Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإذا قلنا يلفق من أيام العادة كان حيضها ثلاثة أيام وينقص يومان وإذا قلنا يلفق من خمسة عشر حصل لها ستة أيام من أحد عشر يوما وإن كانت عادتها سبعة أيام فإن قلنا إن الجميع حيض كان حيضها سبعة أيام لا ينقص منها شيء لأن اليوم السابع دم فيمكن ستيفاء جميع أيام عادتها وإن قلنا يلفق لها من أيام العادة كان حيضها أربعة أيام وإن قلنا يلفق من خمسة عشر كان لها سبعة أيام من ثلاثة عشر يوما وعلى هذا القياس وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها ولا عادة ففيها قولان أحدهما ترد إلى يوم وليلة فيكون حيضها من أول ما رأت يوما وليلة والباقي طهر وإن قلنا ترد إلى ست أو سبع فهي كمن عادتها ستة أيام أو سبعة أيام وقد بيناه فأما إذا رأت نصف يوم ( دما ونصف يوم ) نقاء ولم تجاوز الخمسة عشر فهي على القولين في التلفيق وقال بعض أصحابنا هذه مستحاضة هذه لا يثبت لها حكم الحيض حتى يتقدم لها أقل الحيض ومنهم من قال لا يثبت لها حكم الحيض إلا أن يتقدمه أقل الحيض متصلا ويتعقبه أقل الحيض متصلا والصحيح هو الأول وأنها على القولين في التلفيق فإذا قلنا لا يلفق حصل لها أربعة عشر يوما ونصف يوم حيضا وإذا قلنا يلفق حصل لها سبعة أيام ونصف حيضا وما بينهما من النقاء طهر وإن جاوز الخمسة عشر كانت مستحاضة فترد إلى التمييز إن كانت مميزة أو إلى العادة إن كانت معتادة وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها ولا عادة فإن قلنا إنها ترد إلى ست أو سبع كان ذلك كالعادة وإن قلنا ترد إلى يوم وليلة فإن قلنا لا يلفق فلا حيض لها لأنه لا يحصل لها يوم وليلة من غير تلفيق وإن قلنا يلفق من أيام العادة لم يكن لها حيض لأن اليوم والليلة كأيام العادة ولا يحصل لها من اليوم والليلة أقل الحيض وإن قلنا يلفق من الخمسة عشر لفق لها مقدار يوم وليلة من يومين وليلتين وإن رأت ساعة دما وساعة نقاء ولم يجاوز الخمسة عشر فإن كان الدم بمجموعه يبلغ أقل الحيض فقد قال أبو العباس وأبو إسحاق فيه قولان في التلفيق وإن كان لا يبلغ بمجموعه أقل الحيض مثل أن ترى ساعة دما ثم ينقطع ثم ترى في آخر الخامس عشر ساعة دما قال أبو العباس إذا قلنا يلفق فهو دم فساد لأنه لا يتلفق منه ما يكون حيضا وإذا قلنا لا يلفق احتمل وجهين أحدهما يكون حيضا لأن زمان النقاء على هذا القول حيض فلا ينقص الحيض عن أقله بل الخمسة عشر حيض والثاني لا يكون حيضا لأن النقاء إنما يكون حيضا على سبيل التبع للدم والدم لم يبلغ بمجموعه أقل الحيض فلم يجعل النقاء تابعا له وإن رأت ثلاثة أيام دما ثم انقطع اثني عشر يوما ثم رأت ثلاثة أيام دما وانقطع فالأول حيض لأنها رأته في زمان إمكانه والثاني دم فساد ولا يجوز أن يجعل بتداء الحيض لأنه لم يتقدمه أقل الطهر ولا يمكن ضمه إلى ما رأته قبل الخمسة عشر لأنه خارج عن الخمسة عشر وإن رأت دون اليوم دما ثم انقطع إلى تمام الخمسة عشر يوما ثم رأت ثلاثة أيام دما فإن الحيض هو الثاني والأول ليس بحيض لأنه لا يمكن إضافته إلى ما بعد الخمسة عشر ولا يمكن أن يجعل بانفراده حيضا لأنه دون أقل الحيض فصل اشتراك دموي النفاس والحيض في الحكم دم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض ويسقط ما يسقطه الحيض لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل فكان حكمه حكم الحيض فإن خرج قبل الولادة شيء لم يكن نفاسا وإن خرج بعد الولادة كان نفاسا وإن خرج مع الولد ففيه وجهان أحدهما أنه ليس بنفاس لأنه ما لم ينفصل جميع الولد فهي في حكم الحامل ولهذا يجوز للزوج رجعتها فصار كالدم الذي تراه في حال الحمل
وقال أبو إسحاق وأبو العباس بن أبي أحمد بن القاص هو نفاس لأنه دم انفصل بخروج الولد فصار كالخارج بعد الولادة وإن رأت الدم قبل الولادة خمسة أيام ثم ولدت ورأت الدم فإن الخارج بعد الولادة نفاس وأما الخارج قبله ففيه وجهان من أصحابنا من قال هو ستحاضة لأنه لا يجوز أن يتوالى حيض ونفاس من غير طهر كما لا يجوز أن يتوالى حيضتان من غير طهر ومنهم من قال إذا قلنا إن الحامل تحيض فهو حيض لأن الولد يقوم مقام الطهر في الفصل وأكثر النفاس ستون يوما وقال المزني أربعون يوما والدليل على ما قلناه ما روي عن الأوزاعي أنه قال عندنا امرأة ترى النفاس شهرين وعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطأة أن النفاس ستون يوما وليس لأقله حد وقد تلد المرأة ولا ترى الدم وروي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر نفاسا فسميت ذات الجفوف فإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه أحدها يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبر المدة منه كما لو كان وحده والثاني يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس كالدم الذي تراه قبل الولادة والثالث أن يعتبر بتداء المدة من الأول ثم يستأنف المدة من الثاني لأن كل واحد منهما سبب للمدة فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما كما لو وطىء امرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة فإن رأت دم النفاس ساعة ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم يوما وليلة ففيه وجهان أحدهما أن الأول نفاس والثاني حيض وما بينهما طهر والوجه الثاني أن الجميع ( نفاس لأن الجميع ) وجد في مدة النفاس وفيما بينهما القولان في التلفيق وإن نفست المرأة وعبر الدم الستين ( يوما ) فحكمها حكم الحيض إذا عبر الخمسة عشر يوما في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه وكذلك في الرد عند الإشكال فإن كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام وتطهر خمسة عشر يوما فإن شهرها عشرون يوما فإن ولدت في وقت حيضها ورأت عشرين يوما الدم ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم بعد ذلك واتصل وعبر الخمسة عشر كان حيضها وطهرها على عادتها فتكون نفساء في مدة العشرين وطاهرا في مدة الخمسة عشر وحائضا في الخمسة أيام بعدها وإن كانت عادتها أن تحيض عشرة أيام وتطهر عشرين يوما فإن شهرها ثلاثون يوما فإن ولدت في وقت حيضها فرأت عشرين يوما دما وانقطع وطهرت شهرين ثم رأت الدم بعد ذلك وعبر الخمسة عشر فإن حيضها لم يتغير بل هي في الحيض على عادتها ولكن زاد طهرها فصار شهرين بعدما كان عشرين يوما فتكون نفساء في العشرين الأولى وطاهرا في الشهرين بعدها وحائضا في العشر التي بعدها فصل في صنيع المستحاضة ويجب على المستحاضة أن تغسل الدم وتعصب الفرج وتستوثق بالشد والتلجم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش رضي الله عنها أنعت لك الكرسف فقالت إنه أكثر من ذلك فقال تلجمي فإن استوثقت ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد لم تبطل صلاتها لما روت عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي حتى يجيء ذلك الوقت وإن قطر الدم على الحصير ولا تصلي بطهارة أكثر من فريضة لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ويجوز أن تصلي ما شاءت من النوافل لأن النوافل تكثر فلو ألزمناها أن تتوضأ لكل نافلة شق عليها ولا يجوز أن تتوضأ لفرض الوقت قبل الدخول لأنه طهارة ضرورة فلا يجوز قبل وقت الضرورة
فإن توضأت في أول الوقت وأخرت الصلاة فإن كان لسبب يعود إلى مصلحة الصلاة كانتظار الجماعة وستر العورة والإقامة صحت صلاتها وإن كان لغير ذلك ففيه وجهان أحدهما أن صلاتها باطلة لأنها تصلي مع نجاسة يمكن حفظ الصلاة منها والثاني تصح لأنه وسع في الوقت فلا يضيق عليها فأن أخرتها حتى خرج الوقت لم يجز أن تصلي به لأنه لا عذر لها في ذلك ومن أصحابنا من قال يجوز أن تصلي بعد خروج الوقت لأنا لو منعناها من ذلك صارت طهارتها مقدرة بالوقت وذلك لا يجوز عندنا وإن دخلت في الصلاة ثم انقطع دمها ففيه وجهان أحدهما لا تبطل صلاتها كالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة والثاني تبطل لأن عليها طهارة حدث وطهارة نجس ولم تأت عن طهارة النجس بشيء وقد قدرت عليها فلزمها الإتيان بها وإن انقطع دمها قبل الدخول في الصلاة لزمها غسل الدم وإعادة الوضوء فإن لم تفعل حتى عاد الدم فإن كان عوده بعد الفراغ من الصلاة لا تصح صلاتها لأنه اتسع الوقت للوضوء والصلاة من غير حدث ولا نجس وإن كان عود الدم قبل الفراغ من الصلاة ففيه وجهان أحدهما أنها تصح لأنا تيقنا بعود الدم أن الانقطاع لم يكن له حكم لأنه ( قدر ) لا يصلح للطهارة والصلاة والثاني وهو الأصح أن صلاتها باطلة لأنها استفتحت الصلاة وهي ممنوعة منها فلم تصح بالتبين كما لو استفتح لابس الخف الصلاة وهو شاك في انقضاء مدة المسح ثم تبين أن المدة لم تنقض فصل في سلسي البول والمذي وسلس البول وسلس المذي حكمهما حكم المستحاضة فيما ذكرناه ومن به ناصور أو جرح يجري منه الدم حكمهما حكم الاستحاضة في غسل النجاسة عند كل فريضة لأنها نجاسة متصلة لعلة فهو كالاستحاضة باب إزالة النجاسة النجاسة هي البول والغائط والقيء والمذي والودي ومني غير الآدمي والدم والقيح وماء القروح والعلقة والميتة والخمر والنبيذ والكلب والخنزير وما توالد منهما وما توالد من أحدهما ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ورطوبة فرج المرأة وما تنجس بذلك فأما البول فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه وأما الغائط فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والمذي والدم والقيء وأما سرجين البهائم وذرق الطيور فهو كالغائط في النجاسة لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس فعلل نجاستها بأنه ركس والركس الرجيع وهذا رجيع فكان نجسا ولأنه خارج من الدبر أحالته الطبيعة فكان نجسا كالغائط وأما القيء فهو نجس لحديث عمار ولأنه طعام استحال في الجوف إلى النتن والفساد فكان نجسا كالغائط وأما المذي فهو نجس لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال كنت رجلا مذاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة ولأنه خارج من سبيل الحدث لا يخلق منه طاهر فهو كالبول وأما الودي فهو نجس لما ذكرت من العلة ولأنه يخرج مع البول فكان حكمه حكم البول وأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولو كان نجسا لما انعقدت معه الصلاة ولأنه مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالطين وأما مني غير الآدمي ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الجميع طاهر إلا مني الكلب والخنزير لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أصله فكان طاهرا كالبيض ومني الآدمي والثاني أن الجميع نجس لأنه من فضول الطعام المستحيل وإنما حكم بطهارته من الآدمي لحرمته وكرامته كما أحل لبنه مع كونه لا يؤكل لحرمته وكرامته وهذا لا يوجد في غيره والثالث ما أكل لحمه فمنيه طاهر كلبنه وما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس كلبنه وأما الدم فهو نجس لحديث عمار وفي دم السمك وجهان أحدهما أنه نجس كغيره
والثاني أنه طاهر لأنه ليس بأكثر من الميتة وميتة السمك طاهرة فكذلك دمه وأما القيح فهو نجس لأنه دم استحال إلى النتن فإذا كان الدم نجسا فالقيح أولى وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس كالقيح وإن لم يكن له رائحة فهو طاهر كرطوبة البدن ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما أنه طاهر كالعرق والثاني أنه نجس لأنه تحلل بعلة فهو كالقيح وأما العلقة ففيها وجهان قال أبو إسحاق هي نجسة لأنه دم خارج من الرحم فهو كالحيض وقال أبو بكر الصيرفي هي طاهرة لأنه دم غير مسفوح فهو كالكبد والطحال فأما الميتة سوى السمك والجراد والآدمي فهي نجسة للآية لأنها محرمة الأكل من غير ضرر فكانت نجسة كالدم وأما السمك والجراد فهما طاهران لأنه يحل أكلهما ولو كانا نجسين لم يحل أكلهما وأما الآدمي ففيه قولان أحدهما أنه نجس لأنه ميت لا يحل أكله فكان نجسا كسائر الميتات والثاني أنه طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ولأنه لو كان نجسا لما غسل كسائر الميتات وأما الخمر فهو نجس لقوله عز وجل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ولأنه يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسا كالدم وأما النبيذ فهو نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة فكان نجسا كالخمر وأما الكلب فهو نجس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار فأجاب ودعي إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك فقال ( إن في دار فلان كلبا ) فقيل وفي دار فلان هرة فقال ( الهرة ليست بنجسة ) فدل على أن الكلب نجس وأما الخنزير فهو نجس لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه ومنصوص على تحريمه فإذا كان الكلب نجسا فالخنزير أولى وأما ما توالد منهما أو من أحدهما فهو نجس لأنه مخلوق من نجس ( فكان ) مثله وأما لبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري هو طاهر لأنه حيوان طاهر فكان لبنه طاهرا كالشاة والبقرة والمنصوص أنه نجس لأن اللبن كاللحم المذكى بدليل أنه يتناول من الحيوان ويؤكل كما يتناول اللحم المذكى ولحم ما لا يؤكل نجس فكذلك لبنه وأما رطوبة فرج المرأة فالمنصوص أنها نجس لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة فكانت نجسة ومن أصحابنا من قال هي طاهرة كسائر رطوبات البدن وأما ما ينجس بذلك فهي الأعيان الطاهرة إذا لاقاها شيء من هذه النجاسات وأحدهما رطب والآخر يابس فينجس بملاقاتها فصل فيما يطهر بالاستحالة ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ وقد دللنا عليه في موضعه والثاني الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال لا يحل خل من خمر أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها فعند ذلك يطيب الخل ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ما لم يتعمدوا إلى إفساده ولأنه إنما حكم بتحريمها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها فوجب أن يحكم بطهارتها وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر لما روي أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها قال أفلا أخللها قال ( لا ) فنهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز ولأنه لو جاز لندبه إليه لما فيه من إصلاح مال اليتيم ولأنه إذا طرح فيها الخل نجس الخل فإذا زالت الشدة المطربة بقيت نجاسة الخل النجس فلم تطهر فإن نقلها من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس حتى تخللت ففيه وجهان أحدهما تطهر لأن الشدة قد زالت من غير نجاسة خلفتها والثاني لا تطهر لأنه فعل محظور توصل به إلى استعجال ما يحل في الثاني فلم يحل كما لو قتل مورثه أو نفر صيدا حتى خرج من الحرم إلى الحل
وإن أحرق العذرة أو السرجين حتى صار رمادا لم يطهر لأن نجاستهما لعينهما وتخالف الخمر فإن نجاستها لمعنى معقول وقد زال ذلك وأما دخان النجاسة إذا أحرقت ففيه وجهان أحدهما أنه نجس لأنه أجزاء متحللة من النجاسة فهو كالرماد والثاني أنه ليس بنجس لأنه بخار نجاسة فهو كالبخار الذي يخرج من الجوف فصل في كيف الطهارة من ولوغ الكلب وإذا ولغ الكلب في إناء أو أدخل عضوا منه فيه وهو رطب لم يطهر الإناء حتى يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب فعلق طهارته بسبع مرات فدل على أنه لا يطهر بما دونه والأفضل أن يجعل التراب في غير السابعة ليرد عليه ما ينظفه وفي أيها جعل جاز لعموم الخبر وإن جعل بدل التراب الجص أو الأشنان وما أشبههما ففيه قولان أحدهما لا يجزئه لأنه تطهير نص فيه على التراب فاختص به كالتيمم والثاني أنه يجزئه لأنه تطهير نجاسة نص فيه على جامد فلم يختص به كالاستنجاء والدباغ وفي موضع القولين وجهان أحدهما أن القولين في حال عدم التراب فأما مع وجود التراب فلا يجوز بغيره قولا واحدا والثاني أن القولين في الأحوال كلها لأنه جعله في أحد القولين كالتيمم وفي الآخر جعله كالاستنجاء والدباغ وفي الأصلين جميعا لا فرق بين وجود المنصوص عليه وبين عدمه وإن غسل بالماء وحده ففيه وجهان أحدهما أنه يجزئه لأن الماء أبلغ من التراب فهو بالجواز أولى والثاني لا يجزئه لأنه أمر بالتراب ليكون معونة للماء لتغلظ النجاسة وهذا لا يحصل بالماء وحده وإن ولغ كلبان ففيه وجهان أحدهما أنه يجب لكل كلب سبع مرات كما أمر في بول الرجل بذنوب ثم يجب في بول رجلين ذنوبان والثاني أنه يجزئه للجميع سبع مرات وهو المنصوص في حرملة لأن النجاسة لا تتضاعف بعدد الكلب بخلاف البول وإن ولغ الكلب في إناء ووقعت فيه نجاسة أخرى أجزأه سبع مرات للجميع لأن الطهارة تتداخل ولهذا لو وقع فيه بول ودم أجزأه لهما غسل مرة واحدة وإن أصاب الثوب من ماء الغسلات ففيه وجهان أحدهما يغسل من كل غسلة مرة لأن كل غسلة تزيل سبع النجاسة فيغسل منه بقدر السبع والثاني حكمه حكم الإناء الذي انفصل عنه لأن المنفصل كالبلل الباقي في الإناء وذلك لا يطهر إلا بما بقي من العدد فكذلك المنفصل فإن جمع ماء الغسلات ففيه وجهان أحدهما أن الجميع طاهر لأنه ماء انفصل من الإناء وهو طاهر والثاني أنه نجس وهو الصحيح لأن السابع طاهر والباقي نجس فإذا اختلط بعضه ببعض ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسا فصل وإن ولغ الخنزير فقد قال ابن القاص قال في القديم يغسل مرة واحدة وقال سائر أصحابنا يحتاج إلى سبع مرات وقوله في القديم مطلق لأنه قال يغسل وأراد به سبع مرات والدليل عليه أن الخنزير أسوأ حالا من الكلب على ما بيناه فهو باعتبار العدد أولى فصل ويجزىء في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضح وهو أن يبله بالماء وإن لم ينزل عنه ولا يجزىء في بول الصبية إلا الغسل لما روى عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الرضيع يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام فصل وما سوى ذلك من النجاسات
ينظر فيها فإن كانت جامدة كالعذرة أزيلت ثم غسل موضعها على ما بينته وإن كانت ذائبة كالبول والدم والخمر فإنه يستحب أن يغسل منه ثلاثا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فندب إلى الثلاث الشك في النجاسة فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن ويجوز الاقتصار على غسل مرة واحدة لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل الثوب من البول سبع مرات فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة والغسل الواجب في ذلك أن يكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه فإن كانت النجاسة على الأرض أجزأته المكاثرة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في بول الأعرابي بذنوب من ماء وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول ويستهلك فيه وقال أبو سعيد الاصطخري وأبو القاسم الأنماطي الذنوب تقدير فيجب في بول واحد ذنوب وفي بول اثنين ذنوبان والمذهب أن ذلك ليس بتقدير لأن ذلك يؤدي ألى أن يطهر البول الكثير من الرجل بذنوب وما دون ذلك من رجلين لا يطهر إلا بذنوبين وإن كانت النجاسة على الثوب ففيه وجهان أحدهما تجزىء فيه المكاثرة كالأرض والثاني لا تجزىء حتى يراق ما فيه ثم يغسل لقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب يلغ في الإناء فليهرقه ثم ليغسله سبع مرات وإن كانت النجاسة خمرا فغسلها وبقيت الرائحة ففيه قولان أحدهما لا يطهر كما لو بقي اللون والثاني يطهر لأن الخمر لها رائحة شديدة فيجوز أن يكون لقوة رائحتها تبقى الرائحة من غير جزء من النجاسة وإن كانت النجاسة دما فغسله فلم يذهب الأثر أجزأه لما روى أن خولة بنت يسار قالت يا رسول الله أرأيت لو بقي أثر فقال صلى الله عليه وسلم الماء يكفيك ولا يضرك أثره وإن كان الثوب نجسا فغمسه في إناء فيه دون القلتين من الماء نجس الماء ولا يطهر الثوب ومن أصحابنا من قال إن قصد إزالة النجاسة لم ينجسه وليس بشيء لأن القصد لا يعتبر في إزالة النجاسة ولهذا يطهر بماء المطر وبغسل المجنون قال أبو العباس بن القاص إذا كان ثوب كله نجس فغسل بعضه في جفنة ثم عاد فغسل ما بقي لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة لأنه إذا صب على بعضه ماء ورد جزء من البعض الآخر على الماء فنجسه وإذا نجس الماء نجس الثوب فصل إذا أصاب الأرض نجاسة ذائبة في موضع ضاح فطلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح فذهب أثرها ففيه قولان قال في القديم يطهر لأنه لم يبق شيء من النجاسة فهو كما غسل بالماء وقال في الأم لا يطهر وهو الأصح لأنه محل نجس فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس وإن طبخ اللبن الذي خلط بطينه السرجين لم يطهر لأن النار لا تطهر النجاسة وقال أبو الحسن بن المرزبان إذا غسل طهر ظاهره فتجوز الصلاة عليه ولا تجوز الصلاة فيه لأن ما فيه من السرجين كالزئبر في الثوب فيحترق بالنار ولهذا يتثقب موضعه وإذا غسل طهر فجازت الصلاة عليه والمذهب الأول وإذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه على الأرض نظرت فإن كانت النجاسة رطبة لم يجز وإن كانت يابسة ففيه قولان قال في الجديد لا يجوز حتى يغسله لأنه ملبوس نجس فلا يجزىء فيه المسح كالثوب وقال في الإملاء والقديم يجوز لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر نعليه فإن كانت خبث فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما ولأنه تتكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه المسح كموضع الاستجناء كتاب الصلاة
الصلوات المكتوبات خمس لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات كتبهن الله عليك في اليوم والليلة فقال هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع فصل في شروط وجوب الصلاة ولا يجب ذلك إلا على مسلم بالغ عاقل طاهر فأما الكافر فإن كان أصليا لم تجب عليه وإذا أسلم لم يخاطب بقضائها لقوله عز وجل قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيرا عن الإسلام فعفي عنه وإن كان مرتدا وجبت عليه وإذا أسلم لزمه قضاؤها لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولا يجب عليه القضاء إذا بلغ لأن زمان الصغر يطول فلو أوجبنا القضاء لشق فعفي عنه وأما من زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض فلا تجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة فنص على المجنون وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح ومن زال عقله بمحرم كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله وجب عليه القضاء إذا أفاق لأنه زال عقله بمحرم فلم يسقط عنه الفرض وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما فعل الصلاة لما ذكرناه في باب الحيض فإن جن في حال الردة ففاته صلوات لزمه قضاؤها وإن حاضت المرأة في حال الردة ففاتها صلوات لم يلزمها قضاؤها لأن سقوط الصلاة عن المجنون للتخفيف والمرتد لا يستحق التخفيف وسقوط الصلاة عن الحائض عزيمة ليس لأجل التخفيف والمرتد من أهل العزائم فصل فيمن يؤمر بالصلاة ولا يؤمر أحد ممن لا يجب عليه فعل الصلاة بفعلها إلا الصبي فإنه يؤمر بفعلها لسبع ويضرب على تركها لعشر لما روى سمرة الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علمو الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر فإن دخل في الصلاة ثم بلغ في أثنائها قال الشافعي رحمه الله تعالى أحببت أن يتم ويعيد ولا يبين لي أن عليه الإعادة قال أبو إسحاق يلزمه الإتمام ويستحب له أن يعيد وقوله أحببت يرجع إلى الجمع بين الإتمام والإعادة وهو الظاهر من المنصوص والدليل عليه أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلزمه الإتمام ولا يلزمه أن يعيد لأنه صلى الواجب بشروطه فلا يلزمه الإعادة وعلى هذا لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره أجزأه ذلك عن الفرض لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا يلزمه الإعادة وحكي عن أبي العباس مثل قول أبي إسحاق وحكي عنه أنه قال يستحب الإتمام وتجب الإعادة فعلى هذا إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره لزمه أن يعيد لأن ما صلى قبل البلوغ نفل فاستحب إتمامه ويلزمه أن يعيد لأنه أدرك وقت الفرض ولم يأت به فلزمه أن يأتي به ومن أصحابنا من قال إن خرج منها ثم بلغ ولم يبق من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لم يلزمه الإعادة وإن بقي من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لزمه الإعادة وهذا غير صحيح لأنه لو وجبت الإعادة إذا بقي من الوقت قدر الصلاة لوجبت الإعادة إذا أدرك من الوقت مقدار ركعة فصل في حكم تارك الصلاة ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحدا لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل
وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل المصلين ولأنها إحدى دعائم الإسلام لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين ومتى يقتل فيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخري يقتل بترك الصلاة الرابعة إذا ضاق وقتها فيقال له إن صليت وإلا قتلناك لأنه يجوز أن يكون ما دون ذلك تركه لعذر وقال أبو إسحاق يقتل بترك الصلاة الثانية إذا ضاق وقتها فيقال له إن صليت وإلا قتلناك ويستتاب كما يستتاب المرتد لأنه ليس بأعظم من المرتد وفي استتابة المرتد قولان أحدهما ثلاثة أيام والثاني يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل وكيف يقتل المنصوص أنه يقتل ضربا بالسيف وقال أبو العباس لا يقصد قتله لكن يضرب بالخشب وينخس بالسيف حتى يصلي أو يموت كما يفعل بمن قصد النفس أو المال ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفره ومن أصحابنا من قال يكفر بتركها لقوله صلى الله عليه وسلم بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر والمذهب الأول والخبر متأول باب مواقيت الصلاة أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون للشخص عند الزوال والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمني جبريل عليه السلام عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل شيء مثله فصل في وقت العصر وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وصلى بي جبريل العصر حين كان ظل كل شيء مثله ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل شيء مثليه ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والأداء إلى غروب الشمس وقال أبو سعيد الإصطخري إذا صار ظل كل شيء مثليه فاتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لما روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى فصل في وقت المغرب وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لما روي أن جبريل عليه السلام صلى المغرب حين غابت الشمس وأفطر الصائم وليس لها إلا وقت واحد وهو بمقدار ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم الصلاة ويدخل فيها فإن أخر الدخول عن هذا الوقت أثم لما روى بن عباس أن جبريل عليه السلام صلى في المرة الأخيرة كما صلاها في المرة الأولى ولم يغير ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين في سائر الصلوات فإن دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز له أن يستديمها أكثر من قدر ثلاث ركعات لأن جبريل عليه السلام صلى ثلاث ركعات والثالث أن له أن يصلي مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لأنه لا يكون مؤخرا في هذا القدر ويكون مؤخرا فيما زاد عليه ويكره أن يسمي صلاة المغرب العشاء لما روى عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب ويقول الأعراب العشاء فصل في وقت العشاء وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وهو الحمرة وقال المزني الشفق البياض والدليل عليه أن جبريل عليه السلام صلى العشاء الأخيرة حين غاب الشفق والشفق هو الحمرة والدليل عليه ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق ولأنها صلاة تتعلق بإحدى النيرين المتفقين في الاسم الخاص فتعلقت بأظهرهما وأنورهما كالصبح
وفي آخره قولان قال في الجديد إلى ثلث الليل لما روي أن جبريل عليه السلام صلى في المرة الأخيرة العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل وقال في القديم و الإملاء إلى نصف الليل لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني وقال أبو سعيد الإصطخري إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء والمذهب الأول لما رويناه من حديث أبي قتادة ويكره أن يسمى العشاء العتمة لما روى بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم قال ابن عيينة إنها العشاء وإنهم يعتمون بالإبل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو هريرة قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها فصل في وقت الصبح ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق الذي يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخره إذا أسفر الصبح لما روي أن جبريل عليه السلام صلى الصبح حين طلع الفجر وصلى من الغد حين أسفر ثم التفت وقال هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك وفيما بين هذين وقت ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى ( حين ) طلوع الشمس وقال أبو سعيد الإصطخري يذهب الوقت وما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لحديث أبي قتادة ويكره أن تسمى صلاة الغداة لأن الله تعالى سماها بالفجر فقال تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فقال من أدرك ركعة من الصبح فقد أدركها فصل في وجوب الصلاة في أول الوقت وتجب الصلاة في أول الوقت لأن الأمر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه والأفضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لما روى عبد الله قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال الصلاة في أول وقتها ولأن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها قال الشافعي رحمه الله ومن المحافظة عليها تقديمها في أول الوقت لأنه إذا أخرها عرضها للنسيان وحوادث الزمان وأما الظهر فإنه إن كان في غير حر شديد فتقديمها أفضل لما ذكرناه وإن كان في حر شديد ويصلي في جماعة في موضع يقصده الناس من البعد فالمستحب إلابراد بها بمقدار ما يحصل فيء يمشي فيه القاصد إلى الصلاة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم وفي صلاة الجمعة وجهان أحدهما أنها كالظهر لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شتد البرد بكر بها وإذا اشتد الحر أبرد بها والثاني أن تقديمها أفضل بكل حال لأن الناس لا يتأخرون عنها لأنهم قد ندبوا إلى التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه وأما العشاء ففيها قولان قال في القديم والإملاء تقديمها أفضل وهو الأصح لما ذكرناه في سائر الصلوات وقال في الجديد تأخيرها أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة فصل في الصلاة الوسطى وآكد الصلاة في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لأن الله عز وجل خصها بالذكر فقال والصلاة الوسطى والصلاة الوسطى هي الصبح والدليل عليه أن الله تعالى قال وقوموا لله قانتين فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح ولأن الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة عليها حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خصت بالتثويب فدل على ما قلناه فصل في جواز تأخير الصلاة إلى آخر وقتها ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس فسمح لهم بالتأخير
فإن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول أبي علي بن خيران أنه يكون مؤديا للجميع لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أصحابنا من قال يكون مؤديا لما صلى في الوقت قاضيا لما صلى بعد خروج الوقت عتبارا بما أدركه من الوقت وبما صلى بعد خروج الوقت فصل من له تأخير الصلاة ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها إلا نائم أو ناس أو مكره أو من يؤخرها للجمع لعذر السفر والمطر لقوله صلى الله عليه وسلم ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى فنص على النائم وقسنا عليه الناسي والمكره لأنهما في معناه وأما من يؤخرها لسفر أو مطر فإنا نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى فصل فيمن زال عنه مانع الصلاة من آخر الوقت إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فإن بقي من الوقت دون الركعة ففيه قولان روى المزني عنه أنه لا يلزمه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولأن بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا وقال في كتاب استقبال القبلة يلزمه بقدر تكبيرة لأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة وتخالف الجمعة فإنه إدراك فعل فاعتبر فيه الركعة وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة وأما الصلاة التي قبلها فينظر فيها فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزمه ما قبلها لأن ذلك ليس بوقت لما قبلها وإن كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان أحدهما ركعة والثاني تكبيرة والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتا لها في حقهم وقال في القديم فيه قولان أحدهما يجب بركعة وطهارة والثاني يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات أربع للظهر وركعة للعصر وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب وركعة للعشاء لأن الوقت عتبر لإدراك الصلاتين فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى وغلط أبو إسحاق في هذا فقال أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر لأن العصر تجب بركعة فدل على أن الأربع للظهر وخرج أبو إسحاق في المسألة قولا خامسا أنه يدرك الظهر والعصر بمقدار إحدى الصلاتين وتكبيرة فصل فيمن طرأ عليه العذر بعد أول الوقت وأما إذا أدرك جزءا من أول الوقت ثم طرأ العذر بأن كان عاقلا في أول الوقت ثم جن أو طاهرة فحاضت نظرت فإن لم يدرك ما يتسع لفرض الوقت سقط الوجوب ولم يلزمه القضاء وقال أبو يحيى البلخي حكمه حكم آخر الوقت فيلزمه في أحد القولين بركعة وفي الثاني بتكبيرة والمذهب الأول لأنه لم يتمكن من فعل الفرض فسقط وجوبه كما لو هلك النصاب بعد الحول وقبل التمكن من الأداء ويخالف آخر الوقت فإنه يمكنه أن يبني ما بقي على ما أدرك بعد خروج الوقت فيلزمه وإن أدرك من الوقت ما يسع الفرض ثم طرأ الجنون أو الحيض استقر الوجوب ولزمه القضاء إذا زال العذر وحكي عن أبي العباس أنه قال لا يستقر حتى يدرك آخر الوقت
والمذهب الأول لأنه وجب عليه وتمكن من أدائه فأشبه إذا وجبت الزكاة وتمكن من أدائها فلم يخرج حتى هلك المال وأما الصلاة التي بعدها فإنها لا تلزمه وقال أبو يحيى البلخي تلزمه العصر بإدراك وقت الظهر وتلزمه العشاء بإدراك وقت المغرب لأن وقت الأولى وقت الثانية في حال الجمع كما أن وقت الثانية وقت الأولى في حال الجمع فإذا لزمته الأولى بإدراك وقت الثانية لزمته الثانية بإدراك وقت الأولى والمذهب الأول لأن وقت الأولى وقت الثانية على سبيل التبع ولهذا لا يجوز فعل الثانية حتى تقدم الأولى بخلاف وقت الثانية فإنه وقت الأولى لا على وجه التبع ولهذا يجوز فعلها قبل الثانية فصل في قضاء الفائتة ومن وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها لقوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها والمستحب أن يقضيها على الفور للحديث الذي ذكرناه وإن أخرها جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي ولو كانت على الفور لما أخرها وقال أبو إسحاق إن تركها لغير عذر لزمه قضاؤها على الفور لأنه مفرط في التأخير وإن فاتته صلوات فالمستحب أن يقضيها على الترتيب لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاها على الترتيب فإن قضاها من غير ترتيب جاز لأنه ترتيب استحق للوقت فسقط بفوات الوقت كقضاء الصوم وإن ذكر الفائتة وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة لزمه أن يبدأ بالحاضرة لأن الوقت تعين لها فوجب البداية بها كما لو حضره رمضان وعليه صوم رمضان آخر ولأنه إذا أخر الحاضرة فاتت فوجب البداية بها وإن نسي صلاة ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات وقال المزني يلزمه أن يصلي أربع ركعات وينوي الفائتة ويجلس في ركعتين ثم يجلس في الثالثة ثم يجلس في الرابعة ويسلم وهذا غير صحيح لأن تعيين النية شرط في صحة الصلاة ولا يحصل ذلك إلا بأن يصلي خمس صلوات بخمس نيات باب الأذان والإقامة الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ستشار المسلمين فيما يجمعهم على الصلاة فقالوا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكر الناقوس فكرهه من أجل النصارى فأري تلك الليلة عبد الله بن زيد النداء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن به وهو أفضل من الإمامة ومن أصحابنا من قال الإمامة أفضل لأن الأذان إنما يراد للصلاة فكان القيام بأمر الصلاة أولى من القيام بما يراد لها والأول أصح لقوله عز وجل ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا قالت عائشة رضي الله عنها نزلت في المؤذنين ولقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين والأمناء أحسن حالا من الضمناء وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لو كنت مؤذنا لما باليت ألا أجاهد ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام فإن تنازع جماعة في الأذان وتشاحوا أقرع بينهم لقوله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في النداء أو الصف الأول ثم لا يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا فصل في حكم الأذان والإقامة وهما سنتان ومن أصحابنا من قال هما فرض من فروض الكفاية فإن اتفق أهل بلد أو أهل صقع على تركهما قوتلوا عليه لأنه من شعار الإسلام فلا يجوز تعطيله وقال أبو علي بن خيران وأبو سعيد الإصطخري هو سنة إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفاية فيها لأنه لما اختصت الجمعة بوجوب الجماعة اختصت بوجوب الدعاء إليها والمذهب الأول لأنه دعاء إلى الصلاة فلا يجب كقوله الصلاة جامعة فصل في حكمهما للفوائت
وهل يسن للفوائت فيه ثلاثة أقوال قال في الأم يقيم لها ولا يؤذن والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري قال حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله تعالى وكفى الله المؤمنين القتال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها وأحسن كما تصلى في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ولأنه للإعلام بالوقت وقد فات الوقت والإقامة تراد لافتتاح الصلاة وذلك موجود قال في القديم يؤذن ويقيم للأولى وحدها ويقيم للتي بعدها والدليل عليه ما روى ( عبد الله ) بن مسعود أن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن ثم أقام وصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء ولأنهما صلاتان جمعهما في وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بأذان وإقامتين وقال في الإملاء إن أمل جتماع الناس أذن وأقام وإن لم يؤمل أقام والدليل عليه أن الأذان يراد لجمع الناس فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه وإذا أمل كان له وجه قال أبو إسحاق وعلى هذا القول للصلاة الحاضرة أيضا إذا أمل الاجتماع لها أذن وأقام وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن فإن جمع بين صلاتين فإن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى وأقام للثانية كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين لأن الأولى قد فات وقتها والثانية تابعة لها وقد بينا حكم الفوائت فصل في الأذان قبل الوقت ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت لأنه يراد بها الإعلام بالوقت فلا يجوز قبله وأما الصبح فيجوز أن يؤذن لها بعد نصف الليل لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا وشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم ولأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام وفيهم الجنب والمحدث فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهب الناس للصلاة ويخالف سائر الصلوات فإنه يدخل وقتها والناس مستيقظون فلا يحتاج إلى تقديم الأذان وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا تجوز قبل الوقت فصل في تعداد كلمات الأذان والإقامة والأذان تسع عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم يرجع فيمد صوته فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لما روى أبو محذورة قال ألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين بنفسه فقال قل الله أكبر الله أكبر فذكر نحو ما قلناه فإن كان في أذان الصبح زاد فيه التثويب وهو أن يقول بعد الحيعلة الصلاة خير من النوم مرتين وكره ذلك في الجديد وصليت وقال أصحابنا يسن ذلك قولا واحدا فإنه إنما كره ذلك في الجديد لأن أبا محذورة لم يحكه وقد صح ذلك في حديث أبي محذورة أنه قال له حي على الفلاح الصلاة خير من النوم ( الصلاة خير من النوم ) الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وأما الإقامة فإنها إحدى عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وقال في القديم الإقامة مرة مرة لأنه لفظ في الإقامة فكان فرادى كالحيعلة
والأول أصح لما روى أنس رضي الله عنه قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ولأن سائر ألفاظ الإقامة إلا الإقامة قد قضي حقه في أول الأذان فأعيدت على النقصان كآخر الأذان ولفظ الإقامة لم يقض حقه في الأذان فلم يلحقه النقصان فصل فيمن يصح أذانه ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل فأما الكافر والمجنون فلا يصح أذانهما لأنهما ليسا من أهل العبادات ويصح من الصبي العاقل لأنه من أهل العبادات ويكره للمرأة أن تؤذن ويستحب لها أن تقيم لأن في الأذان ترفع الصوت وفي الإقامة لا ترفع الصوت فإن أذنت للرجال لم يعتد بأذانها لأنه لا تصح إمامتها للرجال فلا يصح تأذينها لهم فصل فيما يستحب في المؤذن ويستحب أن يكون المؤذن حرا بالغا لما روى بن عباس رضي الله عنه مرفوعا يؤذن لكم خياركم وقال عمر رضي الله عنه لرجل من مؤذنوكم فقالوا موالينا أو عبيدنا فقال إن ذلك لنقص كبير والمستحب أن يكون عدلا لأنه أمين على المواقيت ولأنه يؤذن على موضع عال فإذا لم يكن أمينا لم يؤمن أن ينظر إلى العورات وينبغي أن يكون عارفا بالمواقيت لأنه إذا لم يعرف ذلك غر الناس بأذانه والمستحب أن يكون من ولد من جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأذان فيهم أو من الأقرب فالأقرب إليهم لما روى أبو محذورة قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة والمستحب أن يكون صيتا لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أبا محذورة لصوته ويستحب أن يكون حسن الصوت لأنه أرق لسامعيه ويكره أن يكون المؤذن أعمى لأنه ربما غلط في المواقيت فإن كان معه بصير لم يكره لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن مع بلال والمستحب أن يكون على طهارة لما روى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق وسنة أن لا يؤذن لكم أحد إلا وهو طاهر ولأنه إذا لم يكن على طهارة انصرف لأجل الطهارة فيجيء من يريد الصلاة فلا يرى أحدا فينصرف والمستحب أن يكون على موضع عال لأن الذي رآه عبد الله بن زيد كان على جذم حائط ولأنه أبلغ في الإعلام والمستحب أن يؤذن قائما لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بلال قم فناد ولأنه أبلغ في الإعلام فإن كان مسافرا وهو راكب أذن وهو قاعد كما يصلي وهو قاعد والمستحب أن يكون مستقبل القبلة فإذا بلغ إلى الحيعلة لوى عنقه يمينا وشمالا ولا يستدبر لما روى أبو جحيفة قال رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن واستقبل فلما بلغ إلى حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدبر ولأنه إذا لم يكن له بد من جهة فجهة القبلة أولى والمستحب أن يجعل إصبعيه في صماخي أذنيه لما روى أبو جحيفة قال رأيت بلالا وإصبعاه في صماخي أذنيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء ولأن ذلك أجمع للصوت والمستحب أن يترسل في الأذان ويدرج الإقامة لما روي عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس أن عمر رضي الله عنه قال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم ولأن الأذان للغائبين فكان الترسل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الإدراج فيها أشبه ويكره التمطيط وهو التمديد والتغني وهو التطريب لما روي أن رجلا قال لابن عمر إني لأحبك في الله قال وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك قال حماد التغني التطريب
والمستحب أن يرفع صوته في الأذان إن كان يؤذن للجماعة لقوله صلى الله عليه وسلم يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس ولأنه أبلغ في جمع الجماعة ولا يبالغ بحيث يشق حلقه لما روي أن عمر رضي الله عنه سمع أبا محذورة وقد رفع صوته فقال له أما خشيت أن تنشق مريطاؤك قال أحببت أن يسمع صوتي فإن أسر بالأذان لم يعتد به لأنه لا يحصل به المقصود وإن كان يؤذن لصلاته وحده لم يرفع الصوت لأنه لا يدعو غيره فلا وجه لرفع الصوت والمستحب أن يكون رفع الصوت في الإقامة دون رفع الصوت في الأذان لأن الإقامة للحاضرين ويجب أن يرتب الأذان لأنه إذا نكسه لم يعلم السامع أن ذلك أذان والمستحب ألا يتكلم في أذانه فإن تكلم لم يبطل أذانه لأنه إذا لم تبطل الخطبة بالكلام فلأن لا يبطل الأذان أولى فإن أغمي عليه وهو في الأذان لم يجز لغيره أن يبني عليه لأن الأذان من الأثنين لا يحصل به المقصود لأن السامع يظن أن ذلك على وجه اللهو واللعب فإن أفاق في الحال وبنى عليه جاز لأن المقصود يحصل به وإن رتد في الأذان ثم رجع إلى الإسلام في الحال ففيه وجهان أحدهما لا يجوز أن يبني عليه لأن ما فعله قد بطل بالردة والمذهب أنه يجوز لأن الردة إنما تبطل إذا اتصل بها الموت وههنا رجع قبل الموت فلم يبطل فصل في الذكر مع الأذان والمستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله لما روى عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة فإن سمع ذلك وهو في الصلاة لم يأت به في الصلاة فإذا فرغ أتى به وإن كان في قراءة أتى به ثم رجع إلى القراءة لأنه يفوت والقراءة لا تفوت ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سأل الله تعالى الوسيلة فيقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يسمع النداء ذلك حلت له الشفاعة يوم القيامة وإن كان الأذان للمغرب قال اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فغفر لي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تقول ذلك ويدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا والمستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة لأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن وقعد قعدة ولأنه إذا وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة فلم يحصل المقصود بالأذان ويستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى موضع غيره للإقامة لما روي في حديث عبد الله بن زيد ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال وجعلها وترا
والمستحب أن يكون المقيم هو المؤذن لأن زياد بن الحرث الصدائي أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم فإن أذن واحد وأقام غيره جاز لأن بلالا أذن وأقام عبد الله بن زيد ويستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وفي لفظ الإقامة يقول أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض لما روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك والمستحب أن يكون المؤذن للجماعة ثنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنان بلالا وابن أم مكتوم وإن حتاج إلى الزيادة جعلهم أربعة لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد كما فعل بلال وابن أم مكتوم ولأن ذلك أبلغ في الإعلام ويجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالا جاء فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر فليصل بالناس قال ابن قسيط وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل فيما يعطاه المؤذن وإذا وجد من يتطوع بالأذان لم يرزق المؤذن من بيت المال لأن مال بيت المال جعل للمصلحة ولا مصلحة في ذلك وإن لم يوجد من يتطوع ( بالأذان ) رزق من يؤذن من خمس الخمس لأن ذلك من المصالح وهل يجوز أن يستأجر فيه وجهان أحدهما لا يجوز وهو اختيار الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله لأنه قربة في حقه فلم يستأجر عليه كالإمامة في الصلاة والثاني يجوز لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال باب طهارة البدن من النجاسة وما يصلى عليه وفيه الطهارة ضربان طهارة عن حدث وطهارة عن نجس فأما الطهارة عن الحدث فهي شرط في صحة الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وقد مضى حكمها في كتاب الطهارة وأما طهارة البدن عن النجس فهي شرط في صحة الصلاة والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه والنجاسة ضربان دماء وغير دماء فأما غير الدماء فينظر فيه فإن كان قدرا يدركه الطرف لم يعف عنه لأنه لا يشق الاحتراز منه وإن كان قدرا لا يدركه الطرف ففيه ثلاث طرق أحدها أنه يعفى عنه لأنه لا يدركه الطرف فعفي عنه كغبار السرجين والثاني لا يعفى عنه لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالذي يدركه الطرف والثالث أنه على قولين أحدهما يعفى عنه والثاني لا يعفى عنه ووجه القولين ما ذكرناه وأما الدماء فينظر فيها فإن كان دم القمل والبراغيث وما أشبههما فإنه يعفى عن قليله لأنه يشق الاحتراز منه فلو لم يعف عنه شق وضاق وقد قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وفي كثيره وجهان قال أبو سعيد الإصطخري لا يعفى عنه لأنه نادر لا يشق غسله وقال غيره يعفى عنه وهو الأصح لأن هذا الجنس يشق الاحتراز منه في الغالب فألحق نادره بغالبه وإن كان دم غيرهما من الحيوان ففيه ثلاثة أقوال قال في الأم يعفى عن قليله وهو القدر الذي يتعافاه الناس في العادة لأن الإنسان لا يخلو من بثرة وحكة يخرج منها هذا القدر فعفي عنه وقال في الإملاء لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالبول وقال في القديم يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف والأول أصح فصل فيمن كان على بدنه نجاسة إذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسل به صلى وأعاد كما قلنا فيمن لم يجد ماء ولا ترابا
وإن كان على فرجه دم يخاف من غسله صلى وأعاد وقال في القديم لا يعيد لأنها نجاسة يعذر في تركها فسقط معها الفرض كأثر الاستنجاء والأول أصح لأنه صلى بنجس نادر غير معتاد متصل فلم يسقط عنه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن جبر عظمه بعظم نجس فإن لم يخف التلف من قلعه لزمه قلعه لأنها نجاسة غير معفو عنها أوصلها إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا يخاف التلف من إزالتها فأشبه إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس فإن امتنع من قلعه أجبره السلطان على قلعه لأنه مستحق عليه يدخله النيابة فإذا امتنع لزم السلطان أن يقلعه كرد المغصوب وإن خاف التلف من قلعه لم يجب قلعه ومن أصحابنا من قال ( يجب ) قلعه لأنه حصل بفعله وعدوانه فانتزع منه وإن خيف عليه التلف كما لو غصب مالا ولم يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف والمذهب الأول لأن النجاسة يسقط حكمها عند خوف التلف ولهذا يجوز أكل الميتة عند خوف التلف فكذلك ههنا وإن مات فقد قال أبو العباس يقلع حتى لا يلقى الله تعالى حاملا للنجاسة والمنصوص أنه لا يقلع لأن قلعه للعبادة وقد سقطت العبادة عنه بالموت وإن فتح موضعا من بدنه وطرح فيه دما والتحم وجب فتحه وإخراجه كالعظم في العظم ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لأن النجاسة حصلت في معدنها فصار كالطعام الذي أكله وحصل في المعدة فصل في اشتراط طهارة الثوب وأما طهارة الثوب الذي يصلي فيه فهي شرط في صحة الصلاة والدليل عليه قوله تعالى وثيابك فطهر وإن كان ومن شرب خمرا فالمنصوص في صلاة الخوف أنه يلزمه أن يتقايا لما ذكرناه على ثوبه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسل به صلى عريانا ولا يصلي في الثوب النجس وقال في البويطي وقد قيل يصلي فيه ويعيد والمذهب الأول لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض ومع النجاسة لا يسقط لأنه تجب إعادتها فلا يجوز أن يترك صلاة يسقط بها الفرض إلى صلاة لا يسقط بها الفرض وإن اضطر إلى لبس الثوب النجس لحر أو برد صلى فيه وأعاد إذا قدر لأنه صلى بنجس نادر غير متصل فلا يسقط معه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن قدر على غسله وخفي عليه موضع النجاسة لزمه أن يغسل الثوب كله ولا يتحرى فيه لأن التحري إنما يكون في عينين فإذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما رده إلى أصله وأنه طاهر بيقين وهذا لا يوجد في الثوب الواحد وإن شقه نصفين لم يتحر فيه لأنه يجوز أن يكون الشق في موضع النجاسة فتكون القطعتان نجستين وإن كان معه ثوبان وأحدهما طاهر والآخر نجس واشتبها عليه تحرى وصلى في الطاهر على الأغلب عنده لأنه شرط من شروط الصلاة يمكنه التوصل إليه بالاجتهاد فيه فجاز التحري فيه كالقبلة وإن جتهد ولم يؤده الاجتهاد إلى طهارة أحدهما صلى عريانا وأعاد لأنه صلى عريانا ومعه ثوب طاهر بيقين وإن أداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما ونجاسة الآخر فغسل النجس عنده جاز أن يصلي في كل واحد منهما فإن لبسهما معا وصلى فيهما ففيه وجهان قال أبو إسحاق تلزمه الإعادة لأنهما صارا كالثوب الواحد وقد تيقن حصول النجاسة وشك في زوالها لأنه يحتمل أن يكون الذي غسله هو الطاهر فلم تصح صلاته كالثوب الواحد إذا أصابته نجاسة وخفي عليه موضعها فتحرى وغسل موضع النجاسة بالتحري وصلى فيه وقال أبو العباس لا إعادة عليه لأنه صلى في ثوب طاهر بيقين وثوب طاهر في الظاهر فهو كما لو صلى في ثوب اشتراه لا يعلم حاله وثوب غسله وإن كانت النجاسة في أحد الكمين واشتبها عليه ففيه وجهان قال أبو إسحاق لا يتحرى لأنه ثوب واحد وقال أبو العباس يتحرى لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين وإن فصل أحد الكمين من القميص جاز التحري فيه بلا خلاف
وإن كان عليه ثوب طاهر وطرفه موضوع على نجاسة كالعمامة على رأسه وطرفها على أرض نجسة لم تجز صلاته لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة فلم تجز صلاته وإن كان في وسطه حبل مشدود إلى كلب صغير لم تصح صلاته لأنه حامل للكلب لأنه إذا مشى انجر معه وإن كان مشدودا إلى كلب كبير ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاته لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كالعمامة على رأسه وطرفها على نجاسة والثاني تصح لأن للكلب اختيارا وإن كان الحبل مشدودا إلى سفينة فيها نجاسة والشد في موضع طاهر من السفينة فإن كانت السفينة صغيرة لم تجز لأنه حامل للنجاسة وإن كانت كبيرة ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنها منسوبة إليه والثاني يجوز لأنه غير حامل للنجاسة ولا لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى والحبل مشدود إلى باب دار فيها نجس وإن حمل حيوانا طاهرا في صلاته صحت صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة فهو كالنجاسة التي في جوف المصلي وإن حمل قارورة فيها نجاسة وقد شد رأسها ففيه وجهان أحدهما يجوز لأن النجاسة لا تخرج منها فهو كما لو حمل حيوانا طاهرا والمذهب أنه لا يجوز لأنه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه إذا حمل النجاسة في كمه فصل في اشتراط طهارة الموضع طهارة الموضع الذي يصلى فيه شرط في صحة الصلاة لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق فذكر المجزرة والمزبلة وإنما منع من الصلاة فيهما للنجاسة فدل على أن طهارة الموضع الذي يصلى فيه شرط فإن صلى على بساط وعليه نجاسة غير معفو عنها فإن صلى على الموضع النجس منه لم تصح صلاته لأنه ملاق للنجاسة وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى على أرض طاهرة وفي موضع منها نجاسة فإن صلى على أرض فيها نجاسة فإن عرف موضعها تجنبها وصلى في غيرها وإن فرش عليها شيئا وصلى عليه جاز لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بها وإن خفي عليه موضع النجاسة فإن كانت في أرض واسعة فصلى في موضع منها جاز لأنه غير متحقق لها ولأن الأصل فيها الطهارة وإن كانت النجاسة في بيت وخفي ( عليه ) وضعها لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله ومن أصحابنا من قال يصلي فيه حيث شاء كالصحراء وليس بشيء لأن الصحراء لا يمكن حفظها من النجاسة ولا يمكن غسل جميعها والبيت يمكن حفظه من النجاسة فإذا نجس أمكن غسله وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه تحرى كما يتحرى في الثوبين وإن حبس في حبس ولم يقدر أن يتجنب النجاسة في قعوده وسجوده تجافى عن النجاسة وتجنبها في قعوده وأومأ في السجود إلى الحد الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ولا يسجد على الأرض لأن الصلاة قد تجزىء مع الإيماء ولا تجزىء مع النجاسة وإذا قدر ففيه قولان قال في القديم لا يعيد لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض وقال في الإملاء يعيد لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل فلم يسقط الفرض عنه كما لو ترك السجود ناسيا وإذا عاد ففي الفرض أقوال قال في الأم الفرض هو الثاني لأن الفرض به يسقط وقال في القديم الفرض هو الأول لأن الإعادة مستحبة غير واجبة في ( القديم ) وقال في الإملاء الجميع فرض لأن الجميع يجب فعله فكان الجميع فرضا
وخرج أبو إسحاق قولا رابعا أن الله تعالى يحسب له بأيتهما شاء قياسا على ما قال في القديم فيمن صلى الظهر ثم سعى إلى الجمعة فصلاها أن الله تعالى يحسب له بأيتهما شاء فصل فيمن صلى ثم وجد نجاسة إذا فرغ من الصلاة إذا فرغ من الصلاة ثم رأى على بدنه أو ثوبه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنها نظرت فإن كان جوز أن يكون حدث بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة لأن الأصل أنها لم تكن في حال الصلاة فلم تجب الإعادة بالشك كما لو توضأ من بئر وصلى ثم وجد في البئر فأرة فإن علم أنها كانت في الصلاة فإن كان قد علم أنها قبل الدخول في الصلاة لزمته الإعادة لأنه فرط في تركها وإن لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة ففيه قولان قال في القديم لا يعيد لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة وخلع الناس نعالهم فقال ما لكم خلعتم نعالكم فقالو رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا فقال أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن فيهما قذرا أو قال دم حلمة فلو لم تصح الصلاة لاستأنف الإحرام وقال في الجديد يلزمه الإعادة لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كالوضوء فصل في الصلاة في المقبرة ولا يصلى في مقبرة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام فإن صلى في مقبرة نظرت فإن كانت مقبرة تكرر فيها النبش لم تصح صلاته لأنه قد ختلط بالأرض صديد الموتى وإن كانت جديدة ولم يتكرر فيها نبش كرهت الصلاة فيها لأنها مدفن النجاسة والصلاة صحيحة لأن الذي باشر الصلاة طاهر وإن شك هل نبشت أو لا ففيه قولان أحدهما لا تصح صلاته لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته وهو يشك في إسقاطه والفرض لا يسقط بالشك والثاني تصح لأن الأصل طهارة الأرض فلا يحكم بنجاستها بالشك فصل في الصلاة في الحمام ولا يصلي في الحمام لحديث أبي سعيد الخدري وختلف أصحابنا لأي معنى منع من الصلاة فيه فمنهم من قال إنما منع لأنه يغسل فيه النجاسات فعلى هذا إذا صلى في موضع تحقق طهارته صحت صلاته وإن صلى في موضع تحقق نجاسته لم تصح وإن شك فعلى قولين كالمقبرة ومنهم من قال إنما منع لأنه مأوى الشياطين لما يكشف فيه من العورات فعلى هذا تكره الصلاة فيه وإن تحقق طهارته فالصلاة صحيحة لأن المنع لا يعود إلى الصلاة فصل في الصلاة في أعطان الإبل وتكره الصلاة في أعطان الأبل ولا تكره في مراح الغنم لما روى عبد الله بن مغفل المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين ولأن في أعطان الإبل لا يمكن الخشوع في الصلاة لما يخاف من نفورها ولا يخاف من نفور الغنم فصل في الصلاة في مأوى الشيطان ويكره أن يصلى في مأوى الشيطان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا ولم يصل فيه فصل في الصلاة في قارعة الطريق ولا يصلى في قارعة الطريق لحديث عمر رضي الله عنه سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة وذكر قارعة الطريق ولأنه يمنع الناس من الممر وينقطع خشوعه بممر الناس فإن صلى فيه صحت صلاته لأن المنع لترك الخشوع أو لمنع الناس من الطريق وذلك لا يوجب بطلان الصلاة فصل في الصلاة في الأرض المغصوبة ولا يجوز أن يصلى في أرض مغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيها صحت صلاته لأن المنع لا يختص بالصلاة فلم يمنع صحتها باب ستر العورة
ستر العورة عن العيون واجب لقوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا قال ابن عباس كانوا يطوفون بالبيت عراة فهي فاحشة وروي عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت فإن اضطر إلى الكشف للمداواة أو للمداومة أو للختان جاز ذلك لأنه موضع ضرورة وهل يجب سترها في حال الخلوة فيه وجهان أصحهما أنه يجب لحديث علي كرم الله وجهه والثاني لا يجب لأن المانع من الكشف للنظر وليس في الخلوة من ينظر فلم يجب الستر فصل في ستر العورة ويجب ستر العورة للصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار فإن انكشف شيء من العورة مع القدرة على الستر لم تصح صلاته فصل في حد العورة وعورة الرجل ما بين السرة والركبة والسرة والركبة ليستا من العورة ومن أصحابنا من قال هما منها والأول هو الصحيح ولما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته فأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال ابن عباس رضي الله عنهما وجهها وكفيها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة في الحرام عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما في الإحرام ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة وأما الأمة ففيها وجهان أحدهما أن جميع بدنها عورة إلا موضع التقليب وهي الرأس والذراع لأن ذلك تدعو الحاجة إلى كشفه وما سواه لا تدعو الحاجة إلى كشفه والثاني وهو المذهب فإن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال على المنبر ألا لا أعرفن أحدا أراد أن يشتري جارية فينظر إلى ما فوق الركبة ودون السرة لا يفعل ذلك أحد إلا عاقبته ولأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة كالرجل فصل ويجب ستر العورة بما لا يصف البشرة من ثوب صفيق أو جلد أو ورق فإن ستر بما يظهر منه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز لأن الستر لا يحصل بذلك فصل في الثوب المستحب لصلاة المرأة والمستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب خمار تغطي به الرأس والعنق ودرع تغطي به البدن والرجلين وملحفة صفيقة تستر بها الثياب لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال تصلي في الدرع والخمار والملحفة والمستحب أن تكثف جلبابها حتى لا يصف أعضاءها وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود حتى ( لا يصف ثيابها ) فصل في الثوب المستحب لصلاة الرجل
يستحب للرجل أن يصلي في ثوبين قميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق من يزين له فمن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود فإن أراد أن يصلي في ثوب فالقميص أولى لأنه أعم في الستر لأنه يستر العورة ويحصل على الكتف فإن كان القميص واسع الفتح بحيث إذا نظر رأى العورة زره لما روى سلمة بن الأكوع قال قلت يا رسول الله إنا نصيد فنصلي في القميص الواحد قال نعم ولتزره ولو بشوكة فإن لم يزره وطرح على عاتقه ثوبا جاز لأن الستر يحصل وإن لم يفعل ذلك لم تصح صلاته وإن كان القميص ضيق الفتح جاز أن يصلي فيه محلول الإزار لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي محلول الإزار فإن لم يكن القميص فالرداء أولى لأنه يمكنه أن يستر العورة به ويبقى منه ما يطرحه على الكتف فإن لم يكن فالإزار أولى من السراويل لأن الإزار يتجافى عنه فلا يصف الأعضاء والسراويل تصف الأعضاء وإن كان الإزار ضيقا ائتزر به وإن كان واسعا التحف به وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعل القصار في الماء لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فأتزر به وروى عمر بن أبي سلمة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه على منكبيه وإن كان ضيقا فليأتزر به أو صلى في سراويل فالمستحب أن يطرح على عاتقه شيئا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء فإن لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلا حتى لا يخلو من شيء فصل في اشتمال الصماء ويكره اشتمال الصماء وهو أن يلتحف بثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء ويكره أن يسدل في الصلاة وفي غيرها وهو أن يلقي طرفي الرداء من الجانبين لما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه رأى قوما سدلوا في الصلاة فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم وعن ابن مسعود أنه رأى أعرابيا عليه شملة قد ذيلها وهو يصلي قال إن الذي يجر ثوبه من الخيلاء في الصلاة ليس من الله لا في حل ولا حرام ويكره أن يصلي الرجل وهو ملثم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة لأن الوجه من المرأة ليس بعورة ( فهي ) كالرجل فصل في الصلاة في الحرير ولا يجوز للرجل أن يصلي في ثوب حرير ولا على ثوب حرير لأنه يحرم عليه استعماله في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيه أو صلى عليه صحت صلاته لأن التحريم لا يختص بالصلاة ولا النهي يعود إليها فلم يمنع صحتها ويجوز للمرأة أن تصلي فيه وعليه لأنه لا يحرم عليها استعماله وتكره الصلاة في الثوب الذي عليه الصور لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان لي ثوب فيه صورة وكنت أبسطه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال لي أخريه عني فجعلت منه وسادتين فصل في فاقد السترة إذا لم يجد ما يستر به العورة ووجد طينا ففيه وجهان أحدهما يلزمه أن يستر به العورة لانه سترة طاهرة فأشبهت الثوب وقال أبو إسحاق لا يلزمه لأنه يتلوث به البدن