Qur'an&Sunnah

İbn Sa'd — et-Tabakātü'l-Kübrâ

قسم V01/P191–V01/P192

509- أخبرنا عبيد الله بن موسى، والفضل بن دكين, قالا: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها وابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشر سنين. 510- أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا، وخرج منها في صفر، وقدم المدينة في شهر ربيع الأول. 511- أخبرنا يحيى بن عباد، وعفان بن مسلم, قالا: أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة: سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه. زاد عفان في حديثه وأقام بالمدينة عشر سنين. 512- أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير؛ أن رجلا أتى ابن عباس، فقال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا بمكة وعشرا بالمدينة؟ فقال: من يقول ذاك؟ لقد أنزل عليه بمكة عشرا وخمسا, يعني سنين أو أكثر. 513- أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن، وقرأ: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} قال: كان الله ينزل بها القرآن بعضه قبل بعض، لما علم أنه سيكون في الناس ويحدث، لقد بلغنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه ثماني سنين بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة وعشر سنين بالمدينة. 514- أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أن بعث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة. 515- أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة. 516- أخبرنا كثير بن هشام، وموسى بن داود، وموسى بن إسماعيل، قالوا: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يقول: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. - ذكر إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة 517- أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي, قال: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وعن عروة، عن عائشة، قالا: لما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة، فقال: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت: هي هي، ثم مكث أياما، ثم خرج إلى أصحابه مسرورا، فقال: قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها، فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا، فنزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة كلبت قريش عليهم، وحربوا واغتاظوا على من خرج من فتيانهم.

قسم V01/P192–V01/P194

وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون، وهم ذكوان بن عبد قيس وعقبة بن وهب بن كلدة والعباس بن عبادة بن نضلة وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعا إلى المدينة فلم يبق بمكة منهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي أو مفتون محبوس أو مريض أو ضعيف عن الخروج. - ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر إلى المدينة للهجرة 518- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (ح) قال: وحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين بن أبي غطفان، عن ابن عباس, قال (ح) وحدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامة (ح) قال: وحدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي (ح) قال: وحدثني معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعثم، عن سراقة بن جعثم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حملوا الذراري والأطفال إلى الأوس والخزرج, عرفوا أنها دار منعة وقوم أهل حلقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجى منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد, مشتمل الصماء في بت، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأشار كل رجل منهم برأي، كل ذلك يرده إبليس عليهم ولا يرضاه لهم, إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جليدا، ثم نعطيه سيفا صارما, فيضربونه ضربة رجل واحد, فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، قال: فقال النجدي: لله در الفتى هذا، والله الرأي، وإلا فلا، فتفرقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخبره الخبر، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فقال: إن الله عز وجل قد أذن لي في الخروج, فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن، وكان أبو بكر اشتراهما بثمان مئة درهم من نعم بني قشير، فأخذ إحداهما وهي القصواء، وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه علي، وتغشى بردا أحمر حضرميا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فيه. واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون ثيابه، ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وهم جلوس على الباب، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذرها على رؤوسهم ويتلو: {يس والقرآن الحكيم} حتى بلغ: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا, قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم أبو جهل, والحكم بن أبي العاص, وعقبة بن أبي معيط, والنضر بن الحارث, وأمية بن خلف, وابن الغيطلة, وزمعة بن الأسود وطعيمة بن عدي وأبو لهب وأبي بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا قام علي عن الفراش, فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: لا علم لي به.

قسم V01/P194–V01/P196

وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر, فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الطلب, حتى انتهوا إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد فانصرفوا. 519- أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عون بن عمرو القيسي، أخو رياح القيسي، أخبرنا أبو مصعب المكي, قال: أدركت زيد بن أرقم, وأنس بن مالك, والمغيرة بن شعبة, فسمعتهم يتحدثون؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم, حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر أربعين ذراعا، نظر أولهم فرأى الحمامتين، فرجع، فقال له أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، قال: فسمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله, فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، فسمت النبي صلى الله عليه وسلم عليهن، وفرض جزاءهن, وانحدرن في حرم الله. رجع الحديث إلى الأول، قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فهيرة, وكان يأتيهم بها ليلا فيحتلبون، فإذا كان سحر سرح مع الناس، قالت عائشة: وجهزناهما أحب الجهاز, وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها, فأوكت به الجراب، وقطعت أخرى فصيرته عصاما لفم القربة، فبذلك سميت: ذات النطاقين، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا, يقال له: عبد الله بن أريقط وهو على دين الكفر ولكنهما أمناه فارتحلا، ومعهما عامر بن فهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يد بحر، فما شعرت قريش أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوا صوتا من جني من أسفل مكة, ولا يرى شخصه: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين, قالا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

قسم V01/P196–V01/P198

520- أخبرنا الحارث, قال: حدثني غير واحد من أصحابنا, منهم محمد بن المثنى البزاز وغيره، قالوا: أخبرنا محمد بن بشر بن محمد الواسطي، ويكنى أبا أحمد السكري، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجي، عن الحر بن الصياح، عن أبي معبد الخزاعي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة جلدة برزة تحتبي وتقعد بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا أو لحما يشترون, فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة, فمسح ضرعها, وذكر اسم الله، وقال: اللهم بارك لها في شاتها, قال: فتفاجت ودرت واجترت, فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها، ثم ارتحلوا عنها، فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عجافا هزلى ما تساوق مخهن قليل، لا نقي بهن، فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي يطلب، صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر, أجهر الناس وأجمله من بعيد, وأحلاه وأحسنه من قريب ربعة، لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره, محفود محشود، لا عابث ولا مفند، قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسودد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادره رهنا لديها لحالب ... تدر بها في مصدر ثم مورد وأصبح القوم قد فقدوا نبيهم, وأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فأجابه حسان بن ثابت فقال: لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد وهل يستوي ضلال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتد؟ نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد

قسم V01/P198–V01/P201

لتهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد قال عبد الملك: فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقال يوم الثلاثاء بقديد، فلما راحوا منها عرض لهم سراقة بن مالك بن جعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسخت قوائم فرسه، فقال: يا محمد، ادع الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك، وأرد من ورائي، ففعل فأطلق ورجع، فوجد الناس يلتمسون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا، وقد عرفتم بصري بالأثر فرجعوا عنه. 521- أخبرنا عثمان بن عمر، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق, قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر, فعرض لهما سراقة بن جعشم، فساخت فرسه، فقال: يا هذان، ادعوا لي الله, ولكما ألا أعود، فدعوا الله فعاد، فساخت، فقال: ادعوا لي الله، ولكما ألا أعود، قال: وعرض عليهما الزاد والحملان، فقالا: أكفنا نفسك، فقال: قد كفيتكماها. ثم رجع الحديث إلى الأول، قال: وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخرار ثم جاز ثنية المرة، ثم سلك لقفا ثم أجاز مدلجة لقف، ثم استبطن مدلجة مجاج، ثم سلك مرجح مجاج، ثم بطن مرجح، ثم بطن ذي كشر، ثم علا الجداجد، ثم على الأذاخر، ثم بطن ريغ، فصلى به المغرب، ثم ذا سلم، ثم أعدا مدلجة، ثم العثانية، ثم جاز بطن القاحة، ثم هبط العرج، ثم سلك في الخذوات، ثم في الغابر عن يمين ركوبة، ثم هبط بطن العقيق, حتى انتهى إلى الجثجاثة، فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوف فلا يقرب المدينة؟ فسلك على طريق الظبي، حتى خرج على العصبة. وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرة العصبة, فيتحينون قدومه في أول النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الاثنين, لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، جلسوا كما كانوا يجلسون، فلما أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيح على أطم بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، فخرجوا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الثلاثة، فسمعت الرجة في بني عمرو بن عوف والتكبير, وتلبس المسلمون السلاح، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام أبو بكر يذكر الناس، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم, وهو الثبت عندنا، ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب؛ فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة. 522- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ أن أبا بكر الصديق كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام, فكان يعرف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر: من هذا الغلام بين يديك؟ فقال: هذا يهديني السبيل، فلما دنوا من المدينة, نزلا الحرة, وبعث إلى الأنصار فجاؤوا، فقالوا: قوما آمنين مطمئنين، قال: فشهدته يوم دخل المدينة علينا، فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، فما رأيت قط يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات.

قسم V01/P201–V01/P202

523- أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا أبو معشر، عن أبي وهب, مولى أبي هريرة، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء أبي بكر ناقته، قال: فكلما لقيه إنسان، قال: من أنت؟ قال: باغ أبغي، فقال: من هذا وراءك؟ قال: هاد يهديني. 524- أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك, قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء. 525- أخبرنا وهب بن جرير بن حازم، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء, قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم, يعني إلى المدينة في الهجرة، فما رأيت أشد فرحا منهم بشيء من النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، قد جاء. 526- أخبرنا يحيى بن عباد، وعفان بن مسلم, قالا: أخبرنا شعبة, قال: أنبأنا أبو إسحاق, قال: سمعت البراء يقول: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير, وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن، قال: ثم جاء عمار, وبلال, وسعد، قال: ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، قال: ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما رأيت الناس فرحوا بشيء قط فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، فما قدم حتى قرأت: {سبح اسم ربك الأعلى} وسورا من المفصل. 527- أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، قال: أخبرنا عوف، عن زرارة بن أوفى, قال: قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجئت في الناس لأنظر إليه، قال: فلما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: يا أيها الناس, أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، وادخلوا الجنة بسلام. 528- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا أبو التياح، عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملإ من بني النجار، فجاؤوه متقلدين سيوفهم، قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ردفه, وملأ بني النجار حوله, حتى ألقي بفناء أبي أيوب.

قسم V01/P202–V01/P203

529- أخبرنا أبو معمر المنقري، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك, قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، قال: وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما, يعني سبيل الخير, قال: والتفت أبو بكر، فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله، هذا فارس قد لحق بنا، قال: فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقال: اللهم اصرعه، قال: فصرعته فرسه، ثم قامت تحمحم, قال: فقال: يا نبي الله, مرني بما شئت، قال: فقال: قف مكانك فلا تتركن أحدا يلحق بنا, قال: فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة له، قال: فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة, وبعث إلى الأنصار, فجاؤوا نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، قال: فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر, وحفوا حولهما بالسلاح، قال: فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فاستشرفوا نبي الله ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جنب دار أبي أيوب, قال: فإنه ليحدث أهله, إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف فيها, فجاء وهي معه, فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: أي بيوت أهلنا أقرب؟ قال: فقال أبو أيوب: يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فقال: اذهب فهيئ لنا مقيلا، قال: فذهب فهيأ لهما مقيلا، ثم جاء فقال: يا نبي الله, قد هيأت لكما مقيلا، قوما على بركة الله فقيلا. قال: ثم رجع الحديث إلى الأول، قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس, وخرج يوم الجمعة، فجمع في بني سالم, ويقال: أقام ببني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، فلما كان يوم الجمعة ارتفاع النهار دعا راحلته، وحشد المسلمون وتلبسوا بالسلاح، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء، والناس معه عن يمينه وشماله، فاعترضته الأنصار لا يمر بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا ويدعو لهم، ويقول: إنها مأمورة, فخلوا سبيلها, فلما أتى مسجد بني سالم جمع بمن كان معه من المسلمين وهم مئة. 530- أخبرنا يحيى بن محمد الجاري, قال: حدثني مجمع بن يعقوب، أنه سمع شرحبيل بن سعد يقول: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتقل من قباء اعترضت له بنو سالم، فقالوا: يا رسول الله، وأخذوا بخطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة ثم اعترضت له بنو الحارث بن الخزرج، فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم مثل ذلك، ثم اعترضت له بنو عدي، فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم مثل ذلك، حتى بركت حيث أمرها الله.

قسم V01/P203–V01/P205

قال: ثم رجع الحديث إلى الأول، قال: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته وأخذ عن يمين الطريق حتى جاء بلحبلى، ثم مضى حتى انتهى إلى المسجد فبركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحط رحله فأدخله منزله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع رحله, وجاء أسعد بن زرارة, فأخذ بزمام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكانت عنده، وهذا الثبت. قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيوب هدية دخلت بها إناء قصعة مثرودة، فيها خبز وسمن ولبن، فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيك، ودعا أصحابه فأكلوا, فلم أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك, حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبي أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة, فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة زوجته, وأسامة بن زيد, وكانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجر بها زوجها عثمان بن عفان قبل ذلك، وحبس أبو العاص بن الربيع امرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل زيد بن حارثة امرأته أم أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر, فيهم عائشة فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان. - ذكر مؤاخاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. 531- أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري, قال (ح) وحدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال (ح) وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت, قال (ح) وحدثنا موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قالوا: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينهم على الحق والمؤاساة, ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، ويقال: كانوا مائة؛ خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر، فلما كانت وقعة بدر, وأنزل الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث، ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه. 532- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حالف بين المهاجرين والأنصار في دار أنس. - ذكر بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد بالمدينة 533- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري, قال: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار, وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما.

قسم V01/P205–V01/P207

قال محمد بن عمر: وقال غير معمر، عن الزهري: فابتاعه منهما بعشرة دنانير, قال: وقال معمر، عن الزهري: وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جدارا مجدرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه, فكان يصلي بأصحابه فيه، ويجمع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذي في الحديقة, وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبشت, وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستنجل, فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد, فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: كان أقل من المئة، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللبن, وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه، ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة وجعل يقول: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر وجعل قبلته إلى بيت المقدس, وجعل له ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار بسطة وعمده الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: عريش كعريش موسى خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك، وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان. 534- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو التياح، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة, ويصلي في مرابض الغنم, ثم إنه أمر بالمسجد, فأرسل إلى ملإ من بني النجار فجاؤوه, فقال: ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكانت فيه قبور المشركين, وكان فيه نخل وكانت فيه خرب, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع, وبقبور المشركين فنبشت, وبالخرب فسويت, قال: فصفوا النخل قبلة, وجعلوا عضادتيه حجارة, وكانوا يرتجزون, ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة. قال أبو التياح: فحدثني ابن أبي الهذيل, أن عمارا كان رجلا ضابطا, وكان يحمل حجرين حجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويها ابن سمية, تقتلك الفئة الباغية. 535- أخبرنا عفان بن مسلم, قال: حدثني معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت معمر بن راشد يحدث، عن الزهري قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم وهم يبنون المسجد: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر، ربنا، وأطهر قال: فكان الزهري يقول: إنه لم يقل شيئا من الشعر إلا قد قيل قبله أو نوى ذاك إلا هذا. - ذكر صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة

قسم V01/P207–V01/P209

536- أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس, قال (ح) وأخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد الأخنسي، وعن غيرهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة, صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة، فقال: يا جبريل، وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود, فقال جبريل: إنما أنا عبد، فادع ربك وسله، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء, فنزلت عليه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} فوجه إلى الكعبة, إلى الميزاب, ويقال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام, فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة, فصنعت له طعاما وحانت الظهر, فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين, ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة, فاستدار إلى الكعبة, واستقبل الميزاب, فسمي المسجد: مسجد القبلتين, وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا, وفرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا. قال محمد بن عمر: وهذا الثبت عندنا. 537- أخبرنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا، ثم حول إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. 538- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلاها أو صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. 539- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس, فنزلت: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} فمر رجل من بني سلمة بقوم وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فمالوا إلى الكعبة. 540- أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، أخبرنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة, فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا. 541- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا قيس بن الربيع، أخبرنا زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس الأنصاري, قال: صلينا إحدى صلاتي العشي، فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى: إن الصلاة قد وجهت إلى الكعبة، تحول، أو تحرف إمامنا نحو الكعبة، والنساء والصبيان. 542- أخبرنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يصلي نحو بيت المقدس, والكعبة بين يديه, وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا, ثم وجه إلى الكعبة. 543- أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي, قال: ما خالف نبي نبيا قط في قبلة ولا في سنة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس من حيث قدم المدينة ستة عشر شهرا، ثم قرأ: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا}.

قسم V01/P209–V01/P211

544- أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده, أو قال: على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر, وصلاها معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه, فمر على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة, فداروا كما هم قبل البيت، وكان يعجبه أن يحول قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. 545- أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق، عن البراء في حديثه هذا؛ أنه مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا، فلم ندر ما يقول فيهم, فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم}. - ذكر المسجد الذي أسس على التقوى 546- أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد (ح) وحدثنا عبد العزيز بن محمد، وسليمان بن بلال، عن إسحاق بن المستورد، عن محمد بن عمر بن جارية، عن أبي غزية, (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبي سعيد الخدري، قالوا: لما صرفت القبلة إلى الكعبة, أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء, فقدم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسسه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جبريل يؤم بي البيت, ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحجارة لبنائه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت ماشيا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة، وكان عمر يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل، وكان أبو أيوب الأنصاري يقول: هو المسجد الذي أسس على التقوى، وكان أبي بن كعب وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 547- أخبرنا محمد بن الصلت، أخبرنا أبو كدينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ في قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى} قال: مسجد قباء. 548- أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم ، قال: قال ابن عمر: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد بني عمرو بن عوف وهو مسجد قباء, قال: فدخلت عليه رجال الأنصار يسلمون عليه، قال ابن عمر: ودخل معه صهيب، فسألت صهيبا: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كان يسلم عليه؟ قال: كان يشير بيده. 549- أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة، حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلى قباء. 550- أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن جابر، عن سالم، أو نافع، عن ابن عمر, قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا. 551- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء ماشيا وراكبا. 552- أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي، أخبرنا عبيد الله, يعني ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يأتي مسجد قباء فيصلي فيه ركعتين.

قسم V01/P211–V01/P213

553- أخبرنا معن بن عيسى، والفضل بن دكين, قالا: أخبرنا هشام بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء, فقام يصلي, فجاءته الأنصار تسلم عليه، فقال ابن عمر: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم؟ قال: يشير إليهم بيده وهو يصلي. 554- أخبرنا خالد بن مخلد، وأبو عامر العقدي، قالا: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت المسور، أن عمر بن الخطاب قال: لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل. 555- أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو أسامة، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرنا أبو الأبرد مولى بني خطمة، عن أسد بن ظهير، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليه وسلم: من أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة. - ذكر الأذان 556- أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا سليمان بن سليم القاري، عن سليمان بن سحيم، عن نافع بن جبير (ح) قال: وحدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير (ح) قال: وحدثنا هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم (ح) قال: وحدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قالوا: كان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: البوق, وقال بعضهم: الناقوس، فبينا هم على ذلك, إذ نام عبد الله بن زيد الخزرجي, فأري في النوم أن رجلا مر وعليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس, قال: فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك, تقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فأتى عبد الله بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له: قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك, وليؤذن بذلك، ففعل، وجاء عمر، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد، فذلك أثبت, قالوا: وأذن بالأذان وبقي ينادى في الناس: الصلاة جامعة للأمر يحدث، فيحضرون له يخبرون به مثل فتح يقرأ، أو أمر يؤمرون به، فينادى: الصلاة جامعة، وإن كان في غير وقت صلاة. 557- أخبرنا محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سليمان بن كثير، أخبرنا حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، ثم من بني النجار, قال: استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الأذان, فقال: لقد هممت أن أبعث رجالا فيقومون على آطام المدينة, فيؤذنون الناس بالصلاة، حتى هموا أن ينقسوا, قال: فأتى عبد الله بن زيد أهله، فقالوا: ألا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعاما، فإني قد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمره للصلاة، فنام, فرأى في المنام كأن رجلا عليه ثياب خضر وهو قائم على سقف المسجد، فأذن ثم قعد قعدة، ثم قام فأقام الصلاة، قال: فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي رأى، فأمره أن يعلم بلالا ففعل، قال: فأقبل الناس لما سمعوا ذلك، وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، لقد رأيت الذي رأى، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: فما منعك أن تأتيني؟ قال: استحييت لما رأيتني قد سبقت يا رسول الله.

قسم V01/P213–V01/P214

558- أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يجعل شيئا يجمع به الناس للصلاة، فذكر عنده البوق وأهله فكرهه، وذكر الناقوس وأهله فكرهه، حتى أري رجل من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد الأذان، وأريه عمر بن الخطاب تلك الليلة، فأما عمر فقال: إذا أصبحت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الأنصاري, فطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فأخبره، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة، وذكر أذان الناس اليوم, قال: فزاد بلال في الصبح: الصلاة خير من النوم, فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست فيما أري الأنصاري. - ذكر فرض شهر رمضان وزكاة الفطر وصلاة العيدين وسنة الأضحية 559- أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (ح) قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر (ح) قال: وأخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده، قالوا: نزل فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفرض الزكاة في الأموال، وأن تخرج عن الصغير والكبير, والحر والعبد, والذكر والأنثى: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب، أو مدان من بر، وكان يخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفطر بيومين, فيأمر بإخراجها قبل أن يغدو إلى المصلى، وقال: أغنوهم, يعني المساكين عن طواف هذا اليوم، وكان يقسمها إذا رجع وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العيد يوم الفطر بالمصلى قبل الخطبة، وصلى العيد يوم الأضحى وأمر بالأضحية، وأقام بالمدينة عشر سنين يضحي في كل عام. 560- أخبرنا عبد الله بن نمير، عن حجاج، عن نافع قال: سئل ابن عمر عن الأضحية؟ فقال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين لا يدع الأضحى، ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر الأول، قالوا: وكان يصلي العيدين قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكانت تحمل العنزة بين يديه، وكانت العنزة للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة، فأخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 561- أخبرنا حماد بن خالد الخياط، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كانت تحمل له عنزة يوم العيد يصلي إليها، ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر, قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بيده بالمدية، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه هو عن نفسه بيده، ثم يقول: هذا عن محمد وآل محمد, فيأكل هو وأهله منه ويطعم المساكين، وكان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية، قال محمد بن عمر: وكذلك تصنع الأئمة عندنا بالمدينة. - ذكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

قسم V01/P214–V01/P216

562- أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة, قال (ح) وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: إن القيام قد شق علي، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له: كلاب أعمل الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره أن يعمله, فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عمل منها درجتين ومقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه. وقال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة وقوائم منبري رواتب في الجنة. وقال: منبري على حوضي. وقال: ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيمان على الحقوق عند منبره. وقال: من حلف على منبري كاذبا ولو على سواك أراك, فليتبوأ مقعده من النار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد على المنبر سلم، فإذا جلس أذن المؤذن، وكان يخطب خطبتين، ويجلس جلستين، وكان يشير بإصبعه، ويؤمن الناس، وكان يتوكأ على عصا يخطب عليها يوم الجمعة، وكانت من شوحط، وكان إذا خطب استقبله الناس بوجوههم وأصغوا بأسماعهم, ورمقوه بأبصارهم، وكان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وكان له برد يمنة، طوله ست أذرع في ثلاث أذرع وشبر، وإزار من نسج عمان، طوله أربع أذرع وشبر في ذراعين وشبر، فكان يلبسهما في الجمعة ويوم العيد ثم يطويان. 563- أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك بن أنس, قال: حدثني سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد بن قيس، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين قال: أراها من دوم، وكانت في مصلاه، فكان يتكئ إليها، فقال له أصحابه: يا رسول الله، إن الناس قد كثروا, فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس، فقال: ما شئتم، قال سهل: ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الخافقين, فقطعنا هذا المنبر من أثلة، قال: فقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم فحنت الخشبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟ فأقبل الناس وفرقوا من حنينها, حتى كثر بكاؤهم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتاها فوضع يده عليها، فسكنت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف. 564- أخبرنا يحيى بن محمد الجاري، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، قال: قطع للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات من طرفاء الغابة, وأن سهلا حمل خشبة منهن حتى وضعها في موضع المنبر. 565- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب, قال: حدثني من سمع جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم إلى جذع نخلة منصوب في المسجد, حتى إذا بدا له أن يتخذ المنبر، شاور ذوي الرأي من المسلمين, فرأوا أن يتخذه، فاتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوم الجمعة أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على المنبر، فلما فقده الجذع حن حنينا أفزع الناس, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه حتى انتهى إليه، فقام إليه ومسه فهدأ، ثم لم يسمع له حنين بعد ذلك اليوم.

قسم V01/P216–V01/P218

566- أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي, قال: حدثني عبيد الله بن عمرو، عن ابن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع, إذ كان المسجد عريشا، فكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، هل لك أن أعمل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر أعلى المنبر، فلما صنع المنبر, ووضع في موضعه، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم على المنبر, فمر إليه، فخار الجذع حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إلى ذلك الجذع، فلما هدم المسجد وغير, أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، فكان عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة، وعاد رفاتا. 567- أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر, فتحول إليه حن الجذع, حتى أتاه فاحتضنه، فقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة. 568- أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن المنبر، من أي عود هو؟ فقال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة امرأة سماها، فقال: مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاث الدرجات من طرفاء الغابة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت هذا الموضع، قال سهل: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم جلس عليه كبر فكبر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى, فسجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من صلاته, فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. 569- أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس, قال: حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان المسجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مسقوفا على جذوع من نخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع له المنبر فكان عليه قال: فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكن. 570- أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة. قال: والترعة الباب. 571- أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد, قال: كنا نقول: إن المنبر على ترعة من ترع الجنة، قال سهل: أتدرون ما الترعة؟ قالوا: نعم: الباب، قال: نعم هو الباب. 572- أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة, ومنبري على حوضي. 573- أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان، عن عمار الدهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوائم منبري رواتب في الجنة.

قسم V01/P218–V01/P220

574- أخبرنا أنس بن عياض الليثي، أخبرنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، عن عبد الله بن نسطاط, قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحلف رجل على يمين آثمة عند هذا المنبر إلا تبوأ مقعده من النار, ولو على سواك أخضر. 575- أخبرنا الضحاك بن مخلد، عن الحسن بن يزيد أبي يونس الضمري, قال: سمعت أبا سلمة, قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحلف أحد عند هذا المنبر, أو عند منبري على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار. 576- أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد المازني, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. 577- أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك, قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن حمزة بن أبي جعفر، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه نظر إلى ابن عمر وضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، ثم وضعها على وجهه. 578- أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي، وخالد بن مخلد البجلي, قالا: أخبرنا أبو مودود عبد العزيز مولى لهذيل، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, قال: رأيت ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. قال أبو عبد الله محمد بن سعد: ذكر عبد الله بن مسلمة الصلعاء, ولم يذكرها خالد بن مخلد. - ذكر الصفة، ومن كان فيها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 579- أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي, قال: حدثني واقد بن أبي ياسر التميمي، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, قال: كان أهل الصفة ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ويظلون فيه ما لهم مأوى غيره، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى جاء الله تعالى بالغنى. 580- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني محمد بن مسلمة، عن عمر بن عبد الله، عن ابن كعب القرظي؛ في قوله جل ثناؤه: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: هم أصحاب الصفة، وكانوا لا مساكن لهم بالمدينة ولا عشائر، فحث الله عليهم الناس بالصدقة. 581- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رأيت ثلاثين رجلا من أهل الصفة يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس عليهم أردية. 582- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني زيد بن فراس، عن محمد بن كعب قال: سمعت واثلة بن الأسقع قال: رأيت ثلاثين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأزر، أنا منهم. 583- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني محمد بن خوط، عن إسحاق بن سالم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: ادع لي أصحابي, يعني أهل الصفة فجعلت أتبعهم رجلا رجلا فأوقظهم حتى جمعتهم، فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا، فوضع لنا صحفة فيها صنيع من شعير ووضع عليها يده، وقال: خذوا باسم الله فأكلنا منها ما شئنا قال: ثم رفعنا أيدينا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت الصحفة: والذي نفس محمد بيده، ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئا ترونه، فقلنا لأبي هريرة: قدر كم هي حين فرغتم؟ قال: مثلها حين وضعت، إلا أن فيها أثر الأصابع.

قسم V01/P220–V01/P222

584- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: كنت من أهل الصفة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليغشى علي فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع. 585- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني موسى بن عبيدة، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: كنت من أهل الصفة. 586- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني شيبان أبو معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن يعيش بن قيس بن طهفة الغفاري، عن أبيه، قال: كنت من أصحاب الصفة. - ذكر الموضع الذي كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز 587-, قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي, قال: حدثني فليح بن سليمان، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إذا حضر منا الميت أتيناه فأخبرناه فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف ومن معه، وربما قعد حتى يدفن، وربما طال ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبسه، فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: والله لو كنا لا نؤذن النبي بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم تكن لذلك مشقة عليه ولا حبس، قال: ففعلنا ذلك، قال: فكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه ويستغفر له فربما انصرف عند ذلك، وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك أيضا حينا، ثم قالوا: والله لو أنا لم نشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنا الميت إلى منزله حتى نرسل إليه فيصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به وأيسر عليه، قال: ففعلنا ذلك. قال محمد بن عمر: فمن هناك سمي ذلك الموضع موضع الجنائز؛ لأن الجنائز حملت إليه، ثم جرى ذلك من فعل الناس في حمل جنائزهم والصلاة عليها في ذلك الموضع إلى اليوم. - ذكر بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وما كتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم لناس من العرب وغيرهم. 588- أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي, قال: حدثني معمر بن راشد، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس (ح) قال: وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة قال (ح) وحدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه (ح) قال: وحدثنا عمر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن جدته الشفاء (ح)قال: وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي (ح) قال: وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أهله، عن عمرو بن أمية الضمري، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا، فقيل: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتما من فضة، فصه منه نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم، فكان أول رسول بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه ونزل من سريره فجلس على الأرض تواضعا، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب لله رب العالمين، وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي فتنصر هناك، ومات، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب أن يبعث إليه بمن قبله من أصحابه ويحملهم، ففعل فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأصدق عنه أربعمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما يصلحهم وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها.

قسم V01/P222–V01/P224

589- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي وهو أحد الستة إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إليه وهو يومئذ بحمص، وقيصر يومئذ ماش في نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشي حافيا من قسطنطينية إلى إيلياء فقرأ الكتاب وأذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى ابن مريم؟ قالت الروم: وما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبي العربي، قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش وتناحزوا ورفعوا الصليب، فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخافهم على نفسه وملكه فسكنهم، ثم قال: إنما قلت لكم ما قلت أختبركم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم فقد رأيت منكم الذي أحب، فسجدوا له. 590- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي وهو أحد الستة إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا، قال عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم مزق ملكه، وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتياني بخبره، فبعث باذان قهرمانه ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا فقدما المدينة فدفعا كتاب باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وقال: ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد فجاءاه من الغد، فقال لهما: أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها، وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وأن الله تبارك وتعالى سلط عليه ابنه شيرويه فقتله، فرجعا إلى باذان بذلك فأسلم هو والأبناء الذين باليمن. 591- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي وهو أحد الستة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا فأوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه وقال له خيرا وأخذ الكتاب فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وقد أهديت لك كسوة وبغلة تركبها، ولم يزد على هذا ولم يسلم فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته وأخذ الجاريتين مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها شيرين، وبغلة بيضاء لم يكن في العرب يومئذ غيرها وهي دلدل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه قال حاطب: كان لي مكرما في الضيافة وقلة اللبث ببابه ما أقمت عنده إلا خمسة أيام.

قسم V01/P224–V01/P225

592- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي وهو أحد الستة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا قال شجاع: فأتيت إليه وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا اسمه مرى يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أحدثه عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قد قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فأنا أومن به وأصدقه وأخاف من الحارث أن يقتلني وكان يكرمني ويحسن ضيافتي وخرج الحارث يوما فجلس ووضع التاج على رأسه فأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع مني ملكي أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، علي بالناس فلم يزل يفرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه فكتب إليه قيصر: ألا تسير إليه واله عنه ووافني بإيلياء فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدا فأمر لي بمائة مثقال ذهب ووصلني مرى وأمر لي بنفقة وكسوة وقال: أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: باد ملكه، وأقرأته من مرى السلام وأخبرته بما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق، ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح. 593 - قالوا: وكان فروة بن عمرو الجذامي عاملا لقيصر على عمان من أرض البلقاء فلم يكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فروة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأهدى له، وبعث من عنده رسولا من قومه يقال له: مسعود بن سعد فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه، وقبل هديته، وكتب إليه جواب كتابه، وأجاز مسعودا باثنتي عشرة أوقية ونش وذلك خمسمائة درهم. 594- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو العامري وهو أحد الستة إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا فقدم عليه وأنزله وحباه وقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا دون رد وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره عنه بما قال وقرأ كتابه وقال: لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت باد وباد ما في يديه، فلما انصرف من عام الفتح جاءه جبريل فأخبره أنه قد مات.

قسم V01/P225–V01/P227

595- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني الجلندى وهما من الأزد والملك منهما جيفر يدعوهما إلى الإسلام وكتب معه إليهما كتابا وختم الكتاب، قال عمرو: فلما قدمت عمان عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك فمكثت أياما ببابه ثم إنه دعاني فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته إلا أني رأيت أخاه أرق منه فقال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدا فلما كان الغد رجعت إليه قال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إذا ملكت رجلا ما في يدي، قلت: فإني خارج غدا فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إلي فدخلت عليه فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا وصدقا بالنبي صلى الله عليه وسلم وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني فأخذت الصدقة من أغنيائهم فرددتها في فقرائهم فلم أزل مقيما فيهم حتى بلغنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 596- قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من الجعرانة العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام وكتب إليه كتابا فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه وتصديقه وإني قد قرأت كتابك على أهل هجر. فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إلي في ذلك أمرك فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أخذت منهم الجزية وبأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي وأوصاه به خيرا. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلاء فرائض الإبل والبقر والغنم والثمار والأموال فقرأ العلاء كتابه على الناس وأخذ صدقاتهم. 597- أخبرنا الهيثم بن عدي الطائي قال: أنبأنا مجالد بن سعيد، وزكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كما تكتب قريش: باسمك اللهم حتى نزلت عليه: {اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} فكتب: بسم الله، حتى نزلت عليه: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فكتب بسم الله الرحمن، حتى نزلت عليه: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. 598- أخبرنا الهيثم بن عدي، قال: أخبرنا دلهم بن صالح، وأبو بكر الهذلي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب الأسلمي (ح), قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، والزهري (ح) قال: وحدثنا الحسن بن عمارة، عن فراس، عن الشعبي، دخل حديث بعضهم في حديث بعض؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: وافوني بأجمعكم بالغداة وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر حبس في مصلاه قليلا يسبح ويدعو، ثم التفت إليهم فبعث عدة إلى عدة، وقال لهم: انصحوا لله في عباده، فإنه من استرعي شيئا من أمور الناس ثم لم ينصح لهم حرم الله عليه الجنة، انطلقوا ولا تصنعوا كما صنعت رسل عيسى ابن مريم، فإنهم أتوا القريب وتركوا البعيد فأصبحوا, يعني الرسل وكل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين أرسل إليهم فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا أعظم ما كان من حق الله عليهم في أمر عباده.

الأسئلة