Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V02/P158–V02/P159

ثم يأتي الجمرة الوسطى فيفعل بها مثل ما فعل بالأولى ويرفع يديه عند الجمرتين بسطا ثم يأتي جمرة العقبة فيفعل مثل ما فعل بالجمرتين الأولتين إلا أنه لا يقف للدعاء بعد هذه الجمرة بل ينصرف إلى رحله لما روي أن رسول الله رمى الجمار الثلاث في أيام التشريق وابتدأ بالتي تلي مسجد الخيف ووقف عند الجمرتين ولم يقف عند الثالثة وأما رفع اليدين فلقول النبي لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وذكر من جملتها وعند المقامين عند الجمرتين فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثالث من أيام الرمي رمي الجمار الثلاث بعد الزوال ففعل مثل ما فعل أمس فإذا رمى فإن أراد أن ينفر من منى ويدخل مكة نفر قبل غروب الشمس ولا شيء عليه لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وإن أقام ولم ينفر حتى غربت الشمس يكره له أن ينفر حتى تطلع الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي ويرمي الجمار الثلاث ولو نفر قبل طلوع الفجر لا شيء عليه وقد أساء أما الجواز فلأنه نفر في وقت لم يجب فيه الرمي بعد بدليل إنه لو رمى فيه عن اليوم الرابع لم يجز فجاز فيه النفر كما لو رمى الجمار في الأيام كلها ثم نفر وأما الإساءة فلأنه ترك السنة فإذا طلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق رمى الجمار الثلاث ثم ينفر فإن نفر قبل الرمي فعليه دم لأنه ترك الواجب وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول أو في النفر الثاني فإنه يحمل ثقله معه ويكره تقديمه لما روي عن النبي أنه قال المرء من حيث رحله وروي المرء من حيث أهله ولأنه لو فعل ذلك يشتغل قلبه بذلك ولا يخلو من ضرر وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضرب على ذلك وحكي عن إبراهيم النخعي أن عمر رضي الله عنه إنما كان يضرب على تقديم الثقل مخافة السرقة ثم يأتي الأبطح ويسمي المحصب وهو موضع بين منى وبين مكة فينزل به ساعة فإنه سنة عندنا لما روي عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن النبي وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم نزلوا بالأبطح ثم يدخل مكة فيطوف طواف الصدر توديعا للبيت ولهذا يسمى طواف الوداع وإنه واجب على أهل الآفاق عندنا لما ذكرنا فيما تقدم فيطوف سبعة أشواط لا رمل فيها لأنه طواف لا سعي بعده ويصلي ركعتين ثم يرجع إلى أهله لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان والواجبات كذا ذكر في الأصل وذكر الطحاوي في مختصره عن أبي حنيفة أنه إذا فرغ من طواف الصدر يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصب على وجهه ورأسه ثم يأتي الملتزم وهو ما بين الحر ( ( ( الحجر ) ) ) الاسود والباب فيضع صدره وجبهته عليه ويتشبث بأستار الكعبة ويدعو ثم يرجع وذكر في العيون كذلك إلا أنه قال في آخره ويستلم الحجر ويكبر ثم يرجع وروي عن أبي حنيفة أنه قال إن دخل البيت فحسن وإن لم يدخل لم يضره ويقول عند رجوعه آبيون ( ( ( آيبون ) ) ) تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده والله الموفق فصل وأما شرائط أركانه فمنها الإسلام

Section V02/P159–V02/P160

فإنه كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز الأداء لأن الحج عبادة والكافر ليس من أهل أداء العبادة ومنها العقل فلا يجوز أداء الحج من المجنون والصبي الذي لا يعقل كما لا يجب عليهما فأما البلوغ والحرية فليسا من شرائط الجواز فيجوز حج الصبي العاقل بإذن وليه والعبد الكبير بإذن مولاه لكنه لا يقع عن حجة الإسلام لعدم الوجوب ومنها الإحرام عندنا والكلام في الإحرام يقع في مواضع في بيان أنه شرط وفي بيان ما يصير به محرما وفي بيان زمان الإحرام وفي بيان مكانه وفي بيان ما يحرم به وفي بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في موجب الإحرام وفي بيان ما يحظره الإحرام وما لا يحظره وفي بيان ما يجب بفعل المحظور منه أما الأول فالإحرام شرط جواز أداء أفعال الحج عندنا وعند الشافعي ركن وعني به أنه جزء من أفعال الحج وهو على الاختلاف في تحريمة الصلاة ويتضمن الكلام في هذا الفصل بيان زمان الإحرام أنه جميع السنة عندنا وعنده أشهر الحج حتى يجوز الإحرام قبل أشهر الحج عندنا لكنه يكره وعنده لا يجوز رأسا وينعقد إحرامه للعمرة لا للحجة عنده وعندنا ينعقد للحجة ووجه البناء على هذا الأصل أن الإحرام لما كان شرطا لجواز أداء أفعال الحج عندنا جاز وجوده قبل هجوم وقت أداء الأفعال كما تجوز الطهارة قبل دخول وقت الصلاة ولما كان ركنا عنده لم يجز سابقا على وقته لأن أداء أفعال العبادة المؤقتة قبل وقتها لا يجوز كالصلاة وغيرها فنتكلم في المسألة بناء وابتداء أما البناء فوجه قول الشافعي إن الذي أحرم بالحج يؤمر باتمامه وكذا المحرم للصلاة يؤمر باتمامها لا بالابتداء فلو لم يكن الإحرام من أفعال الحج لأمر بالابتداء لا بالاتمام فدل أنه ركن في نفسه وشرط لجواز أداء ما بقي من الأفعال ولنا أن ركن الشيء ما يأخذ الإسم منه ثم قد يكون بمعنى واحد كالإمساك في باب الصوم وقد يكون معاني مختلفة كالقيام والقراءة والركوع والسجود في باب الصلاة والإيجاب والقبول في باب البيع ونحو ذلك وشرطه ما يأخذ الاعتبار منه كالطهارة للصلاة والشهادة في النكاح وغير ذلك والحج يأخذ الاسم من الوقوف بعرفة وطواف الزيارة لا من الإحرام قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وحج البيت هو زيارة البيت وقال النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة أي الوقوف بعرفة ولم يطلق اسم الحج على الإحرام وإنما به اعتبار الركنين فكان شرطا لا ركنا ولهذا جعله الشافعي شرطا لأداء ما بقي من الأفعال وأما قوله أنه يؤمر بالاتمام بعد الإحرام ممنوع بل لا يؤمر به ما لم يؤد بعد الإحرام شيئا من أفعال الحج وأما الابتداء فالشافعي احتج بقوله تعالى الحج أشهر معلومات أي وقت الحج أشهر معلومات إذ الحج نفسه لا يكون أشهرا لأنه فعل والأشهر أزمنة فقد عين الله أشهرا معلومة وقتا للحج والحج في عرف الشرع اسم لجملة من الأفعال مع شرائطها منها الإحرام فلا يجوز تقديمه على وقته ولنا قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ظاهر الآية يقتضي أن تكون الأشهر كلها وقتا للحج فيقتضي جواز الإحرام بأداء أفعال الحج في الأوقات كلها إلا أنا عرفنا تعيين هذه الأشهر لأداء الأفعال بدليل آخر وهو قوله الحج أشهر معلومات فيعمل بالنصين فيحمل ما تلونا على الإحرام الذي هو شرط ويحمل ما تلوتم على نفس الأعمال عملا بالنص بالقدر الممكن ولأن الحج يختص بالمكان والزمان ثم يجوز الإحرم ( ( ( الإحرام ) ) ) من غير مكان الحج بالإجماع فيجوز في غير زمان الحج إلا أنه يكره لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال من سنة الحج أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ومخالفة السنة مكروهة

Section V02/P160

ثم اختلفو ( ( ( اختلفوا ) ) ) في أن الكراهة لأجل الوقت أم لغيره منهم من قال الكراهة ليست لأجل الوقت بل لمخافة الوقوع في مخظورات ( ( ( محظورات ) ) ) الإحرام حتى أن من أمن ذلك لا يكره له ومنهم من قال إن الكراهة لنفس الوقت فإن ابن سماعة روي عن محمد أنه قال أكره الإحرام قبل الأشهر ويجوز إحرامه وهو لابس أو جالس في خلوق أو طيب وهذا الإطلاق يدل على أن الكراهة لنفس الوقت والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما يصير به محرما فنقول وبالله التوفيق لا خلاف في أنه إذا نوى وقرن النية بقول وفعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله أنه يصير محرما بأن لبى ناويا به الحج إن أراد به الإفراد بالحج أو العمرة إن أراد الإفراد بالعمرة أو العمرة والحج إن أراد القران لأن التلبية من خصائص الإحرام وسواء تكلم بلسانه ما نوى بقلبه أو لا لأن النية عمل القلب لا عمل اللسان لكن يستحب أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه فيقول اللهم إني أريد كذا فيسره لي وتقبله مني لما ذكرنا في بيان سنن الحج وذكرنا التلبية المسنونة ولو ذكر مكان التلبية التهليل أو التسبيح أو التحميد أو غير ذلك مما يقصد به تعظيم الله تعالى مقرونا بالنية يصير محرما وهذا على أصل أبي حنيفة ومحمد في باب الصلاة أنه يصير شارعا في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف ههنا وفرق بين الحج والصلاة وروي عنه أنه لا يصير محرما إلا بلفظ التلبية كما لا يصير شارعا في الصلاة إلا بلفظ التكبير فأبو حنيفة ومحمد مرا على أصلهما أن الذكر الموضوع لافتتاح الصلاة لا يختص بلفظ دون لفظ ففي باب الحج أولى ووجه الفرق لأبي يوسف على ظاهر الرواية عنه أن باب الحج أوسع من باب الصلاة فإن أفعال الصلاة لا يقوم بعضها مقام بعض وبعض الأفعال يقوم مقام البعض كالهدي فإنه يقوم مقام كثير من أفعال الحج في حق المحصر وسواء كان بالعربية أو غيرها وهو يحسن العربية أو لا يحسنها وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف في الصلاة ظاهر وهو ظاهر الرواية عن محمد في الحج وروي عنه أنه لا يصير محرما إلا إذا كان لا يحسن العربية كما في باب الصلاة فهما مرا على أصلهما ومحمد على ظاهر الرواية عنه فرق بين الصلاة والحج ووجه الفرق له على نحو ما ذكرنا لأبي يوسف في المسألة الأولى وتجوز النيابة في التلبية عند العجز بنفسه بأمره بلا خلاف حتى لو توجه يريد حجة الإسلام فأغمى عليه فلبى عنه أصحابه وقد كان أمرهم بذلك حتى لو عجز عنه بنفسه يجوز بالإجماع فإن لم يأمرهم بذلك نصا فأهلوا عنه جاز أيضا في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز فلا خلاف في أنه تجوز النيابة في أفعال الحج عند عجزه عنها بنفسه من الطواف والسعي والوقوف حتى لو طيف به وسعى ووقف جاز بالإجماع وجه قولهما قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ولم يوجد منه السعي في التلبية لأن فعل غيره لا يكون فعله حقيقة وإنما يجعل فعلا له تقديرا بأمره ولم يوجد بخلاف الطواف ونحوه فإن الفعل هناك ليس بشرط بل الشرط حصوله في ذلك الموضع على ما ذكرنا وقد حصل والشرط ههنا هو التلبية وقول غيره لا يصير قولا له إلا بأمره ولم يوجد ولأبي حنيفة أن الأمر ههنا موجود دلالة وهي دلالة عقد المرافقة لأن كل واحد من رفقائه المتوجهين إلى الكعبة يكون آذنا للآخر باعانته فيما يعجز عنه من أمر الحج فكان الأمر موجودا دلالة وسعى الإنسان جاز أن يجعل سعيا لغيره بأمره فقلنا بموجب الآية بحمد الله تعالى

Section V02/P160–V02/P161

ولو قلد بدنة يريد به الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما وتوجه معها يصير محرما لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ثم ذكر تعالى بعده وإذا حللتم فاصطادوا والحل يكون بعد الإحرام ولم يذكر الإحرام في الأول وإنما ذكر التقليد بقوله عز وجل ولا القلائد فدل أن التقليد منهم مع التوجه كان إحراما إلا أنه زيد عليه النية بدليل آخر وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم علي وابن مسعود وابن عمر وجابر رضي الله عنهم أنهم قالوا إذا قلد فقد أحرم وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إذا قلد وهو يريد الحج أو العمرة فقد أحرم ولأن التقليد مع التوجه من خصائص الإحرام فالنية اقترنت بما هو من خصائص الإحرام فأشبه التلبية فإن قيل أليس أنه روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لا يحرم إلا من أهل ولبى فهذا يقتضي أنه لا يصير محرما بالتقليد فالجواب أن ذلك محمول على ما إذا قلد ولم يخرج معها توفيقا بين الدلائل وبه نقول أن بمجرد التقليد لا يصير محرما على ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث بهديه ويقيم فلا يحرم عليه شيء والتقليد هو تعليق على عنق البدنة من عروة مزادة أو شراك نعل من أدم أو غير ذلك من الجلود وإن قلد ولم يتوجه ولم يبعث على يد غيره ولم يصر محرما وإن بعث على يد غيره فكذلك عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه يصير محرما بنفس التوجيه من غير توجه والصحيح قول عامة العلماء لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إني كنت لافتل قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعثها ويمكث عندنا حلالا بالمدينة لا يجتنب ما يجتنبه المحرم ولأن التوجيه من غير توجه ليس إلا أمر بالفعل فلا يصير به محرما كما لو أمر غيره بالتلبية ولو توجه بنفسه بعدما قلد وبعث لا يصير محرما ما لم يلحقها ويتوجه معها فإذا لحقها وتوجه معها عند ذلك يصير محرما إلا في هدي المتعة فإن هناك يصير محرما بنفس التوجه قبل أن يلحقه والقياس أن لا يصير محرما ثم أيضا ما لم يلحق ويتوجه معه لأن السير بنفسه بدون البدنة ليس من خصائص الإحرام ولا دليل أنه يريد الإحرام فلا يصير به محرما إلا أنا تركنا القياس واستحسنا في هدي المتعة لما أن لهدي ( ( ( للهدي ) ) ) فضل تأثير في البقاء على الإحرام ما ليس لغيره بدليل أنه لو ساق الهدي لا يجوز له أن يتحلل وإن لم يسق جاز له التحلل فإذا كان له فضل تأثير في البقاء على الإحرام جاز أن يكون له تأثير في الابتداء وقد قالوا أنه يصير محرما بنفس التوجه في أثر هدي المتعة وإن لم يلحق الهدي إذا كان في أشهر الحج فأما في غير أشهر الحج فلا يصير محرما حتى يلحق الهدي لأن أحكام التمتع لا تثبت قبل أشهر الحج فلا يصير هذا الهدي للمتعة قبل أشهر الحج فكان هدي التطوع

Section V02/P161–V02/P162

ولو جلل البدنة ونوى الحج لا يصير محرما وإن توجه معها لأن التجليل ليس من خصائص الحج لأنه إنما يفعل ذلك لدفع الحجر ( ( ( الحر ) ) ) والبرد عن البدنة أو للتزيين ولو قلد الشاة ينوي به الحج وتوجه معها لا يصير محرما وإن نوى الإحرام لأن تقليد الغنم ليس بسنة عندنا فلم يكن من دلائل الإحرام فضلا عن أن يكون من خصائصه والدليل على أن الغنم لا تقلد قوله تعالى ولا الهدي ولا القلائد عطف القلائد على الهدي والعطف يقتضي المغايرة في الأصل واسم الهدى يقع على الغنم والإبل والبقر جميعا فهذا يدل على أن الهدى نوعان ما يقلد وما لا يقلد ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع فتعين أن الغنم لا تقلد ليكون عطف القلائد على الهدى عطف الشيء على غيره فيصح ولو أشعر بدنته وتوجه معها لا يصير محرما لأن الإشعار مكروه عند أبي حنيفة لأنه مثلة وإيلام الحيوان من غير ضرورة لحصول المقصود بالتقليد وهو الإعلام بكون المشعر هديا لئلا يتعرض له لو ضل والإتيان بفعل مكروه لا يصلح دليل الإحرام واختلف المشايخ على قول أبي يوسف ومحمد قال بعضهم إن أشعر وتوجه معها يصير محرما عندهما لأن الإشعار سنة عندهما كالتقليد فيصلح أن يكون دليل الإحرام كالتقليد وقال بعضهم لا يصير محرما عندهما أيضا لأن الإشعار ليس بسنة عندهما بل هو مباح فلم يكن قربة فلا يصلح دليل الإحرام وذكر في الجامع الصغير أن الإشعار عندهما حسن ولم يسمع ( ( ( يسمه ) ) ) سنة لأنه من حيث أنه إكمال لما شرع له التقليد وهو إعلام المقلد بأنه هدي لما أن تمام الإعلام تحصل به سنة ومن حيث أنه مثلة بدعة ( ( ( وبدعة ) ) ) فتردد بين السنة والبدعة فسماه حسنا وعند الشافعي الإشعار سنة واحتج بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر والجواب أن ذلك كان في الابتداء حين كانت المثلة مشروعة ثم لما نهى عن المثلة انتسخ بنسخ المثلة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قطعا لأيدي المشركين عن التعرض للهدايا لو ضلت لأنهم كانوا ما يتعرضون للهدايا والتقليد ما كان يدل دلالة تامة أنها هدي فكان يحتاج إلى الإشعار ليعلموا أنها هدي وقد زال هذا المعنى في زماننا فانتسخ بانتساخ المثلة ثم الإشعار هو الطعن في أسفل السنام وذلك من قبل اليسار عند أبي يوسف وعند الشافعي من قبل اليمين وكل ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يدخل بين بعيرين من قبل الرؤس وكان يضرب أولا الذي عن يساره من قبل يسار سنامه ثم يعطف على الآخر فيضربه من قبل يمينه اتفاقا للأول لا قصدا فصار الطعن على الجانب الأيسر أصليا والآخر اتفاقيا بل الاعتبار الأصلي أولى والله عز وجل أعلم هذا الذي ذكرنا في أن الإحرام لا يثبت بمجرد النية ما لم يقترن بها قول أو ( ( ( وفعل ) ) ) فعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله ظاهر مذهب أصحابنا وروي عن أبي يوسف أنه يصير محرما بمجرد النية وبه أخذ الشافعي وهذا يناقض قوله إن الإحرام ركن لأنه جعل نية الإحرام احراما والنية ليست بركن بل هي شرط لأنها عزم على الفعل والعزم على فعل ليس ذلك الفعل بل هو عقد على أدائه وهو أن تعقد قلبك عليه أنك فاعله لا محالة قال الله تعالى فإذا عزم الأمر أي جد الأمر وفي الحديث خير الأمور عوازمها أي ما وكدت رأيك عليه وقطعت التردد عنه وكونه ركنا يشعر بكونه من أفعال الحج فكان تناقضا

Section V02/P162

ثم جعل الإحرام عبارة عن مجرد النية مخالف للغة فإن الإحرام في اللغة هو الإهلال يقال أحرم أي أهل بالحج وهو موافق لمذهبنا أي الإهلال لا بد منه إما بنفسه أو بما يقوم مقامه على ما بينا والدليل على أن الإهلال شرط ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها وقد رآها حزينة ما لك فقالت أنا قضيت عمرتي وألقاني الحج عاركا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم حجي وقولي مثل ما يقول الناس في حجهم فدل قوله قولي ما يقول الناس في حجهم على لزوم التلبية لأن الناس يقولونها وفيه إشارة إلى أن إجماع المسلمين حجة يجب اتباعها حيث أمرها باتباعهم بقوله قولي ما يقول الناس في حجهم وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لا يحرم إلا من أهل ولبى لم ( ( ( ولم ) ) ) يرو عن غيرها خلافه فيكون إجماعا ولأن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع عرفنا ذلك بالنص والمعقول أما النص ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يفعلو ( ( ( يفعلوا ) ) ) وأما المعقول فهو أن النية وضعت لتعيين جهة الفعل في العبادة وتعيين المعدوم محال ولو أحرم بالحج ولم يعين حجة الإسلام وعليه حجة الإسلام يقع عن حجة الإسلام استحسانا والقياس أن لا يقع عن حجة الإسلام إلا بتعيين النية وجه القياس أن الوقت يقبل الفرض والنفل فلا بد من التعيين بالنية بخلاف صوم رمضان أنه يتأدى بمطلق النية لأن الوقت هناك لا يقبل صوما آخر فلا حاجة إلى التعيين بالنية والاستحسان أن الظاهر من حال من عليه حجة الإسلام أنه لا يريد بإحرام الحج حجة التطوع ويبقى نفسه في عهده الفرض فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله فكان الإطلاق فيه تعيينا كما في صوم رمضان ولو نوى التطوع يقع عن التطوع لأنا إنما أوقعناه عن الفرض عند إطلاق النية بدلالة حاله والدلالة لا تعمل مع النص بخلافه ولو لبى ينوي الإحرام ولا نية له في حج ولا عمرة مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا فإن طاف شوطا كان إحرامه عن العمرة والأصل في انعقاد الإحرام بالمجهول ما روي أن عليا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما لما قدهما ( ( ( قدما ) ) ) من اليمن في حجة الوداع قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم بماذا أهللتما فقالا بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار هذا أصلا في انعقاد الإحرام بالمجهول ولأن الإحرام شرط جواز الأداء عندنا وليس بأداء بل هو عقد على الأداء فجاز أن ينعقد مجملا ويقف على البيان وإذا انعقد إحرامه جاز له أن يؤدي به حجة أو عمرة وله الخيار في ذلك يصرفه إلى أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا واحدا فإذا طاف بالبيت شوطا واحدا كان إحرامه للعمرة لأن الطواف ركن في العمرة وطواف اللقاء في الحج ليس بركن بل هو سنة فايقاعه عن الركن أولى وتتعين العمرة بفعله كما تتعيبن ( ( ( تتعين ) ) ) بقصده قال الحاكم في الأصل وكذلك لو لم يطف حتى جامع أو أحصر كانت عمرة لأن القضاء قد لزمه فيجب عليه الأقل إذ الأقل متيقن به وهو العمرة والله تعالى أعلم فصل وأما بيان مكان الإحرام فمكان الإحرام هو المسمى بالميقات فنحتاج إلى بيان المواقيت وما يتعلق بها من الأحكام فنقول وبالله التوفيق

Section V02/P162–V02/P163

المواقيت تختلف باختلاف الناس والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة صنف منهم يسمون أهل الآفاق وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي خمسة كذا روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق وقال صلى الله عليه وسلم هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة وصنف منهم يسمون أهل الحل وهم الذي ( ( ( الذين ) ) ) منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كأهل بستان بني عامر وغيرهم وصنف منهم أهل الحرم وهم أهل مكة أما الصنف الأول فميقاتهم ما وقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأحد منهم أن يجاوز ميقاته إذا أراد الحج أو العمرة إلا محرما لأنه لما وقت لهم ذلك فلا بد وأن يكون الوقت مقيدا وذلك إما المنع من تقديم الإحرام عليه وإما المنع من تأخيره عنه والأول ليس بمراد لإجماعنا على جواز تقديم الإحرام عليه فتعين الثاني وهو المنع من تأخير الإحرام عنه وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا سأله وقال إني أحرمت بعد الميقات فقال له ارجع إلى الميقات فلب وإلا فلا حج لك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما وكذلك لو أراد بمجاوزة هذه المواقيت دخول مكة لا يجوز له أن يجاوزها إلا محرما سواء أراد بدخول مكة النسك من الحج أو العمرة أو التجارة أو حاجة أخرى عندنا وقال الشافعي إن دخلها للنسك وجب عليه الإحرام وإن دخلها لحاجة جاز دخوله من غير إحرام وجه قوله أنه تجوز السكنى بمكة من غير إحرام فالدخول أولى لأنه دون السكنى ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا إن مكة حرام منذ خلقها الله تعالى لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة الحديث والاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها بقوله صلى الله عليه وسلم ألا إن مكة حرام والثاني بقوله لا تحل لأحد بعدي والثالث بقوله ثم عادت حراما إلى يوم القيامة مطلقا من غير فصل وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دخول مكة بغير إحرام ولأن هذه بقعة شريفة لها قدر وخطر عند الله تعالى فالدخول فيها يقتضي التزام عبادة إظهارا لشرفها على سائر البقاع وأهل مكة بسكناهم فيها جعلوا معظمين لها بقيامهم بعمارتها وسدانتها وحفظها وحمايتها لذلك أبيح لهم السكنى وكلما قدم الإحرام على المواقيت هو أفضل وروي عن أبي حنيفة أن ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه أن يمنعها ما يمنع منه الإحرام وقال الشافعي الإحرام من الميقات أفضل بناء على أصله أن الإحرام ركن فيكون من أفعال الحج ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات لأن أفعال الحج لا يجوز تقديمها على أوقاتها وتقديم الإحرام على الميقات جائز بالإجماع إذا كان في أشهر الحج والخلاف في الأفضلية دون الجواز ولنا قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروي عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة

Section V02/P163–V02/P164

هذا إذا قصد مكة من هذه المواقيت فأما إذا قصدها من طريق غير مسلوك فإنه يحرم إذا بلغ موضعا يحاذي ميقاتا من هذه المواقيت لأنه إذا حاذى ذلك الموضع ميقاتا من المواقيت صار في حكم الذي يحاذيه في القرب من مكة ولو كان في البحر فصار في موضع لو كان مكان البحر بر لم يكن له أن يجاوزه إلا بإحرام فإنه يحرم كذا قال أبو يوسف ولو حصل في شيء من هذه المواقيت من ليس من أهلها فأراد الحج أو العمرة أو دخول مكة فحكمه حكم أهل ذلك الميقات الذي حصل فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من وقتنا له وقتا فهو له ولمن مر به من غير أهله ممن أراد الحج أو العمرة ولأنه إذا مر به صار من أهله فكان حكمه في المجاوزة حكمهم ولو جاوز ميقاتا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز له لأن الميقات الذي صار إليه صار ميقاتا له لما روينا من الحديثين إلا أن المستحب أن يحرم من الميقات الأول هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك وأحب إلي أن يحرموا من ذي الحليفة لأنهم إذا حصلوا في الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها ولو جاوز ميقاتا من المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة فجاوزه بغير إحرام ثم عاد قبل أن يحرم وأحرم من الميقات وجاوزه محرما لا يجب عليه دم بالإجماع لأنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم وأحرم التحقت تلك المجاوزة بالعدم وصار هذا ابتداء إحرام منه ولو أحرم بعدما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئا من أفعال الحج ثم عاد إلى الميقات ولبى سقط عنه الدم وإن لم يلب لا يسقط وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يسقط لبى أو لم يلب وقال زفر لا يسقط لبى أو لم يلب وجه قول زفر أن وجوب الدم بجنايته على الميقات بمجاوزته إياه من غير إحرام وجنايته لا تنعدم بعوده فلا يسقط الدم الذي وجب وجه قولهما أن حق الميقات في مجاوزته إياه محرما لا في إنشاء الإحرام منه بدليل أنه لو أحرم من دويرة أهله وجاوز الميقات ولم يلب لا شيء عليه فدل أن حق الميقات في مجاوزته إياه محرما لا في إنشاء الإحرام منه وبعدما عاد إليه محرما فقد جاوزه محرما فلا يلزمه الدم ولأبي حنيفة ما روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال للذي أحرم بعد الميقات ارجع إلى الميقات فلب وإلا فلا حج لك أوجب التلبية من الميقات فلزم اعتبارها ولأن الفائت بالمجاوزة هو التلبية فلا يقع تدارك الفائت إلا بالتلبية بخلاف ما إذا أحرم من دويرة أهله ثم جاوز الميقات من غير إنشاء الإحرام لأنه إذا أحرم من دويرة أهله صار ذلك ميقاتا وقد لبى منه فلا يلزمه تلبية وإذا لم يحرم من دويرة أهله كان ميقاته المكان الذي تجب التلبية منه وهو الميقات المعهود وما قاله زفر إن الدم إنما وجب عليه بجنايته على الميقات مسلم لكن لما عاد قبل دخوله في أفعال الحج فما جنى عليه بل ترك حقه في الحال فيحتاج إلى التدارك وقد تداركه بالعود إلى التلبية ولو جاوز الميقات بغير إحرام فأحرم ولم يعد إلى الميقات حتى طاف شوطا أو شوطين أو وقف بعرفة أو كان إحرامه بالحج ثم عاد إلى الميقات لا يسقط عنه الدم لأنه لما اتصل الإحرام بأفعال الحج تأكد عليه الدم فلا يسقط بالعود ولو عاد إلى ميقات آخر غير الذي جاوزه قبل أن يفعل شيئا من أفعال الحج سقط عنه الدم وعوده إلى هذا الميقات وإلى ميقات آخر سواء وعلى قول زفر لا يسقط على ما ذكرنا

Section V02/P164–V02/P165

وروى عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا فقال إن كان الميقات الذي عاد إليه يحاذي الميقات الأول أو أبعد من الحرم يسقط عنه الدم وإلا فلا والصحيح جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا إن كل واحد من هذه المواقيت الخمسة ميقات لأهله ولغير أهله بالنص مطلقا عن اعتبار المحاذاة ولو لم يعد إلى الميقات لكنه أفسد إحرامه بالجماع قبل طواف العمرة إن كان إحرامه بالعمرة أو قبل الوقوف بعرفة إن كان إحرامه بالحج سقط عنه ذلك الدم لأنه يجب عليه القضاء وانجبر ذلك كله بالقضاء كمن سها في صلاته ثم أفسدها فقضاها أنه لا يجب عليه سجود السهو وكذلك إذا فاته الحج فإنه يتحلل بالعمرة وعليه قضاء الحج وسقط عنه ذلك الدم عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يسقط ولو جاوز الميقات يريد دخول مكة أو الحرم من غير إحرام يلزمه إما حجة وإما عمرة لأن مجاوزة الميقات على قصد دخول مكة أو الحرم بدون الإحرام لما كان حراما كانت المجاوزة التزاما للإحرام دلالة كأنه قال لله تعالى علي إحرام ولو قال ذلك يلزمه حجة أو عمرة كذا إذا فعل ما يدل على الالتزام كمن شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها يلزمه قضاء ركعتين كما إذا قال لله تعالى علي أن أصلي ركعتين فإن أحرم بالحج أو بالعمرة قضاء لما عليه من ذلك لمجاوزته الميقات ولم يرجع إلى الميقات فعليه دم لأنه جنى على الميقات لمجاوزته إياه من غير إحرام ولم يتداركه فيلزمه الدم جبرا فإن أقام بمكة حتى تحولت السنة ثم أحرم يريد قضاء ما وجب عليه بدخوله مكة بغير إحرام أجزأه في ذلك ميقات أهل مكة في الحج بالحرم وفي العمرة بالحل لأنه لما أقام بمكة صار في حكم أهل مكة فيجزئه إحرامه من ميقاتهم فإن كان حين دخل مكة عاد في تلك السنة إلى الميقات فأحرم بحجة عليه من حجة الإسلام أو حجة نذر أو عمرة نذر سقط ما وجب عليه لدخوله مكة بغير إحرام استحسانا والقياس أن لا يسقط إلا أن ينوي ما وجب عليه لدخول مكة وهو قول زفر ولا خلاف في أنه إذا تحولت السنة ثم عاد إلى الميقات ثم أحرم بحجة الإسلام أنه لا يجزئه عما لزمه إلا بتعيين النية وجه القياس أنه قد وجب عليه حج ( ( ( حجة ) ) ) أو عمرة بسبب المجاوزة فلا يسقط عنه بواجب آخر كما لو نذر بحجة أنه لا تسقط عنه بحجة الإسلام وكذا لو فعل ذلك بعدما تحولت السنة وجه الإستحسان أن لزوم الحجة أو العمرة ثبت تعظيما للبقعة والواجب عليه تعظيمها بمطلق الإحرام لا بإحرام على حدة بدليل أنه يجوز دخولها ابتداء بإحرام حجة الإسلام فإنه لو أحرم من الميقات ابتداء بحجة الإسلام أجزأه ذلك عن حجة الإسلام وعن حرمة الميقات وصار كمن دخل المسجد وأدى فرض الوقت قام ذلك مقام تحية المسجد وكذا لو نذر أن يعتكف شهر رمضان فصام رمضان معتكفا جاز وقام صوم رمضان مقام الصوم الذي هو شرط الإعتكاف بخلاف ما إذا تحولت السنة لأنه لما لم يقض حق البقعة حتى تحولت السنة صار مفوتا حقها فصار ذلك دينا عليه وصار أصلا ومقصودا بنفسه فلا يتأدى بغيره كمن نذر أن يعتكف شهر رمضان فلم يصم ولم يعتكف حتى قضى شهر رمضان مع الإعتكاف جاز فإن صام رمضان ولم يعتكف فيه حتى دخل شهر رمضان القابل فاعتكف فيه قضاء عما عليه لا يجوز لأن الصوم صار أصلا ومقصودا بنفسه كذا هذا

Section V02/P165

وكذلك لو أحرم بعمرة منذورة في السنة الثانية لم يجزه لأنه يكره تأخير العمرة إلى يوم النحر وأيام التشريق فإذا صار إلى وقت يكره تأخير العمرة إليه صار تأخيرها كتفويتها فإن دخل مكة بغير إحرام ثم خرج فعاد إلى أهله ثم عاد إلى مكة فدخلها بغير إحرام وجب عليه لكل واحد من الدخولين حجة أو عمرة لأن كل واحد من الدخولين سبب لوجوب ( ( ( الوجوب ) ) ) فإن أحرم بحجة الإسلام جاز عن الدخول الثاني إذا كان في سنته ولم يجز عن الدخول الأول لأن الواجب قبل الدخول الثاني صار دينا فلا يسقط إلا بتعيين النية هذا إذا جاوز أحد هذه المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة أو دخول مكة أو الحرم بغير إحرام فأما إذا لم يرد ذلك وإنما أراد أن يأتي بستان بني عامر أو غيره لحاجة فلا شيء عليه لأن لزوم الحج أو العمرة بالمجاوزة من غير إحرام لحرمة الميقات تعظيما للبقعة وتمييزا لها من بين سائر البقاع في الشرف والفضيلة فيصير ملتزما للإحرام منه فإذا لم يرد البيت لم يصر ملتزما للإحرام فلا يلزمه شيء فإن حصل في البستان أو ما وراءه من الحل ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة من غير إحرام فله ذلك لأنه بوصوله إلى أهل البستان صار كواحد من أهل البستان ولأهل البستان أن يدخلوا مكة لحاجة من غير إحرام فكذا له وقيل إن هذا هو الحيلة في إسقاط الإحرام عن نفسه وروي عن أبي يوسف أنه لا يسقط عنه الإحرام ولا يجوز له أن يدخل مكة بغير إحرام ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوما فصاعدا لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن في حقه إلا بنية مدة الإقامة وأقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما وأما الصنف الثاني فميقاتهم للحج أو العمرة دويرة أهلهم أو حيث شاؤا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم لقوله عز وجل وأتموا الحج والعمرة لله روينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا حين سئلا عن هذه الآية إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين والحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل كما يجوز إحرام الأفاقي من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته فلو جاوز أحد منهم ميقاته يريد الحج أو العمرة فدخل الحرم من غير إحرام فعليه دم ولو عاد إلى الميقات قبل أن يحرم أو بعدما أحرم فهو على التفصيل والإتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في الآفاقي إذا جاوز الميقات بغير إحرام وكذلك الأفاقي إذا حصل في البستان أو المكي إذا خرج إليه فأراد أن يحج أو يعتمر فحكمه حكم أهل البستان وكذلك البستاني أو المكي إذا خرج إلى الآفاق صار حكمه حكم أهل الآفاق لا تجوز مجاوزته ميقات أهل الآفاق وهو يريد الحج أو العمرة إلا محرما لما روينا من الحديثين ويجوز لمن كان من أهل هذا الميقات وما بعده دخول مكة لغير الحج أو العمرة بغير إحرام عندنا ولا يجوز ذلك في أحد قولي الشافعي وذكر في قوله الثالث إذا تكرر دخولهم يجب عليهم الإحرام في كل سنة مرة والصحيح قولنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام وعادة الحطابين أنهم لا يتجاوزون الميقات وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه خرج من مكة إلى قديد فبلغه خبر فتنة بالمدينة فرجع ودخل مكة بغير إحرام ولأن البستان من توابع الحرم فيلحق به ولأن مصالح أهل البستان تتعلق بمكة فيحتاجون إلى الدخول في كل وقت فلو منعوا من الدخول إلا بإحرام لوقعوا في الحرج وأنه منفي شرعا وأما الصنف الثالث فميقاتهم للحج الحرم وللعمرة الحل فيحرم المكي من دويرة أهله للحج أو حيث شاء من الحرم ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أو غيره أما الحج فلقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله

Section V02/P165–V02/P166

وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك إلا أن العمرة صارت مخصوصة في حق أهل الحرم فبقي الحج مرادا في حقهم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بفسخ إحرام الحج بعمل العمرة أمرهم يوم التروية أن يحرموا بالحج من المسجد وفسخ إحرام الحج بعمل العمرة وإن نسخ فالإحرام من المسجد لم ينسخ وإن شاء أحرم من الأبطح أو حيث شاء من الحرم لكن من المسجد أولى لأن الإحرام عبادة واتيان العبادة في المسجد أولى كالصلاة وأما العمرة فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الإفاضة من مكة دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي فقالت أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن يعتمر بها من التنعيم ولأن من شأن الإحرام أن يجتمع في أفعاله الحل والحرم فلو أحرم المكي بالعمرة من مكة وأفعال العمرة تؤدي بمكة لم يجتمع في أفعالها الحل والحرم بل يجتمع كل أفعالها في الحرم وهذا خلاف عمل الإحرام في الشرع والأفضل أن يحرم من التنعيم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم منه وكذا أصحابه رضي الله عنهم كانوا يحرمون لعمرتهم منه وكذلك من حصل في الحرم من غير أهله فأراد الحج أو العمرة فحكمه حكم أهل الحرم لأنه صار منهم فإذا أراد أن يحرم للحج أحرم من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يخرج إلى التنعيم ويهل بالعمرة في الحل ولو ترك المكي ميقاته فأحرم للحج من الحل وللعمرة من الحرم يجب عليه الدم إلا إذا عاد وجدد التلبية أو لم يجدد على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا في الأفاقي ولو خرج من الحرم إلى الحل ولم يجاوز الميقات ثم أراد أن يعود إلى مكة له أن يعود إليها من غير إحرام لأن أهل مكة يحتاجون إلى الخروج إلى الحل للاحتطاب والإحتشاش والعود إليها فلو ألزمناهم الإحرام عند كل خروج لوقعوا في الحرج فصل وأما بيان ما يحرم به فما يحرم به في الأصل ثلاثة أنواع الحج وحده والعمرة وحدها والعمرة مع الحج وعلى حسب تنوع المحرم به يتنوع المحرمون وهم في الأصل أنواع ثلاثة مفرد بالحج ومرد ( ( ( ومفرد ) ) ) بالعمرة وجامع بينهما فالمفرد بالحج هو الذي يحرم بالحج لا غير والمفرد بالعمرة هو الذي يحرم بالعمرة لا غير وأما الجامع بينهما فنوعان قارن ومتمتع فلا بد من بيان معنى القارن والمتمتع في عرف الشرع وبيان ما يجب عليهما بسبب القران والتمتع وبيان الأفضل من أنواع ما يحرم به أنه الإفراد أو القران أو التمتع أما القارن في عرف الشرع فهو اسم لآفاقي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة وهو الطواف كله أو أكثره فيأتي بالعمرة أولا ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول حتى لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة أو أكثره كان قارنا لوجود معنى القران وهو الجمع بين الإحرامين وشرطه ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا يكون قارنا بل يكون متمتعا لوجود معنى التمتع وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله وهو الطواف سبعة أشواط أو أكثره وهو أربعة أشواط على ما نذكر في تفسير المتمتع إن شاء الله تعالى

Section V02/P166–V02/P167

وكذلك لو أحرم بالحجة أولا ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة يكون قارنا لإتيانه بمعنى القران إلا أنه يكره له ذلك لأنه مخالفة السنة إذ السنة تقديم إحرام العمرة على إحرام الحج ألا ترى أنه يقدم العمرة على الحجة في الفعل فكذا في القول ثم إذا فعل ذلك ينظر إن أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لحجته عليه أن يطوف أولا لعمرته ويسعى لها ثم يطوف لحجته ويسعى لها مراعاة للترتيب في الفعل فإن لم يطف للعمرة ومضى إلى عرفات ووقف بها صار رافضا لعمرته لأن العمرة تحتمل الارتفاض لأجل الحجة في الجملة لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قدمت مكة معتمرة فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرفضي عمرتك وأهلي بالحج واصنعي في حجتك ما يصنع الحاج وههنا وجد دليل الإرتفاض وهو الوقوف بعرفة لأنه اشتغال بالركن الأصلي للحج فيتضمن ارتفاض العمرة ضرورة لفوات الترتيب في الفعل وهل يرتفض بنفس التوجه إلى عرفات ذكر في الجامع الصغير أنه لا يرتفض وذكر في كتاب المناسك فيه القياس والإستحسان فقال القياس أن يرتفض وفي الإستحسان لا يرتفض عنى به القياس على أصل أبي حنيفة في باب الصلاة فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ثم خرج إلى الجمعة أنه يرتفض ظهره عنده كذا ههنا ينبغي أن ترتفض عمرته بالقياس على ذلك إلا أنه استحسن وقال لا يرتفض ما لم يقف بعرفات وفرق بين العمرة وبين الصلاة ووجه الفرق له أن السعي إلى الجمعة من ضرورات أداء الجمعة وأداء الجمعة ينافي بقاء الظهر فكذا ما هو من ضروراته إذ الثابت ضرورة شيء ملحق به وههنا التوجه إلى عرفات وإن كان من ضرورات الوقوف بها لكن الوقوف لا ينافي بقاء العمرة صحيحة فإن عمرة القارن والمتمتع تبقى صحيحة مع الوقوف بعرفة وإنما الحاجة ههنا إلى مراعاة الترتيب في الأفعال فما لم توجد أركان الحج قبل أركان العمرة لا يوجد فوات الترتيب وذلك هو الوقوف بعرفة فأما التوجه فليس بركن فلا يوجب فوات الترتيب في الأفعال وإن كان طاف للحج ثم أحرم بالعمرة فالمستحب له أن يرفض عمرته لمخالفته السنة في الفعل إذ السنة هي تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج فإذا ترك التقديم فقد تحققت البدعة فيستحب له أن يرفض لكن لا يؤمر بذلك حتما لأن المؤدي من أفعال الحج وهو طواف اللقاء ليس بركن ولو مضى عليها أجزأه لأنه أتى بأصل النسك وإنما ترك السنة بترك الترتيب في الفعل وأنه يوجب الإساءة دون الفساد وعليه دم القران لأنه قارن لجمعه بين إحرام الحجة والعمرة والقران جائز مشروع ولو رفضها يقضيها لأنها لزمته بالشروع فيها وعليه دم لرفضها لأن رفض العمرة فسخ للإحرام بها وإنه أعظم من إدخال النقص في الإحرام وذا يوجب الدم فهذا أولى والله تعالى أعلم وأما المتمتع في عرف الشرع فهو اسم لآفاقي يحرم بالعمرة ويأتي بأفعالها من الطواف والسعي أو يأتي بأكثر ركنها وهو الطواف أربعة أشواط أو أكثر في أشهر الحج ثم يحرم بالحج في أشهر الحج ويحج من عامه ذلك قبل أن يلم بأهله فيما بين ذلك إلماما صحيحا فيحصل له النسكان في سفر واحد سواء حل من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير أو لم يحل إذا كان ساق الهدي لمتعته فإنه لا يجوز التحلل بينهما ويحرم بالحج قبل أن يحل من إحرام العمرة وهذا عندنا وقال الشافعي سوق الهدي لا يمنع من التحلل فصار المتمتع نوعين متمتع لم يسق الهدي ومتمتع ساق الهدي فالذي لم يسق الهدي يجوز له التحلل إذا فرغ من أفعال العمرة بلا خلاف وإذا تحلل صار حلالا كسائر المتحللين إلى أن يحرم بالحج لأنه إذا تحلل من العمرة فقد خرج منها ولم يبق عليه شيء فيقيم بمكة حلالا أي لا يلم بأهله لأن الإلمام بالأهل يفسد التمتع وأما الذي ساق الهدى فإنه لا يحل له التحلل إلا يوم النحر بعد الفراغ من الحج عندنا

Section V02/P167–V02/P168

وعند الشافعي يحل له التحلل وسوق الهدي لا يمنع من التحلل والصحيح قولنا لما روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أمر أصحابه أن يخلقوا ( ( ( يحلقوا ) ) ) إلا من كان معه الهدي وفي حديث أسماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان معه هدي فليقم على إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحلق وروي أنه لما أمر أصحابه أن يحلوا ( ( ( يحلقوا ) ) ) قالوا له إنك لم تحل فقال إني سقت الهدي فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر وقال صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي وتحللت كما أحلوا فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي منعه من الحل سوق الهدي ولأن لسوق الهدي أثرا في الإحرام حتى يصير به داخلا في الإحرام فجاز أن يكون له أثر في حال البقاء حتى يمنع من التحلل وسواء كان إحرامه للعمرة في أشهر الحج أو قبلها عندنا بعد أن يأتي بأفعال العمرة أو ركنها أو بأكثر الركن في الأشهر أنه يكون متمتعا وعند الشافعي شرط كونه متمتعا الإحرام بالعمرة في الأشهر حتى لو أحرم بها قبل الأشهر لا يكون متمتعا وإن أتى بأفعالها في الأشهر والكلام فيه بناء على أصل قد ذكرناه فيما تقدم وهو أن الإحرام عنده ركن فكان من أفعال العمرة فلا بد من وجود أفعال العمرة في أشهر الحج ولم يوجد بل وجد بعضها في الأشهر وعندنا ليس بركن بل هو شرط فتوجد أفعال العمرة في الأشهر فيكون متمتعا وليس لأهل مكة ولا لأهل داخل المواقيت التي بينها وبين مكة قران ولا تمتع وقال الشافعي يصح قرانهم وتمتعهم وجه قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي من غير فصل بين أهل مكة وغيرهم ولنا قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام جعل التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام على الخصوص لأن اللام للإختصاص ثم حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة وقال مالك هم أهل مكة خاصة لأن معنى الحضور لهم وقال الشافعي هم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأنه إذا كان كذلك كان من توابع مكة وإلا فلا والصحيح قولنا لأن الذين هم داخل المواقيت الخمسة منازلهم من توابع مكة بدليل أنه يحل لهم أن يدخلوا مكة لحاجة بغير إحرام فكانوا في حكم حاضري المسجد الحرام وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال ليس لأهل مكة تمتع ولا قران ولأن دخول العمرة في أشهر الحج ثبت رخصة لقوله تعالى الحج أشهر معلومات قيل في بعض وجوه التأويل أي للحج أشهر معلومات واللام للإختصاص فيقتضي اختصاص هذه الأشهر بالحج وذلك بأن لا يدخل فيها غيره إلا أن العمرة دخلت فيها رخصة للآفاقي ضرورة تعذر إنشاء السفر للعمرة نطرا ( ( ( نظرا ) ) ) له بإسقاط أحد السفرين وهذا المعنى لا يوجد في حق أهل مكة ومن بمعناهم فلم تكن العمرة مشروعة في أشهر الحج في حقهم وكذا روي عن ذلك الصحابي أنه قال كنا نعد العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر ثم رخص والثابت بطريق الرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة والضرورة في حق أهل الآفاق لا في حق أهل مكة على ما بينا فبقيت العمرة في أشهر الحج في حقهم معصية ولأن من شرط التمتع أن تحصل العمرة والحج للمتمتع في أشهر الحج من غير أن يلم بأهله فيما بينهما وهذا لا يتحقق في حق المكي لأنه يلم بأهله فيما بينهما لا محالة فلم يوجد شرط التمتع في حقه

Section V02/P168–V02/P169

ولو جمع المكي بين العمرة والحج في أشهر الحج فعليه دم لكن دم كفارة الذنب لا دم نسك شكرا للنعمة عندنا حتى لا يباح له أن يأكل منه ولا يقوم الصوم مقامه إذا كان معسرا وعنده هو دم نسك يجوز له أن يأكل منه ويقوم الصوم مقامه إذا لم يجد الهدي ولو أحرم الآفاقي بالعمرة قبل أشهر الحج فدخل مكة محرما بالعمرة وهو يريد التمتع فينبغي أن يقيم محرما حتى تدخل أشهر الحج فيأتي بأفعال العمرة ثم يحرم بالحج ويحج من عامه ذلك فيكون متمتعا فإن أتى بأفعال العمرة أو بأكثرهاقبل أشهر الحج ثم دخل أشهر الحج فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا لأنه لم يتم له الحج والعمرة في أشهر الحج ولو أحرم بعمرة أخرى بعدما دخل أشهر الحج لم يكن متمتعا في قولهم جميعا لأنه صار في حكم أهل مكة بدليل أنه صار ميقاتهم ميقاته فلا يصح له التمتع إلا أن يعود إلى أهله ثم يعود إلى مكة محرما بالعمرة في قول أبي حنيفة وفي قولهما إلا أن يعود إلى أهله أو إلى موضع يكون لأهله التمتع والقران على ما نذكر ولو أحرم من لا تمتع له من المكي ونحوه بعمرة ثم أحرم بحجة يلزمه رفض أحدهما لأن الجمع بينهما معصية والنزوع عن المعصية لازم ثم ينظر إن أحرم بعمرة ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف لعمرته رأسا فإنه يرفض العمرة لأنها أقل عملا والحج أكثر عملا فكانت العمرة أخف مؤنة من الحجة فكان رفضها أيسر ولأن المعصية حصلت بسببها لأنها هي التي دخلت في وقت الحج فكانت أولى بالرفض ويمضي على حجته وعليه لرفض عمرته دم وعليه قضاء العمرة لما نذكر وإن كان طاف لعمرته جميع الطواف أو أكثره لا يرفض العمرة بل يرفض الحج لأن العمرة مؤداة والحج غير مؤدى فكان رفض الحج امتناعا عن الأداء ورفض العمرة إبطالا للعمل والإمتناع عن العمل دون إبطال العمرة فكان أولى وإن كان طاف لها شوطا أو شوطين أو ثلاثة يرفض الحج في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد يرفض العمرة وجه قولهما أن رفض العمرة أدنى وأخف مؤنة ألا ترى أنها سميت الحجة الصغرى فكانت أولى بالرفض ولا عبرة بالقدر المؤدى منها لأنه أقل والأكثر غير مؤدى والأقل بمقابلة الأكثر ملحق بالعدم فكأنه لم يؤد شيئا منها والله تعالى أعلم ولأبي حنيفة أن رفض الحجة امتناع من العمل ورفض العمرة إبطال للعمل والإمتناع دون الإبطال فكان أولى وبيان ذلك أنه لم يوجد للحج عمل لأنه لم يوجد له إلا الإحرام وأنه ليس من الأداء في شيء لأنه شرط وليس بركن عندنا على ما بينا فيما تقدم فلا يكون رفض الحج إبطالا للعمل بل يكون امتناعا فأما العمرة فقد أدى منها شيئا وإن قل وكان رفضها إبطالا لذلك القدر من العمل فكان الإمتناع أولى لما قلنا وإذا رفض الحجة عنه فعليه لرفضها دم وقضاء حجة وعمرة وإذا رفض العمرة عندهما فعليه لرفضها دم وقضاء عمرة والأصل في جنس هذه المسائل أن كل من لزمه رفض عمرة فرفضها فعليه لرفضها دم لأنه تحلل منها قبل وقت التحلل فيلزمه الدم كالمحصر وعليه عمرة مكانها قضاء لأنها قد وجبت عليه بالشروع فإذا أفسدها يقضيها وكل من لزمه رفض حجة فرفضها فعليه لرفضها دم وعليه حجة وعمرة أما لزوم الدم لرفضها فلما ذكرنا في العمرة وأما لزوم الحجة والعمرة فأما الحجة فلوجوبها بالشروع وأما العمرة فلعدم إتيانه بأفعال الحجة في السنة التي أحرم فيها فصار كفائت الحج فيلزمه العمرة كما يلزم فائت الحج فإن أحرم بالحجة من سنته فلا عمرة عليه وكل من لزمه رفض أحدهما فمضى فيها فعليه دم لأن الجمع بينهما معصية فقد أدخل النقص في أحدهما فيلزمه دم لكنه يكون دم كفارة لا دم متعة حتى لا يجوز له أن يأكل منه ولا يجزئه الصوم إن كان معسرا

Section V02/P169–V02/P170

ومما يتصل بهذه المسائل ما إذا أحرم بحجتين معا أو بعمرتين معا قال أبو حنيفة وأبو يوسف لزمتاه جميعا وقال محمد لا يلزمه إلا إحداهما وبه أخذ الشافعي وجه قول محمد إنه إذا أحرم بعبادتين لا يمكنه المضي فيهما جميعا فلا ينعقد إحرامه بهما جميعا كما لو أحرم بصلاتين أو صومين بخلاف ما إذا أحرم بحجة وعمرة لأن المضي فيهما ممكن فيصح إحرامه بهما كما لو نوى صوما وصلاة ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه أحرم بما يقدر عليه في وقتين فيصح إحرامه كما لو أحرم بحجة وعمرة معا وثمرة هذا الإختلاف تظهر في وجوب الجزاء إذا قتل صيدا عندهما يجب جزاآن ( ( ( جزاءان ) ) ) لانعقاد الإحرام بهما جميعا وعنده يجب جزاء واحد لإنعقاد الإحرام بأحدهما ( ( ( بإحداهما ) ) ) ثم اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف في وقت ارتفاض إحداهما عند أبي يوسف يرتفض عقيب الإحرام بلا فصل وعن أبي حنيفة روايتان في الرواية المشهورة عنه يرتفض إذا قصد مكة وفي رواية لا يرتفض حتى يبتديء بالطواف ولو أحرم الأفاقي بالعمرة فأداها في أشهر الحج وفرغ منها وحل من عمرته ثم عاد إلى أهله حلالا ثم رجع إلى مكة وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا حتى لا يلزمه الهدي بل يكون مفردا بعمرة ومفردا بحجة لأنه ألم بأهله بين الإحرامين إلماما صحيحا وهذا يمنع التمتع وقال الشافعي لا أعرف الإلمام ونحن نقول إن كنت لا تعرف معناه لغة فمعناه في اللغة القرب يقال ألم به أي قرب منه وإن كنت لا تعرف حكمه شرعا فحكمه أن يمنع التمتع لما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما أن المتمتع إذا أقام بمكة صح تمتعه وإن عاد إلى أهله بطل تمتعه وكما روي عن جماعة من التابعين مثل سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وطاوس وعطاء رضي الله عنهم أنهم قالوا كذلك ومثل هذا لا يعرف رأيا واجتهادا فالظاهر سماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن التمتع في حق الأفاقي ثبت رخصة ليجمع بين النسكين ويصل أحدهما بالآخر في سفر واحد من غير أن يتخلل بينهما ما ينافي النسك وهو الارتفاق ولما ألم بأهله فقد حصل له مرافق الوطن فبطل الإتصال والله تعالى أعلم ولو رجع إلى مكة بعمرة أخرى وحج كان متمتعا لأن حكم العمرة الأولى قد سقط بإلمامه بأهله فيتعلق الحكم بالثانية وقد جمع بينهما وبين الحجة في أشهر الحج من غير إلمام فكان متمتعا ولو كان إلمامه بأهله بعدما طاف لعمرته قبل أن يحلق أو يقصر ثم حج من عامه ذلك قبل أن يحل من العمرة في أهله فهو متمتع لأن العود مستحق عليه لأجل الحلق لأن من جعل الحرم شرطا لجواز الحلق وهو أبو حنيفة ومحمد لا بد من العود وعند من لم يجعله شرطا وهو أبو يوسف كان العود مستحبا إن لم يكن مستحقا وأما الإلمام الفاسد الذي لا يمنع صحة التمتع فهو أن يسوق الهدي فإذا فرغ من العمرة عاد إلى وطنه فلا يبطل تمتعه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى لو عاد إلى مكة فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك كان متمتعا في قولهما وعند محمد يبطل تمتعه حتى لو حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا وجه قول محمد أن المانع من صحة التمتع وهو الإلمام بالأهل قد وجد والعود غير مستحق عليه بدليل أنه لو بدا له من التمتع جاز له ذبح الهدي ههنا وإذا لم يستحق عليه العود صار كأن لم يسق الهدي ولو لم يسق الهدي يبطل تمتعه كذا هذا ولهما أن العود مستحق عليه ما دام على نية التمتع فيمنع صحة الإلمام فلا يبطل تمتعه كالقارن إذا عاد إلى أهله ثم ما ذكرنا من بطلان التمتع بالإلمام الصحيح إذا عاد إلى أهله

Section V02/P170

فأما إذا عاد إلى غير أهله بأن خرج من الميقات ولحق بموضع لأهله القران والتمتع كالبصرة مثلا أو نحوها واتخذ هناك دارا أو لم يتخذ توطن بها أو لم يتوطن ثم عاد إلى مكة وحج من عامه ذلك فهل يكون متمتعا ذكر في الجامع الصغير أنه يكون متمتعا ولم يذكر الخلاف وذكر القاضي أيضا أنه يكون متمتعا في قولهم وذكر الطحاوي أنه يكون متمتعا في قول أبي حنيفة وهذا وما إذا أقام بمكة ولم يبرح منها سواء وأما في قول أبي يوسف ومحمد فلا يكون متمتعا ولحوقه بموضع لأهله التمتع والقران ولحوقه بأهله سواء وجه قولهما أنه لما جاوز الميقات ووصل إلى موضع لأهله التمتع والقران فقد بطل حكم السفر الأول وخرج من أن يكون من أهل مكة لوجود إنشاء سفر آخر فلا يكون متمتعا كما لو رجع إلى أهله ولأبي حنيفة أن وصوله إلى موضع لأهله القران والتمتع لا يبطل السفر الأول ما لم يعد إلى منزله لأن المسافر ما دام يتردد في سفره يعد ذلك كله منه سفرا واحدا ما لم يعد إلى منزله ولم يعد ههنا فكان السفر الأول قائما فصار كأنه لم يبرح من مكة فيكون متمتعا ويلزمه هدي المتعة ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد وحل منها ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك قبل أن يقضيها لم يكن متمتعا لأنه لا يصير متمتعا إلا بحصول العمرة والحجة ولما أفسد العمرة فلم تحصل له العمرة والحجة فلا يكون متمتعا ولو قضى عمرته وحج من عامه ذلك فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه فإن فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها ورجع إلى أهله ثم عاد إلى مكة وقضى عمرته وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعا بالإجماع لأنه لما لحق بأهله صار من أهل التمتع وقد أتى به فكان متمتعا وإذا فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها لكنه لم يخرج من الحرم أو خرج منه لكنه لم يجاوز الميقات حتى قضى عمرته وأحرم بالحج لا يكون متمتعا بالإجماع لأنه حل من عمرته الفاسدة صار كواحد من أهل مكة ولا تمتع لأهل مكة ويكون مسيئا وعليه لإساءته دم وإن فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها وخرج من الحرم وجاوز الميقات حتى قضى عمرته ولحق بموضع لأهله التمتع والقران كالبصرة وغيرها ثم رجع إلى مكة وقضى عمرته الفاسدة ثم أحرم بحج وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا في قول أبي حنيفة كأنه لم يبرح من مكة وفي قول أبي يوسف ومحمد يكون متمتعا كأنه لحق بأهله وجه قولهما أنه لما حصل في موضع لأهله التمتع والقران صار من أهل ذلك الموضع وبطل حكم ذلك السفر ثم إذا قدم مكة كان هذا إنشاء سفر وقد حصل له نسكان في هذا السفر وهو عمرة وحجة فكيون ( ( ( فيكون ) ) ) متمتعا كما لو رجع إلى أهله ثم عاد إلى مكة وقضى عمرته في أشهر الحج وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك أنه يكون متمتعا كذا هذا بخلاف ما إذا اتخذ مكة دارا لأنه صار من أهل مكة ولا تمتع لأهل مكة ولأبي حنيفة أن حكم السفر الأول باق لأن الإنسان إذا خرج من وطنه مسافرا فهو على حكم السفر ما لم يعد إلى وطنه وإذا كان حكم السفر الأول باقيا فلا عبرة بقدومه البصرة واتخاذه دارا بها فصار كأنه أقام بمكة لم يبرح منها حتى قضى عمرته الفاسدة وإذا كان كذلك لم يكن متمتعا ولم يلزمه الدم لأنه لما أفسد العمرة لزمه أن يقضيها من مكة وهو أن يحرم بالعمرة من ميقات أهل مكة للعمرة وذلك دليل إلحاقه بأهل مكة فصارت عمرته وحجته مكيتين لصيرورة ميقاته للحج والعمرة ميقات أهل مكة فلا يكون متمتعا لوجود الإلمام بمكة كما فرغ من عمرته وصار كالمكي إذا خرج إلى أقرب الآفاق وأحرم بالعمرة ثم عاد إلى مكة وأتى بالعمرة ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا كذا هذا

Section V02/P170–V02/P171

بخلاف ما إذا رجع إلى وطنه لأنه إذا رجع إلى وطنه فقد قطع حكم السفر الأول بابتداء سفر آخر فانقطع حكم كونه بمكة فبعد ذلك إذا أتى مكة وقضى العمرة وحج فقد حصل له النسكان في سفر واحد فصار متمتعا هذا إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد فأما إذا أحرم بها قبل أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد فإن لم يخرج من الميقات حتى دخل أشهر الحج وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك فإنه لا يكون متمتعا بالإجماع وحكمه كمكي تمتع لأنه صار كواحد من أهل مكة لما ذكرنا ويكون مسيئا وعليه لإساته ( ( ( لإساءته ) ) ) دم وإن عاد إلى أهله ثم عاد إلى مكة محرما بإحرام العمرة وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك يكون متمتعا بالإجماع لما مر وإن عاد إلى غير أهله ولحق بموضع لأهله التمتع والقران ثم عاد إلى مكة محرما بإحرام العمرة وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك فهذا على وجهين في قول أبي حنيفة في وجه يكون متمتعا وهو ما إذا رأى هلال شوال خارج الميقات ثم عاد إلى مكة محرما بإحرام العمرة وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك وفي وجه لا يكون متمتعا وهو ما إذا رأى هلال شوال داخل الميقات وعند أبي يوسف ومحمد يكون متمتعا في الوجهين جميعا لهما أن لحوقه بذلك الموضع بمنزلة لحوقه بأهله ولو لحق بأهله يكون متمتعا فكذا هذا ولأبي حنيفة أن في الوجه الأول أدركته أشهر الحج وهو من أهل التمتع لأنها أدركته خارج الميقات وفي الوجه الثاني أدركته وهو ليس من أهل التمتع لكونه ممنوعا شرعا عن التمتع ولا يزول المنع حتى يلحق بأهله ولو اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى أهله قبل أن يحل من عمرته وألم بأهله وهو محرم ثم عاد إلى مكة بذلك الإحرام وأتم عمرته ثم حج من عامه ذلك فهذا على ثلاثة أوجه فإن كان طاف لعمرته شوطا أو شوطين أو ثلاثة أشواط ثم عاد إلى أهله وهو محرم ثم رجع إلى مكة بذلك الإحرام وأتم عمرته وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعا بالإجماع وإن اعتمر وحل من عمرته ثم عاد إلى أهله حلالا ثم عاد إلى مكة وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعا بالإجماع لأن إلمامه بأهله صحيح وأنه يمنع التمتع وإن رجع إلى أهله بعدما طاف أكثر طواف عمرته أو كله ولم يحل بعد ذلك وألم بأهله محرما ثم عاد وأتم بقية عمرته وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وفي قول محمد لا يكون متمتعا وجه قوله إنه أدى العمرة بسفرين وأكثرها حصل في السفر الأول وهذا يمنع التمتع ولهما أن إلمامه بأهله لم يصح بدليل أنه يباح له العود إلى مكة بذلك الإحرام من غير أن يحتاج إلى إحرام جديد فصار كأنه أقام بمكة وكذا لو اعتمر في أشهر الحج ومن نيته التمتع وساق الهدي لأجل تمتعه فلما فرغ منها عاد إلى أهله محرما ثم عاد وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعا في قولهما لأن إلمامه بأهله لم يصح فصار كأنه أقام بمكة وعند محمد لا يكون متمتعا ولو خرج المكي إلى الكوفة فأحرم بها للعمرة ثم دخل مكة فأحرم بها للحج لم يكن متمتعا لأنه حصل له الإلمام بأهله بين الحجة والعمرة فمنع التمتع كالكوفي إذا رجع إلى أهله وسواء ساق الهدي أو لم يسق يعني إذا أحرم بالعمرة بعدماخرج إلى الكوفة وساق الهدي لم يكن متمتعا وسوقه الهدي لا يمنع صحة إلمامه بخلاف الكوفي لأن الكوفي إنما يمنع سوق الهدي صحة إلمامه لأن العود مستحق عليه فأما المكي فلا يستحق عليه العود فصح إلمامه مع السوق كما يصح مع عدمه

Section V02/P171–V02/P172

ولو خرج المكي إلى الكوفة فقرن صح قرانه لأن القران يحصل بنفس الإحرام فلا يعتبر فيه الإلمام فصار بعوده إلى مكة كالكوفي إذا قرن ثم عاد إلى الكوفة وذلك ( ( ( وذكر ) ) ) ابن سماعة عن محمد أن قران المكي بعد خروجه إلى الكوفة إنما يصح إذا كان خروجه من مكة قبل أشهر الحج فأما إذا دخلت عليه أشهر الحج وهو بمكة ثم خرج إلى الكوفة فقرن لم يصح قرانه لأنه حين دخول الأشهر عليه كان على صفة لا يصح له التمتع ولا القران في هذه السنة لأنه في أهله فلا يتغير ذلك بالخروج إلى الكوفة وفي نوادر ابن سماعة عن محمد فيمن أحرم بعمرة في رمضان وأقام على إحرامه إلى شوال من قابل ثم طاف لعمرته في العام القابل من شوال ثم حج في ذلك العام أنه متمتع لأنه باق على إحرامه وقد أتى بأفعال العمرة والحج في أشهر الحج فصار كأنه ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج وحج من عامه ذلك ولو فعل ذلك كان متمتعا كذا هذا وبمثله من وجب عليه أن يتحلل من الحج بعمرة فأخر إلى العام القابل فتحلل بعمرة في شوال وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعا لأنه ما أتى بأفعال العمرة لها بل للتحلل عن إحرام الحج فلم تقع هذه الأفعال معتدا بها عن العمرة فلم يكن متمتعا بخلاف الفصل الأول فصل وأما بيان ما يجب على المتمتع والقارن بسبب التمتع والقران أما المتمتع فيجب عليه الهدى الإجماع ( ( ( بالإجماع ) ) ) والكلام في الهدى في مواضع في تفسير الهدي وفي بيان وجوبه وفي بيان شرط الوجوب وفي بيان صفة الواجب وفي بيان مكان إقامته وفي بيان زمان الإقامة أما الأول فالهدي المذكور في آية التمتع اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم روي عن علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا هو شاة وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنه بدنة أو بقرة والحاصل أن اسم الهدي يقع على الإبل والبقر والغنم لكن الشاة ههنا مرادة من الآية الكريمة بإجماع الفقهاء حتى أجمعوا على جوازها عن المتعة والدليل عليه أيضا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الهدي فقال صلى الله عليه وسلم أدناه شاة إلا أن البدنة أفضل من البقرة والبقرة أفضل من الشاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الهدي أدناه شاة ففيه إشارة إلى أن أعلاه البدنة والبقرة وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم كالمهدي بقرة كالمهدي شاة وكذا النبي صلى الله عليه وسلم ساق البدن ومعلوم أنه كان يختار من الأعمال أفضلها ولأن البدنة أكثر لحما وقيمة من البقرة والبقرة أكثر لحما وقيمة من الشاة فكان أنفع للفقراء فكان أفضل وأما وجوبه فإنه واجب بالإجماع وبقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي أي فعليه ذبح ما استيسر من الهدى كما في قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية الآية أي فحلق فعليه فدية وقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر معناه فأفطر فليصم في عدة من أيام أخر وأما شرط وجوبه فالقدرة عليه لأن الله تعالى أوجب ما استيسر من الهدي ولا وجوب إلا على القادر فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله لقوله عز وجل فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة معناه فمن لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم

Section V02/P172–V02/P173

ولا يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام في أشهر الحج قبل أن يحرم بالعمرة بلا خلاف وهل يجوز له بعد ما أحرم بالعمرة في أشهر الحج قبل أن يحرم بالحج قال أصحابنا يجوز سواء طاف لعمرته أو لم يطف بعد أن أحرم بالعمرة وقال الشافعي لا يجوز حتى يحرم بالحج كذا ذكر الفقيه أبو الليث الخلاف وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله القياس أن لا يجوز ما لم يشرع في الحج وهو قول زفر لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وإنما يكون في الحج بعد الشروع فيه وذلك بالإحرام ولأن على أصل الشافعي دم المتعة دم كفارة وجب جبرا للنقص وما لم يحرم بالحج لا يظهر النقص ولنا أن الإحرام بالعمرة سبب لوجود الإحرام بالحجة فكان الصوم تعجيلا بعد وجود السبب فجاز وقبل وجود العمرة لم يوجد السبب فلم يجز ولأن السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية كذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك وإذا كانت السنة في حقه الإحرام بالحج عشية التروية فلا يمكنه صيام الثلاثة الأيام بعد ذلك وإنما بقي له يوم واحد لأن أيام النحر والتشريق قد نهى عن الصيام فيها فلا بد من الحكم بجواز الصوم بعد إحرام العمرة قبل الشروع في الحج وأما الآية فقد قيل في تأويلها أن المراد منها وقت الحج وهو الصحيح إذ الحج لا يصلح ظرفا للصوم والوقت يصلح ظرفا له فصار تقدير الآية الشريفة فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج كما في قوله تعالى الحج أشهر معلومات أي وقت الحج أشهر معلومات وعلى هذا صارت الآية الشريفة حجة لنا عليه لأن الله تعالى أوجب على المتمتع صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهر الحج وقد صام في أشهر الحج فجاز إلا أن زمان ما قبل الإحرام صار مخصوصا من النص والأفضل أن يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة بأن يصوم قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة لأن الله تعالى جعل صيام ثلاثة أيام بدلا عن الهدي وأفضل أوقات البدل وقت اليأس عن الأصل لما يحتمل القدرة على الأصل قبله ولهذا كان الأفضل تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة لاحتمال وجود الماء قبله وهذه الأيام آخر وقت هذا الصوم عندنا فإذا مضت ولم يصم فيها فقد فات الصوم وسقط عنه وعاد الهدي فإن لم يقدر عليه يتحلل وعليه دمان دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي وعند الشافعي لا يفوت بمضي هذه الأيام ثم له قولان في قول يصومها في أيام التشريق وفي قول يصومها بعد أيام التشريق والصحيح قولنا لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج أي في وقت الحج لما بينا عين وقت الحج لصوم هذه الأيام إلا أن يوم النحر خرج من أن يكون وقتا لهذا الصوم بالإجماع وما رواه ليس وقت الحج فلا يكون محلا لهذا الصوم وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال المتمتع إنما يصوم قبل يوم النحر وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا أتاه يوم النحر وهو متمتع لم يصم فقال له عمر رضي الله عنه إذبح شاة فقال الرجل ما أجدها فقال له عمر سل قومك فقال ليس ههنا منهم أحد فقال عمر رضي الله عنه يا مغيث أعطه عني ثمن شاة والظاهر أنه قال ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مثل ذلك لا يعرف رأيا واجتهادا وأما صوم السبعة فلا يجوز قبل الفراغ من أفعال الحج بالإجماع وهل يجوز بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة قبل الرجوع إلى الأهل قال أصحابنا يجوز وقال الشافعي لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الأهل إلا إذا نوى الإقامة بمكة فيصومها بمكة فيجوز واحتج بقوله تعالى وسبعة إذا رجعتم أي إذا رجعتم إلى أهليكم

Section V02/P173

ولنا هذه الآية بعينها لأنه قال عز وجل إذا رجعتم مطلقا فيقتضي أنه إذا رجع من منى إلى مكة وصامها يجوز وهكذا قال بعض أهل التأويل إذا رجعتم من منى وقال بعضهم إذا فرغتم من أفعال الحج وقيل إذا أتى وقت الرجوع ولو وجد الهدي قبل أن يشرع في صوم ثلاثة أيام أو في خلال الصوم أو بعد ما صام فوجده في أيام النحر قبل أن يحلق أو يقصر يلزمه الهدي ويسقط حكم الصوم عندنا وقال الشافعي لا يلزمه الهدي ولا يبطل حكم الصوم والصحيح قولنا لأن الصوم بدل عن الهدي وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فبطل حكم البدل كما لو وجد الماء في خلال التيمم ولو وجد الهدي في أيام الذبح أو بعد ما حلق أو قصر فحل قبل أن يصوم السبعة صح صومه ولا يجب عليه الهدي لأن المقصود من البدل وهو التحلل قد حصل فالقدرة على الأصل بعد ذلك لا تبطل حكم البدل كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء واختلف أبو بكر الرازي وأبو عبد الله الجرجاني في صوم السبعة قال الجرجاني إنه ليس ببدل بدليل أنه يجوز مع وجود الهدي بالإجماع ولا جواز للبدل مع وجود الأصل كما في التراب مع الماء ونحو ذلك وقال الرازي أنه بدل لأنه لا يجب إلا حال العجز عن الأصل وجوازه حال وجود الأصل لا يخرجه عن كونه بدلا ولو صام ثلاثة أيام ولم يحل حتى مضت أيام الذبح ثم وجد الهدي فصومه ماض ولا هدي عليه كذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ذكره الكرخي في مختصره لأن الذبح يتوقت بأيام الذبح عندنا فإذا مضت فقد حصل المقصود وهو إباحة التحلل فكأنه تحلل ثم وجد الهدي وأما صفة الواجب فقد اختلف فيها قال أصحابنا إنه دم نسك وجب شكرا لما وفق للجمع بين النسكين بسفر واحد فله أن يأكل منه ويطعم من شاء غنيا كان المطعم أو فقيرا ويستحب له أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث لأقربائه وجيرانه سواء كانوا فقراء أو أغنياء كدم الأضحية لقوله عز وجل فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير وقال الشافعي إنه دم كفارة وجب جبرا للنقص بترك إحدى السفرتين لأن الإفراد أفضل عنده لا يجوز للغني أن يأكل منه وسبيله سبيل دماء الكفارات وأما القارن فحكمه حكم المتمتع في وجوب الهدي عليه إن وجد والصوم إن لم يجد وإباحة الأكل من لحمه للغني والفقير لأنه في معنى المتمتع فيما لأجله وجب الدم وهو الجمع بين الحجة والعمرة في سفر واحد وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا فنحر البدن وأمر عليا رضي الله عنه فأخذ من كل بدنة قطعة فطبخها وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من لحمها وحسا من مرقها وأما مكان هذا الدم فالحرم لا يجوز في غيره لقوله تعالى والهدي معكوفا أن يبلغ محله ومحله الحرم والمراد منه هدى المتعة لقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي والهدى اسم لما يهدى إلى بيت الله الحرام أي يبعث وينقل إليه وأما زمانه فأيام النحر حتى لو ذبح قبلها لم يجز لأنه دم نسك عندنا فيتوقت بأيام النحر كالأضحية وأما بيان أفضل أنواع ما يحرم به فظاهر الرواية عن أصحابنا أن القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد وروي عن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتع وبه أخذ الشافعي وقال مالك التمتع أفضل وذكر محمد في كتاب الرد على أهل المدينة أن حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل احتج الشافعي بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج عام حجة الوداع فدل أن الإفراد أفضل إذ هو صلى الله عليه وسلم كان يختار من الأعمال أفضلها