Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن صلى على سطحه نظرت فإن كان بين يديه سترة متصلة به جاز ، لأنه متوجه إلى جزء منه ، وإن لم يكن بين يديه سترة متصلة لم يجز لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة مواطن لا يجوز فيها الصلاة وذكر فوق بيت الله العتيق ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه من غير عذر فلم يجز كما لو وقف على طرف السطح واستدبره ، فإن كان بين يديه عصا مغروزة غير مثبتة ولا مسمرة ففيه وجهان أحدهما : تصح لأن المغروز من البيت ولهذا يدخل الأوتاد المغروزة في بيع الدار والثاني : لا يصح لأنها غير متصلة بالبيت ولا منسوبة إليه ، وإن صلى في عرصة البيت وليس بين يديه سترة ففيه وجهان ، قال أبو إسحاق : لا يجوز ، وهو المنصوص لأنه صلى عليه ولم يصل إليه من غير عذر فأشبه إذا صلى على السطح ، وقال أبو العباس : لا يجوز لأنه صلى إلى ما بين يديه من أرض البيت فأشبه إذا خرج من البيت وصلى إلى أرضه . + الشرح : حديث عمر رضي الله عنه ضعيف ، وسبق بيانه في باب طهارة البدن ، وقوله : ( من غير عذر ) احتراز من حال شدة الخوف والنافلة في السفر ، وقوله : غير مبنية هي بالباء الموحدة والنون وقد يقال بالثاء المثلثة بعدها باء موحدة ثم تاء مثناة فوق ، والأول أشهر وأجود ، والعرصة بإسكان الراء لا غير . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : لو وقف على أبي قبيس أو غيره من المواضع العالية على الكعبة بقربها صحت صلاته بلا خلاف ، لأنه يعد مستقبلا ، وإن وقف على سطح الكعبة نظر إن وقف على طرفها واستدبر باقيها لم تصح صلاته بالاتفاق لعدم استقبال شيء منها ، وهكذا لو انهدمت والعياذ بالله فوقف على طرف العرصة واستدبر باقيها لم تصح صلاته ، ولو وقف خارج العرصة واستقبلها صح بلا خلاف . وأما إذا وقف في وسط السطح أو العرصة فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصح صلاته على الصحيح المنصوص وبه قال أكثر الأصحاب ، وقال ابن سريج تصح ، وبه قال أبو حنيفة وداود ومالك في رواية عنه كما لو وقف على أبي قبيس وكما لو وقف خارج العرصة واستقبلها ، والمذهب الأول ، والفرق أنه لا يعد هنا مستقبلا بخلاف ما قاس عليه ، وهذا الوجه الذي لابن سريج جار في العرصة والسطح كما ذكرنا ، كذا نقله عنه إمام الحرمين وصاحب التهذيب وآخرون ، وكلام المصنف يوهم أنه لا يقول به في السطح وليس الأمر كذلك وإن كان بين يديه شيء شاخص من أجزاء الكعبة كبقية جدار ورأس حائط ونحوهما ، فإن كان ثلثي ذراع صحت وإلا فلا ، وقيل يشترط ذراع ، وقيل يكفي أدنى شخوص وقيل يشترط كونه قدر قامة المصلي طولا وعرضا حكاه الشيخ أبو حامد وغيره ، والصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور الأول وهو ثلثا ذراع . ولو وضع بين يديه متاعا واستقبله لم يصح بلا خلاف ، ولو استقبل شجرة ثابتة أو جمع تراب العرصة أو السطح واستقبله أو حفر حفرة ووقف فيها أو وقف في آخر السطح أو العرصة واستقبل الطرف الآخر وهو مرتفع عن موقفه صحت بلا خلاف . ولو استقبل حشيشا نابتا عليها أو خشبة أو عصا مغروزة غير مسمرة فوجهان أصحهما لا يصح ، صححه إمام الحرمين والرافعي وغيرهما ، ودليلهما في الكتاب وإن كانت العصا مثبتة أو مسمرة صحت بلا خلاف .
قال إمام الحرمين : لكنه يخرج بعضه عن محاذاتها ، وقد سبق الخلاف فيمن فرج بعض بدنه عن محاذاة بعض الكعبة لوقوفه على طرف ركن ، قال ففي هذا تردد ظاهر عندي ، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن هذا يصح وجها واحدا وإن خرج بعض بدنه عن محاذاة العصا لأنه يعد مستقبلا بخلاف مسألة الخارج بعضه عن محاذاة الكعبة ، ولهذا قطع الأصحاب بالصحة إذا كانت العصا مسمرة وقطعوا بها أيضا فيما إذا بقيت من أصل الجدار قدر مؤخرة الرحل ، وإن كانت أعالي بدنه خارجة عن محاذاته لكونه مستقبلا ببعضه جزءا شاخصا وبباقيه هواء الكعبة ، وأما الواقف على طرف الركن فلم يستقبل ببعضه شيئا أصلا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يكن بحضرة البيت نظرت فإن عرف القبلة صلى إليها وإن أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد ، كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد ، وإن رأى محاريب المسلمين في بلد صلى إليها ولا يجتهد ، لأن ذلك بمنزلة الخبر . + الشرح : إذا غاب عن الكعبة وعرفها صلى إليها ، وإن جهلها فأخبره من يقبل خبره لزمه أن يصلي بقوله ولا يجوز الاجتهاد ، وقد تقدم في باب الشك في باب نجاسة الماء بيان من يقبل خبره ، وأنه يدخل فيه الحر والعبد والمرأة بلا خلاف ، ولا يقبل خبر الكافر في القبلة بلا خلاف . وأما الصبي المميز فالمشهور أنه لا يقبل خبره ونقل القاضي حسين وصاحبا التهذيب والتتمة فيه نصين للشافعي أحدهما : يقبل والثاني : لا . قالوا : فمن أصحابنا من قال : في قبول قوله هنا قولان للنصين ، وقال القفال : فيه وجهان ، وكذا في قبول روايته حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره الوجهان ، الأصح لا يقبل . ومنهم من قال : النصان على حالين ، فإن دله على المحراب أو أعلمه بدليل قبل منه ، وإن أخبره باجتهاد فلا يقبل منه . وأما الفاسق ففيه طريقان المشهور : أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره ، وبهذا قطع البغوي والأكثرون والثاني : في قبوله وجهان لعدم التهمة هنا ، وممن حكى الوجهين فيه القاضي حسين وصاحب التتمة وآخرون ، واختار صاحب التتمة القبول ، وقد سبق في باب الشك في نجاسة الماء أن الكافر والفاسق يقبل قولهما في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية ، أما المحراب فيجب اعتماده ولا يجوز معه الاجتهاد . ونقل صاحب الشامل إجماع المسلمين على هذا ، واحتج له أصحابنا بأن المحاريب لا تنصب إلا بحضرة جماعة من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلة ، فجرى ذلك مجرى الخبر . وأعلم أن المحراب إنما يعتمد بشرط أن يكون في بلد كبير أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها بحيث لا يقرونه على الخطأ ، فإن كان في قرية صغيرة لا يكثر المارون بها لم يجز اعتماده ، هكذا ذكر هذا التفصيل جماعة منهم صاحب الحاوي والشيخ أبو محمد الجويني في كتابة التبصرة ، وصاحبا التهذيب والتتمة وآخرون ، وهو مقتضى كلام الباقين . قال صاحب التهذيب : لو رأى علامة في طريق يقل فيه مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها ، أو رأى محرابا في قرية لا يدري بناه المسلمون أو المشركون أو كانت قرية صغيرة للمسلمين اتفقوا على جهة يجوز وقوع الخطأ لأهلها فإنه يجتهد في كل هذه الصور ولا يعتمده ، وكذا قال صاحب التتمة : لو كان في صحراء أو قرية صغيرة أو مسجد في برية لا يكثر به المارة فالواجب عليه الاجتهاد ، قال : ولو دخل بلدا قد خرب وانجلى أهله فرأى فيه محاريب ، فإن علم أنها من بناء المسلمين اعتمدها ولم يجتهد ، وإن احتمل أنها من بناء المسلمين واحتمل أنها من بناء الكفار لم يعتمدها بل يجتهد ، ونقل الشيخ أبو حامد في تعليقه هذا التفصيل في البلد الخراب عن أصحابنا كلهم . فرع : قال أصحابنا : إذا صلى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه كالكعبة ، فمن يعاينه يعتمده ، ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال ، ويعني بمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه وموقفه ، لأنه لم يكن ( هذا المحراب هو المعروف ) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أحدثت المحاريب بعده .
قال أصحابنا : وفي معنى محراب المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضبط المحراب ، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين بالشرط السابق ، فلا يجوز الاجتهاد في هذه المواضع في الجهة بلا خلاف . وأما الاجتهاد في التيامن والتياسر فإن كان محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز بحال ، وإن كان في سائر البلاد ففيه أوجه أصحها : يجوز ، قال الرافعي : وبه قطع الأكثرون والثاني : لا يجوز في الكوفة خاصة والثالث : لا يجوز فيها ولا في البصرة لكثرة من دخلها من الصحابة رضي الله عنهم . فرع : قال أصحابنا : الأعمى يعتمد المحراب بمس إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير ، وكذا البصير في الظلمة ، وفيه وجه أن الأعمى إنما يعتمد محرابا رآه قبل العمي ، ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر حتى يجد من يخبره فإن خاف فوت الوقت صلى على حسب حاله وتجب الإعادة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يكن شيء من ذلك نظرت فإن كان ممن يعرف الدلائل فإن كان غائبا عن مكة اجتهد في طلب القبلة لأن له طريقا إلى معرفتها بالشمس والقمر والجبال والرياح ، ولهذا قال الله تعالى : وعلامات وبالنجم هم يهتدون النحل : 61 فكان له أن يجتهد كالعالم في الحادثة ، وفي فرضه قولان : قال في الأم : فرضه إصابة العين لأن من لزمه فرض القبلة لزمه إصابة العين كالمكي ، وظاهر ما نقله المزني أن الفرض هو الجهة ، لأنه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل لأن فيهم من يخرج عن العين . + الشرح : إذا لم يعرف الغائب عن أرض مكة القبلة ولم يجد محرابا ولا من يخبره على ما سبق لزمه الاجتهاد في القبلة ويستقبل ما أدى إليه اجتهاده ، قال أصحابنا : ولا يصح إلا بأدلة القبلة وهي كثيرة وفيها كتب مصنفة وأضعفها الرياح لاختلافها ، وأقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى ، بين الفرقدين والجدي وإذا اجتهد وظن القبلة في جهة بعلامة صلى إليها ، ولا يكفي الظن بلا علامة بلا خلاف ، بخلاف الأواني فإن فيها وجها ضعيفا أنه يكفي الظن فيها بغير علامة وذلك الوجه لا يجيء هنا بالاتفاق وقد سبق هناك الفرق ، ولو ترك القادر على الاجتهاد الاجتهاد وقلد مجتهدا لم تصح صلاته وإن صادف القبلة ، لأنه ترك وظيفته في الاستقبال فلم تصح صلاته ، كما لو صلى بغير تقليد ولا اجتهاد وصادف فإنه لا يصح بالاتفاق ، وسواء ضاق الوقت أم لم يضق . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه لابن سريج أنه يقلد عند ضيق الوقت وخوف الفوات وهو ضعيف . وفي فرض المجتهد ومطلوبه قولان أحدهما : جهة الكعبة بدليل صحة صلاة الصف الطويل ، ونقل القاضي أبو الطيب وغيره الإجماع على صحة صلاتهم ، وأصحهما عينها اتفق العراقيون والقفال والمتولي والبغوي على تصحيحه ، ودليلهما في الكتاب . وأجاب الأصحاب عن صلاة الصف الطويل بأن مع طول المسافة تظهر المسامتة والاستقبال كالنار على جبل ونحوها . قال البندنيجي : القول بأن فرضه الجهة نقله المزني وليس هو بمعروف للشافعي وكذا أنكره الشيخ أبو حامد وآخرون ، وسلك إمام الحرمين والغزالي طريقة أخرى شاذة ضعيفة اخترعها الإمام تركتها لشذوذها ، واحتج الأصحاب للقول بالعين بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة خرج فصلى إليها وقال : هذه القبلة رواه البخاري ومسلم ، وهو حديث أسامة بن زيد الذي ذكره المصنف في أول الباب ، واحتجوا للجهة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما بين المشرق والمغرب قبلة رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وصح ذلك عن عمر رضي الله عنه موقوفا عليه . فرع في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أن الواجب إصابة عين الكعبة ، وبه قال بعض المالكية ورواية عن أحمد . وقال أبو حنيفة : الواجب الجهة ، وحكاه الترمذي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن المبارك وسبق دليلهما . فرع : في تعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه أحدها : أنه فرض كفاية والثاني : فرض عين ، وصححه البغوي والرافعي كتعلم الوضوء وغيره من شروط الصلاة وأركانها والثالث : وهو الأصح أنه فرض كفاية إلا أن يريد سفرا فيتعين ، لعموم حاجة المسافر وكثرة الاشتباه عليه ، ولا يصح قول من أطلق أنه فرض عين إذ لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ثم السلف ألزموا آحاد الناس تعلم أدلة القبلة ، بخلاف أركان الصلاة وشروطها ، لأن الوقوف على القبلة سهل غالبا ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان في أرض مكة فإن كان بينه وبين البيت حائل أصلي كالجبل فهو كالغائب عن مكة ، وإن كان بينهما حائل طارىء وهو البناء ففيه وجهان أحدهما : لا يجتهد لأنه في أي موضع كان فرضه الرجوع إلى العين فلا يتغير ( فرضه ) بالحائل الطارىء والثاني : ( إنه ) يجتهد وهو ظاهر المذهب ، لأن بينه وبين البيت حائلا يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل . + الشرح : قال أصحابنا : إذا صلى بمكة خارج المسجد ، فإن عاين الكعبة كمن يصلي على أبي قبيس أو سطح دار ونحوه صلى إليها ، وإذا بنى محرابه على العيان صلى إليه أبدا ، ولا يحتاج في كل صلاة إلى المعاينة . قال أصحابنا : وفي معنى العيان من نشأ بمكة وتيقن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها في حال الصلاة ، فهذا فرضه إصابة العين قطعا ولا اجتهاد في حقه . فأما من لا يعاين الكعبة ولا يتقين الإصابة فإن كان بينه وبينها حائل أصلي كالجبل فله الاجتهاد بلا خلاف ، قال أصحابنا : ولا يلزمه صعود الجبل لتحصيل المشاهدة ، لأن عليه في ذلك مشقة ، وإن كان الحائل طارئا فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما : عند المصنف والبندنيجي وابن الصباغ و الشاشي والرافعي أنه يجوز الاجتهاد والثاني : لا يجوز ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي والجرجاني . قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن اجتهد رجلان فاختلفا في جهة القبلة لم يقلد أحدهما صاحبه ، ولا يصلي أحدهما خلف الآخر لأن كل واحد منهما يعتقد بطلان اجتهاد صاحبه ( وبطلان صلاته ) . + الشرح : هذا الذي قاله متفق عليه عندنا ، وحكى أصحابنا عن أبي ثور أنه قال : تصح صلاة أحدهما خلف الآخر ، ويستقبل كل واحد ما ظهر له بالاجتهاد فلو تعاكس ظنهما صار وجهه إلى وجهه كما يجوز أن يصلوا حول الكعبة ، وكل واحد يعتقد صحة صلاة إمامه . قال إمام الحرمين : فلو كان اختلافهما في تيامن قريب وتياسر ، فإن قلنا : يجب على المجتهد مراعاة ذلك لم يصح الاقتداء وإلا فيصح . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم حضرت صلاة أخرى ففيه وجهان أحدهما : ( أنه ) يصلي بالاجتهاد الأول لأنه قد عرف بالاجتهاد الأول . والثاني : يلزمه أن يعيد الاجتهاد ، وهو المنصوص في الأم كما تقول في الحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدثت تلك الحادثة مرة أخرى . + الشرح : الوجهان مشهوران ، أصحهما باتفاق الأصحاب ، وجوب إعادة الاجتهاد ، وبه قطع كثيرون ، وهو المنصوص في الأم قد سبق مثلهما في المتيمم إذا طلب الماء فلم يجده وصلى وبقي في موضعه حتى حضرت صلاة أخرى ، قال الرافعي : قيل الوجهان فيما إذا لم يفارق موضعه فإن فارقه وجب الاجتهاد وجها واحدا كالتيمم قال : ولكن الفرق ظاهر ، ولا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للنافلة بلا خلاف .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن اجتهد للصلاة الثانية فأداه الاجتهاد إلى جهة أخرى صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى كالحاكم إذا حكم باجتهاد ثم تغير اجتهاده لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول ، وإن تغير اجتهاده وهو في الصلاة ففيه وجهان أحدهما يستأنف الصلاة لأنه لا يجوز أن يصلي صلاة باجتهادين كما لا يحكم الحاكم في قضية باجتهادين . والثاني : يجوز لأنا لو ألزمناه أن يستأنف ( الصلاة ) نقضنا ما أداه من الصلاة بالاجتهاد باجتهاد بعده وذلك لا يجوز ، وإن دخل في الصلاة بالاجتهاد ثم شك في اجتهاده أتم صلاته لأن الاجتهاد ظاهر ، والظاهر لا يزال بالشك . + الشرح : في الفصل ثلاث مسائل : إحداها : لو صلى بالاجتهاد ثم حضرت صلاة أخرى فاجتهد لها سواء أوجبنا الاجتهاد ثانيا أم لا ، فتغير اجتهاده يجب أن يصلي الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية بلا خلاف ، ولا يلزم إعادة شيء من الصلاتين حتى لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة في شيء منهن ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى الخراسانيون وجها أنه يجب إعادتهن ، قال القاضي حسين : هو قول الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني ، وحكوا وجها ثالثا أنه تجب إعادة غير الأخيرة والصواب الأول . الثانية : لو تغير اجتهاده في أثناء الصلاة ففيه وجهان مشهوران ، وقيل : قولان ذكر المصنف دليلهما ، أحدهما : يجب استئناف الصلاة إلى الجهة الثانية ، وأصحهما عند الأصحاب : لا يستأنف بل ينحرف إلى الجهة الثانية ويبني ، قال أصحابنا : وعلى هذا الثاني لو صلى أربع ركعات من صلاة واحدة إلى أربع جهات باجتهادات صحت صلاته ولا إعادة كالصلوات وخص صاحب التهذيب الوجهين بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول قال : فإن استويا تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة ، والمشهور إطلاق الوجهين . الثالثة : إذا دخل في الصلاة باجتهاد ثم شك فيه ولم يترجح له شيء من الجهات أتم صلاته إلى جهته ولا إعادة ، نص عليه في الأم ، واتفقوا عليه .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن صلى ثم تيقن الخطأ ففيه قولان ، قال في الأم : يلزمه أن يعيد لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء ، فلم يعتد بما مضى ، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه ، وقال في القديم و ( في باب ) الصيام من الجديد : لا يلزمه لأنه جهة تجوز الصلاة إليها بالاجتهاد ، فأشبه إذا لم يتيقن الخطأ . وإن صلى إلى جهة ثم رأى القبلة في يمينها أو شمالها لم يعد لأن الخطأ في اليمين والشمال لا يعلم قطعا فلا ينتقض به الاجتهاد . + الشرح : قوله : تعين احتراز مما إذا صلى صلاتين باجتهادين إلى جهتين فإنه تيقن الخطأ في إحداهما فلا إعادة عليه لأنه لم تتعين التي أخطأ فيها ، وقوله يقين الخطأ احتراز مما إذا صلى إلى جهة ثم ظهر بالاجتهاد أن القبلة غيرها فقد تعين الخطأ بالظن لا باليقين ، وقوله : فيما يؤمن مثله في القضاء احتراز ممن أكل في الصوم ناسيا أو وفق للحج في اليوم العاشر غالطا . أما حكم الفصل : فقال أصحابنا رحمهم الله إذا صلى بالاجتهاد ثم ظهر له الخطأ في الاجتهاد فله أحوال : أحدها : أن يظهر الخطأ قبل الشروع في الصلاة فإن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عنه واعتمد الجهة التي يعلمها أو يظنها الآن ، وإن لم يتيقن ، بل ظن أن الصواب جهة أخرى فإن كان دليل الثاني عنده أوضح من الأول اعتمد الثاني وإن كان الأول أوضح اعتمده ، وإن تساويا فوجهان أصحهما : يتخير فيهما ، والثاني : يصلي إلى الجهتين مرتين . الحال الثاني : أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقنه فهي مسألة الكتاب ففيها القولان المذكوران في الكتاب بدليلهما ، أصحهما عند الأصحاب تجب الإعادة ، والقولان جاريان سواء تيقن مع الخطأ جهة الصواب أم لا ، وقيل : القولان إذا تيقن الخطأ ولم يتيقن الصواب فأما إذا تيقنهما فتلزمه الإعادة قولا واحدا ، وقيل القولان إذا تيقن الخطأ وتيقن الصواب ، أما إذا لم يتيقن الصواب فلا إعادة قولا واحدا والمذهب الأول ، ولو تيقن خطأ الذي قلده الأعمى فهو كما لو تيقن المجتهد خطأ نفسه ، أما إذا لم يتيقن الخطأ ولكن ظنه فلا إعادة حتى لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فلا إعادة على المذهب كما سبق . الحال الثالث : أن يظهر الخطأ في أثنائها ، وهو ضربان أحدهما : يظهر الخطأ ويظهر الصواب مقترنا به ، فإن كان الخطأ متيقنا بنيناه على تيقن الخطأ بعد الفراغ ، فإن قلنا بوجوب الإعادة بطلت صلاته وإلا فوجهان ، وقيل : قولان أصحهما : ينحرف إلى جهة الصواب ويبنى والثاني : تبطل صلاته وإن لم يكن الخطأ متيقنا بل مظنونا ، ففيه هذان الوجهان أو القولان كما سبق ، وفيه كلام صاحب التهذيب السابق في الفرق بين رجحان الدليل الثاني وعمده الضرب الثاني : : أن لا يظهر الصواب مع الخطأ ، فإن عجز عن الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته ، وإن قدر عليه على القرب فهل ينحرف ويبني أم يستأنف فيه القولان أحدهما : أنه على الخلاف في الضرب الأول ، والثاني وهو المذهب : القطع بوجوب الاستئناف لأنه مضى جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة ، مثال ظهور الخطأ دون الصواب : أن يعرف أن قبلته عن يسار المشرق وكان هناك غيم فذهب وظهر كوكب قريب من الأفق وهو مستقبله فعلم الخطأ يقينا ، ولم يعلم الصواب ، إذ يحتمل كون الكوكب في المشرق ويحتمل المغرب لكن قد يعرف الصواب على قرب بأن يرتفع فيعلم أنه مشرق ، أو ينحط فيعلم أنه مغرب ، وتعرف به القبلة ، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم عقب ظهور الكوكب والله أعلم .
هذا كله إذا ظهر الخطأ في الجهة ، أما إذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر فإن كان ظهوره بالاجتهاد وظهر بعد الفراغ من الصلاة لم يؤثر قطعا والصلاة ماضية على الصحة وإن كان في أثنائها انحرف وأتمها بلا خلاف ، وإن كان ظهوره يقينا وقلنا : الفرض جهة الكعبة فالحكم كذلك ، وإن قلنا عينها ففي وجوب الإعادة بعد الفراغ ، ووجوب الاستئناف في الأثناء القولان قال صاحب التهذيب وغيره : ولا يتيقن الخطأ في الانحراف مع البعد من مكة وإنما يظن ومع القرب يمكن اليقين والظن . قال الرافعي : هذا كالتوسط بين خلاف أطلقه أصحابنا العراقيون أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة من غير فرق بين القرب من مكة والبعد ، فقالوا : قال الشافعي رحمه الله : لا يتصور إلا بالمعاينة وقال بعض الأصحاب يتصور . فرع : لو اجتهد جماعة في القبلة واتفق اجتهادهم فأمهم أحدهم ، ثم تغير اجتهاد مأموم لزمه المفارقة وينحرف إلى الجهة الثانية ، وهل له البناء أم عليه الاستئناف فيه الخلاف السابق في تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة وهل هو مفارق بعذر أم بغير عذر لتركه كمال البحث فيه وجهان أصحهما : يعذر ، ولو تغير اجتهاد الإمام انحرف إلى الجهة الثانية بانيا أو مستأنفا على الخلاف ويفارقه المأموم وهي مفارقة بعذر بلا خلاف ، ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك وجعلناه مؤثرا في بطلان الصلاة فهو كالاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر . وإلا فلا بأس ويجوز الاقتداء . ولو شرع المقلد في الصلاة بالتقليد فقال له عدل : أخطأ بك فلان فله حالان أحدهما : أن يكون قوله عن اجتهاد ، فإن كان قول الأول أرجح عنده لزيادة عدالته أو معرفته أو كان مثله أو شك ، لم يجب العمل بقول الثاني ، وفي جوازه خلاف مبني على أن المقلد إذا اختلف عليه اجتهاد اثنين هل يجب الأخذ بأعلمهما أم يتخير إن قلنا بالأول لم يجز وإلا فوجهان الأصح : لا يجوز أيضا ، وإن كان الثاني أرجح فهو كتغير اجتهاد البصير فينحرف . وهل يبني ، أم يستأنف فيه الخلاف . ولو قال له المجتهد الثاني بعد فراغه من الصلاة ، لم تجب الإعادة بلا خلاف وإن كان الثاني أرجح ، كما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ . الحال الثاني : أن يخبر عن علم ومشاهدة فيجب الرجوع إلى قوله ، وإن كان قول الأول أرجح عنده ، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى : أنت مستقبل الشمس ، والأعمى يعلم أن قبلته إلى غير الشمس فيلزم الاستئناف على أصح القولين ، ولو قال الثاني : أنت على الخطأ قطعا وجب قبوله بلا خلاف لأن تقليد الأول بطل بقطع هذا والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان ممن لا يعرف الدلائل نظرت فإن كان ممن إذا عرف يعرف ، والوقت واسع ، لزمه أن يتعرف بالدلائل ويجتهد في طلبها ، لأنه يمكنه أداء الفرض بالاجتهاد فلا يؤديه بالتقليد وإن كان ممن إذا عرف لا يعرف فهو كالأعمى لا فرق بين أن لا يعرف لعدم البصر وبين أن لا يعرف لعدم البصيرة ، وفرضهما التقليد لأنه لا يمكنهما الاجتهاد ، فكان فرضهما التقليد كالعامي في أحكام الشريعة . وإن صلى من غير تقليد وأصاب لم تصح صلاته ، لأنه صلى وهو شاك في صلاته فإن اختلف عليه اجتهاد رجلين قلد أوثقهما وأبصرهما فإن قلد الآخر جاز ، وإن عرف الأعمى القبلة باللمس صلى وأجزأه لأن ذلك بمنزلة التقليد ، وإن قلد غيره ودخل في الصلاة ثم أبصر فإن كان هناك ما يعرف به القبلة من محراب ( في ) مسجد أو نجم يعرف به أتم صلاته ، وإن لم يكن شيء من ذلك بطلت صلاته لأنه صار من أهل الاجتهاد فلا يجوز أن يصلي بالتقليد ، وإن لم يجد من فرضه التقليد من يقلده صلى على حسب حاله حتى لا يخلو الوقت من الصلاة ، فإذا وجد من يقلده أعاد . + الشرح : فيه مسائل : إحداها : قد سبق بيان الخلاف في أن تعلم أدلة القبلة فرض عين أم كفاية ، فإذا لم يعرف القبلة ولا دلائلها فإن كان يمكنه التعلم والوقت واسع فإن قلنا : التعلم فرض عين لزمه التعلم ، فإن ترك التعلم وقلد لم تصح صلاته ، لأنه ترك وظيفته في الاستقبال ، فعلى هذا إن ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير وسنذكره في الفصل الذي يليه إن شاء الله تعالى . وإن قلنا التعلم ليس بفرض عين صلى بالتقليد ولا يعيد كالأعمى . وقد جزم المصنف بالأول . الثانية : إذا لم يعرف القبلة وكان ممن لا يأتي منه التعلم لعدم أهليته أو لم يجد من لم يتعلم منه وضاق الوقت أو كان أعمى ففرضهم التقليد ، وهو قول الغير المستند إلى الاجتهاد ، فلو قال بصير : رأيت القطب ، أو رأيت الخلق العظيم من المصلين يصلون إلى هنا ، كان الأخذ به قبول خبر لا تقليدا ، قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : وشرط الذي يقلده أن يكون بالغا عاقلا مسلما ثقة عارفا بالأدلة ، سواء فيه اجتهاد الرجل والمرأة والعبد ، وفي وجه شاذ له تقليد صبي مميز حكاه الرافعي ، فإن اختلف عليه اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما على الصحيح المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور والأولى تقليد الأوثق والأعلم ، وهو مراد المصنف بقوله : ( أبصرهما ) وفيه وجه أنه يجب ذلك . وقيل يصلي إلى الجهتين مرتين حكاه . الثالثة : إذا عرف الأعمى القبلة باللمس بأن لمس المحراب في الموضع الذي يجوز اعتماده المحراب على ما سبق صلى إليه ولا إعادة وقد سبق بيان هذا وما يتعلق به . الرابعة : إذا دخل الأعمى والجاهل الذي هو كالأعمى في الصلاة بالتقليد ثم أبصر الأعمى أو عرف الجاهل الأدلة فإن كان هناك ما يعتمده من محراب أو نجم أو خبر ثقة أو غيرها استمر في صلاته ولا إعادة ، وإن لم يكن شيء من ذلك واحتاج إلى الاجتهاد بطلت صلاته . الخامسة : إذا لم يجد من فرضه التقليد من يقلده وجب عليه أن يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله وتلزمه الإعادة لأنه عذر نادر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان ممن يعرف الدلائل ولكن خفيت عليه لظلمة أو غيم فقد قال الشافعي رحمه الله : ومن خفيت عليه الدلائل فهو كالأعمى ، وقال في موضع آخر ولا يسع بصيرا أن يقلد ( غيره ) فقال أبو إسحاق : لا يقلد لأنه يمكنه الاجتهاد وقوله كالأعمى أراد به كالأعمى في أنه يصلي ويعيد لا أنه يقلد . وقال أبو العباس : إن ضاق الوقت قلد ، وإن اتسع لم يقلد وعليه يؤول قول الشافعي ، وقال المزني وغيره : المسألة على قولين ، وهو الأصح أحدهما : يقلد وهو اختيار المزني لأنه خفيت عليه الدلائل فهو كالأعمى والثاني : لا يقلد لأنه يمكنه التوصل بالاجتهاد . + الشرح : إذا خفيت الأدلة على المجتهد لغيم أو ظلمة أو تعارض الأدلة أو غيرها ففيه أربع طرق أصحها : فيه قولان أصحهما : لا يقلد ، والثاني : يقلد . والطريق الثاني : يقلد قطعا والثالث : لا يقلد قطعا والرابع : إن ضاق الوقت قلد وإلا فلا ، وذكر المصنف دليل الجميع ، فإن قلنا : لا يقلد صلى على حسب حاله ووجبت الإعادة لأنه عذر نادر ، وإن قلنا : يقلد فقلد وصلى فلا إعادة عليه على الصحيح وبه قطع الجمهور . وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط وغيرهما : فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى بالتيمم لعذر نادر غير دائم ، هل يلزمه القضاء وهذا شاذ ضعيف . وأعلم أن الطرق جارية سواء ضاق الوقت أم لا ، هكذا صرح به المصنف والجمهور ، وقال إمام الحرمين : هذه الطرق إذا ضاق الوقت ، ولا يجوز التقليد قبل ضيقه قطعا لعدم الحاجة قال : وفيه احتمال من التيمم أول الوقت ، والمذهب ما حكيناه عن الجمهور . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما في شدة الخوف والتحام القتال فيجوز أن يترك القبلة إذا اضطر إلى تركها ، ويصلي حيث أمكنه لقوله تعالى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا البقرة : 2 قال ابن عمر رضي الله عنهما : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ولأنه فرض اضطر إلى تركه فصلى مع تركه كالمريض إذا عجز عن القيام . + الشرح : هذا الذي نقله عن ابن عمر رواه البخاري في صحيحه ، لكن سياقه مخالف لهذا ، فرواه عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال : يتقدم الإمام وطائفة من الناس فذكر صفتها قال : فإن كان حوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لفظ البخاري ذكره في كتاب التفسير من صحيحه . قال أبو الحسن الواحدي رحمه الله في تفسير الآية : فإن خفتم أي عدوا قال : والرجال جمع راجل كصحاب وصحاب ، وهو الكائن على رجله ماشيا كان أو واقفا ، قال : وجمعه رجل ورجالة ورجاله ورجال ورجال ، والركبان جمع راكب كفارس وفرسان ، قال : ومعنى الآية فإن لم يمكنكم أن تصلوا قائمين موفين للصلاة حقوقها فصلوا مشاة وركبانا ، فإن ذلك يجزيكم ، قال المفسرون : هذا في حالة المسايفة والمطاردة . قال ابن عمر في تفسير هذه الآية : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها هذا آخر كلام الواحدي ، فصرح بأن كلام ابن عمر تفسير للآية وهو ظاهر عبارة المصنف ، والصواب أن هذا ليس تفسيرا للآية ، بل هو بيان حكم من أحكام صلاة الخوف وهو ظاهر ما نقلناه من رواية البخاري . أما حكم المسألة : فيجوز في حال شدة الخوف الصلاة إلى أي جهة أمكنه ، ويجوز ذلك في الفرض والنفل ، وسيأتي مبسوطا في باب صلاة الخوف إن شاء الله تعالى . وقول المصنف : ولأنه فرض اضطر إلى تركه أراد بقوله : فرض أنه شرط فإن استقبال القبلة شرط . وليس مراده أنه يجب عليه الاستقبال ، فإنا لو حملناه على هذا لم تدخل فيه صلاة النافلة فإنه يستبيحها في شدة الخوف إلى غير القبلة كالفريضة ، صرح به صاحب التهذيب وغيره . قال صاحب الحاوي : ولو أمكنه أن يصلي في شدة الخوف قائما إلى غير القبلة أو راكبا إلى القبلة صلى راكبا إلى القبلة ولم يجز أن يصلي إلى غير القبلة قائما لأن استقبال القبلة آكد من القيام ، ولهذا سقط القيام في النفل مع القدرة بلا عذر ، ولم يسقط الاستقبال بلا عذر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما النافلة فينظر فيها فإن كان في السفر وهو على دابته نظرت فإن كان يمكنه أن يدور على ظهرها كالعمارية والمحمل الواسع لزمه أن يتوجه إلى القبلة لأنها كالسفينة ، وإن لم يمكنه ذلك جاز أن يترك القبلة ويصلي عليها حيث توجه لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به ويجوز ذلك في السفر الطويل والقصير لأنه أجيز حتى لا ينقطع عن السير وهذا موجود في القصير والطويل . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ، وفي الصحيحين أيضا عن جماعات من الصحابة مثله ونحوه ، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية ، وقيل : بكسر الأولى وفتح الثانية لغتان ، وقد أوضحته في التهذيب ، والعمارية ضبطها جماعة من الفقهاء الذين تكلموا في ألفاظ المهذب بتشديد الميم والياء ، وضبطها غيرهم بتخفيف الميم وهو الأجود ، وقد أوضحتها في التهذيب وهو مركب صغير على هيئة مهد الصبي أو قريب من صورته . أما حكم المسألة : فإذا أراد الراكب في السفر نافلة نظر إن أمكنه أن يدور على ظهر الدابة ويستقبل القبلة ، فإن كان في محمل أو عمارية أو هودج ونحوهما ففيه طريقان ( المذهب ) أنه يلزمه استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود ، ولا يجزيه الإيماء لأنه متمكن منها ، فأشبه راكب السفينة ، وبهذا الطريق قطع المصنف والجمهور والثاني : على وجهين أحداهما هذا ، والثاني : يجوز له ترك القبلة والإيماء بالأركان كالراكب على سرج لأن عليه مشقة في ذلك بخلاف السفينة . وممن ذكر هذين الوجهين صاحب الحاوي والدارمي ، ونقل الرافعي الجواز عن نص الشافعي وهو غريب ، والصحيح الأول . قال القاضي أبو الطيب : سواء كانت الدابة مقطورة أو مفردة يلزمه الاستقبال أما الراكب في سفينة فيلزمه الاستقبال وإتمام الأركان سواء كانت واقفة أو سائرة لأنه لا مشقة فيه ، وهذا متفق عليه . هذا في حق ركابها الأجانب أما ملاحها الذي يسيرها فقال صاحب الحاوي وأبو المكارم : يجوز له ترك القبلة في نوافله في حال تسييره . قال صاحب الحاوي : لأنه إذا جاز للماشي ترك القبلة لئلا ينقطع عن سيره ، فلأن يجوز للملاح الذي ينقطع هو وغيره أولى ، وأما راكب الدابة من بعير وفرس وحمار وغيرها إذا لم يمكنه أن يدور على ظهرها بأن ركب على سرج وقتب ونحوهما فله أن يتنفل إلى أي جهة توجه لما سبق من الأدلة ، وهذا مجمع عليه ، ولأنه لو لم يجز التنفل في السفر إلى غير القبلة لا نقطع بعض الناس عن أسفارهم لرغبتهم في المحافظة على العبادة ، وانقطع بعضهم عن التنفل لرغبتهم في السفر وحكى القاضي حسين عن القفال أنه سأل الشيخ أبا زيد فعلل بالعلة الأولى ، وسأل الشيخ أبا عبد الله الخضري فعلل بالثانية ، والتعليل الذي ذكرته أحسن . وهذا معنى قول الغزالي في البسيط : لكيلا ينقطع المتعبد عن السفر والمسافر عن التنفل ، وهذا التنفل على الراحلة من غير استقبال جائز في السفر الطويل والقصير وهذا هو المشهور من نص الشافعي ، نص عليه في الأم والمختصر . وقال في البويطي : وقد قيل لا يتنفل أحد على ظهر دابته إلا في سفر تقصر فيه الصلاة فجعل الخراسانيون ذلك قولا آخر للشافعي ، فجعلوا في المسألة قولين : أحدهما : يختص بالسفر الطويل وهو مذهب مالك ، وأصحهما لا يختص وقطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين بأنه يجوز في القصير .
قالوا وقوله في البويطي حكاية لمذهب مالك لا قول له ، وعبارته ظاهرة في الحكاية ، فحصل في المسألة طريقان ، المذهب أنه يجوز في القصير لإطلاق الأحاديث ، وفرقوا بينه وبين القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا بأن تلك الرخص تتعلق بالفرض فاحتطنا له باشتراط طويل السفر ، والتنفل مبني على التخفيف ، ولهذا جاز قاعدا في الحضر مع القدرة على القيام ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم ينظر فإن كان واقفا نظرت فإن كان في قطار لا يمكنه أن يدير الدابة إلى القبلة صلى حيث توجه ، وإن كان منفردا لزمه أن يدير رأسه إلى القبلة لأنه لا مشقة عليه في ذلك وإن كان سائرا فإن كان في قطار أو منفردا والدابة حرون يصعب عليه إدارتها صلى حيث توجه ، وإن كان سهلا ففيه وجهان . أحدهما : يلزمه أن يدير رأسها إلى القبلة في حال الإحرام لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه ( والمذهب ) أنه لا يلزمه لأنه يشق إدارة البهيمة في حال السير . + الشرح : حديث أنس رواه أبو داود بهذا اللفظ بإسناد حسن ، وحاصل ما ذكره الأصحاب أن المتنفل الراكب في السفر إذا لم يمكنه الركوع والسجود والاستقبال في جميع صلاته بأن كان على سرج وقتب ونحوهما ففي وجوب استقباله القبلة عند الإحرام أربعة أوجه ، أصحها إن سهل وجب وإلا فلا ، فالسهل أن تكون الدابة واقفة وأمكن انحرافه عليها أو تحريفها ، أو كانت سائرة وبيده زمامها فهي سهلة . وغير السهلة أن تكون مقطرة أو صعبة ، والثاني : لا يجب الاستقبال مطلقا ، وصححه المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب . والثالث : يجب مطلقا ، فإن تعذر لم تصح صلاته ، الرابع : إن كانت الدابة عند الإحرام متوجهة إلى القبلة أو طريقه أحرم كما هو ، وإن كانت إلى غيرهما لم يصح الإحرام إلا إلى القبلة . قال القاضي حسين : نص الشافعي رحمه الله في موضع على وجوب الاستقبال وفي موضع أنه لا يجب ، فقيل قولان ، وقيل حالان ، ويفرق بين السهل وغيره ، والاعتبار في الاستقبال بالراكب دون الدابة ، فلو استقبل هو عند الاحرام والدابة منحرفة أو مستديرة أجزأه بلا خلاف وعكسه لا يصح إذا شرطنا الاستقبال ، وإذا لم نشرط الاستقبال عند الإحرام فعند السلام أولى ، وإن شرطناه عند الإحرام ففي اشتراطه عند السلام وجهان مشهوران ، أصحهما لا يشترط ، ولا يشترط في غير الإحرام والسلام بالاتفاق ، لكن يشترط لزوم جهة المقصد في جميعها ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى قريبا وأما ما وقع في التنبيه وتعليق القاضي أبي الطيب من اشتراط الاستقبال عند الركوع والسجود فباطل لا يعرف ولا أصل له والله أعلم . قال أصحابنا : وليس عليه وضع الجبهة في ركوعه وسجوده على السرج والاكاف ولا عرف الدابة ولا المتاع الذي بين يديه ، ولو فعل جاز ، وإنما عليه في الركوع والسجود أن ينحني إلى جهة مقصده ، ويكون السجود أخفض من الركوع . قال إمام الحرمين : والفصل بينهما عند التمكن محتوم ، والظاهر أنه لا يجب مع ذلك أن يبلغ غاية وسعه في الانحناء ، وأما باقي الأركان فكيفيتها ظاهرة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن صلى على الراحلة متوجها إلى مقصده فعدلت إلى جهة نظرت فإن كانت جهة القبلة جاز ، لأن الأصل في فرضه جهة القبلة ، فإذا عدلت إليه فقد أتى بالأصل ، وإن لم تكن جهة القبلة فإن كان ذلك باختياره مع العلم بطلت صلاته لأنه ترك القبلة لغير عذر ، وإن نسى أنه في الصلاة أو ظن أن ذلك طريق بلده أو غلبته الدابة لم تبطل صلاته ، فإذا علم رجع إلى جهة المقصد ، قال الشافعي رحمه الله ويسجد للسهو . + الشرح : ينبغي للمتنفل ماشيا أو راكبا أن يلزم جهة مقصده ، ولا يشترط سلوك نفس الطريق ، بل الشرط جهة المقصد ، فلو انحرف المتنفل ماشيا أو حرف الراكب دابته أو انحرفت نظرت فإن كان الانحراف والتحريف في طريق مقصده وجهاته ومعاطفه لم يؤثر ذلك في صحة صلاته بلا خلاف وإن طال ، لأن ذلك كله من جملة مقصده وموصل إليه ولا بد له منه ، وسواء طال هذا التحريف وكثر أم لا لما ذكرناه . وإن كان التحريف والانحراف إلى جهة القبلة لم يؤثر أيضا بلا خلاف لأنها الأصل ، وإن كان إلى غير جهة المقصد وهو عامد مختار عالم بطلت صلاته بلا خلاف ، وإن كان ناسيا أو جاهلا ظن أنها جهة مقصده ، فإن عاد على قرب لم تبطل صلاته ، وإن طال ففي بطلانها وجهان ، الأصح تبطل ككلام الناسي لا تبطل بقليله وتبطل بكثيره على الأصح ، وبهذا قطع الصيدلاني والبغوي وغيرهما . والثاني : لا تبطل ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون . وإن غلبته الدابة فانحرف بجماحها وطال الزمان ففي بطلان صلاته وجهان . والصحيح : تبطل كما لو كان يصلي على الأرض فأماله إنسان قهرا لأنه نادر والثاني : لا تبطل . وبه قطع الشيخ أبو حامد ، وإن قصر الزمان فطريقان أحدهما : أنه كالطويل ، حكاه الغزالي في الوجيز وأشار إليه في الوسيط قال الرافعي وغيره : لم نر هذا الخلاف لغيره والثاني : وهو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور : لا تبطل قطعا لعموم الحاجة ، ثم إذا لم تبطل في صورة النسيان فإن طال الزمان سجد للسهو . وإن قصر فوجهان الصحيح المنصوص لا يسجد وفي صورة الجماح أوجه أصحها يسجد والثاني : لا . والثالث : إن طال سجد ، وإلا فلا . وهذا كله تفريع على المذهب الصحيح أن النفل يدخله سجود السهو . وفيه قول غريب سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى أنه لا يدخله . فرع : إذا انحرف المصلي على الأرض فرضا أو نفلا عن القبلة نظر إن استدبرها أو تحول إلى جهة أخرى عمدا بطلت صلاته ، وإن فعله ناسيا وعاد إلى الاستقبال على قرب لم تبطل ، وإن عاد بعد طول الفصل بطلت على أصح الوجهين وهما كالوجهين في كلام الناسي إذا كثر ، ولو أماله غيره عن القبلة قهرا فعاد إلى الاستقبال بعد طول الفصل بطلت بلا خلاف ، وإن عاد على قرب فوجهان ، أصحهما تبطل أيضا ، لأنه نادر ، كما لو أكره على الكلام فإنها تبطل على الصحيح من الوجهين ، لأنه نادر .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان المسافر ماشيا جاز أن يصلي النافلة حيث توجه ( كالراكب ) لأن الراكب أجيز له ترك القبلة حتى لا يقطع الصلاة في السفر ، وهذا المعنى موجود في الماشي غير أنه يلزم الماشي أن يحرم ويركع ويسجد على الأرض مستقبل القبلة ، لأنه يمكنه أن يأتي بذلك من غير أن ينقطع عن السير . + الشرح : يجوز للماشي في السفر التنفل بلا خلاف لما ذكره المصنف ، وفي لبثه في الأركان ثلاثة أقوال حكاها الخراسانيون أصحها وبه قطع المصنف وسائر العراقيين : يشترط أن يركع ويسجد على الأرض ، وله التشهد ماشيا ، كما أن له القيام ماشيا . والثاني : يشترط التشهد أيضا قاعدا ولا يمشي إلا في حالة القيام . والثالث : لا يشترط اللبث في الأرض في شيء من صلاته ويومىء بالركوع والسجود وهو ذاهب في جهة مقصده كالراكب . وأما استقباله فإن قلنا بالقول الثاني وجب عند الإحرام وفي جميع الصلاة غير القيام . وإن قلنا بالأول استقبل في الإحرام والركوع والسجود ولا يجب عند السلام على أصح الوجهين وإن قلنا بالثالث : لم يشترط الاستقبال في غير حالتي الإحرام والسلام وحكمه فيهما حكم راكب بيده زمام دابته ، وحينئذ يكون الأصح وجوبه عند الاحرام دون السلام ، وحيث لم نوجب استقبال القبلة يشترط ملازمة جهة المقصد كما سبق في الراكب والله أعلم . فرع : مذهبنا جواز صلاة المسافر النافلة ماشيا . وبه قال أحمد وداود ، ومنعها أبو حنيفة ومالك . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن دخل الراكب أو الماشي إلى البلد الذي يقصده وهو في الصلاة أتم صلاته إلى القبلة ، وإن دخل بلدا في طريقه جاز أن يصلي حيث توجه ما لم يقطع السير ، لأنه باق على السير . + الشرح : قال أصحابنا رحمهم الله : يشترط لجواز التنفل راكبا وماشيا دوام السفر والسير ، فلو بلغ المنزل في خلال صلاته اشترط إتمامها إلى القبلة متمكنا وينزل وإن كان راكبا ، ويتم الأركان ، ولو دخل وطنه ومحل إقامته أو دخل البلد الذي يقصده في خلالها اشترط النزول ، وإتمام الصلاة بأركانها مستقبلا بأول دخوله البنيان إلا إذا جوزنا للمقيم التنفل على الراحلة . ولو نوى الإقامة بقرية في أثناء طريقه صارته كمقصده ووطنه ولو مر بقرية مجتازا فله إتمام الصلاة راكبا أو ماشيا حيث توجه في مقصده فإن كان له بها أهل وليست وطنه فهل يصير مقيما بدخولها فيه قولان يجريان في التنفل والقصر والفطر وسائر الرخص ، أصحهما : لا يصير ، فيكون كما لو لم يكن له بها أهل ، والثاني : يصير فيشترط النزول وإتمامها مستقبلا ، وحيث أمرناه بالنزول فذلك عند تعذر الدابة على البناء مستقبلا فلو أمكن الاستقبال وإتمام الأركان عليه وهي واقفة جاز ، وإذا نزل وبنى ثم أراد الركوب والسفر فليتمها ويسلم منها ، ثم يركب فإذا ركب في أثنائها بطلت صلاته ، قال القاضي أبو الطيب : وعند المزني لا تبطل كما لا تبطل بالنزول ، قال : وهذا خطأ . قال صاحب الحاوي : المصلي سائرا إلى غير القبلة يلزمه العدول إلى القبلة في أربعة مواضع : أحدها : إذا دخل بلدته أو مقصده فيلزمه استقبال فيما بقي من صلاته فإن لم يفعل بطلت . والثاني : إذا نوى الإقامة فيلزمه الاستقبال فيما بقي فإن لم يفعله بطلت . الثالث : أن يصل المنزل لأنه وإن كان باقيا على حكم السفر فقد انقطع سيره فيلزمه الاستقبال فإن تركه بطلت صلاته . الرابع : أن يقف عن السير بغير نزول لاستراحة أو انتظار رفيق ونحو ذلك فيلزمه الاستقبال فيما بقي ، فإن تركه بطلت صلاته ، فإن سار بعد أن توجه إلى القبلة وقبل إتمام صلاته فإن كان ذلك لسير القافلة جاز أن يتمها إلى جهة سيره ، لأن عليه ضررا في تأخره عن القافلة ، وإن كان هو المريد لإحداث السير اشترط أن يتمها قبل ركوبه لأنه بالوقوف لزمه التوجه في هذه الصلاة ، فلم يجز تركه كالنازل إذا ابتدأ الصلاة إلى القبلة ثم ركب سائرا لم يجز أن يتم هذه الصلاة إلى غير القبلة ، واتفق الأصحاب على أنه إذا ابتدأ النافلة على الأرض لم يجز أن يتمها على الدابة لغير القبلة ونقله الشيخ أبو حامد وغيره عن نص الشافعي رحمه الله . فرع : لو دخل بلدا في أثناء طريقه ، ولم ينو الإقامة لكن وقف على راحلته لانتظار شغل ونحوه وهو في النافلة فله إتمامها بالإيماء ، ولكن يشترط استقبال القبلة في جميعها ما دام واقفا ، صرح به الصيدلاني و إمام الحرمين والغزالي وآخرون .
قال المصنف رحمه الله تعالى : و ( أما ) إذا كانت النافلة في الحضر لم يجز أن يصليها إلى غير القبلة ، وقال أبو سعيد الاصطخري : يجوز لأنه إنما رخص في السفر حتى لا ينقطع عن التطوع وهذا موجود في الحضر ، والمذهب الأول ، لأن الغالب من حال الحضر اللبث والمقام فلا مشقة عليه ( في استقبال القبلة ) . + الشرح : في تنفل الحاضر أربعة أوجه الصحيح : المنصوص الذي قاله جمهور أصحابنا المتقدمين : لا يجوز للماشي ولا للراكب ، بل لنافلته حكم الفريضة في كل شيء غير القيام ، فإنه يجوز التنفل قاعدا والثاني : قاله أبو سعيد الاصطخري : يجوز لهما ، قال القاضي حسين وغيره : وكان أبو سعيد الاصطخري محتسب بغداد ويطوف في السكك وهو يصلي على دابته والثالث : يجوز للراكب دون الماشي حكاه القاضي حسين ، لأن الماشي يمكنه أن يدخل مسجدا بخلاف الراكب والرابع : يجوز بشرط استقبال القبلة في كل الصلاة ، قال الرافعي : هذا اختيار القفال . فرع : في مسائل تتعلق بالباب . أحداها : شرط جواز التنفل في السفر ماشيا وراكبا أن لا يكون سفر معصية ، وكذا جميع رخص السفر شرطها أن لا يكون سفر معصية ، وقد سبق بيانه في باب مسح الخف وسنبسطه إن شاء الله تعالى في باب صلاة المسافر . الثانية : يشترط أن يكون ما يلاقي بدن المصلي على الراحلة وثيابه من السرج والمتاع واللجام وغيرها طاهرا ، ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة أو كان على السرج نجاسة فسترها وصلى عليه لم يضر ، ولو أوطأها الراكب نجاسة لم يضر أيضا على الصحيح من الوجهين ، لأنه لم يباشر النجاسة ولا حمل ما يلاقيها ، وبهذا الوجه قطع إمام الحرمين والغزالي و المتولي وآخرون . قال القاضي حسين والمتولي : ولو دمي فم الدابة وفي يده لجامها فهو كما لو صلى وفي يده حبل طاهر طرفه على نجاسة ، وقد سبق بيانه ، ولو وطىء المتنفل ماشيا على نجاسة عمدا بطلت صلاته . قال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما : ولا يكلف أن يتحفظ ويتصون ويحتاط في المشي لأن الطريق يغلب فيها النجاسة ، والتصون منها عسر فمراعاته تقطع المسافر عن أغراضه ، وقال إمام الحرمين : ولو انتهى إلى نجاسة يابسة لا يجد عنها معدلا فهذا فيه احتمال ، قال : ولا شك لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته ، وإن لم يتعمد لأنه يصير حامل نجاسة . الثالثة : يشترط ترك الأفعال التي لا يحتاج إليها فإن ركض الدابة للحاجة فلا بأس ، وكذا لو ضربها أو حرك رجله لتسير فلا بأس إن كان لحاجة ، قال المتولي : فإن فعله لغير حاجة لم تبطل صلاته إن كان قليلا ، فإن كثر بطلت ، ولو أجراها لغير عذر أو كان ماشيا فعدا بلا عذر ، قال البغوي : بطلت صلاته على أصح الوجهين . الرابعة : إذا كان المسافر راكب تعاسيف وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر تارة ، وليس له مقصد معلوم فليس له التنفل على الراحلة ولا ماشيا كما ليس له القصر ولا الترخص بشيء من رخص السفر ، فلو كان له مقصد معلوم لكن لم يسر إليه في طريق معين فهل له التنفل مستقبلا جهة مقصده فيه قولان حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون أصحهما : جوازه لأن له طريقا معلوما والثاني : لا ، لأنه لم يسلك طريقا مضبوطا فقد لا يؤدي سيره إلى مقصده . الخامسة : قال صاحب التتمة : إذا كان متوجها إلى مقصد معلوم فتغيرت نيته وهو في الصلاة فنوى السفر إلى غيره أو الرجوع إلى وطنه فليصرف وجه دابته إلى تلك الجهة في الحال ، ويستمر على صلاته وتصير الجهة الثانية قبلته بمجرد النية .
السادسة : لو كان ظهره في طريق مقصده إلى القبلة فركب الدابة مقلوبا وجعل وجهه إلى القبلة فوجهان حكاهما صاحب التتمة أحدهما : لا تصح لأن قبلته طريقه وأصحهما : تصح لأنها إذا صحت لغير القبلة فلها أولى . السابعة : حيث جازت النافلة على الراحلة وماشيا فجميع النوافل سواء في الجواز ، وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يجوز العيد والكسوف والاستسقاء لشبهها بالفرائض في الجماعة ، وبهذا الوجه قطع الدارمي ، والصحيح الأول وهو المنصوص وبه قطع الأكثرون ، ولو سجد لشكر أو تلاوة خارج الصلاة بالإيماء على الراحلة ففي صحته الخلاف في صلاة الكسوف لأنه نادر ، والصحيح الجواز فأما ركعتا الطواف فإن قلنا : هما سنة جازت على الراحلة ، وإن قلنا : واجبة فلا ، ولا تصح المنذورة ولا الجنازة ماشيا ولا على الراحلة على المذهب فيهما . وفيهما خلاف سبق في باب التيمم . الثامنة : شرط الفريضة المكتوبة أن يكون مصليا مستقبل القبلة مستقرا في جميعها فلا تصح إلى غير القبلة في غير شدة الخوف ولا تصح من الماشي المستقبل ولا من الراكب المخل بقيام أو استقبال بلا خلاف ، فلو استقبل القبلة وأتم الأركان في هودج أو سرير أو نحوهما على ظهر دابة واقفة ففي صحة فريضته وجهان أصحهما : تصح ، وبه قطع الأكثرون منهم القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وأصحاب التتمة والتهذيب والمعتمد والبحر وآخرون ، ونقله القاضي عن الأصحاب لأنه كالسفينة والثاني : لا يصح وبه قطع البندنيجي وإمام الحرمين والغزالي ، فإن كانت الدابة سائرة والصورة كما ذكرنا فوجهان ، حكاهما القاضي حسين والبغوي والشيخ إبراهيم المروزي وغيرهم الصحيح : المنصوص : لا تصح لأنها لا تعد قرارا والثاني : تصح كالسفينة ، وتصح الفريضة في السفينة الوافقة والجارية والزورق المشدود بطرف الساحل بلا خلاف إذا استقبل القبلة وأتم الأركان ، فإن صلى كذلك في سرير يحمله رجال أو أرجوحة مشدودة بالجبال أو الزورق الجاري في حق المقيم ببغداد ونحوه ففي صحة فريضته وجهان ، الأصح : الصحة كالسفينة ، وبه قطع القاضي أبو الطيب فقال في باب موقف الإمام والمأموم ، قال أصحابنا : لو كان يصلي على سرير فحمله رجال وساروا به صحت صلاته . فرع : قال أصحابنا : إذا صلى الفريضة في السفينة لم يجز له ترك القيام مع القدرة ، كما لو كان في البر ، وبه قالمالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يجوز إذا كانت سائرة ، قال أصحابنا : فإن كان له عذر من دوران الرأس ونحوه جازت الفريضة قاعدا لأنه عاجز ، فإن هبت الريح وحولت السفينة فتحول وجهه عن القبلة وجب رده إلى القبلة ، ويبني على صلاته بخلاف ما لو كان في البر ، وحول إنسان وجهه عن القبلة قهرا فإنه تبطل صلاته كما سبق بيانه قريبا ، قال القاضي حسين : والفرق أن هذا في البر نادر ، وفي البحر غالب وربما تحولت في ساعة واحدة مرارا . فرع : قال أصحابنا : ولو حضرت الصلاة المكتوبة وهم سائرون ، وخاف لو نزل ليصليها على الأرض إلى القبلة انقطاعا عن رفقته أو خاف على نفسه أو ماله لم يجز ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها ، بل يصليها على الدابة لحرمة الوقت ، وتجب الإعادة لأنه عذر نادر ، هكذا ذكر المسألة جماعة منهم صاحب التهذيب والرافعي ، وقال القاضي حسين : يصلي على الدابة كما ذكرنا قال ووجوب الإعادة يحتمل وجهين . أحدهما : لا تجب كشدة الخوف . والثاني : تجب لأن هذا نادر ومما يستدل للمسألة حديث يعلى بن مرة ( رض ) الذي ذكرناه في باب الأذان في مسألة القيام في الأذان .
فرع : المريض الذي يعجز عن استقبال القبلة ولا يجد من يحوله إلى القبلة لا متبرعا ولا بأجرة مثله وهو واجدها يجب عليه أن يصلي على حسب حاله وتجب الإعادة لأنه عذر نادر والمربوط على خشبة والغريق ونحوهما تلزمهما الصلاة بالإيماء حيث أمكنهم ، وتجب الإعادة لندوره ، وفيهم خلاف سبق في باب التيمم والصحيح وجوب الإعادة . التاسعة : إذا تيقن الخطأ في القبلة لزمه الإعادة في أصح القولين كما سبق واختار المزني أن لا إعادة ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود ، واحتجوا بأشياء كثيرة منها : أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس بعد نسخه ووجوب استقبال الكعبة ، ثم علموا في أثناء الصلاة النسخ فاستداروا في صلاتهم ، وأتموا إلى الكعبة ، وكانت الركعة الأولى إلى غير الكعبة بعد وجوب استقبال الكعبة ولم يؤمروا بالإعادة . قال الشيخ أبو حامد في جوابه : اختلف أصحابنا في النسخ إذا ورد إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يثبت في حق الأمة قبل بلوغه إليهم أم لا يكون نسخا في حقهم حتى يبلغهم وفيه وجهان ، فإن قلنا : لا يثبت في حقهم حتى يبلغهم فأهل قباء لم تصر الكعبة قبلتهم إلا حين بلغتهم فلا إعادة على أهل قباء قولا واحدا ، وإن كان في المخطىء قولان ، قال : والفرق أن أهل قباء استقبلوا بيت المقدس بالنص ، فلا يجوز لهم الاجتهاد في خلافه ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد الذي أخطأ . واحتجوا أيضا بحديث عامر بن ربيعة قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل : فأينما تولوا فثم وجه الله ) وبحديث جابر قال : كنا في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا في القبلة فصلى كل رجل على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا لغير القبلة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجيزت صلاتكم والجواب أن الحديثين ضعيفان ، ضعف الأول الترمذي والبيهقي وآخرون ، وضعف الثاني الدارقطني والبيهقي وآخرون . قال البيهقي : لا نعلم له إسنادا صحيحا ولو صحا لأمكن حملهما على صلاة النفل والله أعلم . العاشرة : قال الشافعي في الأم : لو اجتهد فدخل في الصلاة فعمي فيها أتمها ولا إعادة ، لأن اجتهاده الأول أولى من اجتهاد غيره قال : فإن دار عن تلك الجهة أو أداره غيره خرج من الصلاة واستأنفها باجتهاد غيره .
قال المصنف رحمه الله تعالى : المستحب لمن يصلي إلى سترة أن يدنو منها لما روي عن سهل بن أبي خثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته والمستحب أن يكون بينه وبينها قدر ثلاثة أذرع لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وبينه وبين القبلة قدر ممر العنز وممر العنز قدر ثلاثة أذرع فإن كان يصلي في موضع ليس بين يديه بناء فالمستحب أن ينصب بين يديه عصا لما روى أبو جحيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : خرج في حلة حمراء فركز عنزة فجعل يصلي إليها بالبطحاء يمرون الناس من ورائها الكلب والحمار والمرأة والمستحب أن يكون ما يستره قدر مؤخرة الرحل لما روى طلحة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من ( مر ) وراء ذلك قال عطاء : مؤخرة الرحل ذراع ، فإن لم يجد عصا فليخط بين يديه خطأ إلى القبلة لما روي أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا فإن لم يجد عصا فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه ويكره أن يصلي وبين يديه رجل يستقبله بوجهه . لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي ورجل جالس مستقبله فضربهما بالدرة فإن صلى ومر بين يديه مار دفعه ولم تبطل صلاته بذلك . لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقطع صلاة المرء شيء وادرأوا ما استطعتم . + الشرح : حديث سهل بن أبي خثمة صحيح رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ورواه الحاكم في المستدرك ، قال : حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وحديث سهل بن سعد رواه البخاري ومسلم ولفظهما : كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة وحديث أبي جحيفة رواه البخاري ومسلم أيضا . وحديث طلحة رواه مسلم لكن وقع في المهذب : ولا يبالي من وراء ذلك والذي في صحيح مسلم وغيره من مر وراء ذلك بزيادة لفظه ( مر ) وفي رواية الترمذي من مر من وراء ذلك وحديث أبي هريرة في الخط رواه أبو داود وابن ماجه . قال البغوي وغيره : هو حديث ضعيف ، وروى أبو داود في سننه عن سفيان بن عيينة تضعيفه ، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما . قال البيهقي : هذا الحديث أخذ به الشافعي في القديم وسنن حرملة في البويطي : ولا يخط بين يديه خطا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فينبع . قال البيهقي : وإنما توقف الشافعي في الحديث لاختلاف الرواة على إسماعيل ابن أمية أحد رواته . وقال غير البيهقي : هو ضعيف لاضطرابه . وأما حديث لا يقطع الصلاة شيء وأدرأوا ما استطعتم فإنما هو شيطان فرواه أبو داود بإسناد ضعيف من رواية أبي سعيد الخدري وأما قوله قال عطاء مؤخرة الرحل ذراع فرواه عنه أبو داود في سننه بإسناد صحيح ، وهو عطاء بن أبي رباح . وأما ألفاظ الفصل ففيه سهل بن أبي خثمة بفتح الحاء المهملة وإسكان المثلثة ، واسم أبي خثمة عبد الله ، وقيل عامر بن ساعدة الأنصاري المدني ، كنية سهل أبو يحيى ، وقيل أبو محمد ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني سنين ، وحفظ جملة أحاديث وأما سهل بن سعد فهو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي المدني ، منسوب إلى ساعدة أحد أجداده ، توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين وهو ابن مائة سنة .