Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة لأن الطهارة يقين فلا يزال ذلك بالشك وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقين الحدث لأن الحدث يقين فلا يزال بالشك وإن تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما نظرت فإن كان قبلهما طهارة فهو الآن محدث لأنه قد تيقن أن الطهارة ( قبلهما ) ورد عليها حدث فأزالها وهو يشك هل رتفع هذا الحدث بطهارة بعده أم لا فلا يزال يقين الحدث بالشك وإن كان قبلهما حدث فهو الآن متطهر لأنه قد تيقن أن الحدث قبلهما قد ورد عليه طهارة فأزالته وهو يشك هل رتفعت هذه الطهارة بحدث بعدها أم لا فلا يزال يقين الطهارة بالشك وهذا كما تقول في رجل أقام بينة بدين وأقام المدعى عليه بينة بالبراءة فإنا نقدم بينة البراءة لأنا تيقنا أن البراءة وردت على دين واجب فأزالته ونحن نشك هل شتغلت ذمته بعد البراءة بدين بعدها فلا نزيل يقين البراءة بالشك فصل فيما يحرم على المحدث ومن أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ويحرم عليه الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام ويحرم عليه مس المصحف لقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون ولما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ويحرم عليه حمله في كمه لأنه إذا حرم ( عليه ) مسه فلأن يحرم حمله وهو في الهتك أبلغ وأولى ويجوز أن يتركه بين يديه ويتصفح أوراقه بخشبة لأنه غير مباشر له ولا حامل له وهل يجوز للصبيان حمل الألواح وهم محدثون فيه وجهان أحدهما لا يجوز كما لا يجوز لغيرهم والثاني يجوز لأن طهارتهم لا تنحفظ وحاجتهم إلى ذلك ماسة وإن حمل رجل متاعا وفي جملته مصحف وهو محدث جاز لأن القصد نقل المتاع فعفي عما فيه من القرآن كما لو كتب كتابا إلى دار الشرك وفيه آيات من القرآن وإن حمل كتابا من كتب الفقه وفيه آيات من القرآن أو حمل الدراهم الأحدية أو الثياب التي طرزت بآيات من القرآن ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه يحمل القرآن والثاني يجوز لأن القصد منه غير القرآن وإن كان على موضع من بدنه نجاسة فمس المصحف بغيره جاز وقال القاضي أبو القاسم الصيمري رحمه الله لا يجوز كما لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهر وإن كانت الطهارة تجب في غيره وهذا لا يصح لأن حكم الحدث يتعدى وحكم النجاسة لا يتعدى محلها باب الاستطابة إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء عليه ذكر الله عز وجل فالمستحب له أن ينحيه لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما وضعه لأنه كان عليه محمد رسول الله ويستحب أن يقول إذا دخل الخلاء بسم الله لقوله صلى الله عليه وسلم ستر ما بين عورات ( أمتي ) وأعين الجن بسم الله ويستحب أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال ذلك ويقول إذا خرج غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني وروت عائشة رضي الله عنها قالت ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط إلا قال غفرانك ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى وفي الخروج رجله اليمنى لأن اليسار للأذى و ( اليمين ) لما سواه وإن كان في الصحراء أبعد لما روى المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد
ويستتر عن العيون بشيء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول ويجوز ذلك في البنيان لما روت عائشة رضي الله عنها أن ناسا كانوا يكرهون ستقبال القبلة بفروجهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقد فعلوها حولوا بمقعدتي إلى القبلة ولأن في الصحراء خلقا من الملائكة والجن يصلون فيستقبلهم بفرجه وليس في البنيان ذلك ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روى بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ويرتاد موضعا للبول ( فإن كانت الأرض صلبة دقها بعود أو حجر حتى ) لا يترشش عليه ( البول ) لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ويكره أن يبول قائما من غير عذر لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ما بلت قائما منذ أسلمت ولأنه لا يأمن أن يترشش عليه ولا يكره ذلك للعذر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما لعلة بمأبضيه ويكره أن يبول في ثقب أو سرب لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في جحر ولأنه ربما خرج عليه ما يلسعه أو يرد عليه البول ويكره أن يبول في الطريق والظل والموارد لما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ويكره أن يبول في مساقط الثمار لأنه يقع عليه فينجس ويكره أن يتكلم لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله تبارك وتعالى يمقت على ذلك ويكره أن يرد السلام أو يحمد الله إذا عطس أو يقول مثل ما يقول المؤذن لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( سلم ) عليه رجل فلم يرد عليه حتى توضأ ثم قال كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر والمستحب أن يتكىء على رجله اليسرى لما روى سراقة بن مالك رضي الله عنه قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسار ولأنه أسهل في قضاء الحاجة ولا يطيل القعود لما روي عن لقمان عليه السلام أنه قال طول القعود على الحاجة ييجع منه الكبد ويأخذ منه الباسور فاقعد هوينا وأخرج وإذا بال تنحنح حتى يخرج إن كان هناك شيء ويمسح ذكره من مجامع العروق ثم ينتره والمستحب ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة لما روي عنه عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه فصل في الاستنجاء والاستنجاء واجب من البول والغائط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وليستنج بثلاثة أحجار ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالبا فلم تصح الصلاة معها كسائر النجاسات وإن خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معها ففيه قولان أحدهما يجب منه الاستنجاء لأنها لا تخلو من رطوبة والثاني لا يجب وهو الأصح لأنه خارج من غير رطوبة فأشبه الريح ويستنجي قبل أن يتوضأ فإن توضأ ثم ستنجى صح الوضوء وإن تيمم ثم ستنجى لم يصح التيمم
وقال الربيع فيه قول آخر أنه يصح قال أبو إسحق هو من كيسه والأول هو المنصوص عليه في الأم ووجهه أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو فلا تستباح مع بقاء المانع ويخالف الوضوء فإنه يرفع الحدث فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير موضع لاستنجاء ففيه وجهان أحدهما أنه كنجاسة النجو والثاني أنه يصح التيمم لأن التيمم لا تستباح به الصلاة من هذه النجاسة فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسة النجو وإذا أراد لاستنجاء نظرت فإن كانت النجاسة بولا أو غائطا ولم تجاوز الموضع المعتاد جاز بالماء والحجر والأفضل أن يجمع بينهما لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء فقال سبحانه وتعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عما يصنعون فقالوا نتبع الحجارة الماء فإن أراد لاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه أبلغ في الإنقاء وإن قتصر على الحجر جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر رضي الله عنه خلفه بكوز من ماء فقال ما هذا يا عمر فقال ماء تتوضأ به قال ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت لكان سنة ولأنه قد يبتلى بالخارج في موضع لا يلحق الماء فيه فسقط وجوبه وإن أراد لاقتصار على الحجر لزمه أمران أحدهما أن يزيل العين حتى لا يبقى إلا أثر لاصق لا يزيله إلا الماء والثاني أن يستوفي ثلاث مسحات لما روي أن رجلا قال لسلمان رضي الله عنه علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال أجل نهانا أن نجتزىء بأقل من ثلاثة أحجار فإن ستنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه لأن القصد عدد المسحات وقد وجد ذلك وفي كيفية لاستنجاء بالحجر وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة رضي الله عنه يضع حجرا على مقدم صفحته اليمنى ويمره إلى آخرها ثم يدير الحجر إلى الصفحة اليسرى ويمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ويأخذ الثاني فيمره على الصفحة اليسرى ويمره إلى آخرها ثم يديره إلى صفحته اليمنى فيمره عليها ( من أولها ) إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين والمسربة لقوله صلى الله عليه وسلم يقبل بواحد ويدبر بآخر ويحلق بالثالث وقال أبو إسحق يمر حجرا على الصفحة اليمنى وحجرا على الصفحة اليسرى وحجرا على المسربة لقوله صلى الله عليه وسلم أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربة والأول أصح لأنه يمر كل حجر على المواضع الثلاثة ولا يجوز أن يستنجى بيمينه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى فإن كان يستنجي ( بغير الماء ) أخذ ذكره بيساره ومسحه على ما يستنجي به من أرض أو حجر فإن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه ومسح ذكره عليه بيساره وإن كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره فإن خالف وستنجى بيمينه أجزأه لأن لاستنجاء يقع بما في اليد لا باليد فلم يمنع صحته فصل فيما ينوب عن الماء في الاستنجاء ويجوز لاستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه قال أصحابنا يقوم مقامه كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان فأما غير الماء من المائعات فلا يجوز لاستنجاء به لأنه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة وما ليس بطاهر كالروث والحجر النجس لا يجوز لاستنجاء به لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لاستنجاء بالروث ولأنه نجس فلا يستنجى به كالماء النجس فإن ستنجى بذلك لزمه بعد ذلك أن يستنجي بالماء لأن الموضع قد صار نجسا بنجاسة نادرة فوجب غسله بالماء ومن أصحابنا من قال يجزئه الحجر لأنها نجاسة على نجاسة فلم يؤثر
وما لا يزيل العين لا يجوز لاستنجاء به كالزجاج والحممة لما روى بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لاستنجاء بالحممة ولأن ذلك لا يزيل النجو وما له حرمة من المطعومات كالخبز والعظم لا يجوز لاستنجاء به لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لاستنجاء بالعظم وقال هو زاد إخوانكم من الجن فإن خالف وستنجى به لم يجزئه لأن لاستنجاء بغير الماء رخصة والرخص لا تتعلق بالمعاصي وما هو جزء من الحيوان كذنب ( حمار ) لا يجوز الاستنجاء به ومن أصحابنا من قال يجوز والأول أصح لأنه جزء من حيوان فلم يجز لاستنجاء به كما لو ستنجى بيده ولأن له حرمة فهو كالطعام وإن ستنجى بجلد مدبوغ ففيه قولان قال في حرملة لا يجوز لأنه كالرمة وقال في الأم يجوز لأنه إن كان لينا فهو كالخرق وإن كان خشنا فهو كالخزف وإن ستنجى بجلد حيوان مأكول اللحم مذكى غير مدبوغ ففيه قولان قال في الأم وحرملة لا يجوز لأنه لا يقلع النجو للزوجته وقال في البويطي يجوز والأول هو المشهور فصل فيما إذا جاوز الخارج المعتاد وإن جاوز الخارج الموضع المعتاد فإن كان غائطا فخرج إلى ظاهر الألية لم يجز فيه إلا الماء لأن ذلك نادر فهو كسائر النجاسات وإن خرج إلى باطن الألية ولم يخرج إلى ظاهرها ففيه قولان أحدهما أنه لا يجزىء فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كما لو خرج إلى ظاهر الألية والثاني يجزىء فيه الحجر لأن المهاجرين رضي الله عنهم هاجروا إلى المدينة فأكلوا التمر ولم يكن ذلك عادتهم ولا شك أنه رقت بذلك أجوافهم ولم يؤمروا بلاستنجاء بالماء ولأن ما يزيد على المعتاد لا يمكن ضبطه فجعل الباطن كله حدا ووجب الماء فيما زاد وإن كان بولا ففيه طريقان قال أبو إسحاق إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه أو أسفله لم يجز فيه إلا الماء لأن ما يخرج من البول لا ينتشر إلا نادرا بخلاف ما يخرج من الدبر فإنه لا بد من أن ينتشر ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يجوز ( فيه ) إلا الماء نص عليه في البويطي ووجهه ما قال أبو إسحاق والثاني أنه يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز موضع الحشفة نص عليه في الأم لأنه لما جاز الحجر في الغائط ما لم يجاوز باطن الألية لتعذر الضبط وجب أن يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة لتعذر الضبط وإن كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودي أو دودا أو حصاة وقلنا إنه يجب منه لاستنجاء فهل يجزىء فيه الحجر أم لا فيه قولان أحدهما أنه كالبول والغائط وقد بيناهما والثاني لا يجزىء فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كسائر النجاسات باب ما يوجب الغسل والذي يوجب الغسل إيلاج الحشفة في الفرج وخروج المني والحيض والنفاس فأما إيلاج الحشفة فإنه يوجب الغسل لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا التقى الختانان وجب الغسل والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وذلك أن ختان الرجل هو الجلد الذي يبقى بعد الختان وختان المرأة جلدة كعرف الديك فوق الفرج فتقطع منها في الختان فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها فإذا تحاذيا فقد التقيا ولهذا يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم يتضاما فإن أولج في فرج امرأة ميتة وجب عليه الغسل لأنه فرج آدمية فأشبه فرج الحية وإن أولج في دبر امرأة أو رجل أو بهيمة وجب عليه الغسل لأنه فرج حيوان فأشبه فرج المرأة وإن أولج في دبر خنثى مشكل وجب عليه الغسل وإن أولج في فرجه لم يجب لجواز أن يكون ذلك عضوا زائدا فلا يجب الغسل بالشك فصل في خروج المني
وأما خروج المني فإنه يوجب الغسل على الرجل والمرأة في النوم واليقظة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الماء من الماء وروت أم سلمة رضي الله عنها قالت جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء فإن احتلم ولم ير المني أو شك هل خرج المني لم يلزمه الغسل وإن رأى المني ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال يغتسل وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل قال لا غسل عليه وإن رأى المني في فراش ينام فيه هو وغيره لم يلزمه الغسل لأن الغسل لا يجب بالشك والأولى أن يغتسل وإن كان لا ينام فيه غيره لزمه الغسل وإعادة الصلاة من آخر نوم نام فيه ولا يجب الغسل من المذي وهو الماء الذي يخرج بأدنى شهوة لما روي عن علي كرم الله وجهه قال كنت رجلا مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا نضحت الماء فاغتسل ولا من الودي وهو ماء يقطر منه عند البول لأن الإيجاب بالشرع ولم يرد الشرع إلا في المني فإذا خرج منه ما يشبه المني والمذي ولم يتميز له فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال يجب عليه الوضوء منه لأن وجوب غسل الأعضاء متيقن وما زاد على أعضاء الوضوء مشكوك في وجوبه فلا يجب بالشك ومنهم من قال هو مخير بين أن يجعله منيا فيجب الغسل منه وبين أن يجعله مذيا فيجب الوضوء وغسل الثوب منه لأنه يحتمل الأمرين احتمالا واحدا وقال الشيخ الإمام أحسن الله توفيقه وعندي أنه يجب أن يتوضأ مرتبا ويغسل سائر بدنه ويغسل الثوب منه لأنا إن جعلناه منيا أوجبنا ( عليه ) غسل ما زاد على أعضاء الوضوء بالشك والأصل عدمه وإن جعلناه مذيا أوجبنا عليه غسل الثوب والترتيب في الوضوء بالشك والأصل عدمه وليس أحد الأصلين أولى من الآخر ولا سبيل إلى إسقاط حكمهما لأن الذمة قد اشتغلت بفرض الطهارة والصلاة والتخيير لا يجوز لأنه إذا جعله مذيا لم يأمن أن يكون منيا فلم يغتسل له وإن جعله منيا لم يأمن أن يكون مذيا ولم يغسل الثوب منه ولم يرتب الوضوء منه وأحب أن يجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين فصل في الحيض والنفاس وأما الحيض فإنه يوجب الغسل لقوله عز وجل ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن الآية قيل في التفسير هو الاغتسال ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي وأما دم النفاس فإنه يوجب الغسل لأنه حيض مجتمع ولأنه يحرم الصوم والوطء ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض وأما إذا ولدت المرأة ولدا ولم تر دما ففيه وجهان أحدهما أنه يجب عليها الغسل لأن الولد مني منعقد والثاني لا يجب لأنه لا يسمى منيا وإن استدخلت المرأة المني ثم خرج منها لم يلزمها الغسل فصل في الغسل لمن أسلم
وإن أسلم الكافر ولم يجب عليه غسل في حال الكفر فالمستحب أن يغتسل لما روي أنه أسلم قيس بن عاصم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ولا يجب ذلك لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل وإن وجب عليه غسل في حال الكفر ولم يغتسل لزمه أن يغتسل وإن كان قد اغتسل في حال الكفر فهل يجب عليه إعادته فيه وجهان أحدهما لا تجب الإعادة لأنه غسل صحيح بدليل أنه تتعلق به إباحة الوطء في حق الحائض إذا طهرت فلم تجب إعادته كغسل المسلم والثاني تجب إعادته وهو الأصح لأنه عبادة محضة فلم تصح من الكافر في حق الله تعالى كالصوم والصلاة فصل فيما يحرم بالجنابة ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث فلأن يحرم على الجنب أولى ويحرم عليه قراءة القرآن لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ويحرم عليه اللبث في المسجد ولا يحرم عليه العبور لقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل وأراد موضع الصلاة وقال في البويطي ويكره أن ينام حتى يتوضأ لما روي أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد قال أبو علي الطبري وإذا أراد أن يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ ولا يستحب ذلك للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنه يخففه ويزيله عن أعضاء الوضوء باب صفة الغسل إذا أراد الرجل أن يغتسل من الجنابة فإنه يسمي الله عز وجل وينوي الغسل من الجنابة أو الغسل لاستباحة أمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن والجلوس في المسجد ويغسل كفيه ثلاثا قبل أن يدخلهما في الإناء ثم يغسل ما على فرجه من الأذى ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه العشر في الماء فيغرف بها غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ثم يفيض الماء على سائر جسده ويمر يديه على ما قدر عليه من بدنه ثم يتحول من مكانه ثم يغسل قدميه لأن عائشة وميمونة رضي الله عنهما وصفتا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك والواجب من ذلك ثلاثة أشياء النية وإزالة النجاسة إن كانت وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته وما زاد على ذلك سنة لما روى جبير بن مطعم قال تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثا ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي وإن كانت امرأة تغتسل من الجنابة كان غسلها كغسل الرجل فإن كان لها ضفائر فإن كان الماء يصل إليها من غير نقض لم يلزمها نقضها لأن أم سلمة رضي الله عنها قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للغسل من الجنابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت وإن لم يصل إليها الماء إلا بنقضها لزمها نقضها لأن إيصال الماء إلى الشعر والبشرة واجب وإن كانت تغتسل من الحيض فالمستحب لها أن تأخذ فرصة من المسك فتتبع بها أثر الدم لما روت عائشة رضي الله عنها أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض فقال خذي فرصة من مسك فتطهري بها فقالت كيف أتطهر بها فقال صلى الله عليه وسلم سبحان الله تطهري بها قالت عائشة رضي الله عنها قلت تتبعي بها أثر الدم فإن لم تجد مسكا فطيبا غيره لأن القصد تطييب الموضع فإن لم تجد فالماء كاف
ويستحب ألا ينقص في الغسل من صاع ولا في الوضوء عن مد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل ( بالصاع ) ويتوضأ بالمد فإن أسبغ بما دونه أجزأه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بما لا يبل الثرى قال الشافعي رحمه الله وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي فصل في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد ويجوز أن يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ويجوز أن يتوضأ أحدهما بفضل وضوء الآخر لما روت ميمونة رضي الله عنها قالت أجنبت فآغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت ( يا رسول الله ) إني قد اغتسلت منه فقال الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه فصل في اجتماع الحدث والجنابة فإن أحدث وأجنب ففيه ثلاثة أوجه أحدها ( أنه ) يجب الغسل ويدخل فيه الوضوء وهو المنصوص في الأم لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة وغسل الحيض والثاني أنه يجب عليه الوضوء والغسل لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين فلم يتداخل أحدهما في الآخر كحد الزنا والسرقة والثالث أنه يجب عليه أن يتوضأ مرتبا ويغسل سائر البدن لأنهما متفقان في الغسل ومختلفان في الترتيب فما اتفقا فيه تداخلا وما اختلفا فيه لم يتداخلا قال الشيخ الإمام رحمه الله وأحسن توفيقه وسمعت شيخنا أبا حاتم القزويني رحمه الله يحكي فيه وجها رابعا أنه يقتصر على الغسل إلا أنه يحتاج أن ينويهما ووجهه أنهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية كالحج والعمرة فإن توضأ من الحدث ثم ذكر أنه كان جنبا أو اغتسل من الحدث ثم ذكر أنه كان جنبا أجزأه ما غسل من الحدث عن الجنابة لأن فرض الغسل في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد وبالله التوفيق باب التيمم يجوز التيمم عن الحدث الأصغر لقوله عز وجل وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ويجوز عن الحدث الأكبر وهو الجنابة والحيض لما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال أجنبت فتمعكت في التراب فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال إنما كان يكفيك هكذا وضرب يديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه ولأنها طهارة عن حدث فناب عنها التيمم كالوضوء ولا يجوز ذلك عن إزالة النجاسة لأنها طهارة فلا يؤمر بها للنجاسة في غير محل النجاسة كالغسل فصل في صفة التيمم والتيمم مسح الوجه واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين أو بأكثر والدليل عليه ما روى أبو أمامة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه الله أنه قال في القديم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين ووجهه في حديث عمار وأنكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله ذلك وقال المنصوص في القديم والجديد هو الأول ووجهه أنه عضو في التيمم فوجب ستيعابه كالوجه وحديث عمار رضي الله عنه يتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين بدليل حديث أبي أمامة وبن عمر فصل في اشتراط التراب للتيمم ولا يجوز التيمم إلا بالتراب لما روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض مسجدا وجعل ترابها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوص الملائكة فعلق الصلاة على الأرض ثم نزل في التيمم إلى التراب فلو جاز التيمم بجميع الأرض لما نزل عن الأرض إلى التراب ولأنه طهارة عن الحدث فاختص بجنس واحد كالوضوء فأما الرمل فقد قال في القديم والإملاء يجوز التيمم به وقال في الأم لا يجوز فمن أصحابنا من قال لا يجوز قولا واحدا وما قال في القديم والإملاء محمول على رمل يخالطه التراب
ومنهم من قال على قولين أحدهما يجوز لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا بأرض الرمل وفينا الجنب والحائض ونبقى أربعة أشهر لا نجد الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالأرض والثاني لا يجوز لأنه ليس بتراب فأشبه الجص وإن أحرق الطين وتيمم بمدقوقه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز التيمم به كما لا يجوز بالخزف المدقوق والثاني يجوز لأن إحراقه لم يزل سم الطين والتراب عن مدقوقه بخلاف الخزف ولا يجوز إلا بتراب له غبار يعلق بالعضو فإن تيمم بطين رطب أو بتراب ندى لا يعلق غباره ( باليد ) لم يجز لقوله عز وجل فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد ولأنه طهارة فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة كمسح الرأس ولا يجوز بتراب نجس لأنه طهارة فلا تجوز بالنجس كالوضوء ولا يجوز بما خالطه دقيق أو جص لأنه ربما حصل في العضو فمنع من وصول التراب إليه ولا يجوز بما ستعمل في العضو فأما ما تناثر من أعضاء المتيمم ففيه وجهان أحدهما لا يجوز التيمم به كما لا يجوز الوضوء بما تساقط من أعضاء المتوضى والثاني يجوز لأن المستعمل منه ما بقي على العضو وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به ويخالف الماء لأنه لا يدفع بعضه بعضا والتراب يدفع بعضه بعضا فدفع ما أدي به الفرض في العضو ما تناثر منه فصل في وجوب النية للتيمم ولا يصح التيمم إلا بالنية لما ذكرناه في الوضوء وينوي بالتيمم ستباحة الصلاة فإن نوى به رفع الحدث ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأنه لا يرفع الحدث والثاني يصح لأن نية رفع الحدث تتضمن آستباحة الصلاة ولا يصح التيمم للفرض إلا بنية الفرض فإن نوى بتيممه صلاة مطلقة أو صلاة نافلة لم يستبح الفريضة وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني رحمه الله أن أبا يعقوب البارودي حكى عن الإملاء قولا آخر أنه يستبيح به الفرض ووجهه أنه طهارة فلم يفتقر إلى نية الفرض كالوضوء والذي يعرفه البغداديون من أصحابنا كالشيخ أبي حامد الإسفراييني وشيخنا القاضي أبي الطيب رحمهما الله أنه لا يستبيح به الفرض لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فستباح به الجميع وهل يفتقر إلى تعيين الفريضة فيه وجهان أحدهما أنه يفتقر إلى تعيينها لأن كل موضع فتقر إلى نية الفريضة فتقر إلى تعيينها ( كأداء الصلاة ) والثاني لا يحتاج إلى تعيينها ويدل عليه قوله في البويطي فإن تيمم للنفل كان له أن يصلي على ( الجنازة ) نص عليه في البويطي لأن صلاة الجنازة كالنافلة وإن تيمم لصلاة الفرض ستباح به النفل لأن النفل تابع للفرض فإذا ستباح التبرع ستباح التابع كما إذا أعتق الأم عتق الحمل فصل في الصفة المستحبة للتيمم وإذا أراد التيمم فالمستحب له أن يسمي الله عز وجل لأنه طهارة عن حدث فستحب فيها اسم الله عز وجل عليه كالوضوء ثم ينوي ويضرب يديه على التراب ويفرق أصابعه فإن كان التراب ناعما فترك الضرب ووضع اليدين جاز ويمسح بهما وجهه ويوصل التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه وإلى ما ظهر من الشعر ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والشارب والعذارين ( والعنفقة ) ومن أصحابنا من قال يجب ذلك كما يجب إيصال الماء إليه في الوضوء
والمذهب الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف التيمم وقتصر على ضربتين ومسح وجهه بإحداهما ( مسح ) اليدين بالأخرى وبذلك لا يصل التراب إلى باطن هذه الشعور ويخالف الوضوء لأنه لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحت هذه الشعور وعليه مشقة في إيصال التراب فسقط وجوبه ثم يضرب ضربة أخرى فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهر الكف فإذا بلغ الكوع جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع ثم يمر ذلك إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمره عليه ويرفع إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم يمسح بكفه اليمنى يده اليسرى مثل ذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل أصابعهما لما روى أسلم قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جنب فنزلت آية التيمم فقال يكفيك هذا فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه ثم أمرهما على لحيته ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض ثم دلك إحداهما بالأخرى ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما فصل في فروض التيمم وسننه والفرض مما ذكرناه النية ومسح الوجه ومسح اليدين بضربتين أو أكثر وتقديم الوجه على اليدين وسننه التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى فصل فيمن يممه غيره قال في الأم فإن أمر غيره حتى يممه أو نوى هو جاز كما يجوز في الوضوء وقال ابن القاص رحمه الله لا يجوز قلته تخريجا قال في الأم وإن سفت الريح عليه ترابا ناعما فأمر يديه على وجهه لم يجزه لأنه لم يقصد الصعيد وقال القاضي أبو حامد رحمه الله هذا محمول عليه إذا لم يقصد فأما إذا صمد للريح فسفت عليه التراب أجزأه وهذا خلاف المنصوص فصل التيمم للمكتوبة بعد دخول الوقت ولا يجوز التيمم للمكتوبة إلا بعد دخول الوقت لأنه قبل دخول الوقت مستغن عن التيمم فلم يصح تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء وإن تيمم قبل دخول الوقت لفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة ففيه وجهان قال ( أبو بكر ) بن الحداد رحمه الله يجوز أن يصلي به الحاضرة بعد دخول الوقت لأنه تيمم وهو غير مستغن عن التيمم فأشبه إذا تيمم للحاضرة بعد دخول الوقت ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنها فريضة تقدم التيمم على وقتها فأشبه إذا تيمم لها قبل دخول الوقت فصل من يجوز له التيمم ولا يجوز التيمم بعد دخول الوقت إلا للعادم للماء أو للخائف من ستعماله فأما الواجد فلا يجوز له التيمم لقوله صلى الله عليه وسلم الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء فإن وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فهو كالعادم لأنه ممنوع من ستعماله فأشبه إذا وجد ماء وحال بينهما سبع فصل طلب الماء قبل التيمم ولا يجوز للعادم للماء أن يتيمم إلا بعد الطلب لقوله عز وجل فلم تجدوا ماء فتيمموا ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب ولأنه بدل أجيز عند عدم المبدل فلا يجوز فعله إلا بعد ثبوت العدم كالصوم في الكفارة لا يفعله حتى يطلب الرقبة ولا يصح الطلب إلا بعد دخول الوقت لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده ونظر حواليه وإن كان معه رفيق سأله عن الماء فإن بذله له لزمه قبوله لأنه لا منة عليه في قبوله فإن باعه منه بثمن المثل وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة والطعام للمجاعة فإن لم يبذله له وهو غير محتاج إليه لنفسه لم يجز له أن يكابره على أخذه كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة وصاحبه لا يحتاج إليه لأن الطعام ليس له بدل وللماء بدل
فإن دل على ماء ولم يخف فوات الوقت ولا نقطاعا عن الرفقة ولا ضررا على نفسه وماله لزمه طلبه وإن طلب فلم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجده معهم أعاد التيمم لأنه لما توجه عليه الطلب بطل التيمم وإن طلب ولم يجد جاز له التيمم لقوله عز وجل فلم تجدوا ماء فتيمموا وهل الأفضل أن يقدم التيمم والصلاة أم لا ينظر فيه فإن كان على ثقة من وجود الماء آخر الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم لأن الصلاة في أول وقتها فضيلة والطهارة بالماء فريضة فكان نتظار الفريضة أولى وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يتيمم ويصلي لأن الظاهر أنه لا يجد الماء فلا يضيع فضيلة أول الوقت لأمر لا يرجوه وإن كان يشك في وجوده ففيه قولان أحدهما أن تأخيرها أفضل لأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة فكان تقديم الفريضة أولى والثاني أن تقديم الصلاة بالتيمم أفضل وهو الأصح لأن فعلها في أول الوقت فضيلة متيقنة والطهارة بالماء مشكوك فيها فكان تقديم الفضيلة المتيقنة أولى فإن تيمم وصلى ثم علم أنه كان في رحله ماء نسيه لم تصح صلاته وعليه الإعادة على المنصوص لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالنسيان كما لو نسي عضوا من أعضائه فلم يغسله وروى أبو ثور عن الشافعي رحمهما الله أنه قال تصح صلاة ولا إعادة عليه لأن النسيان عذر حال بينه وبين الماء فسقط الفرض بالتيمم كما لو حال بينهما سبع وإن كان في رحله ماء فأخطأ رحله فطلبه فلم يجده فتيمم وصلى ففيه وجهان قال أبو علي الطبري رحمه الله لا تلزمه الإعادة لأنه غير مفرط في الطلب ومن أصحابنا من قال تلزمه لأنه فرط في حفظ الرحل فلزمته الإعادة فصل إذا وجد ماء لا يكفيه وإن وجد بعض ما يكفيه للطهارة ففيه قولان قال في الأم يلزمه ستعمال ما معه ثم يتيمم لقوله عز وجل فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد للماء فيجب ألا يتيمم ( وهو واجد له ) ولأنه مسح أبيح للضرورة فلا ينوب إلا في موضع الضرورة كالمسح على الجبيرة وقال في القديم والإملاء يقتصر على التيمم لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز لاقتصار على البدل كما نقول فيمن وجد بعض الرقبة في الكفارة فصل في الماء المحتاج إليه من غير واحد وإن جتمع ميت وجنب أو ميت وحائض نقطع دمها وهناك ماء يكفي أحدهما فإن كان لأحدهما كان صاحبه أحق به لأنه محتاج إليه لنفسه فلا يجوز له بذله لغيره فإن بذله للآخر وتيمم لم يصح تيممه وإن كان الماء لهما كانا فيه سواء وإن كان الماء مباحا أو لغيرهما وأراد أن يجود به على أحدهما فالميت أولى لأنه خاتمة طهارته والجنب والحائض يرجعان إلى الماء ويغتسلان وإن جتمع ميت وحي على بدنه نجاسة والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان أحدهما أن صاحب النجاسة أولى لأنه ليس لطهارته بدل ولطهارة الميت بدل وهو التيمم فكان صاحب النجاسة أحق بالماء والثاني أن الميت أولى وهو ظاهر المذهب لأنه خاتمة طهارته وإن جتمع حائض وجنب والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان قال أبو إسحق رحمه الله الجنب أولى لأن غسله منصوص عليه في القرآن ومن أصحابنا من قال إن الحائض أولى لأنها تستبيح بالغسل ما يستبيح الجنب وزيادة وهو الوطء فكانت أولى وإن جتمع جنب ومحدث وهناك ماء يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أولى لأن حدثه يرتفع به ولا يرتفع به حدث الجنب وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل عنه شيء ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض بدنه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الجنب أولى لأنه يستعمل جميع الماء بالإجماع فإذا دفعناه إلى المحدث بقي ماء مختلف في وجوب ستعماله في الجنابة والثاني أن المحدث أولى لأن فيه تشريكا بينهما في الماء
والثالث أنهما سواء فيدفع الماء إلى من شاء منهما لأنه يرفع حدث كل واحد منهما ويستعمله كل واحد منهما بالإجماع فصل فيمن عدم الماء والتراب وإن لم يجد ماء ولا ترابا صلى على حسب حاله و ( أعاد الصلاة ) لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة وستقبال القبلة والقيام والقراءة فصل فيمن فقد الماء حكما لا حقيقة وأما الخائف من ستعمال الماء فهو أن يكون به مرض أو قروح يخاف معها من ستعمال الماء أو في برد شديد يخاف من ستعمال الماء فينظر فيه فإن خاف التلف من ستعمال الماء جاز له التيمم لقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا قال ابن عباس رضي الله عنهما إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قروح أو جدري فيجنب فيخاف أن ( يغتسل ) فيموت فإنه يتيمم بالصعيد وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن غتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فقلت سمعت الله تعالى يقول ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وإن خاف الزيادة في المرض وإبطاء البرء قال في الأم لا يتيمم وقال في القديم والبويطي والإملاء يتيمم إذا خاف الزيادة فمن أصحابنا من قال هما قولان أحدهما يتيمم لأنه يخاف الضرر من ستعمال الماء فأشبه إذا خاف التلف والثاني لا يجوز لأنه واجد للماء لا يخاف التلف من ستعماله فأشبه إذا خاف أنه يجد البرد ومنهم من قال لا يجوز قولا واحد وما قال في القديم والبويطي والإملاء محمول على ما إذا خاف زيادة مخوفة وحكى أبو علي في الإفصاح طريقا آخر أنه يتيمم قولا واحدا وإن خاف من ستعمال الماء شينا فاحشا في جسمه فهو كما لو خاف الزيادة في المرض لأنه يألم قلبه بالشين الفاحش كما يألم قلبه بزيادة المرض وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من ستعمال الماء فيه التلف غسل الصحيح وتيمم عن الجريح وقال أبو إسحق يحتمل قولا آخر أنه يقتصر على التيمم كما لو عجز عن الماء في بعض بدنه للإعواز والأول أصح لأن العجز هناك ببعض الأصل وههنا العجز ببعض البدن وحكم الأمرين مختلف ألا ترى أن الحر إذا عجز عن بعض الأصل في الكفارة جعل كالعاجز عن جميعه في جواز لاقتصار على البدل ولو كان نصفه حرا ونصفه عبدا لم يكن العجز بالرق في البعض كالعجز ( في ) الجميع بل إذا ملك بنصفه الحر مالا لزمه أن يكفر بالمال فصل التيمم لكل فريضة ولا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة وقال المزني يجوز وهذا خطأ لما روي عن بن عباس رضي الله عنه أنه قال من السنة ألا يصلي بتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه طهارة ضرورة فلا يصلي بها فريضتين من فرائض الأعيان كطهارة المستحاضة فإن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة ولا يعرف عينها قضى خمس صلوات وفي التيمم وجهان أحدهما أنه يكفيه ( للجميع ) تيمم واحد لأن المنسية واحدة وما سواها ليس بفرض والثاني أنه يجب لكل واحدة منها تيمم لأنه صار كل واحدة منها فرضا وإن نسي صلاتين من صلوات اليوم والليلة ولا يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات قال ابن القاص يجب أن يتيمم لكل واحدة منها لأنه أي صلاة بدأ بها يجوز أن تكون هي المنسية فزال بفعلها حكم التيمم ويجوز أن تكون ( الثانية ) هي التي تليها فلا يجوز أداؤها بتيمم مشكوك فيه
ومن أصحابنا من قال يمكن أن يصلي ثماني صلوات بتيممين فيزيد ثلاث صلوات وينقص ثلاث تيممات فيتيمم ويصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب ثم يتيمم ويصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيكون قد صلى إحداهما بالتيمم الأول والثانية بالتيمم الثاني وإن نسي صلاتين من يومين فإن كانتا مختلفتين فهما بمنزلة الصلاتين من يوم وليلة وإن كانتا متفقتين لزمه أن يصلي عشر صلوات فيصلي خمس صلوات بتيمم ( واحد ) ثم يتيمم ويصلي خمس صلوات وإن شك هل هما متفقتان أو مختلفتان لزمه أن يأخذ بالأشد وهو أنهما متفقتان فصل التيمم الواحد للنوافل الكثيرة ويجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل لأنها غير محصورة فخف أمرها ولهذا أجيز ترك القيام فيها فإن نوى بالتيمم الفريضة والنافلة جاز أن يصلي النافلة قبل الفريضة وبعدها لأنه نواهما بالتيمم وإن نوى بالتيمم الفريضة ولم ينو النافلة جاز أن يصلي النافلة بعدها وهل يجوز أن يصليها قبلها فيه قولان قال في الأم له ذلك لأن كل طهارة جاز أن يتنفل بها بعد الفريضة جاز قبلها كالوضوء وقال في البويطي ليس له ذلك لأنه يصليها على وجه التبع للفريضة فلا يجوز أن تتقدم على متبوعها ويجوز أن يصلي على جنائز بتيمم واحد إذا لم يتعين ( عليه ) لأنه يجوز تركها فهي كالنوافل وإن تعينت عليه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز أن يصلي بتيمم واحد أكثر من صلاة لأنها فريضة تعينت عليه فهي كالمكتوبة والثاني يجوز وهو ظاهر المذهب لأنها ليست من جنس فرائض الأعيان فصل فيما يباح بالتيمم إذا تيمم عن الحدث ستباح ما يستباح بالوضوء فإن أحدث بطل تيممه كما يبطل وضوءه ويمنع مما كان يمنع منه قبل التيمم وإن تيمم عن الجنابة ستباح ما يستباح بالغسل من الصلاة وقراءة القرآن ( وغيرهما ) فإن أحدث منع من الصلاة ولم يمنع من قراءة القرآن لأن تيممه قام مقام الغسل ولو غتسل ثم أحدث لم يمنع من القراءة فكذلك إذا تيمم ثم أحدث وإن تيمم ثم ارتد بطل تيممه لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة والمرتد ليس من أهل لاستباحة فصل فيمن وجد الماء بعد التيمم وإن تيمم لعدم الماء ثم رأى الماء فإن كان قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه لأنه لم يحصل في المقصود فصار كما لو رأى الماء في أثناء التيمم وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة نظر فإن كان في الحضر أعاد الصلاة لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل فلم يسقط معه فرض الإعادة كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن كان في السفر نظرت فإن كان في سفر طويل لم يلزمه الإعادة لأن عدم الماء في السفر عذر عام فسقط معه فرض الإعادة كالصلاة مع سلس البول وإن كان في سفر قصير ففيه قولان أشهرهما أنه لا تلزمه الإعادة لأنه موضع يعدم فيه الماء غالبا فأشبه السفر الطويل وقال في البويطي لا يسقط الفرض عنه لأنه لا يجوز له القصر فلا يسقط الفرض عنه بالتيمم كما لو كان في الحضر وإن كان في سفر معصية ففيه وجهان أحدهما تجب عليه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر والسفر معصية فلا يجوز أن تتعلق به رخصة والثاني لا يجب لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا تلزمه الإعادة وإن كان معه في السفر ماء ودخل عليه وقت الصلاة فأراقه أو شربه من غير حاجة وتيمم وصلى ففيه وجهان أحدهما تلزمه الإعادة لأنه مفرط في إتلافه والثاني لا تلزمه الإعادة لأنه تيمم وهو عادم للماء فصار كما لو أتلفه قبل دخول الوقت وإن رأى الماء في أثناء الصلاة نظرت فإن كان ذلك في الحضر بطل تيممه وصلاته لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء وقد وجد الماء فوجب أن يشتغل بالإعادة وإن كان في السفر لم يبطل تيممه
وقال المزني يبطل والمذهب ( الأول ) لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود فلا يلزمه لانتقال إليه كما لو حكم بشهادة شهود الفرع ثم وجد شهود الأصل وهل يجوز الخروج منها فيه وجهان أحدهما لا يجوز وإليه أشار في البويطي لأن ما لا يبطل الطهارة والصلاة لم يبح الخروج منها كسائر الأشياء وقال أكثر أصحابنا يستحب الخروج منها كما قال الشافعي رحمه الله فيمن دخل في صوم الكفارة ثم وجد الرقبة أن الأفضل أن يعتق فإن رأى الماء في الصلاة في السفر ثم نوى الإقامة بطل تيممه وصلاته لأنه جتمع الحضر حكم والسفر في الصلاة فوجب أن يغلب حكم الحضر ويصير كأنه تيمم وصلى وهو حاضر ثم وجد الماء وإن رأى الماء في أثناء الصلاة في السفر فأتمها وقد فني الماء لم يجز له أن يتنفل حتى يجدد التيمم لأن برؤيته الماء حرم عليه فتتاح الصلاة وإن رأى الماء في صلاة نافلة فإن كان قد نوى عددا أتمها كالفريضة وإن لم ينو عددا سلم من ركعتين ولم يزد عليهما وإن تيمم للمرض وصلى ثم برىء لم تلزمه الإعادة لأن المرض من الأعذار العامة فهو كعدم الماء في السفر وإن تيمم لشدة البرد وصلى ثم زال البرد فإن كان في الحضر لزمه الإعادة لأن ذلك من الأعذار النادرة وإن كان في السفر ففيه قولان أحدهما لا يجب لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم وصلى لشدة البرد وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة والثاني يجب لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل فهو كعدم الماء في الحضر ومن صلى بغير طهارة لعدم الماء والتراب لزمه الإعادة لأن ذلك عذر نادر غير متصل فصار كما لو نسي الطهارة فصلى مع القدرة على الطهارة فصل من المسح على الجبيرة إذا كان على بعض أعضائه كسر يحتاج إلى وضع الجبائر وضع الجبيرة على طهر فإن وضعها على طهر ثم أحدث وخاف من نزعها أو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح على الجبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يمسح على الجبائر ولأنه تلحق المشقة في نزعها فجاز المسح عليها كالخف وهل يلزمه مسح الجميع أم لا فيه وجهان أحدهما يلزمه مسح الجميع لأنه مسح أجيز للضرورة فوجب فيه لاستيعاب كالمسح في التيمم والثاني أنه يجزيه ما يقع عليه لاسم لأنه مسح على حائل منفصل فهو كمسح الخف وهل يجب التيمم مع المسح ( فيه قولان ) قال في القديم لا يتيمم كما لا يتيمم مع المسح على الخف وقال في الأم يتيمم لحديث جابر رضي الله عنه أن رجلا أصابه حجر فشجه في رأسه ثم حتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فغتسل فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة يمسح عليها ويغسل سائر جسده ولأنه يشبه الجريح لأنه يترك غسل العضو لخوف الضرر ويشبه لابس الخف لأنه لا يخاف الضرر من غسل العضو وإنما يخاف المشقة من نزع الحائل كلابس الخف فلما أشبههما وجب عليه الجمع بين المسح والتيمم فإن برىء وقدر على الغسل فإن كان قد وضع الجبائر على غير طهر لزمه إعادة الصلاة وإن كان قد وضعها على طهر ففيه قولان أحدهما لا يلزمه الإعادة كما لا يلزم ماسح الخف والثاني يلزمه لأنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل فكان كما لو ترك غسل العضو ناسيا باب الحيض إذا حاضت المرأة حرم عليها الطهارة لأن الحيض يوجب الطهارة وما يوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول
ويحرم عليها الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة ويسقط ( عنها ) فرض الصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بالقضاء ولأن الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها لشق وضاق ويحرم عليها الصوم لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فدل على أنهن كن يفطرن ولا يسقط فرضه لحديث عائشة رضي الله عنها ولأن الصوم في السنة مرة فلا يشق قضاؤه فلم يسقط ويحرم عليها الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها صنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي ( بالبيت ) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح منها الطهارة ويحرم عليها قراءة القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ويحرم عليها حمل المصحف ومسه لقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون ويحرم عليها اللبث في المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض فأما العبور فيه فإنها إن ستوثقت من نفسها ( بالشد والتلجم ) جاز لأنه حدث يمنع اللبث في المسجد فلا يمنع العبور كالجنابة ويحرم الوطء في الفرج لقوله عز وجل فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله فإن وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان قال في القديم إن كان في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار وإن كان في آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار لما روى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقال في الجديد لا تجب عليه الكفارة لأنه وطء محرم للأذى فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر ويحرم لاستمتاع فيما بين السرة والركبة وقال أبو إسحاق لا يحرم غير الوطء في الفرج لقوله صلى الله عليه وسلم صنعوا كل شيء غير النكاح لأنه وطء محرم للأذى فختص به الفرج كالوطء في الدبر والمذهب الأول لما روى عمر رضي الله عنه أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال ما فوق الإزار وإذا طهرت من الحيض حل لها الصوم لأن تحريمه بالحيض وقد زال الحيض ولا تحل الصلاة والطواف وحمل المصحف وقراءة القرآن لأن المنع منها لأجل الحدث والحدث باق ولا يحل لاستمتاع بها حتى تغتسل لقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن قال مجاهد حتى يغتسلن فإن لم تجد الماء فتيممت حل لها ما يحل بالغسل لأن التيمم قائم مقام الغسل فستبيح به ما يستباح بالغسل وإن تيممت وصلت فريضة لم يحرم وطؤها ومن أصحابنا من قال يحرم وطؤها بفعل الفريضة كما يحرم فعل الفريضة بعدها والأول أصح لأن الوطء ليس بفرض فلم يحرم بفعل الفريضة كصلاة النفل فصل في سن الحيض ومدته أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين قال الشافعي رحمه الله أعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة فإنهن يحضن لتسع سنين فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد لا يتعلق به أحكام الحيض وأقل الحيض يوم وليلة وقال في موضع آخر يوم فمن أصحابنا من قال هما قولان ومنهم من قال هو يوم وليلة قولا واحدا وقوله يوم أراد بليلته ومنهم من قال يوم قولا واحدا وإنما قال يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم فلما ثبت عنده اليوم رجع إليه والدليل على ذلك أن المرجع في ذلك إلى الوجود وقد ثبت الوجود في هذا القدر قال الشافعي رحمه الله رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه وقال الأوزاعي ( رحمه الله كانت ) عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقال عطاء رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما
وقال أبو عبد الله الزبيري رحمه الله كان في نسائنا من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما وأكثره خمسة عشر يوما لما رويناه عن عطاء وأبي عبد الله الزبيري وغالبه ست أو سبع لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش رضي الله عنها تحيضي في علم الله تعالى ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن وأقل طهر فاصل بين الدمين خمسة عشر يوما لا أعرف فيه خلافا فإن صح ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في النساء نقصان دينهن إن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي دل ذلك على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه وفي الدم الذي تراه الحامل قولان أحدهما أنه حيض لأنه دم لا يمنعه الرضاع فلا يمنعه الحمل كالنفاس والثاني أنه دم فساد لأنه لو كان ذلك حيضا لحرم الطلاق وتعلق به نقضاء العدة فإن رأت يوما طهرا ويوما دما ولم يعبر خمسة عشر يوما ففيه قولان أحدهما أنه لا يلفق ( الدم ) بل يجعل الجميع حيضا لأنه لو كان ما رأته من النقاء طهرا لانقضت العدة بثلاثة منها والثاني أنه يلفق الدم إلى الدم والطهر إلى الطهر فتكون أيام النقاء طهرا وأيام الدم حيضا لأنه لو جاز أن يجعل أيام النقاء حيضا لجاز أن يجعل أيام الدم طهرا ولما لم يجز أن تجعل أيام الدم طهرا لم يجز أن تجعل أيام النقاء حيضا فوجب أن يجري كل واحد منهما على حكمه فصل رؤية الدم في غير موعده إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيه أمسكت عما تمسك عنه الحائض فإن نقطع لدون اليوم والليلة كان ذلك دم فساد فتتوضأ وتصلي وإن نقطع ليوم وليلة أو لخمسة عشر يوما أو لما بينهما فهو حيض فتغتسل عند نقطاعه سواء كان الدم على صفة دم الحيض أو على غير صفته وسواء كان لها عادة فخالفت عادتها أو لم تكن وقال أبو سعيد الإصطخري رحمه الله إن رأت الصفرة أو الكدرة في غير وقت العادة لم يكن حيضا لما روي عن أم عطية رضي الله عنها قالت كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل شيئا ولأنه ليس فيه أمارة الحيض فلم يكن حيضا والمذهب أنه حيض لأنه دم صادف زمان الإمكان ولم يجاوزه فأشبه إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام عادتها وحديث أم عطية يعارضه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا وقوله إنه ليس فيه أمارة غير مسلم بل وجوده في أيام الحيض أمارة لأن الظاهر من حالها الصحة والسلامة وأن ذلك دم الجبلة دون العلة وإن عبر الدم الخمسة عشر فقد ختلط حيضها بلاستحاضة فلا تخلو إما أن تكون مبتدأة غير مميزة أو مبتدأة مميزة أو معتادة غير مميزة أو معتادة مميزة أو ناسية غير مميزة أو ناسية مميزة فإن كانت مبتدأة غير مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر والدم على صفة واحدة ففيها قولان أحدهما أنها تحيض أقل الحيض لأنه يقين وما زاد مشكوك فيه فلا يحكم بكونه حيضا والثاني أنها ترد إلى غالب عادة النساء وهي ست أو سبع وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ولأنه لو كانت لها عادة ردت إليها لأن الظاهر أن حيضها في هذا الشهر كحيضها فيما تقدم فإذا لم يكن لها عادة فالظاهر أن حيضها كحيض نسائها ولداتها فردت إليها وإلى أي عادة ترد فيه وجهان أحدهما إلى غالب عادة النساء لحديث حمنة
والثاني إلى غالب عادة نساء بلدها وقومها لأنها أقرب إليهن فإن ستمر بها الدم في الشهر الثاني غتسلت عند نقضاء اليوم والليلة في أحد القولين وعند نقضاء الست أو السبع في الآخر لأنا قد علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة وأن حكمها ما ذكرناه فتصلي وتصوم ولا تقضي الصلاة وأما الصوم فلا تقضي ما تأتي به بعد الخمسة عشر وفيما تأتي به قبل الخمسة عشر وجهان أحدهما تقضيه لجواز أن يكون قد صادف زمان الحيض فلزمها قضاؤه كالناسية والثاني لا تقضي وهو الأصح لأنها صامت في زمان حكمنا بالطهر فيه بخلاف الناسية فإنا لم نحكم لها بحيض ولا طهر فصل في المبتدأة المميزة فإن كانت مبتدأة مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر ودمها في بعض الأيام بصفة دم الحيض وهو المحتدم القانىء الذي يضرب إلى السواد وفي بعضها أحمر مشرق أو أصفر فإن حيضها أيام السواد بشرطين أحدهما أن يكون الأسود لا ينقص عن أقل الحيض والثاني ألا يزيد على أكثره والدليل عليه ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أستحاض أفأدع الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضيء وصلي فإنما هو عرق ولأنه خارج يوجب الغسل فجاز أن يرجع إلى صفته عند الإشكال كالمني فإذا رأت في الشهر الأول يوما وليلة دما أسود ثم حمر أو صفر أمسكت عن الصلاة والصوم لجواز ألا يجاوز الخمسة عشر يوما فيكون الجميع حيضا وفي الشهر الثاني يلزمها أن تغتسل عند تغير الدم وتصلي وتصوم لأنا قد علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة فإن رأت في الشهر الثالث السواد في ثلاثة أيام ثم حمر أو صفر وفي الشهر الرابع رأت السواد في أربعة أيام ثم حمر أو صفر كان حيضها في كل شهر الأسود وإن رأت خمسة أيام دما أحمر أو أصفر ثم رأت خمسة أيام دما أسود ثم حمر الدم إلى آخر الشهر فالحيض هو الأسود وما قبل الأسود وما بعده ستحاضة وخرج أبو العباس رضي الله عنه وجهين ضعيفين أحدهما أنه لا تمييز لها لأن الخمسة الأول حيض لأنه دم بدأ بها في وقت يصلح أن يكون حيضا والخمسة الثانية أولى أن تكون حيضا لأنه في وقت يصلح للحيض وقد نضم إليه علامة الحيض وما بعدهما يصير بمنزلتهما فيصير كأن الدم كله مبهم فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة والوجه الثاني أن حيضها العشر الأول لأن الخمسة الأول حيض بحكم البداية في وقت يصلح أن يكون حيضا والخمسة الثانية حيض باللون وإن رأت خمسة أيام دما أحمر ثم رأت دما أسود إلى آخر الشهر فهي غير مميزة لأن السواد زاد على الخمسة عشر يوما فبطلت دلالته فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة وخرج أبو العباس فيه وجها آخر أن بتداء حيضها من أول الأسود إما يوم وليلة وإما ست أو سبع لأنه بصفة دم الحيض وهذا لا يصح لأن هذا اللون لا حكم له إذا عبر الخمسة عشر وإن رأت خمسة عشر يوما دما أحمر وخمسة عشر يوما دما أسود ونقطع فحيضها الأسود وإن ستمر الأسود ولم ينقطع لم تكن مميزة فيكون حيضها من بتداء الدم يوما وليلة في أحد القولين أو ستا أو سبعا في القول الآخر وعلى الوجه الذي خرجه أبو العباس رضي الله عنه يكون حيضها من أول الدم الأسود يوما وليلة أو ستا أو سبعا في الآخر وإن رأت سبعة عشر يوما دما أحمر ثم رأت دما أسود وتصل لم يكن لها تمييز فيكون حيضها يوما وليلة من أول الدم الأحمر في أحد القولين أو ستا أو سبعا في الآخر
وقال أبو العباس رضي الله عنه يكون حيضها يوما وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهرا وتبتدىء من أول الدم الأسود حيضا آخر في أحد القولين يوما وليلة وفي الآخر الثاني يجعل حيضها ستا أو سبعا والباقي ستحاضة إلا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين فإنه إذا كان بتداء الأسود من الثالث والعشرين فعلى قول أبي العباس رضي الله عنه يكون حيضها من أول الأحمر سبعة وخمسة عشر طهرا وتبتدىء من أول الأسود حيضا آخر يوما وليلة في أحد القولين وستا أو سبعا في القول الآخر فصل في المعتادة غير المميزة فإن كانت معتادة غير مميزة وهي التي كانت تحيض من كل شهر أياما ثم عبر الدم عادتها وعبر الخمسة عشر ولا تمييز لها فإنها لا تغتسل لمجاوزة الدم عادتها لجواز أن ينقطع الدم لخمسة عشر يوما فإذا عبر الخمسة عشر ردت إلى عادتها فتغتسل بعد الخمسة عشر وتقضي صلاة ما زاد على عادتها لما روي أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فستفتت لها أم سلمة رضي الله عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك فإن ستمر بها الدم في الشهر الثاني وجاوز العادة غتسلت عند مجاوزة العادة لأنا قد علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة فتغتسل في كل شهر عند مجاوزة العادة بمرة وتصلي وتصوم وتثبت العادة بمرة واحدة فإذا حاضت في شهر مرة خمسة أيام ثم ستحيضت في شهر بعده ردت إلى الخمسة ومن أصحابنا من قال لا تثبت إلا بمرتين فإن لم تحض الخمسة مرتين لم تكن معتادة بل هي مبتدأة لأن العادة لا تستعمل في مرة والمذهب الأول لحديث المرأة التي ستفتت لها أم سلمة رضي الله عنها فإن النبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى الشهر الذي يلي شهر لاستحاضة ولأن ذلك أقرب إليها فوجب ردها إليه وتثبت العادة بالتمييز كما تثبت بانقطاع الدم فإن رأت المبتدأة خمسة أيام دما أسود ثم صفر وتصل ثم رأت في الشهر الثاني دما مبهما كانت عادتها أيام السواد ويثبت الطهر بالعادة كما يثبت الحيض فإذا حاضت خمسة أيام وطهرت خمسا وخمسين يوما ثم رأت الدم وعبر الخمسة عشر جعل حيضها في كل شهرين خمسة أيام والباقي طهر ويجوز أن تنتقل العادة فتتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص فترد إلى آخر ما رأت من ذلك لأن ذلك أقرب إلى شهر لاستحاضة وإن كانت عادتها الخمسة الثانية من الشهر فرأت الدم من أول الشهر وتصل فالحيض هو الخمسة المعتادة وقال أبو العباس رضي الله عنه فيه وجه آخر أن حيضها هي الخمسة الأول لأنه بدأ بها في زمان يصلح أن يكون حيضا والأول أصح لأن العادة قد ثبتت في الخمسة الثانية فوجب الرد إليها كما لو لم يتقدمها دم وإن كانت عادتها خمسة أيام من أول كل شهر ثم رأت في بعض الشهور الخمسة المعتادة ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم وعبر الخمسة الأول عشر يوما فإنها ترد إلى عادتها وهي الخمسة الأول من الشهر وخرج أبو العباس رضي الله عنه وجها آخر أن الخمسة الأول من الدم الثاني حيض لأنها رأته في وقت يصلح أن يكون حيضا والأول هو المذهب لأن العادة قد ثبتت في الحيض من أول كل شهر فلا تتغير إلا بحيض صحيح فصل في المعتادة المميزة فإن كانت معتادة مميزة وهي أن تكون عادة أن تحيض في كل شهر خمسة أيام ثم رأت في شهر عشرة أيام دما أسود ثم رأت دما أحمر أو أصفر وتصل ردت إلى التمييز وجعل حيضها أيام السواد وهي العشرة وقال أبو علي بن خيران رحمه الله ترد إلى العادة وهي الخمسة والأول أصح لأن التمييز علامة قائمة في شهر لاستحاضة فكان عتباره أولى من عتبار عادة قد نقضت فصل في الناسية المميزة
وإن كانت ناسية مميزة وهي التي كانت لها عادة ونسيت عادتها ولكنها تميز الحيض من لاستحاضة باللون فإنها ترد إلى التمييز لأنها لو ذكرت عادتها لردت إلى التمييز فإذا نسيت أولى وعلى قول من قال تقدم العادة على التمييز حكمها حكم من لا تمييز لها واحد ونحن نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فصل في الناسية غير المميزة وإن كانت ناسية للعادة غير مميزة لم يخل إما أن تكون ناسية للوقت والعدد أو ناسية للوقت ذاكرة للعدد أو ناسية للعدد ذاكرة للوقت فإن كانت ناسية للوقت والعدد وهي المتحيرة ففيها قولان أحدهما أنها كالمبتدأة التي لا تمييز لها نص عليه في العدد فيكون حيضها من أول كل هلال يوما وليلة في أحد القولين أو ستا أو سبعا في الآخر فإن عرفت متى رأت الدم جعلنا بتداء شهرها من ذلك الوقت وعددنا لها ثلاثين يوما وحيضناها لأنه ليس بعض الأيام بأن يجعل حيضا بأولى من البعض فسقط حكم الجميع وصارت كمن لا عادة لها ولا تمييز والثاني وهو المشهور والمنصوص في الحيض أنه لا حيض لها ولا طهر بيقين فتصلي وتغتسل لكل صلاة لجواز أن يكون ذلك وقت نقطاع الحيض ولا يطؤها الزوج وتصوم مع الناس شهر رمضان فيصح لها أربعة عشر يوما لجواز أن يكون اليوم الخامس عشر من حيضها بعضه من أول يوم من الشهر وبعضه من السادس عشر فيفسد عليها بذلك يومان ثم تصوم شهرا آخر فيصح لها منه أربعة عشر يوما فإن كان الشهر الذي صامه الناس ناقصا ( صح لها منه ثلاثة عشر يوما من الصوم لجواز أن يكون بتداء الحيض من بعض اليوم الأول ونتهاؤه في بعض السادس عشر فيبطل عليها صوم ستة عشر يوما ويصح لها صوم ثلاثة عشر يوما فإن كان شهر قضائها كاملا بقي عليها قضاء يومين وإن كان ناقصا بقي قضاء ثلاثة أيام وإن كانا كاملين بقي قضاء يومين وإن كان شهر الأداء كاملا وشهر القضاء ناقصا بقي قضاء ثلاثة أيام وإن قضت في شوال صح لها صوم ثلاثة عشر يوما إن كمل وثني عشر إن نقص وإن قضت في ذي الحجة فعشرة إن كمل وتسعة إن نقص فإن كان الشهر الذي صامه الناس ناقصا ) وجب عليها قضاء يوم فتصوم أربعة أيام من سبعة عشر يوما يومين في أولها ويومين في آخرها وإن كان الشهر تاما وجب عليها قضاء يومين فتصوم ستة أيام من ثمانية عشر يوما ثلاثة في أولها وثلاثة في آخرها فيصح لها صوم الشهر وإن لزمها صوم ثلاثة أيام قضتها من تسعة عشر يوما أربعة من أولها وأربعة من آخرها وإن لزمها صوم أربعة أيام قضتها من عشرين يوما خمسة في أولها وخمسة في آخرها وكلما زاد في المدة يوم زاد في الصوم يومان ( يوم ) في أولها ويوم في آخرها وعلى هذا القياس يعمل في طوافها فصل فيمن نسيت الوقت وذكرت العدد وإن كانت ناسية لوقت الحيض ذاكرة للعدد فكل زمان تيقنا فيه الحيض ألزمناها جتناب ما تجتنبه الحائض وكل زمان تيقنا فيه طهرها أبحنا فيه ما يباح للطاهر وأوجبنا ما يجب على الطاهر وكل زمان شككنا في طهرها حرمنا وطأها وأوجبنا ما يجب على الطاهر حتياطا وكل زمان جوزنا فيه نقطاع الحيض أوجبنا عليها أن تغتسل فيه للصلاة ويعرف ذلك بتنزيل أحوالها ونذكر من ذلك مسائل تدل على جميع أحكالها إن شاء الله عز وجل وبه التوفيق
فإن قالت كان حيضي عشرة أيام من الشهر لا أعرف وقتها لم يكن لها حيض ولا طهر بيقين لأنه يمكن في كل وقت أن تكون حائضا ويمكن أن تكون طاهرا فيجعل زمانها في الصوم والصلاة زمان الطهر فتتوضأ في العشر الأول لكل فريضة ولا تغتسل لأنه لا يمكن نقطاع الدم فيه فإذا مضت العشر أمرناها بالغسل لإمكان نقطاع الدم ثم نلزمها بعد ذلك أن تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر لأن كل وقت من ذلك يمكن نقطاع الدم فيه فإن عرفت وقتا من اليوم كان ينقطع فيه دمها ألزمناها أن تغتسل كل يوم في ذلك الوقت ولا يلزمها أن تغتسل في غيره لأنا قد علمنا وقت نقطاع دمها من اليوم وإن قالت كنت أحيض إحدى العشرات الثلاث من الشهر فهذه ليس لها حيض ولا طهر بيقين فنجعل زمانها زمان الطهر فتصلي من أول الشهر وتتوضأ لكل فريضة وتغتسل في آخر كل عشر لإمكان نقطاع الدم فيه وإن قالت كان حيضي ثلاثة أيام في العشر الأول من الشهر فهذه ليس لها حيض ولا طهر بيقين في هذه العشر فتصلي من أول العشر ثلاثة أيام بالوضوء ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر إلا أن تعرف نقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل ذلك الوقت في كل يوم وتتوضأ في غيره وإن قالت كان حيضي أربعة أيام من العشرة الأول صلت بالوضوء أربعة أيام ثم تغتسل لكل صلاة إلى ( آخر العشر ) وعلى هذا التنزيل في الخمس والست والسبع والثمان والتسع فإن علمت يقين طهرها في وقت من الشهر بأن قالت كان حيضي عشرة أيام في كل شهر وأعلم أني كنت في العشر الأخيرة طاهرا فإنها في العشر الأول تتوضأ لكل صلاة لأنه لا يحتمل نقطاع الدم فيه فإذا مضت العشر غتسلت لكل صلاة إلا أن تعلم نقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل فيه دون غيره وفي العشر الثالثة طاهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة وإن قالت كان حيضي خمسة أيام في العشر الأول وكنت في اليوم الأول من العشر الأول طاهرا ففي اليوم الأول طهر بيقين فتتوضأ فيه لكل صلاة فريضة وفي اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس طهر مشكوك فيه فتتوضأ فيه لكل فريضة والسادس حيض بيقين فإنه على أي تنزيل نزلنا لم يخرج اليوم السادس منه فتترك فيه ما تترك الحائض ثم تغتسل في آخره لإمكان نقطاع الدم فيه ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة إلى آخر العاشر ثم تدخل في طهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة وإن قالت ( كان حيضي ستة أيام في العشر الأول كان لها يومان حيض بيقين وهما الخامس والسادس لأنه إن بتدأ الحيض من أول العشر فآخره السادس وإن بتدأ من الخامس فآخره العاشر والخامس والسادس داخلان فيه بكل حال وإن قالت كان حيضي سبعة أيام من العشر الأول حصل لها أربعة أيام حيض بيقين وهي من الرابع إلى السابع وإن قالت ثمانية كان حيضها بيقين ستة من الثالث إلى آخر الثامن فإن قالت تسعة كان ثمانية من الثاني إلى آخر التاسع لما بيننا ) وإن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام لا أعرفها وكنت في اليوم السادس طاهرا فإنها من أول الشهر إلى آخر السادس في طهر بيقين ومن السابع إلى آخر الشهر في طهر مشكوك فيه فتتوضأ لكل فريضة إلى أن يمضي عشرة أيام بعد السادس ثم تغتسل لإمكان نقطاع الدم فيه ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع فيه الدم فتغتسل كل يوم فيه دون غيره وإن قالت كان حيضي في كل شهر خمسة أيام لا أعرف موضعها وأعلم أني كنت في الخمسة الأخيرة طاهرا وأعلم أن لي طهرا صحيحا غيرها في كل شهر فإنه يحتمل أن يكون حيضها ( في الخمسة الأولى والباقي طهر ويحتمل أن يكون حيضها ) في الخمسة الثانية والباقي طهر ولا يجوز أن يكون في الخمسة الثالثة لأن ما قبلها وما بعدها دون أقل الطهر ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الرابعة ويكون ما قبلها طهرا ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الخامسة ويكون ما قبلها طهرا فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة في الخمسة الأولى وتصلي لأنه طهر مشكوك فيه ثم تغتسل لكل فريضة من أول السادس إلى آخر العاشر لأنه طهر مشكوك فيه ويحتمل نقطاع الدم في كل وقت منه ومن أول الحادي عشر ( إلى آخر الخامس عشر ) فتتوضأ لكل فريضة لأنه طهر بيقين ومن أول السادس عشر تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه لا يحتمل نقطاع الحيض فيه ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه وتغتسل لكل صلاة لأنه يحتمل نقطاع الحيض في كل وقت منها ومن أول السادس والعشرين إلى آخر الشهر تتوضأ لكل فريضة لأنه طهر بيقين وإن علمت يقين الحيض في بعض الأيام بأن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام وكنت أكون في اليوم العاشر حائضا فإنه يحتمل أن يكون العاشر آخر حيضها ويكون بتداؤها من أول الشهر ويحتمل أن يكون العاشر أول حيضها فيكون آخره التاسع عشر ويحتمل أن يكون بتداؤها ما بين اليوم الأول من الشهر واليوم العاشر فهي من أول الشهر إلى اليوم التاسع في طهر مشكوك فيه ولا يحتمل نقطاع الدم فيه فتتوضأ لكل صلاة وتصلي واليوم العاشر يكون حيضا بيقين تترك فيه ما يجب على الحائض تركه وتغتسل في آخره ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع عشر إلا أن تعلم نقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل فيه من الوقت إلى الوقت ثم بعد ذلك في طهر بيقين إلى آخر الشهر فتتوضأ لكل صلاة فريضة فإن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام ولي في كل شهر طهر صحيح وكنت في اليوم الثاني عشر حائضا فإنها في خمسة عشر يوما من آخر الشهر في طهر بيقين وفي اليوم الأول والثاني من أول الشهر في طهر بيقين وفي الثالث والرابع والخامس في طهر مشكوك فيه تتوضأ فيه لكل فريضة وفي السادس إلى تمام الثاني عشر في حيض بيقين ومن الثالث عشر إلى تمام الخامس عشر في طهر مشكوك فيه ويحتمل نقطاع الحيض في كل وقت منها فتغتسل لكل صلاة وإن قالت كان حيضي خمسة أيام من العشر الأول وكنت في اليوم الثاني من الشهر طاهرا وفي اليوم الخامس حائضا فإنه يحتمل أن يكون بتداء حيضها من الثالث وآخره إلى تمام السابع ويحتمل أن يكون من الرابع وآخره إلى تمام الثامن ويحتمل أن يكون بتداؤه من الخامس وآخره تمام التاسع فاليوم الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه والخامس والسادس والسابع حيض بيقين ثم تغتسل في آخر السابع فيكون ما بعده إلى تمام التاسع طهرا مشكوكا فيه تغتسل فيه لكل صلاة وإن قالت كان لي في كل شهر حيضتان ولا أعلم موضعهما ولا عددهما فإن الشيخ أبا حامد الإسفراييني رحمه الله ذكر أن أقل ما يحتمل أن يكون حيضها يوم من أول الشهر ويوم من آخره ويكون ما بينهما طهرا وأكثر ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يوما من أول الشهر أو من آخره ويوم وليلة من أول الشهر أو من آخره ويكون بينهما خمسة عشر يوما طهرا ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال نقطاع الدم فيه ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرا بيقين لأنه إن كان بتداء الطهر في اليوم الثاني فاليوم السادس عشر آخره وإن كان من الخامس عشر فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر ومن السابع عشر إلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله هذا خطأ لأنا إذا نزلناها هذا التنزيل لم يجز أن يكون هذا حالها في الشهر الذي بعده بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقته فتغتسل لكل صلاة ولا يطؤها الزوج وتصوم رمضان وتقضيه على ما بيناه
فصل فيمن ذكرت الوقت ونسيت العدد فإن كانت ذاكرة للوقت ناسية للعدد نظرت فإن كانت ذاكرة لوقت بتدائه بأن قالت كان بتداء حيضي من أول يوم من الشهر حيضناها يوما وليلة من أول الشهر لأنه يقين ثم تغتسل بعده فتحصل في طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس عشر وتصلي وتغتسل لكل صلاة لجواز نقطاع الدم فيه وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر فتتوضأ لكل صلاة وإن كانت ذاكرة لوقت نقطاعه بأن قالت كان حيضي ينقطع في آخر الشهر قبل غروب الشمس حيضناها قبل ذلك يوما وليلة وكانت طاهرا من أول الشهر إلى آخر الخامس عشر تتوضأ لكل صلاة فريضة ثم تحصل في طهر مشكوك فيه إلى آخر التاسع والعشرين تتوضأ لكل صلاة لأنه لا يحتمل نقطاع الدم ولا يجب الغسل إلا في آخر الشهر في الوقت الذي تيقنا نقطاع الحيض فيه وإن قالت كان حيضي في كل شهر خمسة عشر يوما وكنت أخلط أحد النصفين بالآخر أربعة عشر في أحد النصفين ويوما في النصف الآخر ولا أدري أن اليوم في النصف الأول أو الأربعة عشر فهذه يحتمل أن يكون اليوم في النصف الثاني والأربعة عشر في النصف الأول فيكون بتداء الحيض من اليوم الثاني من الشهر وآخره تمام السادس عشر ويحتمل أن يكون اليوم في النصف الأول والأربعة عشر في النصف الثاني فيكون بتداء الحيض من أول الخامس عشر وآخره التاسع والعشرون فاليوم الأول والآخر من الشهر طهر بيقين والخامس عشر والسادس عشر حيض بيقين ومن الثاني إلى الخامس عشر طهر مشكوك فيه ومن أول السابع عشر إلى آخر التاسع والعشرين طهر مشكوك فيه فتغتسل في آخر السادس عشر وفي آخر التاسع والعشرين لأنه يحتمل نقطاع الدم فيهما وعلى هذا التنزيل والقياس فإن قالت كان حيضي خمسة عشر يوما وكنت أخلط اليوم وأشك هل كنت أخلط بأكثر من يوم فالحكم فيه كالحكم في المسألة قبلها إلا في شيء واحد وهو أن ههنا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة بعد السادس عشر لجواز أن يكون الخلط بأكثر من يوم فيكون ذلك الوقت وقت نقطاع الحيض إلا أن تعلم نقطاع الحيض في وقت بعينه من اليوم فتغتسل فيه في مثله فصل في المستحاضة إذا تخلل وقتها طهر هذا الذي ذكرناه في المستحاضة إذا عبر دمها الخمسة عشر ولم يتخللها طهر فأما إذا تخللها طهر بأن رأت يوما وليلة دما ورأت يوما وليلة نقاء إلى أن عبر الخمسة عشر فهي مستحاضة وقال بن بنت الشافعي رضي الله عنه الطهر في اليوم السادس عشر يفصل بين الحيض وبين ما بعده فيكون الدم في الخمسة عشر حيضا وفي النقاء الذي بينهما قولان في التلفيق لأنا حكمنا في اليوم السادس عشر لما رأت النقاء بطهارتها وأمرناها بالصوم والصلاة وما بعده ليس بحيض بل هو طهر فكان بمنزلة ما لو نقطع الدم بعد الخمسة عشر ولم يعد والمنصوص أنها مستحاضة ختلط حيضها بلاستحاضة لأنه لو كان النقاء في اليوم السادس عشر يميز لوجب أن يميز في الخمسة عشر كالتمييز باللون فعلى هذا ينظر فيها فإن كانت مميزة بأن ترى يوما وليلة دما أسود ثم ترى النقاء عشرة أيام ثم ترى يوما وليلة دما أسود ثم أحمر فترد إلى التمييز فيكون الحيض أيام الأسود وما بينهما على القولين وإن كان لها عادة في كل شهر خمسة أيام ردت إلى عادتها فإن قلنا لا يلفق كانت الخمسة كلها حيضا وإن قلنا يلفق كانت أيام الدم حيضا وذلك ثلاثة أيام ونقض يوما من العادة ومن أصحابنا من قال يلفق لها قدر العادة من الخمسة عشر يوما فيحصل لها خمسة أيام من تسعة أيام وإن كانت عادتها ستة أيام فإن قلنا لا يلفق كان حيضها خمسة أيام لأن اليوم السادس من أيام العادة لا دم فيه لأن الدم في الأفراد فلم يجز أن يجعل حيضا لأن النقاء إنما يجعل حيضا على هذا القول إذا كان واقعا بين الدمين فعلى هذا ينقص من عادتها يوم