Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P142–V02/P143

كما لو ترك أكثر الأشواط وإن كان محدثا ففيه روايتان عن أبي حنيفة في رواية عليه صدقة وهي الرواية الصحيحة وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن النقص يسير فصار كشوط أو شوطين وفي رواية عليه شاة لأنه طواف واجب فاشبه طواف الزيارة وكذا ستر عورته ليس بشرط للجواز حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز به الصلاة جاز ولكن يجب عليه الدم وكذا الطهارة عن النجاسة إلا أنه يكره ولا شيء عليه والفرق ما ذكرنا في طواف الزيارة والله أعلم فصل وأما وقته فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال ينبغي للإنسان إذا أراد السفر أن يطوف طواف الصدر حين يريد أن ينفر وهذا بيان الوقت المستحب لا بيان أصل الوقت ويجوز في أيام النحر وبعدها ويكون أداء لإقضاء حتى لو طاف طواف الصدر ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة ها ( ( ( بها ) ) ) ولم يتخذها دارا جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف إلا أن الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر لما قلنا ولا يلزمه شيء بالتأخير عن أيام النحر بالإجماع فصل وأما مكانه فحول البيت لا يجوز إلا به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف والطواف بالبيت هو الطواف حوله فإن نفر ولم يطف يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات لأنه ترك طوافا واجبا وأمكنه أن يأتي به من غير الحاجة إلى تجديد الإحرام فيجب عليه أن يرجع ويأتي به وإن جاوز الميقات لا يجب عليه الرجوع لأنه لا يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها ثم إذا أراد أن يمضي مضي وعليه دم وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع وإذا رجع يبتديء بطواف العمرة ثم بطواف الصدر ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه وقالوا الأولى أن لا يرجع ويريق دما مكان الطواف لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه لما فيه من دفع مشقة السفر وضرر التزام الإحرام والله أعلم فصل وأما بيان سنن الحج وبيان الترتيب في أفعاله من الفرائض والواجبات والسنن فنقول وبالله الوفيق ( ( ( التوفيق ) ) ) إذا أراد أن يحرم اغتسل أو توضأ والغسل أفضل لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ ذا الحليفة اغتسل لإحرامه وسواء كان رجلا أو امرأة والمرأة طاهرة عن الحيض والنفاس أو حائض أو نفساء لأن المقصود من إقامة هذه السنة النظافة فيستوي فيها الرجل والمرأة وحال طهر المرأة وحيضها ونفاسها والدليل عليه أيضا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل تحت الشجرة في بيعة الرضوان أتاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال له إن أسماء قد نفست وكانت ولدت محمد بن أبي بكر رضي الله عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مرها فلتغتسل ولتحرم بالحج وكذا روي أن عائشة رضي الله عنها حاضت فأمرها بالاغتسال والإهلال بالحج والأمر بالاغتسال في الحديثين على وجه الاستحباب دون الإيجاب لأن الاغتسال عن الحيض والنفاس لا يجب حال قيام الحيض والنفاس وإنما كان الاغتسال أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره على الوضوء لإحرامه وكان يختار من الأعمال أفضلها وكذا أمر به عائشة وأسماء رضي الله عنهما ولأن معنى النظافة فيه أتم وأوفر

Section V02/P143

ويلبس ثوبين إزارا ورداء لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس ثوبين إزارا ورداء ولأن المحرم ممنوع عن لبس المخيط ولا بد من ستر العورة وما يتقي به الحر والبرد وهذه المعاني تحصل بإزار ورداء جديدين كانا أو غسيلين لأن المقصود يحصل بكل واحد منهما إلا أن الجديد أفضل لأنه أنظف وينبغي لولي من أحرم من الصبيان العقلاء أن يجرده ويلبسه ثوبين إزارا ورداء لأن الصبي في مراعاة السنن كالبالغ ويدهن بأي دهن شاء ويتطيب بأي طيب شاء سواء كان طيبا تبقى عينه بعد الإحرام أو لا تبقى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد أولا ثم رجع وقال يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام وحكى عن محمد في سبب رجوعه أنه قال كنت لا أرى به بأسا حتى رأيت قوما أحضروا طيبا كثيرا ورأيت أمرا شنيعا فكرهته وهو قول مالك احتج محمد بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي اغسل عنك هذا الخلوف وروي عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما كرها ذلك ولأنه إذا بقي عينه ينتقل من الموضع الذي طيبه إلى موضع آخر فيصير كأنه طيب ذلك الموضع ابتداء بعد الإحرام ولأبي حنيفة وأبي يوسف ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولإحلاله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ولقد رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إحرامه ومعلوم أن وبيص الطيب إنما يتبين مع بقاء عينه فدل أن الطيب كان بحيث تبقى عينه بعد الإحرام ولأن التطيب بعد حصل مباحا في الابتداء لحصوله في غير حال الإحرام والبقاء على التطيب لا يسمى تطيبا فلا يكره كما إذا حلق رأسه ثم أحرم وأما حديث الأعرابي فهو محمول على ما إذا كان عليه ثوب مزعفر والرجل يمنع من المزعفر في غير حال الإحرام ففي حال الإحرام أولى حملناه على هذا توفيقا بين الحديثين بقدر الإمكان وأما حديث عمر وعثمان فقد روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما بخلافه فوقع التعارض فسقط الاحتجاج بقولهما وما ذكر من معنى الانتقال إلى مكان آخر غير سديد لأن اعتباره يوجب الجزاء لو انتقل وليس كذلك بالإجماع ولو ابتدأ الطيب بعد الإحرام فوجبت عليه الكفارة فكفر وبقي عليه هل يلزمه كفارة أخرى ببقاء الطيب عليه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يلزمه كفارة أخرى لأن ابتداء الإحرام كان محظورا لوجوده في حال الإحرام فكذا البقاء عليه بخلاف المسألة الأولى وقال بعضهم لا يلزمه كفارة أخرى لأن حكم الابتداء قد سقط عنه بالكفارة والبقاء على الطيب لا يوجب الكفارة كما في المسألة الأولى ثم يصلي ركعتين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق وقال لي صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل لبيك بعمرة وحجة لأنه كان قارنا ثم ينوي الإحرام ويستحب له أن يتكلم بلسانه ما نوي بقلبه فيقول إذا أراد أن يحرم بالحج اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يقول اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني وإذا أراد القران يقول اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني لأن الحج عبادة عظيمة فيها كلفة ومشقة شديدة فيستحب الدعاء بالتيسير والتسهيل وبالقبول بعد التحصيل إذ لا كل عبادة تقبل

Section V02/P143–V02/P144

ألا ترى أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام لما بنيا البيت على الوجه الذي أمرا ببنائه سألا ربهما قبول ما فعلا فقالا ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ويستحب أن يذكر الحج والعمرة أو هما في إهلاله ويقدم العمرة على الحج في الذكر إذا أهل بهما فيقول لبيك بعمرة وحجة لما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل لبيك بعمرة وحجة وإنما يقدم العمرة على الحج في الذكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول كذلك ولأن العمرة تقدم على الحج في الفعل فكذا في الذكر ثم يلبي في دبر كل صلاة وهو الأفضل عندنا وقال الشافعي الأفضل أن يلبي بعدما استوى على راحلته وقال مالك بعدما استوى على البيداء وإنما اختلفوا فيه لاختلاف الرواية في أول تلبية النبي صلى الله عليه وسلم روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لبى دبر صلاته وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه لبى حين ما استوى على راحلته وروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لبى حين استوى على البيداء وأصحابنا أخذوا برواية ابن عباس رضي الله عنه لأنها محكمة في الدلالة على الأولية ورواية ابن عمر وجابر رضي الله عنهما محتملة لجواز أن ابن عمر رضي الله عنه لم يشهد تلبية النبي صلى الله عليه وسلم دبر الصلاة وإنما شهد تلبيته حال استوائه على الراحلة فظن أن ذلك أول تلبيته فروى ما رأى وجابر لم ير تلبيته إلا عند استوائه على البيداء فظن أنه أول تلبيته فروى ما رأى والدليل على صحة هذا التأويل ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال قلت لابن عباس كيف اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله فقال أنا أعلم بذلك صل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة ركعتين وأهل بالحج وكانت ناقته مسرجة على باب المسجد وابن عمر عندها فرآه قوم فقالوا أهل عقيب الصلاة ثم استوى على راحلته وأهل فكان الناس يأتونه أرسالا فأدركه قوم فقالوا إنما أهل حين استوى على راحلته ثم ارتفع على البيداء فأهل فأدركه قوم فقالوا إنما أهل حين ارتفع على البيداء وإيم الله لقد أوجبه في مصلاه ويكثر التلبية بعد ذلك في أدبار الصلوات فرائض كانت أو نوافل وذكر الطحاوي أنه يكثر في أدبار المكتوبات دون النوافل والفوائت وأجراها مجرى التكبير في أيام التشريق والمذكور في ظاهر الرواية في أدبار الصلوات عاما من غير تخصيص ولأن فضيلة التلبية عقيب الصلاة لاتصالها بالصلاة التي هي ذكر الله عز وجل إذ الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر الله تعالى وهذا يوجد في التلبية عقيب كل صلاة وكلما علا شرفا وكلما هبط واديا وكلما لقي ركبا وكلما استيقظ من منامه وبالأسحار لما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا كانوا يفعلون ويرفع صوته بالتلبية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الحج العج والثج والعج هو رفع الصوت بالتلبية والثج هو سيلان الدم وعن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني جبريل وأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج أمر برفع الصوت في التلبية وأشار إلى المعنى وهو أنها من شعائر الحج والسبيل في أذكار هي من شعائر الحج إشهارها وإظهارها كالأذان ونحوه والسنة أن يأتي بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك كذا روي عن ابن مسعود وابن عمر هذه الألفاظ في تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فالسنة أن يأتي بها ولا ينقص شيئا منها وإن زاد عليها فهو مستحب عندنا

Section V02/P144–V02/P145

وعند الشافعي لا يزيد عليها كما لا ينقص منها وهذا غير سديد لأنه لو نقص منها لترك شيئا من السنة ولو زاد عليها فقد أتى بالسنة وزيادة والدليل عليه ما روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يزيدون على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن مسعود رضي الله عنه يزيد لبيك عدد التراب لبيك لبيك ذا المعارج لبيك لبيك إله الحق لبيك وكان ابن عمر يزيد لبيك وسعديك والخير كله بيديك لبيك والرغباء إليك ويروى والعمل والرغباء إليك ولأن هذا من باب الحمد لله تعالى والثناء عليه فالزيادة عليه تكون مستحبة لا مكروهة ثم اختلفت الرواية في تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمة وهي قوله لبيك إن الحمد والنعمة لك رويت ( ( ( ورويت ) ) ) بالكسر والفتح والكسر أصح وهكذا ذكر محمد في الأصل أن الأفضل أن يقول بالكسر وإنما كان كذلك لأن معنى الفتح فيها يكون على التفسير أو التعليل أي ألبي بأن الحمد لك أو ألبي لأن الحمد لك أي لأجل أن الحمد لك وإذا كسرتها صار ما بعدهما ( ( ( بعدها ) ) ) ثناء وذكرا مبتدأ لا تفسيرا ولا تعليلا فكان أبلغ في الذكر والثناء فكان أفضل وإذا قدم مكة فلا يضره ليلا دخلها أو نهارا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها نهارا وروي أنه دخلها ليلا وكذا روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها دخلتها ليلا وروي أن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما دخلاها ليلا وما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه نهى عن دخول مكة ليلا فهو محمول على نهي الشفقة مخافة السرقة كذا أوله إبراهيم النخعي ولأنه إذا دخل ليلا لا يعرف موضع النزول فلا يدري أين ينزل وربما نزل في غير موضع النزول فيتأذى به ويدخل المسجد الحرام والأفضل أن يدخل من باب بني شيبة ويقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأعذني من الشيطان الرجيم وإذا وقع نظره على البيت يقول ويخفي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم هذا بيتك عظمته وشرفته وكرمته فزده تعظيما وتشريفا وتكريما ويبدأ بالحجر الأسود فإذا استقبله كبر ورفع يديه كما يرفعهما في الصلاة لكن حذو منكبيه لما روي عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد بدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلاة أنه قال لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وذكر من جملتها عند استلام الحجر الأسود ثم يرسلهما ويستلم الحجر إن أمكنه ذلك من غير أن يؤذي أحدا والافضل أن يقبله لما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه التزمه وقبله وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا وروي أنه قال والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وفي رواية أخرى قال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمك ما استلمتك ثم استلمه وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه فبكى طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر يبكي فقال له ما يبكيك فقال يا رسول الله رأيتك تبكي فبكيت لبكائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا تسكب العبرات وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ثم يرده إلى فيه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليبعثن الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما وأذنان يسمع بهما ولسان ينطق به فيشهد لمن استلمه بالحق

Section V02/P145–V02/P146

وروي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستلمون الحجر ثم يقبلونه فيلتزمه ويقبله أن أمكنه ذلك من غير أن يؤذي أحدا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي وإنك تؤذي الضعيف فإذا وجدت مسلكا فاستلم وإلا فدع وكبر وهلل ولأن الاستلام سنة وإيذاء المسلم حرام وترك الحرام أولى من الاتيان بالسنة وإذا لم يمكنه ذلك من غير أن يؤذي استقبله وكبر وهلل وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي عليه في الصلاة ولم يذكر عن أصحابنا فيه دعاء بعينه لأن الدعوات لا تحصى وعن مجاهد أنه كان يقول إذا أتيت الركن فقل اللهم إني أسألك إجابة دعوتك وابتغاء رضوانك واتباع سنة نبيك وعن عطاء رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بالحجر الأسود قال أعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر ولا يقطع التلبية عند استلام الحجر ويقطعها في العمرة لما نذكر إن شاء الله ثم يفتتح الطواف وهذا الطواف يسمى طواف اللقاء وطواف التحية وطواف أول عهد بالبيت وأنه سنة عند عامة العلماء وقال مالك أنه فرض واحتج بظاهر قوله عز وجل وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف بالبيت فدل على الوجوب والفرضية ولنا أنه لا يجب على أهل مكة بالإجماع ولو كان ركنا لوجب عليهم لأن الأركان لا تختلف بين أهل مكة وغيرهم كطواف الزيارة فلما لم يجب على أهل مكة دل أنه ليس بركن والمراد من الآية طواف الزيارة لإجماع أهل التفسير ولأنه خاطب الكل بالطواف بالبيت وطواف الزيارة هو الذي يجب على الكل فأما طواف اللقاء فإنه لا يجب على أهل مكة دل على أن المراد هو طواف الزيارة وكذا سياق الآية دليل عليه لأنه أمرنا بذبح الهدايا بقوله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وأمر بقضاء التفث وهو الحلق والطواف بالبيت عقيب ذبح الهدي لأن كلمة ثم للترتيب مع التعقيب فيقتضي أن يكون الحلق والطواف مرتبين على الذبح والذبح يختص بأيام النحر لا يجوز قبلها فكذا الحلق والطواف وهو طواف الزيارة فأما طواف اللقاء فإنه يكون سابقا على أيام النحر فثبت أن المراد من الآية الكريمة طواف الزيارة وبه نقول إنه ركن وإذا افتتح الطواف يأخذ عن يمينه مما يلي الباب فيطوف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول ويمشي على هينته ( ( ( هيئته ) ) ) في الأربعة الباقية والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف بالبيت سبعة أشواط وأما الرمل فالأصل فيه أن كل طواف بعده سعي فمن سننه الإضطباع والرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه وكل طواف ليس بعده سعي فلا رمل فيه وهذا قول عامة الصحابة رضي الله تعالى إلا ما حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرمل في الطواف ليس بسنة وجه قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمل وندب أصحابه إليه لإظهار الجلد للمشركين وإبداء القوة لهم من أنفسهم فإنه روي أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وكفار قريش قد صفت عند دار الندوة ينظرون إليهم ويستضعفونهم ويقولون أوهنتهم حمي يثرب فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ورمل ثم قال رحم الله أمرا أبدى من نفسه جلدا وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أمرأ أراهم اليوم من نفسه قوة وذلك المعنى قد زال فلم يبق الرمل سنة لكنا نقول الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تكاد تصح لأنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل بعد فتح مكة

Section V02/P146–V02/P147

وروي عن ان عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا وكذا أصحابه رضي الله تعالى عنهم بعده رملوا وكذا المسلمون إلى يومنا هذا فصار الرمل سنة متواترة فإما أن يقال إن أول الرمل كان لذلك السبب وهو إظهار الجلادة وإبداء القوة للكفرة ثم زال ذلك السبب وبقيت سنة الرمل على الأصل المعهود أن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم كالبيع والنكاح وغيرهما وإما أن يقال لما رمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد زوال ذلك السبب صار الرمل سنة مبتدأة فنتبع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وإن كان لا نعقل معناه وإلى هذا أشار عمر رضي الله تعالى عنه حين رمل في الطواف وقال مالي أهز كتفي وليس ههنا أحد رأيته لكن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال لكن أفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمل من الحجر إلى الحجر وهذا قول عامة العلماء وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وطاوس رضي الله عنهم لا يرمل بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود وإنما يرمل من الجانب الآخر وجه قولهم إن الرمل في الأصل كان لإظهار الجلادة للمشركين والمشركون إنما كانوا يطلعون على المسلمين من ذلك الجانب فإذا صاروا إلى الركن اليماني لم يطلعوا عليهم لصيرورة البيت حائلا بينهم وبين المسلمين ولنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثا من الحجر إلى الحجر والجواب عن قولهم إن الرمل كان لإظهار القوة والجلادة أن الرمل الأول كان لذلك وقد زال وبقي حكمه أو صار الرمل بعد ذلك سنة مبتدأة لا لما شرع له الأول بل لمعنى آخر لا نعقله وأما الاضطباع فلما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمل مضطبعا بردائه وتفسير الاضطباع بالرداء هو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره ويبدي منكبه الأيمن ويغطي الأيسر سمي اضطباعا لما فيه من الضبع وهو العضد لما فيه من إبداء الضبعين وهما العضدان فإن زوحم في الرمل وقف فإذا وجد فرجة رمل لأنه ممنوع من فعله الأعلى وجه السنة فيقف إلى أن يمكنه فعله على وجه السنة ويستلم الحجر في كل شوط يفتتح به إن استطاع من غير أن يؤذي أحدا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بالحجر الأسود استلمه ولأأ كل شوط طواف على حدة فكان استلام الحجر فيه مسنونا كالشوط الأول وإن لم يستطع استقبله وكبر وهلل وأما الركن اليماني فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة ولكنه قال إن استلمه فحسن وإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة رحمه الله وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة وقال محمد رحمه الله يستلمه ولا يتركه وهذا يدل على أن استلامه سنة ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة وقال الشافعي يستلمه ويقبل يده وجه قول محمد ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم هذين الركنين ولا يستلم ( ( ( يتسلم ) ) ) غيره ( ( ( غيرهما ) ) ) وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني ويضع خده عليه وجه ما ذكر في الأصل وهو أنه مستحب وليس بسمنون ( ( ( بمسنون ) ) ) أنه ليس من السنة تقبيله ولو كان مسنونا لسن تقبيله كالحجر الأسود وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركن اليماني ولم يقبله وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة وأما الركنان الأخران وهما العراقي والشامي فلا يستلمهما عند عامة الصحابة رضي الله عنهم وهو قولنا وعن معاوية وزيد بن ثابت وسويد بن غفلة رضي الله عنهم أنه يستلم الأركان الأربعة

Section V02/P147

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى معاوية وسويدا استلما جميع الأركان فقال ابن عباس لمعاوية إنما يستلم هذين الركنين فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجورا والصحيح قول العامة لان الاستلام إنما عرف سنة بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما استلم غبر الركنين ولما روينا عن عمر رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما ولأن الاستلام لأركان البيت والركن الشامي والعراقي ليسا من الأركان حقيقة لأن ركن الشيء ناحيته وهما في وسط البيت لأن الحطيم من البيت وجعل طوافه من وراء الحطيم فلو لم يجعل طوافه من ورائه لصار تاركا الطواف ببعض البيت إلا أنه لا يجوز التوجه إليه في الصلاة لما ذكرنا فيما تقدم وإذا فرغ من الطواف يصلي ركعتين عند المقام أو حيث تيسر عليه من المسجد وركعتا الطواف واجبة عندنا وقال الشافعي سنة بناء على أنه لا يعرف الواجب إلا الفرض وليستا بفرض وقد واظب عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانتا سنة ونحن نفرق بين الفرض والواجب ونقول الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت وجوبه بدليل غير مقطوع به ودليل الوجوب قوله عز وجل واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قيل في بعض وجوه التأويل إن مقام إبراهيم ما ظهر فيه آثار قدميه الشريفين عليه الصلاة والسلام وهو حجارة كان يقوم عليها حين نزوله وركوبه من الإبل حين كان يأتي إلى زيارة هاجر وولده إسماعيل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ ذلك الموضع مصلى يصلي عنده صلاة الطواف مستقبلا الكعبة على ما روي أن النبي عليه السلام لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني ليصلي فقال عمر رضي الله تعالى عنه ألا نتخذ مقام إبراهيم مصلي فأنزل الله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومطلق الأمر لوجوب العمل وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الطواف أتى المقام وصلى عنده ركعتين وتلا قوله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وروي عن عمر رضي الله عنه أنه نسي ركعتي الطواف فقضاهما بذي طوى فدل أنها واجبة ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون افتتاح السعي بين الصفا والمروة باستلام الحجر كما يكون افتتاح الطواف باستلام الحجر الأسود والأصل فيه أن كل طواف بعده سعي فإنه يعود بعد الصلاة إلى الحجر وكل طواف لا سعى بعده لا يعود إلى الحجر كذا روي عن عمر وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وعن عائشة رضي الله عنها أنه لا يعود وإن كان بعده سعى وهو قول عمر ابن ( ( ( بن ) ) ) عبد العزيز والصحيح أنه يعود لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه صلى ركعتين خلف المقام وقرأ فيهما آيات من سورة البقرة وقرأ فيهما واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ورفع صوته يسمع الناس ثم رجع إلى الركن فاستلمه ولأن السعي مرتب على الطواف لا يجوز قبله ويكره أن يفصل بين الطواف وبين السعي فصار كبعض أشواط الطواف والاستلام بين كل شوطين سنة وهذا المعنى لا يوجد في طواف لا يكون بعده سعي لأنه إذا لم يكن بعده سعي لا يوجد الملحق له بالأشواط فلا يعود إلى الحجر ثم يخرج إلى الصفا لما روي جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركن وخرج إلى الصفا فقال نبدأ بما بدأ الله به وتلا قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله

Section V02/P147–V02/P148

ولم يذكر في الكتاب أنه من أي باب يخرج من باب الصفا أو من حيث تيسر له وما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من باب الصفا فذلك ليس على وجه السنة عندنا وإنما خرج منه لقربه من الصفا أو لأمر آخر ويصعد على الصفا إلى حيث يرى الكعبة فيحول وجهه إليها ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الله تعالى بحوائجه ويرفع يديه ويجعل بطون كفيه إلى السماء لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى على الصفا حتى بدا له البيت ثم كبر ثلاثا وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ( ( ( يحيي ) ) ) ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وجعل يدعو بعد ذلك ثم يهبط نحو المروة فيمشي على هينته ( ( ( هيئته ) ) ) حتى ينتهي إلى بطن الوادي فإذا كان عند الميل الأخضر في بطن الوادي سعي حتى يجاوز الميل الأخضر فيسعى بين الميلين الأخضرين لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الدعاء مشى نحو المروة حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى وقال في سعيه رب إغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم وكان عمر رضي الله عنه إذا رمل بين الصفا والمروة قال اللهم استعملني بسنة نبيك وتوفني على ملته وأعذني من عذاب القبر ثم يمشي على هينته ( ( ( هيئته ) ) ) حتى يأتي المروة فيصعد عليها ويقوم مستقبل القبلة فيحمد الله تعالى ويثني عليه ويكبر ويهلل ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى حوائجه فيفعل على المروة مثل ما فعل على الصفا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل ويطوف بينهما سبعة أشواط هكذا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ويسعى في بطن الوادي في كل شوط ويعد البداية شوطا والعود شوطا آخر خلافا لما قاله الطحاوي أنهما يعدان جميعا شوطا واحدا وأنه خلاف ظاهر الرواية لما بينا فيما تقدم فإذا فرغ من السعي فإن كان محرما بالعمرة ولم يسق الهدى يحلق أو يقصر فيحل لأن أفعال العمرة هي الطواف والسعي فإذا أتى بهما لم يبق عليه شيء من أفعال العمرة فيحتاج إلى الخروج منها بالتحلل وذلك بالحلق أو التقصير كالتسليم في باب الصلاة والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم فإذا حلق أو قصر حل له جميع محظورات الإحرام وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا وقال الشافعي يقع التحلل من العمرة بالسعي ومن الحج بالرمي والمسألة قد مرت في بيان واجبات الحج وإن كان قد ساق الهدى لا يحلق ولا يقصر للعمرة بل يقيم حراما إلى يوم النحر لا يحل له التحلل إلا يوم النحر عندنا وعند الشافعي سوق الهدي لا يمنع من التحلل ونذكر المسألة في التمتع إن شاء الله تعالى وإن كان محرما بالحج فإن كان مفردا به يقيم على إحرامه ولا يتحلل لأن أفعال الحج عليه باقية فلا يجوز له التحلل إلى يوم النحر ومن الناس من قال يجوز له أن يفتتح إحرام الحج بفعل العمرة وهو الطواف والسعي والتحلل منها بالحلق أو التقصير لما روي عن جابر رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أهلوا بالحج مفردين فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج فالجواب أن ذلك كان ثم نسخ وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال أشهد أن فسخ الإحرام كان خاصا للركب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم

Section V02/P148–V02/P149

وإن كان قارنا فإنه يطوف طوافين ويسعى سعيين عندنا فيبدأ أولا بالطواف والسعي للعمرة فيطوف ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج كما وصفنا وعند الشافعي يطوف لهما جميعا طوافا واحدا ويسعى لهما سعيا واحدا وهذا بناء على أن القارن عندنا محرم بإحرامين بإحرام العمرة واحرام الحج ولا يدخل إحرام العمرة في إحرام الحج وعنده يحرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في إحرام الحج لأن نفس العمرة لا تدخل في الحجة ولأن الإحرام على أصله ركن لما نذكر فكان من أفعال الحج والأفعال يجوز فيها التداخل كسجدة التلاوة والحدود وغيرها ولنا ما روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعمران بن الحصين ( ( ( حصين ) ) ) رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ولأن القارن محرم بالعمرة ومحرم بالحجة حقيقة لأن قوله لبيك بعمرة وحجة معناه لبيك بعمرة ولبيك بحجة كقوله جاءني زيد وعمرو أن معناه جاءني زيد وجاءني عمرو وإذا كان محرما بكل واحد منهما يطوف ويسعى لكل واحد منهما طوافا على حدة وسعيا على حدة وكذا تسمية القران يدل على ما قلنا إذ القران حقيقة يكون بين شيئين إذ هو ضم شيء إلى شيء ومعنى الضم حقيقة فيما قلنا لا فيما قاله واعتبار الحقيقة أصل في الشريعة وأما الحديث فمعناه دخل وقت العمرة في وقت الحج لأن سبب ذلك أنهم كانوا يعدون العمرة في وقت الحج من أفجر الفجور ثم رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة أي دخل وقت العمرة في وقت الحجة وهو أشهر الحج ويحتمل ما قلنا ويحتمل ما قاله فلا يكون حجة مع الاحتمال ولو طاف القارن طوافين متواليين وسعى سعيين متواليين أجزأه وقد أساء أما الجواز فلأنه أتى بوظيفة من الطوافين والسعيين وأما الإساءة فلتركه السنة وهي تقديم أفعال الحج على أفعال العمرة ولو طاف أولا بحجته وسعى لها ثم طاف لعمرته وسعى لها فنيته لغو وطوافه الأول وسعيه يكونان للعمرة لما مر أن أفعال العمرة تترتب على ما أوجبه إحرامه وإحرامه أوجب تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج فلغت نيته وإذا فرغ من أفعال العمرة لا يحلق ولا يقصر لأنه بقي محرما بإحرام الحج وإن كان متمتعا فإذا قدم مكة فإنه يطوف ويسعى لعمرته ثم يحرم بالحج في أشهر الحج ويلبس الإزار والرداء ويلبي بالحج لأن هذا ابتداء دخوله في الحج للإحرام بالحج وله أن يحرم من جوف مكة أو من الأبطح أو من أي حرم شاء وله أن يحرم يوم التروية عند الخروج إلى منى وقيل يوم التروية وكلما قدم الإحرام بالحج على يوم التروية فهو أفضل عندنا وقال الشافعي الأفضل أن يحرم يوم التروية واحتج بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحرام يوم التروية فدل أن ذلك أفضل ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أراد الحج فليتعجل وأدنى درجات الأمر الندب ولأن التعجيل من باب المسارعة إلى العبادة فكان أولى ولأنه أشق على البدن لأنه إذا أحرم بالحج يحتاج إلى الاجتناب عن محظورات الإحرام وأفضل الأعمال أحمزها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الحديث فإنما ندب إلى الإحرام بالحج يوم التروية لركن خاص اختار لهم الأيسر على الأفضل ألا ترى أنه أمرهم بفسخ إحرام الحج وأنه لا يفسخ اليوم

Section V02/P149–V02/P150

وإذا أحرم المتمتع بالحج فلا يطوف بالبيت ولا يسعى في قول أبي حنيفة ومحمد لأن طواف القدوم للحج لمن قدم مكة بإحرام الحج والمتمتع إنما قدم مكة بإحرام العمرة لا بإحرام الحج وإنما يحرم للحج من مكة وطواف القدوم لا يكون بدون القدوم وكذلك لا يطوف ولا يسعى أيضا لأن السعي بدون الطواف غير مشروع ولأن المحل الأصلي للسعي ما بعد طواف الزيارة لأن السعي واجب وطواف الزيارة فرض والواجب يصلح تبعا للفرض فأما طواف القدوم فسنة والواجب لا يتبع السنة إلا أنه رخص تقديمه على محله الأصلي عقيب طواف القدوم فصار واجبا عقيبه بطريق الرخصة وإذا لم يوجد طواف القدوم يؤخر السعي إلى محله الأصلى فلا يجوز قبل طواف الزيارة وروى الحسن عن أبي حنيفة أن المتمتع إذا أحرم بالحج يوم التروية أو قبله فإن شاء طاف وسعى قبل أن يأتي إلى منى وهو أفضل وروي هشام عن محمد أنه إن طاف وسعى لا بأس به ووجه ذلك أن هذا الطواف ليس بواجب بل هو سنة وقد ورد الشرع بوجوب السعي عقيبه وإن كان واجبا رخصة وتيسيرا في حق المفرد بالحج والقارن فكذا المتمتع والجواب نعم أنه سنة لكنه سنة القدوم للحج لمن قدم بإحرام الحج والمتمتع لم يقدم مكة بإحرام الحج فلا يكون سنة في حقه وعن الحسن بن زياد أنه فرق بينهما قبل الزوال وبعده فقال إذا أحرم يوم التروية طاف وسعى إلا أن يكون أحرم بعد الزوال ووجهه أن بعد الزوال يلزمه الخروج إلى منى فلا يشتغل بغيره وقبل الزوال لا يلزمه الخروج فكان له أن يطوف ويسعى والجواب ما ذكرنا وإذا فرغ المفرد بالحج أو القارن من السعي يقيم على إحرامه ويطوف طواف التطوع ماشيا إلى يوم التروية لأن الطواف خير موضوع كالصلاة فمن شاء استقل ومن شاء استكثر وطواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل لأن الغرباء يفوتهم الطواف إذ لا يمكنهم الطواف في كل مكان ولا تفوتهم الصلاة لأنه يمكن فعلها في كل مكان وأهل مكة لا يفوتهم الطواف ولا الصلاة فعند الاجتماع الصلاة أفضل وعلى هذا الغازي الحارس في دار الحرب أنه إن كان هناك من ينوب عنه في دار الحرب فصلاة التطوع أفضل له وإن لم يكن فالحراسة أفضل ولا يرمل في هذا الطواف بل يمشي على هيئته ولا يسعى بعده بين الصفا والمروة غير السعي الأول ويصلي لكل أسبوع ركعتين في الوقت الذي لا يكره فيه التطوع ويكره الجمع بين أسبوعين من غير صلاة بينهما عند أبي حنيفة ومحمد سواء انصرف ( ( ( الصرف ) ) ) عن شفع أو وتر وقال أبو يوسف لا بأس به إذا انصرف عن وتر نحو أن ينصرف عن ثلاثة أسابيع أو عن خمسة أسابيع أو عن سبعة أسابيع واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تجمع بين الطواف ثم تصلي بعده ثم فرق أبو يوسف بين انصرافه عن شفع أو عن وتر فقال إذا انصرف عن أسبوعين وذلك أربعة عشر أو أربعة أسابيع وذلك ثمانية وعشرون يكره ولو انصرف عن ثلاثة أو عن خمسة لا يكره لأن الأول شفع والثاني وتر وأصل الطواف سبعة وهي وتر ولهما أن ترتيب الركعتين على الطواف كترتيب السعي عليه لأن كل واحد منهما واجب ثم لو جمع بين أسبوعين من الطواف وأخر السعي يكره فكذا إذا جمع بين أسبوعين منه وأخر الصلاة وأما حديث عائشة رضي الله عنها فيحمل أنها فعلت ذلك لضرورة وعذر فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة يروح مع الناس إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام يوم التروية فخرج به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا به إلى عرفات

Section V02/P150–V02/P151

وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال لما كان يوم التروية توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الصبح ( ( ( والصبح ) ) ) ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وسار إلى عرفات فإن دفع منها قبل طلوع الشمس جاز والأول أفضل لما روينا فيخرج إلى عرفات على السكينة والوقار فإذا انتهى إليها نزل بها حيث أحب إلا في بطن عرنة لما روي عنه أنه قال عرفات كلها مواقف ( ( ( موقف ) ) ) إلا بطن عرنة ويغتسل يوم عرفة وغسل يوم عرفة سنة كغسل يوم الجمعة والعيدين وعند الإحرام وذكر في الأصل إن اغتسل فحسن وهذا يشير إلى الاستحباب ثم غسل يوم عرفة لأجل يوم عرفة أو لأجل الوقوف فيجوز أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في غسل يوم الجمعة في كتاب الطهارة فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر فأذن المؤذنون والإمام على المنبر في ظاهر الرواية فإذا فرغوا من الأذان قام الإمام وخطب خطبتين وعن أبي يوسف ثلاث روايات روي عنه مثل قول أبي حنيفة ومحمد وروي عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط ثم يخرج بعد فراغ المؤذن من الأذان فيصعد المنبر ويخطب وروى الطحاوي عنه في باب خطب الحج أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل الأذان فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون ثم يتم خطبته بعد الأذان أما تقديم الخطبة على الصلاة فلأن النبي قدمها على الصلاة ولأن المقصود من هذه الخطبة تعليم أحكام المناسك فلا بد من تقديمها ليعلموا ولأنه لو أخرها يتبادر القوم إلى الوقوف ولا يستمعون فلا يحصل المقصود من هذه الخطبة ثم هذه الخطبة سنة وليست بفريضة لو جمع بين الظهر والعصر فصلاهما من غير خطبة أجزأه بخلاف خطبة الجمعة لأنه لا تجوز الجمعة بدونها والفرق أن هذه الخطبة لتعليم المناسك لا لجواز الجمع بين الصلاتين وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة وقيامها مقام البعض على ما قالت عائشة رضي الله عنها إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة وقصر الصلاة ترك شطرها ولا يجوز ترك الفرض إلا لأجل الفرض فكانت الخطبة فرضا ولا قصر ههنا لأن كل واحد من الفرضين يؤدي على الكمال والتمام فلم تكن الخطبة فرضا إلا أنه يكون مسيئا بترك الخطبة لأنه ترك السنة ولو خطب قبل الزوال أجزأه وقد أساء أما الجواز فلأن هذه الخطبة ليست من شطر الصلاة فلا يشترط لها الوقت وأما الإساءة فلتركه السنة إذ السنة أن تكون الخطبة بعد الزوال بخلاف خطبة يوم الجمعة فإنه إذا خطب قبل الزوال لا تجوز الجمعة لأن الخطبة هناك من فرائض الجمعة ألا ترى أنه قصرت الجمعة لمكانها ولا يترك بعض الفروض ( ( ( الفرض ) ) ) إلا لأجل الفرض وأما الكلام في وقت صعود الإمام على المنبر أنه يصعد قبل الأذان أو بعده فوجه رواية أبي يوسف أن الصلاة التي تؤدي في هذا الوقت هي صلاة الظهر والعصر فيكون الأذان فيهما قبل خروج الإمام كما في سائر الصلوات وكما في الظهر والعصر في غير هذا المكان والزمان وجه ظاهر الرواية أن هذه الخطبة لما كانت متقدمة على الصلاة كان هذا الأذان للخطبة فيكون بعد صعود الإمام على المنبر كخطبة الجمعة وقد خرج الجواب عما قاله أبو يوسف إن هذه صلاة الظهر والعصر لأنا نقول نعم لكن نقدم عليها الخطبة فيكون وقت الأذان بعد ما صعد الإمام المنبر للخطبة كما في خطبة الجمعة فإذا فرغ المؤذنون من الأذان قام الإمام وخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة خفيفة كما يفصل في خطبة الجمعة

Section V02/P151

وصفة الخطبة هي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويكبر ويهلل ويعظ الناس فيأمرهم بما أمرهم الله عز وجل وينهاهم عما نهاهم الله عنه ويعلمهم مناسك الحج لأن الخطبة في الأصل وضعت لما ذكرنا من الحمد والثناء والتهليل والتكبير والوعظ والتذكير ويزاد في هذه الخطبة تعليم معالم الحج لحاجة الحجاج إلى ذلك ليتعلموا الوقوف بعرفة والإفاضة منها والوقوف بمزدلفة فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذنون فصلى الإمام بهم صلاة الظهر ثم يقوم المؤذنون فيقيمون للعصر فيصلى بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ولا يشتغل الإمام والقوم بالسنن والتطوع فيما بينهما لأن النبي جمع بينهما بعرفة يوم عرفة بأذان واحد وإقامتين ولم يتنفل قبلهما ولا بعدهما مع حرصه على النوافل فإن اشتغلوا فيما بينهما بتطوع أو غيره أعادوا الأذان للعصر لأن الأصل أن يؤذن لكل مكتوبة وإنما عرف ترك الأذان بفعل النبي وأنه لم يشتغل فيما بين الظهر والعصر بالتطوع ولا بغيره فبقي الأمر عند الاشتغال على الأصل ويخفي الإمام القراءة فيهما بخلاف الجمعة والعيدين فإنه يجهر فيهما بالقراءة لأن الجهر بالقراءة هناك من الشعائر والسبيل في الشعائر إشهارها في الجهر زيادة إشهار فشرعت تلك الصلاة كذلك فأما الظهر والعصر فهما على حالهما لم يتغيرا لأنهما كظهر سائر الأيام وعصر سائر الأيام والحادث ليس إلا اجتماع الناس واجتماعهم للوقوف لا للصلاة وإنما اجتماعهم في حق الصلاة حصل اتفاقا ثم إن كان الإمام مقيما من أهل مكة يتم كل واحدة من الصلاتين أربعا أربعا والقوم يتمون معه وإن كانوا مسافرين لأن المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت يلزمه الإتمام لأنه بالاقتداء بالإمام صار تابعا له في هذه الصلاة وإن كان الإمام مسافرا يصلي كل واحدة من الصلاتين ركعتين ركعتين فإذا سلم يقول لهم أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر ثم لجواز الجمع أعني تقديم العصر على وقتها وأداءها في وقت الظهر شرائط بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه أما المتفق عليه فهو شرطان أحدهما أن يكون أداؤها عقيب الظهر لا يجوز تقديمها عليها لأنها شرعت مرتبة على الظهر فلا يسقط الترتيب إلا بأسباب مسقطة ولم توجد فلا تسقط فلزم مراعاة الترتيب والثاني أن تكون مرتبة على ظهر جائزة استحسانا حتى لو صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في يوم غيم ثم استبان لهم أن الظهر وقعت قبل الزوال والعصر بعد الزوال فعليهم إعادة الظهر والعصر جميعا استحسانا والقياس أن لا يكون هذا شرطا وليس عليه إلا إعادة الظهر وجه القياس الاعتبار بسائر الأيام فإنه إذا صلى العصر في سائر الأيام على ظن أنه صلى الظهر ثم تبين أنه لم يصلها يعيد الظهر خاصة كذا ههنا والجامع أنه صلى العصر على ظن أنه ليس عليه إلا إعادة الظهر فأشبه الناسي والنسيان عذر مسقط للترتيب وجه الاستحسان أن العصر مؤداة قبل وقتها حقيقة فالأصل أن لا يجوز أداء العبادة المؤقتة قبل وقتها وإنما عرفنا جوازها بالنص مرتبة على ظهر جائزة فإذا لم تجز بقي الأمر فيها على الأصل وأما المختلف فيه فمنها أن يكون أداء الصلاتين بالجماعة عند أبي حنيفة حتى لو صلى العصر وحده أو الظهر وحده لا تجوز العصر قبل وقتها عنده وعند أبي يوسف ومحمد هذا ليس بشرط ويجوز تقديمها على وقتها وجه قولهما أن جواز التقديم لصيانة الوقوف بعرفة لأن أداء العصر في وقتها يحول بينه وبين الوقوف وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين الوحدان والجماعة ولأبي حنيفة أن الجواز ثبت معدولا به عن الأصل لأنها عبادة مؤقتة والعبادات المؤقتة لا يجوز تقديمها على أوقاتها إلا أن جواز تقديم العصر على وقتها ثبت بالنص غير معقول المعنى فيراعى فيه عين ما ورد به النص والنص ورد بجواز أداء العصر كاملا مرتبا على ظهر كامل وهي المؤداة بالجماعة والمؤداة لا بجماعة لا تساويها في الفضيلة فلا يكون في معنى المنصوص عليه

Section V02/P151–V02/P152

وقولهما أن الجواز ثبت لصيانة الوقوف ممنوع ولا يجوز أن يكون معلولا به لأن الصلاة لا تنافي الوقوف لأنها في نفسها وقوف والشيء لا ينافي نفسه وإنما ثبت نصا غير معقول المعنى فيتبع فيه مورد النص وهو ما ذكرنا ولم يوجد ولو أدرك ركعة من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام بأن أدرك ركعة من الظهر ثم قام الإمام ودخل في العصر فقام الرجل وقضى ما فاته من الظهر فلما فرغ من الظهر دخل في صلاة الإمام في العصر وأدرك شيئا من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام جاز له تقديم العصر بلا خلاف لأنه أدرك فضيلة الجماعة فتقع العصر مرتبة على ظهر كامل ومنها أن يكون أداء الصلاتين بإمام وهو الخليفة أو نائبه في قول أبي حنيفة حتى لو صلى الظهر بجماعة لكن لا مع الإمام والعصر مع الإمام لم تجز العصر عنده وعندهما هذا ليس بشرط والصحيح قول أبي حنيفة لما ذكرنا أن جواز التقديم ثبت معدولا به عن الأصل مرتبا على ظهر كامل وهي المؤداة بالجماعة مع الإمام أو نائبه فالمؤداة بجماعة من غير إمام أو نائبه لا تكون مثلها في الفضيلة فلا تكون في معنى مورد النص ولو أحدث الإمام بعد ما خطب فأمر رجلا بالصلاة جاز له أن يصلي بهم الصلاتين جميعا سواء شهد المأمور الخطبة أو لم يشهد بخلاف الجمعة لأن الخطبة ليست هناك من شرائط جواز الجمعة وههنا الخطبة ليست بشرط لجواز الجمع بين الصلاتين والفرق ما بينا فإن لم يأمر الإمام أحدا فتقدم واحد من عرض الناس وصلى بهم الصلاتين جميعا لم يجز الجمع في قول أبي حنيفة لأن الإمام أو نائبه شرط عنده ولم يوجد وعندهما يجوز وإن كان المتقدم رجلا من ذي سلطان كالقاضي وصاحب الشرط جاز لأنه نائب الإمام فإن كان الإمام سبقه الحدث في الظهر فاستخلف رجلا فإنه يصلي بهم الظهر والعصر لأنه قائم مقام الإمام فإن فرغ من العصر قبل أن يرجع الإمام فإن الإمام لا يصلي العصر إلا في وقتها لأنه لما استخلف صار كواحد من المؤتمين والمؤتم إذا صلى الظهر مع الإمام ولم يصل العصر معه لا يصلي العصر إلا في وقتها كذا هذا ومنها أن يكون محرما بالحج حال أداء الصلاتين جميعا حتى لو صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو حلال من أهل مكة ثم أحرم للحج لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها كذا ذكر في نوادر الصلاة وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه يجوز وهو قول زفر والصحيح رواية النوادر لأن العصر شرعت مرتبة على ظهر كامل وهو ظهر المحرم وظهر الحلال لا يكون مثل ظهر المحرم في الفضيلة فلا يجوز ترتيب العصر على ظهر هي دون المنصوص عليه وعلى هذا إذا صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو محرم لكن بإحرام العمرة ثم أحرم بالحج لا يجزئه العصر إلا في وقتها وعند زفر يجوز كما في المسألة الأولى والصحيح قولنا لأن ظهر المحرم بالعمرة لا يكون مثل ظهر المحرم بالحج في الفضيلة فلا يكون أداء العصر في معنى مورد النص فلا تجوز إلا في وقتها ولو نفر الناس عن الإمام فصلى وحده الصلاتين أجزأه ودلت هذه المسألة على أن الشرط في الحقيقة هو الإمام عند أبي حنيفة لا الجماعة فإن الصلاتين جازتا للإمام ولا جماعة فتبنى المسائل عليه إذ هو أقرب إلى الصيغة ولا يلزمه على هذا ما إذا سبق الإمام الحدث في صلاة الظهر فاستخلف رجلا وذهب الإمام ليتوضأ فصلى الخليفة الظهر والعصر ثم جاء الإمام أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها لأن عدم الجواز هناك ليس لعدم الجماعة بل لعدم الإمام لأنه خرج عن أن يكون إماما فصار كواحد من المؤتمين أو يقال الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام والله تعالى الموفق

Section V02/P152–V02/P153

فإن مات الإمام فصلى بالناس خليفته جاز لأن موت الإمام لا يوجب بطلان ولاية خلفائه كولاية السلطنة والقضاء فإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة وراح الناس معه لأن النبي راح إليه عقيب الصلاة ويرفع الأيدي بسطا يستقبل كما يستقبل الداعي بيده ووجهه لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله يدعو بعرفات باسطا يديه في نحره كاستطعام المسكين فيقف الإمام والناس إلى غروب الشمس يكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويصلون على النبي ويسألون الله تعالى حوائجهم ويتضرعون إليه بالدعاء لما روي عن النبي أنه قال أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة وأفضل ما قلت وقالت الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حيى لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وعن على ي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أكصر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وعن علي رضي الله عنه أن النبي قال إن أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي ( ( ( قبل ) ) ) عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأعوذ بك من وسواس الصدور وسيآت ( ( ( وسيئات ) ) ) الأمور وفتنة الفقر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما تهب به الرياح وليس عن أصحابنا فيه دعاء موقت لأن الإنسان يدعو بما شاء ولأن توقيت الدعاء يذهب بالرقة لأنه يجري على لسانه من غير قصده فيبعد عن الإجابة ويلي ( ( ( ويلبي ) ) ) في موقفه ساعة بعد ساعة ولا يقطع التلبية وهذا قول عامة العلماء وقال مالك إذا وقف بعرفة يقطع التلبية والصحيح قول العامة لما روي أن رسول الله لبى حتى رمى جمرة العقبة وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لبى عشية يوم عرفة فقيل له ليس هذا موضع التلبية فقال أجهل الناس أم نسوا فوالذي بعث محمدا بالحق لقد حججت مع رسول الله فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخللها أو يخلطها بتكبير وتهليل ولأن التلبية ذكر يؤتى به في ابتداء هذه العبادة وتكرر في أثنائها فأشبه التكبير في باب الصلاة وكان ينبغي أن يؤتى به إلى آخر أركان هذه العبادة كالتكبير إلا أنا تركنا القياس فيما بعد رمي جمرة العقبة أو ما يقوم مقام الرمي في القطع بالإجماع فبقي الأمر فيما قبل ذلك على أصل القياس وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا بخلاف المفرد بالعمرة أنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر حين يأخذ في طواف العمرة لأن الطواف ركن في العمرة فأشبه طواف الزيارة في الحج وهناك يقطع التلبية قبل الطواف كذا ههنا والأفضل أن يكون في الموقف مستقبل القبلة لما روي عن النبي أنه قال خير المجالس ما استقبل به القبلة وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال ركب رسول الله حتى أتى الموقف فاستقبل به القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس فإن انحرف قليلا لم يضره لأن الوقوف ليس بصلاة وكذا لو وقف وهو محدث أو جنب لم يضره لما مر أن الوقوف عبادة لا يتعلق بالبيت فلا يشترط له الطهارة كرمي الجمار والأفضل للإمام أن يقف على راحلته لأن النبي وقف راكبا وكلما قرب في وقوفه من الإمام فهو أفضل لأن الإمام يعلم الناس ويدعو فكلما كان أقرب كان أمكن من السماع

Section V02/P153–V02/P154

وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة فإنه يكره الوقوف فيه لما ذكرنا في بيان مكان الوقوف فيقف إلى غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع الإمام والناس معه ولا يدفع أحد قبل غروب الشمس لا الإمام ولا غيره لما مر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب وروي عن النبي أنه خطب عشية عرفة فقال أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر وإن الجاهلية كانت تدفع من ههنا والشمس على رؤوس الجبال مثل العمائم على رؤوس الرجال فخالفوهم وأمر النبي بالدفع منه بعد الغروب فإن خاف بعض القوم الزحام أو كانت به علة فيقدم قبل الإمام قليلا ولم يجاوز حد عرفة فلا بأس به لأنه إذا لم يجاوز حد عرفة فهو في مكان الوقوف وقد دفع الضرر عن نفسه وإن ثبت على مكانه حتى يدفع الإمام فهو أفضل لقوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وينبغي للناس أن يدفعوا وعليهم السكينة والوقار حتى يأتوا مزدلفة لما روي أن النبي أفاض من عرفة وعليه السكينة حتى روي أنه كان يكبح ناقته وروي أنه لما دفع من عرفات فقال أيها الناس إن البر ليس في إيجاف الخيل ولا في إبضاع الإبل بل على هينتكم ولأن هذا مشي إلى الصلاة لأنهم يأتون مزدلفة ليصلوا بها المغرب والعشاء وقد قال النبي إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار فإن أبطأ الإمام بالدفع وتبين للناس الليل دفعوا قبل الإمام لأنه إذا تبين الليل فقد جاء أوان الدفع والإمام بالتأخير ترك السنة فلا ينبغي لهم أن يتركوها وإذا أتى مزدلفة ينزل حيث شاء عن يمين الطريق أو عن يساره ولا ينزل على قارعة الطريق ولا في وادي محسر لقول النبي مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر وإنما لا ينزل على الطريق لأنه يمنع الناس عن الجواز فيتأذون به فإذا دخل وقت العشاء يؤذن المؤذن ويقيم فيصلي الإمام بهم صلاة المغرب في وقت صلاة العشاء ثم يصلي بهم صلاة العشاء بأذان واحد وإقامة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر بأذان واحد وإقامتين وقال الشافعي بأذانين وإقامة واحدة احتج زفر بما روي أن رسول الله صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين ولأن هذا أحد نوعي الجمع فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجمع بعرفة والجمع هناك بأذان واحد وإقامتين كذا ههنا ولنا ما روي عن عبد الله بن عمر وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهما أن النبي صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال صليتهما مع رسول الله بأذان واحد وإقامة واحدة وما احتج به زفر محمول على الأذان والإقامة فيسمى الأذان إقامة كما يقال سنة العمرين ويراد به سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب وأراد به الأذان والإقامة كذا ههنا والقياس على الجمع الآخر غير سديد لأن هناك الصلاة الثانية وهي العصر تؤدى في غير وقتها فتقع الحاجة إلى إقامة أخرى للإعلام بالشروع فيها والصلاة الثانية ههنا وهي العشاء تؤدى في وقتها فيستغني عن تجديد الإعلام كالوتر مع العشاء ولا يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره لأن النبي لم يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره فإن تطوع بينهما أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة للعشاء لأنها انقطعت عن الإعلام الأول فاحتاجت إلى إعلام آخر فإن صلى المغرب وحده والعشاء وحده أجزأه بخلاف الظهر والعصر بعرفة على قول أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا بجماعة عنده والفرق له أن المغرب تؤدى فيما هو وقتها في الجملة إن لم يكن وقت أدائها فكان الجمع ههنا بتأخير المغرب عن وقت أدائها فيجوز فعلها وحده كما لو تأخرت عنه بسبب آخر فقضاه في وقت العشاء وحده والعصر هناك تؤدى فيما ليس وقتها أصلا ورأسا فلا يجوز إذ لا جواز للصلاة قبل وقتها وإنما عرفنا جوازها بالشرع وإنما ورد الشرع بها بجماعة فيتبع مورد الشرع والأفضل أن يصليهما مع الإمام بجماعة لأن الصلاة بجماعة أفضل

Section V02/P154–V02/P155

ولو صلى المغرب بعد غروب الشمس قبل أن يأتي مزدلفة فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر لم تجز صلاته وعليه إعادتها ( ( ( إعادته ) ) ) ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وقال أبو يوسف تجزئه وقد أساء وعلى هذا الخلاف إذا صلى العشاء في الطريق بعد دخول وقتها وجه قوله أنه أدى المغرب والعشاء في وقتيهما لأنه ثبت كون هذا الوقت وقتا لهما بالكتاب العزيز والسنن المشهورة المطلقة عن المكان على ما ذكرنا في كتاب الصلاة فيجوز كما لو أداها في غير ليلة المزدلفة إلا أن التأخير سنة وترك السنة لا يسلب الجواز بل يوجب الإساءة ولهما ما روي أن رسول الله لما دفع من عرفات وكان أسامة بن زيد رضي الله عنه رديف رسول الله قال فلما بلغ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك وروي أنه قال المصلى أمامك فجاء مزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء فدل الحديث على اختصاص جوازها في حال الاختيار والإمكان بزمان ومكان وهو وقت العشاء بمزدلفه ولم يوجد فلا يجوز ويؤمر بالإعادة في وقتها ومكانها ما دام الوقت قائما فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضا لأن الكتاب الكريم والسنن المشهورة تقتضي الجواز لأنها تقتضي كون الوقت وقتا لها وإنها مطلقة عن المكان وحديث أسامة رضي الله عنه يقتضي عدم الجواز وأنه من أخبار الآحاد ولا يجوز العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن المشهورة فيجمع بينهما فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر ويؤمر بالإعادة ويعمل بالكتاب العزيز والسنن المشهورة فيما بعد طلوعه فلا نأمره بالإعادة عملا بالدلائل بقدر الإمكان هذا إذا كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر فأما إذا خشيء ( ( ( خشي ) ) ) أن يطلع الفجر قبل أن يصل إلى مزدلفة لأجل ضيق الوقت بأن كان في آخر الليل بحيث يطلع الفجر قبل أن يأتي مزدلفة فإنه يجوز بلا خلاف هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة لأن بطلوع الفجر يفوت وقت الجمع فكان في تقديم الصلاة صيانتها عن الفوات فإن كان لا يخشى الفوات لأجل ضيق الوقت ولكنه ضل عن الطريق لا يصلي بل يؤخر إلى أن يخاف طلوع الفجر لو لم يصل فعند ذلك يصلي لما ذكرنا والله الموفق ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفه لأن رسول الله بات بها فإن مر بها مارا بعد طلوع الفجر من غير أن يبيت بها فلا شيء عليه ويكون مسيئا وإنما لا يلزمه شيء لأنه أتى بالركن وهو كينونته بمزدلفه بعد طلوع الفجر لكنه يكون مسيئا لتركه السنة وهي البيتوتة بها فإذا طلع الفجر صلى الإمام بهم صلاة الفجر بغلس لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاة العصر بعرفة وصلاة المغرب بجمع وصلاة الفجر يومئذ فإنه صلاها قبل وقتها بغلس أي صلاها قبل وقتها المستحب بغلس ولأن الفائت بالتغليس فضيلة الإسفار وإنها ممكن الاستدراك في كل يوم فأما فضيلة الوقوف فلا تستدرك في غير ذلك اليوم فإذا صلى الإمام بهم وقف بالناس ووقفوا وراءه أو معه والأفضل أن يكون موقفهم على الجبل الذي يقال له قزح وهو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام أنه الجبل وما حوله وعند عامة أهل التأويل المشعر الحرام هو مزدلفة فيقفون إلى أن يسفر جدا يدعون الله تعالى ويكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويصلون على النبي ويسألون حوائجهم ثم يدفع منها إلى منى قبل طلوع الشمس لما روي عن النبي أنه قال إن الجاهلية كانت تنفر من هذا المقام والشمس على رؤوس الجبال فخالفوهم فأفاض قبل طلوع الشمس وقد كانت الجاهلية تقول بمزدلفة أشرق ثبير كيما نغير وهو جبل عال تطلع عليه الشمس قبل كل موضع فخالفهم رسول الله فدفع قبل طلوع الشمس

Section V02/P155–V02/P156

وإن دفع بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي الناس الفجر فقد أساء ولا شيء عليه أما الإساءة فلأن السنة أن يصلي الفجر ويقف ثم يفيض فإذا لم يفعل فقد ترك السنة فيكون مسيئا وأما عدم لزوم شيء فلأنه وجد منه الركن وهو الوقوف ولو ساعة وإذا أفاض من جمع دفع على هينته لأن النبي كذا فعل ويأخذ حصا ( ( ( حصى ) ) ) الجمار من مزدلفة أو من الطريق لما روي أن النبي أمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يأخذ الحصى من مزدلفة وعليه فعل المسلمين وهو أحد نوعي الإجماع وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه وقد أساء وقال مالك لا تجزئه لأنها حصى مستعملة ولنا قوله ارم ولا حرج مطلقا وتعليل مالك لا يستقيم على أصله لأن الماء المستعمل عنده طاهر وطهور حتى يجوز الوضوء به فالحجارة المستعملة أولى وإنما كره ذلك عندنا لما روي أنه سئل ابن عباس فقيل له إن من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا في الجاهلية والإسلام يرمي الناس وليس ههنا إلا هذا القدر فقال كل حصاة تقبل فإنها ترفع وما لا يقبل فإنه يبقى ومثل هذا لا يعرف إلا سماعا من رسول الله فيكره أن يرمى بحصاة لم تقبل فيأتي منى فيرمي جمرة العقبة سبع حصيات لما روي أن رسول الله أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة سبع حصيات ويقطع ( ( ( يقطع ) ) ) التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة لما روى أسامة بن زيد والفضل بن عباس أن النبي قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمر ( ( ( جمرة ) ) ) العقبة وكان أسامة رديف رسول الله من عرفات إلى مزدلفة والفضل كان رديفه من مزدلفة إلى منى وروي أن ابن عباس سئل عن ذلك فقال أخبرني أخي الفضل أن النبي قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة وكان رديف رسول الله وسواء كان في الحج الصحيح أو في الحج الفاسد إنه يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة لأن أعمالها لا تختلف فلا يختلف وقت قطع التلبية وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا لأن القارن والمتمتع كل واحد منهما محرم بالحج فكان كالمفرد به ولا يقطع القارن التلبية إذا أخذ في طواف العمرة لأنه محرم بإحرام الحج وإنما يقطع عندما يقطع المفرد بالحجة لأنه بعد إتيانه بالعمرة كالمفرد بالحج فأما المحرم بالعمرة المفردة فإنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر وأخذ في طواف العمرة والفرق بين المحرم بالحج وبين المحرم بالعمرة المفردة ذكرناه فيما تقدم وقال مالك في المفرد بالعمرة يقطع التلبية إذا رأى البيت وهذا غير سديد لأن قطع التلبية يتعلق بفعل هو نسك كالرمي في حق المحرم بالحج ورؤية البيت ليس بنسك فلا يقطع عندنا فأما استلام الحجر فنسك كالرمي فيقطع عنده لا عند الرؤية قال محمد إن فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حين ( ( ( حيث ) ) ) يأخذ في الطواف كذا هذا والقارن إذا فاته الحج يقطع التلبية في الطواف الثاني ( ( ( والثاني ) ) ) الذي يتحلل به من حجته لأن العمرة ما فاتته إذ ليس لها وقت معين فيأتي بها فيطوف ويسعى كما كان يفعل لو لم يفته الحج وإنما فاته الحج فيفعل ما يفعله فائت الحج وهو أن يتحلل بأفعال العمرة وهي الطواف والسعي كالمقيم فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف الحج والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه لأنه إذا ذبح هديه فقد تحلل ولا تلبية بعد التحلل فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة يقطع التلبية لأنه بالحلق تحلل من الإحرام لما روينا عن النبي أنه قال لمن حلق قبل الرمي ارم ولا حرج فثبت أن التحلل من الإحرام يحصل بالحلق قبل الرمي ولا تلبية بعد التحلل فإن زار البيت قبل أن يرمي ويحلق ويذبح قطع التلبية في قول أبي حنيفة

Section V02/P156

وروي عن أبي يوسف إنه يلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر وعن محمد ثلاث روايات في رواية مثل قول أبي حنيفة وروى هشام عنه وروى ابن سماعة عنه أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر وروى هشام عنه رواية أخرى أنه يقطع التلبية إذا مضت أيام النحر فظاهر روايته مع أبي حنيفة وجه قول أبي يوسف أنه وإن طاف فإحرامه قائم لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم يحلق بدليل أنه لا يباح له الطيب واللبس فالتحق الطواف بالعدم وصار كأنه لم يطف فلا يقطع التلبية إلا إذا زالت الشمس لأن من أصله أن هذا الرمي مؤقت بالزوال فإذا زالت الشمس يفوت وقته ويفعل بعده قضاء فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في وقته وعند فعله في وقته يقطع التلبية كذا عند فواته عن وقته بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي لأنه تحلل بالحلق وخرج عن إحرامه حتى يباح له الطيب واللبس لذلك افترقا ولهما أن الطواف وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح فقد وقع التحلل به في حق النساء بدليل أنه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق فيقطع التلبية به كما يقطع بالحلق وقد خرج الجواب عن قوله أن إحرامه قائم بعد الطواف لأنا نقول نعم لكن في حق الطيب واللبس لا في حق النساء فلم يكن قائما مطلقا والتلبية لم تشرع إلا في الإحرام المطلق ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي حنيفة إذا كان قارنا أو متمتعا وهو إحدى الروايتين عن محمد وإن كان مفردا بالحج لا يقطع لأن الذبح من القارن والمتمتع محلل كالحلق ولا تلبية بعد التحلل فأما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه ألا ترى أنه ليس بواجب عليه فلا يقطع عنده التلبية وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يقطع التلبية والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده وإنما يقع بالرمي أو بالحلق ويرمي سبع حصيات مثل حصى الخزف لما روي عن النبي أنه قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخزف فأتاه بهن فجعل يقلبهن بيده ويقول مثلهن بمثلهن لا تغلو ( ( ( تغلوا ) ) ) فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين وقد قالوا لا يزيد على ذلك لما روي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال خطبنا رسول الله بمنى وعلمنا المناسك وقال ارموا سبع حصيات مثل حصى الخزف ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف ولأنه لو كان أكبر من ذلك فلا يؤمن أن يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به ويرمي من بطن الوادي ويكبر مع كل حصاة يرميها لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات من بطن الوادي يكبر مع كل حصاة يرميها فقيل له أن ناسا يرمون من فوقها فقال عبد الله رضي الله عنه هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وكذا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات يتبع كل حصاة بتكبيرة ويقول أن النبي كان يفعل ذلك وعن ابنه سالم بن عبد الله أنه استبطن الوادي فرمى الجمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا وقال حدثني أبي أن النبي كان يرمي جمرة العقبة من هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت وإن رمى من فوق العقبة أجزأه لكن السنة ما ذكرنا وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحا أو تهليلا جاز ولا يكون مسيأ ( ( ( مسيئا ) ) ) وقد قالوا إذا رمى للعقبة يجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه ويقوم فيها حيث يرى موقع حصاه لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه

Section V02/P156–V02/P157

وبأي شيء أجزأه حجرا كان أو طينا أو غيرهما مما هو من جنس الأرض وهذا عندنا وقال الشافعي لا يجوز إلا بالحجر وجه قوله أن هذا أمر يعرف بالتوقيف والتوقيف ورد بالحصى والحصى هي الأحجار الصغار ولنا ما روينا عن النبي أنه قال ارم ولا حرج وروي عن النبي أنه قال أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق وروي عنه أنه قال من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء مطلقا عن صفة الرمي والرمي بالحصى من النبي وأصحابه رضي الله عنهم محمول على الأفضلية لا الجواز توفيقا بين الدلائل لما صح من مذهب أصحابنا أن المطلق لا يحمل على المقيد بل يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ما أمكن وههنا أمكن بأن يحمل المطلق على أصل الجواز والمقيد على الأفضلية ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء بل ينصرف إلى رحله والأصل أن كل رمي ليس بعده رمي في ذلك اليوم لا يقف عنده وكل رمي بعده رمي في ذلك اليوم يقف عنده لأن النبي لم يقف عند جمرة العقبة ووقف عند الجمرتين ثم الرمي ماشيا أفضل أو راكبا فقد روي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا فإنه حكى أن إبراهيم بن الجراح دخل على أبي يوسف وهو مريض في المرض الذي مات فيه فسأله أبو يوسف فقال أيهما أفضل الرمي ماشيا أو راكبا فقال ماشيا فقال أخطأت ثم قال راكبا فقال أخطأت وقال كل رمي بعده رمى فالماشي أفضل وكل رمي لا رمي بعده فالراكب أفضل قال فخرجت من عنده فسمعت الناعي بموته قبل أن أبلغ الباب ذكرنا هذه الحكاية ليعلم أنه بلغ حرصه في التعليم حتى لم يسكت عنه في رمقه فيقتدى به في التحريض على التعليم وهذا لما ذكرنا أن كل رمي بعده رمي فالسنة فيه هو الوقوف للدعاء والماشي أمكن للوقوف والدعاء وكل رمي لا رمي بعده فالسنة فيه هو الانصراف لا الوقوف والراكب أمكن من الانصراف فإن قيل أليس أنه روي عن النبي أنه رمى راكبا وقال خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا فالجواب أن ذلك محمول على رمي لا رمي بعده أو على التعليم ليراه الناس فيتعلموا منه مناسك الحج فإن رمى إحدى الجمار بسبع حصيات جميعا دفعة واحدة فهي عن واحدة ويرمي ستة أخرى لأن التوقيف ورد بتفريق الرميات فوجب اعتباره وهذا بخلاف الاستنجاء أنه إذا استنجى بحجر واحد وأنقاه كفاه ولا يراعي فيه العدد عندنا لأن وجوب الاستنجاء ثبت معقولا بمعنى التطهير فإذا حصلت الطهارة بواحد اكتفى به فأما الرمي فإنما وجب تعبدا محضا فيراعي فيه مورد التعبد وأنه ورد بالتفريق فيقتصر عليه فإن رمى أكثر من سبع حصيات لم تضره الزيادة لأنه أتى بالواجب وزيادة والسنة أن يرمي بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي لم يرم يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال ولو رمى قبل طلوع الشمس بعد انفجار الصبح أجزأه خلافا لسفيان والمسألة ذكرناها فيما تقدم ولا يرمي يومئذ غيرها لما روي أن النبي لم يرم يوم النحر إلا جمرة العقبة فإذا فرغ من هذا الرمي لا يقف وينصرف إلى رحله فإن كان منفردا بالحج يحلق أو يقصر والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم ولا ذبح عليه وإن كان قارنا أو متمتعا يجب عليه أن يذبح ويحلق ويقدم الذبح على الحلق لقوله تعالى ويذكروا ( ( ( ليذكروا ) ) ) اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم رتب قضاء التفث وهو الحلق على الذبح

Section V02/P157–V02/P158

وروي عن النبي أنه قال أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق وروي عنه أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق فإن حلق قبل الذبح من غير إحصار فعليه لحلقه قبل الذبح دم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد وجماعة من أهل العلم أنه لا شيء عليه وأجمعوا على أن المحصر إذا حلق قبل الذبح أنه تجب عليه الفدية احتج من خالفه بما روي عن النبي أنه سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال إذبح ولا حرج ولو كان الترتيب واجبا لكان في تركه حرج ولأبي حنيفة الاستدلال بالمحصر إذا حلق قبل الذبح لأذى في رأسه أنه تلزمه الفدية بالنص فالذي يحلق رأسه بغير أذى به أولى ولهذا قال أبو حنيفة بزيادة التغليظ في حق من حلق رأسه قبل الذبح بغير أذى حيث قال لا يجزئه غير الدم وصاحب الأذى مخير بين الدم والطعام والصيام كما خيره الله تعالى وهذا هو المعقول لأن الضرورة سبب لتخفيف الحكم وتيسيره فالمعقول أن يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم يكن في حال العذر فأما أن يسقط من الأصل في غير حالة العذر ويجب في حالة العذر فممتنع ولا حجة لهم في الحديث لأن قوله لا حرج المراد منه الإثم لا الكفارة وليس من ضرورة انتفاء الإثم انتفاء الكفارة ألا ترى أن الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به ولا إثم عليه وكذا يجب على الخاطىء فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شيء حظر عليه الإحرام إلا النساء عند عامة العلماء لما ذكرنا فيما تقدم ثم يزور البيت من يومه ذلك أو من الغد أو بعد الغد ولا يؤخرها عنها وأفضلها أولها لما روي أن النبي طاف في أول أيام النحر فيطوف أسبوعا لأن النبي هكذا طاف وعليه عمل المسلمين ولا يرمل في هذا الطواف لأنه لا سعى عقيبه لأنه قد طاف طواف اللقاء وسعى عقيبه حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء ولا سعى فإنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بين الصفا والمروة عقيب طواف الزيارة ولو أخره عن أيام النحر فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه والمسألة قد مضت فإذا طاف طواف الزيارة كله أو أكثره حل له النساء أيضا لأنه قد خرج من العبادة وما بقي عليه شيء من أركانها والأصل أن في الحج إحلالين الإحلال الأول بالحلق أو بالتقصير ويحل به كل شيء إلا النساء والإحلال الثاني بطواف الزيارة ويحل به النساء أيضا ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ولا في الطريق هو السنة لأن النبي هكذا فعل ويكره أن يبيت في غير منى في أيام منى فإن فعل لا شيء عليه ويكون مسيأ ( ( ( مسيئا ) ) ) لأن البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة وعند الشافعي يجب عليه الدم لأنها واجبة عنده واحتج بفعل النبي وأفعاله على الوجوب في الأصل ولنا ما روي أن رسول الله أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية ولو كان ذلك واجبا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية ولا كان النبي يرخص له في ذلك وفعل النبي محمول على السنة توفيقا بين الدليلين وإذا بات بمنى فإذا كان من الغد وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام الرمي فإنه يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع أحدها المسمى بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وهو مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيرمي عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف يكبر مع كل حصاة فإذا فرغ منها يقف عندها فيكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي ويسأل الله تعالى حوائحه ( ( ( حوائجه ) ) )