Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
والثاني يلزمه النحر والتفرقة لان النحر على وجه القربة لا يكون إلا للتفرقة فإذا نذر النحر تضمن التفرقة فصل وإن نذر صلاة لزمه ركعتان في أظهر القولين لان أقل صلاة واجبة في الشرع ركعتان فحمل النذر عليه وتلزمه ركعة في القول الآخر لان الركعة صلاة في الشرع وهي الوتر فلزمه ذلك وإن نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى جاز له أن يصلي في غيره لان ما سوى المساجد الثلاثة في الحرمة والفضيلة واحدة فلم يتعين بالنذر وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه فعلها فيه لانه يختص بالنسك والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره والدليل عليه ما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدى هذا فلا يجوز أن يسقط ما نذره بالصلاة في غيره وإن نذر الصلاة في مسجد المدينة أو المسجد الأقصى ففيه قولان أحدهما يلزمه لانه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فأشبه المسجد الحرام والثاني لا يلزمه لانه لا يجب قصده بالنسك فلا تتعين الصلاة فيه بالنذر كسائر المساجد فإن قلنا يلزمه فصلى في المسجد الحرام أجزأه عن النذر لان الصلاة في المسجد الحرام أفضل فسقط به فرض النذر وإن نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في مسجد المدينة أجزأه لما روى جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين فقال صل ههنا فأعاد عليه فقال صل ههنا ثم أعاد عليه فقال شأنك ولان الصلاة فيه أفضل من الصلاة في بيت المقدس فسقط به فرض النذر فصل وإن نذر الصوم لزمه صوم يوم لان أقل الصوم يوم وإن نذر صوم سنة بعينها لزمه صومها متتابعا كما يلزمه صوم رمضان متتابعا فإذا جاء رمضان صام عن رمضان لانه مستحق بالشرع ولا يجوز أن يصوم فيه عن النذر ولا يلزمه قضاؤه عن النذر لانه لم يدخل في النذر ويفطر في العيدين وأيام التشريق لانه مستحق للفطر ولا يلزمه قضاؤها لانه لم يتناولها النذر وإن كانت امرأة فحاضت فهل يلزمها القضاء فيه قولان أحدهما لا يلزمها لانه مستحق للفطر فلا يلزمها قضاؤه كأيام العيد والثاني يلزمها لان الزمان محل للصوم وإنما تفطر هي وحدها فإن أفطر فيه لغير عذر نظرت فإن لم يشترط فيه التتابع أثم ما بقي لان التتابع فيه يجب لاجل الوقت فهو كالصائم في رمضان إذا أفطر بغير عذر ويجب عليه قضاؤه كما يجب على الصائم في رمضان وإن شرط التتابع لزمه أن يستأنف لان التتابع لزمه بالشرط فبطل بالفطر كصوم الظهار وإن أفطر لمرض وقد شرط التتابع ففيه قولان أحدهما ينقطع التتابع لانه أفطر باختياره والثاني لا ينقطع لانه أفطر بعذر فأشبه الفطر بالحيض فإن قلنا لا ينقطع التتابع فهل يجب القضاء ففيه وجهان بناء على القولين في الحائض وقد بيناه وإن أفطر بالسفر فإن قلنا إنه ينقطع التتابع بالمرض فالسفر أولى وإن قلنا لا ينقطع بالمرض ففي السفر وجهان أحدهما لا ينقطع لانه أفطر بعذر فهو كالفطر بالمرض والثاني ينقطع لان سببه باختياره بخلاف المرض وإن نذر سنة غير معينة فإن لم يشترط التتابع جاز متتابعا ومتفرقا لان الاسم يتناول الجميع فإن صام شهورا بالأهلة وهي ناقصة أجزأه لان الشهور في الشرع بالأهلة وإن صام سنة متتابعة لزمه قضاء رمضان وأيام العيد لان الفرض في الذمة فانتقل فيما لم يسلم منه إلى البدل كالمسلم فيه إذا رد بالعيب ويخالف السنة المعينة فإن الفرض فيها يتعلق بمعين فلم ينتقل فيما لم يسلم إلى البدل كالسلعة المعينة إذا ردها بالعيب وأما إذا شرط فيها التتابع فإنه يلزمه صومها متتابعا على ما ذكرناه فصل وإن نذر أن يصوم في كل اثنين
لم يلزمه قضاء أثانين رمضان لانه يعلم أن رمضان لا بد فيه من الأثانين فلا يدخل في النذر فلم يجب قضاؤها وفيما يوافق منها أيام العيد قولان أحدهما لا يجب وهو قول المزني قياسا على ما يوافق رمضان والثاني يجب لانه نذر ما يجوز ألا يوافق أيام العيد فإذا وافق لزمه القضاء وإن لزمه صوم الأثانين بالنذر ثم لزمه صوم شهرين متتابعين في كفارة بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين لانه إذا بدأ بصوم الشهرين يمكنه بعد الفراغ من الشهرين أن يقضي صوم الأثانين وإذا بدأ بصوم الأثانين لم يمكنه أن يقضي صوم الشهرين فكان الجمع بينهما أولى فإذا فرغ من صوم الشهرين لزمه قضاء صوم الأثانين لانه لم يمكنه صيامها وإنما تركه لعارض فلزمه القضاء كما لو تركه لمرض وإن وجب عليه صوم الشهرين ثم نذر صوم الأثانين بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين كما قلنا فيما تقدم ومن أصحابنا من قال لا يجب القضاء لانه استحق صيامه عن الكفارة فلا يدخل في النذر والمذهب الأول أنه يلزمه لانه كان يمكنه صومه عن النذر فإذا صامه عن غيره لزمه القضاء فصل وإن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان ففيه قولان أحدهما يصح نذره لانه يمكنه أن ( يتحرى اليوم ) الذي يقدم فيه فينوي صيامه من الليل فإذا قدم صار ما صامه قبل القدوم تطوعا وما بعده فرضا وذلك يجوز كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه والثاني لا يصح نذره لانه لا يمكنه الوفاء بنذره لانه إن قدم بالنهار فقد مضى جزء منه وهو فيه غير صائم وإن تحرى اليوم الذي يقدم فيه فنوى من الليل فقدم في أثناء النهار كان ما قبل القدوم تطوعا وقد أوجب صوم جميعه بالنذر فإن قلنا إنه يصح نذره فقدم ليلا لم يلزمه لان الشرط أن يقدم نهارا وذلك لم يوجد فإن قدم نهارا وهو مفطر لزمه قضاؤه وإن قدم نهارا وهو صائم عن تطوع لم يجزه عن النذر لانه لم ينو من أوله وعليه أن يقضيه وإن عرف أنه يقدم غدا فنوى الصوم من الليل عن النذر صح عن النذر ويكون أوله تطوعا والباقي فرضا فإن اجتمع في يوم نذران بأن قال إن قدم زيد فلله علي أن أصوم اليوم الذي يلي يوم مقدمه وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم أول خميس بعده فقدم زيد وعمرو يوم الأربعاء لزمه صوم يوم الخميس عن أول نذر نذره ثم يقضي عن الآخر فصل وإن نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه فلان صح النذر فإن قدم ليلا لم يلزمه شيء لان الشرط لم يوجد وإن قدم نهارا لزمه اعتكاف بقية النهار وفي قضاء ما فات وجهان أحدهما يلزمه وهو اختيار المزني والثاني لا يلزمه وهو المذهب لان ما مضى قبل القدوم لم يدخل في النذر فلا يلزمه قضاؤه وإن قدم وهو محبوس أو مريض فالمنصوص أنه يلزمه القضاء لانه فرض وجد شرطه في حال المرض فثبت في الذمة كصوم رمضان وقال القاضى أبو حامد وأبو علي الطبري لا يلزمه لان ما لا يقدر عليه لا يدخل النذر كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه فحاضت فيه فصل وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه المشي إليه بحج أو عمرة لانه لا قربة في المشي إليه إلا بنسك فحمل مطلق النذر عليه ومن أي موضع يلزمه المشي والإحرام فيه وجهان قال أبو إسحاق يلزمه أن يحرم ويمشي من دويرة أهله لان الأصل في الإحرام أن يكون من دويرة أهله وإنما أجيز تأخيره إلى الميقات رخصة فإذا أطلق النذر حمل على الأصل وقال عامة أصحابنا يلزمه الإحرام والمشي من الميقات لان مطلق كلام الآدمي يحمل على المعهود في الشرع والمعهود هو من الميقات فحمل النذر عليه
فإن كان معتمرا لزمه المشي إلى أن يفرغ وإن كان حاجا لزمه المشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني لان بالتحلل الثاني يخرج من الإحرام فإن فاته لزمه القضاء ماشيا لان فرض النذر يسقط بالقضاء فلزمه المشي فيه كالأداء وهل يلزمه أن يمشي في فائتة فيه قولان أحدهما يلزمه لانه لزمه بحكم النذر فلزمه المشي فيه كما لو لم يفته والثاني لا يلزمه لان فرض النذر لا يسقط به وإن نذر المشي فركب وهو قادر على المشي لزمه دم لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال إن الله لغني عن نذر أختك لتركب ولتهد بدنة ولانه صار بالنذر نسكا واجبا فوجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات وإن لم يقدر على المشى فله أن يركب لانه إذا جاز أن يترك القيام الواجب في الصلاة للعجز جاز أن يترك المشي فإن ركب فهل يلزمه دم فيه قولان أحدهما لا يلزمه لان حال العجز لم يدخل في النذر والثاني يلزمه لان ما وجب به الدم لم يسقط الدم فيه بالمرض كالطيب واللباس وإن نذر أن يركب إلى بيت الله الحرام فمشى لزمه دم لانه ترفه بترك مؤنة الركوب وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لا حاجا ولا معتمرا ففيه وجهان أحدهما لا ينعقد نذره لان المشي في غير نسك ليس بقربة فلم ينعقد كالمشي إلى غير البيت والثاني ينعقد نذره ويلزمه المشي بحج أو عمرة لانه لما نذر المشي لزمه المشي بنسك ثم رام إسقاطه فلم يسقط وإن نذر المشي إلى بيت الله ولم يقل الحرام ولا نواه فالمذهب أنه يلزمه لان البيت المطلق بيت الله الحرام فحمل مطلق النذر عليه ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لان البيت يقع على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد فلا يجوز حمله على البيت الحرام فإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم لزمه المشي بحج أو عمرة لان قصده لا يجوز من غير إحرام فكان إيجابه إيجابا للإحرام وإن نذر المشي إلى عرفات لم يلزمه لانه يجوز قصده من غير إحرام فلم يكن في نذره المشي إليه أكثر من إيجاب مشي وذلك ليس بقربة فلم يلزمه وإن نذر المشي إلى مسجد غير المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لم يلزمه لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى ومسجد المدينة ففيه قولان قال في البويطي يلزمه لانه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فلزمه المشي إليه بالنذر كالمسجد الحرام وقال في الأم لا يلزمه لانه مسجد لا يجب قصده بالنسك فلم يجب المشي إليه بالنذر كسائر المساجد فصل وإن نذر أن يحج في هذه السنة نظرت فإن تمكن من أدائه فلم يحج صار ذلك دينا في ذمته كما قلنا في حجة الإسلام وإن لم يتمكن من أدائه في هذه السنة سقط عنه فإن قدر بعد ذلك لم يجب لان النذر اختص بتلك السنة فلم يجب في سنة أخرى إلا بنذر آخر باب الأطعمة ما يؤكل شيئان حيوان وغير حيوان فأما الحيوان فضربان حيوان البر وحيوان البحر فأما حيوان البر فضربان طاهر ونجس فأما النجس فلا يحل أكله وهو الكلب والخنزير والدليل عليه قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وقوله عز وجل ويحرم عليهم الخبائث والكلب من الخبائث والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم الكلب خبيث خبيث ثمنه وأما الطاهر فضربان طائر ودواب فأما الدواب فضربان دواب الإنس ودواب الوحش فأما دواب الإنس فإنه يحل منها الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام وقوله عز وجل ويحل لهم الطيبات والأنعام من الطيبات لم يزل الناس يأكلونها ويبيعون لحومها في الجاهلية والإسلام
ويحل أكل الخيل لما روى جابر رضي الله عنه قال ذبحنا يوم حنين الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل ولا تحل البغال والحمير لحديث جابر رضي الله عنه ولا يحل السنور لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الهرة سبع ولانه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد فصل وأما الوحش فإنه يحل منه الظباء والبقر لقوله عز وجل ويحل لهم الطيبات والظباء والبقر من الطيبات يصطاد ويؤكل ويحل الحمار الوحشي للآية ولما روي أن أبا قتادة كان مع قوم محرمين وهو حلال فسنح لهم حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا منها وقالوا أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون فحملوا ما بقي من لحمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا ما بقي من لحمها ويحل أكل الضبع لقوله عز وجل ويحل لهم الطيبات قال الشافعي رحمه الله ما زال الناس يأكلون الضبع ويبيعونه بين الصفا والمروة وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الضبع صيد يؤكل وفيه كبش إذا أصابه المحرم فصل ويحل أكل الأرنب لقوله تعالى ويحل لهم الطيبات والأرنب من الطيبات ولما روى جابر أن غلاما من قومه أصاب أرنبا فذبحها بمروة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها فأمره أن يأكلها ويحل اليربوع لقوله عز وجل ويحل لهم الطيبات واليربوع من الطيبات تصطاده العرب وتأكله وأوجب فيه عمر رضي الله عنه على المحرم إذا أصابه جفرة فدل على أنه صيد مأكول ويحل أكل الثعلب لقوله تعالى ويحل لهم الطيبات والثعلب من الطيبات مستطاب يصطاد ولانه لا يتقوى بنابه فأشبه الأرنب ويحل أكل ابن عرس والوبر لما ذكرناه في الثعلب ويحل أكل القنفذ لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن القنفذ فتلا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية ولانه مستطاب لا يتقوى بنابه فحل أكله كالأرنب ويحل أكل الضب لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة رضي الله عنها فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمت الضب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال خالد أحرام الضب يا رسول الله قال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته بنابه ويعدو على الناس وعلى البهائم كالأسد والفهد والذئب والنمر والدب لقوله عز وجل ويحرم عليهم الخبائث وهذه السباع من الخبائث ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهه ولا يحل ما يتقوى لانها تأكل الجيف ولا تستطيبها العرب ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وأكل ذى مخلب من الطير وفي ابن آوى وجهان أحدهما يحل لانه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب والثاني لا يحل لانه مستخبث كريه الرائحة ولانه من جنس الكلاب فلم يحل أكله وفي السنور الوحشي وجهان أحدهما لا يحل لانه يصطاد بنابه فلم يحل كالأسد والفهد والثاني يحل لانه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي يحرم الأهلي منه ويحل الوحشي منه كالحمار الوحشي ولا يحل أكل حشرات الأرض كالحيات والعقارب والفأر والخنافس والعظاء والصراصر والعناكب والوزغ وسام أبرص والجعلان والديدان وبنات وردان وحمار قبان لقوله عز وجل ويحرم عليهم الخبائث فصل وأما الطائر فإنه يحل منه النعامة لقوله تعالى ويحل لهم الطيبات وقضت الصحابة فيها ببدنة فدل على أنها صيد مأكول ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى ويحل لهم الطيبات وهذه كلها مستطابة وروى أبو موسى الأشعري قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج وروى سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى
ويحل أكل الجراد لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله ويحرم أكل الهدهد والخطاف لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما وما يؤكل لا ينهى عن قتله ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ويحرم أكل الحدأة والغراب الأبقع لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب العقور وما أمر بقتله ( لا يحل أكله ) قالت عائشة رضي الله عنها إني لأعجب ممن يأكل الغراب وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ويحرم الغراب الأسود الكبير لانه مستخبث بأكل الجيف فهو كالأبقع وفي الغداف وغراب الزرع وجهان أحدهما لا يحل للخبر والثاني يحل لانه مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج ويحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله عز وجل ويحرم عليهم الخبائث وهذه من الخبائث فصل وما سوى ذلك من الدواب والطير ينظر فيه فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة فإن استطاب قوم شيئا واستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر وإن اتفق في بلد العجم ما لا يعرفه العرب نظرت إلى ما يشبهها فإن كان حلالا حل وإن كان حراما حرم وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان قال أبو إسحاق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير وهذا ليس بواحد منها وقال ابن عباس رضي الله عنه ما سكت عنه فهو عفو ومن أصحابنا من قال لا يحل أكله لان الأصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقي على الأصل فصل ولا يحل ما تولد بين مأكول وغير مأكول كالسبع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحوش وحمار الأهل لانه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل فصل ويكره أكل الجلالة وهي التي أكثر أكلها العذرة من ناقة أو شاة أو بقرة أو ديك أو دجاجة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة ولا يحرم أكلها لانه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها وهذا لا يوجب التحريم فإن أطعم الجلالة طعاما طاهرا فطاب لحمها لم يكره لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال تعلف الجلالة علفا طاهرا إن كانت ناقة أربعين يوما وإن كانت شاة سبعة أيام وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام فصل وأما حيوان البحر فإنه يحل منه السمك لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ولا يحل أكل الضفدع لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله لم ينه عن قتله وفيما سوى ذلك وجهان أحدهما يحل لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر اغتسلوا منه وتوضؤوا به فإنه الطهور ماؤه الحل ميتته ولانه حيوان لا يعيش إلا في الماء فحل أكله كالسمك والثاني أن ما أكل مثله في البر يحل أكله وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتبارا بمثله فصل وأما غير الحيوان
فضربان طاهر ونجس فأما النجس فلا يؤكل لقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والنجس خبيث وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تقع في السمن إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه فلو حل أكله لم يأمر بإراقته وأما الطاهر فضربان ضرب يضر وضرب لا يضر فما يضر لا يحل أكله كالسم والزجاج والتراب والحجر والدليل عليه قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأكل هذه الأشياء تهلكة فوجب ألا يحل وما لا يضر يحل أكله كالفواكه والحبوب والدليل عليه قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق فصل ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق لقوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وهل يجب أكله فيه وجهان أحدهما يجب لقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم والثاني لا يجب وهو قول أبي إسحاق لان له غرضا في تركه وهو أن يجتنب ما حرم عليه وهل يجوز أن يشبع منه فيه قولان أحدهما لا يجوز وهو اختيار المزني لانه بعد سد الرمق غير مضطر فلا يجوز له أكل الميتة كما لو أراد أن يبتدىء بالأكل وهو غير مضطر والثاني يحل لان كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال وإن اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله لان الامتناع من بذله إعانة على قتله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من أعان على قتل امرىء مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله وإن طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ولا يجوز أن يأكل الميتة لانه غير مضطر فإن طلب أكثر من ثمن المثل وامتنع من بذله فله أن يقاتله عليه فإن لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان أحدهما يلزمه لانه ثمن في بيع صحيح والثاني لا يلزمه إلا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل وإن وجد الميتة وطعام الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان أحدهما أنه يأكل الطعام لانه طاهر فكان أولى والثاني يأكل الميتة لان أكل الميتة ثبت بالنص وطعام الغير ثبت بالاجتهاد فقدم أكل الميتة عليه ولان المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى والمنع من طعام الغير لحق الآدمي وحقوق الله تعالى مبنية على التسهيل وحقوق الآدمي مبنية على التشديد وإن وجد ميتة وصيدا وهو محرم ففيه طريقان من أصحابنا من قال إذا قلنا إنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد لانه إذا زكاه صار ميتة ولزمه الجزاء وإن قلنا إنه لا يصير ميتة أكل الصيد لانه طاهر ولان تحريمه أخف لانه يحرم عليه وحده والميتة محرمة عليه وعلى غيره ومن أصحابنا من قال إن قلنا إنه يصير ميتة أكل الميتة وإن قلنا إنه لا يكون ميتة ففيه قولان أحدهما يذبح الصيد ويأكله لانه طاهر ولان تحريمه أخف على ما ذكرناه والثاني أنه يأكل الميتة لانه منصوص عليها والصيد مجتهد فيه وإن اضطر ووجد آدميا ميتا جاز له أكله لان حرمة الحي آكد من حرمة الميت وإن وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله لان قتله مستحق وإن اضطر ولم يجد شيئا فهل يجوز له أن يقطع شيئا من بدنه ويأكله فيه وجهان قال أبو إسحاق يجوز لانه إحياء نفس بعضو فجاز كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الأكلة لاحياء نفسه ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه إذا قطع عضوا منه كان المخافة عليه أكثر وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول لان تحريم الخمر أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى
وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يجوز أن يشرب لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم والثاني يجوز لانه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها والثالث أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز لانها تزيد في الإلهاب والعطش وإن اضطر إليها للتداوي جاز فصل وإن مر ببستان لغيره وهو غير مضطر لم يجز أن يأخذ منه شيئا بغير إذن صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب ( نفسه ) فصل ولا يحرم كسب الحجام لما روى أبو العالية أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن كسب الحجام فقال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه أجره ولو كان حراما ما أعطاه ويكره للحر أن يكتسب بالحجامة وغيرها من الصنع الدنيئة كالكنس والذبح والدبغ لانها مكاسب دنيئة فينزه الحر منها ولا يكره للعبد لان العبد أدنى فلا يكره له وبالله التوفيق باب الصيد والذبائح لا يحل شيء من الحيوان المأكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة لقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ويحل السمك والجراد من غير ذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان السمك والجراد لان ذكاتهما لا تمكن في العادة فسقط اعتبارها فصل والأفضل أن يكون المذكي مسلما فإن ذبح مشرك نظرت فإن كان مرتدا أو وثنيا أو مجوسيا لم يحل لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وإن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم حل للآية وإن كان من نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب لم يحل لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لا تحل ذبائح نصارى بنى تغلب ولانهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل منهم فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم والمستحب أن يكون المزكى رجلا لانه أقوى على الذبح من المرأة فإن كان امرأة جاز لما روى كعب بن مالك أن جارية لهم كسرت حجرا فذبحت بها شاة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها ويستحب أن يكون بالغا لانه أقدر على الذبح فإن ذبح صبي حل لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال من ذبح من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير وذكر اسم الله عليه حل ويكره ذكاة الأعمى لانه ربما أخطأ المذبح فإن ذبح حل لانه لم يفقد فيه إلا النظر وذلك لا يوجب التحريم ويكره ذكاة السكران والمجنون لانه لا يؤمن أن يخطىء المذبح فيقتل الحيوان فإن ذبح حل لانه لم يفقد في ذبحهما إلا القصد والعلم وذلك لا يوجب التحريم كما لو ذبح شاة وهو يظن أنه يقطع حشيشا فصل والمستحب أن يذبح بسكين حادة لما روى شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة حل لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجرا فذبحت بها شاة ولما روي أن رافع بن خديج قال يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأخبركم ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة وإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع بن خديج
والمستحب أن تنحر الإبل معقولة من قيام لما روي أن ابن عمر رضي الله عنه رأى رجلا أضجع بدنة فقال قياما سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وتذبح البقر والغنم مضجعة لما روي أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده ووضع رجليه على صفاحهما وسمى وكبر والبقر كالغنم في الذبح فكان مثله في الإضجاع والمستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة لانه لا بد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى والمستحب أن يسمي الله تعالى على الذبح لما روى عدي بن حاتم قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه فإن ترك التسمية لم يحرم لما روت عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما من الأعراب يأتونا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذكر اسم الله تعالى عليه وكل والمستحب أن يقطع الحلقوم والمريء والودجين لانه أوحى وأروح للذبيحة فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمريء أجزأه لان الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام والروح لا تبقى مع قطعهما والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والشاء فإن خالف ونحر البقر والشاء وذبح الإبل أجزأه لان الجميع موح من غير تعذيب ويكره أن يبين الرأس وأن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ النخاع وهو عرق يمتد من الدماغ ويستبطن الفقار إلى عجب الذنب لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن النخع ولان فيه زيادة تعذيب فإن فعل ذلك لم يحرم لان ذلك يوجد بعد حصول الذكاة وإن ذبحه من قفاه فإن بلغ السكين الحلقوم والمريء وقد بقيت فيه حياة مستقرة حل لان الذكاة صادفته وهو حي وإن لم يبق فيه حياة مستقرة إلا حركة مذبوح لم يحل لانه صار ميتا قبل الذكاة فإن جرح السبع شاة فذبحها صاحبها وفيها حياة مستقرة حل وإن لم يبق فيها حياة مستقرة لم تحل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابي ثعلبة الخشني فإن رد عليك كلبك غنمك وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله والمستحب إذا ذبح ألا يكسر عنقها ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روي أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه إنكم تأكلون طعاما لا نأكله قال وما ذاك يا أبا حسان فقال تعجلون الأنفس قبل أن تزهق فأمر عمر رضي الله عنه مناديا ينادي الزكاة في الحلق واللبة لمن قدر ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق فصل ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب والفهد والبازي والصقر لقوله تعالى أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم قال ابن عباس رضي الله عنه هي الكلاب المعلمة والبازي وكل طائر يعلم الصيد فصل والمعلم هو الذي إذا أرسله على الصيد طلبه فإذا أشلاه استشلى فإذا أخذ الصيد أمسكه وخلى بينه وبينه فإذا تكرر منه ذلك كان معلما وحل له ( ما قتله ) فصل وإن أرسل من تحل ذكاته جارحة معلمة على الصيد فقتله بظفره أو نابه أو بمنقاره حل أكله لما روى أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كنت في أرض صيد فأرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله تعالى ( عليه ) وكل وأما إذا أرسله من لا تحل ذكاته فقتله لم يحل لان الكلب آلة كالسكين والمذكي هو المرسل فإذا لم يكن من أهل الذكاة لم يحل صيده
فإن أرسل جارحة غير معلمة فقتل الصيد لم يحل لما روى أبو ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أرسلت كلبك الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكل وإن استرسل المعلم بنفسه فقتل الصيد لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أرسلت كلابك المعلمة فأمسكن عليك فكل قلت وإن قتلن قال وإن قتلن فشرط أن يرسل وإن أرسله فقتل الصيد بثقله ففيه قولان أحدهما لا يحل لانه آلة للصيد فإذا قتل بثقله لم يحل كالسلاح والثاني يحل لحديث عدي ولانه لا يمكن تعليم الكلب الجرح وإنهار الدم فسقط اعتباره كالعقر في محل الزكاة وإن شارك كلبه في قتل الصيد كلب مجوسي أو كلب استرسل بنفسه لم يحل لانه اجتمع في ذبحه ما يقتضي الحظر والإباحة فغلب الحظر كالمتولد بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل وإن وجد مع كلبه كلبا آخر لا يعرف حاله ولا يعلم القاتل منهما لم يحل لما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسلت كلبي ووجدت مع كلبي كلبا آخر لا أدري أيهما أخذه فقال لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ولان الأصل فيه الحظر فإذا أشكل بقي على أصله وإن قتل الكلب الصيد وأكل منه ففيه قولان أحدهما يحل لما روى أبو ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك وإن أكل منه والثاني لا يحل لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل ( مما ) أمسكن عليك وإن قتلن إلا أن يأكل الكلب منه فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن شرب من دمه لم يحرم قولا واحدا لان الدم لا منفعة له فيه ولا يمنع الكلب منه فلم يحرم وإن كانت الجارحة من الطير فأكل من الصيد فهو كالكلب وفيه قولان وقال المزني أكل الطير لا يحرم وأكل الكلب يحرم لان الطير لا يضرب على الأكل والكلب يضرب وهذا لا يصح لانه يمكن أن يعلم الطير ترك الأكل كما يعلم الكلب وإن اختلفا في الضرب فصل إذا أدخل الكلب نابه أو ظفره في الصيد نجس وهل يجب غسله فيه وجهان أحدهما يجب غسله سبعا إحداهن بالتراب قياسا على غير الصيد والثاني لا يجب لانا لو أوجبنا ذلك ألزمناه أن يغسل جميعه لان الناب إذا لاقى جزءا من الدم نجس ذلك الجزء ونجس كل ما لاقاه إلى أن ينجس جميع بدنه وغسل جميعه يشق فسقط كدم البراغيث فصل ويجوز الصيد بالرمي لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قلت يا رسول الله إنا نكون في أرض صيد فيصيب أحدنا بقوسه الصيد ويبعث كلبه المعلم فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما لا ندرك ذكاته فقال صلى الله عليه وسلم ما ردت عليك قوسك فكل وما أمسك كلبك المعلم فكل وإن رماه بمحدد كالسيف والنشاب والمروة المحددة وأصابه بحده فقتله حل وإن رمى بما لا حد له كالبندق والدبوس أو بما له حد فأصابه بغير حده فقتله لم يحل لما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض قال إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ وإن رماه بسهم لا يبلغ الصيد وأعانه الريح حتى بلغه فقتله حل أكله لانه لا يمكن حفظ الرمي من الريح فعفى عنه وإن رمى بسهم فأصاب الأرض ثم ازدلف فأصاب الصيد فقتله ففيه وجهان بناء على القولين فيمن رمى إلى الغرض في المسابقة فوقع السهم دون الغرض ثم ازدلف وبلغ الغرض وإن رمى طائرا فوقع على الأرض فمات حل أكله لانه لا يمكن حفظه من الوقوع على الأرض
وإن وقع في ماء فمات أو على حائط أو جبل فتردى منه ومات لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن وجدته ميتا فكل إلا أن تجده قد وقع في الماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك فصل وإن رمى صيدا أو أرسل عليه كلبا فعقره ولم يقتله نظرت فإن أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة بأن شق جوفه وخرجت الحشوة أو أصاب العقر مقتلا فالمستحب أن يمر السكين على الحلق ( ليريحه ) وإن لم يفعل حتى مات حل لان العقر قد ذبحه وإنما بقيت فيه حركة المذبوح وإن كانت فيه حياة مستقرة ولكن لم يبق من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه حل وإن بقي من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه فلم يذبحه أو لم يكن معه ما يذبح به فمات لم يحل لما روى أبو ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما رد عليك كلبك وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل وإن رد عليك ( كلب ) غنمك فذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل وما ردت عليك يدك وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وإن لم تدرك ذكاته فكله وإن عقره الكلب أو السهم وغاب عنه ثم وجده ميتا والعقر مما يجوز أن يموت منه ويجوز ألا يموت منه فقد قال الشافعي رحمه الله لا يحل إلا أن يكون خبر فلا رأى فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يحل لما روى عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله إني أرمي الصيد فأطلبه فلا أجده إلا بعد ليلة قال إذا رأيت سهمك فيه ولم يأكل منه سبع فكل ولان الظاهر أنه مات منه لانه لم يعرف سبب سواه والثاني أنه لا يحل لما روى زياد بن أبي مريم قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رميت صيدا ثم تغيب فوجدته ميتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هوام الأرض كثيرة ولم يأمره بأكله ومنهم من قال يؤكل قولا واحدا لانه قال لا يؤكل إذا لم يكن خبر وقد ثبت الخبر أنه أمر بأكله فصل وإن نصب أحبولة وفيها حديدة فوقع فيها صيد فقتلته الحديدة لم يحل لانه مات بغير فعل من جهة أحد فلم يحل فصل وإن أرسل سهما على صيد فأصاب غيره فقتله حل أكله لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة ما رد عليك قوسك فكل ولانه مات بفعله ولم يفقد إلا القصد وذلك لا يعتبر في الزكاة والدليل عليه أنه تصح ذكاة المجنون وإن لم يكن له قصد فإن أرسل كلبا على صيد فأصاب غيره فقتله نظرت فإن أصابه في الجهة التي أرسله فيها حل لقوله صلى الله عليه وسلم ما رد عليك كلبك ولم تدرك ذكاته فكل وإن عدل إلى جهة أخرى فأصاب صيدا غيره ففيه وجهان أحدهما لا يحل وهو قول أبي إسحاق لان للكلب اختيارا فإذا عدل كان صيده باختياره فلم يحل كما لو استرسل بنفسه فأخذ الصيد ومن أصحابنا من قال يحل لان الكلب لا يمكن منعه من العدول في طلب الصيد فصل وإن أرسل كلبا وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يحل لانه أرسله على غير صيد فلم يحل ما اصطاده كما لو حل رباطه فاسترسل بنفسه واصطاد وإن أرسل سهما في الهواء وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا ففيه وجهان قال أبو إسحاق يحل لانه قتله بفعله ولم يفقد إلا القصد إلى الذبح وذلك لا يعتبر كما لو قطع شيئا وهو يظن أنه خشبة فكان حلق شاة
ومن أصحابنا من قال لا يحل وهو الصحيح لانه لم يقصد صيدا بعينه فأشبه إذا نصب أحبولة فيها حديدة فوقع فيها صيد فقتلته وإن كان في يده سكين فوقعت على حلق شاة فقتلتها حل في قول أبي إسحاق لانه حصل الذبح بفعله وعلى قول الآخر لا تحل لانه لم يقصد فصل وإن رأى صيدا فظنه حجرا أو حيوانا غير الصيد فرماه فقتله حل أكله لانه قتله بفعل قصده وإنما جهل حقيقته والجهل بذلك لا يؤثر كما لو قطع شيئا فظنه غير الحيوان فكان حلق شاة وإن أرسل على ذلك كلبا فقتله ففيه وجهان أحدهما يحل كما يحل إذا رماه بسهم والثاني لا يحل لانه أرسله على غير صيد فأشبه إذا أرسله على غير شيء فصل وإن توحش أهلي أو ند بعير أو تردى في بئر فلم يقدر على ذكاته في حلقه فذكاته حيث يصاب من بدنه لما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنما وإبلا فند منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش ( فما غلبكم ) منها فاصنعوا به هكذا وقال ابن عباس رضي الله عنه ما أعجزك من البهائم فهو بمنزلة الصيد ولانه تعذر ذكاته في الحلق فصار كالصيد وإن تأنس الصيد فذكاته ذكاة الأهلي كما أن الأهلي إذا توحش فذكاته ذكاة الوحشي وإن ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنينا ميتا حل أكله لما روى أبو سعيد قال قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه ولان الجنين لا يمكن ذبحه فجعل ذكاة الأم ذكاة له وإن خرج الجنين حيا وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح وإن مات قبل أن يتمكن من ذكاته حل فصل إذا أثبت صيدا بالرمي أو بالكلب فأزال امتناعه ملكه لانه حبسه بفعله فملكه كما لو أمسكه بيده فإن رماه اثنان واحد بعد واحد فهو لمن أثبته منهما فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو الذي سبقه وأزال امتناعه وأن الآخر رماه فقتله فعليه الضمان لم يحل أكله لانهما اتفقا على أنه قتل بعد إمكان ذبحه فلم يحل ويتحالفان فإذا ( حلفا ) برىء كل واحد منهما مما يدعي الآخر وإن اتفقا على أن أحدهما هو السابق غير أن السابق ادعى أنه هو الذي أثبته بسهمه وادعى الآخر أنه بقي على الامتناع إلى أن رماه هو فالقول قول الثاني لان الأصل بقاؤه على الامتناع وإن كان الصيد مما يمتنع بالرجل والجناح كالقبج والقطا فرماه أحدهما فأصاب الرجل ثم رماه الآخر فأصاب الجناح ففيه وجهان أحدهما أنه يكون بينهما لانه زال الامتناع بفعلهما فتساويا والثاني أنه للثاني وهو الصحيح لان الامتناع لم يزل إلا بفعل الثاني فوجب أن يكون له فصل وإن رمى الصيد اثنان أحدهما بعد الآخر ولم يعلم بإصابة من منهما صار غير ممتنع فقد قال في المختصر إنه يؤكل ويكون بينهما فحمل أبو إسحاق هذا على ظاهره فقال يحل أكله لان الأصل أنه بقي بعد عقر الأول على الامتناع إلى أن قتله الآخر فيحل ويكون بينهما لان الظاهر أنهما مشتركان فيه بحكم اليد ومن أصحابنا من قال إن بقي على الامتناع حتى رماه الآخر فقتله حل وكان للثاني وإن زال امتناعه بالأول فهو للأول ولا يحل بقتل الثاني لانه صار مقدورا عليه فيجب أن يتأول عليه إذا لم يمتنع الصيد حتى أدركه وذكاه فيحل واختلفا في السابق منهما فيكون بينهما فصل فإن رمى رجل صيدا فأزال امتناعه ثم رماه الآخر نظرت فإن أصاب الحلقوم والمريء فقتله حل أكله لانه قد صار ذكاته في الحلق واللبة وقد ذكاه في الحلق واللبة ويلزمه للأول ما بين قيمته مجروحا ومذبوحا كما لو ذبح له شاة مجروحة
وإن أصاب غير الحلق واللبة نظرت فإن وحاه لم يحل أكله لانه قد صار ذكاته في الحلق واللبة فقتله بغير ذكاة فلم يحل ويجب عليه قيمته لصاحبه مجروحا كما لو قتل له شاة مجروحة فإن لم يوجه وبقي مجروحا ثم مات نظرت فإن مات قبل أن يدركه صاحبه أو بعد ما أدركه وقبل أن يتمكن من ذبحه وجب عليه قيمته مجروحا لانه مات من جنايته وإن أدركه وتمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يحل أكله لانه ترك ذكاته في الحلق مع القدرة واختلف أصحابنا في ضمانه فقال أبو سعيد الإصطخري تجب عليه قيمته مجروحا لانه لم يوجد من الأول أكثر من الرمي الذي ملك به وهو فعل مباح وترك ذبحه إلى أن مات وهذا لا يسقط الضمان كما لو جرح رجل شاة لرجل فترك صاحبها ذبحها حتى ماتت والمذهب أنه لا يجب عليه كمال القيمة لانه مات بسببين محظورين جناية الثاني وسراية جرح الأول فالسراية كالجناية في إيجاب الضمان فيصير كأنه مات من جناية اثنين وما هلك بجناية اثنين لا يجب على أحدهما كمال القيمة وإذا قلنا بهذا قسم الضمان على الجانبين فما يخص الأول يسقط عن الثاني ويجب عليه الباقي ونبين ذلك في جنايتين مضمونتين ليعرف ما يجب على كل واحد منهما فما وجب على الأول منهما من قيمته أسقطناه عن الثاني فنقول إذا كان لرجل صيد قيمته عشرة فجرحه رجل جراحة نقص من قيمته درهم ثم جرحه آخر فنقص درهم ثم مات ففيه لاصحابنا ستة طرق أحدها وهو قول المزني أنه يجب على كل واحد منهما أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد الجنايتين بينهما نصفان فيجب على الأول درهم وعلى الثاني درهم ثم تجب قيمته بعد الجنايتين وهي ثمانية بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة فيحصل على كل واحد منهما خمسة لان كل واحد منهما انفرد بجنايته فوجب عليه أرشها ثم هلك الصيد بجنايتهما فوجب عليهما قيمته والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية ونصف أرش جنايته فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف وسقط عنه النصف لان أرش الجناية يدخل في النفس وقد ضمن نصف النفس والجناية كانت على النصف الذي ضمنه وعلى النصف الذي ضمنه الآخر فما حصل على النصف الذي ضمنه يدخل في الضمان فيسقط وما حصل على النصف الذي ضمنه الآخر يلزم فيحصل عليه خمسة دراهم ونصف والآخر جنى وقيمته تسعة فيلزمه نصف قيمته أربعة ونصف وأرش جنايته درهم فيدخل نصفه في النصف الذي ضمنه ويبقى النصف لاجل النصف الذي ضمنه الأول فيجب عليه خمسة دراهم ثم يرجع الأول على الثاني بنصف الأرش الذي ضمنه وهو نصف درهم لان هذا الأرش وجب بالجناية على النصف الذي ضمنه الأول وقد ضمن الأول كمال قيمة النصف ( فرجع ) بأرش الجناية عليه كرجل غصب من رجل ثوبا فخرقه رجل ثم هلك الثوب وجاء صاحبه وضمن الغاصب كمال قيمة الثوب فإنه يرجع على الجاني بأرش الخرق فيحصل على الأول خمسة دراهم وعلى الثاني خمسة دراهم فهذا يوافق قول المزني في الحكم وإن خالفه في ( الطريق ) والثالث وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال الجناية ونصف أرش جنايته ويدخل النصف فيما ضمنه صاحبه كما قال أبو إسحاق إلا أنه قال لا يعود من الثاني إلى الأول شيء ثم ينظر لما حصل على كل واحد منهما ويضم بعضه إلى بعض وتقسم عليه العشرة فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني خمسة دراهم فذلك عشرة ونصف فتقسم العشرة على عشرة ونصف فما يخص خمسة ونصفا يجب على الأول وما يخص خمسا يجب على الثاني
والرابع ما قال بعض أصحابنا أنه يجب على الأول أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد ذلك بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته فيجب على الأول درهم ثم تجب التسعة بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة دراهم ونصف فيحصل على الأول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف لان الأول انفرد بالجناية فلزمه أرشها ثم اجتمع جناية الثاني وسراية الأول فحصل الموت منهما فكانت القيمة بينهما والخامس ما قال بعض أصحابنا إن الأرش يدخل في قيمة الصيد فيجب على الأول نصف قيمته حال الجناية وهو خمسة وعلى الثاني نصف قيمته حال الجناية وهو أربعة ونصف ويسقط نصف درهم قال لانى لم أجد محلا أوجبه فيه والسادس وهو قول أبي علي بن خيران وهو أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في القيمة فتضم قيمة الصيد عند جناية الأول إلى قيمة الصيد عند جناية الثاني فتكون تسعة عشر ثم تقسم العشرة على ذلك فما يخص عشرة فهو على الأول وما يخص تسعة فهو على الثاني وهذا أصح الطرق لان أصحاب الطرق الأربعة لا يدخلون الأرش في بدل النفس وهذا لا يجوز لان الأرش يدخل في بدل النفس وصاحب الطريق الخامس يوجب في صيد قيمته عشرة تسعة ونصفا ويسقط من قيمته نصف درهم وهذا لا يجوز فصل ومن ملك صيدا ثم خلاه ففيه وجهان أحدهما يزول ملكه كما لو ملك عبدا ثم أعتقه والثاني لا يزول ملكه كما لو ملك بهيمة ثم سيبها وبالله التوفيق كتاب البيوع البيع جائز والأصل فيه قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ويصح البيع من كل بالغ عاقل مختار فأما الصبي والمجنون فلا يصح بيعهما لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولانه تصرف في المال فلم يفوض إلى الصبي والمجنون كحفظ المال فأما المكره فإنه إن كان بغير حق لم يصح بيعه لقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فدل على أنه إذا لم يكن عن تراض لم يحل الأكل وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما البيع عن تراض فدل على أنه لا بيع عن غير تراض ولانه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم وإن كان بحق صح لانه قول حمل عليه بحق فصح ككلمة الإسلام إذا أكره عليها الحربي فصل ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول فأما المعاطاة فلا ينعقد بها البيع لان اسم البيع لا يقع عليه والإيجاب أن يقول بعتك أو ملكتك أو ما أشبههما والقبول أن يقول قبلت أو ابتعت أو ما أشبههما فإن قال المشتري بعني فقال البائع بعتك انعقد البيع لان ذلك يتضمن الإيجاب والقبول وإن كتب رجل ببيع سلعة ففيه وجهان أحدهما ينعقد البيع لانه موضع ضرورة والثاني لا ينعقد وهو الصحيح لانه قادر على النطق فلا ينعقد البيع بغيره وقول القائل الأول إنه موضع ضرورة لا يصح لانه يمكنه أن يوكل من يبيعه بالقول فصل وإذا انعقد البيع ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء إلى أن يتفرقا أو يتخايرا لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر والتفرق أن يتفرقا بأبدانهما بحيث إذا كلمه على العادة لم يسمع كلامه لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا اشترى شيئا مشى أذرعا ليجب البيع ثم يرجع ولان التفرق في الشرع مطلق فوجب أن يحمل على التفرق المعهود وذلك يحصل بما ذكرناه وإن لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حاجز من ستر أو غيره لم يسقط الخيار لان ذلك لا يسمى تفرقا
وأما التخاير فهو أن يقول أحدهما للآخر اختر إمضاء البيع أو فسخه فيقول الآخر اخترت إمضاءه أو فسخه فينقطع الخيار لقوله عليه السلام أو يقول أحدهما للآخر اختر فإن خير أحدهما صاحبه فسكت لم ينقطع خيار المسؤول وهل ينقطع خيار السائل فيه وجهان أحدهما لا ينقطع خياره كما لو قال لزوجته اختارى فسكتت فإن خيار الزوج في طلاقها لا يسقط والثاني أنه ينقطع لقوله عليه السلام أو يقول أحدهما للآخر اختر فدل على أنه إذا قال ( ذلك ) يسقط خياره ويخالف تخيير المرأة فإن المرأة لم تكن مالكة للخيار وإذا خيرها فقد ملكها ما لم تكن تملكه فإذا سكتت بقي على حقه وههنا المشتري يملك الفسخ فلا يفيد تخييره إسقاط حقه من الخيار فإن أكرها على التفرق ففيه وجهان أحدهما يبطل الخيار لانه كان يمكنه أن يفسخ بالتخاير فإذا لم يفعل فقد رضي بإسقاط الخيار والثاني أنه لا يبطل لانه لم يوجد منه أكثر من السكوت والسكوت لا يسقط الخيار فصل فإن باعه على أن لا خيار له ففيه وجهان من أصحابنا من قال يصح لان الخيار جعل رفقا بهما فجاز لهما تركه ولان الخيار غرر فجاز إسقاطه وقال أبو إسحاق لا يصح وهو الصحيح لانه خيار يثبت بعد تمام البيع فلم يجز إسقاطه قبل تمامه كخيار الشفيع فإن قلنا بهذا فهل يبطل العقد بهذا الشرط فيه وجهان أحدهما لا يبطل لان هذا الشرط لا يؤدي إلى الجهل بالعوض والمعوض والثاني يبطل لانه يسقط موجب العقد فأبطله كما لو شرط ألا يسلم المبيع فصل في بيان خيار الشرط ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها لما روى محمد بن يحيى بن حبان قال كان جدي قد بلغ ثلاثين ومائة سنة لا يترك البيع والشراء ولا يزال يخدع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايعته فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا فأما في البيوع التي فيها الربا وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام فلا يجوز فيها شرط الخيار لانه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ولم يتم البيع بينهما وجاز شرط الخيار في ثلاثة أيام وفيما دونها لانه إذا جاز شرط الثلاث فما دونها أولى بذلك ولا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لانه غرر وإنما جوز في الثلاث لانه رخصة فلا يجوز فيما زاد ويجوز أن يشترط لهما ( أو ) لاحدهما دون الآخر ويجوز أن يشترط لاحدهما ثلاثة أيام وللآخر يوم أو يومان لان ذلك جعل إلى شرطهما فكان على حسب الشرط فإن شرطا ثلاثة أيام ثم تخايرا سقط قياسا على خيار المجلس وإن شرط الخيار لاجنبي ففيه قولان أحدهما لا يصح لانه حكم من أحكام العقد فلا يثبت لغير المتعاقدين كسائر الأحكام والثاني يصح لانه جعل إلى شرطهما للحاجة وربما دعت الحاجة إلى شرطه للأجنبي بأن يكون أعرف بالمتاع منهما فإن شرطه للأجنبي وقلنا إنه يصح فهل يثبت له فيه وجهان أحدهما يثبت له لانه إذا ثبت للأجنبي من جهته فلان يثبت له أولى والثاني لا يثبت لان ثبوته بالشرط فلا يثبت إلا لمن شرط له قال ( الشافعي ) في الصرف إذا اشترى بشرط الخيار على ألا يفسخ حتى يستأمر فلانا لم يكن له أن يفسخ حتى يقول استأمرته فأمرني بالفسخ فمن أصحابنا من قال له أن يفسخ من غير إذنه لان له أن يفسخ من غير شرط الاستئمار فلا يسقط حقه بذكر الاستئمار وتأول ما قاله على أنه أراد به أنه لا يقول استأمرته إلا بعد أن يستأمره لئلا يكون ( كاذبا )
ومنهم من حمله على ظاهره أنه لا يجوز أن يفسخ لانه ثبت بالشرط فكان على ما شرط وإذا شرط الخيار في البيع ففي ابتداء مدته وجهان أحدهما من حين العقد لانها مدة ملحقة بالعقد فاعتبر ابتداؤها من حين العقد كالأجل ولانه لو اعتبر من حين التفرق صار أول مدة الخيار مجهولا لانه لا يعلم متى يفترقان والثاني أنه يعتبر من حين التفرق لان ما قبل التفرق الخيار ثابت فيه بالشرع فلا يثبت فيه بشرط الخيار فإن قلنا إن ابتداءه من حين العقد فشرط أن يكون من حين التفرق بطل لان وقت الخيار مجهول ولانه يزيد الخيار على ثلاثة أيام وإن قلنا إن ابتداءه من حين التفرق فشرط أن يكون من حين العقد ففيه وجهان أحدهما يصح لان ابتداء الوقت معلوم والثاني لا يصح لانه شرط ينافي موجب العقد فأبطله ومن ثبت له الخيار فله أن يفسخ في محضر من صاحبه وفي غيبته لانه رفع عقد جعل إلى اختياره فجاز في حضوره وغيبته كالطلاق فإن تصرف في المبيع تصرفا يفتقر إلى الملك كالعتق والوطء والهبة والبيع وما أشبهها نظرت فإن كان ذلك من البائع كان اختيارا للفسخ لانه تصرف يفتقر إلى الملك فجعل اختيارا للفسخ والرد إلى الملك وإن كان ذلك من المشتري ففيه وجهان قال أبو إسحاق إن كان ذلك عتقا كان اختيارا للإمضاء وإن كان غيره لم يكن اختيارا لان العتق لو وجد قبل العلم بالعيب منع الرد فأسقط خيار المجلس وخيار الشرط وما سواه لو وجد قبل العلم بالعيب لم يمنع الرد فلم يسقط خيار المجلس وخيار الشرط وقال أبو سعيد الإصطخري الجميع اختيار للإمضاء وهو الصحيح لان الجميع يفتقر إلى الملك فكان الجميع اختيارا للملك ولان في حق البائع الجميع واحد فكذلك في حق المشتري فإن وطئها المشتري بحضرة البائع وهو ساكت فهل ينقطع خيار البائع بذلك فيه وجهان أحدهما ينقطع لانه أمكنه أن يمنعه فإذا سكت كان ذلك رضا بالبيع والثاني لا ينقطع لانه سكوت عن التصرف في ملكه فلا يسقط عليه حكم التصرف كما لو رأى رجلا يخرق ثوبه فسكت عنه فإن جن من له الخيار أو أغمي عليه انتقل الخيار إلى الناظر في ماله وإن مات فإن كان في خيار الشرط انتقل الخيار إلى من ينتقل إليه المال لانه حق ثابت لاصلاح المال فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن فإن لم يعلم الوارث حتى ( انقضت ) المدة ففيه وجهان أحدهما يثبت له الخيار في القدر الذي بقي من المدة لانه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه والثاني أنه تسقط المدة ويثبت الخيار للوارث على الفور لان المدة فاتت وبقي الخيار فكان على الفور كخيار الرد بالعيب وإن كان في خيار المجلس فقد روى المزني أن الخيار للوارث وقال في المكاتب إذا مات وجب البيع فمن أصحابنا من قال لا يسقط الخيار بالموت في المكاتب وغيره وقوله في المكاتب وجب البيع أراد به أنه لا ينفسخ بالموت كما تنفسخ الكتابة ومنهم من قال يسقط الخيار في بيع المكاتب ولا يسقط في بيع غيره لان السيد يملك بحق الملك فإذا لم يملك في حياة المكاتب لم يملك بعد موته والوارث يملك بحق الإرث فانتقل إليه بموته ومنهم من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجهما على قولين أحدهما أنه يسقط الخيار لانه إذا سقط الخيار بالتفرق فلان يسقط بالموت والتفرق فيه أعظم أولى والثاني لا يسقط وهو الصحيح لانه خيار ثابت لفسخ البيع فلم يبطل بالموت كخيار الشرط فعلى هذا إن كان الذي ينتقل إليه الخيار حاضرا ثبت له الخيار إلى أن يتفرقا أو يتخايرا وإن كان غائبا ثبت له الخيار إلى أن يفارق الموضع الذي بلغه فيه فصل في بيان خيار المجلس
وفي الوقت الذي ينتقل الملك في البيع الذي فيه خيار المجلس أو خيار الشرط ثلاثة أقوال أحدها ينتقل بنفس العقد لانه عقد معاوضة يوجب الملك فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح والثاني أنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار لانه لا يملك التصرف إلا بالعقد وانقضاء الخيار فدل على أنه لا يملك إلا بهما والثالث أنه موقوف مراعى فإن لم يفسخ العقد تبينا أنه ملك بالعقد وإن فسخ تبينا أنه لم يملك لانه لا يجوز أن يملك بالعقد لانه لو ملك بالعقد لملك التصرف ولا يجوز أن يملك بانقضاء الخيار لان انقضاء الخيار لا يوجب الملك فثبت أنه موقوف مراعى فإن كان المبيع عبدا فأعتقه البائع نفذ عتقه لانه إن كان باقيا على ملكه فقد صادف العتق ملكه وإن كان قد زال ملكه عنه إلا أنه يملك الفسخ فجعل العتق فسخا وإن أعتقه المشتري لم يحل إما أن يفسخ البائع البيع أو لا يفسخ فإن لم يفسخ وقلنا إنه يملكه بنفس العقد وقلنا إنه موقوف ( مراعى ) نفذ عتقه لانه صادف ملكه وإن قلنا إنه لا يملك بالعقد لم يعتق لانه لم يصادف ملكه وإن فسخ البائع وقلنا إنه لا يملك بالعقد أو ( قلنا إنه ) موقوف لم يعتق لانه لم يصادف ملكه وإن قلنا إنه يملك بالعقد ففيه وجهان قال أبو العباس إن كان موسرا عتق وإن كان معسرا لم يعتق لان العتق صادف ملكه وقد تعلق به حق الغير فأشبه عتق المرهون ومن أصحابنا من قال لا يعتق وهو المنصوص لان البائع اختار الفسخ والمشتري اختار الإجازة بالعتق والفسخ والإجازة إذا اجتمعا قدم الفسخ ولهذا لو قال المشتري أجزت وقال البائع بعده فسخت قدم الفسخ وبطلت الإجازة وإن كانت سابقة للفسخ فإن قلنا لا يعتق عاد العبد إلى ملك البائع وإن قلنا يعتق فهل يرجع البائع بالثمن أو القيمة قال أبو العباس يحتمل وجهين أحدهما يرجع بالثمن ويكون العتق مقررا للعقد ومبطلا للفسخ والثاني أنه يرجع بالقيمة لان البيع انفسخ وتعذر الرجوع إلى العين فرجع إلى قيمته كما لو اشترى عبدا بثوب وأعتق العبد ووجد البائع بالثوب عيبا فرده فإنه يرجع بقيمة العبد فإن باع البائع المبيع أو وهبه صح لانه إما يكون على ملكه فيملك العقد عليه وإما أن يكون للمشتري إلا أنه يملك الفسخ فجعل البيع والهبة فسخا وإن باع المشتري المبيع أو وهبه نظرت فإن كان بغير رضى البائع فإن قلنا إنه في ملك البائع لم يصح تصرفه وإن قلنا إنه في ملكه ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري يصح وللبائع أن يختار الفسخ فإذا فسخ بطل تصرف المشتري ووجهه أن التصرف صادف ملكه الذي ثبت للغير فيه حق الانتزاع فأشبه إذا اشترى شقصا فيه شفعة فباعه ومن أصحابنا من قال لا يصح لانه باع عينا تعلق بها حق الغير من غير رضاه فلم يصح كما لو باع الراهن المرهون فأما إذا تصرف فيه برضى البائع نظرت فإن كان عتقا نفذ لانهما رضيا بإمضاء البيع وإن كان بيعا أو هبة ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه ابتدأ بالتصرف قبل أن يتم ملكه والثاني يصح لان المنع من التصرف لحق البائع وقد رضي البائع فصل في بيان وطء الجارية المبيعة وإن كان المبيع جارية لم يمنع البائع من وطئها لانها باقية على ملكه في بعض الأقوال ويملك ردها إلى ملكه في بعض الأقوال فإذا وطئها انفسخ البيع ولا يجوز للمشتري وطؤها لان في أحد الأقوال لا يملكها وفي الثاني مراعى فلا يعلم هل يملكها أم لا وفي الثالث يملكها ملكا غير مستقر فإن وطئها لم يجب الحد وإن أحبلها ثبت نسب الولد وانعقد الولد حرا لانه إما أن يكون في ملك أو شبهة ملك وأما المهر وقيمة الولد وكون الجارية أم ولد فإنه يبنى على الأقوال فإن أجاز البائع البيع بعد وطء المشتري وقلنا إن الملك للمشتري أو موقوف لم يلزمه المهر ولا قيمة الولد وتصير الجارية أم ولد لانها مملوكته
وإن قلنا إن الملك للبائع فعليه المهر وقال أبو إسحاق لا يلزمه كما لا تلزمه أجرة الخدمة والمذهب الأول لانه وطء في ملك البائع ويخالف الخدمة فإن الخدمة تستباح بالإباحة والوطء لا يستباح وفي قيمة الولد وجهان أحدهما لا تلزمه لانها وضعته في ملكه والاعتبار بحال الوضع ألا ترى أن قيمة الولد تعتبر حال الوضع والثاني تلزمه لان العلوق حصل في غير ملكه والاعتبار بحال العلوق لانها حالة الإتلاف وإنما تأخر التقويم إلى حال الوضع لانه لا يمكن تقويمه في حال العلوق وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان كما قلنا فيمن أحبل جارية غيره بشبهة فأما إذا فسخ البيع وعادت إلى ملكه فإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف وجب عليه المهر وقيمة الولد ولا تصير الجارية في الحال أم ولد وهل تصير أم ولد إذا ملكها فيه قولان وإن قلنا إن الملك للمشتري لم يجب عليه المهر لان الوطء صادف ملكه ومن أصحابنا من قال يجب لانه لم يتم ملكه عليها وهذا يبطل به إذا أجاز البائع البيع وعلى قول أبي العباس تصير أم ولد كما تعتق إذا أعتقها عنده وهل يرجع البائع بقيمتها أو بالثمن فيه وجهان وقد بينا ذلك في العتق وعلى المنصوص أنها لا تصير أم ولد له لان حق البائع سابق فلا يسقط بإحبال المشتري فإن ملكها المشتري بعد ذلك صارت أم ولد لانها إنما لم تصر أم ولد له في الحال لحق البائع فإذا ملكها صارت أم ولد فصل في حكم الولد الحادث في مدة الخيار وإن اشترى جارية فولدت في مدة الخيار بنينا على أن الحمل هل له حكم في البيع وفيه قولان أحدهما له حكم ويقابله قسط من الثمن وهو الصحيح لان ما أخذ قسطا من الثمن بعد الانفصال أخذ قسطا من الثمن قبل الانفصال كاللبن والثاني لا حكم له ولا قسط له من الثمن لانه يتبعها في العتق فلم يأخذ قسطا من الثمن كالأعضاء فإن قلنا إن له حكما فهو مع الأم بمنزلة العينين المبيعتين فإن أمضى العقد كانا للمشتري وإن فسخ العقد كانا للبائع كالعينين المبيعتين وإن قلنا لا حكم له نظرت فإن أمضى العقد وقلنا إن الملك ينتقل بالعقد أو موقوف فهما للمشتري وإن قلنا إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار فالولد للبائع فإن فسخ العقد وقلنا إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار أو قلنا إنه موقوف فالولد للبائع وإن قلنا يملك بالعقد فهو للمشتري وقال أبو إسحاق الولد للبائع لان على هذا القول لا ينفذ عتق المشتري وهذا خطأ لان العتق يفتقر إلى ملك تام والنماء لا يفتقر إلى ملك تام فصل في حكم تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار وإن تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار فلمن له الخيار الفسخ والإمضاء لان الحاجة التي دعت إلى الخيار باقية بعد تلف المبيع فإن فسخ وجبت القيمة على المشتري لانه تعذر رد العين فوجب رد القيمة وإن أمضى العقد فإن قلنا إنه يملك بنفس العقد أو موقوف فقد هلك من ملكه وإن قلنا يملك بالعقد وانقضاء الخيار وجب على المشتري قيمته والله أعلم باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز الأعيان ضربان نجس وطاهر فأما النجس فعلى ضربين نجس في نفسه ونجس بملاقاة نجاسة فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وروى أبو مسعود وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب فنص على الكلب والخنزير والخمر والميتة وقسنا عليها سائر الأعيان النجسة
فأما اقتناؤها فينظر فيه فإن لم يكن فيها منفعة مباحة كالخمر والخنزير والميتة والعذرة لم يجز اقتناؤها لما روى أنس قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر تصنع خلا فكرهه وقال اهرقها ولان اقتناء ما لا منفعة فيه سفه فلم يجز فإن كان فيه منفعة مباحة كالكلب جاز اقتناؤه للصيد والماشية والزرع لما روى سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيرطان وفي حديث أبي هريرة إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع ولان الحاجة تدعو إلى الكلب في هذه المواضع فجاز اقتناؤه وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروب فيه وجهان أحدهما لا يجوز للخبر والثاني يجوز لانه حفظ مال فأشبه الزرع والماشية وهل يجوز لمن لا يصطاد أن يقتنيه فيصطاد به إذا أراد فيه وجهان أحدهما يجوز للخبر والثاني لا يجوز لانه لا حاجة به إليه وهل يجوز اقتناء الجرو للصيد والزرع والماشية فيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه ليس فيه منفعة يحتاج إليها والثاني يجوز لانه إذا جاز اقتناؤه للصيد جاز اقتناؤه لتعليم ذلك وأما السرجين فإنه يكره اقتناؤه وتربية الزرع به لما فيه من مباشرة النجاسة وأما النجس بملاقاة النجاسة فهو الأعيان الطاهرة إذا أصابتها نجاسة فينظر فيها فإن كان جامدا كالثوب وغيره جاز بيعه لان البيع يتناول الثوب وهو طاهر وإنما جاورته النجاسة وإن كان مائعا نظرت فإن كان مما لا يطهر كالخل والدبس لم يجز بيعه لانه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة فلم يجز بيعه كالأعيان النجسة وإن كان ماء ففيه وجهان أحدهما لا يجوز بيعه لانه نجس لا يطهر بالغسل فلم يجز بيعه كالخمر والثاني يجوز بيعه لانه يطهر بالماء فأشبه الثوب فإن كان دهنا فهل يطهر بالغسل فيه وجهان أحدهما لا يطهر لانه لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل والثاني يطهر لانه يمكن غسله بالماء فهو كالثوب فإن قلنا لا يطهر لم يجز بيعه كالخل وإن قلنا يطهر ففي بيعه وجهان كالماء النجس ويجوز استعماله في السراج والأولى ألا يفعل لما فيه من مباشرة النجاسة فصل في بيع الأعيان الطاهرة وأما الأعيان الطاهرة فضربان ضرب لا منفعة فيه وضرب فيه منفعة فأما ما لا منفعة فيه فهو كالحشرات والسباع التي لا تصلح للاصطياد والطيور التي لا تؤكل ولا تصطاد كالرخمة والحدأة وما لا يؤكل مثل الغراب فلا يجوز بيعه لان ما لا منفعة فيه لا قيمة له فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل وبذل العوض فيه من السفه واختلف أصحابنا في بيع دار لا طريق لها أو بيع بيت من دار لا طريق إليه فمنهم من قال لا يصح لأنه لا يمكن الانتفاع به فلم يصح بيعه ومنهم من قال يصح لانه يمكن أن يحصل له طريق فينتفع به فيصح بيعه وأما ما فيه منفعة فلا يجوز بيع الحر منه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره ولا يجوز بيع أم الولد لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهات الأولاد لانه استقر لها حق الحرية وفي بيعها إبطال ذلك فلم يجز ويجوز بيع المدبر لما روى جابر رضي الله عنه أن رجلا دبر غلاما له ليس له مال غيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتريه مني فاشتراه نعيم ويجوز بيع المعتق بصفة لانه ثبت له العتق بقول السيد وحده فجاز بيعه كالمدبر وفي المكاتب قولان قال في القديم يجوز بيعه لان عتقه غير مستقر فلا يمنع من البيع وقال في الجديد لا يجوز لانه كالخارج من ملكه ولهذا لا يرجع أرش الجناية عليه إليه فلم يملك بيعه كما لو باعه
ولا يجوز بيع الوقف لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال أصاب عمر رضي الله عنه أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها قال فتصدق بها عمر صدقة لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث فصل في اشتراط كون المبيع منتفعا به ويجوز بيع ما سوى ذلك من الأعيان المنتفع بها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم وما ينتفع به من الحيوان بالركوب والأكل والدر والنسل والصيد والصوف وما يقتنيه الناس من العبيد والجواري والاراضي والعقار لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعها من غير إنكار ولا فرق فيها بين ما كان في الحرم من الدور وغيره لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر نافع بن عبد الحارث أن يشتري دارا بمكة للسجن من صفوان بن أمية فاشتراها بأربعة آلاف درهم ولانه أرض حية لم يرد عليها صدقة مؤبدة فجاز بيعها كغير الحرم ويجوز بيع المصاحف وكتب الأدب لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن بيع المصاحف فقال لا بأس يأخذون أجوز أيديهم ولانه طاهر منتفع به فهو كسائر الأموال واختلف أصحابنا في بيع بيض دود القز وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التي يجوز بيعها كالصقر والبازي فمنهم من قال هو طاهر ومنهم من قال هو نجس بناء على الوجهين في طهارة مني ما لا يؤكل لحمه ونجاسته فإن قلنا إن ذلك طاهر جاز بيعه لانه طاهر منتفع به فهو كبيض الدجاج وإن قلنا إنه نجس لم يجز بيعه لانه عين نجسة فلم يجز بيعه كالكلب والخنزير باب ما نهي عنه من بيع الغرر وغيره ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تخلق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر والغرر ما انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في وصف أبي بكر رضي الله عنه فرد نشر الإسلام على غره أي على طيه والمعدوم قد انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته فلم يجز بيعه وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة وفي بعضها عن بيع السنين فصل في حكم بيع ما لا يملك ولا يجوز بيع ما لا يملكه من غير إذن مالكه لما روى حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تبع ما ليس عندك ولان ما لا يملكه لا يقدر على تسليمه فهو كالطير في الهواء أو السمك في الماء فصل في بيع ما لم يستقر ملكه ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجارة والصداق وما أشبهها من المعاوضات قبل القبض لما روي أن حكيم بن حزام قال يا رسول الله إني أبيع بيوعا كثيرة فما يحل لي منها مما يحرم قال لا تبع ما لم تقبضه ولان ملكه عليه غير مستقر لانه ربما هلك فانفسخ العقد وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز وهل يجوز عتقه فيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز لما ذكرناه والثاني يجوز لان العتق له سراية فصح لقوته فأما ما ملكه بغير معاوضة منه كالميراث والوصية أو عاد إليه بفسخ عقد فإنه يجوز بيعه وعتقه قبل القبض لان ملكه عليه مستقر فجاز التصرف فيه كالمبيع بعد القبض وأما الديون فينظر فيها فإن كان الملك عليها مستقرا كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض لان ملكه مستقر عليه فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض وهل يجوز بيعه من غيره فيه وجهان أحدهما يجوز لان ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة والثاني لا يجوز لانه لا يقدر على تسليمه إليه لانه ربما منعه أو جحده وذلك غرر لا حاجة به إليه فلم يجز والأول أظهر لان الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود
وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلما فيه لم يجز بيعه لما روي أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل فقال آخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الخل فكرهه ابن عباس وقال خذ برأس المال علفا أو غنما ولان الملك في المسلم فيه غير مستقر لانه ربما تعذر فانفسخ البيع فيه فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان قال في الصرف يجوز بيعه قبل القبض لما روى ابن عمر قال كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء ولانه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك فصار كالمبيع بعد القبض وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز لان ملكه غير مستقر عليه لانه قد ينفسخ البيع فيه بتلف المبيع أو بالرد بالعيب فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض وفي بيع نجوم المكاتب قبل القبض طريقان أحدهما أنه على قولين بناء على القولين في بيع رقبته والثاني أنه لا يصح ذلك قولا واحدا وهو المنصوص في المختصر لانه لا يملكه ملكا مستقرا فلم يصح بيعه كالمسلم فيه والقبض فيما ينقل النقل لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجداد التخلية لان القبض ورد به الشرع وأطلقه فحمل على العرف والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية فصل في بيان اشتراط كون المعقود عليه مقدورا على تسليمه ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء أو السمك في الماء والجمل الشارد والفرس العائر والعبد الآبق والمال المغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا غرر ولهذا قال ابن مسعود لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولان القصد بالبيع تمليك التصرف وذلك لا يمكن فيما لا يقدر على تسليمه فإن باع طيرا في برج مغلق الباب أو السمك في بركة لا تتصل بنهر نظرت فإن قدر على تناوله إذا أراد من غير تعب جاز بيعه وإن كان في برج عظيم أو بركة عظيمة لا يقدر على أخذه إلا بتعب لم يجز بيعه لانه غير مقدور عليه في الحال وإن باع العبد الآبق ممن يقدر عليه أو المغصوب من الغاصب أو ممن يقدر على أخذه منه جاز لانه لا غرر في بيعه منه فصل في حكم العين المجهولة ولا يجوز بيع عين مجهولة كبيع عبد من عبيد وثوب من أثواب لان ذلك غرر من غير حاجة ويجوز أن يبيع قفيزا من صبرة لانه إذا عرف الصبرة عرف القفيز منها فزال الغرر فصل في حكم بيع العين الغائبة ولا يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها أو نوعها لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع ما لا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير فإن علم الجنس والنوع بأن قال بعتك الثوب المروي الذي في كمي أو العبد الزنجي الذي في داري أو الفرس الأدهم الذي في إصطبلي ففيه قولان قال في القديم و الصرف يصح ويثبت له الخيار إذا رآه لما روى ابن أبي مليكة أن عثمان رضي الله عنه ابتاع من طلحة أرضا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فقال عثمان بعتك ما لم أره فقال طلحة إنما النظر لي لاني ابتعت مغيبا وأنت قد رأيت ما ابتعت فتحا كما إلى جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة لانه ابتاع مغيبا ولانه عقد على عين فجاز مع الجهل بصفته كالنكاح