Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تصح الجمعة إلا بأربعين نفسا ، لما روى جابر رضي الله عنه قال مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما ، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا ومن شرط العدد أن يكونوا رجالا أحرارا مقيمين في الموضع ، فأما النساء والعبيد والمسافرون فلا تنعقد بهم الجمعة ، لأنه لا تجب عليهم الجمعة ، فلا تنعقد بهم كالصبيان ، وهل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين فيه وجهان ، قال أبو علي بن أبي هريرة : تنعقد بهم لأنه تلزمهم الجمعة فانعقدت بهم كالمستوطنين ، وقال أبو إسحاق : لا تنعقد لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى عرفات ومعه أهل مكة ، وهم في ذلك الموضع مقيمون غير مستوطنين فلو انعقدت بهم الجمعة لأقامها . + الشرح : حديث جابر ضعيف رواه البيهقي وغيره بإسناد ضعيف وضعفوه ، قال البيهقي : هو حديث لا يحتج بمثله وقول المصنف ( أن يكونوا رجالا ) يعني بالغين عقلاء . واحتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة بعرفات لا يصح لأنها ليست محل استيطان ، بل هو قضاء لا ينافيه ، ولأن الحاضرين هناك كلهم ليسوا مقيمين هناك ، والجمعة تسقط بالسفر القصير الاتفاق ، وإنما التعليل الصحيح أنه ليس مستوطنا ، والاستيطان شرط هكذا نقل القاضي أبو الطيب أن أبا إسحاق صاحب هذا الوجه علله بهذا ، أما حكم الفصل : فلا تصح الجمعة إلا بأربعين رجلا بالغين عقلاء أحرارا مستوطنين القرية أو البلدة التي يصلي فيها الجمعة لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا سفر حاجة ، فإن انتقلوا عنه شتاء وسكنوه صيفا أو عكسه فليسوا مستوطنين ولا تنعقد بهم بالاتفاق وهذا الذي ذكرناه من اشتراط أربعين هو المعروف من مذهب الشافعي والمنصوص في كتبه وقطع به جمهور الأصحاب ، ومعناه أربعون بالإمام فيكونون تسعة وثلاثين مأموما . ونقل ابن القاص في التلخيص قولا للشافعي قديما أنها تنعقد بثلاثة : إمام ومأمومين هكذا حكاه عن الأصحاب ، والذي هو موجود في التلخيص ثلاث مع الإمام ، ثم إن هذا القول الذي حكاه غريب أنكره جمهور الأصحاب وغلطوه فيه . قال القفال في شرح التخليص : هذا القول غلط لم يذكره الشافعي قط ولا أعرفه ، وإنما هو مذهب أبي حنيفة . وقال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص أنكر عامة أصحابنا هذا القول وقالوا : لا يعرف هذا للشافعي . قال : ومنهم من سلم نقله ، وحكى أصحابنا الخراسانيون وجها ضعيفا أنه يشترط أن يكون الإمام زائدا على الأربعين ، حكاه جماعة من العراقيين أيضا ، منهم صاحب الحاوي والدارمي والشاشي . قال صاحب الحاوي : هو قول أبي علي بن أبي هريرة حكاه الروياني قولا قديما . وأما قول المصنف ( هل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين ) فيه وجهان مشهوران أصحهما لا تنعقد ، اتفقوا على تصحيحه ، ممن صححه المحاملي وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وآخرون ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفرع الآتي بيان محل الوجهين . فرع : قال أصحابنا : الناس في الجمعة ستة أقسام أحدها : من تلزمه وتنعقد به وهو الذكر الحر البالغ العاقل المستوطن الذي لا عذر له الثاني : من تنعقد به ولا تلزمه ، وهو المريض والممرض ، ومن في طريقه مطر ونحوهم من المعذورين . ولنا قول شاذ ضعيف جدا أنها لا تنعقد بالمريض حكاه الرافعي الثالث : من لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه ، وهو المجنون والمغمى عليه . الرابع : من تلزمه ولا تنعقد به وتصح منه وهو المميز والعبد والمسافر والمرأة والخنثى . الخامس : من تلزمه ولا تصح منه وهو المرتد . السادس : من تلزمه وتصح منه ، وفي انعقادها به خلاف ، وهو المقيم غير المستوطن ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحهما : لا تنعقد به .
ثم أطلق جماعة الوجهين في كل مقيم لا يترخص ، وصرح جماعة بأن الوجهين جاريان في المسافر الذي نوى إقامة أربعة أيام ، وهو ظاهر كلام المصنف وغيره ، قال الرافعي : هما جاريان فيمن نوى إقامة يخرج بها عن كونه مسافرا قصيرة كانت أو طويلة وشذ البغوي فقال : الوجهان فيمن طال مقامه وفي عزمه الرجوع إلى وطنه كالمتفقه والتاجر ، قال : فإن نوى إقامة أربعة أيام يعني ونحوها من الإقامة القليلة لم تنعقد به وجها واحدا ، والمشهور طرد الخلاف في الجميع ، وأما أهل الخيام والقرى الذين يبلغهم نداء البلد وينقصون عن أربعين فقطع البغوي بأنها لا تنعقد بهم ، لأنهم ليسوا مقيمين في بلد الجمعة بخلاف المقيم بنية الرجوع إلى وطنه ، وطرد المتولي فيهم الوجهين والأول أظهر . فرع في مذاهب العلماء في العدد الذي يشترط لانعقاد الجمعة قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط أربعين ، وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وأحمد وإسحاق ، وهو رواية عن عمر بن عبد العزيز وعنه رواية باشتراط خمسين ، وقالربيعة تنعقد باثنى عشر ، وقال أبو حنيفة والثوري والليث ومحمد : تنعقد بأربعة أحدهم الإمام وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي ثور واختاره . وحكى غيره عن الأوزاعي وأبي يوسف انعقادها بثلاثة أحدهم الإمام . وقال الحسن بن صالح وداود تنعقد باثنين أحدهما الإمام ، وهو معنى ما حكاه ابن المنذر عن مكحول . وقال مالك : لا يشترط عدد معين ، بل يشترط جماعة تسكن بهم قرية ، ويقع بينهم البيع والشراء ، ولا يحصل بثلاثة وأربعة ونحوهم ، وحكى الدارمي عن الفاساني أنها تنعقد بواحد منفرد ، والفاساني لا يعتد به في الإجماع ، وقد نقلوا الإجماع أنه لا بد من عدد واختلفوا في قدره كما ذكرنا . واحتج لربيعة بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت غير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا واحتج للباقين بحديث عن أم عبد الله الدوسية قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة رواه الدارقطني وضعف طرقه كلها ، وبأنهم جماعة فأشبه الأربعين . واحتج لمن شرط خمسين بحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخمسين جمعة . وليس فيما دون ذلك ، رواه الدارقطني بإسناد فيه ضعيفان . واحتج أصحابنا بحديث جابر المذكور في الكتاب ولكنه ضعيف كما سبق ، وبأحاديث بمعناه لكنها ضعيفة وأقرب ما يحتج به ما احتج البيهقي والأصحاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في نقيع الخضمات قلت : كم كنتم قال : أربعون رجلا حديث حسن رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة قال البيهقي وغيره : وهو صحيح ، النقيع هنا بالنون ذكره الخطابي والحازمي وغيرهما ، والخضمات بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : قال أحمد بن حنبل : نقيع الخضمات قرية لبني بياضة بقرب المدينة على ميل من منازل بني سلمة وقال أصحابنا : وجه الدلالة منه أن يقال أجمعت الأمة على اشتراط العدد ، والأصل الظهر فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه التوقيف ، وقد ثبت جوازها بأربعين ، فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صريح ، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين . وأما حديث انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر وليس فيه أنه ابتدأ الصلاة باثني عشر بل يحتمل أنهم عادوا هم أو غيرهم فحضروا أركان الخطبة والصلاة وجاء في روايات مسلم انفضوا في الخطبة وفي رواية للبخاري . انفضوا في الصلاة ، وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الروايات .
ويكون المراد بالصلاة الخطبة لأن منتظر الصلاة في صلاة . وقد جاء في رواية للدارقطني والبيهقي أنهم انفضوا فلم يبق إلا أربعون رجلا والمشهور في الروايات اثنا عشر . فرع : إذا كان في القرية أربعون من أهل الكمال صحت جمعتهم في قريتهم ولزمتهم سواء كان فيها سوق ونهر أم لا وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء ، وحكاه الشيخ أبو حامد عن عمر وابنه ، وابن عباس رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة والثوري : لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع . وحكى ابن المنذر نحوه عن علي بن أبي طالب والحسن البصري وابن سيرين والنخعي واحتج لهم بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس قال إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بحواثا من البحرين رواه البخاري . وبحديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك المذكور في الفرع قبله ، وأما الحديث الذي احتجوا به فضعيف متفق على ضعفه ، وهو موقوف على علي رضي الله عنه بإسناد ضعيف منقطع . فرع : لا تصح الجمعة عندنا إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة ولا تصح في الصحراء ، وبه قال مالك وآخرون ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يجوز إقامتها لأهل المصر في الصحراء كالعيد . واحتج أصحابنا بما احتج به المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوها في الصحراء مع تطاول الأزمان وتكرر فعلها بخلاف العيد . وقد قال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي . فرع : لا تنعقد الجمعة عندنا بالعبيد ولا المسافرين ، وبه قال الجمهور ، وقال أبو حنيفة : تنعقد .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أحرم بالعدد ثم انفضوا عنه فيه ثلاثة أقوال أحدها : إن نقص العدد عن أربعين لم تنعقد الجمعة لأنه شرط في الجمعة فشرط في جميعها كالوقت والثاني : إن بقي معه اثنان أتم الجمعة لأنهم يصيرون ثلاثة وذلك جمع مطلق فأشبه الأربعين والثالث : إن بقي معه واحد أتم الجمعة ، لأن الاثنين جماعة ، وخرج المزني قولين آخرين : أحدهما : إن بقي وحده جاز أن يتم الجمعة كما قال الشافعي في إمام أحرم بالجمعة ثم أحدث : أنهم يتمون صلاتهم وحدانا ركعتين والثاني : أنه إن كان صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة ، وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة كما قال في المسبوق : إذا أدرك مع الإمام ركعة أتم الجمعة وإن لم يدرك ركعة أتم الظهر . فمن أصحابنا من أثبت القولين ، وحكى في المسألة خمسة أقوال ، ومنهم من لم يثبتهما فقال : إذا أحدث الإمام يبنون على صلاتهم لأن الاستخلاف لا يجوز على هذا القول ، فيبنون على صلاتهم على حكم الجماعة مع الإمام ، وههنا أن الإمام لا تتعلق صلاته بصلاة من خلفه ، وأما المسبوق فإنه يبني على جمعة تمت بشروطها وههنا لم تتم جمعة فيبني الإمام عليها . + الشرح : الانفضاض : التفرق والذهاب ، ومنه سميت الفضة ، وحاصل ما ذكره المصنف في انفضاضهم عن الإمام في صلاة الجمعة طريقان أحدهما : فيه ثلاثة أقوال وهي المنصوصة ، ولم يثبتوا المخرجين وأصحهما : وأشهرهما فيه خمسة أقوال باثبات المخرجين ، وقد ذكر المصنف دلائلها أصحها : باتفاق الأصحاب تبطل الجمعة ، لأن العدد شرط ، فشرط في جميعها ، فعلى هذا لو أحرم الإمام وتباطأ المقتدون ثم أحرموا ، فإن تأخر إحرامهم عن ركوعه فلا جمعة لهم ولا له ، وإن لم يتأخر عن ركوعه ، قال القفال : تصح الجمعة ، وقال الشيخ أبو محمد الجويني : يشترط أن لا يطول الفصل بين إحرامه وإحرامهم وقال إمام الحرمين : الشرط أن يتمكنوا من قراءة الفاتحة ، فإن حصل ذلك لم يضر الفصل ، وصحح الغزالي هذا . والقول الثاني : إن بقي اثنان مع الإمام أتم الجمعة . وإلا بطلت . والثالث : إن بقي معه واحد لم تبطل ، وهذه الثلاثة منصوصة ، الأولان في الجديد ، والأخير في القديم ، وهل يشترط في الاثنين والواحد صفة الكمال المعتبر في الجمعة فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي أصحهما : يشترط لأنها صلاة جمعة والثاني : لا يشترط حتى لو بقي معه صبيان أو عبدان أو امرأتان أو مسافران أو صبي وعبد أو صبي أو عبد أو امرأة إذا اعتبرنا 426 واحدا كفي وأتم الجمعة لأن هذا القول يكتفي باسم الجميع أو الجماعة وهي حاصلة بها وقال إمام الحرمين : الظاهر الاشتراط ، قال : ولصاحب التقريب احتمال أنه لا يشترط قال : وهذا مزيف لا يعتد به . والقول الرابع : المخرج لا تبطل وإن بقي وحده . والخامس : إن انفضوا في الركعة الأولى بطلت الجمعة ، وإن انفضوا بعدها لم تبطل الجمعة بل يتمها الإمام وحده ، وكذا من معه إن بقي معه أحد . هذا حكم الانفضاض في نفس صلاة الجمعة . واعلم أن الأربعين شرط لصحة الخطبتين ، فيشترط سماعهم الآن كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فلو حضر العدد ثم انفضوا قبل افتتاح الخطبة لم يجز افتتاحها حتى يجتمع لها أربعون كاملون وإن انفضوا في أثناء الخطبة لم يعتد بالركن المفعول في غيبتهم بلا خلاف ، بخلاف الانفضاض في الصلاة ، فإن فيه الأقوال الخمسة .
وفرق الأصحاب بأن كل واحد يصلي لنفسه فسومح بنقص العدد على قول ، والخطيب لا يخطب لنفسه ، إنما الغرض إسماعهم ، فما جرى ولا مستمع لم يحصل فيه الغرض فلم تصح ، ثم إن عادوا قبل طول الفصل بنى على خطبته ، وإن عادوا بعده فقولان مشهوران في كتب الخراسانيين ، قال : ويعبر عنهما بأن الموالاة في الخطبة واجبة أم لا الأصح أنها واجبة فيجب الاستئناف . والثاني : غير واجبة فيبني ، وبنى جماعة منهم القولين على أن الخطبتين بدل من الركعتين فيجب الاستئناف أم لا فلا يجب ، قالوا : ولا فرق بين فوات الموالاة لعذر وغيره فيما ذكرناه ولو لم يعد الأولون وجاء غيرهم وجب استئناف الخطبتين ، قصر الفصل أم طال بلا خلاف . أما إذا انفضوا بعد فراغ الخطبة فإن عادوا قبل طول الفصل صلى الجمعة بتلك الخطبة بلا خلاف ، وقد ذكره المصنف بعد هذا بقليل ، وإن عادوا بعد طول الفصل ففيه خلاف مبني على اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة ، وفيه قولان مشهوران أصحهما : وهو الجديد الاشتراط ، فعلى هذا لا تجوز صلاة الجمعة بتلك الخطبة والثاني : لا يشترط فعلى هذا يصلي بها ، وهل تجب إعادة الخطبة وصلاة الجمعة أم لا قال المزني في المختصر : قال الشافعي : أحببت أن يبتديء الخطبة ثم يصلي الجمعة فإن لم يفعل صلى بهم الظهر ، واختلف أصحابنا في معنى كلامه هذا على ثلاثة أوجه حكاها المصنف بعد هذا والأصحاب ، وهي مشهورة أصحها : وبه قال ابن سريج والقفال وأكثر أصحابنا : تجب إعادة الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة لتمكنه من ذلك قالوا : ولفظ الشافعي إنما هو أوجبت ولكنه صحف . ومنهم من تأوله وقال : أراد بأحببت أوجبت ، قالوا : وقوله صلى بهم الظهر محمول على ما إذا ضاق الوقت والوجه الثاني : وبه قال أبو إسحاق المروزي : لا تجب إعادة الخطبة لكن تستحب وتجب صلاة الجمعة أما وجوب الجمعة فلقدرته عليها وإنما لم تجب الخطبة لأنه لا يؤمن انفضاضهم ثانيا : فصار ذلك عذرا في سقوطها . والثالث : وبه قال أبو علي الطبري في الإفصاح لا تجب إعادة الخطبة ولا تجب الجمعة أيضا ، لكن يستحبان عملا بظاهر نصه ، وهذا الثالث هو الأصح عند صاحبي الحاوي والمستظهري قالا : وهو قول أكثر أصحابنا . قال صاحب الحاوي : وقول ابن سريج وإن كان له وجه فقول أبي علي أظهر قال : وقد أخطأ أبو العباس في تخطئته المزني ، لأن البويطي والربيع والزعفراني نقلوه هكذا عن الشافعي فقالوا : قال أحببت ، ولم ينقل عنه أحد أوجبت ، فعلم أن المزني لم يخطيء في نقله وإنما أخطأ أبو العباس في تأويله . هذا كلام صاحب الحاوي وخالفه الأكثرون كما قدمناه . قال المحاملي في المجموع وصاحب العدة والشيخ نصر وغيرهم : هذا الوجه الثالث ضعيف قالوا : وهو أضعف الأوجه ، وهو كما قالوا : لأنه متمكن من الخطبة والصلاة ، ولا يلتفت إلى احتمال انفضاضهم ثانيا ، فإنه احتمال ضعيف نادر قال أصحابنا ، فإن أعيدت الخطبة وصليت الجمعة فلا إثم على واحد وإن لم تعد وأوجبنا إعادتها أثموا كلهم ، وإن لم نوجب إعادتها أثم المنفضون دون الإمام والباقين . قال الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وسائر الأصحاب : الاعتبار في طول الفصل بالعرف فما عد طويلا فطويل وإلا فقصير . وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه والمصنف بعد هذا وسائر الأصحاب عن أبي إسحاق المروزي تفريعا على الوجه الذي قاله هنا أنه لو صلوا الظهر وتركوا الجمعة جاز بناء على أصله إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ثم صلوا الظهر جاز ، وقد سبق بيان قوله : وأن الصحيح خلافه والله علم .
قال أصحابنا : وسواء طال الفصل والخطيب ساكت أو مستمر في الخطبة ، ثم أعاد ما جرى من أركانها في حال غيبتهم حين عادوا ، أما إذا أحرم بالجمعة بالعدد المشروط وأحرموا ثم حضر أربعون آخرون وأحرموا بها ثم انفض الأولون ، فقال الأصحاب : لا يضر بل يتم الجمعة سواء كان اللاحقون سمعوا الخطبة أم لا ، قال إمام الحرمين : ولا يمتنع عندي أن يقال يشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة أما إذا انفضوا بعد الإحرام ثم حضر أربعون متصلون بهم ، فقال الغزالي : يستمر صحة الجمعة بشرط أن يكون اللاحقون سمعوا الخطبة . فرع : أجمع العلماء على أن الجمعة لا تصح من منفرد ، وأن الجماعة شرط لصحتها ، وهو مراد المصنف بقوله ( ولا تصح إلا بأربعين ) أي في جماعة ولو صرح به لكان أحسن . قال أصحابنا : وشروط الجماعة هنا كشروطها في سائر الصلوات ، ويشترط هنا أمور زائدة سبق بيانها . وهو كونهم أربعين كاملين ، ووقوعها في خطة البلد وفي الوقت ، وسبقت فروع كثيرة ومسائل مهمة تتعلق بصفات الإمام والمأمومين في الجمعة في أول باب صفة الأئمة ، قال الشافعي والأصحاب : ولا يشترط لصحة الجمعة حضور السلطان ولا إذنه فيها وحكى صاحب البيان قولا قديما أنه لا تصح إلا خلف السلطان أو من أذن له ، وهو شاذ باطل . والمعروف في المذهب ما سبق .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تصح الجمعة إلا في وقت الظهر لأنهما فرض في وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر ، وإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح ، لأن الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة فإن دخل فيها في وقتها ثم خرج الوقت لم يجز فعل الجمعة ، لأنه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلا يجوز اتمامها كالحج ، ويتم الظهر لأنه فرض رد من أربع إلى ركعتين بشرط يختص به ، فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم ، وإن أحرم بها في الوقت ثم شك هل خرج الوقت أتم الجمعة ، لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض ولا تبطل بالشك . وإن ضاق وقت الصلاة ورأى أنه إن خطب خطبتين خفيفتين وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة وإن رأى أنه لا يمكنه ذلك صلى الظهر . + الشرح : في مسائل إحداها : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب أن الجمعة لا تصح إلا في وقت الظهر ، وسأذكر دلائله واضحة إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء ، وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تقضى على صورتها جمعة ولكن من فاتته لزمته الظهر . الثانية : يشترط للخطبة كونها في وقت الظهر لما ذكره المصنف مع الأحاديث الصحيحة التي سأذكرها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وهذا متفق عليه عندنا الثالثة : إذا شكوا في خروج وقتها فإن كانوا لم يدخلوا فيهالم يجز الدخول فيها باتفاق الأصحاب لأن ( شرطها الوقت ولم ) يتحققه فلا يجوز الدخول مع الشك في الشرط ، وإن دخلوا فيها في وقتها ثم شكوا قبل السلام في خروج الوقت فوجهان الصحيح : وبه قطع المصنف والماوردي والمحاملي والبندنيجي وكتب ابن الصباغ والجمهور : يتمونها جمعة ، كما ذكره المصنف والثاني : يتمونها ظهرا ، حكاه البغوي وصاحب العدة وآخرون ، للشك في شروطها . وأما إذا صلوا الجمعة ثم شكوا بعد فراغها هل خرج وقتها قبل الفراغ منها فإنهم تجزئهم الجمعة بلا خلاف لأن الأصل بقاء الوقت ، قال القاضي أبو الطيب و القفال : وهذا كمن تسحر ثم شك هل طلع الفجر أم لا أو وقف بعرفات ثم شك هل كان طلع الفجر فإنه يجزئه الصوم والوقوف . فرع : قال الدارمي في كتاب الصيام في مسائل الشهادة على الهلال : لو دخلوا في الجمعة فأخبرهم عدل بخروج وقتها ، قال ابن المرزبان : يحتمل أن يصلوا ظهرا قال : وعندي أنهم يتمون جمعة إلا أن يعلموا . الرابعة : إذا شرعوا فيها في وقتها ثم خرج الوقت قبل السلام منها فاتت الجمعة بلا خلاف عندنا لما ذكره المصنف ، وفي حكم صلاته طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجماعات من غيرهم يجب إتمامها ظهرا ويجزئه . كما ذكره المصنف والثاني : وهو مشهور للخراسانيين فيه قولان المنصوص يتمونها ظهرا والثاني وهو مخرج لا يجوز اتمامها ظهرا ، فعلى هذا هل تبطل أو تنقلب نفلا فيه القولان السابقان في أول باب صفة الصلاة فيه وفي نظائره أصحهما : تنقلب نفلا ، وإن قلنا بالمذهب يتمها ظهرا أسر بالقراءة من حينئذ ولا يحتاج إلى نية الظهر ، كالمسافر إذا نوى القصر ثم لزمه الإتمام بإقامة أو غيرها هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى صاحب البيان وغيره وجها أنه تجب نية الظهر وليس بشيء .
الخامسة : لو أدرك مسبوق ركعة من الجمعة فسلم الإمام ، وقام هو إلى الثانية فخرج الوقت قبل سلامه فوجهان مشهوران أحدهما : يتمها جمعة ، وبه قال ابن الحداد لأنها تابعة لجمعة صحيحة ، وفي جمعة الإمام والناس ، بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام والثاني : لا يجوز إتمامها جمعة بل يتمها ظهرا ويجىء في بطلانها وانقلابها نفلا ما سبق ، والمذهب اتمامها ظهرا ، صححه البغوي والمتولي والرافعي وآخرون . قال المتولي : هو قول عامة أصحابنا . السادسة : لو سلم الإمام والجماعة التسليمة الأولى في الوقت والثانية خارجة صحت جمعتهم لأنها تمت بالتسليمة الأولى ، ولو سلم الإمام الأولى خارج الوقت فاتت الجمعة على بيعهم ولزمهم قضاء الظهر ، ولو سلم الإمام وبعضهم الأولى في الوقت وسلمها بعضهم خارج الوقت فإن بلغ عدد المسلمين في الوقت أربعين صحت جمعتهم ، وإلا فقال الرافعي هو شبيه بمسألة الانفضاض والصحيح فوات الجمعة ، وأما المسلمون خارج الوقت فصلاتهم باطلة ، وفيهم وجه ضعيف إن كان المسلمون في الوقت أربعين أنه تصح جمعتهم وهو الوجه السابق في سلام المسبوق بعد الوقت ، ثم سلام الإمام والقوم خارج الوقت ، إن كان مع العلم بالحال بطلت صلاتهم ، وإلا فلهم إتمامها ظهرا على المذهب كما سبق . السابعة : إذا ضاق الوقت قبل أن يدخلوا في الجمعة فإن أمكنهم خطبتان وركعتان يتقصر فيهما على الواجبات لزمهم ذلك وإلا صلوا الظهر ، نص عليه في الأم واتفق عليه الأصحاب وعليهم أن يشرعوا في الظهر في الحال ، ولا يحل تأخيرها إلى خروج الوقت بالاتفاق ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في وقت الجمعة قد ذكرنا أن مذهبنا أن وقتها وقت الظهر ولا يجوز قبله . وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، وقال أحمد : تجوز قبل الزوال . قال القاضي أبو الطيب : حكي عنه أنه قال في الساعة الخامسة ، وقال أصحابه : يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد ، وقال الخرقي : في الساعة السادسة ، قال العبدري قال العلماء كافة : لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال إلا أحمد ، ونقل الماوردي في الحاوي عن ابن عباس كقول أحمد ، ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق قال : وروي ذلك بإسناد لا يثبت عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية . واحتج لأحمد بحديث جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس رواه مسلم ، وعن سلمة بن الأكوع قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفيء . وعن سهل بن سعد قال : ما كنا نقيل ولا تتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، وليس في رواية البخاري في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن عبد الله بن سيدان قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر رضي الله عنه ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار ، ثم شهدتها مع عثمان رضي الله عنه ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار ، ولا رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره ورواه أحمد في مسنده والدارقطني وغيرهما . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه البخاري ، وعن سلمة بن الأكوع ، قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء .
رواه مسلم ، هذا هو المعروف من فعل السلف والخلف . قال الشافعي : ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال . والجواب : عن احتجاجهم بحديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره ، هذا مختصر الجواب عن الجمع ، وحملنا عليه الجميع من هذه الأحاديث من الطرفين ، وعمل المسلمين قاطبة أنهم لا يصلونها إلا بعد الزوال ، وتفصيل الجواب أن يقال : حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال لا أن الصلاة قبله . فإن قيل : قوله : حين الزوال لا يسع هذه الجملة فجوابه : أن المراد نفس الزوال ، وما يدانيه ، كقوله صلى الله عليه وسلم صلى بي العصر حين كان كل شيء مثل ظله . والجواب : عن حديث سلمة أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء ، وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار ، وهذا معنى قوله : وليس للحيطان ظل يستظل به فلم ينف أصل الظل وإنما نفى كثيره الذي يستظل به . وأوضح منه الرواية الأخرى : نتتبع الفيء فهذا فيه تصريح بوجود الفيء ، لكنه قليل ، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس ، ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل . وأما حديث سهل : ما كنا نقيل ولا تتغدى إلا بعد الجمعة فمعناه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة ، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها ، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها ، ومما يؤيد هذا ما رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح عن عمر بن أبي سهل بن مالك عن أبيه قال كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي ، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم نخرج بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى . وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فضعيف باتفاقهم لأن ابن سيدان ضعيف عندهم ، ولو صح لكان متأولا لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرع في مذاهبهم في صلاة الجمعة إذا خرج وقت الظهر وهم فيها قد ذكرنا أن مذهبنا أنها تفوت الجمعة ويتمونها ظهرا ، وقال أبو حنيفة : تبطل ويستأنفون الظهر ، وقال عطاء : يتمها جمعة ، وقال أحمد : إن كان صلى منها ركعة أتمها جمعة وإن كان أقل يتمها ظهرا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين ، وروي ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين ، يجلس بينهما ولأن السلف قالوا : إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة ، فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل ، ومن شرط الخطبة العدد الذي تنعقد به الجمعة لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة : 9 والذكر الذي يفعل بعد النداء هو الخطبة ، ولأنه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الإحرام فإن خطب بالعدد ثم انفضوا وعادوا قبل الإحرام فإن لم يطل الفصل صلى الجمعة لأنه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين . ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة . وإن طال الفصل قال الشافعي رحمه الله : أحببت أن يبتديء الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة ، فإن لم يفعل صلى الظهر واختلف أصحابنا فيه ، فقال أبو العباس : تجب إعادة الخطبة ، ثم يصلي ( بعدها ) الجمعة لأن الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة ، وما نقله المزني لا يعرف . وقال أبو إسحاق : يستحب أن يعيد الخطبة لأنه لا يأمن أن ينفضوا مرة أخرى ، فجعل ذلك عذرا في جواز البناء ، وأما الصلاة فإنها واجبة لأنه يقدر على فعلها ، فإن صلى بهم الظهر جاز بناء على أصله : إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ، ثم صلوا الظهر أجزأهم ، وقال بعض أصحابنا : يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص : لأنهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانيا فصار ذلك عذرا في ترك الجمعة . + الشرح : حديث صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري من رواية مالك بن الحويرث وسبق في صفة الصلاة ، حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم . وقوله : ولأنه ذكر احتراز من ستر العورة وغيره من الشروط فإنه لا يشترط له العدد ، وقوله شرط في صحة الجمعة احتراز من الأذان . أما الأحكام : فمسألة الانفضاض إلى آخرها ( فقد سبق ) شرحها ، وبيان الاختلاف فيها في مسألة الانفضاض في الصلاة واتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب على أن الجمعة لا تصح حتى يتقدمها خطبتان ، ومن شرطها العدد ، وفرقوا بين الجمعة والعيد حيث كانت خطبة الجمعة قبلها والعيد بعده ، لأن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة ، وشأن الشرط أن يقدم ، ولأن الجمعة فريضة فأخرت الصلاة ليدركها المتأخر ، وللتمييز بين الفرض والنفل ومن شرط الخطبتين كونهما في وقت الظهر . فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح بلا خلاف عندنا ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب وجوزه مالك وأحمد وقد أهمل المصنف بيان هذا الشرط هنا ، وفي التنبيه . فرع في مذاهب العلماء في الخطبة قد ذكرنا أن مذهبنا أن تقدم خطبتين شرط لصحة الجمعة وأن من شرطها العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وبهذه الجملة قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أبو حنيفة : الخطبة شرط ولكن تجزيء خطبة واحدة . ولا يشترط العدد لسماعها كالأذان . وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة . وبه قال داود وعبد الملك من أصحاب مالك ، قال القاضي عياض : وروي عن مالك . دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وثبتت صلاته صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن شرطهما القيام مع القدرة ، والفصل بينهما بجلسة ، لما روى جابر بن سمرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله تعالى ، ولأنه أحد فرضي الجمعة ، فوجب فيه القيام والقعود كالصلاة . + الشرح : حديث جابر هذا صحيح رواه مسلم ولكن قال : يقرأ القرآن ويذكر الناس والباقي سواء ، وجابر وأبو سمرة صحابيان رضي الله عنهما . قال الشافعي والأصحاب : يشترط لصحة الخطبتين القيام فيهما مع القدرة والجلوس بينهما مع القدرة . فإن عجز عن القيام استحب له أن يستخلف ، فإن خطب قاعدا أو مضطجعا للعجز جاز بلا خلاف كالصلاة . قال أصحابنا : ويصح الاقتداء به حينئذ ، سواء صرح بأنه لا يستطيع القيام أم سكت ، لأن الظاهر أن قعوده للعجز ، فإن بان أنه كان قادرا على القيام قال أصحابنا : فهو كما لو بان محدثا ، والمذهب أنه تصح صلاتهم إن تم العدد دونه ، وإن نقص لم تصح بلا خلاف ولا تصح صلاته هذه على التقديرين . قال الشافعي وأصحابنا : فلو علموا قدرته على القيام لم تصح صلاتهم ، وإن ظهر لهم قدرته فأخبرهم بعجزه اعتمدوه وصحت صلاتهم ، قال الشافعي والشيخ أبو حامد والبندنيجي وصاحب العدة وغيرهم : فإن علم بعضهم دون بعض بقدرته لم تصح صلاة العالمين وصتح صلاة الآخرين إن تم بهم العدد وإلا فلا . وحكى الرافعي وجها أن الخطبة تصح قاعدا مع القدرة على القيام ، وهو شاذ ضعيف أو باطل . وأما الجلوس بينهما فواجب بالاتفاق ، وتجب الطمأنينة فيه ، صرح به إمام الحرمين وآخرون قال أصحابنا : وهذا الجلوس خفيف جدا قدر سورة الإخلاص تقريبا ، والواجب منه قدر الطمأنينة ، هذا هو الصحيح المشهور نص عليه الشافعي وقطع به ، وفيه وجه أنه يشترط كونه قدر سورة الإخلاص ، حكاه الرافعي قال : وحكى بعضهم أيضا عن نص الشافعي وهو ضعيف . قال أصحابنا : فإن خطب قاعدا للعجز فصل بينهما بسكتة ولا يجوز أن يضطجع ، والمشهور الذي قطع به الجمهور أن هذه السكتة واجبة ليحصل الفصل وذكر الماوردي وغيره وجها أنها لا تجب وأنه لو وصل كلامه في الخطبتين صحتا ، لأنه تخلله سكتات غير مقصودة ، وقال القاضي أبو الطيب : تستحب هذه السكتة . وحكى الرافعي وجها أنه لو خطب قائما كفاه الفصل بسكتة ( من ) غير جلوس وهو شاذ مردود . فرع : ذكرنا أن مذهبنا وجوب القيام في الخطبتين والجلوس بينهما ولا تصح إلا بهما وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : تصح قادا مع القدرة . قالوا : والقيام سنة وكذا الجلوس بينهما سنة عندهم ، وبه قال جمهور العلماء حتى إن الطحاوي قال : لم يقل أحد غير الشافعي باشتراط الجلوس بينهما ، قال القاضي عياض : وعن مالك رواية أن الجلوس بينهما شرط ، وكذا القيام . ودليلنا أنه صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي مع الأحاديث الصحيحة المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين قائما يجلس بينهما .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وهل يشترط فيها الطهارة فيه قولان ، قال في القديم : تصح من غير طهارة ، لأنه لو افتقر إلى الطهارة لافتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة . وقال في الجديد : لا تصح من غير طهارة لأنه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الإحرام . + الشرح : قال أصحابنا : هل يشترط لصحة الخطبة ستر العورة والطهارة عن الحدث والطهارة عن النجاسة في البدن والثوب والمكان فيه قولان الصحيح : الجديد اشتراط ذلك كله والقديم : لا يشترط شيء من ذلك . بل يستحب ، ودليلهما في الكتاب ، ثم إن الجمهور أطلقوا القولين في اشتراط طهارة الحدث ، وقال البغوي : القولان في الطهارة عن الحدث الأصغر ، فإن خطب جنبا لم تصح قولا واحدا ، لأن القراءة في الخطبة واجبة ولا تحسب قراءة الجنب ، وصرح المتولي والرافعي في المحرر بجريان القولين في المحدث والجنب وهذا هو الصواب . وقد قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب الحاوي فيه وآخرون من الأصحاب بأنه لو كان إمام الجمعة جنبا و لم يعلم المأمومون ثم علموا بعد فراغها أجزؤتهم ، ونقله الشيخ أبو حامد والأصحاب عن نص الشافعي في الأم . وقد أهمل المصنف ذكر ستر العورة ، والقولان فيه مشهوران ، وقد ذكرهما هو في التنبيه ، وقال أبو يوسف باشتراط الطهارة . وقال مالك وأبو حنيفة و أحمد وداود : لا تشترط ، دليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب متطهرا وقال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وفرضها أربعة أشياء أحدها : أن يحمد الله تعالى ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته ، واشتد غضبه وأحمرت وجنتاه ، كأنه منذر جيش ، ثم يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم يقول : أن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فالي . والثاني : أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة . والثالث : الوصية بتقوى الله تعالى لحديث جابر ، ولأن القصد من الخطبة الموعظة فلا يجوز الإخلال بها والرابع : أن يقرأ آية من القرآن لحديث جابر بن سمرة ولأنه أحد فرضي الجمعة فوجب فيه القراءة كالصلاة ويجب ذكر الله وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم والوصية في الخطبتين ، وفي قراءة القرآن وجهان أحدهما : يجب فيهما لأن ما وجب في إحداهما وجب فيهما كذكر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والثاني : لا تجب إلا في إحداهما وهو المنصوص لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من آية قرأها في الخطبة ولا يقتضي ذلك أكثر من مرة ويستحب أن يقرأ سورة ( ق ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في الخطبة فإن قرأ آية فيها سجدة فنزل وسجد جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم فعله عمر رضي الله عنه بعده فإن فعل هذا وطال الفصل ففيه قولان قال في القديم : يبني وقال في الجديد : يستأنف . وهل يجب الدعاء فيه وجهان أحدهما : يجب ، رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة . ومن أصحابنا من قال : هو مستحب وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال : أنه محدث ، وإنما كانت الخطبة تذكيرا . + الشرح : حديث جابر الأول رواه مسلم بكماله ، وهو جابر بن عبد الله لا جابر بن سمرة . وقوله : أن يقرأ آية من القرآن لحديث جابر بن سمرة ، وهو حديث صحيح سبق بيانه قريبا في مسألة اشتراط القيام ، وحديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة ( ق ) في الخطبة رواه مسلم في صحيحه من رواية أم هشام بنت حارثة بن النعمان الصحابية رضي الله عنها قالت : ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس وحديث نزول النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر وسجوده للتلاوة في الخطبة صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة . قال البيهقي : هو صحيح ، ذكره في أبواب سجود التلاوة ، وقوله وفعله عمر : هو صحيح عنه . رواه البخاري عنه في صحيحه ولفظه : أن عمر قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل ، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس . وقوله وسئل عطاء عن ذلك : هو عطاء بن أبي رباح ، واسم أبي رباح أسلم . وقال الشافعي في الأم : أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال : قلت لعطاء ، فذكره ، وهو إسناد صحيح إلا عبد المجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني . وأما لغات الفصل : فقوله يقول على أثر ذلك فيه لغتان كسر الهمزة مع إسكان الثاء وفتحهما ، قوله ( وقد علا صوته واشتد غضبه واحمر وجنتاه ) هذا كله من مستحبات الخطبة لأنه أوقع في النفوس وأبلغ في الوعظ .
والوجنة الخد وفيها أربع لغات ، فتح الواو وضمها وكسرها والرابعة أجنة بضم الهمزة قوله ( كأنه منذر جيش ) معناه ينذر قومه ويحذرهم من جيش يقصدهم . قوله صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة هو بنصب الساعة ورفعها النصب على تقدير مع وهو مفعول معه ، والرفع عطف على الضمير ، والإبهام مؤنثة على المشهور ويجوز تذكيرها ، وسبق بيانها واضحا في مسح الرأس في صفة الوضوء . قوله صلى الله عليه وسلم وخير الهدى هدى محمد روي في صحيح مسلم على وجهين ، ضم الهاء مع فتح الدال وفتح الهاء مع إسكان الدال ، وكلاهما صحيح فمن فتح فمعناه الطريقة والأخلاق ومن ضم معناه الإرشاد ، وقد بسطت شرح الروايتين وسائر ألفاظ الحديث موضحة في شرح صحيح مسلم . قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة هذا من العام المخصوص لأن البدعة كل ما عمل على غير مثال سبق . قال العلماء : وهي خمسة أقسام : واجبة ومندوبة ومحرمة ومركوهة ومباحة ، وقد ذكرت أمثلتها واضحة في تهذيب الأسماء واللغات . ومن البدع الواجبة تعلم أدلة الكلام للرد على مبتدع أو ملحد تعرض ، وهو فرض كفاية كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في كتاب السير . ومن البدع المندوبات : بناء المدراس والربط وتصنيف العلم ونحو ذلك ، والضياع بفتح الضاد العيال ، أي من ترك عيالا وأطفالا يضيعون بعده فليأتوني لأقوم بكفايتهم ، وكان صلى الله عليه وسلم يقضي دين من مات وعليه دين لم يخلف له وفاء ، وكان هذا القضاء واجبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفصيح عند أصحابنا ، وفيه وجه ضعيف أنه كان مستحبا ، ولا يجب اليوم على الإمام أن يقضيه من مال نفسه . وفي وجوب قضائه من بيتن المال إذا كان فيه سعة ولم يضق عن أهم من هذاوجهان مشهوران ، وسيأتي كل هذا واضحا في أول كتاب النكاح في الخصائص حيث ذكرها الشافعي والأصحاب إن شاء الله تعالى . قوله لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه احتراز من الصوم وقوله الرسول : هكذا هو في المهذب ، وكذا يقوله كثير من العلماء ، وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الشافعي أنه كره أن يقول : قال الرسول ، بل يقال : قال رسول الله أو نبي الله . فإن قيل ففي القرآن يا أيها الرسول : فالجواب أن نداء الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم تشريف له وتبجيل بأي خطاب كان بخلاف كلامنا . وقول المصنف رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة : معناه نقله المزني في المختصر عن الشافعي في أقل ما يجزىء من الخطبة فجعله واجبا . أما الأحكام : فقال أصحابنا فروض الخطبة خمسة ، ثلاثة متفق عليها واثنان مختلف فيهما أحدها : حمد الله تعالى ويتعين لفظ الحمد ، ولا يقوم معناه مقامه بالاتفاق . وأقله الحمد لله الثاني : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين لفظ الصلاة ، وذكرإمام الحرمين عن كلام بعض الأصحاب ما يوهم أن لفظي الحمد والصلاة لا يتعينان ولم ينقله وجها مجزوما به ، والذي قطع به الأصحاب أنهما متعينان الثالث : الوصية بتقوى الله تعالى ، وهل يتعين لفظ الوصية فيه وجهان الصحيح : الذي نص عليه الشافعي وقطع به اوصحاب والجمهور لا يتعين بل يقوم مقامه أي وعظ كان والثاني : حكاه القاضي حسين والبغوي وغيرهما من الخراسانيين أنه يتعين كلفظ الحمد والصلاة ، وهذا ضعيف أو باطل ، لأن لفظ الحمد والصلاة تعبدنا به في مواضع . وأما لفظ الوصية فلم يرد نص بالأمر به ولا بتعينه .
قال إمام الحرمنين : ولا خلاف أنه لا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها ، لأن ذلك قد يتواصى به منكروا الشرائع ، بل لا بد من الحث على طاعة الله تعالى والمنع من المعاصي . قال أصحابنا : ولا يجب في الموعظة كلام طويل ، بل لو قال : أطيعوا الله كفى ، وأبدى في الاكتفاء به احتمالا ، والذي قطع به الأصحاب الاكتفاء به ووافقهم إمام الحرمين على أن الاقتصار على لفظي الحمد والصلاة كاف بلا خلاف . ولو قال : والصلاة على النبي أو على محمد أو رسول الله كفى ولو قال : الحمد للرحمن أو للرحيم لم يكف ، كما لو قال في تكبيرة الإحرام الرحمن أكبر . قال أصحابنا : وهذه الأركان الثلاثة واجبة في كل واحدة من الخطبتين بلا خلاف إلا وجها حكاه الراعفي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكفي في إحداهما وهو شاذ مردود . الرابع : قراءة القرآن ، وفيها أربعة أوجه الصحيح : المنصوص في الأم : تجب في إحداهما أيتها شاء والثاني : وهو المنصوص في البويطي ومختصر المزني تجب في الأولى ولا تجزي في الثانية والثالث : تجب فيهما جميعا وهو وجه مشهور قال الشيخ أبو حامد : هو غلط والرابع : لا تجب في واحدة منهما بل هي مستحبة ونقله إمام الحرمين وابن الصباغ و الشاشي وصاحب البيان قولا ، والمذهب عند الأصحاب أنها تجب في إحداهما لا بعينها . قالوا : ويستحب جعلها في الأولى ونص عليه ، واتفقوا على أن أقلها آية ، ونص عليه الشافعي رحمه الله سواء كانت وعدا أو وعيدا أو حكما أو قصة أو غير ذلك . قال إمام الحرمين : ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة كانت والمشهور الجزم باشتراط آية . قال إمام الحرمين وغيره : ولا خلاف أنه لو قرأ ثم نظر لم يكف ، وإن كانت معدودة آية ، بل يشترط كونها مفهمة . قال المصنف وسائر الأصحاب : ويستحب أن يقرأ في الخطبة سورة ( ق ) قال الدارمي وغيره : ويستحب في الخطبة الأولى . ويستحب قراءتها بكمالها للحديث الصحيح في صحيح مسلم وغيره كما سبق ولما اشتملت عليه من المواعظ والقواعد واثبات البعث ودلائله والترغيب والترهيب وغير ذلك . قال أصحابنا : ولو قرأ سجدة نزل وسجد إن لم يمكنه السجود على المنبر ، فإن أمكنه لم ينزل بل يسجد عليه ، فإن لم يمكن السجود عليه ، وكان عاليا وهو بطيء الحركة بحيث لو نزل لطال الفصل ترك السجود ولم ينزل . هكذا ذكر المسألة جماعة وهو موافق لنص الشافعي في المختصر فإنه قال : فإن قرأ سجدة فنزل فسجد فلا بأس . ونقل القاضي أبو الطيب أن الشافعي قال في موضع آخر : الذي أستحبه أن لا يترك الخطبة ويشتغل بالشجود لأن السجود نفل فلا يشتغل به عن لاخطبة وهي فرض ، فلو نزل فسجد وعاد إلى المنبر ولم يطل الفصل بنى على خطبته بلا خلاف ، فلو طال الفصل فقولان ذكرهما المصنف هنا وسبق ذكرهما أصحهما : وهو الجديد أن الموالاة بين أركان الخطبة واجبة لأن فواتها يخل بمقصود الوعظ ، فعلى هذا يجب استئناف الخطبة والثاني : وهو القديم أن الموالاة مستحبة فعلى هذا يستحب الاستئناف فإن بنى جاز . قال أصحابنا : ولو قرأ آية فيها موعظة وقصد إيقاعها عن الوصية بالتقوى وعن القراءة لم تحسب عن الجهتين ، بل تحسب قراءة ولا يجزئه الإتيان بآيات تشتمل على جميع الأركان ، لأن ذلك لا يسمى خطبة ، ولو أتى ببعضها في ضمن آية جاز الخامس : الدعاء للمؤمنين وفيه قولان ، وحكاهما المصنف وكثيرون أو الأكثرون وجهين ، والصواب قولان . أحدهما : أنه مستحب ولا يجب ، لأن الأصل عدم الوجوب ومقصود الخطبة الوعظ ، وهذا نصه في الاملاء ، وممن نقله عن الاملاء الرافعي وغيره .
والثاني : أنه واجب وركن لا تصح الخطبة إلا به ، وهذا نصه في مختصر المزني كما ذكره المصنف ، ونص عليه أيضا في البويطي و الأم ، واختلفوا في الأصح ، فرجح جمهور العراقيين استحبابه ، وبه قطع شيخهم الشيخ أبو حامد في مواضع من تعليقه ، وادعى الاجماع على أنه لا يجب ، وإنما يستحب ، وقطع به أيضا المحاملي في كتبه الثلاثة ، وسليم الرازي والمصنف في التنبيه ، وقطع به قبلهم ابن القاص في التلخيص ، ورجح جمهور الخراسانيين وجوبه ، وقطع به شيخهم القفال في شرح التلخيص ، وصاحبه القاضي حسين وصاحباه البغوي والمتولي ، وقطع به من العراقيين جماعة منهم صاحب الحاوي ، ورجحه إمام الحرمين والغزالي والرافعي وآخرون ، وهو الصحيح المختار . قال أصحابنا : فإذا قلنا : يجب فمحله الخطبة الثانية ، ونص عليه في مختصري البويطي والمزني ، فلو دعا في الأولى لم يجزئه ، قالوا : ويكفي ما يقع عليه اسم الدعاء . قال إمام الحرمين : أرى أنه يجب أن يكون الدعاء متعلقا بأمور الآخرة . وأنه لا بأس بتخصيصه بالسامعين بأن يقول : رحمكم الله ، وأما الدعاء للسلطان فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب ، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعه ، إما مكروه وإما خلاف الأولى ، هذا إذا دعا له بعينه ، فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق ، والمختار أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها ، والله أعلم . فرع هل يشترط كون الخطبة بالعربية فيه طريقان أصحهما : وبه قطع الجمهور : يشترط لأنه ذكر مفروض فشرط فيه العربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وكان يخطب بالعربية والثاني : فيه وجهان حكاهما جماعة منهم المتولي ، أحدهما هذا ، والثاني : مستحب ولا يشترط لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات ، قال أصحابنا : فإذا قلنا بالاشتراط ، فلم يكن فيهم من يحسن العربية جاز أن يخطب بلسانه مدة التعلم ، وكذا أن تعلم واحد منهم التكبير بالعربية ، فإن مضى زمن التعلم ولم يتعلم أحد منهم عصوا بذلك ، ويصلون الظهر أربعا ، ولا تنعقد لهم جمعة . فرع : الترتيب بين أركان الخطبة مأمور به ، وهل هو واجب أو مستحب فيه وجهان أحدهما : وبه قطع جمهور العراقيين وغيرهم : ليس هو بشرط فله التقديم والتأخير ، ونقله الماوردي عن نص الشافعي والثاني : أنه شرط فيجب تقديم الحمد ، ثم الصلاة ، ثم الوصية ، ثم القراءة ثم الدعاء ، وبهذا قطع المتولي وقال البغوي وغيره من الخراسانيين : يجب تقديم الحمد ، ثم الصلاة ثم الوصية ، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء ، ولا بينهما وبين غيرهما ، والصحيح الأول لأن المقصود الوعظ ، وهو حاصل ولم يرد نص في اشتراط الترتيب والله أعلم . فرع : لو أغمي على الخطيب في أثنائها أو أحدث وشرطنا الطهارة فهل يبني عليها غيره ، فيه طريقان أصحهما : وبه قطع البغوي وصححه المتولي أن فيه قولين بناء على الاستخلاف في الصلاة والثاني : القطع بالمنع حكاه المتولي وفرق بأن في الاستخلاف يستخلف من كان شاركه في الصلاة ولا تتصور مشاركة غيره في الخطبة ، فإن قيل : هذا ضعيف لأن المقصود في الصلاة إنما يشترط استخلاف من كان معه في الصلاة ، حيث يؤدي إلى اختلال ترتيب الصلاة ، وهذا المعنى مقصود هنا فالجواب : بأن المقصود في الخطبة أيضا الوعظ ، ولا يحصل ببناء كلام رجل على كلام غيره ، والأصح هنا منع البناء ، قال البغوي : فإن جوزنا البناء اشترط كون الثاني ممن سمع الماضي من الخطبة وإلا استأنفها والله أعلم .
فرع في مذاهب العلماء في أقل ما يجزىء في الخطبة قد ذكرنا أن أركانها عندنا خمسة ، وبه قال أحمد . وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وأبو يوسف ومحمد وداود : الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة . وقال أبو حنيفة : يكفيه أن يقول : سبحان الله أو بسم الله أو الله أكبر أو نحو ذلك من الأذكار ، وقال ابن عبد الحكم المالكي : إن هلل أو سبح أجزأه . فرع : شروط الخطبة سبعة : وقت الظهر ، وتقديمها على الصلاة ، والقيام والقعود بينهما . وطهارة الحدث والنجس ، وستر العورة على الأصح في الخطبتين ، والستر وقد سيبق بيان هذه الشروط ، والسابع رفع الصوت بحيث يسمعه أربعون من أهل الكمال ، وحكى صاحب البيان والرافعي وجها أنه لو خطب سرا ولم يسمه أحد صحت ، وهو غلط لفوات مقصودها . ولو خطب ورفع صوته قدرا يبلغهم ولكن كانوا صما فلم يسمعوا كلهم أو سمع دون أربعين فوجهان مشهوران الصحيح : لا تصح كما لو بعدوا لفوات المقصود والثاني : تصح كما لو حلف لا يكلمه فكلمه بحيث يسمع فلم يسمع لصممه يحنث وكما لو سمعوا الخطبة فلم يفهموها فإنها تصح بالاتفاق . وينبغي للقوم أن يقبلوا على الإمام ويستمعوا له وينصتوا ، والاستماع هو شغل القلب بالإسماع والإصغاء للمتكلم . والإنصات هو السكوت . وهل يجب الإنصات ويحرم الكلام فيه قولان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف بتفريعهما في باب هيئة الجمعة أصحهما : وهو المشهور في الجديد : يستحب الإنصات ولا يجب ، ولا يحرم الكلام والثاني : وهو نصه في القديم والإملاء من الجديد : يجب الانصات ويحرم الكلام ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح هو الأول ، وحكى الرافعي طريقا غريبا جازما بالوجوب وهو شاذ ضعيف . وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان أحدهما : على القولين والثاني : وهو الصحيح وبه قطع الجمهور يستحب ولا يحرم للأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في الخطبة والأولى أن يجيب عن ذلك بأن كلامه صلى الله عليه وسلم كان لحاجة . قال أصحابنا : وهذا الخلاف في حق القوم والإمام في كلام لا يتعلق به غرض مهم ناجز ، فلو رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا ونحوها تدب إلى إنسان غافل ونحوه فأنذره أو علم إنسانا خيرا أو نهاه عن منكر فهذا ليس بحرام بلا خلاف نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب على التصريح به ، لكن قالوا : يستحب أن يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود : هذا كله في الكلام في حال الخطبة أما قبل الشروع فيه وبعد فراغها فيجوز الكلام بلا خلاف لعدم الحاجة إلى الاستماع ، فأما في الجلوس بين الخطبتين فطريقان قطع المصنف والغزالي وآخرون بالجواز وقطع المحاملي وابن الصباغ وآخرون بجريان القولين ، لأنه قد يتمادى إلى الخطبة الثانية ، ولأن الخطبتين كشيء واحد فصار ككلام في أثنائها . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن لا يتكلم حتى يفرغ من الخطبتين واتفقوا على أن للداخل الكلام ما لم يأخذ لنفسه مكانا والقولان إنما هما فيما بعد قعوده ، قال الشافعي في مختصر المزني والأصحاب : يكره للداخل في حال الخطبة أن يسلم على الحاضرين ، سواء قلنا : الانصات واجب أم لا ، فإن خالف وسلم قال أصحابنا : إن قلنا بتحريم الكلام حرمت إجابته باللفظ ، ويستحب بالإشارة كما لو سلم في الصلاة ، وفي تشميت العاطس ثلاثة أوجه الصحيح : المنصوص تحريمه كرد السلام والثاني : استحبابه لأنه غير مفرط بخلاف المسلم والثالث : يجوز ولا يستحب .
وحكى الرافعي وجها أنه يرد السلام لأنه واجب ، ولا يشمت العاطس لأنه سنة ، فلا يترك لها الإنصات الواجب ، وإذا قلنا : لا يحرم الكلام جاز رد السلام والتشميت بلا خلاف ، ويستحب التشميت على أصح الوجهين لعموم الأمر به والثاني : لا يستحب لأن الانصات آكد منه فإنه مختلف في وجوبه ، وأما السلام ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : يجوز ولا يستحب ، وبه قطع إمام الحرمين والثاني : يستحب والثالث : يجب ، وهذا هو الأصح وهو ظاهر نصه في مختصر المزني : وصححه البغوي وآخرون . هذا كله فيمن يسمع الخطبة ، فأما من لا يسمعها لبعده من الإمام ، ففيه طريقان للخراسانيين أحدهما : القطع بجواز الكلام وأصحهما : وهو المنصوص وبه قطع جمهور العراقيين وغيرهم أن فيه القولين ، فإن قلنا : لا يحرم الكلام استحب له الاشتغال بالتلاوة والذكر ، وإن قلنا : يحرم حرم عليه كلام الآدميين وهو بالخيار بين السكوت والتلاوة والذكر ، هذا هو المشهور ، وبه قطع الجمهور وفيه وجه أنه لا يقرأ ولا يذكر إذا قلنا بتحريم الكلام لأنه يؤدي إلى هينمة وتهويش ، حكاه الفوراني والمتولي وصاحب البيان وغيرهم . قالوا : هو نظير الخلاف السابق في أن المأموم هل يقرأ السورة في السرية والجهرية إذا لم يسمع الإمام والصحيح هناك أنه يقرأ ، وكذا هنا ، ولا خلاف أن الذي يسمع الخطبة لا يقرأ ولا يذكر وإن جوزنا له الكلام . لأن الانصات آكد للاختلاف في وجوبه . قال الشافعي والأصحاب : وحيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف ، والحديث الوارد فلا جمعة له أي لا جمعة كاملة . فرع : قال الغزالي : هل يحرم الكلام على من عدا الأربعين فيه القولان وهذا الذي قاله شاذ غير معروف لغيره ، وهو ما أنكروه عليه ، قال الرافعي : هذا التقدير بعيد ومخالف لما نقله الأصحاب ، أما بعده فلأن كلامه مفروض في السامعين للخطبة ، وإذا حضرت جماعة زائدون على أربعين لم يمكن أن يقول : تنعقد الجمعة بأربعين منهم معينين حتى يحرم الكلام عليهم قطعا ، ويكون الخلاف في الباقين ، بل الوجه : الحكم بانعقادها بجميعهم ، أو بأربعين غير معينين ، وأما مخالفته لنقل الأصحاب فلأنك لا تجد للأصحاب إلا إطلاق قولين في السامعين ، ووجهين في حق غيرهم ، كما سبق والله علم . فرع : في مذاهب العلماء في وجوب الانصات حال الخطبة وتحريم الكلام ذكرنا أن الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم الكلام ، وبه قال عروة ابن الزبير ، وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي والثوري وداود ، وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد : يحرم . واحتج لهم بقوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا الأعراف : 402 وبحديث أبي هريرة رضي اللهعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت والإمام يخطب فقد لغوت رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي الدرداء قال : دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقرأ سوة براءة ، فقلت لأبي بن كعب : متى نزلت هذه السورة فلم يكلمني فلما صلينا قلت له : سألتك فلما تكلمني فقال : مالك من صلاتك إلا ما لغوت ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : صدق أبي حديث صحيح . قال البيهقي : إسناده صحيح ، ولأن الخطبتين بدل ركعتين فحرم بينهما الكلام كالصلاة . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المشهورة أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في خطبته يوم الجمعة مرات .
وبحديث أنس قال : دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة فقال : يا رسول الله متى الساعة فأشار إليه الناس أن اسكت ، فسأله ثلاث مرات ، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك ما أعددت لها رواه البيهقي بإسناد صحيح . وعن أنس أيضا قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال : يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا ، فرفع يديه وذكر حديث الاستسقاء رواه البخاري ومسلم . وأجابوا عن الآية أنها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة ، هذا إن سلمنا أن المراد الخطبة ، وأنها داخلة في المراد . وعن الحديث الأول أن المراد باللغو الكلام الفارغ ومنه لغو اليمين وعن حديث أبي ذر أن المراد نقص جمعته بالنسبة إلى الساكت . وأما القياس على الصلاة فلا يصح لأنها تفسد بالكلام بخلاف الخطبة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وسننها أن تكون على منبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على المنبر ، ولأنه أبلغ في الإعلام ، ومن سننها إذا صعد المنبر ثم أقبل على الناس أن يسلم عليهم لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس بوجهه قال : السلام عليكم ولأنه استدبر الناس في صعوده فإذا أقبل عليهم سلم . ومن سننها أن يجلس إذا سلم حتى يؤذن المؤذن ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم الجمعة جلس يعني على المبنر حتى يسكت المؤذن ثم قام فخطب ويقف على الدرجة التي تلي المستراح لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على هذه الدرجة ، ولأن ذلك أمكن له ، ويستحب أن يعتمد على قوس أو عصا لما روى الحكم بن حزن رضي الله عنه قال وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئا على قوس أو عصا ، فحمد الله وأثنى عليه ، كلمات خفيفات ، طيبات مباركات ولأن ذلك أمكن له فإن لم يكن معه شيء سكن يديه ، ومن سننها أن يقبل على الناس ولا يلتفت يمينا ولا شمالا ، لم روى سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر علا صوته واشتد غضبه ولأنه أبلغ في الإعلام قال الشافعي رحمه الله : ويكون كلامه مترسلا مبينا معربا من غير بغي ولا تمطيط ، لأن ذلك أحسن وأبلغ ، ويستحب أن يقصر الخطبة لما روى عن عثمان أنه خطب وأوجز ، فقيل له : لو كنت تنفست ، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة . + الشرح : حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على المنبر صحيح مشهور رواه البخاري ومسلم من روايات جماعات من الصحابة . وأما الحديث الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة قال : السلام عليكم فرواه البيهقي من رواية ابن عمر وجابر وإسنادهما ليس بقوي . وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم الجمعة جلس على المنبر إلى آخره ، فرواه أبو داود بإسناد ضعيف ويغني عنه ما ثبت في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد الصحابي قال كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهذا الحديث صحيح صريح في الجلوس حينئذ ، وبه استدل البخاري والبيهقي في المسألة . وأما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على الدرجة التي تلي المستراح فهذا الحديث موجود في أكثر النسخ وليس موجودا في بعض النسخ المقابلة بأصل المصنف ، وهو حديث أصحابنا . وأما حديث الحكم بن حزن فحديث حسن رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة ، وأما حديث سمرة بن جندب . وأما حديث عثمان فرواه مسلم في صحيحه . وأما لغات الفصل وألفاظه : فالمنبر مشتق من النبر ، وهو الارتفاع ، وقوله تلي المستراح هو أعلى المنبر الذي يقعد عليه الخطيب ليستريح قبل الخطبة حال الأذان ، والحكم ابن حزن بفتح الحاء المهملة وإسكان الزاي ، وجندب بضم الدال وفتها ، قوله يكون كلامه مترسلا قال الأزهري أي يتمهل فيه ويبينه تبيينا يفهمه سامعوه .