Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

قسم V01/P404–V01/P405

عن أبي عامر الواعظ قال بينا أنا جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءني غلام اسود برقعة فقراتها فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم متعك الله بمسامرة الفكرة ونعمك بمؤانسة العبرة وأفردك بحب الخلوة يا أبا عامر أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة فسررت بذلك وأحببت زيارتك وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك ما لو كان فوقي لأظلني ولو كان تحتي لأقلني فسألتك بالذي حباك بالبلاغة لما ألحفتني جناح التوصل بزيارتك والسلام. قال أبو عامر فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى قباء فأدخلني منزلا رحبا خربا فقال لي قف ها هنا حتى استأذن لك فوقفت فخرج فقال لي لج فدخلت عليه فإذا ببيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة تخاله من الوله مكروبا ومن الخشية محزوبا قد ظهرت في وجهه أحزانه وذهبت من البكاء عيناه ومرضت أجفانه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم تحلل فإذا هو أعمى اعرج مسقام فقال لي يا أبا عامر غسل الله من ران الذنوب قلبك لم يزل قلبي إليك تواقا والى استماع الموعظة منك مشتاقا وبي جرح نغل قد أعيا الواعظين دواؤه واعجز المتطببين شفاؤه وقد وصف لي نفع مراهمك للجراح والألم فلا تال يرحمك الله في إيقاع الترياق وان كان مر المذاق فإني ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء. قال أبو عامر فنظرت إلى منظر بهرني وسمعت كلاما قطعني فأفكرت طويلا ثم تأتى لي من كلامي ما تأتى وسهل من صعوبته ما منه رق لي فقلت يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء واجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء فتنتقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى ما اعد الله فيها للأولياء ثم تشرف على نار لظى فترى ما اعد الله للأشقياء فشتان ما بين الدارين أليس الفريقان في الأموات سواء؟ قال أبو عامر فإن انه وصاح صيحة وزفر والتوى وقال الله يا أبا عامر وقع دواؤك على دائي وأرجو أن يكون عندك شفائي زدني يرحمك الله قال فقلت له يا شيخ الله عالم بسريرتك مطلع على حقيقتك شاهدك في خلوتك بعينه كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته قال فصاح صيحة كصيحته الأولى ثم قال من لفقري من لفاقتي من لذنبي من لخطيئتي أنت لي يا مولاي وإليك منقلبي. ثم خر ميتا رحمه الله. قال أبو عامر فأسقط في يدي وقلت ماذا جنيت على نفسي إذ خرجت علي جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وانفها واصفر لطول القيام لونها وتورمت قدماها فقالت أحسنت والله يا حادي قلوب العارفين ومثير أشجان غليل المحزونين لا نسي لا هذا المقام رب العالمين يا أبا عامر هذا الشيخ والدي مبتلى بالسقم منذ عشر سنين صلى حتى اقعد وبكى حتى عممت وكان يتمناك على الله ويقول حضرت مجلس أبي عامر البناني فأحيا موات فكري وطرد وسن نومي وان سمعته ثانيا قتلني فجزاك الله من واعظ ومتعك من حكمتك بما أعطاك. ثم اكتب على أبيها تقبل عينيه وتبكي وتقول يا أبي أبتاه يا من أعماه البكاء على ذنبه يا أبي يا أبتاه يا من قتله ذكر وعيد ربه ثم علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء وجعلت تقول يا أبي يا أبتاه يا حليف الحرقة والبكاء يا أبي يا أبتاه يا جليس الابتهال والدعاء يا أبي يا أبتاه يا صريع المذكرين والخطباء يا أبي يا أبتاه يا قتيل الوعاظ والحكماء. قال أبو عامر فأجبتها وقلت أيها الباكية الحيرى النادبة الثكلى إن أباك نحبه قد قضى وورد دار الجزاء وعاين كل ما عمل وعليه يحصى في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى فمحسن فله الزلفى أو مسيء فوارد دار من أساء.

قسم V01/P405–V01/P407

فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرقا وخرجت مبادرا إلى مسجد المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وفزعت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتضرع والبكاء حتى كان عند العصر فجاءني الغلام الأسود فآذنني بجنازتهما فقلت احضر الصلاة عليهما ودفنهم فحضرت وسالت عنهما فقيل لي من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب. قال أبو عامر فما زلت جزعا مما حنيت حتى رايتهما في المنام عليهما حلتان خضراوان فقلت مرحبا بكما وأهلا فما زلت حذار مما وعظتكما به فماذا صنع الله بكما فقال الشيخ: أنت شريكي في الذي نلته مستاهلا ذاك أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة فنصف ما يعطاه للأمر من رد عبدا آبقا مذنبا كان كمن قد راقب القاهر واجتمعا في دار عدن وفي جوار رب سيد غافر 198- عابد آخر عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وكان مصعب يصلي في اليوم والليلة آلف ركعة ويصوم الدهر قال بت ليلة في المسجد بعد ما خرج الناس منه فإذا برجل قد جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فاسند ظهره إلى الجدار فقال اللهم انك تعلم اني كنت أمس صائما ثم أمسيت فلم افطر على شيء اللهم فإني أمسيت اشتهي الثريد فأطعمنيه من عندك قال فنظرت إلى وصيف داخل من خوخة المنارة ليس في خلقه وصفاء الناس ومعه قصعة فأهوى بها إلى الرجل فوضعها بين يديه وجعل الرجل يأكل وحصبني فقال هلم فجئته وظننت أنا من الجنة فأحببت أن آكل منها فأكلت منها لقم فأكلت طعاما لا يشبه طعام أهل الدنيا ثم احتشمت فقمت فرجعت لمجلس فلما فرغ من أكله اخذ الوصف القصعة ثم أهوى راجعا من حيث جاء وقام الرجل منصرفا فتبعته لأعرفه فلا ادري أي سلك؟ فظننته الخضر عليه السلام. ومن عقلاء المجانين بالمدينة 199- أبو نصر المصاب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال كان عندنا رجل مجنون يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل في غير ما الناس فيه لا يتكلم حتى يكلم وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جوابا حسنا معجبا. فأتيته يوما وهو في آخر المسجد مع أهل الصفة منكسا رأسه واضعا جبهته بين ركبتيه فجلست إلى جنبه فحركته فانتبه فزعا فأعطيته شيئا كان معي فأخذه وقال قد صادف منا حاجة فقلت له يا أبا نصر مال الشرف قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها والقبول من محسنها والتجاوز عن مسيئها. قلت له فما المروءة قال إطعام الطعام وإفشاء السلام وتوقي الأدفاس. قلت له فما السخاء قال جهد مقل قلت له فما البخل قال أف وحول وجهه عني فقلت تجيبني قال قد أجبتك. قال وقدم علينا هارون فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعى منبره وفي موقف جبريل عليه السلام واعتنق اسطوانة التوبة ثم قال قفوا بي على أصحاب الصفة فلما أتاهم حرك أو نصر وقيل هذا أمير المؤمنين فرفع رأسه وقال أيها الرجل انه ليس بين عبدا الله وأمة نبيه صلى الله عليه وسلم ورعيتك وبين الله خلق غيرك وان الله سائلك عنهم فاعد للمسألة ذكر المصطفيات من عابدات المدينة 200- فمن المعروفات مليكة بنت المنكدر عن موسى بن عبد الملك أبو عبد الرحمن المرزوي قال قال مالك بن دينار بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بامرأة جهيرة في الحجر وهي تقول أتيتك من شقة بعيدة مؤملة لمعروفك فأنلني معروفا من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفا يا لمعروف فعرفت أيوب السختياني فسألنا عن منزلها وقصدناها وسلمنا عليها فقال لها أيوب قولي خيرا يرحمك الله قالت وما أقول أشكو إلى الله قلبي وهواي فقد أضرا بي وشغلاني عن عبادة ربي قوما فإني أبادر طي صحيفتي.

قسم V01/P407–V01/P410

قال أيوب فما حدثت نفسي بامرأة قبلها فقلت لها لو تزوجت رجلا كان يعنيك على ما أنت عليه قالت لو كان مالك بن دينار أو أيوب السختياني ما أردته فقلت أنا مالك بن دينار وهذا أيوب وهذا أيوب السختياني فقالت أف لقد ظننت انه يشغلكما ذكر الله عن محادثة النساء وأقبلت على صلاتها فسالنا عنها فقالوا هذه مليكة بنت المنكدر. وعن أبي خالد البراد قال كلمنا ابنة المنكدر في تخفيف بعض العبادة فقالت دعوني أبادر طي صحيفتي رحمها الله. 201- فاطمة بنت محمد بن المنكدر عن إبراهيم بن مسلم القرشي قال كانت فاطمة بنت محمد بن المنكدر تكون نهارها صائمة فإذا جنها الليل تنادي بصوت حزين هدا الليل واختلط الظلام وأوى كل حبيب إلى حبيبه وخلوتي بك أيها المحبوب أن تعتقني من النار رحمها الله. من المجهولات الأسماء: 202- امرأة كانت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عن عبد الله بن زيد بن اسلم عن أبيه عن جده اسلم قال بينا أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس المدينة إذ أعيا واتكأ على جانب جدار في جوف الليل وإذا امرأة تقول لابنتها يا ابتناه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فقالت لها يا أمتاه وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم قالت وما كان من عزمته يا بنية قالت انه أمر مناديا فنادى ألا يشاب اللبن بالماء فقالت لها يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فانك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لامها يا أمتاه ما كنت لأطيعه في الملأ واعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك فقال يا اسلم علم الباب واعرف الموضع ثم مضى في عسسه حتى أصبح فلما أصبح قال يا اسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لهم من بعل فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا يعل لها وإذا تيك أمها وإذ ليس لهم رجل. فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته فدعا عمر ولده فجمعهم فقال هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ولو كان بابيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه المرأة فقال عبد الله لي زوجة وقال عبد الرحمن لي زوجة وقال عاصم يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت وولدت الابنة عمر بن عبد العزيز. قال الشيخ كذا وقع في رواة الآجري وهو غلط ولا ادري من أي الرواة. وإنما الصواب: فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز كذلك نسبة العلماء. 203- عابدة أخرى عن عبد الله بن المبارك أن امرأة قالت لعائشة اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكشفت لها عنه فبكت حتى ماتت. 204- عابدة أخرى عن إبراهيم بن عبد الله المديني قال حدثني أصحابنا أن امرأة كانت بالمدينة ترهق فدخلت المقابر ذات يوم فإذا هي بجمجمة قد بدت. فوالله ما عاودتني تلك الوسوسة بعد تلك الليلة. قال فصرخت ثم رجعت منيبة فدخل عليها نساؤها فقلن ما هذا فقلت: بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجما جوف القبور ثم قالت اخرجن عني فلا تأتيني منكن امرأة ترغب في خدمة الله تعالى. ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت على ذلك. 205- عابدة أخرى عن أبي أيوب رجل من قريش أن امرأة من أهله كانت تجتهد في العبادة وتديم الصيام وتطيل القيام فأتاها الملعون فقال إلى كم تعذبين هذا الجسم وهذه الروح ولو أفطرت وقصرت عن الصيام والقيام كان أدوم لك وأقوى. قالت فلم يزل يوسوس لي حتى هممت والله بالتقصير.

قسم V01/P410–V01/P412

قالت ثم دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم معتصمة بقبره وذلك بين المغرب والعشاء فحمدت الله وصليت على رسوله ثم ذكرت ما نزل بي من وسواس الشيطان واستغفرت وجعلت ادعوا الله أن يصرف عني كيده ووساوسه قالت فسمعت صوتا من ناحية القبر يقول: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] قالت فرجعت مذعورة وجلة القلب فوالله ما عاودتني تلك الوسوسة بعد تلك الليلة. 206- عابدتان مدنيتان بلغنا عن عبد الله ابن أخت مسلم بن سعد انه قال أردت الحج فدفع إلي خالي مسلم عشرة آلاف درهم وقال لي إذا قدمت المدينة فانظر أفقر أهل بيت بالمدينة فأعطهم إياها فلما دخلت سألت عن أفقر أهل بيت بالمدينة فدللت على أهل بيت فطرقت الباب فأجابتني امرأة من أنت فقلت أنا رجل من أهل بغداد أودعت عشرة آلاف وأمرت أن أسلمها إلى أفقر أهل بيت بالمدينة وقد وصفهم لي فخذوها فقالت يا عبد الله إن صاحبك اشترط أفقر أهل بيت وهؤلاء الذين بازائنا أفقر منا فتركتهم وأتيت أولئك فطرقت الباب فأجابتني امرأة فقلت لها مثل الذي قلت لتلك المرأة فقالت يا عبد الله نحن وجيراننا في الفقر سواء فاقسمها بيننا وبينهم. انتهى ذكر أهل المدينة. ذكر المصطفين من طبقات أهل مكة من التابعين ومن بعدهم فمن الطبقة الأولى 207- عبيد بن عمير بن قتادة الليثي يكنى أبا عاصم عن مجاهد قال كنا نفتخر بفقيهنا وقاضينا فأما فقيهنا فابن عباس وأما قاضينا فعبيد بن عمير. وعنه عن عبيد بن عمير قال إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه وبخلتم بالمال أن تنفقوه جبنتم عن العدو أن تقاتلوه فاكثروا من ذكر الله عز وجل. وعنه عن عبيد بن عمير قال ما المجتهد فيكم إلا كاللعب فيما مضى. وعن قيس بن سعد عن عبيد بن عمير قال إن أهل ليتلقون الميت يتلقى الراكب يسألونه فإذا سألوه ما فعل فلان فمن كان قد مات يقول ألم يأتك؟ فيقولون إن الله واتا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية. اسند عبيد بن عمير عن أبي بن كعب وأبي ذر وأبي قتادة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وابن عباس وعائشة في جماعة من الصحابة. وروي عنه من كبار التابعين مجاهد وعطاء وأبو حازم في آخرين رحمه الله. ومن الطبقة الثانية 208- مجاهد بن جبير يكنى أبا الحجاج قال عبد الرحمن بن أبي حاتم هو مولى عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي ويقال مولى زيد بن الحارث المخزومي. عن الأعمش قال كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت انه خر بندج ضل حماره فهو مهتم. وعن ليث عن مجاهد قال من أعز نفسه أذل دينه ومن أذل نفسه اعز دينه. وعنه عن مجاهد قال: إن الله عز وجل ليصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده. وعنه عن مجاهد قال: إن العبد إذا اقبل إلى الله عز وجل بقلبه اقبل الله بقلوب المؤمنين إليه. وعنه عن مجاهد قال لا تحد النظر إلى أخيك ولا تسأله من أين جئت وأين تذهب. وعنه عن مجاهد قال كانوا يكتفون من الكلام باليسير. عن محمد بن إسحاق بن أبان بن صالح عن مجاهد قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه على كل آية أسأله كيف أنزلت وكيف كانت. وعن خالد بن زيد عن مجاهد قال إن القرآن يقول اني معك ما اتبعتني فإذا لم تعمل بي اتبعتك. وعن مجاهد قال إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة ابن آدم المستور عورته أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك. وعن عمر بن ذر قال قال مجاهد ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده حتى إذا كان آخر مرض يمرضه العبد أتاه ملك الموت فقال أتاك رسول بعد رسول فلم تعبا به وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا.

قسم V01/P412–V01/P414

وعن مجاهد قال يؤمر العبد إلى النار يوم القيامة فيقول ما كان هذا ظني فيقال ما كان ظنك فيقول أن تغفر لي فيقول خلوا سبيله. وعن الأعمش عن مجاهد قال كان بالمدينة أهل بيت ذوو حاجة عندهم راس شاة فأصابوا شيئا فقالوا لو بعثنا هذا الرأس إلى من هو أحوج إليه منا قال فبعثوا به فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم. وعنه قال كنا عند مجاهد فقال القلب هكذا وبسط كفه فإذا أذنب الرجل ذنبا قال هكذا وعقد وأحدا ثم أذنب وعقد اثنين ثم ثلاثا ثم أربعا ثم رد الإبهام على الأصابع في الذنب الخامس ثم يطبع على قلبه. قال مجاهد: فأيكم يرى أنه لم يطبع على قلبه. وعن عمر بن ذر عن مجاهد قال إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة ولينم على يمينه وليذكر الله وليكن آخر كلامه عند منامه لا اله إلا الله فإنها وفاء لا يدري لعلها تكون منيته ثم قرأ: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} [الأنعام: 60] . اسند مجاهد عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة ورافع بن خديج في آخرين وحدث عن عائشة إلا أن حديثه عنها مرسل لأنه لم يسمع منها. وحدث عنه من أعلام التابعين عطاء وطاوس وعكرمة في خلق كثير. ~: :ذكر وفاته: قال الفضل بن ذكين مات مجاهد سنة اثنتين ومائة يوم السبت وهو ساجد وقال يوسف بن سليمان توفي مجاهد بمكة سنة ثلاث ومائة. وعن يحيى بن سعيد قال مات مجاهد سنة أربع ومائة وقال ابن جريج بلغ مجاهد يوم مات ثلاثا وثمانين سنة رحمه الله تعالى. 209- عطاء بن أبي رباح اسم أبي رباح اسلم وكان عطاء من مولدي الجند نشا بمكة وهو مولى آل أبي ميسرة الفهري وكان عطاء يكنى أبا محمد. عن أبي عبد الله يعني احمد بن حنبل قال العلم خزائن يقسم الله لمن احب لو كان يخص بالعلم أحد لكان بيت النبي صلى الله عليه وسلم أولى، كان عطاء بن أبي رباح حبشيا وكان يزيد بن بي حبيب نوبيا اسود وكان الحسن مولى للأنصار. وكان ابن سيرين مولى للأنصار. وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي كان عطاء بن أبي رباح عبدا اسود لامرأة من أهل مكة وكان انفه كأنه باقلاة قال وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلي فلما صلى انفتل إليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم ثم قال سليمان لابنيه قوما فقاما فقال يا ابني لاتنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود. وعن احمد بن محمد قال كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعد ابن عباس لعطاء بن أبي رباح. وعن سلمة بن كهيل قال ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة عطاء وطاوس ومجاهد. وعن ابن جريج قال كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنة. وعن عمر بن ذر قال ما رأيت مثل عطاء قط وما رأيت على عطاء قميصا ولا رأيت عليه ثوبا يساوي خمسة دراهم. وعن إسماعيل بن أمية قال كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل إلينا انه يؤيد وعن عمرو بن سعيد عن أمه قالت قدم ابن عمر مكة فسألوه فقال أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن أبي رباح. وعن عبد الله بن إبراهيم بن عمرو بن كيسان قال اخبرني أبي قال اذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحا يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح وعن الأوزاعي قال ما رأيت أحدا خشع لله من عطاء ولا أطول حزنا من يحيى بن أبي كثير.

قسم V01/P414–V01/P417

وعن يعلى بن عبيد قال دخلنا على محمد بن سوقة فقال أحدثكم بحديث لعله إن ينفعكم فانه قد نفعني ثم قال قال لنا عطاء بن أبي رباح يا بني أخي إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله عز وجل إن تقراه وتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أمل صدر نهاره فإن اكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه. وعن ابن جريج قال كان عطاء بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرا مائتي آية من البقرة وهو قائم ما يزول منه شيء ولا يتحرك. وعن ابن عيينة قال قلت لابن جريح ما رأيت مصليا مثلك قال لو رأيت عطاء. وعن معاذ بن سعيد قال كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه فقال عطاء سبحان الله ما هذه الأخلاق ما هذه الأخلاق اني لأسمع الحديث من الرجل وأنا اعلم منه به فأريه اني لا أحسن منه شيئا. وعن عثمان بن الأسود قال قلت لعطاء الرجل يمر بالقوم فيقذفه بعضهم أيخبره قال لا المجالس بالأمانة. وعن ابن أبي ليلى قال حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة اسند عطاء عن ابن عمر وابن عمرو وأبي سعيد وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وابن عباس وابن الزبير في آخرين من الصحابة. وروى عنه جماعة من التابعين كعمرو بن دينار والزهري وقتادة وأيوب في آخرين ومات عطاء بمكة في سنة خمس عشرة ومائة وقيل سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثمانين سنة رحمه الله. 210- عبد الله بن عبيد بن عمير وكان من افصح أهل مكة. عن هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون فإذا ونى قائدها لم تستقم لسائقها وإذا ونى سائقها لم تستقم لقائدها ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى تقوم على الخير الإيمان بالله مع العمل لله والعمل لله مع الإيمان بالله. وعن الوصافي عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال لا ينبغي لمن اخذ بالتقوى وزن بالورع أن يذل لصاحب الدنيا. وعن وهب بن جرير قال أنبأ أبي قال سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول بعث سليمان بن داود إلى مارد من مردة الجن فأتي به فلما كان على باب سليمان اخذ عودا وذرعه بذراعه ثم رمى به من وراء الحائط فوقع بين يدي سليمان فقال ما هذا فاخبر بما صنع المارد فقال أتدرون ما أراد قالوا لا قال يقول اصنع ما شئت فانك تصير إلى مثل هذا من الأرض. اسند عبد الله عن أبيه وغيره وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة بمكة وكان صالحا. ومن الطبقة الثالثة من أهل مكة 211- عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج مولى أمية بن خالد يكنى أبا الوليد. عن عبد الرزاق قال كنت إذا رأيت ابن جريج علمت انه يخشى الله وما رأيت مصليا مثله قط. وعنه قال أهل مكة يقولون اخذ ابن جريج الصلاة من عطاء وأخذها عطاء من ابن الزبير وأخذها ابن الزبير من أبي بكر الصديق وأخذها أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد الرزاق وكان ابن جريج حسن الصلاة. وعن مالك بن أنس قال كان ابن جريج صاحب ليل. سمع ابن جريج من طاوس مسألة واحدة ومن مجاهد حرفين من القرآن وسمع الكثير من عطاء بن أبي رباح. وكان عطاء يقول هو سيد شباب أهل الحجاز وسمع من عمرو بن دينار وأبي الزبير وابن المنكدر ونافع والزهري في خلق كثير وقيل انه أول من صنف الكتب. وتوفي سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين ومائة وقيل تسع وأربعين. 212- محمد بن طارق المكي روى عن طاوس وروى عنه الثوري.

قسم V01/P417–V01/P418

عن محمد بن فضيل قال رأيت ابن طارق في الطواف قد انفرج له أهل الطواف عليه نعلان مطرقتان فحزروا طوافه في ذلك الزمان فإذا هو يطوف في اليوم والليلة عشرة فراسخ. وعنه قال سمعت ابن شبرمة يقول: لو شئت كنت ككرز في تعبده أو كابن طارق حول البيت والحرم قد حاول دون لذيذ العيش خوفهما وسارعا في طلاب الفوز والكرم قال وكان محمد بن طارق يطوف في اليوم والليلة سبعين أسبوعا وكان كرز يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث ختمات. وعن ابن شبرمة قال لو اكتفى أحد بالتراب كفى ابن طارق كف من تراب رحمه الله. 213- عثمان بن أبي دهرش المكي يروى عن رجل من آل الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه ابن عيينة عن عبد الله ابن المبارك عن عثمان بن أبي دهرش انه كان إذا رأى الفجر قد اقبل عليه تنبه وقال: اصير الان مع الناس ولا ادري ما اجني على نفسي. وقال عثمان بن أبي دهرش ما صليت صلاة قط الا استغفرت الله تعالى من تقصيري فيها. 214- وهيب بن الورد بن أبي الورد مولى بني مخزوم يكنى أبا أمية وقيل أبا عثمان وكان اسمه عبد الوهاب فصغر فقيل وهيب. عن سفيان بن عيينة عن وهيب بن الورد قال بينا أنا واقف في بطن الوادي إذا أنا برجل قد اخذ بمنكبي فقال يا وهيب خف الله لقدرته عليك واستحيي منه لقربه منك قال فالتفت فلم أر أحدا. وعن بشر بن الحارث قال أربعة رفعهم الله بطيب المطعم وهيب بن الورد وإبراهيم بن ادهم ويوسف بن أسباط وسالم الخواص. وعن زهير بن عباد قال كان فضيل بن عياض ووهيب بن الورد وعبد الله بن المبارك جلوسا فذكروا الرطب فقال وهيب أو قد جاء الرطب فقال عبد الله بن المبارك رحمك الله هذا آخره أو لم تأكله قال لا قال ولم قال وهيب بلغني أن عامة أجنة مكة من الصوافي والقطائع فكرهتها فقال عبد الله بن المبارك: يرحمك الله أوليس قد رخص في الشرى من السوق إذا لم تعرف الصوافي والقطائع منه وإلا ضاق على الناس خبزهم أو ليس عامة ما يأتي من قمح مصر إنما هو من الصوافي والقطائع ولا أحسبك تستغني عن القمح فسهل عليك قال فصعق. قال فضيل لعبد الله ما صنعت بالرجل فقال ابن المبارك ما علمت أن كل هذا الخوف قد أعطيه فلما أفاق وهيب قال يا ابن المبارك دعني من ترخيصك لا جرم لا آكل من القمح إلا كما يأكل المضطر من الميتة. فزعموا انه نحل جسمه حتى مات هزلا. أبو بكر المروزي قال قال قادم الديلمي قيل لوهيب بن الورد ألا تشرب من زمزم قال بأي دلو؟ قال شعيب بن حرب ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب كان يشرب بدلوه. وعن احمد بن عبيد بن ناصح قال قال يوسف بن اسباط عن القعقاع بن عمارة عن وهيب المكي قال يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي وعظمتي ما من عبد اثر هواي على هواه إلا أقللت همومه وجمعت عليه ضيعته ونزعت الفقر من قلبه وجعلت الغنى بين عينيه واتجرت له من وراء كل تاجر وعزتي وعظمتي وجلالي ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كثرت همومه وفرقت عليه ضيعته ونزعت الغنى من قلبه وجعلت الفقر بين عينيه ثم لم أبال في أي أوديتها هلك. وقال عبد الرحمن العراقي قال وهيب بن الورد خالطت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي ذنبا فيما بيني وبينه ولا وصلني إذا قطعته ولا ستر على عورة ولا أمنته إذا غضب فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير. وكان سفيان الثوري إذا جاء الناس في المسجد الحرام وفرغ قال قوموا إلى الطبيب يعني وهيبا.

قسم V01/P418–V01/P420

وعن ابن المبارك قال ما جلست إلى أحد كان انفع لي مجالسة من وهيب كان لا يأكل من الفواكه وكان إذا انقضت السنة وذهبت الفواكه يكشف عن بطنه وينظر إليه ويقول يا وهيب ما أرى بك بأسا ما أرى تركك الفواكه ضرك شيئا. وعن محمد بن مزاحم عن وهيب بن الورد قال وجدت العزلة اللسان. وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال قال وهيب بن الورد كان يقال الحكمة عشرة أجزاء فتسعة منها في الصمت والعاشرة عزلة الناس قال فعالجت نفسي على الصمت فلم أجدني أضبط كل ما أريد منه ف رأيت أن هذه الأجزاء العشرة عزلة الناس. وعن ابن أبي رواد قال انتهيت إلى رجل ساجد خلف المقام في ليلة باردة مطيرة يدعو ويبكي فطفت أسبوعا ثم عدت فوجدته على حاله فقمت قريبا منه الليل كله فلما أدبر الليل سمعت هاتفا يقول يا وهيب بن الورد ارفع رأسك فقد غفر لك قال فلم أر شيئا فلما برق الصبح رفع رأسه ومضى فاتبعته فقلت أو ما سمعت الصوت فقال وأي صوت فأخبرته فقال لا تخبر به أحدا فما حدثت به أحدا حتى مات وهيب. وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال قال وهيب عجبا للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات ثم غشي عليه. وعنه قال كانوا يرون الرؤيا لوهيب انه من أهل الجنة فإذا اخبر بها اشتد بكاؤه وقال قد خشيت ان يكون هذا من الشيطان. وعنه قال حلف وهيب بن الورد ألا يراه الله ضاحكا ولا أحد من خلقه حتى يعلم ما يأتي به رسل ربه قال فسمعوه عند الموت يقول وفيت لي ولم أف لك. وعن عبد الرزاق قال سمعت وهيب بن الورد يقول من عد كلامه من عمله قل كلامه. وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال قال وهيب بن الورد لو أن علماءنا عفا الله عنا وعنهم نصحوا لله في عباده فقالوا يا عباد الله اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم وصالح سلفكم من الزهد في الدنيا فاعملوا به ولا تنظرون إلى أعمالنا هذه الفسلة كانوا قد نصحوا الله في عباده ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم وما هم فيه. وعن عبد الله بن المبارك قال قيل لوهيب بن الورد أيجد طعم العبادة من يعصي الله قال لا ولا من يهم بالمعصية. وعن جرير بن حازم عن وهيب قال بلغني أن موسى عليه السلام قال يا رب اخبرني عن آية رضاك عن عبدك فأوحى الله تعالى إليه إذا رأيتني أهيئ له طاعتي وأصرفه عن معصيتي فذاك آية رضاي عنه. وعن محمد بن يزيد قال سمعت وهيبا يقول ضرب لعلماء السوء مثل فقيل إنما مثل عالم السوء كمثل الحجر في الساقية فلا هو يشرب الماء ولا هو يخلي الماء إلى الشجر فيحيا به. وعنه عن وهيب قال بلغنا أن عيسى عليه السلام مر هو ورجل من حوارييه بلص في قلعة له فلما رآهما اللص ألقى الله في قلبه التوبة قال فقال في نفسه هذا عيسى ابن مريم عليه السلام روح الله وكلمته وهذا فلان حواريه ومن أنت يا شقي لص بني إسرائيل قطعت الطريق وأخذت الأموال وسفكت الدماء ثم هبط إليهما تائبا نادما على ما كان منه. فلما لحقهما قال لنفسه تريد ان تمشي معهما لست لذلك بأهل امش خلفهما كما يمشي الخطاء المذنب مثلك قال فالتفت إليه الحواري فعرفه فقال في نفسه انظر إلى هذا الخبيث الشقي ومشيه وراءنا قال فاطلع الله على ما في قلوبهما من ندامته وتوبته ومن ازدراء الحواري إياه وتفضيله نفسه عليه. قال فأوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم أن مر الحواري ولص بني إسرائيل أن يأتنفا العمل جميعا أما اللص فقد غفرت له ما قد مضى لندامته وتوبته وأما الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه هذا التواب.

قسم V01/P420–V01/P421

قال وهيب وبلغنا أن الخبيث إبليس تبدى ليحيى بن زكريا عليهما السلام فقال له اني أريد انصحك قال كذبت أنت لا تنصحني ولكن اخبرني عن بني ادم قال هم عندنا على ثلاثة أصناف أما صنف منهم فهم اشد الأصناف علينا نقبل حتى نفتنه ونستمكن منه نم يفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود له فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن من ذلك في عناء. وأما الصنف الآخر فهم بين أيدينا بمنزلة الكرة في أيد صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا فقد كفونا أنفسهم. وأما الصنف الآخر فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء. فقال له يحيى على ذاك هل قدرت مني على شيء قال لا إلا مرة واحدة فانك قدمت طعاما تأكله فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت اكثر مما تريد فنمت تلك الليلة ولم تقم إلى الصلاة كما كنت تقوم إليها. قال فقال له يحيى لا جرم لا شبعت من طعام أبدا حتى أموت فقال له الخبيث لا جرم لا نصحت آدميا بعدك. محمد بن يزيد قال رأيت وهيب بن الورد صلى ذات يوم العيد فلما انصرف الناس جعلوا يمرون به فنظر إليهم ثم زفر ثم قال لئن كان هؤلاء القوم اصبحوا مستيقنين انه قد تقبل منهم شهرهم هذا لكان ينبغي لهم ان يكونوا مشاغيل بأداء الشكر عما هم فيه وإن كانت الأخرى لقد كان ينبغي لهم أن يصبحوا اشغل واشغل. ثم قال كثيرا ما يأتيني من يسألني من إخواني فيقول يا أبا أمية ما بلغك عمن طاف سبعا بهذا البيت ما له من الأجر فأقول يغفر الله لنا ولكم بل سلوا عما أوجب الله تعالى من أداء الشكر في طواف هذا السبع ورزقه إياه حين حرم غيره. قال فيقولون إنا نرجو فيقول وهيب فلا والله ما رجا عبد قط حتى يخاف ثم يقول كيف تجترئ أن ترجو رضا من لا يخاف غضبه إنما كان الراجي خليل الرحمن إذ يخبرك الله عز وجل عنه قال: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] ثم قال: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] . وعن علي بن أبي بكر قال اشتهي وهيب لبنا فجاءته خالته به من شاة لآل عيسى بن موسى قال فسألها عنه فأخبرته فأبى أن يأكله فقالت له كل فأبى فعاودته وقالت له: إني أرجو إن أكلته أن يغفر الله لك أي باتباع شهوتي فقال: ما أحب أنى أكلته وإن الله تعالى غفر لي فقالت لمقال إني أكره أن أنال مغفرته بمعصيته. عن عمرو بن محمد بن أبي رزين قال وسمعت وهيبا يقول أن العبد ليصمت فيجتمع له لبه. وسمعته يقول لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل ولكن ليكن همه في أحكامه وتحسينه فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه. وعن مؤمل قال سمعت وهيبا يقول لو قمت قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك؟ حلال أو حرام؟ وعن محمد بن يزيد عن وهيب قال بلغنا والله اعلم أن موسى عليه السلام قال يا رب أوصني قال: أوصيك بي. قالها ثلاثا، كل ذلك يقول: أوصيك بي. حتى قال في الآخرة أوصيك بي إلا يعرض لك أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها فمن لم يفعل ذلك لم أرحمه ولم أزكه. وعن ابن المبارك عن وهيب قال اتق أن تسب إبليس في العلانية وأنت صديقه في السر. وعن أبي صالح الجدي قال صليت إلى جنب وهيب العصر فلما صلى جعل يقول اللهم ان كنت نقصت منها شيئا أو قصرت فيها فاغفر لي قال فكأنه قد أذنب ذنبا عظيما يستغفر منه. وعن بشر بن الحارث قال كان وهيب بن الورد تبين خضرة البقل من بطنه من الهزال. وعنه قال: بلغنا أن وهيبا كان إذا أتي بقرصته بكى حتى يبلها.

قسم V01/P421–V01/P424

أدرك وهيب بن الورد جماعة من التابعين كعطاء بن أبي رباح ومنصور بن زاذان وأبان بن أبي عياش وكان مشغولا عن الرواية بالتعبد. على أنه قد نقل عنه حديث حسن. ومات في سنة ثلاث وخمسين ومائة رحمه الله. ومن الطبقة الرابعة 215- عبد العزيز بن أبي رواد مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة. عن شقيق البلخي قال ذهب بصر عبد العزيز بن أبي رواد عشرين سنة لم يعلم به أهله ولا ولده فتأمله ابنه ذات يوم فقال له يا أبت ذهبت عينك قال نعم يا بني الرضا عن الله تعالى اذهب عين أبيك منذ عشرين سنة. وعن شعيب بن حرب قال جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد خمسمائة مجلس فما احسب صاحب الشمال كتب شيئا. وعن يوسف بن اسباط قال مكث عبد العزيز بن أبي رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء فبينما هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور أبو جعفر في خاصرته بإصبعه، فالتفت إليه فقال: قد علمت أنها طعنة جبار. وعن خلاد بن يحيى قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد قال كان يقال من رأس التواضع الرضابالدون من شرف المجالس وكان يقول في رأس كل إنسان حكمة أخذ بها ملك فإن تواضع لربه رفعه. وقال انتعش رحمك الله وإن تكبر قمعه وقال: اخسأ خسأك الله. وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال قال رجل لعبد العزيز بن أي رواد كيف أصبحت فبكى وقال أصبحت والله في غفلة عظيمة عن الموت مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي واجل يسرع كل يوم في عمري وموئل لست ادري علام اهجم؟ ثم بكى. وعن سعيد بن سألم القداح قال سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يقول لرجل: ومن لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء الإسلام والقرآن والمشيب. اسند عبد العزيز بن أبي رواد عن جماعة من كبار التابعين كعطاء وعكرمة ونافع. وتوفي بمكة سنة تسع وخمسين ومائة. 216- زمعة بن صالح المكي روى عن سلمة بن وهرام وابن طاوس وروى عنه وكيع. عن القاسم بن راشد الشيباني قال كان زمعة نازلا عندنا وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: يا أيها الركب المعرسونا أكل هذا الليل ترقدونا ألا تقومون فترحلونا قال فيتواثبون فيسمع من ههنا باك، ومن ههنا داع، ومن ههنا قارئ، ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى رحمه الله. واصدق عنه النجاشي اربعمائة دينار وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة. وقيل وكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوجها وذلك في سنة سبع من الهجرة. قال سعيد بن العاص: قالت ام حبيبة: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش زوجي باسوأ صورة واشوهه. ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله. فاذا هو يقول حين اصبح: يا أم حبيبة اني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد، ثم رجعت في النصرانية. فقلت: والله ما خير لك. واخبرته بالرؤيا التي رأيتها فلم يحفل بها واكب على الخمر حتى مات: فارى في النوم كأن آتيا يقول: يا ام المؤمنين ففزعت فاولتها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني. قالت: فما هو الا ان قد انقضت عدتي فما شعرت الا برسول النجاشي على بابي يستأذن. فإذا جارية له يقال لها ابرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: فقالت: ان الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الي ان ازوجه فقالت: بشرك الله بخير. قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك. فارسلت خالد بن سعيد بن العاص فوكلته واعطت ابرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في اصابع رجليها سرورا بما بشرتها. فلما كان العشى امر النجاشي جعفر بن ابي طالب ومن هناك من المسلمين فخطب النجاشي فقال:

قسم V01/P424–V01/P426

الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وانه الذي بشر به عيسى ابن مريم اما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الي ان ازوجه ام حبيبة بنت ابي سفيان فاجبت الى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها اربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله، أحمده واستعينه واستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون اما بعد أجبت الى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته ام حبيبة بنت ابي سفيان فبارك الله لرسول صلى الله عليه وسلم. ودفع الدنانير الى خالد بن سعيد العاص فقبضها. ثم أرادوا ان يقوموا فقال: اجلسوا فان سنة الأنبياء اذا تزوجوا ان يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام واكلوا ثم تفرقوا. قالت ام حبيبة: فلما وصل الي المال ارسلت الى ابرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما اعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها. فابت واخرجت حقا فيه كل ما كنت اعطيتها فردته علي وقالت: عزم علي الملك ان لا ارزأك شيئا وانا التي اقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم واسلمت لله عز وجل وقد امر الملك نساءه ان يبعثن اليك بكل ما عندهن من العطر. قالت: فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يراه علي وعندي فلا ينكره. ثم قالت ابرهة: فحاجتي اليك ان تقرئي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وتعلميه اني قد اتبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهزتني، وكانت كلما دخلت علي تقول لا تنسي حاجتي اليك. قالت: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي ابرهة فتبسم واقرأته منها السلام فقال: " وعليها السلام ورحمة الله وبركاته" 1. قال الزهري: لما قدم ابو سفيان بن حرب المدينة جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة، فكلمه ان يزيد في هدنة الحديببة فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ودخل على ابنته ام حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه فقال: يا بنية ارغبت بهذا الفراش عني ام بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وانت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر2. قالت عائشة رضي الله عنها: دعتني ام حبيبة عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله ولك ما كان من ذلك. فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحلك من ذلك كله. فقالت: سررتني سرك الله. وارسلت الي أم سلمة فقالت لها مثل ذلك3. وتوفيت سنة اربع واربعين في خلافة معاوية. ومن الطبقة الخامسة 217- سفيان بن عيينة بن أبي عمران يكنى أبا محمد. وهو مولى لبني عبد الله بن رويبة ولد بالكوفة وسكن مكة. عن محمد بن عمر قال أنبأ سفيان أنه ولد سنة سبع ومائة وكان أصله من الكوفة وكان أبوه من عمال خالد بن عبد الله القسري فلما عزل خالد عن العراق وولى يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهربوا منه فلحق عيينة بمكة فنزلها.

قسم V01/P426–V01/P428

إبراهيم بن ازداد الرافقي قال: قال سفيان بن عيينة لما بلغت خمس عشرة سنة دعاني أبي فقال لي: يا سفيان قد انقطعت عنك شرائع الصبا فاحتفظ من الخير تكن من أهله، ولا يغرنك من اغتر بالله فمدحك بما يعلم الله خلافه منك فانه ما من أحد يقول في أحد من الخير إذا رضى إلا وهو يقول فيه من الشر مثل ذلك إذا سخط فاستأنس بالوحدة من جلساء السوء لا تنقل احسن ظني بك إلى غير ذلك ولن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم. قال سفيان فجعلت وصية أبي قبلة أميل معها ولا أميل عنها. وعن صامت بن معاذ قال سمعت سفيان بن عيينة يقول من تزين للناس بشيء يعلم الله منه غير ذلك شانه الله. وعن النعمان قال سمعت ابن عيينة يقول ليس من حب الدنيا طلبك ما لا بد منه. وعن محمد بن ميمون الخياط قال سمعت سفيان بن عيينة يقول إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما اصنع بالعلم الذي كتبت؟ وعن علي بن الجعد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول من زيد في عقله نقص من رزقه. وعن ابن الأعرابي قال قال سفيان بن عيينة أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. وعن علي بن الحسن قال سمعت سفيان بن عيينة يقول من رأى انه خير من غيره فقد استكبر وذلك أن إبليس إنما منعه من السجود لآدم عليه السلام استكباره. 218- الفضيل بن عياض التميمي ثم أحد بني يربوع يكنى أبا علي ولد بخراسان بكورة أبي ورد وقدم الكوفة وهو كبير فسمع بها الحديث ثم تعبد وانتقل إلى مكة فمات بها. عن إبراهيم بن احمد الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالا لكنت أتقذرها. وعن أبي الفضل الخزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول أصلح ما أكون أفقر ما أكون وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وعن إسحاق بن إبراهيم قال كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يرددها. وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلا ثم يقوم فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم هكذا حتى يصبح. قال وسمعت الفضيل يقول إذا لم تقدر على القيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك. وعن منصور بن عمار قال تكلمت يوما في المسجد الحرام فذكرت شيئا من صفة النار ف رأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشى عليه فطرح نفسه. وعن أبي إسحاق قال قال الفضيل بن عياض لو خيرت بين أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة لاخترت أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة. وعن مهران بن عمرو الأسدي قال سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول واسوأتاه، وافضيحتاه وإن عفوت. وعن احمد بن سهل قال قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا انه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن. قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له اقرأ {ألهاكم التكاثر} ورفع بها صوته. فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول: بلغت الثمانين أو حزتها فماذا أؤمل أو أنتظر؟ أتى لي ثمانون من مولدي وبعد الثمانين ما ينتظر علتني السنون فأبلينني ... قال ثم خنقته العبرة. وكان معنا علي بن خشرم فأتمه لنا فقال: علتني السنون فأبلينني فرقت عظامي وكل البصر وعن أبي جعفر الحذاء قال: سمعت فضيل بن عياض يقول أخذت بيد سفيان ابن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن انه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.

قسم V01/P428–V01/P430

وعن علي بن الحسن قال بلغ فضيلا أن جريرا يريد أن يأتيه قال: فأقفل الباب من خارج قال: فجاء جرير فرأى الباب مقفلا فرجع قال علي فبلغني ذلك فأتيته فقلت له جرير فقال ما يصنع بي يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي فلا يتزين لي ولا أتزين له خير له. وعن الفيض بن إسحاق قال سمعت فضيلا يقول لو قيل لك يا مرائي لغضبت ولشق عليك وتشكو فتقول قال لي يا مرائي عساه قال حقا من حبك للدنيا تزينت للدنيا وتصنعت للدنيا. ثم قال اتق ألا تكون مرائيا وأنت لا تشعر تصنعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا هو رجل صالح فأكرموك وقضوا لك الحوائج ووسعوا لك في المجالس وإنما عرفوك بالله ولولا ذلك لهنت عليهم. قال وسمعت الفضيل يقول تزينت لهم بالصوم فلم ترهم يرفعون بك رأسا. تزينت لهم ب القرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا تزينت لهم بشيء بعد شيء إنما هو لحب الدنيا. وعن الحسين بن زياد قال دخلت على فضيل يوما فقال عساك إن رأيت في ذلك المسجد يعني المسجد الحرام رجلا شرا منك إن كنت ترى أن فيه شرا منك فقد ابتليت بعظيم. وعن يونس بن محمد المكي قال: قال فضيل بن عياض لرجل لأعلمنك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها والله لئن علم الله منك إخراج الآدمين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئا إلا أعطاك. وعن إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك. وعن عبد الصمد بن يزيد قال سمعت الفضيل يقول أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال ليس لك هذا قومي خذي حظك من الآخرة. وعن محمد بن حسان السمني قال: شهدت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة فتكلم الفضيل فقال كنتم معشر العلماء سرج البلاد يستضاء بكم فصرتم ظلمة وكنتم نجوما يهتدى بكم فصرتم حيرة، ثم لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظلمة، ثم يسند ظهره يقول: حدثنا فلان عن فلان. فقال سفيان: لئن كنا لسنا بصالحين فإنا نحبهم. وعن بشر بن الحارث قال: قال فضيل بن عياض: لأن أطلب الدنيا بطبل ومزمار أحب إلي من أن أطلبها بالعبادة. وعن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين الرشيد فأتاني فخرجت مسرعا فقلت يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال: ويحك قد حك في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله فقلت ها هنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت الباب فقال من ذا؟ فقلت أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله. فحدثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم فقال أبا عباس اقض دينه فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله فقلت له هاهنا عبد الرزاق بن همام قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب فقال من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك قال خذ لما جئناك له.

قسم V01/P430–V01/P431

فحادثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم قال أبا عباس اقض دينه. فلما خرجنا قال ما أغنى صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله قلت ها هنا الفضيل ابن عياض قال امض بنا إليه فأتيناه فإذا وهو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها فقال اقرع الباب فقرعت الباب فقال من هذا فقلت أجب أمير المؤمنين فقال ما لي ولأمير المؤمنين فقلت سبحان الله أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" فنزل ففتح الباب ثم إرتقى إلى الغرفة فأطفا المصباح ثم إلتجأ إلى زواية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه فقال يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي فقال له خذ لما جئناك له رحمك الله فقال إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سألم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء ابن حيوة فقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت. وقال له محمد بن كعب القرظي إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا فوقر أباك واكرم أخاك وتحنن على ولدك. وقال له رجاء ين حيوة إن اردت النجاة غدا من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت وإني أقول لك أني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه فقلت له أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وارفق به أنا ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له ما أقدمك قال خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله عز وجل. قال فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلى الله عليه وسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أمرني على إمارة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل". فبكى هارون بكاء شديدا وقال له زدني رحمك الله. فقال يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة". فبكى هارون وقال له عليك دين قال نعم دين لربي يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم ألهم حجتي قال إنما اعني دين العباد قال إن ربي لم يأمرني بهذا أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره فقال عز وجل: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56-58] . فقال له هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادتك فقال: سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.

قسم V01/P431–V01/P433

ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب قال هارون: أبا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به فقال لها مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه. فلما سمع هارون هذا الكلام قال ندخل فعسى أن يقبل المال فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف رحمك الله فانصرفنا. اقتصرنا على هذا القدر من أخبار الفضيل لانا قد أفردنا لكلامه ومناقبه كتابا فمن أراد الزيادة فلينظر في الكتاب. وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن ومسلم الأعور وأبان بن أبي عياش وروى عنه خلق كثير من العلماء وقد ذكرنا جملة من رواياته في ذلك الكتاب. وتوفي رضي الله عنه في سنة سبع وثمانين ومائة. 219- علي بن الفضيل بن عياض ألحقناه بدرجة أبيه لأنه مات في حياة أبيه واقتصرنا من أخباره على اليسير لأنا قد أدرجناها في كتاب فضائل أبيه رضي الله عنهما. عن فضيل بن عياض قال بكى ابني علي فقلت يا علي ما يبكيك قال يا أبة أخاف ألا تجمعنا القيامة. وعن بشر بن الحارث قال كان عشرة ينظرون في الحلال النظر الشديد لا يدخل بطونهم إلا حلال ولو استفوا التراب فذكر منهم علي بن الفضيل. وعن محمد بن الحسن قال كان علي بن الفضيل يصلي حتى يزحف إلى فراشه ثم يلتفت إلى أبيه فيقول: يا أبة سبقني العابدون. وعن سفيان بن عيينة قال ما رأيت أحدا أخوف من الفضيل وابنه. أسند علي عن عبد العزيز بن أبي رواد وسفيان بن عيينة وغيرهما رضي الله عنهما. 220- محمد بن ادريس الامام الشافعي رضي الله عنه يكنى ابا عبد الله عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم قال: قال الشافعي: ولدت بغزة سنة خمسين ومائة وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين. قال: وأخبرني غيره عن الشافعي قال: لم يكن لي مال فكنت اطلب العلم في الحداثة اذهب إلى الديوان استوهب الظهور اكتب فيها. وعن حسين الكرابيسي قال: سمعت الشافعي يقول: كنت امرءا أكتب الشعر وآتي البوادي فأسمع منهم، وقدمت مكة وخرجت وأنا اتمثل بشعر للبيد وأضرب وحشى قدمي بالسوط فضربني رجل من ورائي من الحجبة فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب رضي من دينه ودنياه ان يكون معلما ما الشعر؟ الشعر إذا استحكمت فيه قعدت معلما، تفقه يعلك الله. قال: فنفعني الله بكلام ذلك الحجبي ورجعت الى مكة وكتبت عن ابن عيينة ما شاء الله ان اكتب ثم كنت اجالس مسلم بن خالد الزنجي ثم قدمت على مالك فكتبت موطاة فقلت له يا ابا عبد الله اقرا عليك فقال يا ابن اخي تاتي برجل يقرؤه علي وتسمع فقلت اقرا عليك فتسمع الى كلامي فقال اقرا فلما سمع قرات عليه حتى بلغت كتابالسير قال لي اطوه يا ابن أخي تفقه تعل. وعن محمد بن اسماعيل الحميري عن ابيه قال كان الشافعي يطلب اللغة العربية والشعر وكان كثيرا ما يخرج الى البدو فيحمل ما فيه من الادب. فبيما هو يوما في حي من احياء العرب جاء إليه بدوي فقال له ما تقول في امرأة تحيض يوما وتطهريوما قال ما ادري قال يا ابن اخي الفريضة اولى بك من النافلة فقال له انما اريد هذا لذاك وعليه قد عزمت وبالله التوفيق ثم خرج الى مالك بن انس.

قسم V01/P433–V01/P435

وعن الحميدي عن الشافعي قال كنت يتيما في حجر امي ولم يكن معها ما تعطي المعلم وكان المعلم قد رضي مني ان اخلفه اذا قام فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث والمسألة فكنت أنظر إلى العظم يلوح فاكتب فيه الحديث والمسالة وكانت لنا جرة عظيمة فاذا امتلا العظم تركته في الجرة وفي رواية اخرى فامتلا من ذلك حبان. وعن اسماعيل بن يحيى قال سمعت الشافعي يقول حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطا وانا ابن عشر سنين. وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال يروى في الحديث ان الله تعالى يبعث على راس كل مائة سنة من يصحح لهذه الامة دينها فنظرنا في المائة الاولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز ونظرنا في المائة الثانية فنراه الشافعي. وقال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي يا أبا عبد الله أفت الناس آن والله ان تفتي وهو ابن دون عشرين سنة. وعن عبد الله بن احمد بن حنبل قال قلت لابي يا ابة أي رجل كان الشافعي؟ سمعتك تكثر من الدعاء له فقال يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف او عوض؟ وعن الميموني قال سمعت احمد بن حنبل يقول ستة ادعوهم في السحر احدهم الشافعي. وعن ابن راهويه قال كنت مع احمد بمكة فقال لي تعال حتى اريك رجلا لم تر عيناك مثله فاراني الشافعي. وعن يونس بن عبد الاعلى قال سمعت الشافعي وحضر ميتا فلما سجينا عليه نظر إليه وقال اللهم بغناك عنه وفقره اليك اغفر له. وعن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول ما اوردت الحق والحجة على احد فقبلهما مني الا هبته واعتقدت مودته ولا كابرني على الحق احد ودافع الحجة الا سقط من عيني. وعن احمد بن خالد الخلال قال سمعت محمد بن ادريس الشافعي يقول ما ناظرت احدا فاحببت ان يخطىء. وعن الحسين الكرابيسي يقول سمعت الشافعي يقول ما ناظرت احدا قط الا احببت ان يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ وما ناظرت احدا الا ولم ابال بين الله الحق على لساني أو لسانه. الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول اشد الاعمال ثلاثة الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف. وعنه قال سمعت الشافعي يقول لوددت ان الخلق يتعلمون مني ولا ينسب الي منه شيء وسمعته يقول طلب العلم افضل من صلاة النافلة. وعن احمد بن عبد الرحمن بن وهب قال سمعت الشافعي يقول طالب العلم يحتاج الى ثلاث احداها حسن ذات اليد والثانية طول عمر والثالثة يكون له ذكاء. وعن الربيع قال قال الشافعي من طلب الرياسة فرت منه واذا تصدر الحديث فاته علم كثير. وعن يونس بن عبد الاعلى قال قال لي الشافعي يا يونس اذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه فاياك ان تبادره بالعداوة وقطع الولاية فتكون ممن ازال يقينه بشك ولكن القه وقل له بلغني عنك كذا وكذا واحذر ان تسمى له المبلغ فان انكر ذلك فقل له انت اصدق وابر لا تزيدن على ذلك شيئا وان اعترف بذلك ف رأيت له في ذلك وجها لعذر فاقبل منه وان لم تر ذلك فقل له ماذا اردت بما بلغني عنك فان ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه وإن لم تر لذلك وجها لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ اثبتها عليه سيئة ثم انت في ذلك بالخيار ان شئت كافاته بمثله من غير زيادة وان شئت عفوت عنه والعفو اقرب للتقوى وابلغ في الكرم لقول الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] فان نازعتك نفسك بالمكأفاة فافكر فيما سبق له لديك من الاحسان فعدها ثم ابدر له احسانا بهذه السيئة ولا تبخسن باقي احسانه السالف بهذه السيئة فان ذلك الظلم بعينه يا يونس اذا كان لك صديق فشد يديك به فان اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل.

قسم V01/P435–V01/P437

قال وسمعت الشافعي يقول يا يونس الانقباض عن الناس مكسبه للعدواة والانبساط اليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط. وعن احمد بن الوزير قال ثنا محمد بن ادريس الشافعي قال قبلو السعاية شر من السعاية لان السعاية دلالة والقبول اجازة وليس من دل على شيء كمن اقبل واجاز. قال وتنقص رجل محمد بن الحسن عند الشافعي فقال له مه لقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام. وعن الربيع بن سليمان قال قال الشافعي استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر. وعنه قال سمعت الشافعي يقول من ضحك منه في مسالة لم ينسها ابدا. وعنه قال قال لي الشافعي يا ربيع رضا الناس غاية لا تدرك فعليك بما يصلحك فالزمه فانه لا سبيل الى رضاهم واعلم انه من تعلم القرآن جل في عيون الناس ومن تعلم الحديث قويت حجته ومن تعلم النحو هيب ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن تعلم الفقه نبل قدره ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه وملاك ذلك كله التقوى. وعن المزني قال سمعت الشافعي يقول من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن نظر في الفقه نبل مقداره ومن تعلم اللغة رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. وعن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل. وعن ابي الوليد الجارودي قال سمعت الشافعي يقول لو علمت ان الماء البارد ينقص من مروءتي ما شربته. وعن الربيعي قال سال رجل الشافعي عن سنه قال ليس من المروءة ان يخبر الرجل بسنه سال رجل مالكا عن سنة فقال اقبل على شانك. قال لنا ابو بكر بن ابي طاهر وجدت في هذه الحكاية زيادة من رواية اخرى: ليس من المروءة ان يخبر الرجل بسنه لانه ان كان صغيرا استحقروه وان كان كبيرا استهرموه. وعنه قال كان الشافعي قد جزا الليل ثلاثة اجزاء الثلث الاول يكتب والثلث الثاني يصلي والثلث الثالث ينام. وعنه قال كان للشافعي في رمضان ستون ختمة لا يحسب منها ما يقرأ في الصلاة: ابو بكر النيسابوري قال سمعت الربيع يقول كان الشافعي يختم كل شهر ثلاثين ختمة وفي رمضان ستني ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة. وعن نهشل بن كثير عن ابيه قال دخل الشافعي يوما الى بعض حجر هارون الرشيد ليستاذن له ومعه سراج الخادم اقعده عند ابي عبد الصمد مؤدب اولاد هارون الرشيد. فقال سراج للشافعي يا ابا عبد الله هؤلاء اولاد امير المؤمنين وهذا مؤدبهم فلو اوصيته بهم فاقبل عليه فقال ليكن اول ما تبدا به من اصلاح اولاد امير المؤمنين اصلاحك نفسك فان اعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما تستحسنه والقبيح عندهم ما تكرهه علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تتركهم منه فيهجروه ثم روهم من الشعر اعفه ومن الحديث اشرفه ولا تخرجهم من علم الى غيره حتى يحكموه فان ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. وقال الحميدي قدم الشافعي مرة من اليمن ومعه عشرون الف دينار فضرب خيمته خارجا من مكة فما قام حتى فرقها كلها. وعن المزني قال سمعت الشافعي يقول من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله. وعن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول لن يجفو فعل من يصفو. وعنه قال سمعت الشافعي يقول وساله رجل عن مسالة فقال روي فيها كذا وكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له السائل يا ابا عبد الله تقول به فرأيت الشافعي اعد وانتفض وقال يا هذا أي ارض تقلني واي سماء تظلني اذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلم اقل به نعم على السمع والبصر. قال وسمعت الشافعي وقد روى حديثا فقال له بعض من حضر تاخذ بهذا؟ فقال اذا رويت عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم اخذ به فانا اشهدكم ان عقلي قد ذهب ومد يديه.

قسم V01/P437–V01/P439

وعنه قال سمعت الشافعي يقول اذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما قلت. وعن أبي بيان الاصبهاني قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله محمد بن ادريس الشافعي ابن عمك هل نفعته بشيء أو خصصته بشيء فقال نعم سألت الله ألا يحاسبه فقلت بماذا يا رسول الله قال انه كان يصلي علي صلاة لم يصل بمثل تلك الصلاة احد فقلت وما تلك الصلاة يا رسول الله قال كان يصلي علي اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وصل على محمد كلما غفل عنه الغافلون. قال المصنف اخبرنا محمد بن ابي منصور قال قرات في كتاب محمد بن طاهر النيسابوري بخطه للشافعي رضي الله عنه: ان امرأ وجد اليسار فلم يصب حمدا ولا شكرا لغير موفق الجد يدني كل شيء شاسع والجد يفتح كل باب مغلق فاذا سمعت بأن مجدودا حوى عودا فأثمر في يديه فصدق واذا سمعت بان محروما اتى ماء ليشربه فغاض فحقق ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الاحمق وعن المزني قال دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت كيف اصبحت فقال اصبحت من الدنيا راحلا ولاخواني مفارقا ولكاس المنية شاربا ولسوء اعمالي ملاقيا وعلى الله تعالى واردا فلا ادري روحي تصير الى الجنة فاهنئها او الى النار فاعزيها؟ ثم بكى وانشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك اعظما ومازلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منه وتكرما سمع الشافعي رضي الله عنه من مالك بن انس وابراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد العزيز الدراوردي ومسلم بن خالد الزنجي في خلق كثير. وحدث عنه احمد بن حنبل وغيره من العلماء. وتوفي سنة اربع ومائتين. الربيع بن سليمان قال توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الاخرة آخر يوم من رجب ودفناه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان سنة اربع ومائتين. وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ولد الشافعي في سنة خمسين ومائة ومات في آخر يوم من رجب سنة اربع ومائتين عاش اربعا وخمسين. وعن الربيع قال كنا جلوسا في حلقه الشافعي بعد موته بيسير فوقف علينا اعرابي فسلم ثم قال لنا اين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا توفي رحمه الله. فبكى بكاء شديدا ثم قال رحمه الله وغفر له فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويسد على خصمه واضح المحجبة ويغسل من العار وجوها مسودة ويوسع بالراي ابوابا منسدة ثم انصرف. وعنه قال رأيت الشافعي بعد وفاته بالمنام فقلت يا ابا عبد الله ما صنع الله بك قال اجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب والسلام. ممن بعد هؤلاء من الطبقات 221- ابو غياث المكي مولى جعفر بن محمد ابو حازم المعلى بن سعيد البغدادي قال سمعت ابا جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ثلاثمائة يقول: كنت بمكة سنة اربعين ومائتين فرأيت خراسانيا ينادي: معاشر الحاج من وجد هميانا فيه الف دينار فرده علي اضعف الله له الثواب. قال فقام إليه شيخ من اهل مكة كبير من موالي جعفر بن محمد فقال له يا خراساني بلدنا فقير اهله شديد حاله ايامه معدودة ومواسمه منتظرة لعله يقع بيد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالا ياخذه ويرده عليك قال الخراساني فكم يريد قال العشر مائة دينار قال لا افعل ولكنا نحيله على الله عز وجل قال وافترقا. قال ابن جرير فوقع لي ان الشيخ صاحب القريحة والواجد للهميان فاتبعته فكان كما

قسم V01/P439–V01/P440

ظننت فنزل الى دار مستفلة خلقه الباب والمدخل فسمعته يقول يا لبابة قالت له لبيك ابا غياث قال وجدت صاحب الهميان ينادي عليه مطلقا فقلت له قيده بان تجعل لواجده شيئا فقال كم فقلت عشره فقال لا ولكنا نحيله على الله عز وجل فاي شيء نعمل ولا بد لي من رده فقالت له نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة ولك اربع بنات واختان وانا وامي وانت تاسع القوم اشبعناواكسنا ولعل الله عز وجل يغنيك فتعطيه او يكافئه عنك ويقضيه: فقال لها لست افعل ولا احرق حشاشتي بعد ست وثمانين سنة. قال ثم سكت القوم وانصرفت فلما ان كان من الغد على ساعات من النهار سمعت الخراساني يقول يا معاشر الحاج وفد الله من الحاضر والبادي من وجد هميانا فيه الف دينار فرده اضعف الله له الثواب قال فقام إليه الشيخ فقال يا خراساني قد قلت لك بالامس ونصحتك وبلدنا والله فقير قليل الزرع والضرع وقد قلت لك ان تدفع الى واجده مائة دينار فلعله ان يقع بيد رجل مؤمن يخاف الله عز وجل فامتنعت فقل له عشرة دنانير منها فيرده عليك ويكون له في العشرة الدنانير ستر وصيانة قال فقال له الخراساني لا نفعل ولكن نحيله على الله عز وجل قال ثم افترقا. قال الطبري فما اتبعت الشيخ ولاالخراساني وجلست اكتب كتاب النسب للزبير بن بكار فلما كان من الغد سمعت الخراساني ينادي ذلك النداء بعينه فقام إليه الشيخ فقال له يا خراساني قلت لك اول امس العشر منه وقلت لك امس عشر العشر اعط دينار عشر عشر العشر يشتري بنصف دينار قريبة يستفي عليها للمقيمين بمكة بالاجرة وبنصف دينار شاة يحلبها ويجعل ذلك لعياله غذاء قال لا نفعل ولكن نحيله على الله عز وجل. قال فجذبه الشيخ وقال له تعال خذ هميانك ودعني انام الليل وارحنا من محاسبتك فقال له امش بين يدي فمشى الشيخ وتبعه الخراساني وتبعتهما فدخل الشيخ فما لبث ان خرج وقال ادخل يا خراساني فدخل ودخلت فنبش تحت درجة له مزبلة فاخرج منها الهميان اسود من خرق بخارية غلاظ فقال هذا هميانك فنظر إليه وقال هذا هذا هيماني قال ثم حل راسه من شد وثيق ثم صب المال في حجر نفسه وقلبه مرارا وقال هذه دنانيرنا وامسك فم الهميان بيده الشمال ورد المال بيده اليمنى فيه ثم شده شدا سهلا ووضعه على كتفه ثم اراد الخروج فلما بلغ باب الدار رجع فقال للشيخ يا شيخ مات ابي رحمه الله وترك من هذه ثلاثة الاف دينارفقال لي اخرج ثلثها ففرقه علىاحق الناس عندك وبع رحلي واجعله نفقة لحجتك ففعلت ذلك واخرجت ثلثها الف دينار وشددتها في هذا الهميان وما رأيت منذ خرجت من خراسان الى هاهنا رجلا احق به منك خذه بارك الله لك فيه قال ثم ولى وتركه قال فوليت خلف الخراساني فعدا ابو غياث فلحقني وردني وكان شيخا مشدود الوسط بشريط معصب الحاجبين ذكر ان له ستا وثمانين سنة فقال لي اجلس فقد رايتك تتبعني في اول يوم وعرفت خبرنا بالامس واليوم سمعت احمد بن يونس اليربوعي يقول سمعت مالكا يقول سمعت نافعا يقول عن عبد الله بن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر وعلي رضي الله عنهما اذا اتاكما الله بهدية بلا مسالة ولا استشراف نفس فاقبلاها ولا ترداها فترد لها على الله عز وجل وهذه هدية من الله والهدية لمن حضر. ثم قال يا لبابة وفلانة وفلانة فصاح ببناته واخواته وزوجته وامها وقعد واقعدني فصرنا عشرة فحل الهميان وقال ابسطوا حجوركم فبسطت حجري وما كان لهن قميص له حجر يبسطونه فمدوا ايديهم واقبل يعد دينارا دينارا حتى اذا بلغ العاشر الي قال ولك دينار حتى فرغ الهميان وكانت ألفا فيها الف فاصابني مائة دينار فداخلني من سرور غناهم اشد مما داخلني من سرور صيانتي بالمائة دينار.

قسم V01/P440–V01/P443

فلما اردت الخروج قال لي يا فتى انك لمبارك وما رأيت هذا المال قط ولا املته واني لانصحك انه حلال فاحتفظ به واعلم اني كنت اقوم فاصلي الغداة في هذا القميص الخلق ثم انزعه فيصلين فيه واحدة واحدة ثم اكتسب الى ما بين الظهر والعصر ثم اعود في آخر النهار بما فتح الله عز وجل لي من اقط وتمر وكسيرات ومن بقول نبذت ثم انزعه فيتداولنه فيصلين فيه المغرب وعشاء الاخرة فنفعهن الله بما اخذن ونفعني واياك بما اخذنا ورحم صاحب المال في قبره واضعف ثواب الحامل للمال وشكر له. قال ابن جرير فودعته وكتبت بها العلم سنتين اتقوت بها واشتري منها الورق واسافر واعطي الاجرة فلما كان بعد سنة ست وخمسين سألت عن الشيخ بمكة فقيل انه مات بعد ذلك بشهور ووجدت بناته ملوكا تحت ملوك وماتت الاختان وامهن وكنت انزل على ازواجهن واولادهن فاحدثهم بذلك فيانسون بين ويكرموني ولقد حدثني محمد بن حيان البجلي في سنة تسعين ومائتين انه ما بقي منهم احد فبارك الله لهم فيما صاروا اليه. 222- ابو جعفر المزين الكبير جاور بمكة وبها مات وكان من العباد. عن احمد بن عبد الله هو ابو نعيم قال سمعت ابا جعفر الخياط الاصبهاني بمكة يقول سمعت ابا جعفر المزين يقول محنتنا وبلاؤنا صفاتنا فمتى فنيت حركات صفاتنا اقبلت القلوب منقادة للحق. وقال سمعت ابي يقول سمعت ابا جعفر المزين الكبير يقول ان الله لم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن بقدر جوده وكرمه ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رافته ورحمته. 223- أبو الحسن علي بن محمد المزين الصغير اصله من بغداد ولكنه اقام بمكة. عن أبي عبد الله بن خف قال سمعت أباالحسن المزين بمكة يقول كنت في بادية تبوك فتقدمت الى بئر لاستقي منها فزلقت رجلي فوقعت في جوف البئر ف رأيت في البئر زاوية واسعة فأصلحت موضعا وجلست عليه وقلت ان كان مني شيء لا افسد الماء على الناس وطابت نفسي وسكن قلبي فبينا انا قاعد اذا بخشخشة فتأملت فإذا بلأفعى ينزل على البئر فراجعت نفسي فاذا هي ساكنة فنزل ودار بي وانا هادىء السر يضطرب علي ثم لفت بي ذنبه واخرجني من البئر وحلل عني ذنبه فلا ادري ارض ابتلعته او سماء رفعته وقمت ومشيت. وعن جعفر الخلدي ودعت المزين الصوفي فقلت زودني شيئا فقال ان ضاع منك شيء أو أن أردت يجمع الله بينك وبين إنسان فقل يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ان الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا فان الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء او ذلك الانسان فما دعوت بها في شيء الا استجيب. وعن ابي بكر الرازي قال سمعت ابا الحسن المزين يقول الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب والحسنة الحسنة ثواب الحسنة. وقال ابو الحسن المزين من استغنى بالله احوج الله الخلق اليه. وقال المعجب بعلمه مستدرج والمستحسن لشيء من افعاله ممكور به. قال السلمي صحب ابوالحسن المزين الجنيد وسهل بن عبد الله واقام بمكة مجاورا حتى توفي بها سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. 224- ابو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني طاف الافاق ولقي المشايخ وسكن مكة فصار شيخ الحرم وكان إذا خرج إلى الحرم يخلون المطاف ويقبلون يده اكثر من تقبيل الحجر وكانت له كرامات. عن أبي عبد الله محمد بن احمد قال لما عزم الشيخ سعد على الاقامة بالحرم عزم على نفسه نيفا وعشرين عزمة يلزمها اياها من المجاهدات والعبادات ومات بعد ذلك باربعين سنة ولم يخل منها بعزيمة واحدة. قال المصنف انبأ اسماعيل بن احمد عن سعد بن علي الزنجاني قال انشدني ابو عبد الله محمد بن احمد الواعظ قال انشدني علي بن عبد العزيز الجرجاني. ما تطعمت لذة العيش حتى صرت للبيت والكتاب جليسا ليس شيء اعز عندي من العلم فلم ابتغي سواه انيسا؟ انما الذل في مخالطة الناس فدعهم وعش عزيزا رئيسا توفي الزغاني في سنة سبعين او احدى وسبعين واربع مائة رحمه الله.