Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V04/P445–V04/P446

قال وهو من قولهم : اذهب على رسلك أي على هينتك غير مستعجل ولا تتعب نفسك ، قوله معربا أي فصيحا ، والبغي بإسكان الغين المعجمة ، قال الأزهري : هو أن يكون رفعه صوته يحكي كلام الجبابرة والمتكبرين والمتفيهقين ، قال : والبغي في كلام العرب الكبر والبغي الضلال والبغي الفساد ، قوله التمطيط الإفراط في مد الحروف ، يقال : مط كلامه إذا مده ، فإذا أفرط فيه قيل مططه ، قوله : لو كنت تنفست يعني مددتها وطولتها ، قوله صلى الله عليه وسلم مئنة بفتح الميم بعدها همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة أو دلالة على فقهه . وأما أحكام الفصل : ففيه مسائل إحداها : أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر للأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها ، ولأنه أبلغ في الإعلام ، ولأن الناس إذا شاهدوا الخطيب كان أبلغ في وعظم . قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب ، أي على يمين الإمام إذا قام في المحراب مستقبل القبلة ، وهكذا العادة . قال أصحابنا : ويستحب أن يقف على يمين المنبر ، قال أصحابنا : فإن لم يكن منبر استحب أن يقف على موضع عال ، وإلا فإلى خشبة ونحوها للحديث المشهور في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذ المنبر قالوا : ويكره المنبر الكبير جدا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعا . المسألة الثانية : قال أصحابنا : يسن للإمام السلام على الناس مرتين إحداهما : عند دخوله المسجد يسلم على من هناك وعلى من عند المنبر إذا انتهى إليه . الثانية : إذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلم عليهم ، لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : وإذا سلم لزم السامعين الرد عليه وهو فرض كفاية كالسلام في باقي المواضع ، وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبنا ومذهب الأكثرين وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعمر ابن عبد العزيز والأوزاعي وأحمد . وقال مالك وأبو حنيفة : يكره . المسألة الثالثة : يسن له إذا صعد المنبر وأقبل على الناس وسلم أن يجلس ويؤذن المؤذن ، فإذا فرغ من الأذان قام فشرع في الخطبة ويكون المؤذن واحدا ، فإن كان أكثر ففيه كلام وتفصيل سبق في باب الأذان . المسألة الرابعة : يستحب أن يقف على الدرجة التي تلي المستراح كما ذكره المصنف ، قال الشيخ أبو حامد : فإن قيل قد روى أن أبا بكر نزل عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم درجة ، وعمر درجة أخرى ، وعثمان أخرى ، ووقف علي رضي الله عنه في موقف النبي صلى الله عليه وسلم . قلنا : كل منهم له قصد صحيح ، وليس بعضهم حجة على بعض ، واختار الشافعي وغيره موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لعموم الأمر بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم . المسألة الخامسة : يسن أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها لما سبق . قال القاضي حسين والبغوي : يستحب أن يأخذه في يده اليسرى ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها . وقال أصحابنا : ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر . قالوا : فإن لم يجد سيفا أو عصا ونحوه سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يحركهما ولا يعبث بواحدة منهما ، والمقصود الخشوع والمنع من العبث .

قسم V04/P446–V04/P448

المسألة السادسة : يسن أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبتيه ولا يلتفت في شيء منهما ، قال صاحب الحاوي وغيره : ولا يفعل ما يفعله بعض الخطباء في هذه الأزمان من الالتفات يمينا وشمالا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيرها فإنه باطل لا أصل ، واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات وهو معدود من البدع المنكرة ، وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : يستحب أن يقصد قصد وجهه ولا يلتفت في شيء من خطبته عندنا ، وقال أبو حنيفة : يلتفت يمينا وشمالا في بعض الخطبة كما في الأذان ، وهذا غريب لا أصل له . قال أصحابنا : ويستحب للقوم الإقبال بوجوههم على الخطيب وجاءت فيه أحاديث كثيرة ولأنه الذي يقتضيه الأدب وهو أبلغ في الوعظ وهو مجمع عليه . قال إمام الحرمين : سبب استقبالهم له واستقباله إياهم واستدباره القبلة أن يخاطبهم ، فلو استدبرهم كان قبيحا خارجا عن عرف الخطاب ، ولو وقف في آخر المسجد واستقبل القبلة فإن استدبروه كان قبيحا وإن استقبلوه استدبروا القبلة فاستدبار واحد واستقبال الجمع أولى من عكسه . قال أصحابنا : ولو خالف السنة وخطب مستقبل القبل مسدبر الناس صحت خطبته مع الكراهة : كذا قطع به جماهير الأصحاب في جميع الطرق وفيه وجه شاذ أنه لا تصح خطبته . حكاه الدارمي والشاشي وغيرهما : وهو مخالف لما قطع به وأن له بعض الاتجاه ، وطرد الدارمي الوجه فيما إذا استدبروه أو خالفوا هم أو هو الهيئة المشروعة بغير ذلك . المسألة السابعة : يستحب رفع صوته زيادة على الواجب لما ذكره المصنف . المسألة الثامنة : يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير ولا تكون ألفاظا مبتذلة ملفقة ، فإنها لا تقع في النفوس موقعا كاملا ، ولا تكون وحشية لأنه لا يحصل مقصودها بل يختار ألفاظا جزلة مفهمة . قال المتولي : ويكره الكلمات المشتركة والبعيدة عن الأفهام . وما يكره عقول الحاضرين واحتج بقول علي بن أبي طالب رضي اللهعنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله رواه البخاري في أواخر كتاب العلم من صحيحه . المسألة التاسعة : يستحب تقصير الخطبة للحديث المذكور ، وحتى لا يملوها ، قال أصحابنا : ويكون قصرها معتدلا ، ولا يبالغ بحيث يمحقها . المسألة العاشرة : قال المتولي يستحب للخطيب أن لا يحضر للجمعة إلا بعد دخول الوقت بحيث يشرع فيها أول وصوله المنبر ، لأن هذا هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا وصل ا لمنبر صعده ولا يصلي تحية المسجد ، وتسقط هنا التية بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف ، وقال جماعة من أصحابنا . تستحب له تحية المسجد ركعتان عند المنبر ، ممن ذكر هذا البندنيجي والجرجاني في التحرير وصاحبا العدة والبيان ، والمذهب أنه لا يصليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه صلاها ، وحكمته ما ذكرته . ولم يذكر الشافعي وجماهير الأصحاب التحية ، وظاهر كلامهم أنه لا يصليها والله علم . المسألة الحادية عشرة : يستحب للقوم أن يقبلوا على الخطيب مستمعين ولا يشتغلوا بغيره حتى قال أصحابنا : يكره لهم شرب الماء للتلذذ ، ولا بأس بشربه للعطش للقوم والخطيب ، هذا مذهبنا قال ابن المنذر : رخص في الشرب طاوس ومجاهد والشافعي ، ونهى عنه مالك والأوزاعي وأحمد . وقال الأوزاعي : تبطل الجمعة إذا شرب والإمام يخطب ، واختار ابن المنذر الجواز قال : ولا أعلم حجة لمن منعه . قال العبدري : قول الأوزاعي مخالف للإجماع . المسألة الثانية عشرة : يستحب للخطيب أن يختم خطبته بقوله : أستغفر الله لي ولكم ، ذكره البغوي ، ويستحب له أن يأخذ في النزول من المنبر عقب فراغه ، ويأخذ المؤذن في الإقامة ، ويبلغ المحراب مع فراغ الإقامة .

قسم V04/P448

المسألة الثالثة عشرة : يكره في الخطبة أشياء منها : ما يفعله بعض جهلة الخطباء من الدق بالسيف على درج المنبر في صعوده ، وهذا باطل لا أصل له وبدعة قبيحة . ومنها : الدعاء إذا انتهى صعوده قبل جلوسه ، وربما توهم بعض جهلتهم أنا ساعة إجابة الدعاء ، وذلك خطأ ، إنما ساعة الإجابة بعد جلوسه كما سنوضحه في موضعه من الباب الثاني إن شاء الله تعالى ومنها : الالتفاف في الخطبة الثانية عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق بيان أنه باطل مكروه ومنها : المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم ، وكذبهم في كثير من ذلك ، كقولهم السلطان العالم العادل ونحوه ومنها : مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت بها . المسألة الرابعة عشرة : قال الشافعي في المختصر : وإذا حصر الإمام لقن ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : ونص في مواضع أخر أنه لا يلقن . قال القاضي أبو الطيب : قال أصحابنا : ليست على قولين بل على حالين ، فقوله يلقنه أراد إذا استعظمه التلقين بحيث سكت ولم ينطق بشيء وقوله لا يلقنه أراد ما دام يردد الكلام ويرجو أن ينفتح عليه فيترك حتى ينفتح عليه ، فإن لم ينفتح لقن واتفق الأصحاب على أن مراد الشافعي هذا التفصيل وأنها ليست على قولين .

قسم V04/P448–V04/P450

قال المصنف رحمه الله تعالى : والجمعة ركعتان لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد خاب من افترى ولأنه نقل الخلف عن السلف ، والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة الجمعة ، وفي الثانية المنافقين لما روى عبد الله بن أبي رافع قال : استخلف مروان أبا هريرة على المدينة فصلى بالناس الجمعة فقرأ بالجمعة والمنافقين ، فقلت : يا أبا هريرة قرأت بسورتين سمعت عليا رضي الله عنه قرأ بهما قال : سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لأنه نقل الخلف عن السلف . + الشرح : حديث عمر رضي الله عنه حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في مسنده والنسائي وابن ماجه والبيهقي في سننهم ، وسبق بيانه في باب صلاة المسافر في فرع مذاهب العلماء في القصر والإتمام ، وحديث عبد الله بن أبي رافع رواه مسلم في صحيحه بلفظه ، وعبد الله هذا تابعي وأبوه أبو رافع صحابي ، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أسلم ، ويقال : إبراهيم ، ويقال : ثابت ، ويقال : هرمز وقوله : حبي بكسر الحاء المهملة والباء الموحدة أي محبوبي . أما الأحكام : فأجمعت الأمة على أن الجمعة ركعتان ، وعلى أنه يسن الجهر فيهما وتسن القراءة فيها بالسورتين المذكورتين بكمالهما ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، ونص الشافعي في القديم على أنه يستحب أن يقرأ في الأولى سبح اسم ربك ، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية . وقال الربيع وهو راوي كتب الشافعي الجديدة : سألت الشافعي عن ذلك فذكر أنه يختار الجمعة والمنافقين ، ولو قرأ سبح وهل أتاك كان حسنا . وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الجمعة بسبح ، وهل أتاك أيضا ، والصواب هاتان سنة وهاتان سنة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين تارة وبهاتين تارة ، والأشهر عن الشافعي والأصحاب الجمعة والمنافقين . قال الشافعي : فإن قرأ في الأولى المنافقين قرأ في الثانية الجمعة ، قال المتولي وغيره : ولا يعيد المنافقين ، ولو قرأ في الأولى غير الجمعة والمنافقين قال أصحابنا : قرأ في الثانية السورتين بخلاف ما لو ترك الجهر في الأوليين من العشاء لا يجهر في الأخريين لأن السنة الإسرار في الأخريين ، ولا يمكنه تدارك السنة الفائتة إلا بتفويت السنة المشروعة الآن وأما هنا فيمكنه جمع السورتين بغير اخلال بسنة فإن قيل هذا يؤدي إلى تطويل الركعة الثانية على الأولى ، وهذا خلاف السنة فالجواب : أن ذلك الأدب لا يقاوم فضيلة السورتين والله أعلم . وقال أبو حنيفة : لا مزية لهاتين السورتين ولا لغيرهما ، والسور كلها سواء في هذا ، وقال مالك : يقرأ في الأولى الجمعة والثانية هل أتاك حديث الغاشية . فرع : هل الجمعة صلاة مستقلة أم ظهر مقصورة فيه خلاف مشهور في طريقة الخراسانيين ، وممن نقله من المتقدمين صاحب التقريب حكاه عنه إمام لحرمين وغيره ، وظاهر كلام بعضهم أنه قولان ، وظاهر كلام الآخرين أنه وجهان ، ولعلهما قولان مستنبطان من كلام الشافعي فيصح تسميتها قولين ووجهين أصحهما : أنها صلاة مستقلة ويستدل له بحديث عمر رضي الله عنه الذي ذكره المصنف ، وبأن ادعاء القصر يحتاج إلى دليل ، وعبر بعض أصحابنا بعبارة أخرى فقال : في الجمعة والظهر يوم الجمعة ثلاثة أقوال . أحدها : كل واحدة أصل بنفسه . والثاني : الظهر أصل والجمعة بدل ، وهو القول بأنها ظهر مقصورة .

قسم V04/P450–V04/P451

والثالث : وهو أصحها أن الجمعة أصل والظهر بدل ، وبنى الأصحاب على الخلاف في كونها ظهرا مقصورة أم مستقلة مسائل كثيرة منها : ما سأذكره في فرع بعد هذا في نية الجمعة إن شاء الله تعالى . فرع : ينبغي لمصلي الجمعة أن ينوي الجمعة بمجموع ما يشترط في النية ، فل نوى الظهر قال إمام الحرمين قال صاحب التقريب : إن قلنا : الجمعة صلاة مستقلة فلا بد من نية الجمعة فلو نوى ظهرا مقصورة لم تصح ، وإن قلنا : هي ظهر مقصورة فنوى ظهرا مقصورة فوجهان . أحدهما : تصح جمعته ، لأنه نوى الصلاة على حقيقتها والثاني : لا تصح لأن مقصود النيات التمييز فوجب التمييز بما يخص الجمعة قال : ولو نوى الجمعة ، فإن قلنا هي صلاة مستقلة أجزأته ، وإن قلنا ظهر مقصور فهل يشترط نية القصر فيه وجهان الصحيح : لا يشترط لأن الأصل الإتمام ، قال الإمام : وهذا ضعيف غير معدود من المذهب ، هذا آخر كلام الإمام ، ولو نوى الظهر مطلقا من غير تعرض للقصر لم تصح بلا خلاف . باب هيئة الجمعة والتبكير باب

قسم V04/P451–V04/P452

قال المصنف رحمه الله تعالى : السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل ووقته ما بين طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزئه لقوله صلى الله عليه وسلم غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم فعلقه على اليوم . والأفضل أن يغتسل عند الرواح لحديث ابن عمر ، ولأنه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود ، فإن ترك الغسل جاز لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل فإن كان جنبا فنوى بالغسل الجنابة والجمعة أجزأه عنهما كما لو اغتسلت المرأة ونوت الجنابة والحيض وإن نوى الجنابة ولم ينو الجمعة أجزأه عن الجنابة ، وفي الجمعة قولان . أحدهما : يجزئه لأنه يراد للتنظيف ، وقد حصل ( ذلك ) والثاني : لا يجزئه لأنه لم ينوه فأشبه إذا اغتسل من غير نية ، وإن نوى الجمعة ولم ينو الجنابة لم يجزئه عن الجنابة وفي الجمعة وجهان أحدهما : وهو المذهب أن يجزئه عنهما لأنه نواها والثاني : لا يجزئه لأن غسل الجمعة يراد للتنظيف ، والتنظيف لا يحصل مع بقاء الجنابة . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وحديث غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ من رواية أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سمرة حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد حسنة قال الترمذي : هو حديث حسن . وقوله صلى الله عليه وسلم من جاء منكم إلى الجمعة معناه من أراد المجىء وغسل الجمعة واجب على كل محتلم المراد بالمحتلم البالغ ، وبالوجوب وجوب اختيار لا وجوب التزام ، كقول الإنسان لصاحبه ، حقك واجب علي . وقوله : صلى الله عليه وسلم من توضأ فبها ونعمت قال الأزهري و الخطابي : قال الأصمعي : معناه فبالسنة أخذ ونعمت السنة ، قال الخطابي : ونعمت الخصلة أو نعمت الفعلة أو نحو ذلك قال : وإنما ظهرت تاء التأنيث لاظهار السنة أو الخصلة أو الفعلة ، وحكى الهروي في الغريبين عن الأصمعي ما سبق ثم قال : وسمعت الفقيه أبا حاتم الشاركي يقول : معناه فبالرخصة أخذ ، لأن السنة يوم الجمعة الغسل وقال صاحب الشامل : فبالفريضة أخذ ولعل الأصمعي أراد بقوله فبالسنة أي فيما جوزته السنة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ونعمت بكسر النون وإسكان العين هذا هو المشهور وروى بفتح النون وكسر العين وهو الأصل في هذه اللفظة قال القلعي : وروى نعمت بفتح النون وكسر العين وفتح التاء أي نعمك الله وهذا تصحيف نبهت عليه لئلا يغتر به . أما الأحكام : فقد سبق بيان غسل الجمعة وسائر الأغسال المسنونة في فصل عقيب باب صفة الغسل ، ونعيد منه هنا قطعة مختصرة تتعلق بلفظ المصنف ، وغسل الجمعة سنة ، وليس بواجب وجوبا يعصى بتركه بلا خلاف عندنا وفيمن يسن له أربعة أوجه الصحيح : المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور يسن لكل من أراد حضور الجمعة ، سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم لظاهر حديث ابن عمر ، ولأن المراد النظافة وهم في هذا سواء ، ولا يسن لمن لم يرد الحضور ، وإن كان من أهل الجمعة لمفهوم الحديث ولانتفاء المقصود ولحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح . الثاني : يسن لكل من حضرها ولمن هو من أهلها ومنعه عذر ، حكاه الماوردي والروياني والشاشي وغيرهم ، لأنه شرع له الجمعة والغسل ، فعجز عن أحدهما فينبغي أن يفعل الآخر .

قسم V04/P452–V04/P454

والثالث : لا يسن إلا لمن لزمه حضورها ، حكاه الشاشي وآخرون . والرابع : يسن لك أحد سواء من حضرها وغيره لأنه كيوم العيد وهو مشهور ممن حكاه المتولي وغيره ، قال أصحابنا : ووقت جواز غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة كما قاله المصنف ودليله في الكتاب . قالوا : ولا يجوز قبل الفجر وانفرد إمام الحرمين بحكاية وجه أنه يجوز قبل طلوع الفجر كغسل العيد على أصح القولين والصواب المشهور أنه لا يجزىء قبل الفجر ويخالف العيد . فإنه يصلي في أول النهار فيبقى أثر الغسل ، ولأن الحاجة تدعو إلى تقديم غسل العيد لكون صلاته أول النهار ، فلو لم يجز قبل الفجر ضاق الوقت وتأخر عن التبكير إلى الصلاة ، واتفقوا على أن الأفضل تأخيره إلى وقت الذهاب إلى الجمعة لما ذكره المصنف وقال مالك : لا يصح إلا عند الذهاب . ولو اغتسل ثم أحدث أو أجنب بجماع أو غيره لم يبطل غسل الجمعة عندنا ، بل يغتسل للجنابة ويبقى غسل الجمعة على صحته ، لأنه قد صح ولا وجه لإبطاله ، ولو عجز عن الغسل لنفاد الماء بعد الوضوء أو لمرض أو برد أو غير ذلك قال الصيدلاني وسائر الأصحاب : يستحب له التيمم ويجوز به فضيلة الغسل ، لأنه الشرع أقامه مقامه عند العجز . قال إمام الحرمين : هذا الذي قالوه هو الظاهر ، وفيه احتمال من حيث أن المراد بالغسل النظافة ولا تحصل بالتيمم ورجح الغزالي هذا الاحتمال وليس بشيء ، ولو ترك الغسل مع التمكن منه فلا إثم عليه وجمعته صحيحة وسنبسط دلائله في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما إذا وجب عليه يوم الجمعة غسل جنابة فنوى الغسل عن الجنابة والجمعة معا فالمذهب صحة غسله لهما حميعا ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه ضعيف حكاه الخراسانيون أنه لا يجزئه ، حكاه المتولي عن أبي سهل الصعلوكي من أصحابنا ، وهو مذهب مالك ، واستدل للمذهب بما إذا لزمها غسل حيض وغسل جنابة فنوتهما أو نوى بصلاته الفرض وتحية المسجد ، فإنه يجزئه عنهما ، ولو نوى غسل الجمعة لم تحصل ( عن ) الجنابة على المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور وفيه وجه مشهور للخراسانيين أنها تحصل ، وسبق بيانه في كتاب الطهارة وهو ضعيف فإن قلنا به حصل غسل الجمعة أيضا ، وإن قلنا بالمذهب ففي صحة غسل الجمعة وجهان حكاهما المصنف وغيره الصحيح : الذي قطع به كثيرون : حصوله ونقله البندنيجي وغيره عن النص والثاني : لا يحصل ، ودليلهما في الكتاب . وإذا اختصرت قلت : إذا نوى غسل الجمعة فثلاثة أوجه الصحيح : حصولها دون الجنابة والثاني : حصولهما والثالث : منعهما . ولو نوى الغسل للجنابة حصل بلا خلاف وفي حصول غسل الجمعة قولان أصحهما : عند المصنف في التنبيه والأكثرين لا يحصل لأن الأعمال بالنيات ولم ينوه وأصحهما : عند البغوي حصوله والمختار أنه لا يحصل . فرع في مذاهب العلماء في غسل الجمعة مذهبنا أنه سنة ليس بواجب يعصى بتركه بل له حكم سائر المندوبات ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقال بعض أهل الظاهر : هو فرض وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه وحكاه الخطابي وغيره عن الحسن البصري وعن رواية عن مالك ، واحتج لهم بحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم وبحديث من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل وهما في الصحيحين كما بيناه .

قسم V04/P454–V04/P455

واحتج أصحابنا والجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل وفيه دليلان على عدم الوجوب أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم فبها وعلى كل قول مما سبق في تفسيره تحصل الدلالة والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم فالغسل أفضل والأصل في أفعل التفضيل أن يدخل على مشتركين في الفضل يرجح أحدهما فيه ، وبحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة ، وزيادة ثلاثة أيام رواه مسلم وغيره . وبحديث أبي هريرة قال : بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان فأعرض عنه عمر فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء فقال عثمان : ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت ، فقال عمر والوضوء أيضا ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم ، وفي رواية البخاري دخل رجل ولم يسم عثمان وموضع الدلالة أن عمر وعثمان ومن حضر الجمعة وهم الجم الغفير أقروا عثمان على ترك الغسل ولم يأمروه بالرجوع له ، ولو كان واجبا لم يتركه ولم يتركوا أمره بالرجوع له ، قال بعض الظاهرية : لا يتحرينه . وقوله : والوضوء أيضا منصوب على المصدر ، أي وتوضأت الوضوء أيضا بحديث عائشة قالت كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار ، فيخرج منهم الريح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس قال غسل الجمعة ليس بواجب ، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل ، وسأخبركم كيف كان بدء الغسل فذكر نحو حديث عائشة . رواه أبو داود بإسناد حسن والجواب : عما احتجوا به أنه محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في مسائل من غسل الجمعة قال ابن المنذر : أكثر العلماء يقولون : يجزىء غسل واحد عن الجنابة والجمعة وهو قول ابن عمر ومجاهد ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي ثور ، وقال أحمد : أرجو أن يجزئه ، وقال أبو قتادة الصحابي لمن اغتسل للجنابة أعد غسلا للجمعة ، وقال بعض الظاهرية : لا يجزئه ومنها : لو اغتسل للجمعة قبل الفجر لم يجزئه على الصحيح من مذهبنا ، وبه قال جماهير العلماء . وقال الأوزاعي : يجزئه ومنها : لو اغتسل لها بعد طلوع الفجر أجزأه عندنا وعند الجمهور حكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال مالك : لا يجزئه إلا عند الذهاب إلى الجمعة وكلهم يقولون : لا يجزئه قبل الفجر إلا الأوزاعي فقال : يجزئه الاغتسال قبل طلوع الفجر للجنابة والجمعة . ومنها : لو اغتسل للجمعة ثم أجنب لم يبطل غسله عندنا وعند الجمهور . وقال الأوزاعي يبطل . ولو أحدث لم يبطل بالإجماع ، واختلفوا في استحباب إعادة الغسل ، فمذهبنا أنه لا يستحب ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي ، قال : وبه أقول ، وحكى عن طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير استحبابه ومنها : المسافر إذا لم يرد حضور الجمعة لا يستحب له الغسل عندنا ، وفيه الوجه السابق . قال ابن المنذر : وممن تركه في السفر ابن عمر وعلقمة وعطاء . قال : وروي عن طلحة بن عبيد الله أنه كان يغتسل في السفر يوم الجمعة ، وعن طاوس ومجاهد مثله . ومنها : المرأة إذا حضرت الجمعة استحب لها الغسل عندنا ، وبه قال مالك والجمهور . وقال أحمد : لا تغتسل دليلنا على الجميع وقوله صلى الله عليه وسلم من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل وعن مالك اشتراط الذهاب عقب الغسل .

قسم V04/P455

قوله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة ثم راح إلى آخر الحديث ، ولفظة ثم : للتراخي ، وعلى أحمد في المرأة حديث ابن عمر الذي رواه البيهقي بزيادته وهو صحيح بيانه قريبا ، ولأنه ليس فيه تطيب ولا تزين .

قسم V04/P455–V04/P457

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يتنظف بسواك ، وأخذ الظفر والشعر ، وقطع الروائح ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ، لما روى أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب ، إن كان عنده ، ولبس أحسن ثيابه ، ثم خرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ، ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، وانصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها وأفضل الثياب البياض ، لما روى سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا ثياب البيض فإنها أطهر وأطيب ويستحب للإمام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره لأنه يقتدى به ، والأفضل أن يعتم ويرتدي ببرد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك . + الشرح : حديث أبي سعيد وأبي هريرة رواه أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود في سننه وغيرهما بأسانيد حسنة ، وهو من رواية محمد ابن إسحاق صاحب المغازي عن محمد بن إبراهيم التيمي ، ومحمد بن إسحاق يحتج به عند الجمهور إذا قال : أخبرني أو حدثني أو سمعت ولا يحتج به إذا قال : عن لأنه منسوب إلى تدليس وقد قال في رواية أبي داود عن محمد بن إبراهيم وفي رواية أحمد والبيهقي : حدثني محمد بن إبراهيم ، فثبت بذلك سماعه وصار الحديث حسنا وفي صحيح البخاري ومسلم أحاديث بمعنى بعضه . منها : عن سلمان رضي اللهعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج لا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري . وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : غسل يوم الجمعة على كل محتلم من سواك ويمس من الطيب ما قدر عليه رواه مسلم . وأما حديث سمرة فصحيح رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي وغيرهما في كتاب الجنائز . قال الحاكم : هو صحيح وفي المسألة أحاديث كثيرة في الندب إلى إحسان الثياب يوم الجمعة والسواك والطيب . وأما إزالة الشعر والظفر فاحتج لهما البيهقي والمحققون بالأحاديث الصحيحة السابقة في باب السواك في الندب العام إليهما ، وأنهما من خصال الفطرة المندوب إليهما . وأما ما روي عن ابن عمر وابن عباس من النهي عنهما يوم الجمعة قبل الصلاة فباطل ، ذكره البيهقي وضعفه . وأما حديث الاعتمام فرواه عمرو بن حريث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء رواه مسلم في صحيحه . وأما لبس البرد فرواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم برد يلبسه في العيدين والجمعة رواه البيهقي وقوله صلى الله عليه وسلم واستن بتشديد النون أي تسوك ، ويقال : أنصت ونصت وتنصت ثلاث لغات ذكرهن الأزهري وغيره أفصحها : انصت ، وبها جاء القرآن العزيز ، وسبق في الانصات للخطبة بيان الفرق بينه وبين الاستماع ، وسمرة بن جندب بضم الدال وفتحها . وقوله أفضل الثياب البياض كان الأحسن أن يقول البيض ، ويصح البياض على تقدير أفضل ألوان الثياب البياض وهو معنى الحديث ألبسوا ثياب البيض ، أي ثياب الألوان البيض ، وألبسوا بفتح الباء . وأما أحكام الفصل : فقال أصحابنا : يستحب مع الاغتسال للجمعة أن يتنظف بإزالة أظفار وشعر وما يحتاج إلى إزالته كوسخ ونحوه ، وإن يتطيب ويدهن ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه ، وأفضلها البيض ، ويستحب للإمام أكثر مما يستحب لغيره من الزينة وغيرها ، وأن يتعمم ويرتدي ، وأفضل ثيابه البيض كغيره ، هذا هو المشهور ، وذكر الغزالي في الإحياء كراهة لباسه السواد .

قسم V04/P457–V04/P458

وقاله قبله أبو طالب المكي ، وخالفهما الماوردي فقال في الحاوي : يجوز للإمام لبس البياض والسواد . قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يلبسون البياض . واعتم النبي صلى الله عليه وسلم بعمامة سوداء قال : وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعارا لهم . ولأن الراية التي عقدت للعباس يوم فتح مكة ويوم حنين كانت سوداء . وكانت راية الأنصار صفراء . قال : فينبغي للإمام أن يلبس السواد إذا كان السلطان له مؤثرا لما في تركه من مخالفته ، وقال في كتاب الأحكام السلطانية ينبغي للإمام أن يلبس السواد ، ويستدل بحديث عمرو بن حريث . والصحيح أنه يلبس البياض دون السواد إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسده على ذلك من جهة السلطان أو غيره والله أعلم . وأعلم أن هذا المذكور من استحباب الغسل والطيب والتنظف بإزالة الشعور المذكورة والظفر والروائح الكريهة ولبس أحسن ثيابه ليس مختصا بالجمعة بل هو مستحب لكل من أراد حضور مجمع من مجامع الناس ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وغيرهم . قال الشافعي : أحب ذلك كله للجمعة والعيدين وكل مجمع تجتمع فيه الناس ، قال : وأنا لذلك في الجمع ونحوها أشد استحبابا . قال الشافعي والأصحاب : وتستحب هذه الأمور لكل من أراد حضور الجمعة ونحوها ، سواء الرجال والصبيان والعبيد ، إلا النساء فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب ، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة ، وإزالة الظفر والشعور المكروهة .

قسم V04/P458–V04/P459

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح ( في الساعة الأولى ) فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ( وطويت الصحف ) . + الشرح : حديث أبي هريرة هذا قد رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وهذا المذكور من أن الساعات خمس هو المشهور في كتب الحديث ، وفي رواية النسائي ست ساعات . قال : في الأولى بدنة ، وفي الثانية بقرة ، والثالثة كبشا ، والرابعة بطة ، والخامسة دجاجة ، والسادسة بيضة وفي رواية النسائي أيضا : في الرابعة دجاجة ، وفي الخامسة عصفورا ، وفي السادسة بيضة وإسنادا الروايتين صحيحان لكن قد يقال : هما شاذان لمخالفتهما سائر الروايات . وقوله صلى الله عليه وسلم غسل الجنابة ، معناه غسلا كغسل الجنابة في صفاته وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه ولا يكمل آدابه ومندوباته . لكونه سنة ليس بواجب ، هذا هو المشهور في معناه ، ولم يذكر جمهور أصحابنا وجماهير العلماء غيره ، وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما من أصحابنا أن بعضهم حمله على الغسل من الجنابة حقيقة ، قالوا : والمراد به أنه يستحب له أن يجامع زوجته إن كان له زوجة أو أمته ، لتسكن نفسه في يومه ، ويؤيده الحديث المذكور بعد هذا من غسل واغتسل على أحد المذاهب في تفسير كما سيأتي إن شاء الله . وقوله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة ثم راح يستدل به أصحابنا على مالك في اشتراط الرواح عقبة لأن ثم للتراخي ، ويستدلون به على الأوزاعي في تجويزه الاغتسال لها قبل الفجر لأن ما قبل الفجر ليس من يوم الجمعة بالاتفاق . وهذه الرواية مبينة لغسل الجمعة المطلق في غيرها ، وقوله صلى الله عليه وسلم ثم راح أي في الساعة الأولى ، وأما حقيقة الرواح والمراد به فسنذكره عقب هذه المسألة إن شاء الله تعالى . وقوله : صلى الله عليه وسلم : قرب بدنة إلى آخره معنى قرب بدنة تصدق بها . والمراد بالبدنة هنا الواحد من الإبل ذكرا كان أو أنثى . وفي حقيقة البدنة خلاف لأهل اللغة والفقهاء . قال الجمهور : يقع على الواحد من الإبل والبقر والغنم ، وسميت بذلك لعظم بدنها ، وقيل : يختص بالإبل والبقر ، ويقع على الذكر والأنثى ، سميت بقرة لأنها تبقر الأرض أي تشقها بالحراثة ، والبقر الشق ووصف الكبش بأنه أقرن لأنه أحسن وأكمل في صورته ، والدجاجة بفتح الدال وكسرها يقع على ذكر وأنثى ، ويقال : حضرت الملائكة وغيرهم بفتح الضاد على المشهور ، وحكى ابن السكيت وجماعات كسرها ، قالوا : وهؤلاء الملائكة غير الحفظة بل طائفة وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة ، ثم يحضرون يسمعون الخطبة . وفي هذا الحديث حجة لنا وللجمهور على مالك ، فإنه قال : التضحية بالبقرة أفضل من البدنة ، وفي الهدي في الحج قال : البدنة أفضل ، وعندنا وعند الجمهور البدنة أفضل فيهما ، ودليلنا أن القربان يطلق على الأضحية والهدي ، وهذا الحديث صريح في ترجيح البدنة على البقرة في القربان ، ومعنى الحديث : الحث على التبكير إلى الجمعة ، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيه وفي غيره على قدر أعمالهم كقوله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات : 31 واتفق أصحابنا على استحباب التبكير إلى الجمعة والله أعلم .

قسم V04/P459–V04/P460

قال المصنف رحمه الله تعالى : وتعتبر الساعات من حين طلوع الفجر لأنه أول اليوم ، وبه يتعلق جواز الغسل ، ومن أصحابنا من قال : يعتبر من طلوع الشمس وليس بشيء . + الشرح : اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب التبكير إلى الجمعة في الساعة الأولى للحديث السابق وفيما يعتبر منه الساعات ثلاثة أوجه الصحيح : عند المصنف والأكثرين من طلوع الفجر والثاني : من طلوع الشمس ، وبه قطع المصنف في التنبيه ، وينكر عليه الجزم به . والثالث : أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال ، واختاره القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما من الخراسانيين وهو مذهب مالك . واحتجوا بأن الرواح إنما يكون بعد الزوال ، وهذا ضعيف أو باطل ، والصواب أن الساعات من أول النهار وأنه يستحب التبكير من أول النهار ، وبهذا قال جمهور العلماء ، وحكاه القاضي عياض عن الشافعي وابن حبيب المالكي وأكثر العلماء ، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة يكتبون من جاء في الساعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة ، كما صح في روايتي النسائي اللتين قدمتهما ، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولا يكتبون بعد ذلك أحدا ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال ، وكذلك جميع الأئمة في جميع الأمصار وذلك بعد انقضاء الساعة السادسة ، فدل على أنه لا شيء من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال ولا يكتب له شيء أصلا ، لأنه جاء بعد طي الصحف ، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق ، وتحصيل فضيلة الصف الأول ، وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه ، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال شيء منه ، ولا فضيلة للمجيء بعد الزوال ، لأن النداء يكون حينئذ ويحرم التأخير عنه . وقد ثبت عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه الله عز وجل فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر رواه أبو داود والنسائي بهذه الحروف بإسناد صحيح قال الحاكم : هو صحيح على شرط مسلم ، فهذا الحديث صريح في المسألة . وأما احتجاجهم : بلفظ الرواح فجوابه : من وجهين أحدهما : لا نسلم أنه مختص مما بعد الزوال ، فقد أنكر الأزهري ذلك ، وغلط قائله فقال في شرح ألفاظ المختصر معنى راح مضى إلى المسجد ، قال : ويتوهم كثير من الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار وليس ذلك بشيء ، لأن الرواح والغدو عند العرب مستعملان في السير ، أي وقت كان من ليل أو نهار . يقال : راح في أول النهار وآخره وتروح وغدا بمعناه . هذا لفظ الأزهري وذكره غيره مثله . والجواب الثاني : أنه لو سلم أن حقيقة الرواح بعد الزوال وجب حمله هنا على ما قبله مجازا ، لما ذكرناه من الدلائل الظاهرة . قال الخطابي في شرح هذا الحديث : معنى راح قصد الجمعة وتوجه إليها مبكرا قبل الزوال ، قال : وإنما تأولناه هكذا لأنه لا يتصور أن يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت الجمعة قال : وهذا شائع في الكلام تقول راح فلان بمعنى قصد ، وإن كان حقيقة الرواح بعد الزوال والله أعلم . فرع : من جاء في أول ساعة من هذه الساعات ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو غيرهما ، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة وبدنة المتوسط متوسطة .

قسم V04/P460–V04/P461

وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف فمن صلى في جماعة هم عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة ، ومن صلى مع اثنين له سبع وعشرون درجة ، ولكن درجات الأول أكمل ، وأشباه هذا كثيرة ، هذا هو الراجح المختار . وقال الرافعي : ليس المراد على الأوجه الثلاثة بالساعات الأربع والعشرون بل ترتيب الدرجات ، وفضل السابق على الذي يليه لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة .

قسم V04/P461

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يمشي إليها وعليه السكينة ، لما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ( ولكن ) ائتوها وأنتم تمشون ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ، وسبق شرحه في باب صلاة الجماعة ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن السنة أن يمشي إلى الجمعة بسكينة ووقار ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وحكاه ابن المنذر في مطلق الصلوات عن زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي ثور وأحمد واختاره ابن المنذر قال : وروينا عن ابن عمر أنه أسرع حين سمع الإقامة وروى مثله عن ابن مسعود والأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد وإسحاق . دليلنا الحديث المذكور ، وأما قول الله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة : 9 فمعناه اذهبوا وامضوا ، لأن السعي يطلق على الذهاب وعلى العدو فبينت السنة المراد به .

قسم V04/P461–V04/P462

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن لا يركب من غير عذر ، لم روى أوس بن أوس رضي الله عنه ( عن أبيه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) قال : من غسل واغتسل يوم الجمعة ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع . ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها . + الشرح : هذا الحديث حسن رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد حسنة ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وراويه أوس بن أوس الثقفي ، وقال يحيى بن معين : هو أوس بن أبي أوس ، والصواب الأول ، وروى غسل بتخفيف السين ، وغسل بتشديدها ، وروايتان مشهورتان والأرجح عند المحققين بالتخفيف ، فعلى رواية التشديد في معناه ثلاثة أوجه أحدهما : غسل زوجته بأن جامعها فألجأها إلى الغسل ، واغتسل هو قالوا : ويستحب له الجماع في هذا اليوم ليأمن أن يرى في طريقه ما يشغل قلبه والثاني : أن المراد غسل أعضاءه في الوضوء ثلاثا ثلاثا ثم اغتسل للجمعة . والثالث : غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل للجمعة ، وعلى رواية التخفيف في معناه هذه الأوجه الثلاثة أحدها : الجماع قاله الأزهري : قال ويقال : غسل امرأته إذا جامعها والثاني : غسل رأسه وثيابه والثالث : توضأ وذكر بفعل الفقهاء عسل بالعين المهملة وتشديد السين أي جامع ، شبه لذة الجماع بالعسل وهذا غلط غير معروف في روايات الحديث وإنما هو تصحيف ، والمختار ما اختاره البيهقي وغيره من المحققين أنه بالتخفيف وأن معناه غسل رأسه ، ويؤيده رواية لأبي داود في هذا الحديث من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل . وروى أبو داود في سننه والبيهقي هذا التفسير عن مكحول وسعيد بن عبد العزيز . قال البيهقي : وهو بين في رواية أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمى ونحوهما وكانوا يغسلونه أولا ثم يغتسلون . وأما قوله صلى الله عليه وسلم وبكر وابتكر فقال الأزهري : يجوز فيه بكر بالتخفيف والتشديد ، فمن خفف فمعناه خرج من بيته باكرا ، ومن شدد معناه أتى الصلاة لأول وقتها وبادر إليها ، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه ، وفي الحديث بكروا بصلاة المغرب أي صلوها لأول وقتها ، ويقال لأول الثمار باكورة لأنه جاء في أول وقت . قال : معنى ابتكر أدرك أول الخطبة ، كما يقال ابتكر بكرا إذا نكحها لأول إدراكها . هذا كلام الأزهري والمشهور بكر بالتشديد ومعناه بكر إلى صلاة الجمعة وقيل إلى الجامع وابتكر أدرك أول الخطبة . وقيل هما بمعنى جمع بينهما تأكيدا . حكاه الخطابي عن الأثرم صاحب أحمد ، قال ودليله تمام الحديث : ومشى ولم يركب ومعناهما واحد قال الخطابي : وقال بعضهم : بكر ، أدرك باكورة الخطبة أي أولها ، وابتكر قدم في أول الوقت . وقال ابن الأنباري : بكر تصدق قبل خروجه كما في الحديث باكروا بالصدقة وقيل : بكر راح في الساعة الأولى ، وابتكر فعل فعل المبتكرين من الصلاة والقراءة وسائر وجوه الطاعة . وقيل معنى ابتكر فعل فعل المبتكرين ، وهو الاشتغال بالصلاة والذكر حكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب .

قسم V04/P462–V04/P463

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ومشى ولم يركب فقد قدمنا عن حكاية الخطابي عن الأثرم أنه للتأكيد ، وأنهما بمعنى ، والمختار أنه احتراز من شيئين أحدهما : نفي توهم حمل المشي على المضي والذهاب ، وإن كان راكبا والثاني : نفي الركوب بالكلية لأنه لو اقتصر على مشي لاحتمل أن المراد وجود شيء من المشي ولو في بعض الطريق ، فنفي ذلك الاحتمال ، وبين أن المراد مشي جميع الطريق ، ولم يركب في شيء منها وأما قوله صلى الله عليه وسلم ودنا واستمع فهما شيئان مختلفان . وقد يستمع ولا يدنو من الخطبة ، وقد يدنو ولا يستمع فندب إليهما جميعا ، وقوله صلى الله عليه وسلم ولم يلغ معناه ولم يتكلم ، لأن الكلام حال الخطبة لغو ، وقال الأزهري : معناه استمع الخطبة ولم يشتغل بغيرها . أما حكم المسألة : فاتفق الشافعي والأصحاب وغيرهم على أنه يستحب لقاصد الجمعة أن يمشي وأن لا يركب في شيء من طريقه إلا لعذر كمرض ونحوه والله أعلم .

قسم V04/P463–V04/P464

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يشبك بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة . + الشرح : هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من رواية أبي هريرة وهو بعض الحديث الطويل السابق : إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون قال الشافعي : معناه يذهب في آخر تعمده إلى الصلاة ، وقال غيره : معنى الحديث ما دام يعمد إلى الصلاة فله أجر وثواب بسبب الصلاة ، فينبغي أن يتأدب بآداب المصلين ، فيترك العبث والكلام الرديء في طريقه ، والنظر المذموم ، وغير ذلك مما يتركه المصلي . أما حكم المسألة : فاتفق الأصحاب وغيرهم على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد وفي المسجد يوم الجمعة وغيره ، وسائر أنواع العبث ما دام قاصدا الصلاة أو منتظرها ، واحتج له بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يده ، فإنه في صلاة رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف والاعتماد على الحديث المذكور في الكتاب ، قال الخطابي في شرح هذا الحديث : التشبيك يفعله بعض الناس عبثا وبعضهم لتفرقع أصابعه ، وربما قعد الإنسان فاحتبى بيديه وشبك أصابعه ، وربما جلب النوم فيكون سببا لنقض الوضوء ، فنهي قاصد الصلاة عنه ، لأن جميع ما ذكرناه لا يليق بالمصلى ، ولا يخالف هذا ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شبك أصابعه في المسجد بعدما سلم من الصلاة عن ركعتين في قصة ذي اليدين وشبك في غيره لأن النهي والكراهة إنما هي في حق المصلى وقاصد الصلاة ، وتشبيك النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين كان بعد سلامه وقيامه إلى ناحية من المسجد ، وهو يعتقد أنه ليس في صلاة ، والله أعلم .

قسم V04/P464–V04/P465

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يدنوا من الإمام لحديث أوس ، ولا يتخطى رقاب الناس لحديث أبي سعيد وأبي هريرة ، قال الشافعي إذا لم يكن للإمام طريق لم يكره ( له ) أن يتخطى رقاب الناس وإن دخل رجل وليس له موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى رجلا أو رجلين لم يكره له لأنه يسير ، فإن كان بين يديه خلق كثير فإن رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا ، وإن لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطى ليصل إلى الفرجة ، ولا يجوز أن يقيم رجلا من موضعه ( ليجلس فيه ) لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن يقول : تفسحوا أو توسعوا فإن قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس ، وأما صاحب الموضع فإنه إن كان الموضع الذي ينتقل إليه دون الموضع الذي كان فيه في القرب من الإمام كره له ذلك لأنه آثر غيره في القربة ، وإن فرش لرجل ثوب فجاء آخر لم يجلس عليه ، فإن أراد أن ينحيه ويجلس مكانه جاز ، وإن قام رجل من موضعه لحاجة فجلس رجل مكانه ثم عاد فالمستحب أن يرد الموضع إليه ، لما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به قال الشافعي : وأحب إذا نعس ووجد مجلسا لا يتخطى فيه غيره تحول إليه لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره . + الشرح : حديث ابن عمر الأول رواه البخاري ومسلم ، وحديث أبي هريرة رواه مسلم ، وحديث ابن عمر الثاني إذا نعس أحدكم رواه أبو داود والترمذي وآخرون بأسانيدهم عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وقال الحاكم : هو حديث صحيح على شرط مسلم ، وأنكر البيهقي ذلك وقال : روي مرفوعا وموقوفا ، والموقوف أصح ، هكذا قال في كتابه معرفة السنن والآثار ورواه في السنن الكبرى من طريقين . ثم قال : ولا يثبت رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمشهور أنه من قول ابن عمر واقتصر الشافعي في الأم على روايته موقوفا بإسناده الصحيح عن ابن عمر ، والصواب أنه موقوف كما قاله البيهقي ، وأما تصحيح الترمذي والحاكم فغير مقبول ، لأن مداره على محمد بن إسحاق وهما إنما روياه من روايته ، وهو مدلس معروف بذلك عند أهل الحديث ، وقد قال في روايته عن نافع بلفظ عن : وقد أجمع العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين أن المدلس إذا قال : عن لا يحتج بروايته ، والحاكم متساهل في التصحيح معروف عند العلماء بذلك ، والترمذي ذهل عن ذلك . وإنما بسطت الكلام في هذا الحديث لئلا يغتر بتصحيحهما ، ولم يذكر الحافظ ابن عساكر في الأشراف أن الترمذي صححه ولكن تصحيحه موجود ف نسخ الترمذي ، ولعل النسخ اختلفت في هذا الحديث كما تختلف في غيره في كتاب الترمذي غالبا . وقوله : يتخطى غير مهموز ، والفرجة بضم الفاء وفتحها لغتان مشهورتان سبق بيانهما ، ويقال أيضا : فرج ومنه قوله تعالى : وما لها من فروج ق : 6 جمع فرج وهو الخلو بين شيئين وقوله نعس ، بفتح العين ينعس ، بضمها . وأما أحكام الفصل : ففيه مسائل إحداها : يستحب الدنو من الإمام بالاجماع لتحصيل فضيلة التقدم في الصوف واستماع الخطبة محققا .

قسم V04/P465–V04/P467

المسألة الثانية : ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة ، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه مكروه كراهة تنزيه لا حرام ، فإن كان إماما ولم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره ، لأنه ضرورة نص عليه الشافعي كما ذكره المصنف واتفق عليه الأصحاب ، وإن كان غير إمام ورأى فرجة قدامهم ، لا يصلها إلا بالتخطي قال الأصحاب : لم يكره التخطي لأن الجالسين وراءها مفرطون بتركها ، وسواء وجد غيرها أم لا وسواء كانت قريبة أم بعيدة لكن يستحب إن كان له موضع غيرها أن لا يتخطى ، وإن لم يكن موضع وكانت قريبة بحيث لا يتخطى أكثر من رجلين ونحوهما دخلها ، وإن كنت بعيدة ورجا أنهم يتقدمون إليها إذا أقيمت الصلاة يستحب أن يقعد موضعه ولا يتخطى ، وإلا فليتخط . فرع في مذاهب العلماء في التخطي قد ذكرنا أن مذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ ، وبهذا قال الأوزاعي وآخرون . وحكى ابن المنذر كراهته مطلقا عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل ، وعن مالك كراهته إذا جلس الإمام على المنبر . ولا بأس به قبله . وقال قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه وعن أبي نصر جواز ذلك بإذنهم ، قال ابن المنذر : لا يجوز شيء من عندي . لأن الأذى يحرم قليله وكثيره . وهذا أذى كما جاء في الحديث الصحيح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن يراه يتخطى : اجلس فقد آذيت . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : لا يجوز أن يقيم الداخل رجلا من موضعه لما ذكره المصنف . وسواء في هذا المسجد وسائر المواضع المباحة التي يختص بها السابق قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل : ويجوز إقامته في ثلاث صور ، وهي أن يقعد في موضع الإمام أو طريق الناس ، ويمنعهم الاجتياز ، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة ، قال في الشامل ، بشرط أن يضيق الموضع على الناس ، فإن اتسع تنحوا عنه يمينا وشمالا ولا ينحوه . أما إذا قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس الداخل ، وأما الجلوس فإن انتقل إلى أقرب شيء إلى الإمام أو مثله لم يكره ، وإن انتقل إلى أبعد منه كره من غير عذر ، قال المصنف وغيره : ودليل كراهته أنه آثر بالقربة وهذا تصريح منهم بأن الايثار بالقرب مكروه . وأما : قول الله عز وجل : ويؤثرون على أنفسهم الحشر : 9 فالمراد به في حظوظ النفوس ، والايثار بحظوظ النفوس مستحب بلا شك وبينه تمام الآية ولو كان بهم خصاصة وقد يحتج لكراهته بقوله صلى الله عليه وسلم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى وهو حديث صحيح سبق بيانه في باب موقف الإمام . المسألة الرابعة : قال الشافعي وأصحابنا : يجوز أن يبعث الرجل من يأخذ له موضعا يجلس فيه . فإذا جاء الباعث تنحى المبعوث ، ويجوز أن يفرش له ثوبا ونحوه ، ثم يجيء ويصلي موضعه فإذا فرشه لم يجز لغيره أن يصلي عليه ، ولكن له أن ينحيه ويجلس مكانه وينبغي أن ينحيه بحيث لا يدفعه بيده ، فإن دفعه دخل في ضمانه ، ذكره صاحب البيان وغيره . المسألة الخامسة : إذا جلس في مكان من المسجد فقام لحاجة كوضوء وغيره ثم عاد إليه فهو أحق به للحديث المذكور في الكتاب ، وفي هذا الحق وجهان أحدهما : يستحب الثاني : أن يرده إليه ولا يلزمه .