Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

قسم V01/P211–V01/P212

وأما ما عدا المأكول والمشروب من المفطرات فكلهم يقولون إن من قبل فأمنى فقد أفطر وإن أمذى فلم يفطر إلا مالك واختلفوا في القبلة للصائم فمنهم من أجازها ومنهم من كرهها للشاب وأجازها للشيخ ومنهم من كرهها على الإطلاق فمن رخص فيها فلما روي من حديث عائشة وأم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل وهو صائم ومن كرهها فلما يدعو إليه من الوقاع وشذ قوم فقالوا القبلة تفطر واحتجوا لذلك بما روي عن ميمونة بنت سعد قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم فقال أفطرا جميعا خرج هذا الأثر الطحاوي ولكن ضعفه وأما ما يقع من هذه من قبل الغلبة ومن قبل النسيان فالكلام فيه عند الكلام في المفطرات وأحكامها وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به فالحجامة والقيء أما الحجامة فإن فيها ثلاثة مذاهب قوم قالوا إنها تفطر وأن الإمساك عنها واجب وبه قال أحمد وداود والأوزاعي وإسحق بن راهويه وقوم قالوا إنها مكروهة للصائم وليست تفطر وبه قال مالك والشافعي والثوري وقوم قالوا إنها غير مكروهة ولا مفطرة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك وذلك أنه ورد في ذلك حديثان أحدهما ما روي من طريق ثوبان ومن طريق رافع بن خديج أنه عليه الصلاة والسلام قال أفطر الحاجم والمحجوم وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد والحديث الثاني حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وحديث ابن عباس هذا صحيح فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب أحدهما مذهب الترجيح والثاني مذهب الجمع والثالث مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان وذلك أن هذا موجب حكما وحديث ابن عباس رافعه والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه وحديث ثوبان قد وجب العمل به وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون منسوخا وذلك شك والشك لا يوجب عملا ولا يرفع العلم الموجب للعمل وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرا في العلم ومن رام الجمع بينهما حمل حديث النهي على الكراهة وحديث الاحتجام على رفع الحظر ومن أسقطهما للتعارض قال بإباحة الاحتجام للصائم وأما القيء فإن جمهور الفقهاء على أن من ذرعه القيء فليس بمفطر إلا ربيعة فإنه قال إنه مفطر وجمهورهم أيضا على أن من استقاء فقاء فإنه مفطر إلا طاووس وسبب اختلافهم ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة واختلافهم أيضا في تصحيحها وذلك أنه ورد في هذا الباب حديثان أحدهما حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال معدان فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال صدق أنا صببت له وضوءه وحديث ثوبان هذا صححه الترمذي والآخر حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي وأبو داود أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء وإن استقاء فعليه القضاء وروي موقوفا عن ابن عمر فمن لم يصح عنده الأثران كلاهما قال ليس فيه فطر أصلا ومن أخذ بظاهر حديث ثوبان ورجحه على حديث أبي هريرة أوجب الفطر من القيء بإطلاق ولم يفرق بين أن يستقيء أو لا يستقيء ومن جمع بين الحديثين وقال حديث ثوبان مجمل وحديث أبي هريرة مفسر والواجب حمل المجمل على المفسر فرق بين القيء والاستقاء وهو الذي عليه الجمهور الركن الثالث وهو النية

قسم V01/P212–V01/P213

والنظر في النية في مواضع منها هل هي شرط في صحة هذه العبادة أم ليست بشرط وإن كانت شرطا فما الذي يجزي من تعيينها وهل يجب تجديدها في كل يوم من أيام رمضان أم يكفي في ذلك النية الواقعة في اليوم الأول وإذا أوقعها المكلف فأي وقت إذا وقعت فيه صح الصوم وإذا لم تقع فيه بطل الصوم وهل رفض النية يوجب الفطر وإن لم يفطر وكل هذه المطالب قد اختلف العلماء فيها أما كون النية شرطا في صحة الصيام فإنه قول الجمهور وشذ زفر فقال لا يحتاج رمضان إلى نية ألا أن يكون الذي يدركه صيام شهر رمضان مريضا أو مسافرا فيريد الصوم والسبب في اختلافهم الاحتمال المتطرق إلى الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى أو غير معقولة المعنى فمن رأى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية ومن رأى أنها معقولة المعنى قال قد حصل المعنى إذا صام وإن لم ينو لكن تخصيص زفر رمضان بذلك من بين أنواع الصوم فيه ضعف وكأنه لما رأى أن أيام رمضان لا يجوز فيها الفطر رأى أن كل صوم يقع فيها ينقلب صوما شرعيا وأن هذا شيء يخص هذه الأيام وأما اختلافهم في تعيين النية المجزية في ذلك فإن مالكا قال لا بد في ذلك من تعيين صوم رمضان ولا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقا ولا اعتقاد صوم معين غير صوم رمضان وقال أبو حنيفة إن اعتقد مطلق الصوم أجزأه وكذلك إن نوى فيه صيام غير رمضان أجزاه وانقلب إلى صيام رمضان إلا أن يكون مسافرا فإنه إذا نوى المسافر عنده في رمضان صيام غير رمضان كان ما نوى لأنه لم يجب عليه صوم رمضان وجوبا معينا ولم يفرق صاحباه بين المسافر والحاضر وقالا كل صوم نوي في رمضان انقلب إلى رمضان وسبب اختلافهم هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة هو تعيين جنس العبادة أو تعيين شخصها وذلك أن كلا الأمريين موجود في الشرع مثال ذلك أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحدث لأي شيء كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها وليس يختص عبادة عبادة بوضوء وضوء وأما الصلاة فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة فلا بد من تعيين الصلاة إن عصرا فعصرا وإن ظهرا فظهرا وهذا كله على المشهور عند العلماء فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني اشترط تعيين الصوم واختلافهم أيضا في إذا نوى في أيام رمضان صوما آخر هل ينقلب أو لا ينقلب سببه أيضا أن من العبادة عندهم من ينقلب من قبل أن الوقت الذي توقع فيه مختص بالعبادة التي تنقلب إليه ومنها ما ليس ينقلب أما التي لا تنقلب فأكثرها وأما التي تنقلب باتفاق فالحج وذلك أنهم قالوا إذا ابتدأ الحج تطوعا من وجب عليه الحج انقلب التطوع إلى الفرض ولم يقولوا ذلك في الصلاة ولا في غيرها فمن شبه الصوم بالحج قال ينقلب ومن شبهه بغيره من العبادات قال لا ينقلب وأما اختلافهم في وقت النية فإن مالكا رأى أنه لا يجزىء الصيام إلا بنية قبل الفجر وذلك في جميع أنواع الصوم وقال الشافعي تجزىء النية بعد الفجر في النافلة ولا تجزىء في الفروض وقال أبو حنيفة تجزىء النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان ونذر أيام محدودة وكذلك في النافلة ولا يجزىء في الواجب في الذمة والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في ذلك أما الآثار المتعارضة في ذلك فأحدها ما خرجه البخاري عن حفصة أنه قال عليه الصلاة والسلام من لم يبيت الليل من الصيام فلا صيام له ورواه مالك موقوفا قال أبو عمر حديث حفصة في إسناده اضطراب

قسم V01/P213–V01/P215

والثاني ما رواه مسلم عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يا عائشة هل عندكم شيء قالت قلت يا رسول الله ما عندنا شيء قال فإني صائم ولحديث معاوية أنه قال على المنبر يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليوم هذا يوم عاشوراء ولم يكتب علينا صيامه وأنا صائم فمن شاء منكم فليصم ومن شاء فليفطر فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بحديث حفصة ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين النفل والفرض أعني حمل حديث حفصة على الفرض وحديث عائشة ومعاوية على النفل وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين والواجب في الذمة لأن الواجب المعين له وقت مخصوص يقوم مقام النية في التعيين والذي في الذمة ليس له وقت مخصوص فأوجب إذن التعيين بالنية وجمهور الفقهاء على أنه ليست الطهارة من الجنابة شرطا في صحة الصوم لما ثبت من حديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم ومن الحجة لهما الإجماع على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم وروي عن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاووس أنه إن تعمد ذلك أفسد صومه وسبب اختلافهم ما روي عن أبي هريرة أنه كان يقول من أصبح جنبا في رمضان أفطر وروي عنه أنه قال ما أنا قلته محمد صلى الله عليه وسلم قاله ورب الكعبة وذهب ابن الماجشون من أصحاب مالك أن الحائض إذا ظهرت قبل الفجر فأخرت الغسل أن يومها يوم فطر وأقاويل هؤلاء شاذة ومردودة بالسنن المشهورة الثابتة القسم الثاني من الصوم المفروض وهو الكلام في الفطر وأحكامه والمفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام وصنف يجوز له الفطر والصوم بإجماع وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين وصنف لا يجوز له الفطر وكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام أما الذين يجوز لهم الأمران فالمريض باتفاق والمسافر باختلاف والحامل والمرضع والشيخ الكبير وهذا التقسيم كله مجمع عليه فأما المسافر فالنظر فيه في مواضع منها هل إن صام أجزأه صومه أم ليس يجزيه وهل إن كان يجزي المسافر صومه الأفضل له الصوم أو الفطر أو هو مخير بينهما وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود أم في كل ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة ومتى يفطر ومتى يمسك وهل إذا مرض بعض الشهر له أن ينشىء السفر أم لا ثم إذا أفطر ما حكمه وأما المريض فالنظر فيه أيضا في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر وفي حكم الفطر أما المسألة الأولى وهي إن صام المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه إن صام وقع صيامه وأجزأه وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه وأن فرضه هو أيام أخر والسبب في اختلافهم تردد قوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر بين أن يحمل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوف أصلا أو يحمل على المجاز فيكون التقدير فأفطر فعدة من أيام أخر وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب فمن حمل الآية على الحقيقة ولم يحملها على المجاز قال إن فرض المسافر عدة من أيام أخر لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ومن قدر فأفطر قال إنما فرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا المفهومين وإن كان الأصل هو أن يحمل الشيء على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز

قسم V01/P215–V01/P216

أما الجمهور فيحتجون لمذهبهم بما ثبت من حديث أنس قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم وبما ثبت عنه أيضا أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم وأهل الظاهر يحتجون لمذهبهم بما ثبت عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وهذا يدل على نسخ الصوم قال أبو عمر والحجة على أهل الظاهر إجماعهم على أن المريض إذا صام أجزأه صومه وأما المسألة الثانية وهي هل الصوم أفضل أو الفطر إذا قلنا إنه من أهل الفطر على مذهب الجمهور فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب فبعضهم رأى أن الصوم أفضل وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وبعضهم رأى أن الفطر أفضل وممن قال بهذا القول أحمد وجماعة وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير وأنه ليس أحدهما أفضل والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول ومعارضة المنقول بعضه لبعض وذلك أن المعنى المعقول من إجازة الفطر للصائم إنما هو الرخصة له لمكان رفع المشقة عنه وما كان رخصة فالأفضل ترك الرخصة ويشهد لهذا حديث حمزة عن عمرو الأسلمي خرجه مسلم أنه قال يا رسول الله أجد في قوة على الصيام في السفر فهل علي من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وأما ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام ليس من البر أن تصوم في السفر ومن أن آخر فعله عليه الصلاة والسلام كان الفطر فيوهم أن الفطر أفضل لكن الفطر لما كان ليس حكما وإنما هو من فعل المباح عسر على الجمهور أن يضعوا المباح أفضل من الحكم وأما من خير في ذلك فلمكان حديث عائشة قالت سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر فقال إن شئت فصم وإن شئت فأفطر خرجه مسلم وأما المسألة الثالثة وهي هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أو في سفر غير محدود فإن العلماء اختلفوا فيها فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم السفر وهم أهل الظاهر والسبب في اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ للمعنى وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل من ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس في ذلك على الحد في تقصير الصلاة وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر فإنهم اختلفوا فيه أيضا فذهب قوم إلى أنه المرض الذي يلحق من الصوم فيه مشقة وضرورة وبه قال مالك وذهب قوم إلى أنه المرض الغالب وبه قال أحمد وقال قوم إذا انطلق عليه اسم المريض أفطر وسبب اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم في حد السفر وأما المسألة الخامسة وهي متى يفطر المسافر ومتى يمسك فإن قوما قالوا يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرا وبه قال الشعبي والحسن وأحمد وقالت طائفة لا يفطر يومه ذلك وبه قال فقهاء الأمصار واستحبت جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائما وبعضهم في ذلك أكثر تشديدا من بعض وكلهم لم يوجبوا على من دخل مفطرا كفارة واختلفوا فيمن دخل وقد ذهب بعض النهار فذهب مالك و الشافعي إلى أنه يتمادى على فطره وقال أبو حنيفة وأصحابه يكف عن الأكل وكذلك الحائض عنده تطهر تكف عن الأكل

قسم V01/P216–V01/P217

والسبب في اختلافهم في الوقت الذي يفطر فيه المسافر هو معارضة الأثر للنظر أما الأثر فإنه ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه وظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصوم وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم وفي هذا المعنى أيضا حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة فسار حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة وخرج أبو داود عن أبي نضرة الغفاري أنه لما تجاوز البيوت دعا بالسفرة قال جعفر راوي الحديث فقال ألست تؤم البيوت فقال أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جعفر فأكل وأما النظر فلما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصوم ليلة سفره لم يجز له أن يبطل صومه وقد بيته لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وأما اختلافهم في إمساك الداخل في أثناء النهار عن الأكل أو لا إمساكه فالسبب فيه اختلافهم في تشبيه من يطرأ عليه في يوم شك أفطر فيه الثبوت أنه من رمضان فمن شبهه به قال يمسك عن الأكل ومن لم يشبهه به قال لا يمسك عن الأكل لأن الأول أكل موضع الجهل وهذا أكل لسبب مبيح أو موجب للأكل والحنفية تقول كلاهما سببان موجبان للإمساك عن الأكل بعد إباحة الأكل وأما المسألة السادسة وهي هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشىء سفرا ثم لا يصوم فيه فإن الجمهور على أنه يجوز ذلك له وروي عن بعضهم وهو عبيدة السلماني وسويد بن غفلة وابن مجلز أنه إن سافر فيه صام ولم يجيزوا له الفطر والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله فهو يصومه كله كان من شهد بعضه فهو يصوم بعضه ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم السفر في رمضان وأما حكم المسافر إذا أفطر فهو القضاء باتفاق وكذلك المريض لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ما عدا المريض بإغماء أو جنون فإنهم اختلفوا في وجوب القضاء عليه وفقهاء الأمصار على وجوبه على المغمى عليه واختلفوا في المجنون ومذهب مالك وجوب القضاء عليه وفيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام وعن المجنون حتى يفيق والذين أوجبوا عليهما القضاء اختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسدا للصوم فقوم قالوا إن مفسد وقوم قالوا ليس بمفسد وقوم فرقوا بين أن يكون أغمي عليه بعد الفجر أو قبل الفجر وقوم قالوا إن أغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه وإن أغمي عليه في أول النهار قضى وهو مذهب مالك وهذا كله فيه ضعف فإن الإغماء والجنون يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون وإذا ارتفع التكليف لم يوصف بمفطر ولا صائم فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف إنها مبطلة للصوم إلا كما يقال في الميت أو فيمن لا يصح منه العمل إنه قد بطل صومه وعمله ويتعلق بقضاء المسافر والمريض مسائل منها هل يقضيان ما عليهما متتابعا أم لا ومنها ماذا عليهما إذا أخرا القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر ومنها إذا ماتا ولم يقضيا هل يصوم عنهما وليهما أو لا يصوم أما المسألة الأولى فإن بعضهم أوجب أن يكون القضاء متتابعا على صفة الأداء وبعضهم لم يوجب ذلك وهؤلاء منهم من خير ومنهم من استحب التتابع والجماعة على ترك إيجاب التتابع

قسم V01/P217–V01/P218

وسبب اختلافهم تعارض ظواهر اللفظ والقياس وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء أصل ذلك الصلاة والحج أما ظاهر قوله تعالى فعدة من أيام أخر فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع وروي عن عائشة أنها قالت نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر فقال قوم يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء والكفارة وبه قال مالك والشافعي وأحمد وقال قوم لا كفارة عليه وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسبب اختلافهم هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا فمن لم يجز القياس في الكفارات قال إنما عليه القضاء فقط ومن أجاز القياس في الكفارات قال عليه الكفارة قياسا على من أفطر متعمدا لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم أما هذا فبترك القضاء زمان القضاء وأما ذلك فبالأكل في يوم لا يجوز فيه الأكل وإنما كان يكون القياس مستندا لو ثبت أن للقضاء زمانا محدودا بنص من الشارع لأن أزمنة الأداء هي محدودة في الشرع وقد شذ قوم فقالوا إذا اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه وهذا مخالف للنص وأما إذا مات وعليه صوم فإن قوما قالوا لا يصوم أحد عن أحد وقوم قالوا يصوم عنه وليه والذين لم يوجبوا الصوم قالوا يطعم عنه وليه وبه قال الشافعي وقال بعضهم لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي به وهو قول مالك وقال أبو حنيفة يصوم فإن لم يستطع أطعم وفرق قوم بين النذر والصيام المفروض فقالوا يصوم عنه وليه في النذر ولا يصوم عنه في الصيام المفروض والسبب في اختلافهم معارضة القياس للأثر وذلك أنه ثبت عنه من حديث عائشة أنه قال عليه الصلاة والسلام من مات وعليه صيام صام عنه وليه خرجه مسلم وثبت عنه أيضا من حديث ابن عباس أنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها فقال لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها قال نعم قال فدين الله أحق بالقضاء فمن رأى أن الأصول تعارضه وذلك أنه كما لا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد كذلك لا يصوم أحد عن أحد قال لا صيام على الولي ومن أخذ بالنص في ذلك وقال بإيجاب الصيام عليه ومن لم يأخذ بالنص في ذلك قصر الوجوب على النذر ومن قاس رمضان عليه قال يصوم عنه في رمضان وأما من أوجب الإطعام فمصيرا إلى قراءة من قرأ وعلى الذين يطيقونه فدية الآية ومن خير في ذلك فجمعا بين الآية والأثر فهذه هي أحكام المسافر والمريض من الصنف الذين يجوز لهم الفطر والصوم فهذه هي أحكام المسافر والمريض من الصنف الذين يجوز لهم الفطر والصوم وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير فإن فيه مسألتين مشهورتين إحداهما الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب أحدها أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس والقول الثاني أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما وهو مقابل الأول وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبيد وأبو ثور والثالث أنهما يقضيان ويطعمان وبه قال الشافعي والقول الرابع أن الحامل تقضي ولا تطعم والمرضع تقضي وتطعم وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض فمن شبههما بالمريض قال عليهما القضاء فقط ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين الآية وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها فقال عليهما القضاء من جهة ما فيهما من من شبه المريض وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح لكن يضعف هذا فإن الصحيح لا يباح له الفطر

قسم V01/P218–V01/P220

ومن فرق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض وحكم الذي يجهده الصوم أو شبهها بالصحيح ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى والله أعلم ممن جمع كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط لكون القراءة غير متواترة فتأمل هذا فإنه بين وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا فقال قوم عليهما الإطعام وقال قوم ليس عليهما إطعام وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة وبالثاني قال مالك ألا أنه استحبه وأكثر من رأى الإطعام عليهما يقول مد عن كل يوم وقيل إن حفن حفنات كما كان أنس يصنع أجزأه وسبب اختلافهم اختلافهم في القراءة التي ذكرنا أعني قراءة من قرأ وعلى الذين يطيقونه فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول قال الشيخ منهم ومن لم يوجب بها عملا جعل حكمه حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى يموت فهذه هي أحكام الصنف من الناس الذين يجوز لهم الفطر أعني أحكامهم المشهورة التي أكثرها منطوق به أو لها تعلق بالمنطوق به في الصنف الذي يجوز له الفطر وأما النظر في أحكام الصنف الذي لا يجوز له الفطر إذا أفطر فإن النظر في ذلك يتوجه إلى من يفطر بجماع وإلى من يفطر بغير جماع وإلى من يفطر بأمر متفق عليه وإلى من يفطر بأمر مختلف فيه أعني بشبهة أو بغير شبهة وكل واحد من هذين إما أن يكون على طريق السهو أو طريق العمد أو طريق الاختيار أو طريق الإكراه أما من أفطر بجماع متعمدا في رمضان فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء والكفارة لما ثبت من حديث أبي هريرة أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلكت يا رسول الله قال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق به رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم الشهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا قال لا ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بفرق فيه تمر فقال تصدق بهذا فقال أعلى أفقر مني فما بين لابتتها أهل بيت أحوج إليه منه قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال اذهب فأطعمه أهلك واختلفوا من ذلك في مواضع منها هل الإفطار متعمدا بالأكل والشرب حكمه حكم الإفطار بالجماع في القضاء والكفارة أم لا ومنها إذا جامع ساهيا ماذا عليه ومنها ماذا على المرأة إذا لم تكن مكرهة ومنها هل الكفارة واجبة فيه مترتبة أو على التخيير ومنها كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين إذا كفر بالإطعام ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع أم لا ومنها إذا لزمه الإطعام وكان معسرا هل يلزمه الإطعام إذا أثرى أم لا وشذ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث وإما لأنه لم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث لأنه لو كان عزمة لوجب إذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم ولا بد إذا كان صحيحا على ظاهر الحديث وأيضا لو كان عزمة لأعلمه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضا وكذلك شذ قوم أيضا فقالوا ليس عليه الكفارة فقط إذ ليس في الحديث ذكر القضاء والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر أو ممن لا يجوز له الصوم على الاختلاف الذي قررناه قبل في ذلك فأما من أفطر متعمدا فليس في إيجاب القضاء عليه نص فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في قضاء تارك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين شاذ وأما الخلاف المشهور فهو في المسائل التي عددناها قبل

قسم V01/P220–V01/P221

وأما المسألة الأولى وهي هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدا فإن مالكا وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة المذكورة في هذا الحديث وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط والسبب في اختلافهم اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب وعلى المفطر بالجماع فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدا ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره وذلك أن العقاب المقصود به الردع والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل وهو لها أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع وأن يكونوا أخيارا عدولا كما قال تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون قال هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع وهذا إذا كان ممن يرى القياس وأما من لا يرى القياس فأمره بين أنه ليس يعدي حكم الجماع إلى الأكل والشرب وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة المذكورة فليس بحجة لأن قول الراوي فأفطر هو مجمل والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به لكن هذا قول على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الإفطار ولولا ذلك لما عبر بهذا اللفظ ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به وأما المسألة الثانية وهو إذا جامع ناسيا لصومه فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان لا قضاء عليه ولا كفارة وقال مالك عليه القضاء دون الكفاءة وقال أحمد وأهل الظاهر عليه القضاء والكفارة وسبب اختلافهم في قضاء الناسي معارضة ظاهر الأثر في ذلك القياس وأما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة فمن شبهه بناسي الصلاة أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فأنما أطعمه الله وسقاه وهذا الأثر يشهد به عموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ومن هذا الباب اختلافهم فيمن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم ظهرت الشمس بعد ذلك هل عليه قضاء أم لا وذلك أن هذا مخطىء والمخطىء والناسي حكمهما واحد فكيفما قلنا فتأثير النسيان في إسقاط القضاء بين والله أعلم وذلك أنا إن قلنا إن الأصل هو أن لا يلزم الناس قضاء حتى يدل الدليل على ذلك وجب أن يكون النسيان لا يوجب القضاء في الصوم إذ لا دليل ههنا على ذلك بخلاف الأمر في الصلاة وإن قلنا إن الأصل هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي فقد دل الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي اللهم إلا أن يقول قائل إن الدليل الذي استثنى ناسي الصوم من ناسي سائر العبادات التي رفع عن تاركها الحرج بالنص هو قياس الصوم على الصلاة لكن إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف وإنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد

قسم V01/P221–V01/P222

وأما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا فضعيف فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بين في الشرع والكفارة من أنواع العقوبات وإنما أصارهم إلى ذلك أخذهم بمجمل الصفة المنقولة في الحديث أعني من أنه لم يذكر فيه أنه فعل ذلك عمدا ولا نسيانا لكن من أوجب الكفارة على قاتل الصيد نسيانا لم يحفظ أصله في هذا مع أن النص إنما جاء في المتعمد وقد كان يجب على أهل الظاهر أن يأخذوا بالمتفق عليه وهو إيجاب الكفارة على العامد إلى أن يدل الدليل على إيجابها على الناسي أو يأخذوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان حتى يدل الدليل على التخصيص ولكن كلا الفريقين لم يلزم أصله وليس في مجمل ما نقل من حديث الأعرابي حجة ومن قال من أهل الأصول إن ترك التفصيل في اختلاف الأحوال من الشارع بمنزلة العموم في الأقوال فضعيف فإن الشارع لم يحكم قط إلا على مفصل وإنما الإجمال في حقنا وأما المسألة الثالثة وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع فإن أبا حنيفة وأصحابه ومالكا وأصحابه أوجبوا عليها الكفارة وقال الشافعي وداود لا كفارة عليها وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة والقياس أنها مثل الرجل إذ كان كلاهما مكلفا وأما المسألة الرابعة وهي هل هذه الكفارة متربة ككفارة الظهار أو على التخيير وأعني بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلا بعد العجز عن الذي قبله وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين هي غيرمرتبة فالعتق أولا فإن لم يجد فالصيام فإن لم يستطع فالإطعام وقال مالك هي على التخيير وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه يستحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا وظاهر ما رواه مالك من أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أنها على التخيير إذ ( أو ) إنما تقتضي في لسان العرب التخيير وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب إذ كانوا هم أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيهها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي وأما استحباب الابتداء بالاطعام فمخالف لظواهر الآثار وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس لأنه رأى الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول وأما المسألة الخامسة وهو اختلافهم في مقدار الإطعام فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا يطعم لكل مسكين مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة لا يجزىء أقل من مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك صاع لكل مسكين وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر أما القياس فتشبيه هذه الفدية بفدية الأذى المنصوص عليها وأما الأثر فما روي في بعض طرق حديث الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة عشر صاعا لكن ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على الواجب من ذلك لكل مسكين إلا دلالة ضعيفة وإنما يدل على أن بدل الصيام في هذه الكفارة هو هذا القدر

قسم V01/P222–V01/P224

وأما المسألة السادسة وهي تكرر الكفارة بتكرر الإفطار فإنهم أجمعوا على أن من وطىء في يوم رمضان ثم كفر ثم وطىء في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى وأجمعوا على أنه من وطىء مرارا في يوم واحد أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة واختلفوا فيمن وطىء في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطىء في يوم ثان فقال مالك والشافعي وجماعة عليه لكل يوم كفارة وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول والسبب في اختلافهم تشبيه الكفارات بالحدود فمن شبهها بالحدود قال كفارة واحدة تجزىء في ذلك عن أفعال كثيرة كما يلزم الزاني جلد واحد وإن زنى ألف مرة إذا لم يحد لواحد منها ومن لم يشبهها بالحدود جعل لكل واحد من الأيام حكما منفردا بنفسه في هتك الصوم فيه أوجب في كل يوم كفارة قالوا والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة والحدود زجر محض وأما المسألة السابعة وهي هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسرا في وقت الوجوب فإن الأوزاعي قال لا شيء عليه إن كان معسرا وأما الشافعي فتردد في ذلك والسبب في اختلافهم في ذلك أنه حكم المسكوت عنه فيحتمل أن يشبه بالديون فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء ويحتمل أن يقال لو كان ذلك واجبا عليه لبينه له عليه الصلاة والسلام فهذه أحكام من أفطر متعمدا في رمضان مما أجمع على أنه مفطر وأما من أفطر مما هو مختلف فيه فإن بعض من أوجب فيه أوجب فيه القضاء والكفارة وبعضهم أوجب فيه القضاء فقط مثل من رأى الفطر من الحجامة ومن الاستقاء ومن بلع الحصاة ومثل المسافر يفطر أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر في ذلك اليوم فإن مالكا أوجب فيه القضاء والكفارة وخالفه في ذلك سائر فقهاء الأمصار وجمهور أصحابه وأما من أوجب القضاء والكفارة على من استقاء فأبو ثور والأوزاعي وسائر من يرى أن الاستقاء مفطر لا يوجبون إلا القضاء فقط والذي أوجب القضاء والكفارة في الاحتجام من القائلين بأن الحجامة تفطر هو عطاء وحده وسبب هذا الخلاف أن المفطر بشيء فيه اختلاف فيه شبه من غير المفطر ومن المفطر فمن غلب أحد الشبهين أوجب له ذلك الحكم وهذان الشبهان الموجودان فيه هما اللذان أوجبا فيه الخلاف أعني هل هو مفطر أو غير مفطر ولكون الإفطار شبهة لا يوجب الكفارة عند الجمهور وإنما يوجب القضاء فقط نزع أبو حنيفة إلى أنه من أفطر متعمدا الفطر ثم طرأ عليه في ذلك اليوم سبب مبيح للفطر أنه لا كفارة عليه كالمرأة تفطر عمدا ثم تحيض باقي النهار والصحيح يفطر عمدا ثم يمرض والحاضر يفطر ثم يسافر فمن اعتبر الأمر في نفسه أعني أنه مفطر في يوم جاز له الإفطار فيه لم يوجب عليهم كفارة وذلك أن كل واحد من هؤلاء قد كشف الغيب أنه أفطر في يوم جاز له الإفطار فيه ومن اعتبر الاستهانة بالشرع أوجب عليه الكفارة لأنه حين أفطر لم يكن عنده علم بالإباحة وهو مذهب مالك والشافعي ومن هذا الباب إيجاب مالك القضاء فقط على من أكل وهو شاك في الفجر وإيجابه القضاء والكفارة على من أكل وهو شاك في الغروب على ما تقدم من الفرق بينهما واتفق الجمهور على أنه ليس في الفطر عمدا في قضاء رمضان كفارة لأنه ليس له حرمة زمان الأداء أعني رمضان إلا قتادة فإنه أوجب عليه القضاء والكفارة وروي عن ابن القاسم وابن وهب أن عليه يومين قياسا على الحج الفاسد وأجمعوا على أن من سنن الصوم تأخير السحور وتعجيل الفطر لقوله عليه الصلاة والسلام لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور وقال تسحروا فإن في السحور بركة وقال عليه الصلاة والسلام فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر

قسم V01/P224–V01/P225

وكذلك جمهورهم على أن من سنن الصوم ومرغباته كف اللسان عن الرفث والخنا لقوله عليه الصلاة والسلام إنما الصوم جنة فإذا أصبح أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث يفطر وهو شاذ فهذه مشهورات ما يتعلق بالصوم المفروض من المسائل وبقي القول في الصوم المندوب إليه وهو القسم الثاني من هذا الكتاب كتاب الصيام الثاني وهو المندوب إليه والنظر في الصيام المندوب إليه هو في تلك الأركان الثلاثة وفي حكم الإفطار فيه فأما الأيام التي يقع فيها الصوم المندوب إليه وهو الركن الأول فإنها على ثلاثة أقسام 1 أيام مرغب فيها 2 وأيام منهي عنها 3 وأيام مسكوت عنها ومن هذه ما هو مختلف فيه ومنها ما هو متفق عليه أما المرغب فيه المتفق عليه فصيام يوم عاشوراء وأما المختلف فيه فصيام يوم عرفة وست من شوال والغرر من كل شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أما صيام يوم عاشوراء فلأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه وقال فيه من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه واختلفوا فيه هل هو التاسع أو العاشر والسبب في ذلك اختلاف الآثار خرج مسلم عن ابن عباس قال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت هكذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم وروي أنه حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما اختلافهم في يوم عرفة فلأن النبي عليه الصلاة والسلام أفطر يوم عرفة وقال فيه صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية ولذلك اختلف الناس في ذلك واختار الشافعي الفطر فيه للحاج وصيامه لغير الحاج جمعا بين الأثرين وخرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة وأما الست من شوال فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر إلا أن مالكا كره ذلك إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس في رمضان وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده وهو الأظهر وكذلك كره مالك تحري صيام الغرر مع ما جاء فيها من الأثر مخافة أن يظن الجهال بها أنها واجبة وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام غير معينة وأنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص لما أكثر الصيام أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام قال فقلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال خمسا قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال سبعا قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال تسعا قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال أحد عشر قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك فقال عليه الصلاة والسلام لا صوم فوق صيام داود شطر الدهر صيام يوم وإفطار يوم وخرج أبو داود أنه كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وثبت أنه لم يستتم قط شهرا بالصيام غير رمضان وأن أكثر صيامه كان في شعبان وأما الأيام المنهي عنها فمنها أيضا متفق عليها ومنها مختلف فيها أما المتفق عليها فيوم الفطر ويوم الأضحى لثبوت النهي عن صيامهما

قسم V01/P225–V01/P226

وأما المختلف فيها فأيام التشريق ويوم الشك ويوم الجمعة ويوم السبت والنصف الآخر من شعبان وصيام الدهر أما أيام التشريق فإن أهل الظاهر لم يجيزوا الصوم فيها وقوم أجازوا ذلك فيها وقوم كرهوه وبه قال مالك إلا أنه أجاز صيامها لمن وجب عليه الصوم في الحج وهو المتمتع وهذه الأيام هي الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر والسبب في اختلافهم تردد قوله عليه الصلاة والسلام في أنها أيام أكل وشرب بين أن يحمل على الوجوب أو على الندب فمن حمله على الوجوب قال الصوم يحرم ومن حمله على الندب قال الصوم مكروه ويشبه أن يكون من حمله على الندب إنما صار إلى ذلك وغلبه على الأصل الذي هو حمله على الوجوب لأنه رأى أنه إن حمله على الوجوب عارضه حديث أبي سعيد الخدري الثابت بدليل الخطاب وهو أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصح الصيام في يومين يوم الفطر من رمضان ويوم النحر فدليل الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصح الصيام فيه وإلا كان تخصيصهما عبثا لا فائدة فيه وأما يوم الجمعة فإن قوما لم يكرهوا صيامه ومن هؤلاء مالك وأصحابه وجماعة وقوم كرهوا صيامه إلا أن يصام قبله أو بعده والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك فمنها حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال وما رأيته يفطر يوم الجمعة وهو حديث صحيح ومنها حديث جابرأن سائلا سأل جابرا أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم قال نعم ورب هذا البيت خرجه مسلم ومنها حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده خرجه أيضا مسلم فمن أخذ بظاهر حديث ابن مسعود أجاز صيام يوم الجمعة مطلقا ومن أخذ بظاهر حديث جابر كرهه مطلقا ومن أخذ بحديث أبي هريرة جمع بين الحديثين أعني حديث جابر وحديث ابن مسعود وأما يوم الشك فإن جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان لظواهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية أو بإكمال العد إلا ما حكيناه عن ابن عمر واختلفوا في تحري صيامه تطوعا فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ومن أجازه فلأنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام صام شعبان كله ولما قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لا تتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم فليصمه كان الليث بن سعد يقول إنه إن صامه على أنه من رمضان ثم جاءه الثبت أنه من رمضان أجزأه وهذا دليل على أن النية تقع بعد الفجر في التحول من نية التطوع إلى نية الفرض وأما يوم السبت فالسبب في اختلافهم فيه اختلافهم في تصحيح ما روي عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم خرجه أبو داود قالوا والحديث منسوخ نسخه حديث جويرية بنت الحارث أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال صمت أمس فقالت لا فقال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري وأما صيام الدهر فإنه قد ثبت النهي عن ذلك لكن مالكا لم ير بذلك بأسا وعسى رأي النهي في ذلك إنما هو من باب خوف الضعف والمرض وأما صيام النصف الآخر من شعبان فإن قوما كرهوه وقوما أجازوه فمن كرهوه فلما روي من أنه عليه الصلاة والسلام قال لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان ومن أجازه فلما روي عن أم سلمة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان ولما روي عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن شعبان برمضان وهذه الآثار خرجها الطحاوي

قسم V01/P226–V01/P227

وأما الركن الثاني وهو النية فلا أعلم أن أحدا لم يشترط النية في صوم التطوع وإنما اختلفوا في وقت النية على ما تقدم وأما الركن الثالث وهو الإمساك عن المفطرات فهو بعينه الإمساك الواجب في الصوم المفروض والاختلاف الذي هنالك لاحق هنا وأما حكم الإفطار في التطوع فإنهم أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع فقطعه لعذر قضاء واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامدا فأوجب مالك وأبو حنيفة عليه القضاء وقال الشافعي وجماعة ليس عليه قضاء والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك وذلك أن مالكا روى أن حفصة وعائشة زوجي النبي عليه الصلاة والسلام أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقضيا يوما مكانه وعارض هذا حديث أم هانىء قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانىء عن يمينه قالت فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناول أم هانىء فشربت منه قالت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة فقال لها عليه الصلاة والسلام أكنت تقضين شيئا قالت لا قال فلا يضرك إن كان تطوعا واحتج الشافعي في هذا المعنى بحديث عائشة أنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنا خبأت لك خبئا فقال أما إني كنت أريد الصيام ولكن قربيه وحديث عائشة وحفصة غير مسند ولاختلافهم أيضا في هذه المسألة سبب آخر وهو تردد الصوم للتطوع بين قياسه على صلاة التطوع أو على حج التطوع وذلك أنهم أجمعوا على أن من دخل في الحج والعمرة متطوعا يخرج منهما أن عليه القضاء وأجمعوا على أن من خرج من صلاة التطوع فليس عليه قضاء فيما علمت وزعم من قاس الصوم على الصلاة أنه أشبه بالصلاة منه بالحج لأن الحج له حكم خاص في هذا المعنى وهو أنه يلزم المفسد له المسير فيه إلى آخره وإذا أفطر في التصوع ناسيا فالجمهور على أن لا قضاء عليه وقال ابن علية عليه القضاء قياسا على الحج ولعل مالكا حمل حديث أم هانىء على النسيان وحديث أم هانىء خرجه أبو داود وكذلك خرج حديث عائشة بقريب من اللفظ الذي ذكرناه وخرج حديث عائشة وحفصة بعينه كتاب الاعتكاف والاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة أن لا يوفي شرطه وهو في رمضان أكثر منه في غيره وبخاصة في العشر الأواخر منه إذ كان ذلك هو آخر اعتكافه صلى الله عليه وسلم وهو بالجملة يشتمل على عمل مخصوص في موضع مخصوص وفي زمان مخصوص بشروط مخصوصة وتروك مخصوصة فأما العمل الذي يخصه ففيه قولان قيل إنه الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر والقرب وهو مذهب ابن القاسم وقيل جميع أعمال القرب والبر المختصة بالآخرة وهو مذهب ابن وهب فعلى هذا المذهب يشهد الجنائز ويعود المرضى ويدرس العلم وعلى المذهب الأول لا وهذا هو مذهب الثوري والأول هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسبب اختلافهم أن ذلك شيء مسكوت عنه أعني أنه ليس فيه حد مشروع بالقول فمن فهم من الاعتكاف حبس النفس على الأفعال المختصة بالمساجد قال لا يجوز للمعتكف إلا الصلاة والقراءة ومن فهم منه حبس النفس على القرب الأخروية كلها أجاز له غير ذلك مما ذكرناه وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال من اعتكف لا يرفث ولا يساب وليشهد الجمعة والجنازة ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس ذكره عبد الرزاق وروي عن عائشة خلاف هذا وهو أن السنة للمعتكف أن لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا وهذا أيضا أحد ما أوجب الاختلاف في هذا المعنى وأما المواضع التي فيها يكون الاعتكاف فإنهم اختلفوا فيها فقال قوم لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة بيت الله الحرام وبيت المقدس ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام وبه قال حذيفة و سعيد بن المسيب

قسم V01/P227–V01/P229

وقال آخرون الاعتكاف عام في كل مسجد وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وهو مشهور مذهب مالك وقال آخرون لا اعتكاف إلا في مسجد فيه جمعة وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك وأجمع الكل على أن من شرط الاعتكاف المسجد إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أنه يصح في غير المسجد وأن مباشرة النساء إنما حرمت على المعتكف إذا اعتكف في المسجد وإلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المرأة إنما تعتكف في مسجد بيتها وسبب اختلافهم في اشتراط المسجد أو ترك اشتراطه هو الاحتمال الذي في قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد بين أن يكون له دليل خطاب أم لا يكون له فمن قال له دليل خطاب قال لا اعتكاف إلا في مسجد وإن من شرط الاعتكاف ترك المباشرة ومن قال ليس له دليل خطاب قال المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد وأنه لا يمنع المباشرة لأن قائلا لو قال لا تعط فلانا شيئا إذا كان داخلا في الدار لكن مفهوم دليل الخطاب يوجب أن تعطيه إذا كان خارج الدار ولكن هو قول شاذ والجمهور على أن العكوف إنما أضيف إلى المساجد لأنها من شرطه وأما سبب اختلافهم في تخصيص بعض المساجد أو تعميمها فمعارضة العموم للقياس المخصص له فمن رجح العموم قال في كل مسجد على ظاهر الآية ومن انقدح له تخصيص بعض المساجد من ذلك العموم بقياس اشترط أن يكون مسجدا فيه جمعة لئلا ينقطع عمل المعتكف بالخروج إلى الجمعة أو مسجدا تشد إليه المطي مثل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي وقع فيه اعتكافه ولم يقس سائر المساجد عليه إذ كانت غير مساوية له في الحرمة وأما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة فمعارضة القياس أيضا للأثر وذلك أنه ثبت أن حفصة وعائشة وزينب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن حين ضربن أخبيتهن فيه فكان هذا الأثر دليلا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد وأما القياس المعارض لهذا فهو قياس الاعتكاف على الصلاة وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد على ما جاء في الخبر وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل قالوا وإنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط على نحو ما جاء في الأثر من اعتكاف أزواجه عليه الصلاة والسلام معه كما تسافر معه ولا تسافر مفردة وكأنه نحو من الجمع بين القياس والأثر وأما زمان الاعتكاف فليس لأكثره عندهم حد واجب وإن كان كلهم يختار العشر الأواخر من رمضان بل يجوز الدهر كله إما مطلقا عند من لا يرى الصوم من شروطه وإما ما عدا الأيام التي لا يجوز صومها عند من يرى الصوم من شروطه وأما أقله فإنهم اختلفوا فيه وكذلك اختلفوا في الوقت الذي يدخل فيه المعتكف لاعتكافه وفي الوقت الذي يخرج فيه منه أما أقل زمان الاعتكاف فعند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء أنه لا حد له واختلف عن مالك في ذلك فقيل ثلاثة أيام وقيل يوم وليلة وقال ابن القاسم عنه أقله عشرة أيام وعند البغدادين من أصحابه أن العشرة استحباب وأن أقله يوم وليلة والسبب في اختلافهم معارضة القياس للأثر أما القياس فإنه من اعتقد أن من شرطه الصوم قال لا يجوز اعتكاف ليلة وإذا لم يجز اعتكافه ليلة فلا أقل من يوم وليلة إذ انعقاد صوم النهار إنما يكون بالليل وأما الأثر المعارض فما خرجه البخاري من أن عمر رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره ولا معنى للنظر مع الثابت من هذا الأثر وأما اختلافهم في الوقت الذي يدخل فيه المعتكف إلى اعتكافه إذا نذر أياما معدودة أو يوما واحدا فإن مالكا والشافعي وأبا حنيفة اتفقوا على أنه من نذر اعتكاف شهر أنه يدخل المسجد قبل غروب الشمس

قسم V01/P229–V01/P230

وأما من نذر أن يعتكف يوما فإن الشافعي قال من أراد أن يعتكف يوما واحدا دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروبها وأما مالك فقوله في اليوم والشهر واحد بعينه وقال زفر والليث يدخل قبل طلوع الفجر واليوم والشهر عندهما سواء وفرق أبو ثور بين نذر الليالي والأيام فقال إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام دخل قبل طلوع الفجر وإذا نذر عشر ليال دخل قبل غروبها وقال الأوزاعي يدخل في اعتكافه بعد صلاة الصبح والسبب في اختلافهم معارضة الأقيسة بعضها بعضا ومعارضة الأثر لجميعها وذلك أنه من رأى أن أول الشهر ليله واعتبر الليالي قال يدخل قبل مغيب الشمس ومن لم يعتبر الليال قال يدخل قبل الفجر ومن رأى أن اسم اليوم يقع على الليل والنهار معا أوجب إن نذر يوما أن يدخل قبل غروب الشمس ومن رأى أنه إنما ينطبق على النهار أوجب الدخول قبل طلوع الفجر ومن رأى أن اسم اليوم خاص بالنهار واسم الليل بالليل فرق بين أن ينذر أياما أو ليالي والحق أن اسم اليوم في كلام العرب قد يقال على النهار مفردا وقد يقال على الليل والنهار معا لكن يشبه أن يكون دلالته الأولى إنما هي على النهار ودلالته على الليل بطريق اللزوم وأما الأثر المخالف لهذه الأقيسة كلها فهو ما خرجه البخاري وغيره من أهل الصحيح عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في رمضان وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي كان يعتكف فيه وأما وقت خروجه فإن مالكا رأى أن يخرج المعتكف العشر الأواخر من رمضان من المسجد إلى صلاة العيد على جهة الاستحباب وأنه إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه وقال الشافعي وأبو حنيفة بل يخرج بعد غروب الشمس وقال سحنون وابن الماجشون إن رجع إلى بيته قبل صلاة العيد فسد اعتكافه وسبب الاختلاف هل الليلة الباقية هي من حكم العشر أم لا وأما شروطه فثلاثة 1 النية 2 والصيام 3 وترك مباشرة النساء أما النية فلا أعلم فيها اختلافا وأما الصيام فإنهم اختلفوا فيه فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنه لا اعتكاف إلا بالصوم وقال الشافعي الاعتكاف جائز بغير صوم وبقول مالك قال من الصحابة ابن عمر وابن عباس على خلاف عنه في ذلك وبقول الشافعي قال علي وابن مسعود والسبب في اختلافهم أن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما وقع في رمضان فمن رأى أن الصوم المقترن باعتكافه هو شرط في الاعتكاف وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه قالا لا بد من الصوم مع الاعتكاف ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقا لا على أن ذلك كان مقصودا له عليه الصلاة والسلام في الاعتكاف قال ليس الصوم من شرطه ولذلك أيضا سبب آخر وهو اقترانه مع الصوم في آية واحدة وقد احتج الشافعي بحديث عمر المتقدم وهو أنه أمره عليه الصلاة والسلام أن يعتكف ليلة والليل ليس بمحل للصيام واحتجت المالكية بما روى عبد الرحمن بن إسحاق عن عروة عن عائشة أنها قالت السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا ما لا بد له منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع قال أبو عمر بن عبد البر لم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح هذا الكلام عندهم إلا من قول الزهري وإن كان الأمر هكذا بطل أن يجري مجرى المسند وأما الشرط الثالث وهي المباشرة فإنهم أجمعوا على أن المعتكف إذا جامع عامدا بطل اعتكافه إلا ما روي عن ابن لبابة في غير المسجد واختلفوا فيه إذا جامع ناسيا واختلفوا أيضا في فساد الاعتكاف بما دون الجماع من القبلة واللمس فرأى مالك أن جميع ذلك يفسد الاعتكاف وقال أبو حنيفة وليس في المباشرة فساد إلا أن ينزل وللشافعي قولان أحدهما مثل قول مالك والثاني مثل قول أبي حنيفة

قسم V01/P230–V01/P231

وسبب اختلافهم هل الاسم المتردد بين الحقيقة والمجاز له عموم وخصوص وهو أحد أنواع الاسم المشترك فمن ذهب إلى أن له عموما قال إن المباشرة في قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ينطلق على الجماع وما دون الجماع ومن لم ير عموما وهو الأشهر الأكثر قال يدل إما على الجماع وإما على ما دون الجماع فإذا قلنا إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير الجماع لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه ومن خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة واختلفوا فيما يجب على المجامع فقال الجمهور لا شيء عليه وقال قوم عليه كفارة فبعضهم قال كفارة المجامع في رمضان وبه قال الحسن وقال قوم يتصدق بدينارين وبه قال مجاهد وقال قوم يعتق رقبة فإن لم يجد أهدى بدنة فإن لم يجد تصدق بعشرين صاعا من تمر وأصل الخلاف هل يجوز القياس في الكفارة أم لا والأظهر أنه لا يجوز واختلفوا في مطلق النذر بالاعتكاف هل من شرطه التتابع أم لا فقال مالك وأبو حنيفة ذلك من شرطه وقال الشافعي ليس من شرطه ذلك والسبب في اختلافهم قياسه على نذر الصوم المطلق وأما موانع الاعتكاف فاتفقوا على أنها ما عدا الأفعال التي هي أعمال المعتكف وأنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو ما هو في معناها مما تدعو إليه الضرورة لما ثبت من حديث عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان واختلفوا إذا خرج لغير حاجة متى ينقطع اعتكافه فقال الشافعي ينتقض اعتكافه عند أول خروجه وبعضهم رخص في الساعة وبعضهم في اليوم واختلفوا هل له أن يدخل بيتا غير بيت مسجده فرخص فيه بعضهم وهو الأكثر مالك والشافعي وأبو حنيفة ورأى بعضهم أن ذلك يبطل اعتكافه وأجاز مالك له البيع والشراء وأن يلي عقد النكاح وخالفه غيره في ذلك وسبب اختلافهم أنه ليس في ذلك حد منصوص عليه إلا الاجتهاد وتشبيه ما لم يتفقوا عليه بما اتفقوا عليه واختلفوا أيضا هل للمعتكف أن يشترط فعل شيء مما يمنعه الاعتكاف فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ينفعه ذلك مثل أن يشترط شهود جنازة أو غير ذلك فأكثر الفقهاء على أن شرطه لا ينفعه وأنه إن فعل بطل اعتكافه وقال الشافعي ينفعه شرطه والسبب في اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه لحديث ضباعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها أهلي بالحج واشترطي أن تحلي حيث حبستني لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج فالقياس فيه ضعيف عند الخصم المخالف له واختلفوا إذا اشترط التتابع في النذر أو كان التتابع لازما فمطلق في النذر عند من يرى ذلك ما هي الأشياء التي إذا قطعت الاعتكاف أوجبت الاستئناف أو البناء مثل المرض فإن منهم من قال إذا قطع المرض الاعتكاف بنى المعتكف وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ومنهم من قال يستأنف الاعتكاف وهو قول الثوري ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني واختلفوا هل يخرج من المسجد أم ليس يخرج وكذلك اختلفوا إذا جن المعتكف أو أغمي عليه هل يبني أو ليس يبني بل يستقبل والسبب في اختلافهم في هذا الباب أنه ليس في هذه الأشياء شيء محدود من قبل السمع فيقع التنازع من قبل تشبيههم ما اتفقوا عليه بما اختلفوا فيه أعني بما اتفقوا عليه في هذه العبادة أو في العبادات التي من شرطها التتابع مثل صوم الظهار وغيره والجمهور على أن اعتكاف المتطوع إذا قطع لغير عذر أنه يجب فيه القضاء لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف فاعتكف عشرا من شوال وأما الواجب بالنذر فلا خلاف في قضائه فيما أحسب

قسم V01/P231–V01/P233

والجمهور على أن من أتى كبيرة انقطع اعتكافه فهذه جملة ما رأينا أن نثبته في أصول هذا الباب وقواعده والله الموفق والمعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كتاب الحج والنظر في هذا الكتاب في ثلاثة أجناس الجنس الأول يشتمل على الأشياء التي تجري من هذه العبادة مجرى المقدمات التي تجب معرفتها لعمل هذه العبادة الجنس الثاني في الأشياء التي تجري مجرى الأركان وهي الأمور المعمولة أنفسها والأشياء المتروكة الجنس الثالث في الأشياء التي تجري منها مجرى الأمور اللاحقة وهي أحكام الأفعال وذلك أن كل عبادة فإنها توجد مشتملة على هذه الثلاثة الأجناس الجنس الأول وهذا الجنس يشتمل على شيئين على معرفة الوجوب وشروطه وعلى من يجب ومتى يجب فأما وجوبه فلا خلاف فيه لقوله سبحانه ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وأما شروط الوجوب فإن الشروط قسمان شروط صحة وشروط وجوب فأما شروط الصحة فلا خلاف بينهم أن من شروطه الإسلام إذ لا يصح حج من ليس بمسلم واختلفوا في صحة وقوعه من الصبي فذهب مالك والشافعي إلى جواز ذلك ومنه منع أبو حنيفة وسبب الخلاف معارضة الأثر في ذلك للأصول وذلك أن من أجاز ذلك أخذ فيه بحديث ابن عباس المشهور وخرجه البخاري ومسلم وفيه أن امرأة رفعت إليه عليه الصلاة والسلام صبيا فقالت ألهذا حج يا رسول الله قال نعم ولك أجر ومن منع ذلك تمسك بأن الأصل هو أن العبادة لا تصح من غير عاقل وكذلك اختلف أصحاب مالك في صحة وقوعها من الطفل الرضيع وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن يصح وقوع الصلاة منه وهو كما قال عليه الصلاة والسلام من السبع إلى العشر وأما شروط الوجوب فيشترط فيها الإسلام على القول بأن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام ولا خلاف في اشتراط الاستطاعة في ذلك لقوله تعالى من استطاع إليه سبيلا وإن كان في تفصيل ذلك اختلاف وهي بالجملة تتصور على نوعين 1 مباشرة 2 ونيابة فأما المباشرة فلا خلاف عنهم أن من شروطها الاستطاعة بالبدن والمال مع الأمن واختلفوا في تفصيل الاستطاعة بالبدن والمال فقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وهو قول ابن عباس وعمر بن الخطاب أن من شرط ذلك الزاد والراحلة وقال مالك من استطاع المشي فليس وجود الراحلة من شرط الوجوب في حقه بل يجب عليه الحج وكذلك ليس الزاد عنده من شرط الاستطاعة إذا كان ممن يمكنه الاكتساب في طريقه ولو بالسؤال والسبب في هذا الخلاف معارضة الأثر الوارد في تفسير الاستطاعة لعموم لفظها وذلك أنه ورد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه سئل ما الاستطاعة فقال الزاد والراحلة فحمل أبو حنيفة والشافعي ذلك على كل مكلف وحمله مالك على من لا يستطيع المشي ولا له قوة على الاكتساب في طريقه وإنما اعتقد الشافعي هذا الرأي لأن من مذهبه إذا ورد الكتاب مجملا فوردت السنة بتفسير ذلك المجمل أنه ليس ينبغي العدول عن ذلك التفسير وأما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند مالك وأبي حنيفة أنه لا تلزمه النيابة إذا استطيعت مع العجز عن المباشرة وعند الشافعي أنها تلزم فليزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره بماله وإن وجد من يحج عنه بماله وبدنه من أخ أو قريب سقط ذلك عنه وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب وهو الذي لا يثبت على الراحلة وكذلك عنده الذي يأتيه الموت ولم يحج يلزم ورثته عنده أن يخرجوا من ماله مما يحج به عنه

قسم V01/P233–V01/P234

وسبب الخلاف في هذا معارضة القياس للأثر وذلك أن القياس يقتضي أن العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد فإنه لا يصلي أحد عن أحد باتفاق ولا يزكي أحد عن أحد وأما الأثر المعارض لهذا فحديث ابن عباس المشهور خرجه الشيخان وفيه أن امرأة من خثعم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الودع فهذا في الحي وأما في الميت فحديث ابن عباس أيضا خرجه البخاري قال جاءت امرأة من جهينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي نذرت الحج فماتت أفأحج عنها قال حجي عنها أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيته دين الله أحق بالقضاء ولا خلاف بين المسلمين أنه يقع عن الغير تطوعا وإنما الخلاف في وقوعه فرضا واختلفوا من هذا الباب في الذي يحج عن غيره سواء كان حيا أو ميتا هل من شرطه أن يكون قد حج عن نفسه أم لا فذهب بعضهم إلى أن ذلك ليس من شرطه وإن كان قد أدى الفرض عنه نفسه فذلك أفضل وبه قال مالك فيمن يحج عن الميت لأن الحج عنده عن الحي لا يقع وذهب آخرون إلى أن من شرطه أن يكون قد قضى فريضة نفسه وبه قال الشافعي وغيره أنه إن حج عن غيره من لم يقض فرض نفسه انقلب إلى فرض نفسه وعمدة هؤلاء حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال ومن شبرمة فقال أخ لي أو قال قريب لي قال أفحججت عن نفسك قال لا قال فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة والطائفة الأولى عللت هذا الحديث بأنه قد روي موقوفا على ابن عباس واختلفوا من هذا الباب في الرجل يؤاجر نفسه في الحج فكره ذلك مالك والشافعي وقالا إن وقع ذلك جاز ولم يجز ذلك أبو حنيفة وعمدته أنه قربة إلى الله عز وجل فلا تجوز الإجارة عليه وعمدة الطائف الأولى إجماعهم على جواز الإجارة في كتب المصاحف وبناء المساجد وهي قربة والإجارة في الحج عند مالك نوعان أحدهما الذي يسميه أصحابه على البلاغ وهو الذي يؤاجر نفسه على ما يبلغه من الزاد والراحلة فإن نقص ما أخذه عن البلاغ وفاه ما يبلغه وإن فضل عن ذلك شيء رده والثاني على سنة الإجارة وإن نقص شيء وفاه من عنده وإن فضل شيء فله والجمهور على أن العبد لا يلزمه الحج حتى يعتق وأوجبه عليه بعض أهل الظاهر فهذه معرفة على من تجب هذه الفريضة وممن تقع وأما متى تجب فإنهم اختلفوا هل هي على الفور أو على التراخي والقولان متأولان على مالك وأصحابه والظاهر عند المتأخرين من أصحابه أنها على التراخي وبالقول إنها على الفور قال البغداديون من أصحابه واختلف في ذلك قول أبي حنيفة وأصحابه والمختار عندهم أنه على الفور وقال الشافعي هو على التوسعة وعمدة من قال هو على التوسعة أن الحج فرض قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم بسنين فلو كان على الفور لما أخره النبي صلى الله عليه وسلم ولو أخره لعذر لبينه وحجة الفريق الثاني أنه لما كان مختصا بوقت كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت أصله وقت الصلاة والفرق عند الفريق الثاني بينه وبين الأمر بالصلاة أنه لا يتكرر وجوبه يتكرار الوقت والصلاة بتكرر وجوبها بتكرار الوقت وبالجملة فمن شبه أول وقت من أوقات الحج الطارئة على المكلف المستطيع بأول الوقت من الصلاة قال هو على التراخي ومن شبهه بآخر الوقت من الصلاة قال هو على الفور ووجه شبهه بآخر الوقت أنه ينقضي بدخول وقت لا يجوز فيه فعله كما ينقضي وقت الصلاة بدخول وقت ليس يكون فيه المصلي مؤديا ويحتج هؤلاء بالضرر الذي يلحق المكلف بتأخيره إلى عام آخر بما يغلب على الظن من إمكان وقوع الموت في مدة من عام

قسم V01/P234–V01/P235

ويرون أنه بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره لأن الغالب أنه لا يموت أحد في مقدار ذلك الزمان إلا نادرا وربما قالوا إن التأخير في الصلاة يكون مع مصاحبة الوقت الذي يؤدي فيه الصلاة والتأخير ههنا يكون مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة فهو ليس يشبهه في هذا الأمر المطلق وذلك أن الأمر المطلق عند من يقول إنه على التراخي ليس يؤدي التراخي فيه إلى دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور فيه كما يؤدي التراخي في الحج إذا دخل وقته فأخره المكلف إلى قابل فليس الاختلاف في هذه المسألة من باب اختلافهم في مطلق الأمر هل على الفور أو على التراخي كما قد يظن واختلفوا من هذا الباب هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو ذو محرم منها يطاوعها على الخروج معها إلى السفر للحج فقال مالك والشافعي ليس من شرط الوجوب ذلك وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم فمن غلب عموم الأمر قال تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم ومن خصص العموم بهذا الحديث أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم فقد قلنا في وجوب هذا النسك الذي هو الحج وبأي شيء يجب وعلى من يجب ومتى يجب وقد بقي من هذا الباب القول في حكم النسك الذي هو العمرة فإن قوما قالوا إنه واجب وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد والثوري والأوزاعي وهو قول ابن عباس من الصحابة و ابن عمر وجماعة من التابعين وقال مالك وجماعة هي سنة وقال أبو حنيفة هي تطوع وبه قال أبو ثور وداود فمن أوجبها احتج بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وبآثار مروية منها ما روي عن ابن عمر عن أبيه قال دخل أعرابي حسن الوجه أبيض الثياب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما الإسلام يا رسول الله فقال أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة أنه كان يحدث أنه لما نزلت ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم باثنتين حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة وروي عن زيد بن ثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت وروي عن ابن عباس العمرة واجبة وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما حجة الفريق الثاني وهم الذين يرون أنها ليست واجبة فالأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعديد فرائض الإسلام من غير أن يذكر معها العمرة مثل حديث ابن عمر بني الإسلام على خمس ذكر الحج مفردا ومثل حديث السائل عن الإسلام فإن في بعض طرقه وأن يحج البيت وربما قالوا إن الأمر بالإتمام ليس يقتضي الوجوب لأن هذا يخص السنن والفرائض أعني إذا شرع فيها أن تتم ولا تقطع واحتج هؤلاء أيضا أعني من قال إنها سنة بآثار منها حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي قال لا ولأن تعتمر خير لك قال أبو عمر بن عبد البر وليس هو حجة فيما انفرد به وربما احتج من قال إنها تطوع بما روي عن أبي صالح الحنفي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج واجب والعمرة تطوع وهو حديث منقطع

قسم V01/P235–V01/P237

فسبب الخلاف في هذا تعارض الآثار في هذا الباب وتردد الأمر بالتمام بين أن يقتضي الوجوب أم لا يقتضيه القول الأول في الجنس الثاني وهو تعريف أفعال هذه العبادة في نوع منها والتروك المشترطة فيها وهذه العبادة كما قلنا صنفان حج وعمرة والحج ثلاثة أصناف إفراد وتمتع وقران وهي كلها تشتمل على أفعال محدودة في أمكنة محدودة وأوقات محدودة ومنها فرض ومنها غير فرض وعلى تروك تشترط في تلك الأفعال ولكل من هذه أحكام محدودة إما عند الإحلال بها وإما عند الطوارىء المانعة منها فهذا الجنس ينقسم أولا إلى القول في الأفعال وإلى القول في التروك وأما الجنس الثالث فهو الذي يتضمن القول في الأحكام فلنبدأ بالأفعال وهذه منها ما تشترك فيه هذه الأربعة الأنواع من النسك أعني أصناف الحج الثلاث والعمرة ومنها ما يختص بواحد واحد منها فلنبدأ من القول فيها بالمشترك ثم نصير إلى ما يخص واحدا واحدا منها فنقول إن الحج والعمرة أول أفعالهما الفعل الذي يسمى الإحرام القول في شروط الإحرام والإحرام شروطه الأول المكان والزمان أما المكان فهو الذي يسمى مواقيت الحج فلنبدأ بهذا فنقول إن العلماء بالجملة مجمعون على أن المواقيت التي منها يكون الإحرام أما لأهل المدينة فذو الحليفة وأما لأهل الشام فالجحفة ولأهل نجد قرن وأهل اليمن يلملم لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وغيره واختلفوا في ميقات أهل العراق فقال جمهور فقهاء الأمصار ميقاتهم من ذات عرق وقال الشافعي والثوري إن أهلوا من العقيق كان أحب واختلفوا فيمن أقته لهم فقالت طائفة عمر بن الخطاب وقالت طائفة بل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أقت لأهل العراق ذات عرق والعقيق وروي ذلك من حديث جابر وابن عباس وعائشة وجمهور العلماء على أن من يخطىء هذه وقصده الإحرام فلم يحرم إلا بعدها أن عليه دما وهؤلاء منهم من قال إن رجع إلى الميقات فأحرم منه سقط عنه الدم ومنهم الشافعي ومنهم من قال لا يسقط عنه الدم وإن رجع وبه قال مالك وقال قوم ليس عليه دم وقال آخرون إن لم يرجع إلى الميقات فسد حجه وأنه يرجع إلى الميقات فيهل منه بعمرة وهذا يذكر في الأحكام وجمهور العلماء على أن من كان منزله دونهن فميقات إحرامه من منزله واختلفوا هل الأفضل إحرام الحاج منهن أو من منزله إذا كان منزله خارجا منهن فقال قوم الأفضل له من منزله والإحرام منها رخصة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة وقال مالك وإسحق وأحمد إحرامه من المواقيت أفضل وعمدة هؤلاء الأحاديث المتقدمة وأنها السنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أفضل وعمدة الطائفة الأخرى أن الصحابة قد أحرمت من قبل الميقات ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وغيرهم قالوا وهم أعرف بالسنة وأصول أهل الظاهر تقتضي أن لا يجوز الإحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع على خلافه واختلفوا فيمن ترك الإحرام من ميقاته وأحرم من ميقات آخر غير ميقاته مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة ويحرموا من الجحفة فقال قوم عليه دم وممن قال به مالك وبعض أصحابه وقال أبو حنيفة ليس عليه شيء وسبب الخلاف هل هو من النسك الذي يجب في تركه الدم أم لا ولا خلاف أنه يلزم الإحرام من مر بهذه المواقيت ممن أراد الحج أو العمرة وأما من لم يردهما ومر بهما فقال قوم كل من مر بهما يلزمه الإحرام إلا من يكثر ترداده مثل الحطابين وشبههم وبه قال مالك وقال قوم لا يلزم الإحرام بها إلا لمريد الحج أو العمرة وهذا كله لمن ليس من أهل مكة وأما أهل مكة فإنهم يحرمون بالحج منها أو بالعمرة يخرجون إلى الحل ولابد وأما متى يحرم بالحج أهل مكة فقيل إذا رأوا الهلال وقيل إذا خرج الناس إلى منى فهذا هو ميقات المكان المشترط لأنواع هذه العبادة القول في ميقات الزمان

الأسئلة