سبحانه وتعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وأما اختلافهم فيمن قتله ثم أكله هل عليه جزاء واحد أم جزاءان فسببه هل أكله تعد ثان عليه سوى تعدي القتل أم لا وإن كان تعديا عليه فهل هو مساو للتعدي الأول أم لا وذلك أنهم اتفقوا على أنه إن أكل أثم ولما كان النظر في كفارة الجزاء يشتمل على أربعة أركان معرفة الواجب في ذلك ومعرفة من تجب عليه ومعرفة الفعل الذي لأجله يجب ومعرفة محل الوجوب وكان قد تقدم الكلام في أكثر هذه الأجناس وبقي من ذلك أمران أحدهما اختلاف في بعض الواجبات من الأمثال في بعض المصيدات والثاني ما هو صيد مما ليس بصيد يجب أن ينظر فيما بقي علينا من ذلك فمن أصول هذا الباب ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الأرنب وفي اليربوع بجفرة واليربوع دويبة لها أربع قوائم وذنب تجتر كما تجتر الشاة وهي من ذوات الكروش والعنز عند أهل العلم من المعز ما قد ولد أو لد مثله والجفرة والعناق من المعز فالجفرة ما أكل واستغنى عن الرضاع والعناق قيل فوق الجفرة وقيل دونها وخالف مالك هذا الحديث فقال في الأرنب واليربوع لا يقومان إلا بما يجوز هديا وأضحية وذلك الجذع فما فوقه من الضأن والثني لها فوقه من الإبل والبقر وحجة مالك قوله تعالى هديا بالغ الكعبة ولم يختلفوا أن من جعل على نفسه هديا أنه لا يجزيه أقل من الجذع فما فوقه من الضأن والثني مما سواه وفي صغار الصيد عند مالك مثل ما في كباره وقال الشافعي يفدى صغار الصيد بالمثل من صغار النعم وكبار الصيد بالكبار منها وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحجته أنها حقيقة المثل فعنده في النعامة الكبيرة بدنة وفي الصغيرة فصيل وأبو حنيفة على أصله في القيمة واختلفوا من هذا الباب في حمام مكة وغيرها فقال مالك في حمام مكة شاة وفي حمام الحل حكومة واختلف قول ابن القاسم في حمام الحرم غير مكة فقال مرة شاة كحمام مكة ومرة قال حكومة كحمام الحل وقال الشافعي في كل حمام شاة وفي حمام سوى الحرم قيمته وقال داود كل شيء لا مثل له من الصيد فلا جزاء فيها إلا الحمام فإن فيه شاة ولعله ظن ذلك إجماعا فإنه روى عن عمر بن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة وروي عن عطاء أنه قال في كل شيء من الطير شاة واختلفوا من هذا الباب في بيض النعامة فقال مالك أرى في بيض النعامة عشر ثمن البدنة وأبو حنيفة على أصله في القيمة ووافقه الشافعي في هذه المسألة وبه قال أبو ثور

قسم V01/P264–V01/P265

وقال أبو حنيفة إن كان فيها فرخ ميت فعليه الجزاء أعني جزاء النعامة واشترط أبو ثور في ذلك أن يخرج حيا ثم يموت وروي عن علي أنه قضى في بيض النعامة بأن يرسل الفحل على الإبل فإذا تبين لقاحها سميت ما أصبت من البيض فقلت وهذا هدي ثم ليس عليك ضمان ما فسد من الجمل وقال عطاء من كانت له إبل فالقول قول علي وإلا في كل بيضة درهمان قال أبو عمر وقد روي عن ابن عباس عن كعب عن عجرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه من وجه ليس بالقوي وروي عن ابن مسعود أن فيه القيمة وقال وفيه أثر ضعيف وأكثر العلماء على أن الجراد من صيد البر يجب على المحرم فيه الجزاء واختلفوا في الواجب من ذلك فقال عمر رضي الله عنه قبضة من طعام وبه قال مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه تمرة خير من جرادة وقال الشافعي في الجراد قيمته وبه قال أبو ثور إلا أنه قال كل ما تصدق به من حفنة طعام أو تمرة فهو له قيمة وروي عن ابن عباس أن فيها تمرة مثل قول أبي حنيفة وقال ربيعة فيها صاع من طعام وهو شاذ وقد روي عن ابن عمر أن فيها شويهة وهو أيضا شاذ فهذه هي مشهورات ما اتفقوا على الجزاء فيه واختلفوا فيما هو الجزاء فيه وأما اختلافهم فيما هو صيد مما ليس بصيد وفيما هو من صيد البحر مما ليس منه فإنهم اتفقوا على أن صيد البر محرم على المحرم إلا الخمس الفواسق المنصوص عليها واختلفوا فيما يلحق بها مما ليس يلحق وكذلك اتفقوا على أن صيد البحر حلال كله للمحرم واختلفوا فيما هو من صيد البحر مما ليس منه وهذا كله لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ونحن نذكر مشهور ما اتفقوا عليه من هذين الجنسين وما اختلفوا فيه فنقول ثبت من حديث ابن عمر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور واتفق العلماء على القول بهذا الحديث وجمهورهم على القول بإباحة قتل ما تضمنه لكونه ليس بصيد وإن كان بعضهم اشترط في ذلك أوصافا ما واختلفوا هل هذا باب من العام أريد به الخاص أو باب من الخاص أريد به العام والذين قالوا هو من باب الخاص أريد به العام اختلفوا في أي عام أريد بذلك فقال مالك الكلب العقور الوارد في الحديث إشارة إلى كل سبع عاد وأن ما ليس بعاد من السباع فليس للمحرم قتله ولم ير قتل صغارها التي لا تعدو ولا ما كان منها أيضا لا يعدو ولا خلاف بينهم في قتل الحية والأفعى والأسود وهو مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتل الأفعى والأسود وقال مالك لا أرى قتل الوزغ والأخبار بقتلها متواترة لكن مطلقا لا في الحرم ولذلك توقف فيها مالك في الحرم وقال أبو حنيفة لا يقتل من الكلاب العقورة إلا الكلب الإنسي والذئب وشذت طائفة فقالت لا يقتل إلا الغراب الأبقع وقال الشافعي كل محرم الأكل فهو معني في الخمس وعمدة الشافعي أنه إنما حرم على المحرم ما أحل للحلال وأن المباحة الأكل لا يجوز قتلها بإجماع لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البهائم وأما أبو حنيفة فلم يفهم من اسم الكلب الإنسي فقط بل من معناه كل ذئب وحشي واختلفوا في الزنبور فبعضهم شبهه بالعقرب وبعضهم رأى أنه أضعف نكاية من العقرب وبالجملة فالمنصوص عليها تتضمن أنواعا من الفساد فمن رأى أنه من باب الخاص أريد به العام ألحق بواحد واحد منها ما يشبهه إن كان له شبه ومن لم ير ذلك قصر النهي على المنطوق به

قسم V01/P265–V01/P266

وشذت طائفة فقالت لا يقتل إلا الغراب الأبقع فخصصت عموم الاسم الوارد في الحديث الثابت بما روي عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال خمس يقتلن في الحرم فذكر فيهن الغراب الأبقع وشذ النخعي فمنع المحرم قتل الصيد إلا الفأرة وأما اختلافهم فيما هو من صيد البحر مما ليس هو منه فإنهم اتفقوا على أن السمك من صيد البحر واختلفوا فيما عدا السمك وذلك بناء منهم على أن ما كان منه يحتاج إلى ذكاة فليس من صيد البحر وأكثر ذلك ما كان محرما ولا خلاف بين من يحل جميع ما في البحر في أن صيده حلال وإنما اختلف هؤلاء فيما كان من الحيوان يعيش في البر وفي الماء بأي الحكمين يلحق وقياس قول أكثر العلماء أنه يلحق بالذي عيشه فيه غالبا وهو حيث يولد والجمهور على أن طير الماء محكوم له بحكم حيوان البر وروي عن عطاء أنه قال في طير الماء حيث يكون أغلب عيشه يحكم له بحكمه واختلفوا في نبات الحرم هل فيه جزاء أم لا فقال مالك لا جزاء فيه وإنما فيه الإثم فقط للنهي الوارد في ذلك وقال الشافعي فيه الجزاء في الدوحة بقرة وفيما دونها شاة وقال أبو حنيفة كل ما كان من غرس الإنسان فلا شيء فيه وكل ما كان نابتا بطبعه ففيه قيمة وسبب الخلاف هل يقاس النبات في هذا على الحيوان لاجتماعهما في النهي عن ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها فهذا هو القول في مشهور مسائل هذا الجنس فلنقل في حكم الحالق رأسه قبل محل الحلق القول في فدية الأذى وحكم الحالق رأسه قبل محل الحلق وأما فدية الأذى فمجمع أيضا عليها لورود الكتاب بذلك والسنة أما الكتاب فقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وأما السنة فحديث كعب بن عجرة الثابت أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه وقال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك والكلام في هذه الآية على من تجب الفدية وعلى من لا تجب وإذا وجبت فما هي الفدية الواجبة وفي أي شيء تجب الفدية ولمن تجب ومتى تجب وأين تجب فأما على من تجب الفدية فإن العلماء أجمعوا على أنها واجبة على كل من أماط الأذى من ضرورة لورود النص بذلك واختلفوا فيمن أماطه بغير ضرورة فقال مالك عليه الفدية المنصوص عليها وقال الشافعي وأبو حنيفة إن حلق دون ضرورة فإنما عليه دم فقط واختلفوا هل من شرط من وجبت عليه الفدية بإماطة الأذى أن يكون متعمدا أو الناسي في ذلك والمتعمد سواء فقال مالك العامد في ذلك والناسي واحد وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث وقال الشافعي في أحد قوليه وأهل الظاهر لا فدية على الناسي فمن اشترط في وجوب الفدية الضرورة فدليله النص ومن أوجب ذلك على غير المضطر فحجته أنه إذا وجبت على المضطر فهي على غير المضطر أوجب ومن فرق بين العامد والناسي فلتفريق الشرع في ذلك بينهما في مواضع كثيرة ولعموم قوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومن لم يفرق بينهما فقياسا على كثير من العبادات التي لم يفرق الشرع فيها بين الخطأ والنسيان وأما ما يجب في فدية الأذى فإن العلماء أجمعوا على أنها ثلاث خصال على التخيير الصيام والإطعام والنسك لقوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك والجمهور على أن الإطعام هو لستة مساكين وأن النسك أقله شاة وروي عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا الإطعام لعشرة مساكين والصيام عشرة أيام ودليل الجمهور حديث كعب بن عجرة الثابت

قسم V01/P266–V01/P267

وأما من قال الصيام عشرة أيام فقياسا على صيام التمتع وتسوية الصيام مع الإطعام ولما ورد أيضا في جزاء الصيد في قوله سبحانه أو عدل ذلك صياما وأما كم يطعم لكل مسكين من المساكين الستة التي ورد فيها النص فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك لاختلاف الآثار في الإطعام في الكفارات فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين وروي عن الثوري أنه قال من البر نصف صاع ومن التمر والزبيب صاع وروي أيضا عن أبي حنيفة مثله وهو أصله في الكفارات وأما ما تجب فيه الفدية فاتفقوا على أنها تجب على من حلق رأسه لضرورة مرض أو حيوان يؤذيه في رأسه قال ابن عباس المرض أن يكون برأسه قروح والأذى القمل وغيره وقال عطاء المرض الصداع والأذى القمل وغيره والجمهور على أن كل ما منعه المحرم من لباس الثياب المخيطة وحلق الرأس وقص الأظفار أنه إذا استباحه فعليه الفدية أي دم على اختلاف بينهم في ذلك أو إطعام ولم يفرقوا بين الضرر وغيره في هذه الأشياء وكذلك استعمال الطيب وقال قوم ليس في قص الأظفار شيء وقال قوم فيه دم وحكى ابن المنذر أن من منع المحرم قص الأظفار إجماع واختلفوا فيمن أخذ بعض أظفاره فقال الشافعي وأبو ثور إن أخذ واحدا أطعم مسكينا واحدا وإن أخذ ظفرين أطعم مسكينين وإن أخذ ثلاثا فعليه دم في مقام واحد وقال أبو حنيفة في أحد أقواله لا شيء عليه حتى يقصها كلها وقال أبو محمد بن حزم يقص المحرم أظفاره وشاربه وهو شذوذ وعنده أن لا فدية إلا من حلق الرأس فقط للعذر الذي ورد فيه النص وأجمعوا على منع حلق شعر الرأس واختلفوا في حلق الشعر من سائر الجسد فالجمهور على أن فيه الفدية وقال داود لا فدية فيه واختلفوا فيمن نتف من رأسه الشعرة والشعرتين أو من لحمه فقال مالك ليس على من نتف الشعر اليسير شيء إلا أن يكون أماط به أذى فعليه الفدية وقال الحسن في الشعرة مد وفي الشعرتين مدان وفي الثلاثة دم وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال عبد الملك صاحب مالك فيما قل من الشعر إطعام وفيما كثر فدية فمن فهم من منع المحرم حلق الشعر أنه عبادة سوى بين القليل والكثير ومن فهم من ذلك منع النظافة والزين والاستراحة التي في حلقه فرق بين القليل والكثير لأن القليل ليس في إزالته زوال أذى أما موضع الفدية فاختلفوا فيه فقال مالك يفعل من ذلك ما شاء أين شاء بمكة وبغيرها وإن شاء ببلده وسواء عنده في ذلك ذبح النسك والإطعام والصيام وهو قول مجاهد والذي عند مالك ههنا هو نسك وليس بهدي فإن الهدي لا يكون إلا بمكة أو بمنى وقال أبو حنيفة والشافعي الدم والإطعام لا يجزيان إلا بمكة والصوم حيث شاء وقال ابن عباس ما كان من دم فبمكة وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء وعن أبي حنيفة مثله ولم يختلف قول الشافعي أن دم الإطعام لا يجزىء إلا لمساكين الحرم وسبب الخلاف استعمال قياس دم النسك على الهدي فمن قاسه على الهدي أوجب فيه شروط الهدي من الذبح في المكان المخصوص به وفي مساكين الحرم وإن كان مالك يرى أن الهدي يجوز إطعامه لغير مساكين الحرم والذي يجمع النسك والهدي هو أن المقصود بهما منفعة المساكين المجاورين لبيت الله والمخالف يقول إن الشرع لما فرق بين اسمهما فسمى أحدهما نسكا وسمى الآخر هديا وجب أن يكون حكمهما مختلفا وأما الوقت فالجمهور على أن هذه الكفارة لا تكون إلا بعد إماطة الأذى ولا يبعد أن يدخله الخلاف قياسا على كفارة الأيمان فهذا هو القول في كفارة إماطة الأذى

قسم V01/P267–V01/P269

واختلفوا في حلق الرأس هل هو من مناسك الحج أو هو مما يتحلل به منه ولا خلاف بين الجمهور في أنه من أعمال الحج وأن الحلق أفضل من التقصير لما ثبت من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين وأجمع العلماء على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير واختلفوا هل هو نسك يجب على الحاج والمعتمر أو لا فقال مالك الحلاق نسك للحاج وللمعتمر وهو أفضل من التقصير ويجب على كل من فاته الحج وأحصر بعدو أو مرض أو بعذر وهو قول جماعة الفقهاء إلا في المحصر بعدو فإن أبا حنيفة قال ليس عليه حلاق ولا تقصير وبالجملة فمن جعل الحلاق أو التقصير نسكا أوجب في تركه الدم ومن لم يجعله من النسك لم يوجب فيه شيئا القول في كفارة المتمتع وأما كفارة المتمتع التي نص الله عليها في قوله سبحانه فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي الآية فإنه لا خلاف في وجوبها وإنما الخلاف في المتمتع من هو وقد تقدم ما في ذلك من الخلاف والقول في هذه الكفارة أيضا يرجع إلى تلك الأجناس بعينها على من تجب وما الواجب فيها ومتى تجب ولمن تجب وفي أي مكان تجب فأما على من تجب فعلى المتمتع باتفاق وقد تقدم الخلاف في المتمتع من هو وأما اختلافهم في الواجب فإن الجمهور من العلماء على أن ما استيسر من الهدي هو شاة واحتج مالك في أن اسم الهدي قد ينطلق على الشاة بقوله تعالى في جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة ومعلوم بالإجماع أنه قد يجب في جزاء الصيد شاة وذهب ابن عمر إلى أن اسم الهدي لا ينطلق إلا على الإبل والبقر وأن معنى قوله تعالى فما استيسر من الهدي أي بقرة أدون من بقرة وبدنة أدون من بدنة وأجمعوا أن هذه الكفارة على الترتيب وأن من لم يجد الهدي فعليه الصيام واختلفوا في حد الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدي إلى الصيام فقال مالك إذا شرع في الصوم فقد انتقل واجبه إلى الصوم وإن وجد الهدي في أثناء الصوم وقال أبو حنيفة إن وجد الهدي في صوم الثلاثة الأيام لزمه وإن وجده في صوم السبعة لم يلزمه وهذه المسألة نظير مسألة من طلع عليه الماء في الصلاة وهو متيمم وسبب الخلاف هو هل ما هو شرط ابتداء العبادة هو شرط في استمرارها وإنما فرق أبو حنيفة بين الثلاثة والسبعة لأن الثلاثة الأيام هي عنده بدل من الهدي والسبعة ليست ببدل وأجمعوا على أنه إذا صام الثلاثة الأيام في العشر الأول من ذي الحجة أنه قد أتى بها في محلها لقوله سبحانه فصيام ثلاثة أيام في الحج ولا خلاف أن العشر الأول من أيام الحج واختلفوا فيمن صامها في أيام عمل العمرة قبل أن يهل بالحج أو صامها في أيام منى فأجاز مالك صيامها في أيام منى ومنعه أبو حنيفة وقال إذا فاتته الأيام الأولى وجب الهدي في ذمته ومنعه مالك قبل الشروع في عمل الحج وأجازه أبو حنيفة وسبب الخلاف هل ينطلق اسم الحج على هذه الأيام المختلف فيها أم لا وإن انطلق فهل من شرط الكفارة أن تجزىء إلا بعد وقوع موجبها فمن قال لا تجزي كفارة إلا بعد وقوع موجبها قال لا يجزي الصوم إلا بعد الشروع في الحج ومن قاسها على كفارة الأيمان قال يجزي واتفقوا أنه إذا صام السبعة الأيام في أهله أجزأه واختلفوا إذا صامها في الطريق فقال مالك يجزي الصوم وقال الشافعي لا يجزي وسبب الخلاف الاحتمال الذي في قوله سبحانه إذا رجعتم فإن اسم الراجع ينطلق على من فرغ من الرجوع وعلى من هو في الرجوع نفسه فهذه هي الكفارة التي ثبتت بالسمع وهي من المتفق عليها

قسم V01/P269–V01/P270

ولا خلاف أن من فاته الحج بعد أن شرع فيه إما بفوت ركن من أركانه وإما من قبل غلطه في الزمان أو من قبل جهله أو نسيانه أو إتيانه في الحج فعلا مفسدا له فإن عليه القضاء إذا كان حجا واجبا وهل عليه هدي مع القضاء اختلفوا فيه وإن كان تطوعا فهل عليه قضاء أم لا الخلاف في ذلك كله لكن الجمهور على أن عليه الهدي لكون النقصان الداخل عليه مشعرا بوجوب الهدي وشذ قوم فقالوا لا هدي أصلا ولا قضاء إلا أن يكون في حج واجب ومما يخص الحج الفاسد عند الجمهور دون سائر العبادات أنه يمضي فيه المفسد له ولا يقطعه وعليه دم وشذ قوم فقالوا هو كسائر العبادات وعمدة الجمهور ظاهر قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فالجمهور عمموا والمخالفون خصصوا قياسا على غيرها من العبادات إذا وردت عليها المفسدات واتفقوا على أن المفسد للحج أما من الأفعال المأمور بها فترك الأركان التي هي شرط في صحته على اختلافهم فيما هو ركن مما ليس بركن وأما من التروك المنهي عنها فالجماع وإن كانوا اختلفوا في الوقت الذي إذا وقع فيه الجماع كان مفسدا للحج فأما إجماعهم على إفساد الجماع للحج فلقوله سبحانه فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج واتفقوا على أن من وطىء قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجه وكذلك من وطىء من المعتمرين قبل أن يطوف ويسعى واختلفوا في فساد الحج بالوطء بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة وبعد رمي الجمرة وقبل طواف الإفاضة الذي هو الواجب فقال مالك من وطىء قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجه وعليه الهدي والقضاء وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري عليه الهدي بدنة وحجة تام وقد روي مثل هذا عن مالك وقال مالك من وطىء بعد رمي جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة فحجه تام وبقول مالك في أن الوطء قبل طواف الإفاضة لا يفسد الحج قال الجمهور ويلزمه عندهم الهدي وقالت طائفة من وطىء قبل طواف الإفاضة فسد حجه وهو قول ابن عمر وسبب الخلاف أن للحج تحللا يشبه السلام في الصلاة وهو التحلل الأكبر وهو الإفاضة وتحللا أصغر وهل يشترط في إباحة الجماع تحللان أو أحدهما ولا خلاف بينهم أن التحلل الأصغر الذي هو رمي الجمرة يوم النحر أنه يحل به الحاج من كل شيء حرم عليه بالحج إلا النساء والطيب والصيد فإنهم اختلفوا فيه والمشهور عن مالك أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب وقيل عنه إلا النساء والطيب والصيد لأن الظاهر من قوله وإذا حللتم فاصطادوا أنه التحلل الأكبر واتفقوا أيضا على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وإن لم يكن حلق ولا قصر لثبوت الآثار في ذلك إلا خلافا شاذا وروي عن ابن عباس أنه يحل بالطواف وقال أبو حنيفة لا يحل إلا بعد الحلاق وإن جامع قبله فسدت عمرته واختلفوا في صفة الجماع الذي يفسد الحج وفي مقدماته فالجمهور على أن التقاء الختانين يفسد الحج ويحتمل من يشترطه في وجوب الطهر الإنزال مع التقاء الختانين أن يشترط في الحج واختلفوا في إنزال الماء فيما دون الفرج فقال أبو حنيفة لا يفسد الحج إلا الإنزال في الفرج وقال الشافعي ما يوجب الحد يفسد الحج وقال مالك الإنزال نفسه يفسد الحج وكذلك مقدماته من المباشرة والقبلة واستحب الشافعي فيمن جامع دون الفرج أن يهدي واختلفوا فيمن وطىء مرارا فقال مالك ليس عليه إلا هدي واحد وقال أبو حنيفة إن كرر الوطء في مجلس واحد كان عليه هدي واحد وإن كرره في مجالس كان عليه لكل وطء هدي وقال محمد بن الحسن يجزيه هدي واحد وإن كرر الوطء ما لم يهد لوطئه الأول وعن الشافعي الثلاثة الأقوال إلا أن الأشهر عنه مثل قول مالك

قسم V01/P270–V01/P271

واختلفوا فيمن وطىء ناسيا فسوى مالك في ذلك بين العمد والنسيان وقال الشافعي في الجديد لا كفارة عليه واختلفوا هل على المرأة هدي فقال مالك إن طاوعته فعليها هدي وإن أكرهها فعليه هديان وقال الشافعي ليس عليه إلا هدي واحد كقوله في المجامع في رمضان وجمهور العلماء على أنهما إذا حجا من قابل تفرقا أعني الرجل والمرأة وقيل لا يفترقان والقول بأن لا يفترقا مروي عن بعض الصحابة والتابعين وبه قال أبو حنيفة واختلف قول مالك والشافعي من أين يفترقان فقال الشافعي يفترقان من حيث أفسدا الحج وقال مالك يفترقان من حيث أحرما إلا أن يكونا أحرما قبل الميقات فمن آخذهما بالافتراق فسدا للذريعة وعقوبة ومن لم يؤاخذها به فجريا على الأصل وأنه لا يثبت حكم في هذا الباب إلا بسماع واختلفوا في الهدي الواجب في الجماع ما هو قال مالك وأبو حنيفة هو شاة وقال الشافعي لا تجزئه إلا بدنة وإن لم يجد قومت البدنة دراهم وقومت الدراهم طعاما فإن لم يجد صام عن كل مد يوما قال والإطعام والهدي لا يجزي إلا بمكة أو بمنى والصوم حيث شاء وقال مالك كل نقص دخل الإحرام من وطء أو حلق شعر أو إحصار فإن صاحبه إن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يدخل الإطعام فيه فمالك شبه الدم اللازم ههنا بدم المتمتع والشافعي شبهه بالدم الواجب في الفدية والإطعام عند مالك لا يكون إلا في كفارة الصيد وكفارة إزالة الأذى والشافعي يرى أن الصيام والإطعام قد وقعا بدل الدم في موضعين ولم يقع بدلهما إلا في موضع واحد فقياس المسكوت عنه على المنطوق به في الإطعام أولى فهذا ما يخص الفساد بالجماع وأما الفساد بفوات الوقت وهو أن يفوته الوقوف بعرفة يوم عرفة فإن العلماء أجمعوا أن من هذه صفته لا يخرج من إحرامه إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة أعني أنه يحل ولا بد بعمرة وأن عليه حج قابل واختلفوا هل عليه هدي أم لا فقال مالك والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور عليه الهدي وعمدتهم إجماعهم على أن من حبسه مرض حتى فاته الحج أن عليه الهدي وقال أبو حنيفة يتحلل بعمرة ويحج من قابل ولا هدي عليه وحجة الكوفيين أن الأصل في الهدي إنما هو بدل من القضاء فإذا كان القضاء فلا هدي إلا ما خصصه الإجماع واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة فيمن فاته الحج وكان قارنا هل يقضي حجا مفردا أو مقرونا بعمرة فذهب مالك والشافعي إلى أنه يقضي قارنا لأنه إنما يقضي مثل الذي عليه وقال أبو حنيفة ليس عليه إلا الإفراد لأنه قد طاف لعمرته فليس يقضي إلا ما فاته وجمهور العلماء على أن من فاته الحج أنه لا يقيم على إحرامه ذلك إلى عام آخر وهذا هو الاختيار عند مالك إلا أنه أجاز ذلك ليسقط عنه الهدي ولا يحتاج أن يتحلل بعمرة وأصل اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم فيمن أحرم بالحج في غير أشهر الحج فمن لم يجعله محرما لم يجز للذي فاته الحج أن يبقى محرما إلى عام آخر ومن أجاز الإحرام في غير أيام الحج أجاز له البقاء محرما قال القاضي فقد قلنا في الكفارات الواجبة بالنص في الحج وفي صفة القضاء في الحج الفائت والفاسد وفي صفة إحلال من فاته الحج وقلنا قبل ذلك في الكفارات المنصوص عليها وما ألحق الفقهاء بذلك من كفارة المفسد حجه وبقي أن نقول في الكفارات التي اختلفوا فيها في ترك نسك منها من مناسك الحج مما لم ينص عليه القول في الكفارات المسكوت عنها فنقول إن الجمهور اتفقوا على أن النسك ضربان نسك هو سنة مؤكدة ونسك هو مرغب فيه فالذي هو سنة يجب على تاركه الدم لأنه حج ناقص أصله المتمتع والقارن

قسم V01/P271–V01/P273

وروي عن ابن عباس أنه قال من فاته من نسكه شيء فعليه دم وأما الذي هو نفل فلم يروا فيه دما ولكنهم اختلفوا اختلافا كثيرا في ترك نسك نسك هل فيه دم أم لا وذلك لاختلافهم فيه هل هو سنة أو نفل وأما ما كان فرضا فلا خلاف عندهم أنه لا يجبر بالدم وإنما يختلفون في الفعل الواحد نفسه من قبل اختلافهم هل هو فرض أم لا وأما أهل الظاهر فإنهم لا يرون دما إلا حيث ورد النص لتركهم القياس وبخاصة في العبادات وكذلك اتفقوا على أن ما كان من التروك مسنونا ففعل ففيه فدية الأذى وما كان مرغبا فيه فليس فيه شيء واختلفوا في ترك فعل لاختلافهم هل هو سنة أم لا وأهل الظاهر لا يوجبون الفدية إلا في المنصوص عليه ونحن نذكر المشهور من اختلاف الفقهاء في ترك نسك نسك أعني في وجوب الدم أو لا وجوبه من أول المناسك إلى آخرها وكذلك في فعل محظور محظور فأول ما اختلفوا فيه من المناسك من جاوز الميقات فلم يحرم هل عليه دم فقال قوم لا دم عليه وقال قوم عليه الدم وإن رجع وهو قول مالك وابن المبارك وروي عن الثوري وقال قوم إن رجع إليه فليس عليه دم وإن لم يرجع فعليه دم وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد ومشهور قول الثوري وقال أبو حنيفة إن رجع ملبيا فلا دم وإن رجع غير ملب كان عليه الدم وقال قوم هو فرض ولا يجبره بالدم واختلفوا فيمن غسل رأسه بالخطمي فقال مالك وأبو حنيفة يفتدي وقال الثوري وغيره لا شيء عليه ورأى مالك أن في الحمام الفدية وأباحه الأكثرون وروي عن ابن عباس من طريق ثابت دخوله والجمهور على أنه يفتدي من لبس من المحرمين ما نهي عن لباسه واختلفوا إذا لبس السراويل لعدم الإزار هل يفتدي أم لا فقال مالك وأبو حنيفة يفتدي وقال الثوري وأحمد وأبو ثور وداود لا شيء عليه إذا لم يجد إزارا وعمدة من منع النهي المطلق وعمدة من لم ير فيه فدية حديث عمرو بن دينار عن جابر وابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول السراويل لمن لم يجد الإزار والخف لمن لم يجد النعلين واختلفوا فيمن ليس الخفين مقطوعين مع وجود النعلين فقال مالك عليه الفدية وقال أبو حنيفة لا فدية عليه والقولان عن الشافعي واختلفوا في لبس المرأة القفازين هل فيه فدية أم لا وقد ذكرنا كثيرا من هذه الأحكام في باب الإحرام وكذلك اختلفوا فيمن ترك التلبية هل عليه دم أم لا وقد تقدم واتفقوا على أن من نسي الطواف أو نسي شوطا من أشواطه أنه يعيده ما دام بمكة واختلفوا إذا بلغ إلى أهله فقال قوم منهم أبو حنيفة يجزيه الدم وقال قوم بل يعيد ويجبر ما نقصه ولا يجزيه الدم وكذلك اختلفوا في وجوب الدم على من ترك الرمل في الثلاثة الأشواط وبالوجوب قال ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور واختلف في ذلك قول مالك وأصحابه والخلاف في هذه الأشياء كلها مبناه على أنه هل هو سنة أم لا وقد تقدم القول في ذلك وتقبيل الحجر أو تقبيل يده بعد وضعها عليه إذا لم يصل الحجر عند كل من لم يوجب الدم قياسا على المتمتع إذا تركه فيه دم وكذلك اختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف حتى رجع إلى بلده هل عليه دم أم لا فقال مالك عليه دم وقال الثوري يركعهما ما دام في الحرم وقال الشافعي وأبو حنيفة يركعهما حيث شاء والذين قالوا في طواف الوداع أنه ليس بفرض اختلفوا فيمن تركه ولم تتمكن له العودة إليه هل عليه دم أم لا فقال مالك ليس عليه شيء إلا أن يكون قريبا فيعود وقال أبو حنيفة والثوري عليه دم إن لم يعد وإنما يرجع عندهم ما لم يبلغ المواقيت وحجة من لم يره سنة مؤكدة سقوطه عن المكي والحائض

قسم V01/P273–V01/P274

وعند أبي حنيفة أنه إذا لم يدخل الحجر في الطواف أعاد ما لم يخرج من مكة فإن خرج فعليه دم واختلفوا هل من شرط صحة الطواف المشي فيه مع القدرة عليه فقال مالك هو من شرطه كالقيام في الصلاة فإن عجز كان كصلاة القاعد ويعيد عنده أبدا إلا إذا رجع إلى بلده فإن عليه دما وقال الشافعي الركوب في الطواف جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت راكبا من غير مرض لكنه أحب أن يستشرف الناس إليه ومن لم ير السعي واجبا فعليه فيه دم إذا انصرف إلى بلده ومن رآه تطوعا لم يوجب فيه شيئا وقد تقدم اختلافهم أيضا فيمن قدم السعي على الطواف هل فيه دم إذا لم يعد حتى يخرج من مكة أم ليس فيه دم واختلفوا في وجوب الدم على من دفع من عرفة قبل الغروب فقال الشافعي وأحمد إن عاد فدفع بعد غروب الشمس فلا دم عليه وإن لم يرجع حتى طلع الفجر وجب عليه الدم وقال أبو حنيفة والثوري عليه الدم رجع أو لم يرجع وقد تقدم هذا واختلفوا فيمن وقف من عرفة بعرنة فقال الشافعي لا حج له وقال مالك عليه دم وسبب الاختلاف هل النهي عن الوقوف بها من باب الحظر أو من باب الكراهية وقد ذكرنا في باب أفعال الحج إلى انقضائها كثيرا من اختلافهم فيما في تركه دم وما ليس فيه دم وإن كان الترتيب يقتضي ذكره في هذا الموضع والأسهل ذكره هنالك قال القاضي فقد قلنا في وجوب هذه العبادة وعلى من تجب وشروط وجوبها ومتى تجب وهي التي تجري مجرى المقدمات لمعرفة هذه العبادة وقلنا بعد ذلك في زمان هذه العبادة ومكانها ومحظوراتها وما اشتملت عليه أيضا من الأفعال في مكان مكان من أماكنها وزمان زمان من أزمنتها الجزئية إلى انقضاء زمانها ثم قلنا في أحكام التحلل الواقع في هذه العبادة وما يقبل من ذلك الإصلاح بالكفارات وما لا يقبل الإصلاح بل يوجب الإعادة وقلنا أيضا في حكم الإعادة بحسب موجباتها وفي هذا الباب يدخل من شرع فيها فأحصر بمرض أو عدو أو غير ذلك والذي بقي من أفعال هذه العبادة هو القول في الهدي وذلك أن هذا النوع من العبادات هو جزء من هذه العبادة وهو مما ينبغي أن يفرد بالنظر فلنقل فيه القول في الهدي فنقول إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه وعلى معرفة جنسه وعلى معرفة سنه وكيفية سوقه ومن أين يساق وإلى أين ينتهي بسوقه وهو موضع نحره وحكم لحمه بعد النحر فنقول إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب ومنه تطوع فالواجب منه ما هو واجب بالنذر ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة ومنه ما هو واجب لأنه كفارة فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة فهو هدي المتمتع باتفاق وهدي القارن باختلاف وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي وهدي كفارة الصيد وهدي إلقاء الأذى والتفث وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بنسك نسك منها على المنصوص عليه فأما جنس الهدي فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نص الله عليها وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل ثم البقر ثم الغنم ثم المعز وإنما اختلفوا في الضحايا وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزي منها وأنه لا يجزي الجذع من المعز في الضحايا والهدايا لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك واختلفوا في الجذع من الضأن فأكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا وكان ابن عمر يقول لا يجزي في الهدايا إلا الثني من كل جنس ولا خلاف في أن الأغلى ثمنا من الهدايا أفضل وكان الزبير يقول لبنيه يا بني لا يهدين أحدكم لله من الهدي شيئا يستحي أن يهديه لكريمه فإن الله أكرم الكرماء وأحق من اختير له

قسم V01/P274–V01/P275

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقاب وقد قيل له أيها أفضل فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها وليس في عدد الهدي حد معلوم وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأما كيفية سوق الهدي فهو التقليد والإشعار بأنه هدي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم وإذا كان الهدي من الإبل والبقر فلا خلاف أنه يقلد نعلا أو نعلين أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النعال واختلفوا في تقليد الغنم فقال مالك وأبو حنيفة لا تقلد الغنم وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود تقلد لحديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى البيت مرة غنما فقلده واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر لما رواه عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة قلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا وإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ويوجههن للقبلة ثم يأكل ويطعم واستحب الشافعي وأحمد وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامه الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين ثم ركب راحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج وأما من أين يساق الهدي فإن مالكا يرى أن من سنته أن يساق من الحل ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة ولم يدخله من الحل أن عليه أن يقفه بعرفة وإن لم يفعل فعليه البدل وأما إن كان أدخله من الحل فيستحب له أن يقفه بعرفة وهو قول ابن عمر وبه قال الليث وقال الشافعي والثوري وأبو ثور وقوف الهدي بعرفة سنة ولا حرج على من لم يقفه كان داخلا من الحل أو لم يكن وقال أبو حنيفة ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم أن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك فعل وقال خذوا عني مناسككم وقال الشافعي التعريف سنة مثل التقليد وقال أبو حنيفة ليس التعريف بسنة وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مسكنه كان خارج الحرم وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه وأما محله فهو البيت العتيق كما قال تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق وقال هديا بالغ الكعبة وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح وكذلك المسجد الحرام وأن المعنى في قوله هديا بالغ الكعبة أنه إنما أراد به النحر بمكة إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم وكان مالك يقول إنما المعنى في قوله هديا بالغ الكعبة مكة وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة وقال الشافعي وأبو حنيفة إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه وقال الطبري يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي إلا هدي القران وجزاء الصيد فإنهما لا ينحران إلا بالحرم وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر وعند مالك إن نحر للحج بمكة والعمرة بمنى أجزأه وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله صلى الله عليه وسلم وكل فجاج مكة وطرقها منحرواستثنى مالك من ذلك هدي الفدية فأجاز ذبحه بغير مكة

قسم V01/P275–V01/P276

وأما متى ينحر فإن مالكا قال إن ذبح هدي التمتع أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه وجوزه أبو حنيفة في التطوع وقال الشافعي يجوز في كليهما قبل يوم النحر ولا خلاف عند الجمهور أن ما عدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء لأنه لا منفعة في ذلك لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم وقال مالك الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها لأنها زكاة ومنهم من استحب مع التسمية التكبير ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده وإن استخلف جاز وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه ومن سنتها أن تنحر قياما لقوله سبحانه وتعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف وقد تكلم في صفة النحر في كتاب الذبائح وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه فإن في ذلك مسائل مشهورة أحدها هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز من ضرورة ومن غير ضرورة وبعضهم أوجب ذلك وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة والحجة للجمهور ما خرجه أبو داود عن جابر وقد سئل عن ركوب الهدي فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قصد به القربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال يا رسول الله إنها هدي فقال اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة وأجمعوا أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خلى بينه وبين الناس ولم يأكل منه وزاد داود ولا يطعم منه شيئا أهل رفقته لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي وقال له إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعليه في دمه وخل بينه وبين الناس وروي عن ابن عباس هذا الحديث فزاد فيه ولا تأكل منه أنت ولا أهل رفقتك وقال بهذه الزيادة داود وأبو ثور واختلفوا فيما يجب على من أكل منه فقال مالك إن أكل منه وجب عليه بدله وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وابن حبيب من أصحاب مالك عليه قيمة ما أكل أو أمر بأكله طعاما يتصدق به وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة فهل بلغ محله أم لا فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم هل المحل هو مكة أو الحرم وأما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فإن لصاحبه أن يأكل منه لأن عليه بدله ومنهم من أجاز له بيع لحمه وأن يستعين به في البدل وكره ذلك مالك واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله فقال الشافعي لا يؤكل من الهدي الواجب كله ولحمه كله للمساكين وكذلك جله إن كان مجللا والنعل الذي قلد به وقال مالك يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذى وقال أبو حنيفة لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة وهدي القران وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة وأما من فرق فلأنه يظهر في الهدي معنيان أحدهما أنه عبادة مبتدأة والثاني أنه كفارة وأحد المعنيين في بعضها أظهر فمن غلب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي كهدي القران وهدي التمتع وبخاصة عند من يقول إن التمتع والقران أفضل لم يشترط أن لا يأكل لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة لا كفارة تدفع العقوبة

قسم V01/P276–V01/P278

ومن غلب شبهه بالكفارة قال لا يأكله لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة ولما كان هدي جزاء الصيد وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منها قال القاضي فقد قلنا في حكم الهدي وفي جنسه وفي سنه وكيفية سوقه وشروط صحته من الزمان والمكان وصفة نحره وحكم الانتفاع به وذلك ما قصدناه والله الموفق للصواب وبتمام القول في هذا بحسب ترتيبنا تم القول في هذا الكتاب بحسب غرضنا ولله الشكر والحمد كثيرا على ما وفق وهدى ومن به من التمام والكمال وكان الفراغ منه يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى الذي هو عام أربعة وثمانين وخمسمائة وهو جزء من كتاب المجتهد الذي وضعته منذ أزيد من عشرين عاما أو نحوها والحمد لله رب العالمين كان رضي الله عنه عزم حين تأليف الكتاب أولا ألا يثبت كتاب الحج ثم بدا له بعد فأثبته كتاب الجهاد والقول المحيط بأصول هذا الباب ينحصر في جملتين الجملة الأولى في معرفة أركان الحرب الثانية في أحكام أموال المحاربين إذا تملكها المسلمون الجملة الأولى وفي هذه الجملة فصول سبعة أحدها معرفة حكم هذه الوظيفة ولمن تلزم والثاني معرفة الذين يحاربون والثالث معرفة ما يجوز من النكاية في صنف صنف من أصناف أهل الحرب مما لا يجوز والرابع معرفة جواز شروط الحرب والخامس معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم والسادس هل تجوز المهادنة والسابع لماذا يحاربون الفصل الأول في معرفة حكم هذه الوظيفة فأما حكم هذه الوظيفة فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين إلا عبد الله بن الحسن فإنه قال إنها تطوع وإنما صار الجمهور لكونه فرضا لقوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم الآية وأما كونه فرضا على الكفاية أعني إذا قام به البعض سقط عن البعض فلقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية وقوله وكلا وعد الله الحسنى ولم يخرج قط رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو إلا وترك بعض الناس فإذا اجتمعت هذه اقتضى ذلك كون هذه الوظيفة فرضا على الكفاية وأما على من يجب فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى وذلك لا خلاف فيه لقوله تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج وقوله ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج الآية وأما كون هذه الفريضة تختص بالأحرار فلا أعلم فيها خلافا وعامة الفقهاء متفقون على أن من شرط هذه الفريضة إذن الأبوين فيها إلا أن تكون عليه فرض عين مثل أن لا يكون هنالك من يقوم بالفرض إلا بقيام الجميع به والأصل في هذا ما ثبت أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أريد الجهاد قال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد واختلفوا في إذن الأبوين المشركين وكذلك اختلفوا في إذن الغريم إذا كان عليه دين لقوله عليه الصلاة والسلام وقد سأله الرجل أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتسبا في سبيل الله قال نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل آنفا والجمهور على جواز ذلك وبخاصة إذا تخلف وفاء من دينه الفصل الثاني في معرفة الذين يحاربون فأما الذين يحاربون فاتفقوا على أنهم جميع المشركين لقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله إلا ما روي عن مالك أنه قال لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا الترك لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال ذروا الحبشة ما وذرتكم وقد سأل مالك عن صحة هذا الأثر فلم يعترف بذلك لكن قال لم يزل الناس يتحامون غزوهم الفصل الثالث في معرفة ما يجوز من النكاية في العدو وأما ما يجوز من النكاية في العدو فإن النكاية لا تخلو أن تكون في الأموال أو في النفوس أو في الرقاب أعني الاستعباد والتملك

قسم V01/P278–V01/P279

فأما النكاية التي هي الاستعباد فهي جائزة بطريق الإجماع في جميع أنواع المشركين أعني ذكرانهم وإناثهم وشيوخهم وصبيانهم صغارهم وكبارهم إلا الرهبان فإن قوما رأوا أن يتركوا ولا يؤسروا بل يتركوا دون أن يعرض إليهم لا بقتل ولا باستعباد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فذرهم وما حبسوا أنفسهم إليه واتباعا لفعل أبي بكر وأكثر العلماء على أن الإمام مخير في الأسارى في خصال منها أن يمن عليهم ومنها أن يستعبدهم ومنها أن يقتلهم ومنها أن يأخذ منهم الفداء ومنها أن يضرب عليهم الجزية وقال قوم لا يجوز قتل الأسير وحكى الحسن بن محمد التميمي أنه إجماع الصحابة والسبب في اختلافهم تعارض الآية في هذا المعنى وتعارض الأفعال ومعارضة ظاهر الكتاب لفعله عليه الصلاة والسلام وذلك أن ظاهر قوله تعالى فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب الآية أنه ليس للإمام بعد الأسر إلا المن أو الفداء وقوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآية والسبب الذي نزلت فيه من أسارى بدر يدل على أن القتل أفضل من الاستعباد وأما هو عليه الصلاة والسلام فقد قتل الأسارى في غير ما موطن وقد من واستعبد النساء وقد حكى أبو عبيد أنه لم يستعبد أحرار ذكور العرب وأجمعت الصحابة بعده على استعباد أهل الكتاب ذكرانهم وإناثهم فمن رأى أن الآية الخاصة بفعل الأسارى ناسخة لفعله قال لا يقتل الأسير ومن رأى أن الآية ليس فيها ذكر لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل بالأسارى بل فعله عليه الصلاة والسلام وهو حكم زائد على ما في الآية ويحط العتب الذي وقع في ترك قتل أسارى بدر قال بجواز قتل الأسير والقتل إنما يجوز إذا لم يكن يوجد بعد تأمين وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين وإنما اختلفوا فيمن يجوز تأمينه ممن لا يجوز واتفقوا على جواز تأمين الإمام وجمهور العلماء على جواز أمان الرجل الحر المسلم إلا ما كان من ابن الماجشون يرى أنه موقوف على إذن الإمام واختلفوا في أمان العبد وأمان المرأة فالجمهور على جوازه وكان ابن الماجشون وسحنون يقولان أمان المرأة موقوف على إذن الإمام وقال أبو حنيفة لا يجوز أمان العبد إلا أن يقاتل والسبب في اختلافهم معارضة العموم للقياس أما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فهذا يوجب أمان العبد بعمومه وأما القياس المعارض له فهو أن الأمان من شرطه الكمال والعبد ناقص بالعبودية فوجب أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه قياسا على تأثيرها في إسقاط كثير من الأحكام الشرعية وأن يخصص ذلك العموم بهذا القياس وأما اختلافهم في أمان المرأة فسببه اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء وقياس المرأة في ذلك على الرجل وذلك أن من فهم من قوله عليه الصلاة والسلام قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء إجازة أمانها لا صحته في نفسه وأنه لولا إجازته لذلك لم يؤثر قال لا أمان للمرأة إلا أن يجيزه الإمام ومن فهم من ذلك أن إمضاءه أمانها كان من جهة أنه قد انعقد وأثر لا من جهة أن إجازته هي التي صححت عقده قال أمان المرأة جائز وكذلك من قاسها على الرجل ولم ير بينهما فرقا في ذلك أجاز أمانها ومن رأى أنها ناقصة عن الرجل لم يجز أمانها وكيفما كان فالأمان غير مؤثر في الاستعباد وإنما يؤثر في القتل وقد يمكن أن ندخل الاختلاف في هذا من قبل اختلافهم في ألفاظ جموع المذكر هل تتناول النساء أم لا أعني بحسب العرف الشرعي وأما النكاية التي تكون في النفوس فهي القتل ولا خلاف بين المسلمين أنه يجوز في الحرب قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين

قسم V01/P279–V01/P280

وأما القتل بعد الأسر ففيه الخلاف الذي ذكرنا وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها وذلك لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء والولدان وقال في امرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل واختلفوا في أهل الصوامع المنتزعين عن الناس والعميان والزمنى والشيوخ الذين لا يقاتلون والمعتوه والحراث والعسيف فقال مالك لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع ويترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني عنده وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال الثوري والأوزاعي لا تقتل الشيوخ فقط وقال الأوزاعي لا تقتل الحراث وقال الشافعي في الأصح عنه تقتل جميع هذه الأصناف والسبب في اختلافهم معارضة بعض الآثار بخصوصها لعموم الكتاب ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث وذلك في قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم يقتضي قتل كل مشرك راهبا كان أو غيره وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه الأصناف فمنها ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال لا تقتلوا أصحاب الصوامع ومنه أيضا ما روي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا تغلواخرجه أبو داود ومن ذلك أيضا ما رواه مالك عن أبي بكر أنه قال ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعهم وما حبسوا أنفسهم له وفيه ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ويشبه أن يكون السبب الأملك في الاختلاف في هذه المسألة معارضة قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين لقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية فمن رأى أن هذه ناسخة لقوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم لأن القتال أولا إنما أبيح لمن يقاتل قال الآية على عمومها ومن رأى أن قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم وهي محكمة وأنها تتناول هؤلاء الأصناف الذين لا يقاتلون استثناها من عموم تلك وقد احتج الشافعي بحديث سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم وكأن العلة الموجبة للقتل عنده إنما هي للكفر فوجب أن تطرد هذه العلة في جميع الكفار وأما من ذهب إلى أنه لا يقتل الحراث فإنه احتج في ذلك بما روي عن زيد بن وهب قال أتانا كتاب عمر رضي الله عنه وفيه لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا واتقوا الله في الفلاحين وجاء في حديث رباح بن ربيعة النهي عن قتل العسيف المشرك وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ثم قال ما كانت هذه لتقاتل ثم نظر في وجوه القوم فقال لأحدهم الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ولا امرأة والسبب الموجب بالجملة لاختلافهم اختلافهم في العلة الموجبة للقتل فمن زعم أن العلة الموجبة لذلك هي الكفر لم يستثن أحدا من المشركين ومن زعم أن العلة في ذلك إطاقة القتال للنهي عن قتل النساء مع أنهن كفار استثنى من لم يطق القتال ومن لم ينصب نفسه إليه كالفلاح والعسيف وصح النهي عن المثلة واتفق المسلمون على جواز قتلهم بالسلاح واختلفوا في تحريقهم بالنار فكره قوم تحريقهم بالنار ورميهم بها وهو قول عمر ويروى عن مالك وأجاز ذلك سفيان الثوري وقال بعضهم إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص

قسم V01/P280–V01/P282

أما العموم فقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولم يستثن قتلا من قتل وأما الخصوص فما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رجل إن قدرتم عليه فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن لما جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام نصب المنجنيق على أهل الطائف وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين فقالت طائفة يكف عن رميهم بالمنجنيق وبه قال الأوزاعي وقال الليث ذلك جائز ومعتمد من لم يجزه قوله تعالى لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما الآية وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة فهذا هو مقدار النكاية التي يجوز أن تبلغ بهم في نفوسهم ورقابهم وأما النكاية التي تجوز في أموالهم وذلك في المباني والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك فأجاز مالك قطع الشجر والثمار وتخريب العامر ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النخل وكره الأوزاعي قطع الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك وقال الشافعي تحرق البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم يكن لهم معاقل والسبب في اختلافهم مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حرق نخل بني النضير وثبت عن أبي بكر أنه قال لا تقطعن شجرا ولا تخربن عامرا فمن ظن أن فعل أبي بكر هذا إنما كان لمكان علمه بنسخ ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز على أبي بكر أن يخالفه مع علمه بفعله أو رأى أن ذلك كان خاصا ببني النضير لغزوهم قال بقول أبي بكر ومن اعتمد فعله عليه الصلاة والسلام ولم ير قول أحد ولا فعله حجة عليه قال بتحريق الشجر وإنما فرق مالك بين الحيوان والشجر لأن قتل الحيوان مثلة وقد نهى عن المثلة ولم يأت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا فهذا هو معرفة النكاية التي يجوز أن تبلغ من الكفار في نفوسهم وأموالهم الفصل الرابع في شرط الحرب فأما شرط الحرب فهو بلوغ الدعوة باتفاق أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة وذلك شيء مجتمع عليه من المسلمين لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وأما هل يجب تكرار الدعوة عند تكرار الحرب فإنهم اختلفوا في ذلك فمنهم من أوجبها ومنهم من استحبها ومنهم من لم يوجبها ولا استحبها والسبب في اختلافهم معارضة القول للفعل وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا بعث سرية قال لأميرها إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يبيت العدو ويغير عليهم مع الغدوات فمن الناس وهم الجمهور من ذهب إلى أن فعله ناسخ لقوله وأن ذلك إنما كان في أول الإسلام قبل أن تنتشر الدعوة بدليل دعوتهم فيه إلى الهجرة ومن الناس من رجح القول على الفعل وذلك بأن حمل الفعل على الخصوص ومن استحسن الدعاء فهو وجه من الجمع الفصل الخامس في معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضعف وذلك مجمع عليه لقوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية

قسم V01/P282–V01/P283

وذهب ابن الماجشون ورواه عن مالك أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد وأنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادا منه وأجود سلاحا وأشد قوة الفصل السادس في جواز المهادنة فأما هل تجوز المهادنة فإن قوما أجازوها ابتداء من غير سبب إذا رأى ذلك الإمام مصلحة للمسلمين وقوم لم يجيزوها إلا لمكان الضرورة الداعية لأهل الإسلام من فتنة أو غير ذلك إما بشيء يأخذونه منهم لا على حكم الجزية إذ كانت الجزية إنما شرطها أن تؤخذ منهم وهم بحيث تنفذ عليهم أحكام المسلمين وإما بلا شيء يأخذونه منهم وكان الأوزاعي يجيز أن يصالح الإمام الكفار على شيء يدفعه المسلمون إلى الكفار إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة أو غير ذلك من الضرورات وقال الشافعي لا يعطي المسلمون الكفار شيئا إلا أن يخافوا أن يصطلموا لكثرة العدو وقلتهم أو لمحنة نزلت بهم وممن قال بإجازة الصلح إذا رأى الإمام ذلك مصلحة مالك والشافعي وأبو حنيفة إلا أن الشافعي لا يجوز عنده الصلح لأكثر من المدة التي صالح عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفار عام الحديبية وسبب اختلافهم في جواز الصلح من غير ضرورة معارضة ظاهر قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لقوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله فمن رأى أن آية الأمر بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ناسخة لآية الصلح قال لا يجوز الصلح إلا من ضرورة ومن رأى أن آية الصلح مخصصة لتلك قال الصلح جائز إذا رأى ذلك الإمام وعضد تأويله بفعله ذلك صلى الله عليه وسلم وذلك أن صلحه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية لم يكن لموضع الضرورة وأما الشافعي فلما كان الأصل عنده الأمر بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وكان هذا مخصصا عنده بفعله عليه الصلاة والسلام عام الحديبية لم ير أن يزداد على المدة التي صالح عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في هذه المدة فقيل كانت أربع سنين وقيل ثلاثا وقيل عشر سنين وبذلك قال الشافعي وأما من أجاز أن يصالح المسلمون المشركين بأن يعطوا لهم المسلمون شيئا إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة أو غيرها فمصيرا إلى ما روي أنه كان عليه الصلاة والسلام قد هم أن يعطي بعض تمر المدينة لبعض الكفار الذين كانوا في جملة الأحزاب لتخبيبهم فلم يوافقه على القدر الذي كان سمح له به من تمر المدينة حتى أفاء الله بنصره وأما من لم يجز ذلك إلا أن يخاف المسلمون أن يصطلموا فقياسا على إجماعهم على جواز فداء أسارى المسلمين لأن المسلمين إذا صاروا في هذا الحد فهم بمنزلة الأسارى الفصل السابع لماذا يحاربون فأما لماذا يحاربون فاتفق المسلمون على أن المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب هو أحد أمرين إما الدخول في الإسلام وإما إعطاء الجزية لقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وكذلك اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس لقوله صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب واختلفوا فيما سوى أهل الكتاب من المشركين هل تقبل منهم الجزية أم لا فقال قوم تؤخذ الجزية من كل مشرك وبه قال مالك وقوم استثنوا من ذلك مشركي العرب وقال الشافعي وأبو ثور وجماعة لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس

قسم V01/P283–V01/P285

والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص أما العموم فقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وأما الخصوص فقوله لأمراء السرايا الذين كان يبعثهم إلى مشركي العرب ومعلوم أنهم كانوا غير أهل كتاب فإذا لقيت عدوك فادعهم إلى ثلاث خصال فذكر الجزية فيها وقد تقدم الحديث فمن رأى أن العموم إذا تأخر عن الخصوص فهو ناسخ له قال لا تقبل الجزية من مشرك ما عدا أهل الكتاب لأن الآية الآمرة بقتالهم على العموم هي متأخرة عن ذلك الحديث وذلك أن الأمر بقتال المشركين عامة وهو في سورة براءة ذلك عام الفتح وذلك الحديث إنما هو قبل الفتح بدليل دعائهم فيه للهجرة ومن رأى أن العموم يبنى على الخصوص تقدم أو تأخر أو جهل التقدم والتأخر بينهما قال تقبل الجزية من جميع المشركين وأما تخصيص أهل الكتاب من سائر المشركين فخرج من ذلك العموم باتفاق بخصوص قوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وسيأتي القول في الجزية وأحكامها في الجملة الثانية من هذا الكتاب فهذه هي أركان الحرب ومما يتعلق بهذه الجملة من المسائل المشهورة النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو وعامة الفقهاء على أن ذلك غير جائز لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة يجوز ذلك إذا كان في العساكر المأمونة والسبب في اختلافهم هل النهي عام أريد به العام أو عام أريد به الخاص الجملة الثانية والقول المحيط بأصول هذه الجملة ينحصر أيضا في سبعة فصول الأول في حكم الخمس الثاني في حكم الأربعة الأخماس الثالث في حكم الأنفال الرابع في حكم ما وجد من أموال المسلمين عند الكفار الخامس في حكم الأرضين السادس في حكم الفيء السابع في أحكام الجزية والمال الذي يؤخذ منهم على طريق الصلح الفصل الأول في حكم خمس الغنيمة واتفق المسلمون على أن الغنيمة التي تؤخذ قسرا من أيدي الروم ما عدا الأرضين أن خمسها للإمام وأربعة أخماسها للذين غنموها لقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول الآية واختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة أحدها أن الخمس يقسم على خمسة أقسام على نص الآية وبه قال الشافعي والقول الثاني أنه يقسم على أربعة أخماس وأن قوله تعالى فأن لله خمسه هو افتتاح كلام وليس هو قسما خامسا والقول الثالث أنه يقسم اليوم ثلاثة أقسام وأن سهم النبي وذي القربى سقطا بموت النبي صلى الله عليه وسلم والقول الرابع أن الخمس بمنزلة الفيء يعطى منه الغني والفقير وهو قول مالك وعامة الفقهاء والذين قالوا يقسم أربعة أخماس أو خمسة اختلفوا فيما يفعل بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم القرابة بعد موته فقال قوم يرد على سائر الأصناف الذين لهم الخمس وقال قوم بل يرد على باقي الجيش وقال قوم بل سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام وسهم ذوي القربى لقرابة الإمام وقال قوم بل يجعلان في السلاح والعدة واختلفوا في القرابة من هم فقال قوم بنو هاشم وقال قوم بنو عبد المطلب وبنو هاشم وسبب اختلافهم في هل الخمس يقصر على الأصناف المذكورين أم يعدى لغيرهم هو هل ذكر تلك الأصناف في الآية المقصود منها تعيين الخمس لهم أم قصد التنبيه بهم على غيرهم فيكون ذلك من باب الخاص أريد به العام فمن رأى أنه من باب الخاص أريد به الخاص قال لا يتعدى بالخمس تلك الأصناف المنصوص عليها وهو الذي عليه الجمهور ومن رأى أنه من باب الخاص أريد به العام قال يجوز للإمام أن يصرفها فيما يراه صلاحا للمسلمين واحتج من رأى أن سهم النبي صلى الله عليه وسلم للإمام بعده بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أطعم الله نبيا طعمة فهو للخليفة بعده

قسم V01/P285–V01/P286

وأما من صرفه على الأصناف الباقين أو على الغانمين فتشبيها بالصنف المحبس عليهم وأما من قال القرابة هم بنو هاشم وبنو المطلب فإنه احتج بحديث جبير بن مطعم قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني المطلب من الخمس قال وإنما بنو هاشم وبنو المطلب صنف واحد ومن قال بنو هاشم صنف فلأنهم الذين لا يحل لهم الصدقة واختلف العلماء في سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس فقال قوم الخمس فقط ولا خلاف عندهم في وجوب الخمس له غاب عن القسمة أو حضرها وقال قوم بل الخمس والصفي وهو سهم مشهور له صلى الله عليه وسلم وهو شيء كان يصطفيه من رأس الغنيمة فرس أو أمة أو عبد وروي أن صفية كانت من الصفي وأجمعوا على أن الصفي ليس لأحد من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا ثور فإنه قال يجري مجرى سهم النبي صلى الله عليه وسلم الفصل الثاني في حكم الأربعة الأخماس أجمع جمهور العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين إذا خرجوا بإذن الإمام واختلفوا في الخارجين بغير إذن الإمام وفيمن يجب له سهمه من الغنيمة ومتى يجب وكم يجب وفيما يجوز له من الغنيمة قبل القسم فالجمهور على أن أربعة أخماس الغنيمة للذين غنموها خرجوا بإذن الإمام أو بغير ذلك لعموم قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية وقال قوم إذا خرجت السرية أو الرجل الواحد بغير إذن الإمام فكل ما ساق نفل يأخذه الإمام وقال قوم بل يأخذه كله الغانم فالجمهور تمسكوا بظاهر الآية وهؤلاء كأنهم اعتمدوا صورة الفعل الواقع من ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن جميع السرايا إنما كانت تخرج عن إذنه عليه الصلاة والسلام فكأنهم رأوا أن إذن الإمام شرط في ذلك وهو ضعيف وأما من له السهم من الغنيمة فإنهم اتفقوا على الذكران الأحرار البالغين واختلفوا في أضدادهم أعني في النساء والعبيد ومن لم يبلغ من الرجال ممن قارب البلوغ فقال قوم ليس للعبيد ولا للنساء حظ من الغنيمة ولكن يرضخ لهم وبه قال مالك وقال قوم لا يرضخ ولا لهم حظ الغانمين وقال قوم بل لهم حظ واحد من الغانمين وهو قول الأوزاعي وكذلك اختلفوا في الصبي المراهق فمنهم من قال يقسم له وهو مذهب الشافعي ومنهم من اشترط في ذلك أن يطيق القتال وهو مذهب مالك ومنهم من قال يرضخ له وسبب اختلافهم في العبيد هو هل عموم الخطاب يتناول الأحرار والعبيد معا أم الأحرار فقط دون العبيد وأيضا فعمل الصحابة معارض لعموم الآية وذلك أنه انتشر فيهم رضي الله عنهم أن الغلمان لا سهم لهم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ذكره ابن أبي شيبة من طرق عنهما قال أبو عمر بن عبد البر أصح ما روي من ذلك عن عمر ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان قال قال عمر ليس أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم وإنما صار الجمهور إلى أن المرأة لا يقسم بها ويرضخ بحديث أم عطية الثابت قالت كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنداوي الجرحى ونمرض المرضى وكان يرضخ لنا من الغنيمة وسبب اختلافهم هو اختلافهم في تشبيه المرأة بالرجل في كونها إذا عزت لها تأثير في الحرب أم لا فإنهم اتفقوا على أن النساء مباح لهن الغزو فمن شبههن بالرجال أوجب لهن نصيبا في الغنيمة ومن رآهن ناقصات عن الرجال في هذا المعنى إما لم يوجب لهم شيئا وإما أوجب لهم دون حظ الغانمين وهو الأرضاخ والأولى اتباع الأثر وزعم الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء بخيبر وكذلك اختلفوا في التجار والأجراء هل يسهم لهم أم لا فقال مالك لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا وقال قوم بل يسهم لهم إذا شهدوا القتال

قسم V01/P286–V01/P287

وسبب اختلافهم هو تخصيص عموم قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه بالقياس الذي يوجب الفرق بين هؤلاء وسائر الغانمين وذلك أن من رأى أن التجار والأجراء حكمهم حكم خلاف سائر المجاهدين لأنهم لم يقصدوا القتال وإنما قصدوا إما التجارة وإما الإجارة استثناهم من ذلك العموم ومن رأى أن العموم أقوى من هذا القياس أجرى العموم على ظاهره ومن حجة من استثناهم ما خرجه عبد الرزاق أن عبد الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين أن يخرج معهم فقال نعم فوعده فلما حضر الخروج دعاه فأبى أن يخرج معه واعتذر له بأمر عياله وأهله فأعطاه عبد الرحمن ثلاثة دنانير على أن يخرج معه فلما هزموا العدو سأل الرجل عبد الرحمن نصيبه من المغنم فقال عبد الرحمن سأذكر أمرك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الثلاثة دنانير حظه ونصيبه من غزوه في أمر دنياه وآخرته وخرج مثله أبو داود عن يعلى بن منبه ومن أجاز له القسم شبهه بالجعائل أيضا وهو أن يعين أهل الديوان بعضهم بعضا أعني يعين القاعد منهم الغازي وقد اختلف العلماء في الجعائل فأجازها مالك ومنعها غيره ومنهم من أجاز ذلك من السلطان فقط أو إذا كانت ضرورة وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأما الشرط الذي يجب به للمجاهد السهم من الغنيمة فإن الأكثر على أنه إذا شهد القتال وجب له السهم وإن لم يقاتل وأنه إذا جاء بعد القتال فليس له سهم في الغنيمة وبهذا قال الجمهور وقال قوم إذا لحقهم قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام وجب له حظه من الغنيمة إن اشتغل في شيء من أسبابها وهو قول أبي حنيفة والسبب في اختلافهم سببان القياس والأثر أما القياس فهو هل يلحق تأثير الغازي في الحفظ بتأثيره في الأخذ وذلك أن الذي شهد القتال له تأثير في الأخذ أعني في أخذ الغنيمة وبذلك استحق السهم والذي جاء قبل أن يصلوا إلى بلاد المسلمين له تأثير في الحفظ فمن شبه التأثير في الأخذ قال يجب له السهم وإن لم يحضر القتال ومن رأى أن الحفظ أضعف لم يوجب له وأما الأثر فإن في ذلك أثرين متعارضين أحدهما ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما فتحوها فقال أبان اقسم لنا يا رسول الله فلم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم منها والأثر الثاني ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم ولم يضرب لأحد غاب عنها قالوا فوجب له السهم لأن اشتغاله كان بسبب الإمام قال أبو بكر بن المنذر وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال الغنيمة لمن شهد الوقيعة وأما السرايا التي تخرج من العساكر فتغنم فالجمهور على أن أهل العسكر يشاركونهم فيما غنموا وإن لم يشهدوا الغنيمة ولا القتال وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام وترد سراياهم على قعدتهم خرجه أبو داود ولأن لهم تأثيرا أيضا في أخذ الغنيمة وقال الحسن البصري إذا خرجت السرية بإذن الإمام من عسكره خمسها وما بقي فلأهل السرية وإن خرجوا بغير إذنه خمسها وكان ما بقي بين أهل الجيش كله وقال النخعي الإمام بالخيار إن شاء خمس ما ترد السرية وإن شاء نفله كله والسبب أيضا في هذا الاختلاف هو تشبيه تأثير العسكر في غنيمة السرية بتأثير من حضر القتال بها وهم أهل السرية فإذن الغنيمة إنما تجب عند الجمهور للمجاهد بأحد شرطين إما أن يكون ممن حضر القتال وإما أن يكون ردءا لمن حضر القتال وأما كم يجب للمقاتل فإنهم اختلفوا في الفارس فقال الجمهور للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وقال أبو حنيفة للفارس سهمان سهم لفرسه وسهم له

الأسئلة