Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V07/P004–V07/P006

وأما : حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي قال : لا وأن تعتمر خير لك فرواه الترمذي من رواية الحجاج هو ابن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي قال : لا وأن تعتمر فهو أفضل قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، قال الترمذي : قال الشافعي : العمرة سنة لا نعلم أحدا رخص في تركها ، وليس فيها شيء ثابت بأنها واجبة ، قال الشافعي : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف لا تقوم بمثله الحجة ، وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها ، هذا آخر كلام الترمذي ، وقد روى البيهقي بإسناده هذا الحديث عن الحجاج هو ابن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة قال : لا ، وأن تعتمر خير لك قال اليبهقي : كذا رواه الحجاج بن أرطأة مرفوعا ، والمحفوظ عن جابر مرفوعا بخلاف ذلك ، موقوف عليه غير مرفوع ، قال : وروى عن جابر مرفوعا بخلاف ذلك ، قال : وكلاهما ضعيف ، ثم رواه البيهقي أيضا من غير جهة الحجاج قال : ( وهذا وهم ، إنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر وروى عن ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العمرة تطوع وإسنادهما ضعيف ) هذا كلام البيهقي . وأما : قول الترمذي : إن هذا حديث حن صحيح ، فغير مقبول ، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف ، كما سبق في كلام البيهقي ، ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطأة لا يعرف إلا من جهته ، والترمذي إنما رواه من جهته ، والحجاج ضعيف ومدلس باتفاق الحفاظ ، وقد قال في حديثه : عن محمد بن المنكدر . والمدلس إذا قال في روايته : عن ، لا يحتج بها بلا خلاف ، كما هو مقرر معروف في كتب أهل الحديث ، وأهل الأصول ، ولأن جمهور العلماء على تضعيف الحجاج بسبب آخر غير التدليس ، فإذا كان فيه سببان يمنع كل واحد منهما الاحتجاج به وهما الضعف والتدليس . فكيف يكون حديثه صحيحا وقد سبق في كلام الترمذي عن الشافعي أنه قال : ليس في العمرة شيء ثابت أنهاواجبة . فالحاصل أن الحديث ضعيف والله أعلم . وأما : قول المصنف : ( لأن هذا الحديث رفعه ابن لهيعة وهو ضعيف فيما ينفرد به ) فهذا مما أنكر على المصنف ، وغلط فيه ، لأن الذي رفعه إنما هو الحجاج بن أرطأة كما سق ، لا ابن لهيعة ، وقد ذكره أصحابنا في كتب الفقه على الصواب فقالوا : إنما رفعه الحجاج بن أرطأة ، وذكر البيهقي في معرفة السنن والآثار حديث الحجاج بن أرطأة وضعفه ، ثم قال : وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا خلافه قال : الحج والعمرة فريضتان واجبتان قال البيهقي : وهذا ضعيف أيضا لا يصح . وينكر على المصنف في هذا ثلاثة أشياء أحدها : قوله : ابن لهيعة وصوابه الحجاج بن أرطأة كما ذكرنا والثاني قوله : رفعه وصوابه أن يقول : إنما رفعه والثالث : قوله : وهو ضعيف فيما ينفرد به وصوابه حذف قوله : فيما ينفرد به ويقتصر على قوله : ضعيف ، لأن ابن لهيعة ضعيف فيما انفرد به وفيما شارك فيه ، والله أعلم .

قسم V07/P006–V07/P007

واسم ابن لهيعة عبد الله ابن لهيعة بن عقبة الحضرمي ، ويقال : الغافقي المصري أبو عبد الرحمن قاضي مصر وقوله : وأن تعتمر هو بفتح الهمزة قال أصحابنا : ولو صح حديث الحجاج بن أرطأة لم يلزم منه عدم وجوب العمرة على الناس كلهم ، لاحتمال أن المراد ليست واجبة في حق السائل لعدم استطاعته ، والله أعلم . وأما : قول المصنف : ( الحج ركن وفرض ) مجمع بينهما فقد سبق الكلام عليه في أول كتابي الزكاة والصوم وأما : استدلاله على وجوب الحج بالحديث ولم يستدل بقول الله تعالى : ولله على الناس حج البيت فقد سبق الجواب عنه في أول كتاب الصيام . وأما أحكام المسألة : فالحج فرض عين على كل مستطيع بإجماع المسلمين وتظاهرت على ذلك دلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأما العمرة فهل هي فرض من فروض الإسلام فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : باتفاق الأصحاب أنها فرض وهو المنصوص في الجديد والقديم : أنها سنة مستحبة ليست بفرض ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : ونص عليه الشافعي في كتاب أحكام القرآن يعني من الحديث ، قال أصحابنا : فإن قلنا هي فرض ، فهي في شرط صحتها وصحة مباشرتها ووجوبها وإحرامها عن عمرة الإسلام كالحج ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . قال أصجابنا : والاستطاعة الواحدة كافية لوجوبهما جميعا ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وجوب العمرة قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنها فرض ، وبه قال عمر وابن عباس وابن عمر وجابر وطاوس وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين والشعبي ومسروق وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن شداد والثوري وأحمد وإسحاق وابن عبيد وداود . وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور : هي سنة ليست واجبة ، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعي ، ودليل الجميع سبق بيانه ، والله أعلم .

قسم V07/P007–V07/P008

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألحج كل عام قال : لا ، بل حجة وروى سراقة بن مالك قال : قلت : يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد قال : للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة . + الشرح : حديث ابن عباس رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد حسنة ، ورواه مسلم في صحيحه من رواية أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم ، إنما : هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه رواه مسلم . وأما : حديث سراقة فرواه الدارقطني بإسناد صحيح عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة قال : قلت يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال : لا بد للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال الدارقطني : رواته كلهم ثقات . وقد رواه النسائي وابن ماجه من رواية عطاء وطاوس عن سراقة وهذه رواية منقطعة ، فإنهما ولدا سنة ست وعشرين أو بعدها ، وتوفي سراقة سنة أربع وعشرين ، وقد روى البخاري ومسلم سؤال سراقة من رواية جابر ، لكن بغير هذا اللفظ ، والله أعلم . وأما : قوله صلى الله عليه وسلم : دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة فقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيه تفسيرين أحدهما : معناه دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذ جمع بينهما بالقران والثاني : معناه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج ، وهذا هو الأصح وهو تفسير الشافعي وأكثر العلماء ، ونقله الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق ، قال الترمذي وغيره : وسببه أن الجاهلية كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ، ويعتقدون أن ذلك من أعظم الفجور ، فأذن الشرع في ذلك وبين جوازه وقطع الجاهلية عما كانوا عليه ، ولهذا اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمره الأربع في أشهر الحج ، ثلاثا منها في ذي القعدة والرابعة مع حجته حجة الوداع في ذي الحجة . ويؤيد هذا ما ثبت عن ابن عباس قال : والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك ، فإن هذا الحج من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : ( إذا عفا الوبر ، وبرأ الدبر ، ودخل صفر ، فقد حلت العمرة لمن اعتمر ) فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم ، هذا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظه ورواه البخاري في صحيحه مختصرا فذكر بعضه . وقول : المصنف : لا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع ، احترز بقوله : بالشرع عن النذر ، وعمن أراد أن يدخل مكة لحاجة لا تتكرر إذا قلنا : يلزمه الإحرام . والحجة بكسر الحاء أفصح من فتحها كما سبق في أول الباب والعمرة بضم العين والميم وإسكان الميم وبفتح العين وإسكان الميم والله أعلم .

قسم V07/P008–V07/P009

أما أحكام المسألة : فلا يجب على المكلف المستطيع في جميع عمره إلا حجة واحدة وعمرة واحدة بالشرع ، ونقل أصحابنا إجماع المسلمين على هذا ، وحكي صاحب البيان وغيره عن بعض الناس أنه يجب كل سنة ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : وقال بعض الناس : يجب الحج في كل سنتين مرة ، قالوا : وهذا خلاف الإجماع ، قائله محجوج بإجماع من كان قبله ، والله أعلم . فرع : ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج ، بل يجزئه حجته السابقة عندنا ، وقال أبو حنيفة وآخرون : يلزمه الحج ، ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل فعندهم تحبطه في الحال ، سواء أسلم بعدها أم لا ، فيصير كمن لم يحج ، وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم البقرة : 217 وقد سبقت المسألة مستوفاة بأدلتها وفروعها في أول كتاب الصلاة . والله أعلم .

قسم V07/P009–V07/P010

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ، ثم أراد دخول مكة لحاجة نظرت فإن كان لقتال ، أو دخلها خائفا من ظالم يطلبه ، ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك جاز أن يدخل بغير إحرام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع النسك . وإن كان دخوله لتجارة أو زيادة ففيه قولان أشهرهما : أنه لا يجوز أن يدخل إلا لحج أو عمرة ، لما روى ابن عباس أنه قال : لا يدخل أحدكم مكة إلا محرما . ورخص للحطابين والثاني : أنه يجوز لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك ، وإن كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين جاز بغير نسك ، لحديث ابن عباس ، ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة ، فإن دخل لتجارة وقلنا : إنه يجب عليه الإحرم فدخل بغير إحرام لم يلزمه القضاء ، لأنا لو ألزمناه القضاء لزمه لدخوله للقضاء قضاء فلا يتناهى ، قال أبو العباس بن القاص : إن دخل بغير إحرام ثم صار حطابا أو صيادا لزمه القضاء ، لأنه لا يلزمه للقضاء قضاء . + الشرح : حديث دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح بغير إحرام صحيح ، فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام هذا لفظ إحدى روايات مسلم ، وثبت في الصحيحين عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عامة الفتح وعلى رأسه مغفر . وأما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر كزيارة أو تجارة أو رسالة ، أو كان مكيا مسافرا فأراد دخولها عائدا من سفره ونحو ذلك ، فهل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة فيه طريقان أحدهما : أنه مستحب قولا واحدا ، حكاه القاضي أبو الطيب في المجرد في آخر باب مواقيت الحج ، عن أبي موسى المروزي ، وقطع به سليم الرازي في كتابه الكفاية ، وحكاه أيضا الرافعي وآخرون وأصحهما : وأشهرهما فيه قولان أحدهما : يستحب ولا يجب والثاني : يجب ، ودليل القولين في الكتاب ، واختلفوا في أصحهما فصحح ابن القاص والمسعودي والبغوي وآخرون الوجوب ، وصحح الشيخ أبو حامد وأصحابه والشيخ أبو محمد الجويني والغزالي والأكثرون الاستحباب ، وصححه أيضا الرافعي في المحرر ، قال البندنيجى : وهو نص الشافعي في عامة كتبه ، قال المتولي : وعلى هذا يكره الدخول بغير إحرام ، هذا حكم من لا يتكرر دخوله . أما : من يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقا ونحوهم فإن قلنا : فيمن لا يتكرر : لا يلزمه الإحرام فهذا أولى ، وإلا فطريقان المذهب : أنه لا يلزمه ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون والثاني : فيه وجهان ، وبعضهم يحكيهما قولين أحدهما : يلزمه والثاني : لا يلزمه ، وممن حكى الخلاف فيه القاضي أبو الطيب في المجرد والمتولي حكياه وجهين ، وحكاه ابن القاضي في التلخيص ، والقفال والمحاملي والبندنيجى والدارمي والبغوي وآخرون قولين فإن قلنا : يلزمه فقد أطلقه كثيرون ، وممن حكي هذا الخلاف وقيده المحاملي والبندنيجى وآخرون ، بأنه في كل سنة مرة ، قال المحاملي في المجموع : قال الشافعي في عامة كتبه : يدخلها الحطاب ونحوه بغير إحرام ، قال : وقال في بعض كتبه : يحرم في كل سنة مرة ، لئلا يستهين بالحرم .

قسم V07/P010–V07/P012

وقال القاضي أبو الطيب : قال أبو علي في الإفصاح : إن قلنا : غير الحطاب ونحوه لا يلزمه الإحرام ، فالحطاب أولى ، وإلا فقولان ، وظاهر المذهب أنه لا يلزمه ، قال : وقال أبو إسحاق : قال الشافعي في الإملاء : يحرمون كل سنة مرة قال القاضي : وهذا غير مشهور والله أعلم . وأما : البريد الذي يتكرر دخوله إلى مكة للرسائل فقطع الدارمي بأنه كالحطاب ونحوه ، وقال القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والبيان : من أصحابنا من جعله كالحطاب لتكرر دخوله ، ومنهم من قال : إن قلنا : لا يجب على الحطاب ففي البريد وجهان ، فالحاصل أن المذهب أنه لا يجب الإحرام لدخول مكة على من دخل لتجارة ونحوها مما لا يتكرر ، ولا على من يدخل لمتكرر كالحطاب ، ولا على البريد ونحوه ، قال أصحابنا : فإن قلنا : يجب فللوجوب شروط . أحدها : أن يجيء الداخل من خارج الحرم ، فأما أهل الحرم فلا إحرام عليهم بلا خلاف لدخوله ، كما لا يشرع تحية المسجد لمن انتقل من موضع منه إلى موضع منه . والثاني : ألا يدخلها لقتال ولا خائفا ، فإن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أو المباح . أو خائفا من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر لا يمكنه الظهور لأداء النسك إلا بمشقة ومخاطرة ، لم يلزمه الإحرام بلا خلاف . الثالث : أن يكون حرا فإن كان عبدا فلا إحرام عليه إن لم يأذن سيده فيه بلا خلاف ، وكذا إن أذن على المذهب لأنه ليس واجبا عليه بأصل الشرع ، فلا يصير واجبا بإذن سيده ، كصلاة الجمعة وكحجة الإسلام ، وفيه وجه ضعيف أنه يجب عليه إذا أذن سيده ، لأن المنع لحقه فزال بإذنه ، والمذهب الأول ، وهو المنصوص ، وبه قطع جماهير الأصحاب والله أعلم . قال أصحابنا : وإذا قلنا بوجوب الإحرام ، واجتمعت شروطه فدخل بغير إحرام فطريقان أصحهما : وهو المذهب ، وبه قطع الجمهور لا قضاء ، لأن القضاء متعذر ، لأن الدخول الثاني إحرام يقتضي إحراما آخر ، فيتسلسل ، ولأن الإحرام مشروع لحرمة الحرم ، لئلا ينتهكه بالدخول بغير إحرام . فإذا دخل بغير إحرام فات بحصول الانتهاك كما قال أصحابنا ، وهذا كما إذا دخل المسجد فجلس ولم يصل التحية ، فإنها تفوت بالجلوس ولا يشرع قضاؤها والطريق الثاني : فيه وجهان ، وقيل : قولان أصحهما : لا قضاء والثاني : يجب القضاء ، وحكاه المصنف والأصحاب عن ابن القاص ، فعلى هذا يلزمه أن يخرج ثم يعود محرما ، قال الرافعي : علل أصحابنا عدم القضاء بعلتين إحداهما : أن القضاء لا يمكن لأن الدخول الثاني يحتاج إلى قضاء آخر ، فصار كمن نذر صوم الدهر فأفطر ، وفرع ابن القاص في هذه العلة أنه لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ، ثم صار منهم لزمه القضاء . وربما نقلوا عنه أنه يوجب عليه أن يجعل نفسه منهم . قال : والعلة الثانية : وهي الصحيحة وبها قال العراقيون والقفال أنه تحية للبقعة ، فلا يقضي كتحية المسجد ، هذا كلام الرافعي . قال أصحابنا : وإذا قلنا : يلزمه الإحرام فتركه وترك القضاء عصى ، ولا دم عليه ، لأن الدم يجبر الخلل الحاصل في النسك بالإحرام داخل الميقات من غير رجوع إليه ونحو ذلك ، وهذا لم يدخل في نسك ، قالوا : وإذا أوجبنا الإحرام لزمه أن يحرم من الميقات ، فلو أحرم بعد مجاوزته فعليه دم لما ذكرناه ، وممن صرح بالصورتين القاضي أبو القاسم بن كج والماوردي والدارمي وآخرون ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة فحكمه حكم دخول مكة .

قسم V07/P012–V07/P013

ففيه التفصيل والخلاف السابق ، وهذا الخلاف صرح به جميع الأصحاب ممن صرح به القاضي والماوردي والدارمي والقاضي أبو الطيب في المجرد في باب المواقيت ، والمحاملي في المقنع وغيره ، والجرجاني في كتابيه البلغة والتحرير ، والشاشي في المستظهري ، والروياني في الحلية ، وخلائق لا يحصون صرحوا به ، وأشار إليه المتولي والباقون . وأما : قول الرافعي : هل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة فيما ذكرناه قال بعض الشارحين : نعم . قال الرافعي : لا يبعد تخريجه على خلاف في نظائره كأنه أراد بنظائره إباحة الصلوات في أوقات النهي ، فإنها تباح بمكة ، وكذا في سائر الحرم على الصحيح ، فهذا الذي قاله الرافعي عجب من وجهين أحدهما : كونه نقل المسألة عن بعض الشروح ، وهي مشهورة صريحة في هذه الكتب المشهورة التي ذكرها وغيرها . والثاني : كونه قال : يحتمل تخريجه على خلاف ، مع أنه لا خلاف فيه ، فالصواب ما سبق أن الحرم كمكة بلا خلاف ، والله تعالى أعلم . فرع : ذكر المصنف وجميع الأصحاب هنا أنه يجوز دخول مكة للقتال بغير إحرام ، قالوا : وصورة ذلك أن يلتجىء إليها طائفة من الكفار أهل الحرب والعياذ بالله ، أو طائفة من البغاة أو قطاع الطريق ونحوهم ، وقطع الأصحاب هنا بجواز قتالهم ، وهو الصواب المشهور ، وذكر القفال في كتاب النكاح من شرح التلخيص ، في كتاب خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والماوردي في الأحكام السلطانية خلافا في قتالهم في مكة وسائر الحرم ، ووجه التحريم قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار . فرع : قال المصنف والأصحاب هنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وهو لا يأمن أن يقاتل ( قد يقال : ) إن هذا مخالف لمذهب الشافعي فإن مذهب الشافعي وجميع الأصحاب أن النبي صلى الله عليه وسلم : دخل مكة يوم الفتح صلحا ، وفتحها صلحا وقال أبو حنيفة وآخرون : فتحها عنوة وقد ذكر المصنف المسألة في كتاب السير ، وهناك ذكرها الرافعي والأصحاب والجواب : أن هذا لا يخالف ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم صالح أبا سفيان ، وكان لا يأمن غدر أهل مكة ، فدخل صلحا وهو متأهب للقتال إن غدروا ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن أراد دخول الحرم لحاجة لا تتكرر ، كالتجارة والزيارة وعيادة المريض ونحوها : قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يستحب له الإحرام ، ولا يجب ، سواء قربت داره من الحرم أم بعدت ، وبه قال ابن عمر . وقال مالك وأحمد : يلزمه ، وقال أبو حنيفة : إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة جاز دخوله بلا إحرام ، وإلا فلا . واحتجوا للوجوب بقول ابن عباس المذكور في الكتاب . واحتج كثرون بقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وربما أحلت لي ساعة من نهار ودليلنا الأصح حديث : آلحج كل عام قال : لا بل حجة وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، ولأنه تحية لبقعة فلم تجب كتحية المسجد وأما : قول ابن عباس فيعارضه مذهب ابن عمر أنه كان لا يراه واجبا وأما : حديث : لا تحل لأحد بعدي فالمراد به القتال كما سبق ، وليس في جميع طرق هذا الحديث ما يقتضي الإحرام وإنما هو صريح في القتال ، وقد سبق تأويله ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا قلنا : يجب الإحرام لدخول الحرم فدخل بغير إحرام عصى ، والمذهب لا يلزمه القضاء .

قسم V07/P013–V07/P014

وقال أبو حنيفة : يلزمه ، وقال ابن القاص من أصحابنا : إذا صار حطابا ونحوه لزمه القضاء ، وبالأول قال جمهور أصحابنا ، ومأخذ الخلاف بين الجمهور وابن القاص يقول : إنما يمتنع القضاء للخوف من التسلسل فإذا صار حطابا زال التسلسل ، فإن الحطاب لا يلزمه الإحرام للدخول ، وقال الجمهور : العلة الصحيحة في عدم وجوب القضاء أن الإحرام وجب لحرمة الدخول والبقعة ، فإذا لم يأت به فات ولا يشرع قضاؤه ، كتحية المسجد إذا جلس فيه ولم يصلها فإنه لا يشرع له قضاؤها كما سبق تقريره في باب صلاة التطوع . واتفق أصحابنا هنا على أنه لا يشرع قضاؤها ، والصواب فيها ما قدمناه هنا . قال القفال في شرح التلخيص : وكما لو سلم على إنسان ولم يرد عليه حتى مضت أيام ، ثم لقيه فأراد أن يرد عليه فإنه لا يجزىء لأنه مؤقت فات وقته ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : كما لو فر في الزحف من اثنين غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة ، فإنه لا يمكنه قضاؤه ، لأنه متى لقي اثنين ممن يجب قتالهما وجب قتالهما باللقاء لا قضاء ، قال أصحابنا : فعلى هذا التعليل لو صار حطابا ونحوه لم يلزمه القضاء ، لعدم إمكان تدارك فوات انتهاك الحرمة فإن قيل : إنما لم نقض تحية المسجد لكونها سنة أما الإحرام واجب فينبغي قضاؤه ، قال الأصحاب : فالجواب : أن التحية لم يترك قضاؤها لكونها سنة ، فإن السنة الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها على الصحيح ، وإنما لم تقض لتعلقها بحرمة مكان صيانة له من الانتهاك وقد حصل ، فلو صلاها لم يرتفع ما حصل من الانتهاك ، وكذا الإحرام لدخول الحرم . واعترض على تعليل ابن القاص فقيل : ينبغي أن يجب القضاء ويدخل فيه إحرام الدخول ، وكما إذا دخل المسجد فصلى فريضة فيدخل فيه تحية المسجد والجواب : ما أجاب به البغوى أن الإحرام الواحد لا يجوز أن يقع عن واجبين من جنس واحد كمن أهل بحجتين لا ينعقد إحرامه بهما بل ينعقد بأحدهما . وقال القفال في شرح التلخيص : قال أصحابنا : هذا التعليل الذي ذكره ابن القاص غلط ، وليس العلة في إسقاط القضاء التسلسل بل فوات الوقت . وقال الشيخ أبو محمد الجويني : اعترض بعض شيوخنا على تعليل ابن القاص فقال : إن كان القضاء واجبا فينبغي أن يجب ، سواء صار حطابا أولا ، وإلا فيبطل أن يجب بمصيره حطابا والله أعلم . فرع : قال ابن القاص في التلخيص : كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة إلا واحدة وهي الإحرام لدخول مكة . وهذا الذي قاله ينتقض بأشياء منها : إمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان ، فإنه يجب إمساكه على المذهب الصحيح ، فلو ترك الإمساك لم يلزمه لترك الإمساك كفارة ، ولا قضاء الإمساك والله أعلم .

قسم V07/P014–V07/P016

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع فأما : الكافر فإن كان أصليا لم يصح منه ، لأن ذلك من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر ، ولا يخاطب بما فاته في حال الكفر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام يجب ما قبله ولأنه لم يلتزم وجوبه ، فلم يلزمه ، كضمان حقوق الآدميين ، وإن كان مرتدا لم يصح منه لما ذكرناه ، ويجب عليه لأنه إلتزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإسلام يهدم ما كان قبله هذا لفظ رواية مسلم ، ذكره في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان ، وفي رواية غيره يجب ما قبله بضم الجيم وبعدها باء موحدة من الجب وهو القطع ، ورويناه في كتاب الزبير بن بكار يحت بضم الحاء المهملة وبعدها تاء مثناة فوق من الحت وهو الإزالة ، والألفاظ الثلاثة متفقة المعنى ، وقد ينكر على المصنف كونه استدل بالحديث ، وهو خبر آحاد يفيد الظن لا القطع ، وترك الاستدلال بقول الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف فينكر استدلاله بظني مع وجود القطعى وجوابه : أن الآية الكريمة تقتضي غفران الذنوب لا إسقاط حقوق وعبادات سبق وجوبها وأما : الحديث فصحيح صريح في قطع النظر عما قبل الإسلام ، فكان الاستدلال بالحديث هنا هو الوجه لإنطباقه على ما استدل به والله أعلم . وأما : قول المصنف : فإن كان أصليا ، فيعني به الاحتراز عن المرتد ، ويدخل في الأصل الذمي والحربى ، سواء الكتابي والوثنى وغيرهما وقوله : من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر فينتقض بالكفارة والعدة وأشباههما فكان ينبغي أن يقول : ركن من فروع الإيمان وقوله : ولا يخاطب به في حال الكفر ، معناه لا نطالبه بفعل الحج في حال الكفر وأما : الخطاب الحقيقي فهو مخاطب بالفروع على المذهب الصحيح ، وقد سبق في أول كتاب الصيام مثل هذه العبارة وبسطنا هناك الكلام فيها وأما : قوله فإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر ، فمعناه أنه إذا كان في حال كفره واجدا للزاد والراحلة وغيرهما من شروط الاستطاعة ، ثم أسلم فلا اعتبار بتلك الاستطاعة ، ولا يستقر الحج في ذمته بها ، بل يعتبر حاله بعد الإسلام فإن استطاع لزمه الحج وإلا فلا ، ويكون إسلامه كبلوغ الصبي المسلم فيعتبر حاله بعده . وقوله : لأنه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه كضمان حقوق الآدميين ، قد يقال : هذا الدليل ناقص ، وإنما يصح هذا في الكافر والحربي . وأما : الذمي فإن عليه ضمان حقوق ، فكأنه لم يذكر دليلا لعدم الوجوب على الذمي إذا أسلم وجوابه : أن مراده أن الحربي والذمي لم يلتزما الحج ، فلم يلزمهما إذا أسلما ، كما لا يلزم حقوق الآدميين من لم يلتزمها وهو الحربي ، وقد سبق مثل هذا في أول كتاب الزكاة ، وبسطت هناك بيانه وأما : قوله في المرتد : يجب عليه لأنه التزم وجوبه ، فقد يقال : ينتقض بما إذا أتلف المرتد على مسلم شيئا ، في حال قتال الإمام للطائفة المرتدة العاصية ، فإنه لا يضمن على الأصح . ومراد المصنف بقوله : ( يجب على المرتد ) أنه إذا استطاع في حال الردة استقر الوجوب في ذمته ، فإذا أسلم وهو معسر دام الوجوب في ذمته ، والله أعلم .

قسم V07/P016–V07/P017

أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : إنما يجب الحج على مسلم بالغ وعاقل حر مستطيع ، فإن اختل أحد الشروط لم يجب خلاف ، فالكافر الأصلي لا يطالب بفعله في الدنيا بلا خلاف ، سواء الحربي والذمي والكتابي والوثني والمرأة والرجل ، وهذا لا خلاف فيه ، فإذا استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج إلا أن يستطيع بعد ذلك ، لأن الاستطاعة في الكفر لا أثر لها ، وهذا لا خلاف فيه وأما : المرتد فيجب عليه ، فإذا استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر في ذمته بتلك الاستطاعة وأما : الإثم بترك الحج فيأثم المرتد بلا خلاف ، لأنه مكلف به في حال ردته وأما : الكافر الأصلي فهل يأثم قال أصحابنا : فيه خلاف مبني على أنه مخاطب بالفروع أم لا فإن قلنا : بالصحيح إنه مخاطب أثم وإلا فلا ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الناس في الحج خمسة أقسام : قسم : لا يصح منه بحال ، وهو الكافر ، والقسم الثاني : من يصح له لا بالمباشرة ، وهو الصبي الذي لا يميز والمجنون المسلمان ، فيحرم عنهما الولي ، وفي المجنون خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى . والثالث : من يصح منه بالمباشرة ، وهو المسلم المميز وإن كان صبيا وعبدا . والرابع : من يصح منه بالمباشرة ، ويجزئه عن حجة الإسلام وهو المسلم المميز البالغ الحر . الخامس : من يجب عليه ، وهو المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع ، قالوا : فشرط الصحة المطلقة الإسلام فقط ، ولا يشترط التكليف ، بل يصح إحرام الولي عن الصبي والمجنون ، وشرط صحة المباشرة بالنفس الإسلام والتمييز ، وشرط وقوعه عن حجة الإسلام البلوغ والعقل والإسلام والحرية ، فلو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام ، ولو نوى غيره وقع عنه ، وشرط وجوبه هذه الأربعة مع الاستطاعة ، والله أعلم .

قسم V07/P017

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما المجنون فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات ، فلم يصح حجه ، ولا يجب عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقط . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه علي وعائشة رضي الله عنهما ، وسبق بيانه في أول كتاب الصيام ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون وأما : صحته ففيها وجهان جزم : المصنف وآخرون بأنه لا يصح منه وجزم : البغوي والمتولي والرافعي وآخرون صحته منه ، كالصبي الذي لا يميز في العبادات قالوا : وأما المغمى عليه فلا يجوز أن يحرم عنه غيره لأنه ليس بزائل العقل ، ويرجى برؤه عن قريب ، فهو كالمريض قال المتولي : فلو سافر الولي بالمجنون إلى مكة فلما بلغ أفاق فأحرم ، صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام ، قال : إلا أن ما أنفق عليه قبل إفاقته فقدر نفقة البلد يكون في مال المجنون ، والزيادة في مال الولي ، لأنه ليس له المسافرة به ، هذا كلام المتولي ، وفي كلام غيره خلاف ، كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى . أما : من يجن ويفيق فقال أصحابنا : إن كانت مدة إفاقته يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية ، لزمه الحج وإلا فلا . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يشترط لصحة مباشرته بنفسه للحج إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي دون ما سواها .

قسم V07/P017–V07/P019

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الصبي فلا يجب عليه الحج للخبر ، ويصح منه ، لما روى عن ابن عباس : أن امرأة رفعت صبيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محفتها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ولك أجر فإن كان مميزا فأحرم بإذن الولي صح إحرامه ، بالصلاة ، وقال أكثر أصحابنا : لا يصح لأنه يفتقر في أدائه إلى المال ، فلم يصح بغير إذن الولي ، بخلاف الصلاة ، وإن كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ، ويجوز لأبيه قياسا على الأم ولا يجوز للأخ والعم أن يحرم عنه ، لأنه لا ولاية لهما على الصغير ، فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ، ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه ، لما روى جابر قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم وعن عمر قال : كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمي ، ومن لم يستطع رمي عنه وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان أحدهما : يجب في مال الولي ، لأنه هو الذي أدخله فيه الثاني : يجب في مال الصبي ، لأنه وجب لمصلحته فكان في ماله كأجرة المعلم . + الشرح : حديث ابن عباس رواه مسلم وأما : حديث جابر فرواه الترمذي وابن ماجه بإسناد فيه أشعث بن سوار ، وقد ضعفه الأكثرون ، ووثقه بعضهم ، وقال الترمذي : هو غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والمحفة بكسر الميم وفتح الحاء وهي مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها لا تقتب بخلاف الهودج ، فإنه مركب من مراكب النساء يكون مقتبا وغير مقتب ، وكان سؤال المرأة المذكور في حديث ابن عباس في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ثلاثة أشهر . أما أحكام الفصل : فقال الشافعي والأصحاب : لا يجب الحج على الصبي ويصح منه سواء في الصورتين ، الصغير كابن يوم والمراهق ، ثم إن كان مميزا أحرم بنفسه بإذن وليه ، ويصح بلا خلاف ، فإن استقل وأحرم بنفسه بغير إذن وليه فوجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما أحدهما : صح ، وبه قال أبو إسحق المروزي وأصحهما : لا يصح ، وبه قال أكثر أصحابنا المتقدمين كما ذكره المصنف ، وكذا نقله أيضا ابن الصباغ والبغوي وآخرون وصححه المصنف . قال أصحابنا : فإن قلنا : يصح فلوليه تحليله إذا رآه مصلحة ، ولو أحرم عنه وليه فإن قلنا : يصح استقلال الصبي لم يصح إحرام الولي ، وإلا فوجهان مشهوران ، حكاهما المتولي وآخرون أصحهما : عند الرافعي : يصح ، وقطع البغوي بأنه لا يصح إحرام الولي عنه أبا كان أو جدا ، وقطع به أيضا صاحب الشامل ، وحكي القاضي أبو الطيب في تعليقه وجها عن أبي الحسن بن القطان أنه قال : لا ينعقد إحرام الصبي المميز بنفسه ، لأنه ليس له قصد صحيح قال القاضي : هذا غلط ، فإن له قصدا صحيحا ، ولهذا تصح صلاته وصومه ، وكذا الحج . قال القاضي : فإن قيل : قد قلتم : لا يتولى الصبي إخراج فطرته بنفسه وجوزتم هنا إحرامه بنفسه فما الفرق قلنا : الحج لا تدخله النيابة مع القدرة والفطرة تدخلها النيابة مع القدررة فافترقا ، ولأن الفطرة يتولاها الولي والإحرام يفتقر إلى إذن الولي ، فهما سواء ، هذا كله في الصبي المميز أما : الصبي الذي لا يميز ، فقال أصحابنا : يحرم عنه وليه ، قال أصحابنا : سواء كان الولي محرما عن نفسه أو عن غيره أو حلالا ، وسواء كان حج عن نفسه أم لا .

قسم V07/P019–V07/P020

وهل يشترط حضور الصبي ومواجهته بالإحرام فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي والرافعي وآخرون ، قال الرافعي : أصحهما : لا يشترط . قال القاضي والدارمي : لو كان الولي ببغداد والصبي بالكوفة ، فأراد الولي أن يعقد الإحرام للصبي وهو في موضعه ففي جوازه وجهان أحدهما : لا يجوز لأنه لو وقع الإحرام فلا يصح في غيبته ، ولأنه لو جاز الإحرام عنه في غبيته ، لجاز الوقوف بعرفات عنه في غيبته عنها ، ولأنه إذا أحرم عنه ، وهو غائب لا يعلم الإحرام ، فربما أتلف صيدا أو فعل غير ذلك من محظورات الإحرام التي لو علم الإحرام لاجتنبها والثاني : يجوز ، لأن المقصود نية الولي ، وذلك يصح ، ويوجد مع غيبة الصبي ، ولكن يكره لما ذكرناه من خوف المحظورات والله أعلم . فرع : وأما الولي الذي يحرم عن الصبي ، أو يأذن له فقد اضطربت طرق أصحابنا فيه . فأنقل جملة من متفرقات كلامهم ثم اختصرها إن شاء الله تعالى وقد اتفق أصحابنا على أن الأب يحرم عنه ويأذن له ، واتفقوا على أن الجد كالأب في ذلك عند عدم الأب ، والمراد بالجد أبو الأب ، فأما مع وجود الأب ، فطريقان أصحهما : لا يصح إحرام الجد ولا إذنه ، لأنه لا ولاية له مع وجود الأب ، وبهذا قطع الدارمي والبغوي والمتولي وغيرهم والثاني : فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : يصح كما يصير مسلما تبعا لجده مع بقاء الأب على الكفر على خلاف المشهور ، والمذهب الأول والله أعلم . قال المتولي : والفرق أن الجد عقد الإسلام لنفسه لا للطفل وصار تبعا له في الإسلام بحكم البعضية ، والبعضية موجودة وأما : الإحجرام فلا يحرم الجد عن نفسه ، وإنما يعقد للطفل فيقتضي ولاية ، ولا ولاية له في حياة الأب ، قال الدارمي وغيره : والجد وإن علا كالأب عند عدم الأب وعدم جد أقرب منه وأما : غير الأب والجد فقال جمهور أصحابنا : إن كان له ولاية بأن يكون وصيا أو قيما من جهة الحاكم صح إحرامه عن الصبي وإذنه في الإحرام للمميز ، وإن لم يكن له ولاية لم يصح على المذهب ، سواء في الأم والأخ والعم وسائر العصبات وغيرهم ، وفيه وجه مشهور أن الأخ والعم وسائر العصبات يجوز لهم ذلك إن لم يكن لهم ولاية ، ولأن لهم حقا في الحضانة والتربية ، وفي الأم طريقان قال الجمهور : وهو المذهب إن لم يكن لها ولاية على مال الصبي ، فإن كان له أب أو جد فإحرامها عنه كإحرام الأخ فلا يصح على الصحيح ، وإن كان لها ولاية بأن كانت وصية أو قيمة من جهة القاضي ، أو قلنا بقول الإصطخري : إنها تلى المال بعد الجد صح إحرامها وإذنها فيه . والطريق الثاني : القطع بالصحة مطلقا ، وهو اختيار المصنف وطائفة لظاهر الحديث ، وهي طريقة ضعيفة ، وليس في الحديث تصريح بأن الأم أحرمت عنه ، ولنا وجه أن الوصي والقيم لا يصح إحرامه عنه ، ولا إذنه هذه جملة القول في تحقيق الولي ، قال صاحب البيان : أما الولي الذي يحرم عن الصبي وبأذن المميز فقال الشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا : يجوز ذلك للأب والجد لأنهما يليان ماله بغير تولية ، وأما غيرهما من العصبات كالأخ وابن الأخ والعم وابن العم فإن لهم حقا في الحضانة وتعليم الصبي وتأديبه ، وليس لهم التصرف في ماله إلا بوصية أو تولية الحاكم ، فإن كان لهم التصرف في ماله صح إحرامهم عن غير المميز وإذنهم للمييز وإلا فوجهان أحدهما : يجوز كما يجوز لهم تعليقه وتأديبه والإنفاق في ذلك من ماله وأصحهما : ليس بهم ذلك ، لأنهم لا يملكون التصرف في ماله فهم كالأجانب بخلاف النفقة في التأديب والتعليم ، لأنها قليلة فسومح بها .

قسم V07/P020–V07/P021

أما : الأم فإن قلنا بقول الإصطخري : إنها تلي المال بعد الجد ، فلها الإحرام والإذم ، وإن قلنا بمذهب الشافعي وهي أنها لا تلي المال بنفسها ، فهي كالإخوة وسائر العصبات قال صاحب البيان : هذه طريقة أبي حامد وعامة أصحابنا قال : وقال صاحب المهذب : الأم تحرم عنه للحديث ، ويجوز للأب قياسا على الأم قال ابن الصباغ : ليس في الحديث أنها أحرمت عنه ، ويحتمل أنه أحرم عنه وليه وإنما جعل لها الأجر لحملها له ومعونتها له في المناسك والأنفاق عليه ) هذا كلام صاحب البيان . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أبو إسحق المروزي والقاضي أبو حامد في جامعه يجوز للأب والجد أبي الأب الإحرام عنه وكذلك الأم وأم الأم لأن ولادتهما له حقيقة قال أبو الطيب : وقال الشيخ أبو حامد : يجوز لأبيه وجده أبي أبيه ولوصيهما وفي الأخ وابنه والعم وابنه وجهان ، والأم وإن قلنا بقول الإصطخري فكالأب ، وإلا فكالعم والأخ ، هذا كلام أبي الطيب ، وقال المحاملي وابن الصباغ وجمهور العراقيين وصاحب العدة ما حكاه صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وعامة أصحابنا ، ورجح الدارمي صحة إحرام الأم وإن لم يكن لها ولاية المال ، وقال المتولي : للأب والجد عند عدم الأب الإحرام والإذن للمميز ، ولا يجوز ذلك للأم عند عامة أصحابنا ، وجوزه الإصطخري . وأما الإخوة والأعمام فإن لم يكن لهم التصرف في ماله بوصية أو إذن حاكم فليس لهم الإحرام على الصحيح ، وفي وجه يجوز لأن لهم الحضانة والقيام بالمصالح وتأديبه إذا ظهر منه ما يقتضي التأديب ، وتعليم الطهارة والصلاة ، قال : فأما الوصي والقيم فجوز لهما الإحرام عنه أصحابنا العراقيون كالتصرف في ماله ، وقال أصحابنا الخراسانيون : لا يجوز لهما ذلك لأنه لا ولاية لهما على نفسه ، والإحرام عقد على نفسه تلزمه أحكامه فهو كالنكاح . هذا كلام المتولي ، وقال البغوي : يجوز للأب والجد والإحرام عنه ، وفي الوصي والقيم وجهان أحدهما : يصح والثاني : لا يصح ، وسبق تعليلهما في كلام المتولي ، وقال الرافعي : الولي الذي يحرم عنه أو يأذن له هو الأب ، وكذا الجد وإن علا عند عدن الأب ولا يجوز مع وجوده على الصحيح ، وفيه أنه يجوز . وفي الوصي والقيم طريقان ، قطع العراقيون بالجواز ، وقال آخرون : فيه وجهان أرجحهما : عند إمام الحرمين المنع ، وفي الأخ والعم وجهان أصحهما : المنع ، وفي الأم طريقان أحدهما : القطع بالجواز وأصحهما : وبه قال الأكثرون إنه مبنى على ولايتها المال ، فعلى قول الإصطخري : تلى المال قبل الإحرام ، وعلى قول الجمهور : لا تلي المال ، فلا تلي الإحرام ، هذا كلام الرافعي . قال الروياني : لو أذن الأب لمن يحرم عن الصبي ففي صحته وجهان ، ولم يبين أصحهما والأصح : صحته ، وبه قطع الدارمي وغيره ، كما يصح أن يوكل الأب في سائر التصرفات المتعلقة بالابن ، واتفقوا على أنه لو أحرم به الولي ثم أعطاه لمن يحضره الحج صح ذلك ، هذا كلام الأصحاب في الولي الذي يحرم عن صبي لا يميز ، ويأذن للمميز ، وحاصله جزاز ذلك للأب ، وكذا الجد عند عدم الأب لا عند وجوده على المذهب ، وإن المذهب جوازه للوصي والقيم ، ومنعه في الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات إذا لم يمن لهم وصية ولا إذن من الحاكم في ولاية المال . وإن شئت قلت : فيه أوجه أحدها : لا يجوز إلا للأب والجد عند عدمه والثاني : يجوز للأب وللحد عند عدم الأب ومع وجوده والثالث : يجوز لهما وللأم والرابع : لهؤلاء وللأخوة وسائر العصبات والخامس : وهو الأصح للأب والجد عند عدمه ، وللوصي والقيم دون غيرهم ، والله أعلم .

قسم V07/P021–V07/P022

فرع : قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : صفة إحرام الولي عن الصبي أن ينوي جعله محرما ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، قال القاضي أبو الطيب : هو أن ينويه له ، ويقول : عقدت الإحرام ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجا بمجرد ذلك ، قال الدارمي : ينوي أنه أحرم به أو عقده له أو جعله محرما ، قال صاحب العدة : كيفية إحرام الولي عنه أن يخطر بباله أنه قد عقد له الإحرام وجعله محرما فينويه في نفسه . فرع : الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب ، ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك ، ولا يضبط بسن مخصوص ، بل يختلف باختلاف الأفهام ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : متى صار الصبي محرما بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه ، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يغسله الولي عند إرادة الإحرام ، ويجرده عن المخيط ، ويلبسه الإزار والرداء والنعلين إن تأتي منه المشي ويطيبه وينظفه ويفعل ما يفعل الرجل ، ثم يحرم أو يحرم عنه على ما سبق من التفصيل ، قال أصحابنا : ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل ، فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف ، وإلا طاف به كما سنوضحه في مسائل الطواف في باب صفة الحج إن شاء الله تعالى ، والسعي كالطواف ، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف بلا خلاف ، صرح به الشيخ أبو حامد في تعليقه والدارمي والأصحاب ، ونقله أبو حامد عن نص الشافعي في الإملاء ، وإن كان مميزا أمره بهما فصلاها الصبي بنفسه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والدارمي والبندنيجى ، ويشترط إحضار الصبي عرفات بلا خلاف ، سواء المميز وغيره ، ولا يكفي حضور الولي عنه ، وكذا يحضر مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف ، لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي . قال أصحابنا : ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار ، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار ، أو ترك منبيت المزدلفة أو مبيت ليالي منى ، وقلنا : بوجوب الدم في كل ذلك ، وجب الدم في مال الولي بلا خلاف ، صرح به الدارمي وغيره ، لأن التفريط من الولي بخلاف ما سنذكره إن شاء الله تعالى في فدية ما يرتكبه الصبي من المحظورات على أحد القولين .

قسم V07/P022–V07/P024

قال أصحابنا : وأما : الطفل فإن قدر على الرمي أمره به الولي ، وإلا رمى عنه من ليس عليه فرض الرمي ، قال أصحابنا : ويستحب أن يضع الحصاة في يد الطفل ، ثم يأخذ بيده ويرمي بالحصاة ، وإلا فبأخذها من يده ثم يرميها الولي ولو لم يضعها في يده بل رماها الولي ابتداء جاز وأما : إذا كان على الولي رمي عن نفسه فإن رمى ونوى به نفسه أو أطلق وقع عن نفسه ، وإن نواه عن الصبي فوجهان حكاهما البغوي أحدهما : يقع عن الصبي لأنه نواه والثاني : وبه قطع البندنيجى والمتولي : يقع عن الولي لا عن الصبي ، لأن مبنى الحج على أن لا يتبرع به مع قيام الفرض ، ولو تبرع وقع فرضا لا تبرعا ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الطواف إذا حمل الولي الصبي وطاف به على أحد القولين أن صورة الطواف وهي الدوان وجدت من الصبي بخلاف الرمي ، فنظيره في الطواف أن يطوف الولي غير حامل للصبي ، وينوي عن الصبي ، فإنه لا يقع عن الصبي بلا خلاف وقد قال الروياني وغيره : لو أركبه الولي دابة وهو غير مميز فطافت به لم يصح إلا أن يكون الولي سائقا أو قائدا ، وإنما ضبطوه بغير المميز لأن المميز لو ركب دابة وطاف عليها صح بلا خلاف ، لأن الفعل منسوب إليه فأشبه البالغ ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : نفقة الصبي في سفره في الحج يجسب منها قدر نفقته في الحضر ، من مال الصبي ، وفي الزائد بسبب السفر خلاف ، حكاه المصنف والقاضي أبو الطيب في بعض كتبه ، وصاحبا الشامل والتهذيب والشاشي وآخرون قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجى والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولي وغيرهم : المنصوص في الإملاء مخرج ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح وجوبه في مال الولي والثاني : يجب في مال الصبي ، فعلى هذا لو أحرم بغير إذنه وصححناه حلله ، فإن لم يفعل أنفق عليه من مال الولي ، هكذا ذكر المسألة جميع الأصحاب ، ولم يذكر المصنف أن القولين مخصوصان بالزائد على نفقة الحضر ، ولا خلاف في ذلك ، وقد نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد وغيره وكأن المصنف أهمله لظهوره ، والفرق بينه وبين عامل القراض فإنه إذا سافر بإذن المالك وقلنا : تجب نفقته في مال القراض فإنه يجب كل النفقة على قول لأن عامل القراض معطل في سفره عن بعض مكاسبه التي كانت في الحضر ، فجرت له بخلاف الصبي فإن مصلحة السفر مختصة به . وأما : قول المصنف في تعليل القول الثاني : إنها تجب في مال الصبي لأنها وجبت لمصلحته ، فكانت في ماله كأجرة التعليم فهذا اختيار منه للأصح أن أجرة التعليم تجب في مال الصبي مطلقا وقد سبق في مقدمة هذا الشرح في أول كتاب الصلاة وجه أن أجرة تعلمه ما ليس متعينا بعد البلوغ فيما زاد على الفاتحة والفرائض وغير ذلك في مال الولي ، فحصل أن الأصح وجوب نفقة الحج في مال الولي ، ووجوب أجرة تعلم ما ليس بواجب في مال الصبي ، والفرق أن مصلحة التعلم كالضرورية وإذا لم يجعلها الولي في صغر الصبي احتاج الصبي إلى استدراكها بعد بلوغه بخلاف الحج . قال الشيخ أبو حامد : ولأن مؤنة التعليم يسيرة غالبا لا تجحف بمال الصبي بخلاف الحج والله أعلم . فرع : قال المتولي : ليس للولي أن يسلم النفقة إلى الصبي ، ولكن إن كان معه أنفق عليه ، وإن لم يكن معه سلم المال إلى أمه لتنفق عليه ، فلو سلمه إلى الصبي فإن كان المال في مال الولي فلا شيء على أحد ، وإن كان من مال الصبي ضمنه الولي لتفريطه ، والله أعلم .

قسم V07/P024–V07/P025

فرع : قد سبق أنه يجب على الولي منع الصبي من محظورات الإحرام فلو تطيب أو لبس ناسيا فلا فدية قطعا ، وإن تعمد قال أصحابنا : ينبى ذلك على القولين المشهورين في كتاب الجنايات أن عمد الصبي عمد أم خطأ الأصح أنه عمد فإن قلنا : خطأ فلا فدية ، وإلا وجبت ، قال إمام الحرمين : وبهذا قطع المحققون لأن عمده في العبادات كعمد البالغ ، ولهذا لو تعمد في صلاته كلاما أو في صومه أكلا بطلا ، وحكى الدارمي قولا غريبا أنه إن كان الصبي ممن يلتذ بالطيب واللباس وجبت وإلا فلا ، ولو حلق أو قلم ظفرا أو قتل صيدا عمدا ، وقلنا : عمد هذه الأفعال وسهوها سواء وهو المذهب ، وجبت الفدية ، وإلا فهي كالطيب واللباس . ومتى وجبت الفدية ، فهل هي في مال الصبي أم في مال الولي فيه قولان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والبغوي والمتولي وخلائق قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجى وآخرون وجهين ، ودليلهما ما سبق في النفقة ، واتفقوا على أن الأصح أنها في مال الولي وهو مذهب مالك ، قال أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجى وآخرون : هذا القول هو المنصوص في الإملاء قال أبو الطيب : والقول الثاني أنها في مال الصبي هو نصه في القديم وحكاه أبو حامد وجها مخرجا ، وأما المحاملي في المجموع فقال : نص في الإملاء أنها في مال الصبي وفي الأم أنها في مال الولي والله أعلم . وهذان القولان إنما هما فيما إذا أحرم بإذن الولي فإن أحرم بغير إذنه وصححناه فالفدية في مال الصبي بلا خلاف كما لو أتلف شيئا لآدمي ، صرح به المتولي وغيره وحكى الدارمي والرافعي وجها في أصل المسألة أنه إن كان الولي أبا أو جدا فالفدية في مال الصبي ون كان غيرهما ففي ماله قال الدارمي : هذا الوجه قاله ابن اقطان في كل فدية تجب بفعل الصبي وهذا غريب ضعيف والله أعلم . ومتى قلنا : الفدية على الولي فهي كالفدية الواجبة على البالغ بفعل نفسه ، فإن اقتضت صوما أو غيره فعله وأجزأه وإذا قلنا : إنها في مال الصبي فإن كانت مرتبة فحكمها حكم كفارة القتل وإن كانت فدية تخيير بين الصوم وغيره واختار أن يفدي الصبي بالصوم فهل يصح منه في حال الصبا فيه وجهان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولى وآخرون بناء على الخلاف الذي سنذكره فيها إن شاء الله تعالى في قضاء الحج الفاسد في حال الصبا وأصحهما : يجزئه قال أبو الطيب والدارمي وهو قول القاضي أبي حامد المروروذي : لأن صوم الصبي صحيح والثاني : لا ، لأنه يقع واجبا ، والصبي ليس ممن يقع عنه واجب ، قال الدارمي : هذا الوجه قول ابن المرزبان . ولو أراد الولي في فدية التخيير أن يفدي عنه بالمال لم يجز لأنه غير متعين فلا يجوز صرف المال فيه هكذا قطع به جماعة وأشار المتولي إلى خلاف فيه فقال : لا يجوز على المذهب . فرع : لو طيب الولي الصبي وألبسه أو حلق رأسه أو قلمه ، فإن لم يكن لحاجة الصبي ، فالفدية في مال الولي بلا خلاف ، وكذا لو طيبه أجنبي فالفدية في مال الأجنبي بلا خلاف ، صرح بها البغوي وآخرون ، وهل يكون الصبي طريقا في ذلك فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون فإن قلنا : لا ، لم يتوجه في مال الصبي مطالبة ، وإلا طولب ورجع على الأجنبي أو الولي عند يساره أو إمكان الأخذ منه والأصح أنه لا يكون طريقا . وإن فعل الولي ذلك لحاجة الصبي ومصلحته فطريقان أحدهما : القطع بأنها في مال الولي . لأنه الفاعل وأصحهما : وبه قطع البغوي وآخرون أنه كمباشرة الصبي ذلك فيكون فيمن يجب عليه الفدية القولان السابقان أصحهما : الولي والثاني : الصبي والله أعلم .

قسم V07/P025–V07/P026

ولو ألجأه الولي إلى التطيب فالفدية في مال الولي بلا خلاف صرح به الدارمي وغيره قال الدارمي وغيره : ولو فوته الولي الحج فالفدية في مال الولي بلا خلاف . فرع : قال المتولي : إذا تمتع الصبي أو قرن فحكم دم التمتع ودم القران حكم الفدية بارتكاب المحظورات ففيها الخلاف السابق لوجود المعنى الموجود هناك . فرع : لو جامع الصبي في إحرامه ناسيا أو عامدا ، وقلنا : عمده خطأ ففي فساد حجه القولان المشهوران في البالغ إذا جامع ناسيا أصحهما : لا يفسد حجه والثاني : يفسد ، وإن جامع عامدا وقلنا : عمده عمد ، فسد بلا خلاف ، وإذا فسد فهل يجب عليه قضاؤه فيه قولان مشهوران ، وحكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهين والمشهور قولان أصحهما : يجب ، اتفقوا على تصحيحه ، ممن صححه المحاملي والبغوي والمتولي والرافعي وآخرون ، لأنه إحرام صحيح ، فوجب القضاء إذا أفسده ، كحج التطوع في حق البالغ والثاني : لا يجب لأنه ليس أهلا لأداء فرض الحج ، فإن قلنا : يجب القضاء ، فهل يصح منه في حال الصبا فيه خلاف مشهور ، حكاه المصنف في باب محظورات الإحرام ، والبغوي وطائفة قولين ، وحكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجى والمحاملي والجمهور وجهين أصحهما : باتفاق الأصحاب أنه يجزئه ممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي وصاحب الشامل والرافعي وآخرون ، قال الشيخ أبو حامد والبندنيجى : وهو المنصوص لأنه لما صلحت حالة الصبا للوجوب على الصبي في هذا ، صلحت لإجزائه والثاني : لا يجزئه لأن الصبا ليس محل أداء الواجبات . فعلى هذا قال أصحابنا : إذا بلغ ينظر في الحجة التي أفسدها ، إن كانت بحيث لو سلمت من الإفساد لأجزأته عن حجة الإسلام بأن بلغ قبل فوات الوقوف وقع القضاء عن حجة الإسلام ، وإن كانت بحيث لا تجزىء لو سلمت من الفساد ، بأن بلغ بعد الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ بحجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا وقع عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما سيأتي إيضاحه بدليله إن شاء الله تعالى . هكذا ذكر هذا التفصيل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وسائر الأصحاب ، ولا خلاف فيه قال أبو حامد والمحاملي في المجموع : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت هل تقع عن حجة الإسلام فيها هذا التفصيل . قال أصحابنا : وإذا جوزنا القضاء في مال الصبي فشرع فيه ، وبلغ قبل الوقوف ، انصرف إلى حجة الإسلام وعليه القضاء . قال أصحابنا : وحيث فسد حج الصبح ، وقلنا : يجب القضاء ، وجبت الكفارة ، وهي بدنة وإن لم نوجب القضاء ففي البدنة وجهان أصحهما : الوجوب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد الإسفرايني والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون ونقل المحاملي وصاحب الشامل الاتفاق عليه ، وإذا وجبت البدنة فهل تجب في مال الولي وإذا أوجبنا القضاء فنفقة القضاء هل تجب في مال الولي أم الصبي فيه الخلاف كالبدنة ، صرح به الدارمي وغيره ، وقد ذكر المصنف هذا الفرع في باب محظورات الإحرام ، وذكره الأصحاب هنا ، فرأيت ذكره هنا أولى لوجهين موافقة : الجمهور والمبادرة : إلى الخيرات ، والله تعالى أعلم . فرع : قال المتولي : لو صام الصبي في شهر رمضان وجامع فيه جماعا يفسد صومه ، وقلنا : إن وطأة في الحج عامدا يوحب الفدية ، ففي وجوب كفارة الوطء في الصوم وجهان أحدهما : تلزمه كما تلزمه البدنة بإفساد الحج والثاني : لا تلزمه .

قسم V07/P026–V07/P028

فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي : إذا نوى الولي أن يعقد الإحراك للصبي ، فمر به على الميقات ولم يعقده ، ثم عقده بعده فوجهان أحدهما : تجب الفدية في مال الولي خاصة لأنه لو مر بالميقات مريدا للنسك ولم يحرم ، لزمته الفدية فكذلك هنا . ولأنه لو عقد الإحرام للصبي ثم فوت الحج وجبت الفدية في مال الولي والثاني : لا تجب الفدية لا على الولي ولا في مال الصبي أما : الولي فلأنهم غير محرم ولم يرد الإحرام وأما : الصبي فلأنه لم يقصد الإحرام . فرع : قال الرافعي : حكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما سبق ، قال : ولو خرج الولي بالمجنون بعد استقرار فرض الحج عليه ، وأنفق على المجنون من ماله نظر إن لم يفق حتى فات الوقوف غرم الولي زيادة نفقة السفر ، وإن أفاق وأحرم وحج فلا غرم ، لأنه قضى ما عليه ، ويشترط لحالة الحلق ، قال وقياس كونه نسكا اشتراط الإفاقة فيه كسائر الأركان ، وهذا كلام الرافعي ، وقال : هو قبل هذا الجنون كصبي لا يميز ، يحرم عنه وليه ، قال : وفيه وجه ضعيف أنه لا يجوز الإحرام عنه ، لأنه ليس من أهل العبادات . وقد سبق بيان هذا الخلاف في صحة إحرام الولي عنه ، وقد ذكر إمام الحرمين والمتولي والبغوي نحو هذا الذي ذكره ، وقولهم : يشترط إفاقته عند الإحرام وسائر الأركان . معناه يشترط ذلك في وقوعه عن حجة الإسلام وأما : وقوعه تطوعا ، فلا يشترط فيه شيء من ذلك ، كما قالوا في صبي لا يميز ولهذا قالوا : هو كصبي لا يميز ، وسيأتي إيضاحه مبسوطا في فصل الوقوف بعرفات إن شاء الله تعالى . فرع : اتفق أصحابنا العراقيون والخراسانيون وغيرهم ، أن المغمى عليه ومن غشى لا يصح إحرام وليه عنه ولا رفيقه عنه لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب ، فهو كالمريض . قال أصحابنا : لو خرج في طريق الحج فأغمى عليه عند الميقات قبل أن يحرم ، لم يصح إحرام وليه ولا رفيقه عنه ، سواء كان أذن فيه قبل الإغماء أم لا ، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : يصح إحرام رفيقه عنه استحسانا ، ويصير المغمى عليه محرما ، لأنه علم من قصده ذلك ، ولأنه يشق عليه تفويت الإحرام . قال القاضي أبو الطيب : واحتج لأبي حنيفة أيضا بأن الإحرام أحد أركان الحج فدخلته النيابة للعجز كالطواف ، قالوا : وقياسا على الطفل ، قال القاضي : ودليلنا أنه بلغ فلم يصح عقد الإحرام له من غيره كالنائم فإن قيل : المغمى عليه إذا نبه لا ينتبه بخلاف النائم قلنا : هذا الفرق يبطل بإحرام غير رفيقه قال القاضي : وقياسهم على الطواف لا نسلمه ، لأن الطواف لا تدخله النيابة ، حتى ولو كان مريضا لم يجز لغيره الطواف عنه ، بل يطاف به محمولا وأما : قياسهم على الطفل فالفرق أن الإغماء يرى زواله عن قرب بخلاف الصبا ، ولهذا يصح أن يعقد الولي النكاح للصبي دون المغمى عليه ، والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا على أن المريض لا يجوز لغيره أن يحرم له فيصير محرما ، سواء كان مريضا مأيوسا منه أو غيره ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : والفرق بينه وبين الطفل أن نائب المريض يحتاج أن يفعل عنه كل الأفعال ، فإنها متعذرة منه بخلاف الطفل ، فإنه يتأتى منه معظم الأفعال . فرع : في مذاهب العلماء في حج الصبي .

قسم V07/P028–V07/P029

قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصح الحج ، ولا يجب عليه فأما : عدم وجوبه على الصبي فمجمع عليه ، قال ابن المنذر في الإشراف : أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي وعن المجنون والمعتوه ، قال : وأجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبي إذا حج ثم بلغ أنه لا يجزئهما عن حجة الإسلام ، قال : وأجمعوا على أن جنايات الصبيان لازمة لهم وأما : صحة حج الصبي فهو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد داود ، وجماهير العلماء من السلف والخلف وأشار ابن المنذر إلى الإجماع فيه ، وقال أبو حنيفة في المشهور عنه : لا يصح حجه ، وصححه بعض أصحابه واحتج له بحديث رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي ختى يبلغ إلى آخره ، وهو صحيح سبق بيانه قريبا . وقياسا على النذر ، فإنه لا يصح منه ، ولأنه لا يجب عليه ، ولا يصح منه ، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده ، ولأنه عبادة بدنية فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة . واحتج أصحابنا : حديث ابن عباس أن امرأة رفعت صبيا في حجة الوداع فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ولك أجر رواه مسلم ، وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين رواه البخاري ، وبحديث جابر : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم رواه ابن ماجه ، وسبق بيانه في أول الفصل ، وقياسا على الطهارة والصلاة ، فإن أبا حنيفة صححهما منه ، وكذا صحح حجه عنده بلا خلاف ، ونقله خطأ منه وصحح إمامة الصبي في النافلة . وأما : الجواب عن حديث : رفع القلم فمن وجهين أحدهما : المراد رفع الإثم لا إبطال أفعاله الثاني : أن معناه لا يكتب عليه شيء ، وليس فيه منع الكتابة له وحصول ثوابه والجواب : عن قياسهم على النذر من وجهين ذكرهما القاضي أبو الطيب والأصحاب أحدهما : أنه ينكسر بالوضوء والصلاة ، فإنه لا يصح منه نذرهما ويصحان منه ، وقد سبق أن الكسر هو أن توجد معنى العلة ولا حكم ، والنقض أن توجد العلة ولا حكم ، وقد أوضحت هذا في باب صدقة المواشي حيث ذكره المصنف والثاني : أن النذر التزام بالقول ، وقول الصبي ساقط بخلاف الحج فإنه فعل ونية فهو كالوضوء وأما : قولهم لا يجب عليه ولا يصح منه فجوابه من وجهين أحدهما : أنه منتقض بالوضوء والثاني : أن عدم الوجوب للتخفيف وليس في صحته تغليظ . وأما : قولهم : لوجب قضاؤه إذا أفسده فنحن نقول به وهو الصحيح عندنا كما سبق بيانه والجواب : عن قولهم : عبادة بدنية إلى آخره أن الفرق ظاهر ، فإن الحج تدخله النيابة بخلاف الصلاة والله أعلم . قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب : المعول عليه عندنا في مسألة الأخبار الصحيحة التي لا تقبل التأويل ، وذكر بعض ما سبق من الأحاديث ، ثم ذكر دلائل من حيث القياس والمعنى ، ثم قال : وهذا تكلف بعد الأخبار الصحيحة قال : ولا يستقيم لهم فرق أصلا بين الصلاة والحج فإن قالوا : في الحج مؤنة قلنا : تلك المؤن في مال الولي على الصحيح ، فلا ضرر على الصبي فإن قالوا : فيه مشقة قلنا : مشقة المواظبة على الصلاة والطهارة وشروطهما أكثر ، والله أعلم .