Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

قسم V01/P158–V01/P159

ومن تمسك بقول عثمان فلأنه رأي أن مثل ذلك ليس هو بالرأي وإنما هو توفيق وليس هو بخارج عن الأصول كل الخروج وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جدا إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصيرإليه واختلفوا فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام فقال قوم يصلي أربعا وبه قال أحمد والثوري وهو مروي عن ابن مسعود وقال قوم بل يقضيها على صفة صلاة الإمام ركعتين يكبر فيهما نحو تكبيره ويجهر كجهره وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال قوم بل ركعتين فقط لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبير العيد وقال قوم إن صلى الإمام في المصلى صلى ركعتين وإن صلى في غير المصلى صلى أربع ركعات وقال قوم لا قضاء عليه أصلا وهو قول مالك وأصحابه وحكى ابن المنذر عنه مثل قول الشافعي فمن قال أربعا شبهها بصلاة الجمعة وهو تشبيه ضعيف ومن قال ركعتين كما صلاهما الإمام فمصيرا إلى أن الأصل هو أن القضاء يجب أن يكون على صفة الأداء ومن منع القضاء فلأنه رأى أنها صلاة من شرطها الجماعة والإمام كالجمعة فلم يجب قضاؤها ركعتين ولا أربعا إذ ليست هي بدلا من شيء وهذان القولان هما اللذان يتردد فيهما النظر أعني قول الشافعي وقول مالك وأما سائر الأقاويل في ذلك فضعيف لا معنى له لأن صلاة الجمعة بدل من الظهر وهذه ليست بدلا من شيء فكيف يجب أن تقاس إحداهما على الأخرى في القضاء وعلى الحقيقة فليس من فاتته الجمعة فصلاته الظهر قضاء بل هي أداء لأنه إذا فاته البدل وجبت هي والله الموفق للصواب واختلفوا في التنفل قبل صلاة العيد وبعدها فالجمهور على أنه لا يتنفل لا قبلها ولا بعدها وهو مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وجابر وبه قال أحمد وقيل يتنفل قبلها وبعدها وهو مذهب أنس وعروة وبه قال الشافعي وفيه قول ثالث وهو أن يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها وقال به الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وهو مروي أيضا عن ابن مسعود وفرق قوم بين أن تكون الصلاة في المصلى أو في المسجد وهو مشهور مذهب مالك وسبب اختلافهم أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما وقال عليه الصلاة والسلام إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين وترددها أيضا من حيث هي مشروعة بين أن يكون حكمها في استحباب التنفل قبلها وبعدها حكم المكتوبة أو لا يكون ذلك حكمها فمن رأى أن تركه الصلاة قبلها وبعدها هو من باب ترك الصلاة قبل السنن وبعدها ولم ينطلق اسم المسجد عنده على المصلى لم يستحب تنفلا قبلها ولا بعدها ولذلك تردد المذهب في الصلاة قبلها إذا صليت في المسجد لكون دليل الفعل معارضا في ذلك القول أعني أنه من حيث هو داخل في مسجد يستحب له الركوع ومن حيث هو مصل صلاة العيد يستحب له أن لا يركع تشبها بفعله عليه الصلاة والسلام ومن رأى أن ذلك من باب الرخصة ورأى أن اسم المسجد ينطلق على المصلى ندب إلى التنفل قبلها ومن شبهها بالصلاة المفروضة استحب التنفل قبلها وبعدها كما قلنا ورأى قوم أن التنفل قبلها وبعدها من باب المباح الجائز لا من باب المندوب ولا من باب المكروه وهو أقل اشتباها إن لم يتناول اسم المسجد المصلى واختلفوا في وقت التكبير في عيد الفطر بعد أن أجمع على استحبابه الجمهور لقوله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم فقال جمهور العلماء يكبر عند الغدو إلى الصلاة وهو مذهب ابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقال قوم يكبر من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدو إلى المصلى وحتى يخرج الإمام وكذلك في ليلة الأضحى عندهم إن لم يكن حاجا وروي عن ابن عباس إنكار التكبير جملة إلا إذا كبر الإمام

قسم V01/P159–V01/P161

واتفقوا أيضا على التكبير في أدبار الصلوات أيام الحج واختلفوا في توقيت ذلك فة إلى العصر من آخر أيام التشريق وبه قال سفيان وأحمد وأبو ثور وقيل يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وهو قول مالك والشافعي وقال الزهري مضت السنة أن يكبر الإمام في الأمصار دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق وبالجملة فالخلاف في ذلك كثير حكى ابن المنذر فيها عشرة أقوال وسبب اختلافهم في ذلك هو أنه نقلت بالعمل ولم ينقل في ذلك قول محدود فلما اختلفت الصحابة في ذلك اختلف من بعدهم والأصل في هذا الباب قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات فهذا الخطاب وإن كان المقصود به أولا أهل الحج فإن الجمهور رأوا أنه يعم أهل الحج وغيرهم وتلقي ذلك بالعمل وإن كانوا اختلفوا في التوقيت في ذلك ولعل التوقيت في ذلك على التخيير لأنهم كلهم أجمعوا على التوقيت واختلفوا فيه وقال قوم التكبير دبر الصلاة في هذه الأيام إنما هو لمن صلى في جماعة وكذلك اختلفوا في صفة التكبير في هذه الأيام فقال مالك والشافعي يكبر ثلاثا الله أكبر الله أكبر الله أكبر وقيل يزيد بعد هذا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وروي عن ابن عباس أنه يقول الله أكبر كبيرا ثلاث مرات ثم يقول الرابعة ولله الحمد وقال جماعة ليس فيه شيء مؤقت والسبب في هذا الاختلاف عدم التحديد في ذلك في الشرع مع فهمهم من الشرع في ذلك التوقيت أعني فهم الأكثر وهذا هو السبب في اختلافهم في توقيت زمان التكبير أعني فهم التوقيت مع عدم النص في ذلك وأجمعوا على أنه يستحب أن يفطر في عيد الفطر قبل الغدو إلى المصلى وأن لا يفطر يوم الأضحى إلا بعد الانصراف من الصلاة وأنه يستحب أن يرجع من غير الطريق التي مشى عليها لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام الباب التاسع في سجود القرآن والكلام في هذا الباب ينحصر في خمسة فصول : في حكم السجود . وفي عدد السجدات التي هي عزائم ، أعني التي يسجد لها ، وفي الأوقات التي يسجد لها . وعلى من يجب السجود . وفي صفة السجود . فأما حكم سجود التلاوة فإن أبا حنيفة وأصحابه قالوا : هو واجب . وقال مالك والشافعي هو مسنون وليس بواجب وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم الأوامر بالسجود والأخبار التي معناها معنى الأوامر بالسجود مثل قوله تعالى إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب فأبو حنيفة حملها على ظاهرها من الوجوب ومالك والشافعي اتبعا في مفهومهما الصحابة إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية وذلك أنه لما ثبت أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة يوم الجمعة فنزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية وقرأها تهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء قالوا وهذا بمحضر الصحابة فلم ينقل عن أحد منهم خلاف وهم أفهم بمغزى الشرع وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف حجة وقد احتج أصحاب الشافعي في ذلك بحديث زيد بن ثابت أنه قال كنت أقرأ القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأت سورة الحج فلم يسجد ولم نسجد ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يسجد في المفصل وبما روي أنه سجد فيها لأن وجه الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكون السجود واجبا وذلك بأن يكون كل واحد منهم حدث بما رأى من قال إنه سجد ومن قال إنه لم يسجد وأما أبو حنيفة فتمسك في ذلك بأن الأصل هو حمل الأوامر على الوجوب أو الأخبار التي تنزل منزلة الأوامر

قسم V01/P161–V01/P162

وقد قال أبو المعالي إن احتجاج أبي حنيفة بالأوامر الواردة بالسجود في ذلك لا معنى له فإن إيجاب السجود مطلقا ليس يقتضي وجوبه مقيدا وهو عند القراءة أعني قراءة آية السجود قال ولو كان الأمر كما زعم أبو حنيفة لكانت الصلاة تجب عند قراءة الاية التي فيها الأمر بالصلاة وإذا لم يجب ذلك فليس يجب السجود عند قراءة الاية التي فيها الأمر بالسجود من الأمر بالسجود ولأبي حنيفة أن يقول قد أجمع المسلمون على أن الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن هي بمعنى الأمر وذلك في أكثر المواضع وإذا كان ذلك كذلك فقد ورد الأمر بالسجود مقيدا بالتلاوة أعني عند التلاوة وورد الأمر به مطلقا فوجب حمل المطلق على المقيد وليس الأمر في ذلك بالسجود كالأمر بالصلاة فإن الصلاة قيد وجوبها بقيود أخر وأيضا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد سجد فيها فبين لنا بذلك معنى الأمر بالسجود الوارد فيها أعني أنه عند التلاوة فوجب أن يحمل مقتضى الأمر في الوجوب عليه وأما عدد عزائم سجود القرآن فإن مالكا قال في الموطأ الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء وقال أصحابه أولها خاتمة الأعراف وثانيها في الرعد عند قوله تعالى بالغدو والآصال وثالثها في النحل عند قوله تعالى ويفعلون ما يؤمرون ورابعها في بني إسرائيل عند قوله تعالى ويزيدهم خشوعا وخامسها في مريم عند قوله تعالى خروا سجدا عند قوله تعالى إن الله يفعل ما يشاء وسابعها في الفرقان عند قوله تعالى وزادهم نفورا وثامنها في النمل عند قوله تعالى رب العرش العظيم وتاسعها في آلم تنزيل عند قوله تعالى وهم لا يستكبرون وعاشرها في ص عند قوله تعالى وخر راكعا وأناب والحادية عشر في حم تنزيل عند قوله تعالى إن كنتم إياه تعبدون وقيل عند قوله تعالى وهم لا يسأمون وقال الشافعي أربع عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل في الانشقاق وفي النجم وفي اقرأ باسم ربك ولم ير في ص سجدة لأنها عنده من باب الشكر وقال أحمد هي خمس عشرة سجدة أثبت فيها الثانية من الحج وسجدة ص وقال أبو حنيفة هي اثنتا عشرة سجدة قال الطحاوي وهي كل سجدة جاءت بلفظ الخبر والسبب في اختلافهم اختلافهم في المذاهب التي اعتمدوها في تصحيح عددها وذلك أن منهم من اعتمد عمل أهل المدينة ومنهم من اعتمد القياس ومنهم من اعتمد السماع أما الذين اعتمدوا العمل فمالك وأصحابه وأما الذين اعتمدوا القياس فأبو حنيفة وأصحابه وذلك أنهم قالوا وجدنا السجدات التي أجمع عليها جاءت بصيغة الخبر وهي سجدة الأعراف والنحل والرعد والإسراء ومريم وأول الحج والفرقان والنمل و الم تنزيل فوجب أن يلحق بها سائر السجدات التي جاءت بصيغة الخبر وهي التي في ص والانشقاق ويسقط ثلاث جاءت بلفظ الأمر وهي التي في والنجم وفي الثانية من الحج وفي اقرأ باسم ربك وأما الذين اعتمدوا السماع فإنهم صاروا إلى ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من سجوده في الانشقاق وفي اقرأ باسم ربك وفي والنجم خرج ذلك الحج من سجدة قال سجدتان وصحيح حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحج سجدتان وهو قول عمر وعلي قال القاضي خرجه أبو داود وأما الشافعي فإنه إنما صار إلى إسقاط سجدة ص لما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ وهو على المنبر آية السجود من سورة ص فنزل وسجد فلما كان يوم آخر قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشيرون للسجود فنزلت فسجدت وفي هذا ضرب من الحجة لأبي حنيفة في قوله بوجوب السجود لأنه علل ترك السجود في هذه السجدة بعلة انتفت في غيرها من السجدات فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها العلة بخلاف التي ثبتت لها العلة وهو نوع من الاستدلال وفيه اختلاف لأنه من باب تجويز دليل الخطاب

قسم V01/P162–V01/P163

وقد احتج بعض من لم ير السجود في المفصل بحديث عكرمة عن ابن عباس خرجه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ هاجر إلى المدينة قال أبو عمر وهو منكر لأن أبا هريرة الذي روى سجوده في المفصل لم يصحبه عليه الصلاة والسلام إلا بالمدينة وقد روى الثقات عنه أنه سجد عليه الصلاة والسلام في والنجم وأما وقت السجود فإنهم اختلفوا فيه فمنع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وهو مذهب أبي حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الأوقات ومنع مالك أيضا ذلك في الموطأ لأنها عنده من النفل والنفل ممنوع في هذه الأوقات عنده وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر الشمس أو تتغير وكذلك بعد الصبح وبه قال الشافعي وهذا بناء على أنها سنة وأن السنن تصلى في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع وأما على من يتوجه حكمها فأجمعوا على أنه يتوجه على القارىء في صلاة كان أو في غير صلاة واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا فقال أبو حنيفة عليه السجود ولم يفرق بين الرجل والمرأة وقال مالك يسجد السامع بشرطين أحدهما إذا كان قعد ليسمع القرآن والاخر أن يكون القارىء يسجد وهو مع هذا ممن يصح أن يكون إماما للسامع وروى ابن القاسم عن مالك أنه يسجد السامع وإن كان القارىء ممن لا يصلح للإمامة إذا جلس إليه وأما صفة السجود فإن جمهور الفقهاء قالوا إذا سجد القارىء كبر إذا خفض وإذا رفع واختلف قول مالك في ذلك إذا كان في غير صلاة وأما إذا كان في الصلاة فإنه يكبر قولا واحدا بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد وآله كتاب أحكام الميت والكلام في هذا الكتاب وهي حقوق الأموات على الأحياء ينقسم إلى ست جمل الجملة الأولى فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده الثانية في غسله الثالثة في تكفينه الرابعة في حمله واتباعه الخامسة في الصلاة عليه السادسة في دفنه الباب الأول فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده ويستحب أن يلقن الميت عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله لقوله عليه الصلاة والسلام لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله وقوله من كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة واختلفوا في استحباب توجيهه إلى القبلة فرأى ذلك قوم ولم يره الاخرون وروي عن مالك أنه قال في التوجيه ما هو من الأمر القديم وروي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة ولا من التابعين أعني الأمر بالتوجيه فإذا قضى الميت غمض عينيه ويستحب تعجيل دفنه لورود الاثار فنه مخافة أن يكون الماء قد غمره فلم تتبين حياته قال القاضي وإذا قيل هذا في الغريق فهو أولى في كثير من المرضى مثل الذين يصيبهم انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الأطباء حتى لقد قال الأطباء إن المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث الباب الثاني في غسل الميت ويتعلق بهذا الباب فصول أربعة منها في حكم الغسل ومنها فيمن يجب غسله من الموتى ومن يجوز أن يغسل وما حكم الغاسل ومنها في صفة الغسل الفصل الأول في حكم الغسل فأما حكم الغسل فإنه قيل فيه إنه فرض على الكفاية وقيل سنة على الكفاية والقولان كلاهما في المذهب والسبب في ذلك أنه نقل بالعمل لا بالقول والعمل ليس له صيغة تفهم الوجوب أو لا تفهمه وقد احتج عبد الوهاب لوجوبه بقوله عليه الصلاة والسلام في ابنته اغسلنها ثلاثا أو خمسا وبقوله في المحرم اغسلوه فمن رأى أن هذا القول خرج مخرج تعليم لصفة أنه يتضمن الأمر والصفة قال بوجوبه الفصل الثاني فيمن يجب غسله من الموتى وأما الأموات الذين يجب غسلهم فإنهم اتفقوا من ذلك على غسل الميت المسلم الذي لم يقتل في معترك حرب الكفار

قسم V01/P163–V01/P165

واختلفوا في غسل الشهيد وفي الصلاة عليه وفي غسل المشرك فأما الشهيد أعني الذي قتله في المعترك المشركون فإن الجمهور على ترك غسله لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم وكان الحسن وسعيد بن المسيب يقولان يغسل كل مسلم فإن كل ميت يجنب ولعلهم كانوا يرون أن ما فعل بقتلى أحد كان لموضع الضرورة أعني المشقة في غسلهم وقال بقولهم من فقهاء الأمصار عبيد الله بن الحسن العنبري وسئل أبو عمر فيما حكى ابن المنذر عن غسل الشهيد فقال قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه وكان شهيدا يرحمه الله واختلف الذين اتفقوا على أن الشهيد في حرب المشركين لا يغسل في الشهداء من قتل اللصوص أو غير أهل الشرك فقال الأوزاعي وأحمد وجماعة حكمهم حكم من قتله أهل الشرك وقال مالك والشافعي يغسل وسبب اختلافهم هو هل الموجب لرفع حكم الغسل هي الشهادة مطلقا أو الشهادة على أيدي الكفار فمن رأى أن سبب ذلك هي الشهادة مطلقا قال لا يغسل كل من نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهيد ممن قتل ومن رأى أن سبب ذلك هي الشهادة من الكفار قصر ذلك عليهم وأمل غسل المسلم الكافر فكان مالك يقول لا يغسل المسلم والده الكافر ولا يقبره إلا أن يخاف ضياعه فيواريه وقال الشافعي لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين ودفنهم وبه قال أبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه قال أبو بكر بن المنذر ليس في غسل الميت المشرك سنة تتبع وقد روى أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بغسل عمه لما مات وسبب الخلاف هل الغسل من باب العبادة أو من باب النظافة فإن كانت عبادة لم يجز غسل الكافر وإن كانت نظافة جاز غسله الفصل الثالث فيمن يجوز أن يغسل الميت وأما من يجوز أن يغسل الميت فإنهم اتفقوا على أن الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال أو الرجل يموت مع النساء ما لم يكونا زوجين على ثلاثة أقوال فقال قوم يغسل كل واحد منهما صاحبه من فوق الثياب وقال قوم ييمم كل واحد منهما صاحبه وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء وقال قوم لا يغسل واحد منهما صاحبه ولا ييممه وبه قال الليث بن سعد بل يدفن من غير غسل وسبب اختلافهم هو الترجيح بين تغليب النهي على الأمر أو الأمر على النهي وذلك أن الغسل مأمور به ونظر الرجل إلى بدن المرأة والمرأة إلى بدن الرجل منهي عنه فمن غلب النهي تغليبا مطلقا أعني لم يقس الميت على الحي في كون الطهارة التراب له بدلا من طهارة الماء عند تعذرها قال لا يغسل كل واحد منهما صاحبه ولا ييممه ومن غلب الأمر على النهي قال يغسل كل واحد منهما صاحبه أعني غلب الأمر على النهي تغليبا مطلقا ومن ذهب إلى التيمم فلأنه رأى أنه لا يلحق الأمر والنهي في ذلك تعارض وذلك أن النظر إلى مواضع التيمم يجوز لكلا الصنفين ولذلك رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يديها ووجهها فقط لكون ذلك منها ليسا بعورة وأن تيمم المرأة الرجل إلى المرفقين لأنه ليس من الرجل عورة إلا من السرة فمرة قال ييمم كل واحد منهما صاحبه قولا مطلقا ومرة فرق في ذلك بين ذوي المحارم وغيرهم ومرة فرق في ذوي المحارم بين الرجال والنساء فيتحصل عنه أن له في ذوي المحارم ثلاثة أقوال أشهرها أنه يغسل كل واحد منهما صاحبه على الثياب والثاني أنه لا يغسل أحدهما صاحبه ولكن ييممه مثل قول الجمهور في غير ذوي المحارم والثالث الفرق بين الرجال والنساء أعني تغسل المرأة الرجل ولا يغسل الرجل المرأة فسبب المنع أن كل واحد منهما لا يحل له أن ينظر إلى موضع الغسل من صاحبه كالأجانب سواء وسبب الإباحة أنه موضع ضرورة وهم أعذر في ذلك من الأجنبي

قسم V01/P165–V01/P166

وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن ولم يحجب الرجال عن النساء وأجمعوا من هذا الباب على جواز غسل المرأة زوجها واختلفوا في جواز غسله إياها فالجمهور على جواز ذلك وقال أبو حنيفة لا يجوز غسل الرجل زوجته وسبب اختلافهم هو تشبيه الموت بالطلاق فمن شبهه بالطلاق قال لا يحل أن ينظر إليها بعد الموت ومن لم يشبهه بالطلاق وهم الجمهور قال إن ما يحل له من النظر إليها قبل الموت يحل له بعد الموت وإنما دعا أبا حنيفة أن يشبه الموت بالطلاق لأنه رأى أنه إذا ماتت إحدى الأختين حل له نكاح الأخرى كالحال فيها إذا طلقت وهذا فيه بعد فإن علة منع الجمع مرتفعة بين الحي والميت لذلك حلت إلا أن يقال إن علة منع الجمع غير معقولة وأن منع الجمع بين الأختين عبادة محضة غير معقولة المعنى فيقوى حينئذ مذهب أبي حنيفة وكذلك أجمعوا على أن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها واختلفوا في الرجعية فروي عن مالك أنها تغسله وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال ابن القاسم لا تغسله وإن كان الطلاق رجعيا وهو قياس قول مالك لأنه ليس يجوز عنده أن يراها وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم هو هل يحل للزوج أن ينر إلى الرجعية أو لا ينظر إليها وأما حكم الغاسل فإنهم اختلفوا فيما يجب عليه فقال قوم من غسل ميتا وجب عليه الغسل وقال قوم لا غسل عليه وسبب اختلافهم معارضة حديث أبي هريرة لحديث أسماء وذلك أن أبا هريرة روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ خرجه أبو داود وأما حديث أسماء فإنها لما غسلت أبا بكر رضي الله عنه خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين والأنصار وقالت إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد فهل علي من غسل قالوا لا وحديث أسماء في هذا صحيح وأما حديث أبي هريرة فهو عند أكثر أهل العلم فيما حكى أبو عمر غير صحيح لكن حديث أسماء ليس فيه في الحقيقة معارضة له فإن من أنكر الشيء يحتمل أن يكون ذلك لأنه لم تبلغه السنة في ذلك الشيء وسؤال أسماء والله أعلم يدل على الخلاف في ذلك في الصدر الأول ولهذا كله قال الشافعي رضي الله عنه على عادته في الاحتياط والالتفات إلى الأثر لا غسل على من غسل الميت إلا أن يثبت حديث أبي هريرة الفصل الرابع في صفة الغسل وفي هذا الفصل مسائل إحداها هل ينزع عن الميت قميصه إذا غسل أم يغسل في قميصه اختلفوا في ذلك فقال مالك إذا غسل الميت تنزع ثيابه وتستر عورته وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يغسل في قميصه وسبب اختلافهم تردد غسله عليه الصلاة والسلام في قميصه بين أن يكون خاصا يحرم من النظر إلى الميت إلا ما يحرم منه وهو حي قال يغسل عريانا إلا عورته فقط التي يحرم النظر إليها في حال الحياة ومن رأى أن ذلك سنة يستند إلى باب الإجماع أو إلى الأمر الإلهي لأنه روي في الحديث أنهم سمعوا صوتا يقول لهم لا تنزعوا القميص وقد ألقي عليهم النوم قال الأفضل أن يغسل الميت في قميصه المسألة الثانية قال أبو حنيفة لا يوضأ الميت وقال الشافعي يوضأ وقال مالك إن وضىء فحسن وسبب الخلاف في ذلك معارضة القياس للأثر وذلك أن القياس يقتضي ألا وضوء على الميت لأن الوضوء طهارة مفروضة لموضع العبادة وإذا أسقطت العبادة عن الميت سقط شرطها الذي هو الوضوء ولولا أن الغسل ورد في الاثار لما وجب غسله وظاهر حديث أم عطية الثابت أن الوضوء شرط في غسل الميت لأن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غسل ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها وهذه الزيادة ثابتة خرجها البخاري ومسلم

قسم V01/P166–V01/P167

ولذلك يجب أن تعارض بالروايات التي فيها الغسل مطلقا لأن المقيد يقضي على المطلق إذ فيه زيادة على ما يراه كثير من الناس ويشبه أيضا أن يكون من أسباب الخلاف في ذلك معارضة المطلق للمقيد وذلك أنه وردت آثار كثيرة فيها الأمر بالغسل مطلقا من غير ذكر وضوء فيها فهؤلاء رجحوا الإطلاق على التقييد لمعارضة القياس له في هذا الموضع و الشافعي جرى على الأصل من حمل المطلق على المقيد المسألة الثالثة اختلفوا في التوقيت في الغسل فمنهم من أوجبه ومنهم من استحسنه واستحبه والذين أوجبوا التوقيت منهم من أوجب الوتر أي وتر كان وبه قال ابن سيرين ومنهم من أوجب الثلاثة فقط وهو أبو حنيفة ومنهم من حد أقل الوتر في ذلك فقال لا ينقص عن الثلاثة ولم يحد الأكثر وهو الشافعي ومنهم من حد الأكثر في ذلك فقال لا يتجاوز به السبعة وهو أحمد بن حنبل وممن قال باستحباب الوتر ولم يحد فيه حدا مالك بن أنس وأصحابه وسبب الخلاف بين من شرط التوقيت ومن لم يشترطه بل استحبه معارضة القياس للأثر وذلك أن ظاهر حديث أم عطية يقتضي التوقيت لأن فيه اغسلنها ثلاثاأو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن وفي بعض ر واياته أو سبعا وأما قياس الميت على الحي في الطهارة فيقتضي أن لا توقيت فيها كما ليس في طهارة الحي توقيت فمن رجح الأثر على النظر قال بالتوقيت ومن رأى الجمع بين الأثر والنظر حمل التوقيت على الاستحباب وأما الذين اختلفوا في التوقيت فسبب اختلافهم اختلاف ألفاظ الروايات في ذلك عن أم عطية فأما الشافعي فإنه رأى أن لا ينقص عن ثلاثة لأنه أقل وتر نطق به في حديث أم عطية ورأى أن ما فوق ذلك مباح لقوله عليه الصلاة والسلام أو أكثر من ذلك إن رأيتن وأما أحمد فأخذ بأكثر وتر نطق به في بعض روايات الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام أو سبعا وأما أبو حنيفة فصار في قصره الوتر على الثلاث لما روي أن محمد بن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا يغسل بالسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور وأيضا فإن الوتر الشرعي عنده إنما ينطلق على الثلاث فقط وكان مالك يستحب أن يغسل في الأولى بالماء القراح وفي الثانية بالسدر وفي الثالثة بالماء والكافور واختلفوا إذا خرج من بطنه حدث هل يعاد غسله أم لا فقيل لا يعاد وبه قال مالك وقيل يعاد والذين رأوا أنه يعاد اختلفوا في العدد الذي تجب به الإعادة إن تكرر خروج الحدث فقيل يعاد الغسل عليه واحدة وبه قال الشافعي وقيل يعاد ثلاثا وقيل يعاد سبعا وأجمعوا على أنه لا يزاد على السبع شيء واختلفوا في تقليم أظفار الميت والأخذ من شعره فقال قوم تقلم أظفاره ويؤخذ منه وقال قوم لا تقلم أظفاره ولا يؤخذ من شعره وليس فيه أثر وأما سبب الخلاف في ذلك فالخلاف الواقع في ذلك في الصدر الأول ويشبه أن يكون سبب الخلاف في ذلك قياس الميت على الحي فمن قاسه أوجب تقليم الأظفار وحلق العانة لأنها من سنة الحي باتفاق وكذلك اختلفوا في عصر بطنه قبل أن يغسل فمنهم من رأى ذلك ومنهم من لم يره فمن رآه رأى أن فيه ضربا من الاستنقاء من الحدث عند ابتداء الطهارة وهو مطلوب من الميت كما مطلوب من الحي ومن لم ير ذلك رأى أنه من باب تكليف ما لم يشرع وأن الحي في ذلك بخلاف الميت الباب الثالث في الأكفان

قسم V01/P167–V01/P169

والأصل في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وخرج أبو داود عن ليلى بنت قائف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ما أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الاخر قالت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند الباب معه أكفانها يناولناها ثوبا ثوبا فمن العلماء من أخذ بظاهر هذين الأثرين فقال يكفن الرجل في ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة أثواب وبه قال الشافعي وأحمد وجماعة وقال أبو حنيفة أقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب والسنة خمسة أثواب وأقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان والسنة فيه ثلاثة أثواب ورأى مالك أنه لا حد في ذلك وأنه يجزىء ثوب واحد فيهما إلا أنه يستحب الوتر وسبب اختلافهم في التوقيت اختلافهم في مفهوم هذين الأثرين فمن فهم منهما الإباحة لم يقل بتوقيت إلا أنه استحب الوتر لاتفاقهما في الوتر ولم يفرق في ذلك بين المرأة والرجل وكأنه فهم منهما الإباحة إلا في التوقيت فإنه فهم منه شرعا لمناسبته للشرع ومن فهم من العدو أنه شرع لا إباحة قال بالتوقيت إما على جهة الوجوب وإما على جهة الاستحباب وكله واسع إن شاء الله وليس فيه شرع محدود ولعله تكلف شرع فيما ليس فيه شرع وقد كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة فكانوا إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر واتفقوا على أن الميت يغطى رأسه ويطيب إلا المحرم إذا مات في إحرامه فإنهم اختلفوا فيه فقال مالك وأبو حنيفة المحرم بمنزلة غير المحرم وقال الشافعي لا يغطى رأس المحرم إذا مات ولا يمس طيبا وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص فأما الخصوص فهو حديث ابن عباس قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وقصته راحلته فمات وهو محرم فقال كفنوه في ثوبين واغسلوه بماء وسدر ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة يلبي وأما العموم فهو ما ورد من الأمر بالغسل مطلقا فمن خص من الأموات المحرم بهذا الحديث كتخصيص الشهداء بقتلى أحد جعل الحكم منه عليه الصلاة والسلام على الواحد حكما على الجميع وقال لا يغطى رأس المحرم ولا يمس طيبا ومن ذهب مذهب الجمع لا مذهب الاستثناء والتخصيص قال حديث الأعرابي خاص به لا يعدى إلى غيره الباب الرابع في صفة المشي مع الجنازة واختلفوا في سنة المشي مع الجنازة فذهب أهل المدينة إلى أن من سننها المشي أمامها وقال الكوفيون وأبو حنيفة وسائرهم إن المشي خلفها أفضل وسبب اختلافهم اختلاف الاثار التي روى كل واحد من الفريقين عن سلفه وعمل به فروى مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا المشي أمام الجنازة وعن أبي بكر وعمر وبه قال الشافعي وأخذ أهل الكوفة بما رووا عن علي ابن أبي طالب من طريق عبدالرحمن بن أبزى قال كنت أمشي مع علي في جنازة وهو آخذ بيدي وهو يمشي خلفها و أبو بكر وعمر يمشيان أمامها فقلت له في ذلك فقال إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على صلاة النافلة وإنهما ليعلمان ذلك ولكنهما سهلان يسهلان على الناس

قسم V01/P169–V01/P170

وروي عنه رضي الله عنه أنه قال قدمها بين يديك واجعلها نصب عينيك فإنما هي موعظة وتذكرة وعبرة وبما روي أيضا عن ابن مسعود أنه كان يقول سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السير مع الجنازة فقال الجنازة متبوعة وليست بتابعة وليس معها من يقدمها وحديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الراكب يمشي أمام الجنازة والماشي خلفها وأمامها وعن يمينها أو عن يسارها قريبا منها وحديث أبي هريرة أيضا في هذا المعنى قال امشوا خلف الجنازة وهذه الأحاديث صار إليها الكوفيون وهي أحاديث يصححونها ويضعفها غيرهم الجنازة وأكثر العلماء على أن القيام إلى الجنازة منسوخ بما روى مالك من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس وذهب قوم إلى وجوب القيام وتمسكوا في ذلك بما روي من أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام لها كحديث عامر بن ربيعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الجنائز فقوموا إليها حتى تخلفكم أو توضع واختلف الذين رأوا أن القيام منسوخ في القيام على القبر في وقت الدفن فبعضهم رأى أنه لم يدخل تحت النهي وبعضهم رأى أنه داخل تحت النهي على ظاهر اللفظ ومن أخرجه من ذلك احتج بفعل علي في ذلك وذلك أنه روى النسخ وقام على قبر ابن المكلف فقيل له ألا تجلس يا أمير المؤمنين فقال قليل لأخينا قيامنا على قبره الباب الخامس في الصلاة على الجنازة وهذه الجملة يتعلق بها بعد معرفة وجوبها فصول أحدها في صفة صلاة الجنازة والثاني على من يصلى ومن أولى بالصلاة والثالث في وقت هذه الصلاة والرابع في موضع هذه الصلاة والخامس في شروط هذه الصلاة الفصل الأول في صفة صلاة الجنازة فأما صفة الصلاة فإنها يتعلق بها مسائل المسألة الأولى اختلفوا في عدد التكبير في الصدر الأول اختلافا كثيرا من ثلاث إلى سبع أعني الصحابة رضي الله عنهم ولكن فقهاء الأمصار على أن التكبير في الجنازة أربع إلا ابن أبي ليلى وجابر بن زيد فإنهما كانا يقولان إنها خمس وسبب الاختلاف اختلاف الاثار في ذلك وذلك أنه روي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات وهو حديث متفق على صحته ولذلك أخذ به جمهور فقهاء الأمصار وجاء في هذا المعنى أيضا من أنه عليه الصلاة والسلام صلى على قبر مسكينة فكبر عليها أربعا وروى مسلم أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعا وأنه كبر على جنازة خمسا فسألناه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فصف الناس وراءه وكبر أربعا ثم ثبت صلى الله عليه وسلم على أربع حتى توفاه الله وهذا فيه حجة لائحة للجمهور وأجمع العلماء على رفع اليدين في أول التكبير على الجنازة واختلفوا في سائر التكبير فقال قوم يرفع وقال قوم لا يرفع وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في جنازة فرفع يديه في أول التكبير ووضع يده اليمنى على اليسرى فمن ذهب إلى ظاهر هذا الأثر وكان مذهبه في الصلاة أنه لا يرفع إلا في أول التكبير قال الرفع في أول التكبير ومن قال يرفع في كل تكبير شبه التكبير الثاني بالأول لأنه كله يفعل في حال القيام والاستواء المسألة الثانية اختلف الناس في القراءة في صلاة الجنازة فقال مالك وأبو حنيفة ليس فيها قراءة إنما هو الدعاء وقال مالك قراءة فاتحة الكتاب فيها ليس بمعمول به في بلدنا بحال قال وإنما يحمد الله ويثنى عليه بعد التكبيرة الأولى ثم يكبر الثانية فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت ثم يكبر الرابعة ويسلم

قسم V01/P170–V01/P171

وقال الشافعي يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ذلك وبه قال أحمد وداود وسبب اختلافهم معارضة العمل للأثر وهل يتناول أيضا اسم الصلاة صلاة الجنازة أم لا أما العمل فهو الذي حكاه مالك عن بلده وأما الأثر فما رواه البخاري عن طلحة بن عبد الله ابن عوف قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال لتعلموا أنها السنة فمن ذهب إلى ترجيح هذا الأثر على العمل وكان اسم الصلاة يتناول عنده صلاة الجنازة وقد قال صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب رأى قراءة فاتحة الكتاب فيها ويمكن أن يحتج لمذهب مالك بظواهر الاثار التي نقل فيها دعاؤه عليه الصلاة والسلام في الصلاة على الجنائز ولم ينقل فيها أنه قرأ وعلى هذا فتكون تلك الاثار كأنها معارضة لحديث ابن عباس ومخصصة لقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وذكر الطحاوي عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال وكان من كبراء الصحابة وعلمائهم وأبناء الذين شهدوا بدرا إن رجلا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أخبره أن السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر الإمام ثم يقرأ فاتحة الكتاب سرا في نفسه ثم يخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث قال ابن شهاب فذكرت الذي أخبر به أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على الجنائز بمثل ما حدثك به أبو أمامة المسألة الثالثة واختلفوا في التسليم من الجنازة هل هو واحد أو اثنان 4 فالجمهور على أنه واحد وقالت طائفة و أبو حنيفة يسلم تسليمتين واختاره المزني من أصحاب الشافعي وهو أحد قولي الشافعي وسبب اختلافهم اختلافهم في التسليم من الصلاة وقياس صلاة الجنائز على الصلاة المفروضة فمن كانت عنده التسليمة واحدة في الصلاة المكتوبة وقاس صلاة الجنازة عليها قال بواحدة ومن كانت عنده تسليمتين في الصلاة المفروضة قال هناك بتسليمتين إن كانت عنده تلك سنة فهذه سنة وإن كانت فرضا فهذه فرض وكذلك اختلف المذهب هل يجهر فيها أو لا يجهر بالسلام المسألة الرابعة واختلفوا أين يقوم الامام من الجنازة فقال جملة من العلماء يقوم في وسطها ذكرا كان أو أنثى وقال قوم آخرون يقوم من الأنثى وسطها ومن الذكر عند رأسه ومنهم من قال يقوم من الذكر والأنثى عند صدرهما وهو قول ابن القاسم وقول أبي حنيفة وليس عند مالك والشافعي في ذلك حد وقال قوم يقوم منهما أين شاء والسبب في اختلافهم اختلاف الاثار في هذا الباب وذلك أنه خرج البخاري ومسلم من حديث سمرة بن جندب قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم كعب ماتت وهي نفساء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة على وسطها وخرج أبو داود من حديث همام بن غالب قال صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه ثم جاءوا بجنازة امرأة فقالوا يا أبا حمزة صل عليها فقام حيال وسط السرير فقال العلاء بن زياد هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز كبر أربعا وقام على جنازة المرأة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه قال نعم فاختلف الناس في المفهوم من هذه الأفعال فمنهم من رأى أن قيامه عليه الصلاة والسلام في هذه المواضع المختلفة يدل على الإباحة وعلى عدم التحديد ومنهم من رأى أن قيامه على أحد هذه الأوضاع أنه شرع وأنه يدل على التحديد وهؤلاء انقسموا قسمين فمنهم من أخذ بحديث سمرة بن جندب للاتفاق على صحته فقال المرأة والرجل سواء لأن الأصل أن حكمهما واحد إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي ومنهم من صحح حديث ابن غالب وقال فيه زيادة على حديث سمرة بن جندب فيجب المصير إليها وليس بينهما تعارض أصلا وأما مذهب ابن القاسم وأبي حنيفة فلا أعلم له من جهة السمع في ذلك مسندا إلا ما روي عن ابن مسعود من ذلك

قسم V01/P171–V01/P173

المسألة الخامسة واختلفوا في ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا عند الصلاة فقال الأكثر يجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة وقال قوم بخلاف هذا أي النساء مما يلي الإمام والرجال مما يلي القبلة وفيه قول ثالث إنه يصلي على كل على حدة الرجال مفردون والنساء مفردات وسبب الخلاف ما يغلب على الظن باعتبار أحوال الشرع من أنه يجب أن يكون في ذلك شرع محدود مع أنه لم يرد في ذلك شرع يجب الوقوف عنده ولذلك رأى كثير من الناس أنه ليس في أمثال هذه المواضع شرع أصلا وأنه لو كان فيها شرع لبين للناس وإنما ذهب الأكثر لما قلناه من تقديم الرجال على النساء لما رواه مالك في الموطأ من أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة الرجال والنساء معا فيجعلون الرجال مما يلي الإمام ويجعلون النساء مما يلي القبلة وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أنه صلى كذلك على جنازة فيها ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة والإمام يومئذ سعيد بن العاص فسألهم عن ذلك أو أمر من سألهم فقالوا هي السنة وهذا يدخل في المسند عندهم ويشبه أن يكون من قال بتقديم الرجال شبههم أمام الإمام بحالهم خلف الإمام في الصلاة ولقوله عليه الصلاة والسلام أخروهن من حيث أخرهن الله وأما من قال بتقديم النساء على الرجال فيشبه أن يكون اعتقد أن الأول هو المتقدم ولم يجعل التقديم بالقرب من الإمام وأما من فرق فاحتياطا من أن لا يجوز ممنوعا لأنه لم ترد سنة بجواز الجمع فيحتمل أن يكون على أصل الإباحة ويحتمل أن يكون ممنوعا بالشرع وإذا وجد الاحتمال وجب التوقف إذا وجد إليه سبيلا المسألة السادسة اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في مواضع منها هل يدخل بتكبير أم لا ومنها هل يقضي ما فاته أم لا وإن قضى فهل يدعو بين التكبير أم لا فروى أشهب عن مالك أنه يكبر أول دخوله وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة ينتظر حتى يكبر الإمام وحينئذ يكبر وهي رواية ابن القاسم عن مالك والقياس التكبير قياسا على من دخل في المفروضة واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي على أنه يقضي ما فاته من التكبير إلا أن أبا حنيفة يرى أن يدعو بين التكبير المقضي ومالك والشافعي يريان أن يقضيه نسقا وإنما اتفقوا على القضاء لعموم قوله عليه الصلاة والسلام ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فمن رأى أن هذا العموم يتناول التكبير والدعاء قال يقضي التكبير وما فاته من الدعاء ومن أخرج الدعاء من ذلك إذا كان غير مؤقت قال يقضي التكبير فقط إذا كان هو المؤقت فكان تخصيص الدعاء من ذلك العموم هو من باب تخصيص العام بالقياس فأبو حنيفة أخذ بالعموم وهؤلاء بالخصوص المسألة السابعة واختلفوا في الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة فقال مالك لا يصلي على القبر وقال أبو حنيفة لا يصلي على القبر إلا الولي فقط إذا فاتته الصلاة على الجنازة وكان الذي صلى عليها غير وليها وقال الشافعي وأحمد وداود وجماعة يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن وهؤلاء اختلفوا في هذه المدة وأكثرها شهر وسبب اختلافهم معارضة العمل للأثر أما مخالفة العمل فإن ابن القاسم قال قلت لمالك فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر امرأة قال قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل والصلاة على القبر ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث قال أحمد بن حنبل رويت الصلاة على القبر عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق ستة كلها حسان وزاد بعض المحدثين ثلاثة طرق فذلك تسع وأما البخاري ومسلم فرويا ذلك من طريق أبي هريرة وأما مالك فخرجه مرسلا عن أبي أمامة بن سهل وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول الشافعي

قسم V01/P173–V01/P174

وأما أبو حنيفة فإنه جرى في ذلك على عادته فيما أحسب أعني من رد أخبار الاحاد التي تعم بها البلوى إذا لم تنتشر ولا انتشر العمل بها وذلك أن عدم الانتشار إذا كان خبرا شأنه الانتشار قرينة توهن الخبر وتخرجه عن غلبة الظن بصدقه إلى الشك فيه أو إلى غلبة الظن بكذبه أو نسخه قال القاضي وقد تكلمنا فيما سلف من كتابنا هذا في وجه الاستدلال بالعمل وفي هذا النوع من الاستدلال الذي يسميه الحنفية عموم البلوى وقلنا إنها من جنس واحد الفصل الثاني فيمن يصلى عليه ومن أولى بالتقديم وأجمع أكثر أهل العلم على إجازة الصلاة على كل من قال لا إله إلا الله وفي ذلك أثر أنه قال عليه الصلاة والسلام صلوا على من قال لا إله إلا الله وسواء كان من أهل الكبائر أو من أهل البدع إلا أن مالكا كره لأهل الفضل الصلاة على أهل البدع ولم ير أن يصلي الإمام على من قتله حدا واختلفوا فيمن قتل نفسه فرأى قوم أنه لا يصلى عليه وأجاز آخرون الصلاة عليه ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل الكبائر ولا على أهل البغي والبدع والسبب في اختلافهم في الصلاة أما في أهل البدع فلاختلافهم في تكفيرهم ببدعهم فمن كفرهم بالتأويل البعيد لم يجز الصلاة عليهم ومن لم يكفرهم إذ كان الكفر عنده إنما هو تكذيب الرسول لا تأويل أقواله عليه الصلاة والسلام قال الصلاة عليهم جائزة وإنما أجمع العلماء على ترك الصلاة على المنافقين مع تلفظهم بالشهادة لقوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الاية وأما اختلافهم في أهل الكبائر فليس يمكن أن يكون له سبب إلا من جهة اختلافهم في القول بالتكفير بالذنوب لكن ليس هذا مذهب أهل السنة فلذلك ليس ينبغي أن يمنع الفقهاء الصلاة على أهل الكبائر وأما كراهية مالك الصلاة على أهل البدع فذلك لمكان الزجر والعقوبة لهم وإنما لم ير مالك صلاة الإمام على من قتله حدا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه خرجه أبو داود وإنما اختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه لحديث جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يصلي على رجل قتل نفسه فمن صحح هذا الأثر قال لا يصلى على قاتل نفسه ومن لم يصححه رأى أن حكمه حكم المسلمين وإن كان من أهل النار كما ورد به الأثر لكن ليس هو من المخلدين لكونه من أهل الإيمان وقد قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من الإيمان واختلفوا أيضا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة فقال مالك والشافعي لا يصلى على الشهيد المقتول في المعركة ولا يغسل وقال أبو حنيفة يصلى عليه ولا يغسل وسبب اختلافهم اختلاف الاثار الواردة في ذلك وذلك أنه خرج أبو داود من طريق جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بشهداء أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا وروى من طريق ابن عباس مسندا أنه عليه الصلاة والسلام صلى على قتلى أحد وعلى حمزة ولم يغسل ولم يتيمم وروى ذلك أيضا مرسلا من حديث أبي مالك الغفاري وكذلك روي أيضا أن أعرابيا جاءه سهم فوقع في حلقه فمات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن هذا عبدك خرج مجاهدا في سبيلك فقتل شهيدا وأنا شهيد عليه وكلا الفريقين يرجع الأحاديث التي أخذ بهاوكانت الشافعية تعتل بحديث ابن عباس هذا وتقول يرويه ابن أبي الزناد وكان قد اختل آخر عمره وقد كان شعبة يطعن فيه وأما المراسيل فليست عندهم بحجة واختلفوا متى يصلى على الطفل فقال مالك لا يصلى على الطفل حتى يستهل صارخا وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصلى عليه إذا نفخ فيه الروح وذلك أنه إذا كان له في بطن أمه أربعة أشهر فأكثر وبه قال ابن أبي ليلى

قسم V01/P174–V01/P175

وسبب اختلافهم في ذلك معارضة المطلق للمقيد وذلك أنه روى الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال الطفل يصلى عليه فمن ذهب مذهب حديث جابر قال ذلك عام وهذا مفسر فالواجب أن يحمل ذلك العموم على هذا التفسير فيكون معنى حديث المغيرة أن الطفل يصلى عليه إذا استهل صارخا ومن ذهب مذهب حديث المغيرة قال معلوم أن المعتبر في الصلاة هو حكم الإسلام والحياة والطفل إذا تحرك فهو حي وحكمه حكم المسلمين وكل مسلم حي إذا مات صلي عليه فرجحوا هذا العموم على ذلك الخصوص لموضع موافقة القياس له ومن الناس من قال لا يصلى على الأطفال أصلا وروى أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على ابنه إبراهيم وهو ابن ثمانية أشهر وروى فيه أنه صلى عليه وهو ابن سبعين ليلة واختلفوا في الصلاة على الأطفال المسبيين فذهب مالك في رواية البصريين عنه عقل الإسلام سواء سبي مع والديه أو لم يسب معهما وأن حكمه حكم أبويه إلا أن يسلم الأب فهو عنده تابع له دون الأم ووافقه الشافعي على هذا إلا أنه إن أسلم أحد أبويه فهو عنده تابع لمن أسلم منهما لا للأب وحده على ما ذهب إليه مالك وقال أبو حنيفة يصلى على الأطفال المسبيين وحكمهم حكم من سباهم وقال الأوزاعي إذا ملكهم المسلمون صلي عليهم يعني إذ بيعوا في السبي قال وبهذا جرى العمل في الثغر وبه الفتيا فيه وأجمعوا على أنه إذا كانوا مع آبائهم ولم يملكهم مسلم ولا أسلم أحد أبويهم أن حكمهم حكم آبائهم والسبب في اختلافهم اختلافهم في أطفال المشركين هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار وذلك أنه جاء في بعض الاثار أنهم من آبائهم أي أن حكمهم حكم آبائهم ودليل قوله عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على الفطرة أن حكمهم حكم المؤمنين وأما من أولى بالتقديم للصلاة على الجنازة فقيل الولي وقيل الوالي فمن قال الوالي شبهه بصلاة الجمعة من حيث هي صلاة جماعة ومن قال الولي شبهها بسائر الحقوق التي الولي أحق بها مثل مواراته ودفنه وأكثر أهل العلم على أن الوالي بها أحق قال أبو بكر بن المنذر وقدم الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو والي المدينة ليصلي على الحسن بن علي وقال لولا أنها سنة ما تقدمت قال أبو بكر وبه أقول وأكثر العلماء على أنه لا يصلى إلا على الحاضر وقال بعضهم يصلى على الغائب لحديث النجاشي والجمهور على أن ذلك خاص بالنجاشي وحده واختلفوا هل يصلى على بعض الجسد والجمهور على أنه يصلى على أكثره لتناول اسم الميت له ومن قال إنه يصلى على أقله قال لأن حرمة البعض كحرمة الكل لا سيما إن كان ذلك البعض محل الحياة وكان ممن يجيز الصلاة على الغائب الفصل الثالث في وقت الصلاة على الجنازة واختلفوا في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة على الجنازة فقال قوم لا يصلى عليها في الأوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وهي وقت الغروب والطلوع وزوال الشمس على ظاهر حديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر موتانا الحديث وقال قوم لا يصلى في الغروب والطلوع فقط ويصلى بعد العصر ما لم تصفر الشمس وبعد الصبح ما لم يكن الإسفار وقال قوم لا يصلى على الجنازة في الأوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وبه قال عطاء والنخعي وغيرهم وهو قياس قول أبي حنيفة وقال الشافعي يصلى على الجنازة في كل وقت لأن النهي عنده إنما هو خارج على النوافل لا على السنن على ما تقدم الفصل الرابع في مواضع الصلاة

قسم V01/P175–V01/P177

واختلفوا في الصلاة على الجنازة في المسجد فأجازها العلماء وكرهها بعضهم منهم أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك وقد روي كراهية ذلك عن مالك وتحقيقه إذا كانت الجنازة خارج المسجد والناس في المسجد وسبب الخلاف في ذلك حديث عائشة وحديث أبي هريرة أما حديث عائشة فما رواه مالك من أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعو له فأنكر الناس عليها ذلك فقالت عائشة ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء إلا في المسجد وأما حديث أبي هريرة فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له وحديث عائشة ثابت وحديث أبي هريرة غير ثابت أو غير متفق على ثبوته ولكن آنكار الصحابة على عائشة يدل على اشتهار العمل بخلاف ذلك عندهم ويشهد لذلك بروزه صلى الله عليه وسلم للمصلى لصلاته على النجاشي وقد زعم بعضهم أن سبب المنع في ذلك هو أن ميت بني آدم ميتة وفيه ضعف لأن حكم الميتة شرعي ولا يثبت لابن آدم حكم الميتة إلا بدليل وكره بعضهم الصلاة على الجنائز في المقابر للنهي الوارد عن الصلاة فيها وأجازها الأكثر لعموم قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا الفصل الخامس في شروط الصلاة على الجنازة واتفق الأكثر على أن من شرطها الطهارة كما اتفق جميعهم على أن من شرطها القبلة واختلفوا في جواز التيمم لها إذا خيف فواتها فقال قوم يتيمم ويصلي لها إذا خاف الفوات وبه قال أبو حنيفة وسفيان والأوزاعي وجماعة وقال مالك والشافعي وأحمد لا يصلي عليها بتيمم وسبب اختلافهم قياسها في ذلك على الصلاة المفروضة فمن شبهها بها أجاز التيمم أعني من شبه ذهاب الوقت بفوات الصلاة على الجنازة ومن لم يشبهها بها لم يجز التيمم لأنها عتده من فروض الكفاية أو من سنن الكفاية على اختلافهم في ذلك وشذ قوم فقالوا يجوز أن يصلى على الجنازة بغير طهارة وهو قول الشعبي وهؤلاء ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول صلاة الجنازة وإنما يتناولها اسم الدعاء إذ كان ليس فيها ركوع ولا سجود الباب الثالث في الدفن وأجمعوا على وجوب الدفن والأصل فيه قوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وقوله فبعث الله غرابا يبحث في الأرض وكره مالك والشافعي تجصيص القبور وأجاز ذلك أبو حنيفة وكذلك كره قوم القعود عليها وقوم أجازوا ذلك وتأولوا النهي عن ذلك أنه القعود عليها لحاجة الإنسان والاثار الواردة في النهي عن ذلك منها حديث جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور والكتابة عليها والجلوس عليها والبناء عليها ومنها حديث عمرو بن حزم قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فقال انزل عن القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك واحتج من أجاز القعود على القبر بما روي عن زيد بن ثابت أنه قال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر لحدث أو غائط أو بول قالوا ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس على قبر يبول أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة من نار وإلى ذلك ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي كتاب الزكاة والكلام المحيط بهذه العبادة بعد معرفة وجوبها ينحصر في خمس جمل الجملة الأولى في معرفة من تجب عليه الثانية في معرفة ما تجب فيه من الأموال الثالثة في معرفة كم تجب ومن كم تجب الرابعة في معرفة متى تجب ومتى ولا تجب الخامسة معرفة لمن تجب وكم يجب له فأما معرفة وجوبها فمعلوم من الكتاب والسنة والإجماع ولا خلاف في ذلك الجملة الأولى وأما على من تجب فإنهم اتفقوا على كل مسلم حر بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما

قسم V01/P177–V01/P178

واختلفوا في وجوبها على اليتيم والمجنون والعبيد وأهل الذمة والناقص الملك مثل الذي عليه دين أو له دين ومثال المال المحبس الأصل فأما الصغار فإن قوما قالوا تجب الزكاة في أموالهم وبه قال علي وابن عمر وجابر وعائشة من الصحابة ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور وغيرهم من فقهاء الأمصار وقال قوم ليس في مال اليتيم صدقة أصلا وبه قال النخعي والحسن وسعيد بن جبير من التابعين وفرق قوم بين ما تخرج الأرض وبين ما لا تخرجه فقالوا عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية والناض والعروض وغير ذلك وهو أبو حنيفة وأصحابه وفرق آخرون بين الناض وغيره فقالوا عليه الزكاة إلا في الناض وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية هل هي عبادة كالصلاة والصيام أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء فمن قال إنها عبادة اشترط فيها البلوغ ومن قال إنها حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء لم يعتبر ذلك بلوغا من غيره وأما من فرق بين ما تخرجه الأرض أو لا تخرجه وبين الخفي والظاهر فلا أعلم له مستندا في هذا الوقت وأما أهل الذمة فإن الأكثر على ألا زكاة على جميعهم إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كل شيء وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري وليس عن مالك في ذلك قول وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه أثبت أنه فعل عمر بن الخطاب بهم وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيف ولكن الأصول تعارضه وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب فقوم قالوا لا زكاة في أموالهم أصلا وهو قول ابن عمر وجابر من الصحابة ومالك وأحمد وأبي عبيد من الفقهاء وقال آخرون بل زكاة مال العبد على سيده وبه قال الشافعي فيما حكاه ابن المنذر والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة وهو مروي عن ابن عمر من الصحابة وبه قال عطاء من التابعين وأبو ثور من الفقهاء وأهل الظاهر وبعضهم وجمهور من قال لا زكاة في مال العبد هم على ألا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق وقال أبو ثور في مال المكاتب زكاة وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكا تاما أو غير تام فمن رأى أنه لا يملك ملكا تاما وأن السيد هو المالك إذا كان لا يخلو مال من مالك قال الزكاة على السيد ومن رأى أنه لواحد منهما يملكه ملكا تاما لا السيد إذا كانت يد العبد هي التي عليه لا يد السيد ولا العبد أيضا لأن للسيد انتزاعه منه قال لا زكاة في ماله أصلا ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرفها فيه تشبيها بتصرف يد الحر قال الزكاة عليه لا سيما من كان عنده أن الخطاب العام يتناول الأحرار والعبيد وأن الزكاة عبادة تتعلق بالمكلف لتصرف اليد في المال وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة فإنهم اختلفوا في ذلك فقال قوم لا زكاة في مال حبا كان أو غيره حتى تخرج منه الديون فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زكي وإلا فلا وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المبارك وجماعة وقال أبو حنيفة وأصحابه الدين لا يمنع زكاة الحبوب ويمنع ما سواها وقال مالك الدين يمنع زكاة الناض فقط ألا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه فإنه لا يمنع وقال قوم بمقابل القول الأول وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلا

قسم V01/P178–V01/P179

والسبب في اختلافهم اختلافهم هل الزكاة عبادة أو حق مرتب في المال للمساكين فمن رأى أنها حق لهم قال لا زكاة في مال من عليه الدين لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين وهو في الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي المال بيده ومن قال هي عبادة قال تجب على من بيده مال لأن ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف سواء كان عليه دين أو لم يكن وأيضا فإنه قد تعارض هنالك حقان حق لله وحق للآدمي وحق الله أحق أن يقضى والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديان لقوله عليه الصلاة والسلام فيها صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم والمدين ليس بغني وأما من فرق بين الحبوب وغير الحبوب وبين الناض وغير الناض فلا أعلم له شبهة بينة وقد كان أبو عبيد يقول إنه إن كان لا يعلم أن عليه دينا إلا بقوله لم يصدق وإن علم أن عليه دينا لم يؤخذ منه وهذا ليس خلافا لمن يقول بإسقاط الدين الزكاة وإنما هو خلاف لمن يقول يصدق في الدين كما يصدق في المال وأما المال الذي هو في الذمة أعني ذمة الغير وليس هو بيد المالك وهو الدين فإنهم اختلفوا فيه أيضا فقوم قالوا لا زكاة فيه وإن قبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له وهو الحول وهو أحد قولي الشافعي وبه قال الليث أو هو قياس قوله وقوم قالوا إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين وقال مالك يزكيه لحول واحد وإن قام عند المديان سنين إذا كان أصله عن عوض وأما إذا كان عن غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول وفي المذهب تفصيل في ذلك ومن هذا الباب اختلافهم في زكاة الثمار المحبسة الأصول وفي زكاة الأرض المستأجرة على من تجب زكاة ما يخرج منها هل على صاحب الأرض أو صاحب الزرع ومن ذلك اختلافهم في أرض الخراج إذا انتقلت من أهل الخراج إلى المسلمين وهم أهل العشر وفي الأرض العشر وهي أرض المسلمين إذا انتقلت إلى الخراج أعني أهل الذمة وذلك أنه يشبه أن يكون سبب الخلاف في هذا كله أنها أملاك ناقصة أما المسألة الأولى وهي زكاة الثمار المحبسة الأصول فإن مالكا والشافعي كانا يوجبان فيها الزكاة وكان مكحول وطاووس يقولان لا زكاة فيها وفرق قوم بين أن تكون محبسة على المساكين وبين أن تكون على قوم بأعيانهم فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم ولم يوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على المساكين ولا معنى لمن أوجبها على المساكين لأنه يجتمع في ذلك شيئان اثنان أحدهما أنها ملك ناقص والثانية أنها على قوم غير معينين من الصنف الذين تصرف إليهم الصدقة لا من الذين تجب عليهم وأما المسألة الثانية وهي الأرض المستأجرة على من تجب زكاة ما تخرجه فإن قوما قالوا الزكاة على صاحب الزرع وبه قال مالك والشافعي والثوري وابن المبارك وأبو ثور وجماعة وقال أبو حنيفة وأصحابه الزكاة على رب الأرض وليس على المستأجر منه شيء والسبب في اختلافهم هل العشر حق الأرض أو حق الزرع أو حق مجموعهما إلا أنه لم يقل أحد إنه حق لمجموعهما وهو في الحقيقة حق مجموعهما فلما كان عندهم أنه حق لأحد الأمرين اختلفوا في أيهما هو أولى أن ينسب إلى الموضع الذي فيه الاتفاق وهو كون الزرع والأرض لمالك واحد فذهب الجمهور إلى أنه للشيء الذي تجب فيه الزكاة وهو الحب وذهب أبو حنيفة إلى أنه للشيء الذي هو أصل الوجوب وهو الأرض وأما اختلافهم في أرض الخراج إذا انتقلت إلى المسلمين هل فيها عشر من الخراج أم ليس فيها عشر فإن الجمهور على أن فيها العشر أعني الزكاة وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس فيها عشر

قسم V01/P179–V01/P181

وسبب اختلافهم كما قلنا هل الزكاة حق الأرض أو حق الحب فإن قلنا إنه حق الأرض لم يجتمع فيها حقان وهما العشر والخراج وإن قلنا الزكاة حق الحب كان الخراج حق الأرض والزكاة حق الحب وإنما يجيء هذا الخلاف فيها لأنها ملك ناقص كما قلنا ولذلك اختلف العلماء في جواز بيع أرض الخراج وأما إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي يزرعها فإن الجمهور على أنه ليس فيها شيء وقال النعمان إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج فكأنه رأى أن العشر هو حق أرض المسلمين والخراج هو حق أرض الذميين لكن كان يجب على هذا الأصل إذا انتقلت أرض الخراج إلى المسلمين أن تعود أرض عشر كما أن عنده إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي عادت أرض خراج ويتعلق بالمالك مسائل أليق المواضع بذكرها هو هذا الباب أحدها إذا أخرج المرء الزكاة فضاعت والثانية إذا أمكن إخراجها فهلك بعض المال قبل الإخراج والثالثة إذا مات وعليه زكاة والرابعة إذا باع الزرع أو الثمر وقد وجبت فيه الزكاة على من الزكاة وكذلك إذا وهبه فأما المسألة الأولى وهي إذا أخرج الزكاة فضاعت فإن قوما قالوا تجزىء عنه وقوم قالوا هو لها ضامن حتى يضعها موضعها وقوم فرقوا بين أن يخرجها بعد أن أمكنه إخراجها وبين أن يخرجها أول زمان الوجوب والإمكان فقال بعضهم إن أخرجها بعد أيام من الإمكان والوجوب ضمن وإن أخرجها في أول الوجوب ولم يقع منه تفريط لم يضمن وهو مشهور مذهب مالك وقول قالوا إن فرط ضمن وإن لم يفرط زكى ما بقي وبه قال أبو ثور والشافعي وقال قوم بل يعد الذاهب من الجميع ويبقى المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر حظهما من حظ رب المال مثل الشريكين يذهب بعض المال المشترك بينهما ويبقيان شريكين على تلك النسبة في الباقي فيتحصل في المسألة خمسة أقوال 1 قول إنه لا يضمن بإطلاق 2 وقول إنه يضمن بإطلاق 3 وقول إن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن 4 وقول إن فرط ضمن وإن لم يفرظ زكى ما بقي والقول الخامس يكونان شريكين في الباقي وأما المسألة الثانية إذا ذهب بعض المال بعد الوجوب وقبل تمكن إخراج الزكاة فقوم قالوا يزكى ما بقي وقوم قالوا حال المساكين وحال رب المال حال الشريكين يضيع بعض مالهما والسبب في اختلافهم تشبيه الزكاة بالديون أعني أن يتعلق الحق فيها بالذمة لا بعين المال أو تشبيهها بالحقوق التي تتعلق بعين المال لا بذمة الذي يده على المال كالأمناء وغيرهم فمن شبه مالكي الزكاة بالأمناء قال إذا أخرج فهلك المخرج فلا شيء عليه ومن شبههم بالغرماء قال يضمنون ومن فرق بين التفريط واللاتفريط ألحقهم بالأمناء من جميع الوجوه إذ كان الأمين يضمن إذا فرط وأما من قال إذا لم يفرط زكى ما بقي فإنه شبه من هلك بعض ماله بعد الإخراج بمن ذهب بعض ماله قبل وجود الزكاة فيه كما أنه إذا وجبت الزكاة عليه فإنما يزكي الموجود فقط كذلك هذا إنما يزكي الموجود من ماله فقط وسبب الاختلاف هو تردد شبه المالك بين الغريم والأمين والشريك ومن هلك بعض ماله قبل الوجوب وأما إذا وجبت الزكاة وتمكن من الإخراج فلم يخرج حتى ذهب بعض المال فإنهم متفقون فيما أحسب أنه ضامن إلا في الماشية عند من رأى أن وجوبها إنما يتم بشرط خروج الساعي مع الحول وهو مذهب مالك وأما المسألة الثالثة وهي إذا مات بعد وجوب الزكاة عليه فإن قوما قالوا يخرج من رأس ماله وبه قال الشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وقوم قالوا إن أوصى بها أخرجت عنه من الثلث وإلا فلا شيء عليه ومن هؤلاء من قال يبدأ بها إن ضاق الثلث ومنهم من قال لا يبدأ بها وعن مالك القولان جميعا ولكن المشهور أنها بمنزلة الوصية وأما اختلافهم في المال يباع بعد وجوب الصدقة فيه فإن قوما قالوا يأخذ المصدق الزكاة من المال نفسه ويرجع المشتري بقيمته على البائع وبه قال أبو ثور

قسم V01/P181–V01/P182

وقال قوم البيع مفسوخ وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع ورده والعشر مأخوذ من الثمرة أو من الحب الذي وجبت فيه الزكاة وقال مالك الزكاة على البائع وسبب اختلافهم تشبيه بيع مال الزكاة بتفويته وإتلاف عينه فمن شبهه بذلك قال الزكاة مترتبة في ذمة المتلف والمفوت ومن قال البيع ليس بإتلاف لعين المال ولا تفويت له وإنما هو بمنزلة من باع ما ليس له قال الزكاة في عين المال ثم هل البيع مفسوخ أو غير مفسوخ نظر آخر يذكر في باب البيوع إن شاء الله تعالى ومن هذا النوع اختلافهم في زكاة المال الموهوب وفي بعض هذه المسائل التي ذكرنا تفصيل في المذهب لم نر أن نتعرض له إذ كان غير موافق لغرضنا مع أنه يسر فيها إعطاء أسباب تلك الفروق لأنها أكثرها استحسانية مثل تفصيلهم الديون التي تزكى من التي لا تزكى والديون المسقطة للزكاة من التي لا تسقطها فهذا ما رأينا أن نذكره في هذه الجملة وهي معرفة من تجب عليه الزكاة وشروط الملك التي تجب به وأحكام من تجب عليه وقد بقي من أحكامه حكم مشهور وهو ماذا حكم من منع الزكاة ولم يجحد وجوبها فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى أن حكمه حكم المرتد وبذلك حكم في مانع الزكاة من العرب وذلك أنه قاتلهم وسبى ذريتهم وخالفه في ذلك عمر رضي الله عنه وأطلق من كان استرق منهم وبقول عمر قال الجمهور وذهبت طائفة إلى تكفير من منع فريضة من الفرائض وإن لم يجحد وجوبها وسبب اختلافهم هل اسم الإيمان الذي هو ضد الكفر ينطلق على الإعتقاد دون العمل فقط أو من شرطه وجود العمل معه فمنهم من رأى أن من شرطه وجود العمل معه ومنهم من لم يشترط ذلك حتى لو لم يلفظ بالشهادة إذا صدق بها فحكمه حكم المؤمن عند الله والجمهور وهم أهل السنة على أنه ليس يشترط فيه أعني في اعتقاد الإيمان الذي ضده الكفر من الأعمال إلا التلفظ بالشهادة فقط لقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي فاشترط مع العلم القول وهو عمل من الأعمال فمن شبه سائر الأفعال الواجبة بالقول قال جميع الأعمال المفروضة شرط في العلم الذي هو الإيمان ومن شبه القول بسائر الأعمال التي اتفق الجمهور على أنها ليست شرطا في العلم الذي هو الإيمان قال التصديق فقط هو شرط الإيمان وبه يكون حكمه عند الله تعالى حكم المؤمن والقولان شاذان واستثناء التلفظ بالشهادتين من سائر الأعمال هو الذي عليه الجمهور الجملة الثانية وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال فإنهم اتفقوا منها على أشياء واختلفوا في أشياء أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين ليستا بحلي وثلاثة أصناف من الحيوان الإبل والبقر والغنم وصنفان من الحبوب الحنطة والشعير وصنفان من الثمر التمر والزبيب وفي الزيت خلاف شاذ والذي اختلفوا فيه من الذهب هو الحلي فقط وذلك أنه ذهب فقهاء الحجاز مالك والليث والشافعي إلى أنه لا زكاة فيه إذا أريد للزينة واللباس وقال أبو حنيفة وأصحابه فيه الزكاة والسبب في اختلافهم تردد شبه بين العروض وبين التبر والفضة اللتين المقصود منهما المعاملة في جميع الأشياء شبهه بالتبر والفضة فمن شبهه بالعروض التي المقصود منها المنافع أولا قال ليس فيه زكاة ومن شبهه بالتبر والفضة التي المقصود فيها المعاملة بها أولا قال فيه الزكاة

قسم V01/P182–V01/P183

ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو اختلاف الآثار في ذلك وذلك أنه روى جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ليس في الحلي زكاة وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسك من ذهب فقال لها أتؤدين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت هما لله ولرسوله والأثران ضعيفان وبخاصة حديث جابر ولكون السبب الأملك لاختلافهم تردد الحلي المتخذ للباس بين التبر والفضة اللذين المقصود منهما أولا المعاملة لا الانتفاع وبين العروض المقصود منها التي بالوضع الأول خلاف المقصود من التبر والفضة أعني الانتفاع بها لا المعاملة وأعني بالمعاملة كونها ثمنا واختلف قول مالك في الحلي المتخذ للكراء فمرة شبهه بالحلي المتخذ من اللباس ومرة شبهه بالتبر المتخذ للمعاملة وأما ما اختلفوا فيه من الحيوان فمنه ما اختلفوا في نوعه ومنه ما اختلفوا في صنفه أما ما اختلفوا في نوعه فالخيل وذلك أن الجمهور على أن لا زكاة في الخيل فذهب أبو حنيفة إلى أنها إذا كانت سائمة وقصد بها النسل أن فيها الزكاة أعني إذا كانت ذكرانا وإناثا والسبب في اختلافهم معارضة القياس للفظ وما يظن من معارضة اللفظ للفظ فيها أما اللفظ الذي يقتضي أن لا زكاة فيها فقوله عليه الصلاة والسلام ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة وأما القياس الذي عارض هذا العموم فهو أن الخيل السائمة حيوان مقصود به النماء والنسل فأشبه الإبل والبقر وأما اللفظ الذي يظن أنه معارض لذلك العموم فهو قوله عليه الصلاة والسلام وقد ذكر الخيل ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فذهب أبو حنيفة إلى أن حق الله هو الزكاة وذلك في السائمة منها قال القاضي وأن يكون هذا اللفظ مجملا أحرى منه أن يكون عاما فيحتج به في الزكاة وخالف أبا حنيفة في هذه المسألة صاحباه أبو يوسف ومحمد وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ منها الصدقة فقيل إنه كان باختيار منهم وأما ما اختلفوا في صنفه فهي السائمة من الإبل والبقر والغنم من غير السائمة منها فإن قوما أوجبوا الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة سائمة كانت أو غير سائمة وبه قال الليث ومالك وقال سائر فقهاء الأمصار لا زكاة في غير السائمة من هذه الأنواع الثلاثة وسبب اختلافهم معارضة المطلق للمقيد ومعارضة القياس لعموم اللفظ أما المطلق فقوله عليه الصلاة والسلام في أربعين شاة شاة وأما المقيد فقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة فمن غلب المطلق على المقيد قال الزكاة في السائمة وغير السائمة ومن غلب المقيد قال الزكاة في السائمة منها فقط ويشبه أن يقال إن من سبب الخلاف في ذلك أيضا معارضة دليل الخطاب للعموم وذلك أن دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة يقتضي أن لا زكاة في غير السائمة وعموم قوله عليه الصلاة والسلام في كل أربعين شاة شاة يقتضي أن السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة لكن العموم أقوى من دليل الخطاب كما أن تغليب المقيد على المطلق أشهر من تغليب المطلق على المقيد وذهب أبو محمد بن حزم إلى أن المطلق يقضي على المقيد وأن في الغنم سائمة وغير سائمة الزكاة وكذلك في الإبل لقوله عليه الصلاة والسلام ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وأن البقر لما لم يثبت فيها أثر وجب أن يتمسك فيها بالإجماع وهو أن الزكاة في السائمة منها فقط فتكون التفرقة بين البقر وغيرها قولا ثالثا وأما القياس المعارض لعموم قوله عليه الصلاة والسلام فيها في أربعين شاة شاة فهو أن السائمة هي التي المقصود منها النماء والربح وهو الموجود فيها أكثر ذلك والزكاة إنما هي فضلات الأموال والفضلات إنما توجد أكثر ذلك في الأموال السائمة ولذلك اشترط فيها الحول

قسم V01/P183–V01/P184

فمن خصص بهذا القياس ذلك العموم لم يوجب الزكاة في غير السائمة ومن لم يخصص ذلك ورأى أن العموم أقوى أوجب ذلك في الصنفين جميعا فهذا هو ما اختلفوا فيه من الحيوان التي تجب فيه الزكاة وأجمعوا على أنه ليس فيما يخرج من الحيوان زكاة إلا العسل فإنهم اختلفوا فيه فالجمهور على أنه لا زكاة فيه وقال قوم فيه الزكاة وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح الأثر الوارد في ذلك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في كل عشرة أزق زق خرجه الترمذي وغيره وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الأربعة التي ذكرناها فهو جنس النبات الذي تجب فيه الزكاة فمنهم من لم ير الزكاة إلا في تلك الأربع فقط وبه قال ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وابن المبارك ومنهم من قال الزكاة في جميع المدخر المقتات من النبات وهو قول مالك والشافعي ومنهم من قال الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش والحطب والقصب وهو أبو حنيفة وسبب الخلاف إما بين من قصر الزكاة على الأصناف المجمع عليها وبين من عداها إلى المدخر المقتات فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة هل هو لعينها أو لعلة فيها وهي الاقتيات فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها ومن قال لعلة الاقتيات عدى الوجوب لجميع المقتات وسبب الخلاف بين من قصر الوجوب على المقتات وبين من عداه إلى جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع من الحشيش والحطب والقصب هو معارضة القياس لعموم اللفظ أما اللفظ الذي يقتضي العموم فهو قوله عليه الصلاة والسلام فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر وما بمعنى الذي والذي من ألفاظ القوم وقوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية إلى قوله وآتوا حقه يوم حصاده وأما القياس فهو أن الزكاة إنما المقصود منها سد الخلة وذلك لا يكون غالبا إلا فيما هو قوت فمن خصص العموم بهذا القياس أسقط الزكاة مما عدا المقتات ومن غلب العموم أوجبها فيما عدا ذلك إلا ما أخرجه الإجماع والذين اتفقوا على المقتات اختلفوا في أشياء من قبل اختلافهم فيها هل هي مقتاتة أم ليست بمقتاتة وهل يقاس على ما اتفق عليه أو ليس يقاس مثل اختلاف مالك والشافعي في الزيتون فإن مالكا ذهب إلى وجوب الزكاة فيه ومنع ذلك الشافعي في قوله الأخير بمصر وسبب اختلافهم هل هو قوت أم ليس بقوت ومن هذا الباب اختلاف أصحاب مالك في إيجاب الزكاة في التين أو لا إيجابها وذهب بعضهم إلى أن الزكاة تجب في الثمار دون الخضر وهو قول ابن حبيب لقوله سبحانه وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات الآية ومن فرق في الآية بين الثمار والزيتون فلا وجه لقوله إلا وجه ضعيف واتفقوا على ألا زكاة في العروض التي لم يقصد بها التجارة واختلفوا في إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة فذهب فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك ومنع ذلك أهل الظاهر والسبب في اختلافهم اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس واختلافهم في تصحيح حديث سمرة بن جندب أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع وفيما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال أد زكاة البر وأما القياس الذي اعتمده الجمهور فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق أعني الحرث والماشية والذهب والفضة وزعم الطحاوي أن زكاة العروض ثابتة عن عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وبعضهم يرى أن مثل هذا هو إجماع من الصحابة أعني إذا نقل عن واحد منهم قول ولم ينقل عن غيره خلافه وفيه ضعف

الأسئلة