Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V07/P029–V07/P030

وقال ابن عبد البر في التمهيد : صحح حج الصبي مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والثوري وسائر فقهاء الكوفة ، والأوزاعي والليث وسائر من سلك سبيلهما من أهل الشام ومصر قال : وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان ويأمر به قال : وعلى هذا جمهور العلماء من كل قرن ، قال : وقالت طائفة لا يحج بالصبي ، وهذا قول لا يعرج عليه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم قال : وحديث المرأة التي رفعت الصبي وقالت : ألهذا حج قال نعم ولك أجر قال : فسقط كل ما خالف هذا والله أعلم . وقال القاضي عياض : أجمعوا على أن الصبي إذا حج ثم بلغ لا يجزئه عن حجة الإسلام إلا فرقة شذت لا يلتفت إليها ، قال : وأجمعوا على إنه يحج به إلا طائفة من أهل البدع منعوا ذلك ، وهو مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا وغيرهم : يكتب للصبي ثواب ما يعمله من الطاعات كالطهارة والصلاة والصوم والزكاة والاعتكاف والحج والقراءة ، والوصية والتدبير إذا صححناهما ، وغير ذلك من الطاعات ، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع ، ودليل هذه القاعدة الأحاديث الصحيحة المشهورة كحديث : ألهذا حج قال : نعم ولك أجر وحديث السائب بن يزيد وجابر وغيرهما مما سبق هنا ، وحديث صلاة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث تصويم الصبيان يوم عاشوراء ، وهو في الصحيحين ، وحديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع وهو صحيح وسبق بيانه ، وحديث إمامة عمرو بن سلمة وهو ابن سبع سنين ، وهو في البخاري ، وأشباه ذلك .

قسم V07/P030–V07/P031

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العبد فلا يجب عليه ( الحج لأن منافعه مستحقة لمولاه وفي إيجاب الحج عليه إضرار بالمولى ) ويصح منه ، لأنه من أهل العبادة ، فصح منه الحج كالحر ، فإن أحرم بإذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة ، فإن ملكه السيد مالا ، وقلنا : إنه يملكه لزمه الهدي وإن قلنا : لا يملك أو لم يملكه السيد ( وجب ) عليه الصوم ، ( ويجوز ) للسيد أن يمنعه من الصوم ، لأنه لم يأذن في سببه ، وإن أذن له في التمتع أو القران وقلنا : لا يملك المال صام ، وليس للمولى منعه من الصوم لأنه وجب بإذنه وإن قلنا : ( إنه ) يملك ففي الهدي قولان أحدهما : يجب فيمال السيد ، لأنه وجب بإذنه والثاني : لا يجب عليه ، لأن إذنه رضاء بوجوبه على عبده لا في ماله ، ولأن موجب التمتع في حق العبد هو الصوم ، لأنه لا يقدر على الهدي ، فلا يجب عليه الهدي . + الشرح : أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج ، لأن منافعه مستحقة لسيده ، فليس هو مستطيعا ، ويصح منه الحج بإذن سيده وبغير إذنه بلا خلاف عندنا ، قال القاضي أبو الطيب : وبه قال الفقهاء كافة ، وقال داود : لا يصح بغير إذنه . دليلنا ما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : فإن أحرم بإذنه لم يكن للسيد تحليله ، سواء بقي نسكه صحيحا أو أفسده ، ولو باعه والحالة هذه لم يكن للمشتري تحليله ، وله الخيار إن جهل إحرامه ، قال أصحابنا : ويصح بيعه بلا خلاف ، ويخالف بيع العين المستأجرة على قول ، لأن يد المستأجر تمنع المشتري من التصرف بخلاف العبد ، ولو أحرم بغير إذنه فالأولى أن يأذن له في إتمام نسكه ، فإن حلله جاز على المذهب ، وبه قطع المصنف في باب الفوات والإحصار وجمهور الأصحاب . وحكى ابن كج وجها أنه ليس له تحليله ، لأنه يلزم بالشروع تخريجا من أحد القولين في المزوجة إذا أحرمت بحج تطوع ، وهذا شاذ منكر ، لأن إذن السيد تبرع فجاز الرجوع فيه كالعارية ، فلو باعه والحالة هذه فللمشتري تحليله ولا خيار له ، ذكره البندنيجى والجرجاني في المعاياة وآخرون ، ولو أذن له في الإحرام فله الرجوع في الإذن قبل الإحرام ، فإن رجع ولم يعلم العبد فأحرم فهل له تحليله فيه وجهان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان ، قال أصحابنا : هما مبنيان على القولين فيما إذا عزل الموكل الوكيل ، وتصرف بعد العزل وقبل العلم أصحهما : له تحليله كما أن الأصح هناك بطلان تصرفه . وإن علم العبد رجوع السيد قبل الإحرام ثم أحرم فله تحليله وجها واحدا ، لأنه أحرم بغير إذن ، ويجيء فيه الوجه السابق عن حكاية ابن كج ، وإن رجع السيد بعد إحرام العبد لم يصح رجوعه ولم يكن له تحليله عندنا . وقال أبو حنيفة : له ذلك كالعارية يرجع فيها متى شاء ، ودليلنا : إنه عقد عقده بإذن سيده فلم يكن لسيده إبطاله كالنكاح ، ولأن من صح إحرامه بإذن غيره لم يكن للغير إبطاله كالزوج والجواب : عن العارية أن الرجوع فيها لا يبطل ما مضى بخلاف الإحرام والله أعلم . قال أصحابنا : ولو أذن له في العمرة فأحرم بالحج فله تحليله ، ولو كان بالعكس لم يكن له تحليله ، هكذا ذكره البغوي ، قال : لأن العزرة دون الحج .

قسم V07/P031–V07/P032

وقال الدارمي : إن إذن له في حج فأحرم بعمرة أو في عمرة فأحرم بحج فله تحليله ، وقيل : لا يحلله ، وذكر الرافعي كلام البغوي ، ثم قال فيما إذا أذن في حج فأحرم بعمرة : ظنى أنه لا يسلم عن خلاف ، هذا كلام الرافعي فحصل في الصورتين ثلاثة أوجه أصحها : وبه قطع البغوي له أن يحلله فيما إذا أذن في عمرة فأحرم بحج دون عكسه والثاني : له تحليله فيهما ، وهو اختيار الدارمي والثالث : ليس له فيهما ، وهذا غلط في صورة الإذن في عمرة ، لأنه زيادة على المأذون فيه ، ولو أذن له في التمتع فله منعه من الحج بعد تحلله من العمرة وقبل إحرامه بالحج ، كما لو رجع في الإذن قبل الإحرام بالعمرة ويجيى فيه الوجه السابق عن ابن كج وليس له تحليله من العمرة ولا من الحج بعد الشروع فيهما . ولو أذن في الحج أو التمتع فقرن ليس له تحليله بالاتفاق ، صرح به البغوي وآخرون ، لأن الإذن في التمتع إذن في الحج هذا هو المعروف ، وفي كلام الدارمي إشارة إلى خلاف فيه ، فإنه قال : لو أذن له في القران فأفرد أو تمتع يحتمل وجهين ، وكذا إن أذن في الإفراد فقرن أو تمتع ، وكذا لو أذن في التمتع أو الإفراد فقرن ، هذا آخر كلام الدارمي . قال الدارمي : فلو أذن في الإحرام مطلقا فأحرم وأراد صرفه إلى نسك وأراد السيد غيره فوجهان أحدهما : القول قول العبد والثاني : هو كاختلاف الزوجين إذا قالت : راجعتني بعد انقضاء عدتي ، وقال : قبلها فإن قلنا : قولان فمثله وإن قلنا : القول قول الزوج في الرجعة ، وقولها في انقضاء العدة فمثله وإن قلنا : يراعى السابق بالدعوى فمثله ، قال البغوي وغيره : ولو أذن له في الإحرام في ذي القعدة فأحرم في شوال ، فله فيه تحليله قبل دخول ذي القعدة ولا يجوز بعد دخوله ، قال الدارمي : ولو أن له في الإحرام من مكان فأحرم من غيره فله تحليله ، ومراد الدارمي إذا أحرم من أبعد منه قال الدارمي : ولو قال العبد لسيده أذنت لي في الإحرام وقال السيد : لم آذن فالقول قول السيد ، قال : ولونذر العبد حجا ، ففي صحته وجهان ، فإن صححنا فعله بعد عتقه وبعد حجة الإسلام ، وإن أذن له السيد في فعله رقيقا ففعله ، ففي صحته الوجهان المشهوران في قضاء الصبي والعبد الحجة الفاسدة في حال الصبا والرق ، والأصح عند الأصحاب صحة نذره والله أعلم . قال أصحابنا : وأم الولد والمدبر والأمة المزوجة والمعلق عتقه بصفة ، ومن بعضه رقيق كالعبد القن في كل ما ذكرناه وما سنذكره إن شاء الله تعالى في إحرام العبد وما يتعلق به سواء ، ولو أحرم المكاتب بغير إذن مولاه ففي جواز تحليله لسيده طريقان أحدهما : فيه قولان كمنعه من سفر التجارة والثاني : له تحليله قطعا لأن للسيد منفعة في سفره للتجارة ، بخلاف الحج ، وهذا الثاني أصح ، وممن صححه البندنيجى . وقد ذكر المصنف المسألة في آخر باب الفوات والإحصار ، والله أعلم .

قسم V07/P032–V07/P033

فرع : إذا أفسد العبد الحجة بالجماع فهل يلزمه القضاء فيه طريقان أحدهما : فيه وجهان كالصبي حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجى والمصنف في باب محظورات الإحرام وطائفة قليلة الصحيح : لزومه والثاني : لا يلزمه ، وهذا الطريق غريب والطريق الثاني : وهو الصحيح وبه قطع جماهير الأصحاب في كل الطرق أنه يلزمه القضاء بلا خلاف ، لأنه مكلف بخلاف الصبي على قول ، وهل يجزئه القضاء في حال رقه فيه قولان كما سبق في الصبي أصحهما : يجزئه القضاء في حال رقه فيه قولان كما سبق في الصبي أصحهما : يجزئه فإن قلنا لم يلزم السيد أن يأذن له في القضاء إن كان إحرامه الأول بغير إذنه ، وكذا إن كان بإذنه على أصح الوجهين ، لأنه لم يأذن في الإفساد ، هكذا ذكره البندنيجى والبغوي وآخرون وهو الصحيح . وقال المصنف في باب محظورات الإحرام وآخرون : إن قلنا : القضاء على التراخي لم يلزم السيد الإذن ، وإلا فوجهان ، قال المصنف وسائر الأصحاب فإذا قلنا : يجزئه القضاء في حال الرق فشرع فيه فعتق قبل الوقوف بعرفات أو حال الوقوف أجزأه عن حجة الإسلام ، وإن قضى بعد العتق فهو كالصبي إذا قضى بعد البلوغ ، فإن كان عتقه قبل الوقوف أو حال الوقوف أجزأه القضاء عن حجة الإسلام ، لأنه لولا فساد الأداء لأجزأه عن حجة الإسلام ، وإن كان عتقه بعد الوقوف لم يجزه القضاء عن حجة الإسلام ، فعليه حجة الإسلام ، ثم حجة القضاء . وقد سبق بيان هذا واضحا قريبا في جماع الصبي في الإحرام ، وذكرنا هناك القاعدة المتناولة لهذه المسألة ونظائرها ، والله أعلم . فرع : كل دم لزم العبد المحرم بفعل محظور كاللباس والصيد أو بالفوات لم يلزم السيد بحال ، سواء أحرم بإذنه أو بغيره لأنه لم يأذن في ارتكاب المحظور ، ثم إن المذهب الصحيح الجديد أن العبد لا يملك المال بتمليك السيد وعلى القديم يملكه ، فإن ملكه وقلنا : يملك لزمه إخراجه وعلى الجديد فرضه الصوم ، وللسيد منعه في حال الرق إن كان أحرم بغير إذنه ، وكذا بإذنه على أصح الوجهين ، لأنه لم يأذن في التزامه ، ولو قرن أو تمتع بغير إذن سيده فحكم دم القران والتمتع حكم دماء المحظورات ، وإن قرن أو تمتع بإذنه فهل يجب الدم على السيد أم لا قال في الجديد : لا يجب ، وهو الأصح وفي القديم قولان أحدهما : هذا والثاني : يجب ، بخلاف ما لو أذن له في النكاح ، فإن السيد يكون ضامنا للمهر على القول القديم قولا واحدا لأنه لا بدل للمهر وللدم بدل وهو الصوم والعبد من أهله . وعلى هذا لو أحرم بإذن السيد فأحصر وتحلل فإن قيل : لا بدل لدم الإحصار صار السيد ضامنا على القديم قولا واحدا وإن قلنا : له بدل ففي صيرورته ضامنا له في القديم قولان وإذا لم نوجب الدم على السيد فواجب العبد الصوم وليس لسيده منعه على أصح الوجهين وبه قطع البندنيجى لإذنه في سببه ولو ملكه سيده هديا وقلنا يملكه أراقه وإلا لم تجز إراقته ، ولو أراقه السيد عنه فعلى هذين القولين ، ولو أراق عنه بعد موته أو أطعم عنه جاز قولا واحدا لأنه حصل الإياس من تكفيره ، والتمليك بعد الموت ليس بشرط ولهذا لو تصدق عن ميت جاز .

قسم V07/P033–V07/P034

وهذا الذي ذكرناه من جواز الهدي والإطعام عنه بعد موته بلا خلاف فيه ، صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والبندنيجى والبغوي والمتولي وسائر الأصحاب ، وصرحوا بأنه لا خلاف فيه ، قال أصحابنا : ولو عتق قبل صومه ووجد هديا ، فعليه الهدى إن اعتبرنا في الكفارة حال الأداء ، أو الأغلظ ، وإن اعتبرنا حال الوجوب فله الصوم وهل له الهدي فيه قولان حكاهما البغوي وآخرون أصحهما : له ذلك كالحر المعسر يجد الهدى والثاني : لا ، لأنه لم يكن من أهله حال الوجوب بخلاف الحر المعسر والله أعلم . فرع : إذا نذر العبد الحج ، فهل يصح منه في حال رقه قال الروياني فيه وجهان كما في قضاء الحجة التي أفسدها . فرع : قال أصحابنا : حيث جوزنا للسيد تحليله أردنا أنه يأمره بالتحلل لا أنه يستقل بما يحصل به التحلل ، لأن غايته أن يستخدمه ويمنعه المضي ، ويأمره بفعل المحظورات أو يفعلها به ، ولا يرتفع الإحرام بشيء من هذا بلا خلاف . وحيث جاز للسيد تحليله ، جاز للعبد التحلل ، وطريق التحلل أن ينظر فإن : ملكه السيد هديا وقلنا : يملكه ذبح ونوى التحلل ، وحلق ونوى به أيضا التحلل ، وإن لم يملكه فطريقان أحدهما : أنه كالحر ، فيتوقف تحلله على وجود الهدي إن قلنا : لا بدل لدم الإحصار أو على الصوم إن قلنا له بدل ، هذا كله على أحد القولين ، وعلى أظهرهما لا يتوقف بل يكفيه نية التحلل والحلق إن قلنا هو نسك والطريق الثاني : القطع بهذا القول الثاني ، وهذا الطريق هو الأصح عند الأصحاب لعظم المشقة في انتظار العتق ، وأن منافعه لسيده ، وقد يستعمله في محظورات الإحرام ، وقد ذكر المصنف تحليل العبد وما يتعلق به في باب الفوات والإحصار ، والله أعلم . فرع : حيث جاز تحليله فأعتقه السيد قبل التحلل لم يجز له التحليل بل يلزمه إتمام الحج ، لأن التحلل إنما جاز لحق السيد ، وقد زال ، فإن فاته الوقوف فله حكم الفوات في حق الحر الأصلي . هكذا صرح به الدارمي وغيره ، وهو ظاهر .

قسم V07/P034–V07/P036

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حج الصبي ثم بلغ ، أو حج العبد ثم أعتق ، لم يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ، لما روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى فإن بلغ الصبي أو عتق العبد في الإحرام نظرت فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام ، لأنه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه ، وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزئه ( لأنه لم يدرك وقت العبادة ) وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف ، فقد قال أبو العباس : يجزئه لأن إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم ثم كمل جعل كأنه بدا بالإحرام في الكمال . وإذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت ، جعل كأنه صلى في حال البلوغ والمذهب : أنه لا يجزئه لأنه لم يدرك الوقوف في حال الكمال ، فأشبه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام ، لأن هلك إدراك الكمال والإحرام قائم ، فوزانه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو بعرفة فيجزئه ، وههنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزئه ، كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ، ويخالف الصلاة ، فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ، ولو فرغ من الحج ، ثم أدرك الكمال لم يجزئه . + الشرح : حديث ابن عباس رواه البيهقي في الباب الأول من كتاب الحج بإسناد جيد ، ورواه أيضا مرفوعا ، ولا يقدح ذلك فيه ، ورواية المرفوع قوية ، ولا يضر تفرد محمد بن المنهال بها ، فإنه ثقة مقبول ضابط روى عنه البخاري ومسلم في صحيحهما وقوله : كمل هو بفتح الميم وضمها وكسرها ثلاث لغات ، وفي الكسر ضعف . أما حكم المسألة : فإذا أحرم الصبي بالحج ثم بلغ أو العبد ثم عتق ، فلهما أربعة أحوال أحدها : أن يكون البلوغ والعتق بعد فراغ الحج ، فلا يجزئهما عن حجة الإسلام ، بل تكون تطوعا ، فإن استطاعا بعد ذلك لزمهما حجة الإسلام . وهذا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال العلماء كافة ، ونقل ابن المنذر فيه إجماع من يعتد به للحديث المذكور ، ولأن حجه وقع تطوعا فلا يجزئه عن الواجب بعده . الثاني : أن يكون البلوغ والعتق قبل الفراغ من الحج لكنه بعد خروج وقت الوقوف بعرفات فلا يجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف ، لأنه لم يدرك وقت العبادة فأشبه من أدرك الإمام بعد فوات الركوع ، فإنه لا تحسب له تلك الركعة . الثالث : أن يكون قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف ، فيجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف عندنا . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجزئهما ، والخلاف يتصور مع أبي حنيفة في العبد دون الصبي ، فإنه قال : لا يصح إحرامه . دليلنا أنه وقف بعرفات كاملا فأجزأه عن حجة الإسلام ، كما لو كمل حالة الإحرام .

قسم V07/P036–V07/P037

الرابع : أن يكون بعد الوقوف بعرفات ، وقبل خروج وقت الوقوف بأن وقف يوم عرفات ثم فارقها ، ثم بلغ أو عتق قبل طلوع الفجر ليلة النحر ، فإن رجع إلى عرفات فحصل فيها ووقت الوقوف باق أجزأه عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما لو بلغ وهو واقف ، وإن لم يعد وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما الصحيح : باتفاق الأصحاب لا يجزئه ، وهو المنصوص ، وقال ابن سريج : يجزئه ، وسبق في أول كتاب الصلاة الفرق بين الحج والصلاة واضحا ، قال أصحابنا : وإذا أجزأه عن حجة الإسلام ، فإن بلغ أو عتق في حال الوقوف أو بعده ، وعاد إلى عرفات في وقته أو قبل الوقوف ، فإن كان لم يسع عقب طواف القدوم ، فلا بد من السعي ، لأنه ركن ، وإن كان سعي في حال الصبا والرق ففي وجوب إعادته وجهان أحدهما : لا يجب كما لا يجب إعادة الإحرام ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد ، قال أبو الطيب : وهو قول ابن سريج : وأصحهما : يجب ، وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح ، والدارمي وآخرون ، ورجحه القاضي أبو القاضي أبو الطيب والرافعي وآخرون ، لأنه وقع في حال النقص فوجبت إعادته بخلاف الإحرام فإنه مستدام . وأما : السعي فانقضى بكماله في حال النقص ، فإذا وقع حجه تطوعا لم يجزئه عن حجة الإسلام ، ولا دم عليه بلا خلاف ، وإن وقع عن حجة الإسلام ففي وجوب الدم طريقان أصحهما : على قولين أصحهما : لا دم إذ لا إساءة ولا تقصير والثاني : يجب لفوات الإحرام الكامل من الميقات فإن كماله أن يحرم بالغا حرا من الميقات ، ولم يوجد ذلك . والطريق الثاني : لا يجب قولا واحدا ، وبه قال أبو الطيب بن سلمة ، وأبو سعيد الاصطخري ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب مواقيت الحج ، وجزم بالطريق الأول وهو المشهور ، قال أصحابنا : وهذا الخلاف إذا لم يعد بعد البلوغ والعتق إلى الميقات ، فإن عاد إليه محرما فلا دم على المذهب ، كما لو ترك الميقات ثم عاد إليه ، وفيه وجه أنه لا يسقط الدم بالعودة هنا . قال أصحابنا : والطواف في العمرة كالوقوف في الحج ، فإذا بلغ أو عتق أجزأته عن عمرة الإسلام ، وكذا لو بلغ أو عتق فيه ، وإن كان بعده فلا ، وحيث أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته ، فهل نقول وقع إحرامهما أولا تطوعا ثم انقلب فرضا عقب البلوغ والعتق أو وقع إحرامهما موقوفا فإن أدركا به حجة الإسلام تبينا وقوعه فرضا وإلا فنفلا فيه وجهان حكاهما البغوي والمتولي وآخرون أصحهما : وقع تطوعا وانقلب فرضا ، وبهذا قطع البندنيجى والمحاملي في المجموع . قال المحاملي : وفائدة الوجهين أنا إن قلنا : وقع نفلا وسعى عقب طواف القدوم ، ثم بلغ ، وجبت إعادة السعي وإلا فلا . فرع : قد ذكرنا أن الأصحاب قالوا : إذا أفسد الصبي والعبد حجهما وقلنا : يلزمهما القضاء ، ولا يصح في الصبا والرق ، أو قلنا : يصح ولم يفعلاه حتى كملا بالبلوغ والعتق ، فإن كانت تلك الحجة لو سلمت من الإفساد لأجزأت عن حجة الإسلام فإن بلغ أو عتق قبل فوات الوقوف وقع القضاء على حجة الإسلام بلا خلاف وإن كانت لا تجزىء عن حجة الإسلام لو سلمت من الإفساد بأن بلغ أو عتق بعد فوات الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ عن حجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا ، وقع عن حجة الإسلام ، قال أصحابنا : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت ، هل يقع عن حجة الإسلام فيه هذا التفصيل ، وقد سبق بيان هذه القاعدة واضحا في جماع الصبي . قال الدارمي : ولو فات الصبي والعبد الحج وبلغ وعتق .

قسم V07/P037–V07/P038

فإن كان البلوغ والعتق قبل الفوات فعليه حجة واحدة تجزئه عن فرض الإسلام والقضاء ، وإن كان بعد الفوات فعليه حجتان حجة الفوات وحجة الإسلام ، ويبدأ بالإسلام ، قال : وإن أفسد الحر البالغ حجة قبل الوقوف ثم فاته الوقوف أجزأته حجة واحدة عن حجة الإسلام والفوات والقضاء ، وعليه بدنتان إحداهما للإفساد والأخرى للفوات ، والله أعلم . فرع : في حكم إحرام الكافر ومروره بالميقات وإسلامه في إحرامه ، وهذا الفرع ذكره المزني في مختصره والأصحاب أجمعون ، مع مسائل حج الصبي والعبد ، وترجموا للجميع بابا واحدا ، وقد ذكر المصنف مسألة منه في باب مواقيت الحج ، فرأيت ذكره هنا أولى لموافقة الجمهور ، ومبادرة إلى الخيرات قال أصحابنا : إذا أتى كافر الميقات يريد النسك فأحرم منه ، لم ينعقد إحرامه بلا خلاف كما سبق بيانه ، فإن أسلم قبل فوات الوقوف ولزمه الحج لتمكنه منه ، فله أن يحج من سنته ، وله التأخير ، لأن الحج على التراخي ، والأفضل حجه من سنته فإن حج من سنته ، وعاد إلى الميقات فأحرم منه أو عاد منه محرما بعد إسلامه فلا دم بالاتفاق ، وإن لم يعد بل أحرم وحج من موضعه ، لزمه الدم كالمسلم إذا جاوزه بقصد النسك ، هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا المزني ، فإنه قال : لا دم لأنه مر به وليس هو من أهل النسك ، فأشبه غير مريد النسك والمذهب الأول . هذا كله إذا أسلم وأمكنه من سنته فإن لم يمكن بأن أسلم بعد الفجر من ليلته لم يجب عليه الحج في هذه السنة فإن استطاع بعد ذلك لزمه وإلا فلا ، ولا خلاف أنه لا أثر لإحرامه في الكفر في شيء من الأحكام فلو قتل صيدا أو طىء أو تطيب أو لبس أو حلق شعره أو فعل غير ذلك من محرمات الإحرام فلا شيء عليه ولا ينعقد نكاحه وكل هذا لا خلاف فيه ولو مر كافر بالميقات مريدا للنسك وأقام بمكة ليحج قابلا منها وأسلم قال الدارمي : فإن كان حين مر بالميقات أراد حج تلك السنة ثم حج بعدها فلا دم بالاتفاق لأن الدم إنما يجب على تارك الميقات إذا حج من سنته وهذا لم يحج من سنته وإن كان نوى حال مروره حج السنة الثانية التي حج فيها ففي وجوب الدم وجهان قال : ولو كان حين مروره لا يريد إحراما بشيء ثم أسلم وأحرم في السنة الثانية ففعله من مكة في السنة الثانية ففي وجوب الدم الوجهان كالكافر . فرع : في مذاهب العلماء في حج العبد والصبي سوى ما سبق . قد ذكرنا أن الصبي والعبد إذا أحرما وبلغ وعتق قبل فوات الوقوف أجزأهما عن حجة الإسلام وبه قال إسحاق بن راهويه وقال به الحسن البصري وأحمد في العبد . قال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور : لا يجزئهما واختاره ابن المنذر أما : إذا لم يبلغ أو لم يعتق إلا بعد الوقوف فلا يجزئه سواء كان بعد ذهاب وقت الوقوف أو في الوقت ولم يعد إلى عرفات كما سبق ، هذا هو المشهور من مذهبنا وقال ابن سريج : يجزئهما إن كان وقت الوقوف باقيا وإن لم يرجعا والصحيح لغير ابن سريج الأول قال العبدري : وبهذا قال جمهور العلماء ولم يذكر في المسألة خلافا .

قسم V07/P038–V07/P039

قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعتد بخلافه خلافا أن الصبي إذا حج ثم بلغ ، والعبد إذا حج ثم عتق أن عليهما بعد ذلك حجة الإسلام إن استطاعا ، وإحرام العبد بغير إذن سيده صحيح عندنا كما سبق ، قال العبدري : وبه قال جميع الفقهاء ، واختلف فيه أصحاب داود والمشهور عنه بطلانه ، ولو مر الكافر بالميقات مريدا نسكا وجاوزه ثم أسلم ثم أحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه دم كما سبق ، وبه قال أحمد وقال مالك والمزني وداود : لا يلزمه . فرع : قال أصحابنا : المحجور عليه لسفه يسد في وجوب الحج ، لكن لا يجوز للولي دفع المال إليه ، بل يصحبه الولي وينفق عليه بالمعروف ، أو ينصب قيما ينفق عليه من مال السفيه ، قال البغوي : وإذا شرع السفيه في حج الفرض أو حج نذره قبل الحجر بغير إذن الولي لم يكن للولي تحليله ، بل يلزمه الأنفاق عليه من مال السفيه إلى فراغه ، ولو شرع في حج تطوع ثم حجر عليه فكذلك ولو شرع فيه بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة ، ولم يكن له كسب ، فإن لم تزد أو كان له كسب يفي مع قدر النفقة المعهودة بمؤنة سفره وجب إتمامه ولم يكن له تحليله . فرع : يصح حج الأغلف وهو الذي لم يختن . هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة وأما : حديث أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحج الأغلف حتى يختن فضعيف ، قال ابن المنذر في كتاب الختان من الإشراف : هذا الحديث لا يثبت وإسناده مجهول . فرع : إذا حج بمال حرام أو راكبا دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري وبه قال أكثر الفقهاء . وقال أحمد : لا يجزئه . ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة والتحريم لمعنى خارج عنها .

قسم V07/P039–V07/P040

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله عن وجل : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع ، والمستطيع إثنان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره ، والمستطيع بنفسه ينظر فيه ، فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة ، فهو أن يكون صحيحا واجدا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه ، وواجدا لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل ، وأن يكون الطريق آمنا من غير خفارة ، وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء فأما : إذا كان مريضا تلحقه مشقة غير معتادة فلا يلزمه ، لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا . + الشرح : حديث أبي أمامة رواه الدارمي في مسنده والبيهقي في سننه بإسناد ضعيف قال البيهقي : وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر بإسناده عنه نحوه . والخفارة بضم الخاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات حكاهن صاحب المحكم وهي المال المأخوذ في الطريق للحفظ ، وفي الطريق لغتان تذكيره وتأنيثه ، واختار المصنف هنا تذكيره بقوله : آمنا : ولم يقل : آمنة . أما الأحكام : فالاستطاعة شرط لوجوب الحج بإجماع المسلمين واختلفوا في حقيقتها وشروطها . ومذهبنا أن الاستطاعة نوعان كما ذكره المصنف استطاعة : بمباشرة بنفسه واستطاعة : بغيره ، فالأول شروطه الخمسة التي ذكرها المصنف أحدها : أن يكون بدنه صحيحا ، قال أصحابنا : ويشترط فيه قوة يستمسك بها على الراحلة ، والمراد أن يثبت على الراحلة ، بغير مشقة شديدة ، فإن وجد مشقة شديدة لمرض أو غيره فليس مستطيعا والله أعلم .

قسم V07/P040–V07/P042

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن لم يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج فقال : الزاد والراحلة فإن لم يجد الماء لم يلزمه لأن الحاجة إلى الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب على من لم يجد الزاد فلأن لا يجب على من لم يجد الماء أولى ، وإن وجد الماء والزاد بأكثر من ثمن المثل لم يلزمه ، لأنه لو لزم ذلك لم يأمن أن لا يباع منه ذلك إلا بما يذهب به جميع ماله ، وفي إيجاب ذلك إضرار فلم يلزمه . + الشرح : حديث ابن عمر رواه الترمذي من رواية ابن عمر كما ذكره المصنف ، وقال : إنه حديث حسن وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي ، قال الترمذي : وقد تكلم فيه بعض أهل من قد قل حفظه . والله أعلم . قلت : وقد اتفقت الحفاظ على تضعيف إبراهيم الخوزي قال البيهقي : قال الشافعي : قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تدل على أنه لا يجب المشي على أحد في الحج ، وإن أطاقه ، غير أن فيها منقطعا ، ومنها ما يمنع أهل الحديث من تثبيته ثم ذكر حديث ابن عمر هذا من رواية الخوزي قال البيهقي : هذا هو الذي عني الشافعي بقوله : يمتنع أهل الحديث من تثبيته ، قال : وإنما امتنعوا من تثبيته لأنه يعرف بالخوزي ، وقد ضعفه أهل الحديث قال : وقد روى من طريق غير الخوزي ولكنه أضعف من الخوزي قال : وروى عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أراه إلا موهما فالصواب عن قتادة عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . قال البيهقي : وروى في المسألة أحاديث أخر لا يصح شيء منها وأشهرها : حديث إبراهيم الخوزي ، وينضم إليه مرسل الحسن ، وقد روى الدارقطني هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة ، وهي الأحاديث التي قال البيهقي لا يصح شيء منها ، وروى الحاكم حديث أنس وقال : هو صحيح ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات . والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بوجدوها فيها ويشترط وجودها بثمن المثل فإن زاد لم يجب الحج ، لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه ويشترط وجود أوعية الزاد والماء وما يحتاج إليه في سفره قال أصحابنا : فإن كانت سنة جدب وخلت بعض المنازل التي جرت العادة بحمل الزاد منها من أهلها ، أو انقطعت المياه في بعضها ، لم يجب الحج ، قال أصحابنا : وثمن المثل المعين في الماء والزاد هو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان ، فإن وجدهما بثمن المثل ، لزمه تحصيلهما والحج ، سواء كانت الأسعار غالية أم رخيصة ، إذا وفى ماله بذلك . قال أصحابنا : ويجب حمل الماء والزاد بقدر ما جرت العادة به في طريق مكة ، كحمل الزاد من الكوفة إلى وحمل الماء مرحلتين وثلاثا ، ونحو ذلك بحسب العادة والمواضع ويشترط وجود آلات الحمل وأما : علف الدواب فيشترط وجوده في كل مرحلة لأن المؤنة تعظم في حمله لكثرته ، هكذا ذكره البغوي والمتولي والرافعي وغيرهم ، وينبغي أن يعتبر فيه العادة كالماء ، والله أعلم .

قسم V07/P042

ولو ظن كون الطريق فيه مانع ، كعدم الماء أو العلف ، أو أن فيه عدوا أو نحو ذلك فترك الحج ، فبان أن لا مانع ، فقد استقر عليه وجوب الحج ، وصرح به الدارمي وغيره ، ولو لم يعلم وجود المانع ولا عدمه قال الدارمي : إن كان هناك أصل عمل عليه وإلا فيجب الحج ، وهذا في العدو ظاهر وأما : في وجود الماء والعلف فمشكل لأن الأصل عدمهما . فرع : لو لم يجد ما يصرفه في الزاد والماء ، ولكنه كسوب يكتسب ما يكفيه ووجد نفقة ، فهل يلزمه الحج تعويلا على الكسب ، حكم إمام الحرمين عن أصحابنا العراقيين أنه إن كان السفر طويلا أو قصيرا ، ولا يكتسب في كل يوم إلا كفاية يومه لم يلزمه ، لأنه منقطع عن الكسب في أيام الحج ، وإن كان السفر قصيرا ويكتسب في يوم كفاية أيام لزمه الحج قال الإمام : وفيه احتمال ، فإن القدرة على الكسب يوم العيد لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة ، هذا ما ذكره الإمام وحكاه الرافعي وسكت عليه .

قسم V07/P042–V07/P044

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يجد راحلة لم يلزمه ، لحديث ابن عمر ، وإن وجد راحلة لا تصلح لمثله ، بأن يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة ، لم يلزمه حتى يجد عمارية أو هودجا ، وإن بذل له رجل راحلة من غير عوض لم يلزمه قبولها ، لأن عليه في قبول ذلك منة ، وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه ، وإن وجد بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد . + الشرح : قال أهل اللغة : الزاملة بعير يستظهر به المسافر ، يحمل عليه طعامه ومتاعه وأما : العمارية فبفتح العين والصواب تخفيف ميمها وسبق بيانها واضحا في باب استقبال القبلة ، وسبق بيان الهودج قريبا عند ذكر المحفة في حج الصبي . أما حكم المسألة : فإذا كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة لم يلزمه الحج ، إلا إذا وجد راحلة تصلح لمثله بثمن المثل ، أو أجرة المثل فإن لم يجدها أو وجدها بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر من أجرة المثل أو عجز عن ثمنها أو أجرتها لم يلزمه الحج سواء قدر على المشي وكان عادته ، أم لا ، لكن يستحب للناذر الحج ، قال أصحابنا : فإن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل ولا يلحقه مشقة شديدة لم يشترط في حقه القدرة على المحمل ، بل يشترط قدرته على راحلة ، وإن كانت مقتبة . وإن كانت زاملة فإن لم يمكنه ذلك إلا بمشقة شديدة فإن كان شيخا هرما أو شابا ضعيفا أو عادته الترفه ونحو ذلك اشترط وجود المحمل ، وراحلة تصلح للمحمل . قال صاحب الشامل وآخرون : ولو وجد مشقة شديدة في ركوب المحمل اشترط في حقه الكنيسة ونحوها بحيث تندفع عنه المشقة الشديدة قال المحاملي وآخرون : ويشترط في المرأة وجود المحمل ، لأنه أستر لها ، ولم يفرقوا بين مستمسك على المقتب وغيره . قال الغزالي وغيره : العادة جارية بركوب اثنين في محمل ، فإذا وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكا يركب معه في الشق الآخر ، لزمه الحج ، وإن لم يجد الشريك لم يلزمه سواء وجد مؤنة المحمل أو الشق ، قال الرافعي ولا يبعد تخرجه على إلزام أجرة البذرقة ، قال : وفي كلام إمام الحرمين إشارة إليه والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ، ولم يجد لرجوعه نظرت فإن كان له أهل في بلده لم يلزمه ، وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان أحدهما : يلزمه لأن البلاد كلها في حقه واحدة والثاني : لا يلزمه ، لأنه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة فلم يلزمه . + الشرح : اتفق أصحابنا على أنه إذا كان له في بلده أهل أو عشيرة اشترطت قدرته على الزاد والراحلة وسائر مؤن الحج في ذهابه ، ورجوعه ، فإن ملكه لذهابه دون رجوعه لم يلزمه بلا خلاف ، إلا ما انفرد به الحناطي والرافعي فحكيا وجها شاذا أنه لا يشترط نفقة الرجوع ، وهذا غلط ، فإن لم يكن له أهل ولا عشيرة هل يشترط ذلك للرجوع فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، وهما مشهوران ، واتفق الأصحاب على أن أصحهما الاشتراط فلا يلزمه إذا لم يقدر على ذلك ، ودليلهما في الكتاب ، والوجهان جاريان في اشتراط الراحلة بلا خلاف ، وهو صريح في كلام المصنف ، وهل يخص الوجهان بما إذا لم يكن له ببلده مسكن فيه احتمالات للأمام أصحها : عنده التخصيص ، قال أصحابنا : وليس المعارف والأصدقاء كالعشيرة ، لأن الاستبدال بهم متيسر فيجري فيه الوجهان فيمن ليس له عشيرة ولا أهل .

قسم V07/P044–V07/P045

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد ما يشتري به الزاد والراحلة ، وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه حالا كان الدين أو مؤجلا ، لأن الدين الحال على الفور ، والحج على التراخي فقدم عليه ، والمؤجل يحل عليه ، فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين . + الشرح : هذا الذي ذكره نص عليه الشافعي في الإملاء ، وأطبق عليه الأصحاب من الطريقين ، وفيه وجه شاذ ضعيف أنه إذا كان الدين مؤجلا أجلا لا ينقضي إلا بعد رجوعه من الحج لزمه ، حكاه الماوردي والمتولي وغيرهما وبه قطع الدارمي ، والصواب الأول ، وقطع به الجماهير ، ونقل كثيرون أنه لا خلاف فيه قال أصحابنا : ولو رضي صاحب الدين بتأخيره إلى ما بعد الحج لم يلزمه الحج بلا خلاف ، قال أصحابنا : ولو كان له دين فإن أمكن تحصيله في الحال ، بأن كان حالا على مليء مقر ، أو عليه بينة فهو كالحال في يده ويجب الحج ، وإن لم يمكن تحصيله بأن كان مؤجلا أو حالا على معسر أو جاحد ولا بينة عليه لم يجب الحج بلا خلاف لأنه إذا لم يجب عليه بسبب دين عليه فعدم وجوب الاستدانة أولى ، والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان محتاجا إليه لنفقة من تلزمه نفقته لم يلزمه الحج ، لأن النفقة على الفور والحج على التراخي ، وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه . + الشرح : أما إذا احتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه ورجوعه فلا يلزمه الحج ، لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : وكسوة من تلزمه كسوته وسكناه كنفقته ، وكذلك سائر المؤن أما : إذا احتاج إلى مسكن أو خادم يحتاج إلى خدمته لمنصبه أو زمانته ونحوهما وليس معه ما يفضل عن ذلك فهل يلزمه الحج فيه وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون لا يلزمه ، وصححه الجمهور وممن قطع به مع المصنف القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وفي المجرد ، والدارمي والمحاملي والفوراني والبغوي وآخرون ونقله المحاملي في المجموع عن أصحابنا ، ونقل تصحيحه الرافعي عن الأكثرين ، وقاسوه على الكفارة ، فإنه لا يلزمه بيع المسكن والخادم فيهما ، وعلى ثيابه وما في معناها من ضروريات حاجاته . والوجه الثاني : يلزمه الحج وبيع المسكن والخادم في ذلك ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد فيما نقله صاحب الشامل ، وقطع به أيضا البندنيجى ، صححه القاضي الحسين والمتولي ، وعلى هذا يستأجر مسكنا وخادما ، وفرق القاضي حسين بينه وبين الكفارة ، بأن لها بدلا يتنقل إليه بخلاف الحج ، والمذهب أنه لا يلزمه الحج كما سبق قال المحاملي : ولم ينص الشافعي على هذه المسألة ، إلا أنه ذكر قريبا منها ، فإذا اشترطنا لوجوب الحج زيادة على المسكن والخادم فلم يوجدا عنده وعنده مال يصرفه فيهما ولا يفضل شيء لم يلزمه الحج . هذا كله إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته ، وكانت سكنى مثله والعبد لائق بخدمة مثله ، فإن أمكن ببعض الدار وفي ثمنه بمؤنة الحج ، ويكفيه لسكناه باقيها ، أو كانا لا يلقيان بمثله ، ولو أبدلهما أو في الزائد بمؤنة الحج فإنه يلزمه الحج هكذا صرح به الأصحاب هنا وكذا نقل الرافعي أن الأصحاب أطلقوه هنا ، قال : لكل في بيع الدار والعبد النفيسين المألوفين في الكفارة وجهان ، قال : ولا بد من جريانهما هنا وهذا لم ينقله عن غيره ، وليس جريانهما بلازم والفرق ظاهر ، فإن الكفارة لها بدل ولهذا اتفقوا على ترك المسكن والخادم في الكفارة واختلفوا فيهما هنا ، والله أعلم . فرع : لو كان فقيها وله كتب فهل يلزمه بيعها للحج قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : إن لم يكن له من كل كتاب إلا نسخة واحدة لم يلزمه ، لأنه يحتاج إلى كل ذلك ، وإن كان له نسختان لزمه بيع إحداهما ، فإنه لا حاجة به إليها ، هذا كلام القاضي أبي الطيب ، وقال في مجرده : لا يلزمه بيع كتبه إلا إذا كان له نسختان كم كتاب ، فيجب بيع إحداهما ، وقال القاضي حسين في تعليقه : يلزم الفقيه بيع كتبه في الزاد والراحلة ، وصرف ذلك في الحج ، وكذا المسكن والخادم ، وهذا الذي قاله القاضي حسين ضعيف ، وهو تفريع منه على طريقته الضعيفة في وجوب بيع المسكن والخادم للحج ، وقد سبق أن المذهب لا يلزمه ذلك ، فالصواب ما قاله القاضي أبو الطيب فهو الجاري على عادة المذهب ، وعلى ما قاله الأصحاب هنا في المسكن والخادم ، وعلى ما قالوه في باب الكفارة وباب التفليس ، وقد سبق بيان المسكن والخادم في أول باب قسم الصدقات ، في فصل سهم الفقير ، والله أعلم .

قسم V07/P045–V07/P046

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح ، لأن الحاجة إلى ذلك على الفور ، والحج ليس على الفور . + الشرح : قال الرافعي : لو ملك فاضلا عن الأمور المذكورة ما يمكنه به الحج ، واحتاج إلى النكاح لخوف العنت ، فصرف المال إلى النكاح أهم من صرفه إلى الحج ، هذه عبارة الجمهور ، وعللوه بأن حاجة النكاح ناجزة ، والحج على التراخي ، والسابق إلى الفهم من هذه العبارة أته لا يجب الحج والحالة هذه ، ويصرف ما معه في النكاح ، وقد صرح إمام الحرمين بهذا ، ولكن كثير من العراقيين وغيرهم قالوا : يجب الحج على من أراد التزوج لكن له أن يؤخره لوجوبه على التراخي ، ثم إن لم يخف العنت فتقديم الحج أفضل ، وإلا فالنكاح . هذا كلام الرافعي ، وقد صرح خلائق من الأصحاب بأنه يلزمه الحج ويستقر في ذمته ، ولكن له صرف هذا المال إلى النكاح وهو أفضل ، ويبقى الحج في ذمته ، ممن صرح بهذا الشيخ أبو حامد والبندنيجى والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، والقاضي حسين ، والدارمي ، وصاحب الشامل ، وصاحب التتمة وصاحب العدة وصاحب البيان ، وآخرون . فهذا هو المذهب الصحيح ولا تقبل دعوى الرافعي فيما قاله عن الجمهور وفهمه عنهم . وأما : نقله عن إمام الحرمين فصحيح ، وقد صرح الجرجاني في المعاياة به فقال : لا يصير مستطيعا ، وهذا لفظ إمام الحرمين قال : قال العراقيون : لو فضل شيء وخاف العنت لو لم يتزوج ، وكان بحيث يباح له نكاح الأمة ، لم يلزمه أن يحج ، بل له صرف المال إلى النكاح ، لأن في تأخيره ضررا به والحج على التراخي ، قال : فإذن لا استطاعة ولا وجوب قال : وهذا الذي ذكره العراقيون قاطعين به قياس طرقنا وإن لم نجده منصوصا فيها ، هذا لفظ الإمام بحروفه ، وفيه التصريح بأنه إنما صرح بأنه لا تحصل الاستطاعة اعتمادا على ما ذكره العراقيون وليس فيما ذكره العراقيون أنه لا تجب الحج ، بل قالوا يجب الحج وله تأخيره وصرف المال إلى النكاح ، ويكون الحج ثابتا في الذمة كما قدمناه عنهم ، وفي حكاية الإمام عنهم إشارة إلى هذا ، فالصواب استقرار الحج كما سبق ، وعلله صاحب الشامل وغيره بأن النكاح من الملاذ فلا يمنع وجوب الحج ، والله أعلم .

قسم V07/P046–V07/P047

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيها ليحصل له ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان ، قال أبو العباس بن سريج : لا يلزمه الحج ، لأنه يحتاج إليه فهو كالمسكن والخادم ومن : أصحابنا من قال : يلزمه لأنه واجد للزاد والراحلة . + الشرح : قال أصحابنا : إذا كانت له بضاعة يتكسب بها كفايته وكفاية عياله ، أو كان له عرض تجارة يحصل من غلته كل سنة كفايته وكفاية عياله ، وليس معه ما يحج به غير ذلك ، وإذا حج به كفاه وكفى عياله ذاهبا وراجعا ، ولا يفضل شيء ، فهل يلزمه الحج فيه هذان الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، وهما مشهوران أحدهما : لا يلزمه ، وهو قول ابن سريج ، وصححه القاضي أبو الطيب والروياني والشاشي ، قال : لأن الشافعي قال في المفلس : يترك له ما يتجر به لئلا ينقطع إلى الناس ، فإذا جاز أن يقطع له من حق الغرماء بضاعة فجوازه في الحج أولى . والثاني : وهو الصحيح يلزمه الحج لأنه واجد للزاد والراحلة ، وهما الركن المهم في وجوب الحج ، قال الشيخ أبو حامد : ولو لم نقل بالوجوب للزم أن نقول : من لا يمكنه أن يتجر بأقل من ألف دينار لا يلزمه الحج إذا ملكها . وهذا لا يقوله أحد ، قال أصحابنا : والفرق بين هذا وبين المسكن والخادم أنه محتاج إليهما في الحال . وما نحن فيه نجده ذخيرة ، قال المحاملي والأصحاب : وأما ما ذكره الشافعي في باب التفليس فمراده أنه يترك له ذلك برضى الغرماء ، فأما بغير رضاهم فلا يترك ، وهذا الذي صححناه من وجوب الحج هو الصحيح عند جماهير الأصحاب فمن صححه الشيخ أبو حامد والبندنيجى والماوردي والمحاملي والقاضي حسين في تعليقه والمتولي وصاحب البيان والرافعي وآخرون ، قال صاحب الحاوي : هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه سوى ابن سريج . قال الشيخ أبو حامد : هذا هو المذهب ولا أعرف ما حكي عن ابن سريج عنه ولا أجده في شيء من كتبه ، قال أبو حامد : وقول ابن سريج خلاف للإجماع وقال المحاملي : قول عامة أصحابنا إنه يلزمه الحج ، وما قاله ابن سريج غلط ، وكذا قال القاضي حسين والمتولي وصاحب البيان وآخرون من أصحابنا أن عامة أصحابنا قال بالوجوب خلافا لابن سريج ، ونقل إمام الحرمين عن العراقيين أنهم غلطوا ابن سريج في هذا وزيفوا قوله ، وهو كما قالوه . هذا لفظ الإمام ، وبالوجوب قال أبو حنيفة وبعدمه قال أحمد ، وأنكر بعضهم على الشيخ أبي حامد دعواه الإجماع على الوجوب مع مخالفة أحمد ، وجوابه أنه أراد إجماع من قبله ، وكأنه يقول : إن أحمد وابن سريج محجوبان بالإجماع قبلهما ، والله أعلم .

قسم V07/P047–V07/P049

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يجد الزاد والراحلة وهو قادر على المشي وله صنعة يكتسب بها كفايته لنفقته ، استحب له أن يحج ، لأنه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها ، فاستحب له إسقاط الفرض ، كالمسافر إذا قدر على الصوم في السفر ، وإن لم يكن له صنعة ويحتاج إلى تكفف الناس كره له أن يحج بمسألة ، لأن المسألة مكروهة ، لأن في المسألة تحمل مشقة شديدة فكره . + الشرح : قوله : لا يكره تحملها احتراز عن المسألة وقوله : يتكفف معناه يسأل الناس شيئا في كفه ، وهذا الحكم الذي ذكره في المسألتين متفق عليه عندنا ، قال أصحابنا : ولو أمكنه أن يكرى نفسه في طريقه استحب له الحج بذلك ، ولا يجب ذلك ، ودليلهما ما بينا في القادر على الصنعة فإن أكرى نفسه فحضر موضع الحج لزمه الحج ، لأنه متمكن الآن بلا مشقة وقد قدمنا أنه لا يجب عليه استقراض مال يحج به بلا خلاف . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يستحب لقاصد الحج أن يكون متخليا عن التجارة في طريقه ، فإن خرج بنية الحج والتجارة فحج واتجر صح حجه وسقط عنه فرض الحج ، لكن ثوابه دون ثواب المتخلي عن التجارة ، وكل هذا لا خلاف فيه ، ودليل هذا مع ما سبق ثابت عن ابن عباس قال : كانت عكاظ ومكة ودون المجاز أسواقا في الجاهلية فمالوا أن يتجروا في المواسم ، فنزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج رواه البخاري ، وعن ابن عباس أيضا : أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفات وذي المجاز ومواسم الحج ، فخافوا البيع وهم حرم ، فأنزل الله تعالى : ليس عليكم جناح أن يتبغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم ، وعن أبي أمامة التيمي قال : كنت رجلا أكرى في هذا الوجه ، وإن ناسا يقولون : ليس لك حج ، فقال ابن عمر : أليس يحرم ويلبى ويطوف بالبيت ويفضي من عرفات ويرمي الجمار قلت : بلى ، قال : فإن لك حجا ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه هذه الآية وقال : لك حج رواه أبو داو ، بإسناد صحيح . وعن عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال : أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى آخرهم فقال ابن عباس : نعم أولئك لهم تصيب مما كسبوا والله سريع الحساب رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن . فرع : في مذاهب العلماء فيمن عادته سؤال الناس أو المشي . مذهبنا أنه لا يلزمه الحج ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحق ، وبه قال بعض أصحاب مالك قال البغوي هو قول العلماء ، وقال مالك : يلزمه الحج في الصورتين ، وبه قال داود ، وقال عكرمة : الاستطاعة صحة البدن ، قال ابن المنذر : لا يثبت في الباب حديث مسند قال : وحديث ما السبيل قال : الزاد والراحلة ضعيف ، وهو كما قال ، وقد سبق بيانه .

قسم V07/P049–V07/P050

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه ، لحديث أبي أمامة ، لأن في إيجاب الحج مع الخوف تغريرا بالنفس والمال ، وإن كان الطريق آمنا إلا أنه محتاج إلى خفارة لم يلزمه ، لأن ما يؤخذ من الخفارة بمنزلة ما زاد على ثمن المثل وأجرة المثل في الزاد والراحلة فلا يلزمه ، ولأنه رشوة على واجب فلم يلزمه . + الشرح : حديث أبي أمامة سبق في الفصل الذي قبل هذا أنه حديث ضعيف ، وسبق في الفصل المذكور أن الخفارة بضم الخاء وكسرها وفتحها والرشوة بكسر الراء وضمها لغتان مشهورتان . أما الأحكام : فقال أصحابنا : يشترط لوجوب الحج أمن الطريق في ثلاثة أشياء ، النفس والمال والبضع فأما : البضع فمتعلق بحج المرأة والحنثى ، وسنذكرهما بعد هذا بقليل حيث ذكرهما المصنف إن شاء الله تعالى ، قال إمام الحرمين : وليس الأمن المشترط أمنا قطعيا . قال : ولا يشترط الأمن الغالب في الحضر بل الأمن في كل مكان بحسب ما يليق به فأما : النفس فمن خاف عليه من سبع أو عدو كافر أو مسلم أو غير ذلك لم يلزمه الحج إن لم يجد طريقا آخر آمنا . فإن وجده لزمه ، سواء كان مثل طريقه أو أبعد إذا وجد ما يقطعه به ، وفيه وجه شاذ ضعيف أنه لا يلزمه سلوك الأبعد ، حكاه المتولي والرافعي والصحيح الأول وبه قطع الجمهور . وأما : البحر فسنذكر الخوف منه عقيب هذا إن شاء الله تعالى وأما : المال فلو خاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدى أو غيره ، لم يلزمه الحج سواء طلب الرصدى شيئا قليلا أو كثيرا إذا تعين ذلك الطريق لم يجد غيره سواء كان العدو الذي يخافه مسلمين أو كفارا لكن قال أصحابنا إن كان العدو كفارا وأطاق الحاج مقاومتهم استحب لهم الخروج إلى الحج ويقاتلونهم لينالوا الحج والجهاد جميعا ، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج ولا القتال . قال أصحابنا : ويكره بذل المال للراصدين ، لأنهم يحرصون على التعرض للناس بسبب ذلك ، هكذا صرح به القاضي حسين والمتولي والبغوي ونقله الرافعي وغيرهم ولو وجدوا من يخفرهم بأجرة وغلب على الظن أمنهم ففي وجوب استئجاره ووجوب الحج وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وأصحهما : عنده وجوبه لأنه من جملة أهب الطريق فهو كالراحلة والثاني : لا يجب لأن سبب الحاجة إلى ذلك خوف الطريق وخروجها عن الاعتدال ، وقد ثبت أن أمن الطريق شرط ، هكذا ذكر الوجهين إمام الحرمين وتابعه الغزالي والرافعي ، والذي ذكره المصنف وجماهير الأصحاب من العراقيين والخراسانيين أنه إذا احتاج إلى خفارة لم يجب الحج ، فيحمل على أنهم أرادوا بالخفارة ما يأخذه الرصديون في المراصد ، وهذا لا يجب الحج معه بلا خلاف ولا يكونون متعرضين لمثله . قال إمام الحرمين : يحتمل أنهم أرادوا الصورتين فيكون خلاف ما قاله ولكن الاحتمال الأول أصح وأظهر في الدليل ، فيكون الأصح على الجملة وجوب الحج إذا وجدوا من يصحبهم الطريق بخفارة ، ودليله ما ذكره الإمام ، وقد صححه إمامان من محققي متأخري أصحابنا أبو القاسم الرافعي وأبو عمرو بن الصلاح مع إطلاعهما على عبارة الأصحاب التي ذكرناها والله أعلم . ولو امتنع محرم المرأة من الخروج معها إلا بأجرة ، قال إمام الحرمين : هو مقيس على أجرة الخفير ، واللزوم في المحرم أظهر لأن الداعي إلى الأجرة معنى في المرأة ، فهو كمؤنة المحمل في حق المحتاج إليه والله أعلم .

قسم V07/P050

فرع : قال البغوي وغيره : يشترط لوجوب الحج وجود رفقة يخرج معهم في الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه ، فإن خرجوا قبله لم يلزمه الخروج معهم ، وإن أخروا الخروج بحيث لا يبلغون مكة إلا بأن يقطعوا في كل يوم أكثر من مرحلة لم يلزمه أيضا ، قال البغوي : لو لم يجد المال حال خروج القافلة ثم وجده بعد خروجهم بيوم لم يلزمه أن يتبعهم ، هذا كله إذا خاف في الطريق ، فإن كانت آمنة بحيث لا يخاف الواحد فيها لزمه ، ولا يشترط الرفقة .

قسم V07/P050–V07/P052

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم : لا يجب عليه ، قال في الإملاء ، إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه ، فمن أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : يجب ، لأنه طريق مسلوك فأشبه البر والثاني : لا يجب لأن فيه تغريرا بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ، ومنهم من قال : إن كان الغالب منه السلامة لزمه ، وإن كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال : إن كان له عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه ، لأن من له عادة لا يشق عليه ، ومن لا عادة له يشق عليه . + الشرح : اختلفت نصوص الشافعي في ركوب البحر فقال في الأم والإملاء ما ذكره المصنف ، وقال في المختصر : ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر ، قال أصحابنا : إن كان في البر طريق يمكن سلوكه قريب أو بعيد لزمه الحج بلا خلاف ، وإن لم يكن ففيه طرق أصحها : وبه قال أبو إسحاق المروزي وأبو سعيد الإصطخري وغيرهما فيما حكاه صاحب الشامل والتتمة وغيرهما أنه إن كان الغالب منه الهلاك إما لخصوص ذلك البحر وإما لهيجان الأمواج لم يجب الحج ، وإن غلبت السلامة وجب ، وإن استويا فوجهان أصحهما : أنه لا يجب والطريق الثاني : يجب قولا واحدا الثالث : لا يجب والرابع : في وجوبه قولان والخامس : إن كان عادته ركوبه وجب وإلا فلا والسادس : حكاه إمام الحرمين أنه يفرق بين من له جرأة وبين المستشعر وهو ضعيف القلب فلا يلزم المستشعر . وفي غيره قولان والسابع : حكاه الإمام وغيره يلزم الجريء وفي المستشعر قولان والثامن : يلزم الجريء ولا يلزم المستشعر . قال أصحابنا : وإذا قلنا لا يجب ركوب البحر ففي استحبابه وجهان أحدهما : لا يستحب مطلقا لما فيه من الخطر وأصحهما : وبه قطع كثيرون يستحب إن غلبت السلامة ، فإن غلب الهلاك حرم ، نقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على تحريمه والحالة هذه ، فإن استويا ففي التحريم وجهان أصحهما : التحريم وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني والثاني : لا يحرم ولكن يكره ، قال إمام الحرمين لا خلاف في ثبوت الكراهية ، وإنما الخلاف في التحريم . قال أصحابنا : وإذا لم نوجب ركوب البحر فتوسطه في بحارة أو غيرها ، فهل يلزمه التمادي في ركوبه إلى الحج أم لا الانصراف إلى وطنه ينظر إن كان ما بين يديه إلى مكة أكثر مما قطعه من البحر ، فله الرجوع إلى وطنه قطعا ، وإن كان أقل لزمه التمادي قطعا ، وإن استويا فوجهان ، وقيل : قولان أصحهما : يلزمه التمادي لاستواء الجهدين في حقه والثاني : لا ، قالوا : وهذان الوجهان فيما إذا كان له في الرجوع من مكة إلى وطنه طريق في البر ، فإن لم يكن فله الرجوع إلى وطنه قطعا ، لئلا يتحمل زيادة الخطر بركوب البحر في الرجوع من الحج ، قال أصحابنا وهذان الوجهان كالوجهين فيمن أحصر وهو محرم وأحاط به العدو من كل جهة ، فهل له التحلل أم لا وسنوضحهما في موضعهما إن شاء الله تعالى . هذا كله في الرجل أما : المرأة فإن لم نوجب ركوب البحر على الرجل فهي أولى وإلا ففيها خلاف والأصح : الوجوب والثاني : المنع لضعفها عن احتمال الأهوال ، ولكونها عورة معرضة للانكشاف وغيره لضيق المكان ، قال أصحابنا : فإن لم نوجبه عليها لم يستحب على المذهب ، وقيل في استحبابه لها حينئذ الوجهان السابقان في الرجل ، وحكي البندنيجى قولين .