Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال محمد بن سعد : هو آخر من مات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ليس بيننا في ذلك اختلاف وأما أبو جحيفة فسبق بيانه في باب الأذان ، وطلحة سبق في أول كتاب الصلاة وعمر في نية الوضوء وأبو هريرة في المياه وعطاء في الحيض . وفي الذراع لغتان التذكير والتأنيث وهو الأفصح الأكثر . قوله : وممر العنز قدر ثلاثة أذرع هو من كلام المصنف لا من الحديث ، وقوله : فركز عنزة هو بفتح النون ، وهي عصا نحو نصف رمح في أسفلها زج كزج الرمح في أسفله ، والحلة ثوبان : إزار ورداء ، قال أهل اللغة : لا تكون إلا ثوبين ، ومؤخرة الرحل سبق بيانها في الباب ، والبطحاء بالمد هي بطحاء مكة ويقال فيها الأبطح ، وهو موضع معروف على باب مكة ، وادرأوا ما استطعتم ، أي ادفعوا ، وقوله : يمرون الناس من ورائها كذا وقع في المهذب ، والذي في الأحاديث الصحيحة يمر الناس ، وهذا هو المشهور في اللغة ، وإن كان الذي في المهذب لغة قليلة ضعيفة ، وهي أكلوني البراغيث . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : إحداها : السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما ويدنو منها ، ونقل الشيخ أبو حامد الإجماع فيه ، والسنة أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع ، فإن لم يكن حائط ونحوه غرز عصا ونحوها أو جمع متاعه أو رحله ويكون ارتفاع العصا ونحوها ثلثي ذراع فصاعدا ، وهو قدر مؤخرة الرحل على المشهور ، وقيل ذراع كما حكاه عن عطاء وكذا قاله الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب ، فإن لم يجد شيئا شاخصا فهل يستحب أن يخط بين يديه نص الشافعي في القديم وسنن حرملة أنه يستحب ، وفي البويطي لا يستحب . وللأصحاب طرق أحدها : وبه قطع المصنف والشيخ أبو حامد والأكثرون يستحب قولا واحدا ونقل في البيان اتفاق الأصحاب عليه ، ونقله الرافعي عن الجمهور والطريق الثاني : لا يستحب ، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي وغيرهما والثالث : فيه قولان ، فإن قلنا بالخط ففي كيفيته اختلاف ، قال أحمد بن حنبل والحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي : ( يجعله مثل الهلال ) وقال أبو داود في سننه : سمعت مسددا يقول : قال ابن داود الخط بالطول وقال المصنف : يخط بين يديه خطا إلى القبلة ، وقال غيره : يخطه يمينا وشمالا كالجنازة ، والمختار استحباب الخط لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي ، وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام ، وهذا من نحو فضائل الأعمال ، والمختار في كيفيته ما ذكر المصنف . وممن جزم باستحباب الخط القاضي أبو حامد المروزي والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي ، وأشار إليه البيهقي وغيره . قال الغزالي و البغوي وغيرهما : وإذا لم يجد شاخصا بسط مصلاه . فرع : قال الشافعي رحمه الله في البويطي : ولا يستتر بامرأة ولا دابة ، فأما قوله في المرأة فظاهر لأنها ربما شغلت ذهنه . وأما الدابة ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يعرض راحلته فيصلي إليها زاد البخاري في روايته : وكان ابن عمر يفعله ولعل الشافعي رحمه الله لم يبلغه هذا الحديث ، وهو حديث صحيح لا معارض له ، فيتعين العمل به لا سيما وقد أوصانا الشافعي رحمه الله بأنه إذا صح الحديث فهو مذهبه . فرع : المعتبر في السترة أن يكون طولها كمؤخرة الرحل وأما عرضها فلا ضابط فيه ، بل يكفي الغليظ والدقيق عندنا .
وقال مالك أقله كغلظ الرمح تمسكا بحديث العنزة ، ودليلنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يجزىء من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة . وعن سبرة بن معبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : استتروا في صلاتكم ولو بسهم رواه الحاكم في المستدرك وقال حديثان صحيحان ، الأولى على شرط البخاري ومسلم ، والثاني على شرط مسلم . فرع : قال البغوي وغيره : يستحب أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن أو الأيسر لما روى المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له رواه أبو داود ولم يضعفه ، لكن في إسناده الوليد بن كامل وضعفه جماعة . قال البيهقي ( تفرد به الوليد ) وقد قال البخاري : ( عنده عجائب ) . المسألة الثانية : إذا صلى إلى سترة حرم على غيره المرور بينه وبين السترة ، ولا يحرم وراء السترة . وقال الغزالي : يكره ولا يحرم والصحيح بل الصواب أنه حرام ، وبه قطع البغوي والمحققون ، واحتجوا بحديث أبي الجهيم الأنصاري الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية رويناها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله ، فإنما هو شيطان رواه البخاري ومسلم ، قال أصحابنا ويستحب للمصلي دفع من أراد المرور لحديث أبي سعيد المذكور وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين رواه مسلم . ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله ، فإن مات منه فلا ضمان فيه كالصائل . قال الرافعي : وكذا ليس لأحد أن يمر بينه وبين الخط على الصحيح من الوجهين وبه قطع الجمهور كالعصا . أما إذا لم يكن بين يديه سترة أو كانت وتباعد عنها فوجهان ، أحدهما : له الدفع لتقصير المار ، وأصحهما ليس له الدفع لتقصيره بترك السترة ولمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره ولا يحرم في هذه الحالة المرور بين يديه ، ولكن يكره . فرع : إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويقف فيها لتقصير أهل الصف الثاني بتركها . فرع : قال إمام الحرمين : النهي عن المرور ، والأمر بالدفع إنما هو إذا وجد المار سبيلا سواه ، فإن لم يجد وازدحم الناس فلا نهي عن المرور ولا يشرع الدفع وتابع الغزالي إمام الحرمين على هذا . قال الرافعي : وهو مشكل ، ففي صحيح البخاري خلافه ، وأكثر كتب الأصحاب ساكتة عن التقييد بما إذا وجد سواه سبيلا .
قلت : الحديث الذي في صحيح البخاري عن أبي صالح السمان قال : رأيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأول فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان رواه البخاري ومسلم . المسألة الثالثة : إذا صلى إلى سترة فمر بينه وبينها رجل أو امرأة أو صبي أو كافر أو كلب أسود أو حمار أو غيرها من الدواب لا تبطل صلاته عندنا قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : وبه قال عامة أهل العلم إلا الحسن البصري فإنه قال : تبطل بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود وقال أحمد و إسحاق : تبطل بمرور الكلب الأسود فقط واحتج للحسن ولهما في الكلب بحديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قال : قلت : يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر قال : يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني فقال : الكلب الأسود شيطان رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب رواه مسلم ، وعن ابن عباس رفعه يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن عكرمة عن ابن عباس قال : أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة ، ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر رواه أبو داود وضعفه وجعله منكرا ، وروى أبو داود أحاديث كثيرة من هذا النوع ضعيفة ، واحتج لأصحابنا والجمهور بحديث مسروق قال : ذكروا عند عائشة رضي الله عنها ما يقطع الصلاة فذكروا الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : شبهتمونا بالحمر والكلاب ، لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقبلت راكبا على حمار أتان ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس يمينا إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد رواه البخاري ومسلم . وعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمار لنا وكلبة تعبثان بين يديه ، فما بالي ذلك رواه أبو داود بإسناد حسن . قال أبو داود : ( وإذا اختلف الخبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى ما عمل به أصحابه وعن ابن عباس قال : كنت رديف الفضل على أتان فجئنا والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى فنزلنا عنها فوصلنا الصف فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
وأما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فمن وجهين ، أصحهما وأحسنهما ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها لا أنها تفسد الصلاة . قال البيهقي رحمه الله : ويدل على صحة هذا التأويل أن ابن عباس أحد رواة قطع الصلاة بذلك . ثم روى عن ابن عباس أنه حمله على الكراهة ، فهذا الجواب هو الذي نعتمده ، وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول ، إذ لا دليل عليه ، ولا يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع وهي في آخر الأمر أن يكون ناسخا ، إذ يمكن كون أحاديث القطع بعده . وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون ناسخا ، مع أنه لو احتمل النسخ لكان الجمع بين الأحاديث مقدما عليه ، إذ ليس فيه رد شيء منها ، وهذه أيضا قاعدة معروفة ، والله أعلم . المسألة الرابعة : يكره أن يصلي وبين يديه رجل أو امرأة يستقبله ويراه ، وقد كرهه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، ولأنه يشغل القلب غالبا ، فكره كما كره النظر إلى ما يلهيه ، كثوب له أعلام ، ورفع البصر إلى السماء وغير ذلك مما ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة وقال البخاري في صحيحه : كره عثمان رضي الله عنه أن يستقبل الرجل وهو يصلي ، قال البخاري وإنما هذا إذا اشتغل به ، فأما إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت : ( ما باليت أن الرجل لا يقطع صلاة الرجل ) ثم احتج البخاري بحديث عائشة المذكور في المسألة الثالثة ، وليس في حديث عائشة ما يخالف ما ذكرناه أولا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي وهي مستقبلته ، بل كانت مضطجعة ، واضطجاعها في ظلام الليل ، فوجودها كعدمه ، إذ لا ينظر إليها ولا يستقبلها . فرع : لا تكره الصلاة إلى النائم وتكره إلى المتحدثين الذين يشتغل بهم فأما عدم الكراهة في النائم فلحديث عائشة السابق ، وأما الكراهة في المتحدث فلشغل القلب ولما ذكرناه في المسألة الرابعة ، وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث فرواه أبو داود ولكنه ضعيف باتفاق الحفاظ ، وممن ضعفه أبو داود ، وفي إسناده رجل مجهول لم يسم ، قال الخطابي : هذا الحديث لا يصح ، وقد ثبت حديث عائشة قال : فأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي وأحمد لأن كلامهم يشغل المصلي عن صلاته . فرع : إذا صلى الرجل وبجنبه امرأة لم تبطل صلاته ولا صلاتها سواء كان إماما أو مأموما هذا مذهبنا وبه قال مالك والأكثرون ، وقال أبو حنيفة : إن لم تكن المرأة في صلاة أو كانت في صلاة غير مشاركة له في صلاته صحت صلاته وصلاتها ، فإن كانت في صلاة يشاركها فيها ولا تكون مشاركة له عند أبي حنيفة إلا إذا نوى الإمام إمامة النساء فإذا شاركته فإن وقفت بجنب رجل بطلت صلاة من إلى جنبيها ، ولا تبطل صلاتها ولا صلاة من يلي الذي يليها ، لأن بينه وبينها حاجزا ، وإن كانت في صف بين يديه بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها ، ولم تبطل صلاة من يحاذي محاذيها لأن دونه حاجزا . فإن صف نساء خلف الإمام وخلفهن صف رجال بطلت صلاة الصف الذي يليهن ، قال : وكان القياس أن لا تبطل صلاة من وراء هذا الصف من الصفوف بسبب الحاجز ، ولكن نقول : تبطل صفوف الرجال وراءه ، ولو كانت مائة صف استحسانا ، فإن وقفت بجنب الإمام بطلت صلاة الإمام ، لأنها إلى جنبه ومذهبه أنها إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين أيضا ، وتبطل ( صلاتها ) أيضا لأنها من جملة المأمومين .
وهذا المذهب ضعيف الحجة ظاهر التحكم والتمسك بتفصيل لا أصل له ، وعمدتنا أن الأصل أن الصلاة صحيحة حتى يرد دليل صحيح شرعي في البطلان ، وليس لهم ذلك ، وينضم إلى هذا حديث عائشة رضي الله عنها المذكور في المسألة الثالثة . فإن قالوا : نحن نقول به لأنها لم تكن مصلية قال أصحابنا نقول : إذا لم تبطل وهي في غيرة عبادة ، ففي العبادة أولى وقاس أصحابنا على وقوفها في صلاة الجنازة فإنها لا تبطل عندهم ، والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والمنة ، وبه التوفيق والهداية والعصمة . & باب صفة الصلاة &
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أراد أن يصلي في جماعة لم يقم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة لأنه ليس بوقت للدخول في الصلاة والدليل عليه ما روى أبو أمامة : أن بلالا أخذ من الإقامة فلما قال : قد قامت الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة مثل ما يقوله ، فإذا فرغ المؤذن قام . + الشرح : حديث أبي أمامة رواه أبو داود بإسناد ضعيف جدا ، وقد سبق بيانه في أواخر باب الأذان حيث ذكره المصنف هناك ، وقول المصنف ( إذا أراد أن يصلي جماعة ) احتراز من المنفرد فإنه يقوم أولا ، ثم يقيم قائما ، وقوله : ( لأنه ليس بوقت للدخول ) يعني أنه لا يشرع الدخول فيها قبل الفراغ من الإقامة لا أنه لا يصح الدخول ، فإنها يصح الدخول فيها في أثناء الإقامة وقبلها ، وقوله : ( والدليل عليه ) يعني الدليل على أنه ليس بوقت للدخول ، لأن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تابعه في جميع ألفاظ الإقامة ولا يتابعه إلا قبل الدخول . أما حكم المسألة : فمذهبنا أنه يستحب للإمام والمأموم أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، فإذا فرغ قاما ( قياما ) متصلا بفراغه ، قال القاضي أبو الطيب : وبهذا قال مالك وأبو يوسف وأهل الحجاز وأحمد وإسحاق ، وقال أبو حنيفة والثوري : إذا قال المؤذن : حي على الصلاة نهض الإمام والمأمومون . فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر وكبروا وعن محمد بن الحسن روايتان كالمذهبين ، وقال ابن المنذر ، كان أنس بن مالك إذا قيل : قد قامت الصلاة وثب ، وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم بن عبد الله و أبو قلابة وعراك بن مالك والزهري وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدوه من الإقامة ، وبه قال عطاء وهو مذهب أحمد وإسحاق إذا كان الإمام في المسجد . وكان مالك لا يؤقت فيه شيئا ، هذا ما نقله ابن المنذر ووافقنا جمهور العلماء من السلف والخلف على أنه لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة نقله عنهم القاضي عياض . واحتج لأبي حنيفة بما روى أن بلالا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ( لا تسبقني بآمين ) رواه أبو داود وعن الحجاج بن فروخ عن العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان بلال إذا قال : قد قامت الصلاة نهض النبي صلى الله عليه وسلم فكبر رواه البيهقي ، قالوا : ولأنه إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ولم يكبر الإمام يكون كاذبا ، واحتج أصحابنا المحدثون منهم البيهقي والبغوي وغيرهما بحديث أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني رواه البخاري ومسلم . واحتج الجمهور بحديث أبي أمامة المذكور في الكتاب لكنه ضعيف ، قالوا : ولأنه دعاء إلى الصلاة فلم يشرع الدخول في الصلاة إلا بعد فراغه كالأذان . والجواب عن حديث بلال من وجهين أحسنهما وهو جواب البيهقي والمحققين أنه ضعيف روي مرسلا ، وفي رواية مسندا فإسناده ضعيف ليس بشيء وإنما رواه الثقات مرسلا ، ورواه الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال : قال بلال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبقني بآمين قال البيهقي : فيرجع الحديث إلى أن بلالا كأنه كان يؤمن قبل تأمين النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تسبقني بآمين .
والجواب الثاني جواب الأصحاب أنه طلب ذلك حين عرض له حاجة خارج المسجد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم التمهل ليدرك تأمينه ، الدليل على هذا أن بين قوله : قد قامت الصلاة وبين آخر الإقامة زمنا يسيرا جدا يمكنه إتمام الإقامة وإدراك أولها بل ما قبلها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ دعاء الافتتاح بعد تكبيره ثم يتعوذ ثم يشرع في الفاتحة ، فيتعين ما قلناه وأما حديث ابن أبي أوفى فضعيف . قال البيهقي : لا يرويه إلا حجاج ابن فروخ ، وكان يحيى بن معين يضعفه قلت : اتفقوا على جرح الحجاج هذا ، فقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين : ليس هو بشيء وقال أبو حاتم . هو شيخ مجهول ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال الدارقطني : متروك ، وهذه أوضح العبارات عندهم ، وفي الحديث ضعفه من جهة أخرى وهي أن العوام ابن حوشب لم يدرك ابن أبي أوفى كذا قاله أحمد بن حنبل وغيره ولم يسمع أحدا من الصحابة وإنما روايته عن التابعين . وأما قولهم : أنه يكون كاذبا فجوابه أن معناه قد قرب الدخول في الصلاة فهكذا قاله أهل العربية والفقهاء والمحدثون ، وهو مجاز مستعمل حسن كقول الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن أي قاربنه ، وفي الحديث : من وقف بعرفة فقد تم حجه أي قارب التمام ، قال أصحابنا : ولأن ما ألزمونا به يلزمهم على مقتضاه تقديم الإحرام على قوله : قد قامت الصلاة والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب للمأموم والإمام أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذن من الإقامة هكذا أطلقه المصنف والجمهور ، وقال صاحب الحاوي في آخر باب الأذان : ينبغي لمن كان شيخا بطيء النهضة أن يقوم عند قوله : قد قامت الصلاة ولسريع النهضة أن يقوم بعد الفراغ ليستووا قياما في وقت واحد . فرع : لو دخل المسجد وأراد الشروع في تحية المسجد أو غيرها ، فشرع المؤذن في الإقامة قبل إحرامه فليستمر قائما ولا يشرع في التحية للحديث الصحيح : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة لا المكتوبة ولا يجلس للحديث الصحيح في النهي عن الجلوس قبل التحية ، وإذا استمر قائما لا يكون قد قام للصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة ، لأن هذا لم يبتد القيام لها ، صرح بهذه المسألة البغوي وغيره وهي ظاهرة ، وفي كتاب الزيادات لأبي عاصم أنه يجلس ، وهذا غلط نبهت عليه لئلا يغتر به . فرع : إذا أقيمت الصلاة وليس الإمام مع القوم بل يخرج إليهم فقد نقل الشيخ أبو حامد عن مذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنهم يقومون عقب فراغ المؤذن من الإقامة ، وهذا مشكل ، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني وفي رواية لمسلم حتى تروني قد خرجت فإن قيل : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم مقامه قلنا : معناه أنهم كانوا يقومون إذا رأوه قد خرج قبل وصوله مقامه يدل عليه حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت ولا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه . فإن قيل : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أقام في مصلاه وذكر الحديث قلنا : هذا محمول على أنه كان في بعض الأوقات ، وكان الغالب ما في حديث جابر بن سمرة أو أنه أراد بقوله ( قبل أن يخرج إلينا ) أي قبل أن يصلنا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والقيام فرض في الصلاة المفروضة لما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب وأما في النافلة فليس بفرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يتنفل على الراحلة وهو قاعد ولأن النوافل تكثر ، فلو وجب فيها القيام شق وانقطعت النوافل . + الشرح : حديث عمران رضي الله عنه رواه البخاري بلفظه وحصين صحابي على المشهور ، وقيل : لم يسلم ، كنية عمران أبو نجيد بضم النون أسلم عام خيبر وهو خزاعي نزل البصرة وولي قضاءها ، ثم استقال فأقيل ، وتوفي بها سنة اثنتين وخمسين ، وأما حديث تنفل النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة فثابت رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر وجابر وأنس وعامر بن ربيعة رضي الله عنهم . أما حكم المسألة : فالقيام في الفرائض فرض بالإجماع لا تصح الصلاة من القادر عليه إلا به حتى قال أصحابنا : لو قال مسلم : أنا استحل القعود في الفريضة بلا عذر أو قال : القيام في الفريضة ليس بفرض كفر إلا أن يكون قريب عهد بإسلام . فرع : في مسائل تتعلق بالقيام إحداها : قال أصحابنا : يشترط في القيام الانتصاب ، وهل يشترط الاستقلال بحيث لا يستند فيه أوجه أصحها ، وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح والبغوي وآخرون وصححه القاضي أبو الطيب في تعليقه والرافعي لا يشترط ، فلو استند إلى جدار أو إنسان أو اعتمد على عصا بحيث لو رفع السناد لسقط صحت صلاته مع الكراهة لأنه يسمى قائما والثاني : يشترط ولا تصح مع الاستناد في حال القدرة بحال حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القطان ، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي . والثالث : يجوز الاستناد إن كان بحيث لو رفع السناد لم يسقط وإلا فلا . هذا في استناد لا يسلب اسم القيام ، فإن استند متكئا بحيث لو رفع عن الأرض قدميه لأمكنه البقاء لم تصح صلاته بلا خلاف لأنه ليس بقائم ، بل معلق نفسه بشيء فلو لم يقدر على الاستقلال فوجهان ، الصحيح : أنه يجب أن ينتصب متكئا لأنه قادر على الانتصاب ، والثاني : لا يلزمه الانتصاب ، بل له الصلاة قاعدا . أما الانتصاب المشروط فالمعتبر فيه نصب فقار الظهر ، وليس للقادر أن يقف مائلا إلى أحد جانبيه زائلا عن سنن القيام ولا أن يقف منحنيا في حد الراكعين فإن لم يبلغ انحناؤه حد الراكعين ، لكن كان إليه أقرب فوجهان أصحهما لا تصح صلاته لأنه غير منتصب ، والثاني : تصح لأنه في معناه ، ولو أطرق رأسه بغير انحناء صحت صلاته بلا خلاف ، لأنه منتصب ولو لم يقدر على النهوض إلا بمعين ، ثم إذا نهض لا يتأذى بالقيام لزمه الاستعانة إما بمتبرع وإما بأجرة المثل إن وجدها هذا كله في القادر على الانتصاب . فأما العاجز كمن تقوس ظهره لزمانة أو كبر ، وصار في حد الراكعين فيلزمه القيام فإذا أراد الركوع زاد في الانحناء إن قدر عليه هذا هو الصحيح ، وبه قطع العراقيون والمتولي والبغوي ونص عليه الشافعي ، قال الرافعي : هو المذهب ، ونقله ابن كج عن نص الشافعي .
وقال إمام الحرمين والغزالي : يلزمه أن يصلي قاعدا قالا : فإن قدر عند الركوع على الارتفاع إلى حد الراكعين لزمه ، والمذهب الأول ، لأنه قادر على القيام ، ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنع الانحناء لزمه القيام ، ويأتي بالركوع والسجود بحسب الطاقة ، فيحني صلبه قدر الإمكان ، فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه ، فإن احتاج فيه إلى شيء يعتمد عليه أو ليميل إلى جنبه لزمه ذلك فإن لم يطق الانحناء أصلا أومأ إليهما ولو أمكنه القيام والاضطجاع دون القعود ، قال البغوي : يأتي بالقعود قائما لأنه قعود وزيادة . وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان مسائل العجز عن القيام وفروعها في باب صلاة المريض حيث ذكرها المصنف رحمه الله . فرع : في مذاهب العلماء في الاعتماد على شيء في حال القيام : قد ذكرنا تفصيل مذهبنا ، قال القاضي عياض في مسائل قيام الليل في شرح مسلم : اختلف السلف في جواز التعلق بالحبال ونحوها في صلاة النفل لطولها فنهى عنه أبو بكر الصديق وحذيفة رضي الله عنهما ، ورخص فيه آخرون قال : وأما الاتكاء على العصي فجائز في النوافل باتفاقهم إلا ما حكي عن ابن سيرين من كراهته ، وقال مجاهد : ينقص من أجره بقدره ، قال : وأما في الفرائض فمنعه مالك والجمهور ، وقالوا من اعتمد على عصا أو حائط ونحوه بحيث يسقط لو زال لم تصح صلاته قال : وأجاز ذلك أبو ذر وأبو سعيد الخدري وجماعة من الصحابة والسلف . قال : وهذا إذا لم يكن ضرورة فإن كانت جاز وكان أفضل من الصلاة جالسا والله أعلم . المسألة الثانية : لو قام على إحدى رجليه صحت صلاته مع الكراهة ، فإن كان معذورا فلا كراهة ويكره أن يلصق القدمين ، بل يستحب التفريق بينهما ، ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى ويستحب أن يوجه أصابعهما إلى القبلة . فرع : في الترويح بين القدمين في القيام ، قال ابن المنذر : قال مالك وأحمد وإسحاق : لا بأس به ، قال : وبه أقول وهذا أيضا مقتضى مذهبنا . المسألة الثالثة : تطويل القيام أفضل من تطويل الركوع والسجود لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الصلاة أفضل قال : طول القنوت رواه مسلم ، والمراد من القنوت القيام ، وتطويل السجود أفضل من تطويل باقي الأركان غير القيام لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد رواه مسلم . وقال جماعة من العلماء : تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام ، حكاه الترمذي والبغوي في شرح السنة لقوله صلى الله عليه وسلم : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وقوله صلى الله عليه وسلم : عليك بكثرة السجود رواه مسلم . وقال بعض أصحابنا به ، وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ، ولم يقض فيها بشيء وقال إسحاق بن راهويه : أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل ، وأما بالليل فتطويل القيام أفضل إلا أن يكون للرجل جزء بالليل بأتي عليه فتكثير الركوع والسجود أفضل لأنه يقرأ جزأه ويربح كثرة الركوع والسجود قال الترمذي : إنما قال إسحاق هذا لأنهم وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بطول القيام ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف بالليل . دليلنا على تفضيل إطالة القيام حديث أفضل الصلاة طول القنوت ولأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : كان يطول القيام أكثر من الركوع والسجود ولأن ذكر القيام القراءة وهي أفضل من ذكر الركوع والسجود . المسألة الرابعة : والواجب من القيام قدر قراءة الفاتحة ولا يجب ما زاد ، والواجب من الركوع والسجود قدر أدنى طمأنينة ولا يجب ما زاد .
فلو زاد في القيام والركوع والسجود على ما يجزئه فهل يقع الجميع واجبا أم الواجب ما يجزئه والباقي تطوع فيه وجهان مشهوران للخراسانيين ، والأصح أن الجميع يقع واجبا وبه قطع الشيخ أبو محمد في كتابه التبصرة ، وهما مثل الوجهين في مسح كل الرأس وفي البعير المخرج في الزكاة عن خمس ، وفي البدنة المضحى بها بدلا عن شاة منذورة قال صاحب التتمة : والوجهان مبنيان على أن الوقص في الزكاة عفو أم يتعلق به الفرض وفيه قولان وتظهر فائدة الخلاف في القيام والركوع والسجود ومسح الرأس في تكثير الثواب فإن ثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع ، وفي الزكاة في الرجوع عند التعجيل وفي البدنة في الأكل منها . وقد سبق بيان هذه المسائل في مسألة مسح الرأس . الخامس : لو جلس للغزاة رقيب يرقب العدو فأدركته الصلاة ، ولو قام لرآه العدو ، أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا رآهم العدو وفسد التدبير ، فلهم الصلاة قعودا وتجب الإعادة لندوره . وقال المتولي في غير الرقيب : إن خاف لو قام أن يقصده العدو صلى قاعدا وأجزأته على الصحيح . قال : ولو صلى الكمين في وهدة قعودا ففي صحتها قولان ، قلت أصحهما وجوب الإعادة . المسألة السادسة : يجوز فعل النافلة قاعدا مع القدرة على القيام بالإجماع ، ودليله الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها مما هو مشهور في الصحيح ، لكن ثوابها يكون نصف ثواب القائم ، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى قائما فهو أفضل ، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد رواه البخاري ، والمراد بالنائم المضطجع ولو تنفل مضطجعا بالإيماء بالرأس مع قدرته على القيام والقعود فوجهان . أحدهما : لا تصح صلاته لأنه يذهب صورتها بغير عذر ، وهذا أرجحهما عند إمام الحرمين والثاني : وهو الصحيح : صحتها لحديث عمران ، ولو صلى النافلة قاعدا أو مضطجعا للعجز عن القيام والقعود فثوابه ثواب القيام بلا خلاف كما في صلاة الفرض قاعدا أو مضطجعا للعجز ، فإن ثوابها ثواب القائم بلا خلاف ، والحديث ورد فيمن يصلي النفل قاعدا أو مضطجعا مع قدرته على القيام ، يستوي فيما ذكرناه جميع النوافل المطلقة والراتبة وصلاة العيد والكسوف والاستسقاء وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يجوز العيد والكسوف والاستسقاء قاعدا مع القدرة كالفرائض ، وبه قطع ابن كج ، وهذا شاذ ضعيف . وأما الجنازة فسبق في باب التيمم بيان نصوص الشافعي وطرق الأصحاب فيها والمذهب أنها لا تصح قاعدا مع القدرة ، لأن القيام معظم أركانها . والثاني : يجوز والثالث : أن تعينت لم يجز وإلا جاز . قال الرافعي : إذا جوزنا الاضطجاع في النفل مع قدرته فهل يجزىء الاقتصار على الإيماء بالركوع والسجود أم يشترط أن يركوع ويسجد كالقاعد فيه وجهان أصحهما الثاني . قال إمام الحرمين : عندي أن من جوز الاضطجاع لا يجوز الاقتصار في الأركان الذكرية كالتشهد والتكبير وغيرهما على ذكر القلب ، وهذا الذي قاله إمام الحرمين لا بد منه فلا يجزيء ذكر القلب قطعا ، لأنه حينئذ لا يبقى للصلاة صورة أصلا ، وإنما ورد الحديث بالترخيص في القيام والقعود ، فيبقى ما عداهما على مقتضاه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم ينوي والنية فرض من فروض الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولأنها قربة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ومحل النية القلب ، فإن نوى بقلبه دون لسانه أجزأه . ومن أصحابنا من قال : ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان ، وليس بشيء لأن النية هي القصد بالقلب . + الشرح : حديث إنما الأعمال بالنيات رواه البخاري ومسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وسبق بيانه في أول نية الوضوء . وقوله : قربة محضة فلم يصح من غير نية كالصوم ، إنما قاس عليه لأنه ورد فيه نص خاص لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل وهذا القياس ينتقض بإزالة النجاسة فإنها قربة محضة ، فكان ينبغي أن يقول طريقها الأفعال كما قاله في نية الوضوء ليحترز عن إزالة النجاسة . أما حكم المسألة : فالنية فرض لا تصح الصلاة إلا بها ، ونقل ابن المنذر في كتابه الإشراف وكتاب الإجماع والشيخ أبو حامد الاسفراييني والقاضي أبو الطيب وصاحب الشامل ومحمد بن يحيى وآخرون إجماع العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بالنية . وحكى صاحب البيان رواية عن أحمد ليست بصحيحة عنه أنه ينظر أوجبها فإن نوى بقلبه ولم يتلفظ بلسانه أجزأه على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه الوجه الذي ذكره المصنف وذكره غيره . وقال صاحب الحاوي : هو قول أبي عبد الله الزبيري أنه لا يجزئه حتى يجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان ، لأن الشافعي رحمه الله قال في الحج : إذا نوى حجا أو عمرة أجزأ ، وإن لم يتلفظ وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق . قال أصحابنا : غلط هذا القائل ، وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا ، بل مراده التكبير ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد صلاته بالإجماع فيه . كذا نقل أصحابنا بالإجماع فيه . ولو نوى بقلبه صلاة الظهر وجرى على لسانه صلاة العصر انعقدت صلاة الظهر . فرع : اختلف أصحابنا في النية هل هي فرض أم شرط فقال المصنف والأكثرون : هي فرض من فروض الصلاة وركن من أركانها ، كالتكبير والقراءة والركوع وغيرها ، وقال جماعة : هي شرط كاستقبال القبلة والطهارة . وبهذا قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه وابن الصباغ واختاره الغزالي وحكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه في أول باب ما يجزىء من الصلاة ، وقال ابن القاص والقفال : استقبال القبلة ركن ، والصحيح المشهور أنه شرط لا ركن ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير لأنه أول فرض من فروض الصلاة فيجب أن تكون ( النية ) مقارنة له . + الشرح : قال الشافعي رحمه الله في المختصر ( وإذا أحرم نوى صلاته في حال التكبير لا بعده ولا قبله ) ونقل الغزالي وغيره النص بعبارة أخرى فقالوا : قال الشافعي ( ينوي مع التكبير لا قبله ولا بعده ) . قال أصحابنا : يشترط مقارنة النية مع ابتداء التكبير ، وفي كيفية المقارنة وجهان أحدهما : يجب أن يبتدىء النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان ويفرغ منها مع فراغه منه ، وأصحهما : لا يجب ، بل لا يجوز لئلا يخلو أول التكبير عن تمام النية ، فعلى هذا وجهان أحدهما : وهو قول أبي منصور بن مهران شيخ أبي بكر الأودني : يجب أن يقدم النية على أول التكبير بشيء يسير لئلا يتأخر أولها عن أول التكبير والثاني : وهو الصحيح عند الأكثرين لا يجب ذلك ، بل الاعتبار بالمقارنة وسواء قدم أم لم يقدم ويجب استصحاب النية إلى انقضاء التكبير على الصحيح ، وفيه وجه ضعيف أنه لا يجب . واختار أمام الحرمين والغزالي في البسيط وغيره أنه لا يجب التدقيق المذكور في تحقيق مقارنة النية ، وأنه تكفي المقارنة العرفية العامية بحيث يعد مستحضرا لصلاته غير غافل عنها ، اقتداء بالأولين في تسامحهم في ذلك ، وهذا الذي اختاراه هو المختار والله أعلم . قال أصحابنا : والنية هي القصد فيحضر في ذهنه ذات الصلاة وما يجب التعرض له من صفاتها ، كالظهرية والفرضية وغيرهما ، ثم يقصد هذه العلوم قصدا مقارنا لأول التكبير ، ويستصحبه حتى يفرغ التكبير ، ولا يجب استصحاب النية بعد التكبير ، ولكن يشترط أن لا يأتي بمناقض لها ، فلو نوى في أثناء صلاته الخروج بطلت صلاته . وقال أبو حنيفة وأحمد : يجوز أن تتقدم النية على التكبير بزمان يسير بحيث لا يعرض شاغل عن الصلاة ، وقال : يجب أن تتقدم النية على التكبير ويكبر عقبها بلا فصل ولا يجب في حال التكبير . وقال أبو يوسف وغيره من أصحاب أبي حنيفة : إذا خرج من منزله قاصدا صلاة الظهر مع الإمام فانتهى إليه وهو في الصلاة فدخل معه فيها ولم يحضره أنها تلك الصلاة أجزأه . فرع : قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في هذا الموضع : قال الشافعي في الكفارة : وينوي مع التكفير أو قبله . قال فمن أصحابنا من قال : يجب أن ينوي في الكفارة مع التكفير كالصلاة . قال : وقول الشافعي : أو قبله يعني أو قبيله ، ويستدعي ذكر النية حتى يكون ذاكرا لها حال التكفير . ومن أصحابنا من قال : يجوز تقديم النية قبل التكفير ، وفرق بينها وبين الصلاة بثلاثة أشياء أحدها : أن نية الصلاة آكد ، ولهذا يشترط تعينها بخلاف الكفارة والثاني : أن الكفارة والزكاة تدخلهما النيابة فتدعو الحاجة إلى تقديم نيتهما بخلاف الصلاة . الثالث : أن الزكاة والكفارة يجوز تقديمهما على وجوبهما فجاز تقديم النية بخلاف الصلاة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كانت فريضة لزمه تعيين النية فينوي الظهر أو العصر لتتميز عن غيرها وهل تلزمه نية الفرض فيه وجهان قال أبو إسحاق : يلزمه لتتميز عن ظهر الصبي ، وظهر من صلى وحده ، ثم أدرك جماعة فصلاها معهم ، وقالوا أبو علي ابن أبي هريرة يكفيه نية للظهر والعصر ، لأن الظهر والعصر لا يكونان في حق هذا إلا فرضا ولا يلزمه أن ينوي الأداء أو القضاء ، ومن أصحابنا من قال : يلزمه نية القضاء ، والأول هو المنصوص ، فإن قال فيمن صلى يوم الغيم بالاجتهاد فوافق ما بعد الوقت : أنه يجزيه ، وإن كان عنده أنه يصليها في الوقت ، وقال في الأسير : إذا اشتبهت عليه الشهود فصام يوما بالاجتهاد فوافق رمضان أو ما بعده أنه يجزيه . وإن كان عنده أنه يصوم في شهر رمضان . + الشرح : إذا أراد فريضة وجب قصد أمرين بلا خلاف أحدهما : فعل الصلاة تمتاز عن سائر الأفعال ولا يكفي إحضار نفس الصلاة بالبال غافلا عن الفعل والثاني : تعيين الصلاة المأتي بها هل هي ظهر أم عصر أو غيرهما ، فلو نوى فريضة الوقت فوجهان حكاهما الرافعي ، أحدهما يجزيه لأنها هي الظهر مثلا ، وأصحهما لا يجزيه لأن الفائتة التي يتذكرها تشاركها في كونها فريضة الوقت ، ولو نوى في غير الجمعة الجمعة بدلا عن الظهر لم تصح صلاته ، هذا هو الصواب الذي قطع به الأصحاب ، وحكى الرافعي وجها أنها تصح ويحصل له الظهر ، وهو غلط ظاهر . ولا تصح الجمعة بنية مطلق الظهر ، ولا تصح بنية الظهر المقصورة إن قلنا : إنها صلاة بحيالها ، وإن قلنا إنها ظهر مقصورة صحت . واختلفوا في اشتراط أمور أحدها : الفريضة وفيها الوجهان اللذان حكاهما المصنف ، الأصح عند الأكثرين اشتراطها ، سواء كانت قضاء أم أداء ، وممن صححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبغوي . قال الرافعي : وسواء كان الناوي بالغا أو صبيا وهذا ضعيف ، والصواب أن الصبي لا يشترط في حقه نية الفريضة وكيف ينوي الفريضة وصلاته لا تقع فرضا ، وقد صرح بهذا صاحب الشامل وغيره الثاني : الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول : لله أو فريضة الله ، ولا يشترط ذلك على أصح الوجهين ، وقد سبق بيانهما في باب نية الوضوء ، وحكى إمام الحرمين الاشتراط عن صاحب التلخيص وغيره الثالث : القضاء والأداء وفيهما أربعة أوجه ، أصحها : لا يشترطان لما ذكره المصنف . والثاني : يشترطان ، وهذا القائل يجيب عن نص الشافعي في المصلي في الغيم أو الأسير بأنهما معذوران والثالث : يشترط نية القضاء دون الأداء ، حكاه المصنف وغيره ، لأن الأداء يتميز بالوقت بخلاف القضاء ، والرابع إن كان عليه فائتة اشتراط نية الأداء وإلا فلا ، وبه قطع صاحب الحاوي أما إذا كان عليه فائتة أو فوائت فلا خلاف أنه لا يشترط أن ينوي ظهر يوم الخميس مثلا بل يكفيه نية الظهر ، والظهر الفائتة إذا اشترطنا نية القضاء . قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما : لو ظن أن وقت الصلاة قد خرج فصلاها بنية القضاء فبان أنه باق أجزأته بلا خلاف ، وقد نص الشافعي على أنه لو صلى يوم الغيم بنية الأداء وهو يظن بقاء الوقت فبان وقوع الصلاة خارج الوقت أجزأته ، واستدلوا به على أن نية القضاء ليست بشرط ، هذا كلام الأصحاب في المسألة . وقال الرافعي : الأصح أنه لا يشترط نية القضاء والأداء بل يصح الأداء بنية القضاء وعكسه هذا كلامهم . قال الرافعي : لك أن تقول : الخلاف في اشتراط نية الأداء في الأداء ونية القضاء في القضاء ظاهر .
أما الخلاف في صحة القضاء بنية الأداء وعكسه فليس بظاهر ، لأنه إن جرت هذه النية على لسانه أو في قلبه ولم يقصد حقيقة معناها فينبغي أن تصح بلا خلاف ، وإن قصد معناها فينبغي أن لا تصح بلا خلاف لتلاعبه ، هذا كلام الرافعي وهذا الالزام الذي ذكره حكمه صحيح . وقد صرح الأصحاب بأن من نوى الأداء إلى وقت القضاء عالما بالحال لم تصح صلاته بلا خلاف ، ممن نقله إمام الحرمين في مواقيت الصلاة ، ولكن ليس هو مراد الأصحاب بقولهم : القضاء بنية الأداء وعكسه بل مرادهم من نوى ذلك وهو جاهل الوقت لغيم ونحوه كما في الصورتين السابقتين عن القاضي أبي الطيب ونص الشافعي والله أعلم . الرابع : نية استقبال القبلة وعدد الركعات ليس بشرط على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يشترط وهو غلط صريح لكن لو نوى الظهر خمسا أو ثلاثا لا تنعقد صلاته لتقصيره . فرع : قال البندنيجي وصاحب الحاوي : العبادات ثلاثة اضرب أحدها : يفتقر إلى نية الفعل دون الوجوب والتعيين وهو الحج والعمرة والطهارة لأنه لو نوى نفلا في هذه المواضع وقع عن الواجب والثاني : يفتقر إلى نية الفعل والوجوب دون التعيين ، وهو الزكاة والكفارة والثالث : يفتقر إلى نية الفعل والوجوب والتعيين وهو الصلاة والصيام ، وفي نية الوجوب وجهان .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت الصلاة سنة راتبة كالوتر وسنة الفجر لم تصح حتى تعين النية لتتميز عن غيرها ، وإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الوضوء . + الشرح : قال أصحابنا : النوافل ضربان أحدهما : ما لها وقت أو سبب كسنن المكتوبات والضحى والوتر والكسوف والاستسقاء والعيد وغيرها فيشترط فيها نية فعل الصلاة والتعيين ، فينوي مثلا صلاة الاستسقاء والخسوف وعيد الفطر أو الأضحى ونحوها ، وفي الرواتب تعين بالاضافة فينوي سنة الصبح أو سنة الظهر التي قبلها أو التي بعدها أو سنة العصر . وحكى الرافعي وجها ضعيفا وهو اختيار صاحب الشامل أنه يكفي في الرواتب سوى سنة الصبح نية أصل الصلاة لتأكد سنة الصبح فالتحقت بالفرائض . وأما الوتر فينوي سنة الوتر ولا يضيفها إلى العشاء لأنها مستقلة ، فإن أوتر بأكثر من ركعة نوى بالجميع الوتر إن كان بتسليمة ، وإن كان بتسليمات نوى بكل تسليمة ركعتين من الوتر ، وقيل : ينوي بما قبل الأخيرة صلاة الليل ، وقيل : ينوي به سنة الوتر وقيل مقدمة الوتر ، وهذه الأوجه في الأفضل والأولوية دون الاشتراط والصحيح الأول . الضرب الثاني : النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة فقط ، ونقل الرافعي في اشتراط نية النفلية في الضرب الأول وجهين ، قال : ولم يذكر وجهها في الضرب الثاني ، قال : ويمكن أن يقال بجريانهما قلت : الصواب أنه لا تشترط النفلية في الأول ولا في الثانية لعدم المعنى الذي علل به الاشتراط في الفريضة وهذا هو المشهور في كتب الأصحاب والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم ثم شك هل نوى ثم ذكر أنه نوى ( فإن كان ) قبل أن يحدث شيئا من أفعال الصلاة أجزأه ، وإن ذكر ذلك بعد ما فعل شيئا من ذلك بطلت صلاته لأنه فعل فعلا وهو شاك في صلاته . + الشرح : إذا شك هل نوى أم لا أو هل أتى ببعض شروط النية أم لا وهو في الصلاة فينبغي له أن لا يفعل شيئا في حال الشك ، فإن تذكر أنه أتى بكمالها قبل أن يفعل شيئا على الشك وقصر الزمان لم تبطل صلاته بلا خلاف ، وإن طال بطلت على أصح الوجهين لانقطاع نظمها ، حكى الوجهين الخراسانيون وصاحب الحاوي . وإن تذكر بعد أن أتى مع الشك بركن فعلى كركوع أو سجود أو اعتدال بطلت صلاته بلا خلاف لما ذكره المصنف ، وإن أتى بركن قولي كالقراءة والتشهد بطلت أيضا على أصح الوجهين وهو المنصوص في الأم ، وبه قطع العراقيون كالفعلي . والثاني : لا تبطل ، وبه قطع الغزالي لأن تكريره لا يخل بصورة الصلاة ، قال صاحب الحاوي : لو شك هل نوى ظهرا أو عصرا لم يجزئه عن واحدة منهما ، فإن تيقنها فعلى هذا التفصيل ، قال الغزالي في البسيط : إذا فعل ركنا في حال الشك أطلق الأصحاب بطلان صلاته ، وهذا ظاهر إن فعله مع عمله بحكم المسألة ، فإن كان جاهلا فاطلاقهم البطلان مشكل ولا يبعد أن يعذر لجهله قلت : إنما لم يعذروه لأنه مفرط بالفعل في حال الشك فإنه كان يمكنه الصبر بخلاف من زاد في صلاته ركنا ناسيا فإنه لا حيلة في النسيان .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى الخروج من الصلاة أو نوى أنه سيخرج أو شك هل يخرج أم لا بطلت صلاته لأن النية شرط في جميع الصلاة ، وقد قطع ذلك بما أحدث فبطلت صلاته كالطهارة إذا قطعها بالحدث . + الشرح : قال أصحابنا : العبادات في قطع النية على أضرب : الضرب الأول : الإسلام والصلاة فيبطلان بنية الخروج منهما وبالتردد في أنه يخرج أم يبقى ، وهذا لا خلاف فيه ، والمراد بالتردد : أن يطرأ شك مناقض جزم النية ، وأما ما يجري في الفكر أنه لو تردد في الصلاة كيف يكون الحال فهذا مما يبتلى به الموسوس فلا تبطل به الصلاة قطعا . قاله إمام الحرمين وغيره . قال الإمام : وقد يقع ذلك في الإيمان بالله تعالى فلا تأثير له ولا اعتبار به ، ولو نوى في الركعة الأولى الخروج من الصلاة في الركعة الثانية ، أو علق الخروج بشيء يوجد في صلاته قطعا بطلت صلاته في الحال . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وفيه وجه شاذ حكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي أنها لا تبطل في الحال ، بل لو رفض هذا التردد قبل الإنتهاء إلى الغاية المنوية صحت صلاته . ولو علق الخروج بدخول شخص ونحوه مما يحتمل حصوله في الصلاة وعدمه فوجهان أصحهما : تبطل كما لو دخل في الصلاة هكذا ، فإنها لا تنعقد بلا خلاف وكما لو علق به الخروج عن الإسلام والعياذ بالله تعالى فإنه يكفر في الحال بلا خلاف ، والثاني : لا تبطل في الحال ، فعلى هذا إن وجدت الصفة وهو ذاهل عن التعليق ففي بطلانها وجهان ، أحدهما : لا تبطل قاله الشيخ أبو محمد ، لأنه في الحال غافل ، والنية الأولى لم تؤثر ، وأصحهما : تبطل ، وبه قطع الشيخ أبو علي السنجي والأكثرون . قال إمام الحرمين : ويظهر على هذا أن يقال تبينا بالصفة بطلانها من حين التعليق ، أما إذا وجدت وهو ذاكر للتعليق فتبطل بلا خلاف ، ولو نوى في الركعة الأولى أن يتكلم في الثانية أو يأكل أو يفعل مبطلا للصلاة لم تبطل في الحال بلا خلاف ، قال أصحابنا : وهذا مراد الشافعي رحمه الله بقوله : ولا تبطل الصلاة بعمل القلوب ، والفرق بين هذا وبين من نوى تعليق النية أو قطعها في الركعة الثانية أنه مأمور بجزم النية في كلا صلاته ، وهذا ليس بجازم . وأما من نوى الفعل فالذي يحرم عليه أن يأتي بفعل مناف للصلاة ولم يأت به فإذا أتى به بطلت ، قال أصحابنا : ومثل هذا إذا دخل الإمام في صلاة الخوف بنية أن يصلي بكل فرقة ركعة من الرباعية ، وقلنا : تبطل صلاة الإمام فإنها لا تبطل في الحال ، وإنما تبطل بالانتظار الثالث على تفصيل فيه معروف فقد نوى في أول صلاته أن يفعل في أثنائها فعلا مبطلا ، ولم تبطل في الحال والله أعلم . الضرب الثاني : الحج والعمرة : فإذا نوى الخروج منهما ونوى قطعهما لم ينقطعا بلا خلاف ، ولأنه لا يخرج منهما بالافساد . الضرب الثالث : الصوم والاعتكاف فإذا جزم في أثنائهما بنية الخروج منهما ففي بطلانهما وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في بابيهما ، أصحهما لا يبطل كالحج وصحح المصنف في الصوم البطلان ووافقه عليه كثيرون ولكن الأكثرين قالوا : لا تبطل ، ولو تردد الصائم في قطع نية الصوم والخروج منه أو علقه على دخول شخص ونحوه فطريقان أحدهما : على الوجهين فيمن جزم بالخروج منه . والثاني : وهو المذهب وبه قطع الأكثرون : لا تبطل وجها واحدا .
الضرب الرابع : الوضوء فإن نوى قطعه في أثنائه لم يبطل ما مضى منه على أصح الوجهين ، ولكن يحتاج إلى نية لما بقي ، وإن نوى قطعه بعد الفراغ منه لم يبطل على المذهب كما لو نوى قطع الصلاة والصوم والاعتكاف والحج بعد فراغها فإنها لا تبطل بلا خلاف وقيل : في بطلان الوضوء وجهان لأن أثره باق فإنه يصلي به بخلاف الصلاة وغيرها ، وقد سبق بيان هذه المسألة مستقصى في آخر باب نية الوضوء ، وذكرنا هناك مسائل كثيرة تتعلق بالنية في الصلاة وفي سائر العبادات وبالله التوفيق . فرع : في مذاهب العلماء فيمن نوى الخروج من الصلاة : مذهبنا أنها تبطل وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة لا تبطل .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دخل في الظهر ثم صرف النية إلى العصر بطل الظهر لأنه قطع نيتها ولم يصح العصر لأنه لم ينوه عند الإحرام ، وإن صرف نية الظهر إلى التطوع بطل الظهر لما ذكرناه ، وفي التطوع قولان أحدهما : لا تصح لما ذكرناه في العصر والثاني : تصح لأن نية الفرض تتضمن نية النفل بدليل أن من دخل في الظهر قبل الزوال وهو يظن أنه بعد الزوال كانت صلاته نافلة . + الشرح : متى دخل في فريضة ثم صرف نيته إلى فريضة أخرى أو نافلة بطلت التي كان فيها ، ولم يحصل التي نواها بلا خلاف لما ذكره . وفي إنقلابها نافلة خلاف ، قال أصحابنا : من أتى بما ينافي الفريضة دون النفلية في أول فريضة أو أثنائها بطل فرضه ، وهل تبقى صلاته نفلا أم تبطل فيه قولان اختلف في الأصح منهما بحسب الصور ، فمنها إذا قلب ظهره إلى عصر أو إلى نفل بلا سبب أو وجد المصلي قاعدا خفة في صلاته وقدر على القيام فلم يقم أو أحرم القادر على القيام في الفرض قاعدا فالأظهر في هذه المسائل بطلان الصلاة . ومنها لو أحرم بالظهر قبل الزوال فإن كان عالما بحقيقة الحال فالأصح البطلان لأنه متلاعب ، وإن جهل وظن دخول الوقت فالصحيح انعقادها نفلا ، وبه قطع المصنف والأكثرون . ومنها لو وجد المسبوق الإمام راكعا فأتى بتكبيرة الإحرام أو بعضها في الركوع لا ينعقد فرضا بلا خلاف ، فإن كان عالما بتحريمه فالأصح بطلانها . والثاني : تنعقد نفلا ، وإن لم يعلم تحريمها فالأصح انعقادها نفلا وهو المنصوص في الأم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقهما . ومنها لو أحرم بفريضة منفردا ، ثم أقيمت جماعة فسلم من ركعتين ليدركها ، الأصح : صحتها ، والثاني : تبطل ، ومنها لو شرعوا في صلاة الجمعة في وقتها ، ثم خرج الوقت وهم فيها فالمذهب أنهم يتمونها ظهرا وتجزيهم ، وقطع بهذا المصنف والعراقيون . وعند الخراسانيين قولان أصحهما هذا ، والثاني : لا تجزيهم عن الظهر بل يجب استئناف الظهر ، فعلى هذا هل ينقلب نفلا أم تبطل فيه القولان أصحهما تنقلب نفلا . فرع : في مسائل تتعلق بالنية . إحداها : لو عقب النية بقوله : إن شاء الله بقلبه أو لسانه فإن قصد به التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضره ، وإن قصد به التعليق أو الشك لم يصح . ذكره الرافعي الثانية : لو صلى الظهر والعصر ثم تيقن أنه ترك النية في أحداهما وجهل عينها لزمه اعادتهما جميعا . الثالثة : لو قال له إنسان : صل الظهر لنفسك ولك علي دينار فصلاها بهذه النية أجزأته صلاته ولا يستحق الدينار . ذكروه في كتاب الكفارات في مسألة من أعتق عن الكفارة عبدا بعوض ، ويقرب منه من صلى وقصد دفع غريمه عنه في ضمن الصلاة صحت صلاته . ذكره ابن الصباغ . وقد سبقت المسألة في نية الوضوء .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يكبر والتكبير للاحرام فرض من فروض الصلاة لما روي عن علي كرم الله وجهه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم . + الشرح : هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح ، إلا أن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل . قال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسنه ، قال : وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه قال : وسمعت البخاري يقول : كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه ، وإنما سمي الوضوء مفتاحا لأن الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب يمنع من دخوله إلا بمفتاح ، وقوله صلى الله عليه وسلم : وتحريمها التكبير . قال الأزهري أصل التحريم من قولك : حرمت فلانا كذا أي منعته ، وكل ممنوع فهو حرام وحرم ، فسمي التكبير تحريما لأنه يمنع المصلي من الكلام والأكل وغيرهما . أما حكم المسألة : فتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها . هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف . وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الزهري أنه قال تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير ، قال ابن المنذر : ولم يقل به غير الزهري . وحكى أبو الحسن الكرخي عن ابن علية والأصم كقول الزهري . وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة : تكبيرة الإحرام شرط لا تصح الصلاة إلا بها ، ولكن ليست من الصلاة بل هي كستر العورة . ومنهم من حكاه عن أبي حنيفة ، ويظهر فائدة الخلاف بيننا وبينه فيما لو كبر وفي يده نجاسة ثم ألقاها في أثناء التكبيرة ، أو شرع في التكبيرة قبل ظهور زوال الشمس ثم ظهر الزوال قبل فراغها فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين ، وتصح عنده كستر العورة . واحتج للزهري بالقياس على الصوم والحج ، وللكرخي بقوله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى سورة الأعلى الآية 51 فعقب الذكر بالصلاة فدل على أنه ليس منها ، وبقوله صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبير ، والاضافة تقضي أن المضاف غير المضاف إليه ، كدار زيد . ودليلنا على الزهري حديث تحريمها التكبير ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ، وذكر الحديث رواه البخاري ومسلم ، وهذا أحسن الأدلة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر له في هذا الحديث إلا الفروض خاصة ، وثبت في الصحيحين عن جماعات من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يكبر الإحرام . وثبت في صحيح البخاري عن مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا مقتضى وجوب كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما خرج وجوبه بدليل كرفع اليدين ونحوه . فإن قيل : المراد ما يرى وهي الأفعال دون الأقوال ، فأجاب القاضي أبو الطيب وغيره بجوابين : أحدهما : أن المراد رؤية شخصه صلى الله عليه وسلم وكل شيء فعله صلى الله عليه وسلم أو قاله وجب علينا مثله . والثاني : أن المراد بالرؤية العلم ، أي صلوا كما علمتموني أصلي .
والجواب عن قياسه على الصوم والحج أنهما ليسا مبنيين على النطق بخلاف الصلاة ، ودليلنا على الكرخي حديث معاوية بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، وإنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن رواه مسلم ، فإن قالوا : المراد به تكبيرات الانتقالات ، فجوابه من وجهين أحدهما : إنه عام ولا يقبل تخصيصه إلا بدليل والثاني : أن حمله على تكبيرة لا بد منها بالاتفاق أولى من تكبيرة لا تجب ، والجواب عن قوله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى أنه ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع قبل خلاف الخالف . والجواب عن قولهم : الإضافة تقتضي المغايرة أن الاضافة ضربان أحدهما : تقتضي المغايرة كثوب زيد ، والثاني : تقتضي الجزئية كقوله : رأس زيد ، وصحن الدار ، فوجب حمله على الثاني لما ذكرناه . فرع : قد ذكرنا أن تكبيرة الإحرام لا تصح الصلاة إلا بها ، فلو تركها الإمام أو المأموم سهوا أو عمدا لم تنعقد صلاته ولا تجزىء عنها تكبيرة الركوع ولا غيرها ، هذا مذهبنا ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد و داود والجمهور . وقالت طائفة : إذا نسيها فيها أجزأته عنها تكبيرة الركوع ، حكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب والحسن البصري و الزهري وقتادة والحكم والأوزاعي ، ورواية عن حامد بن أبي سليمان . قال العبدري وروي عن مالك في المأموم مثله ، لكنه قال يستأنف الصلاة بعد سلام الإمام .