Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Section V01/P067–V01/P068

ولنا أن القياس أن يصير الماء مستعملا بنفس الملاقاة لما ذكرنا فيما تقدم أنه وجد سبب صيرورته مستعملا وهو إزالة الحدث أو استعماله على وجه القربة وقد حصل ذلك بمجرد الملاقاة فكان ينبغي أن يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من الماء إلا أن في ذلك حرجا فالشرع أسقط اعتبار حالة الاستعمال في عضو واحد حقيقة أو في عضو واحد حكما كما في الجنابة ضرورة دفع الحرج فإذا زايل العضو زالت الضرورة فيظهر حكم الاستعمال بقضية القياس وقد خرج الجواب عن المسألة الأولى وأما المسألة الثانية فقد ذكر الحاكم الجليل أنها على التفصيل إن لم يكن استعمله في شيء من أعضائه يجوز أما إذا كان استعمله لا يجوز والصحيح أنه يجوز وإن استعمله في المغسولات لأن فرض الغسل إنما تأدى بماء جرى على عضوه لا بالبلة الباقية فلم تكن هذه البلة مستعملة بخلاف ما إذا استعمله في المسح على الخف ثم مسح به رأسا ( ( ( رأسه ) ) ) حيث لا يجوز لأن فرض المسح يتأدى بالبلة وتفصيل الحاكم محمول على هذا وما مسح بالمنديل أو تقاطر على الثوب فهو مستعمل إلا أنه لا يمنع جواز الصلاة لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد وهو المختار وعندهما وإن كان نجسا لكن سقوط اعتبار نجاسته ههنا لمكان الضرورة وأما بيان سبب صيرورة الماء مستعملا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الماء إنما يصير مستعملا بأحد أمرين إما بإزالة الحدث أو بإقامة القربة وعند محمد لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا إلا بإزالة الحدث وهذا الاختلاف لم ينقل عنهم نصا لكن مسائلهم تدل عليه والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف لما ذكرنا من زوال المانع من الصلاة إلى الماء واستخباث الطبيعة إياه في الفصلين جميعا إذا عرفنا هذا فنقول إذا توضأ بنية إقامة القربة نحو الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ونحوها فإن كان محدثا صار الماء مستعملا بلا خلاف لوجود السببين وهو إزالة الحدث وإقامة القربة جميعا وإن لم يكن محدثا يصير مستعملا عند أصحابنا الثلاثة لوجود إقامة القربة لكون الوضوء على الوضوء نورا على نور وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا لانعدام إزالة الحدث ولو توضأ أو اغتسل للتبرد فإن كان محدثا صار الماء مستعملا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي لوجود إزالة الحدث وعن محمد لا يصير مستعملا لعدم إقامة القربة وإن لم يكن محدثا لا يصير مستعملا بالاتفاق على اختلاف الأصول ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملا بالإجماع لأن التوضأ به غير جائز فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة وكذا إذا غسل الأشياء الطاهرة من النبات والثمار والأواني والأحجار ونحوها أو ( غسل يده من الطين والوسخ وغسلت المرأة يدها من العجين أو الحناء ونحو ذلك ) لا يصير مستعملا لما قلنا ولو غسل يده للطعام أو من الطعام لقصد إقامة السنة صار الماء مستعملا لأن إقامة السنة قربة لقول النبي الوضوء قبل الطعام بركة وبعده ينفي اللمم ولو توضأ ثلاثا ثلاثا ثم زاد على ذلك فإن أراد بالزيادة ابتداء الوضوء صار الماء مستعملا لما قلنا وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول اختلف المشايخ فيه فقال بعضهم لا يصير مستعملا لأن الزيادة على الثلاث من باب التعدي بالنص وقال بعضهم يصير مستعملا لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء فكانت قربة ولو أدخل جنب أو حائض أو محدث يده في الإناء قبل أن يغسلها وليس عليها قذر أو شرب الماء منه فقياس أصل أبي حنيفة وأبي يوسف أن يفسد وفي الاستحسان لا يفسد وجه القياس أن الحدث زال عن يده بإدخالها في الماء وكذا عن شفته فصار مستعملا وجه الاستحسان ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت أنا ورسول الله نغتسل من إناء واحد وربما كانت تتنازع فيه الأيدي

Section V01/P068–V01/P069

وروينا أيضا عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تشرب من إناء وهي حائض وكان رسول الله يشرب من ذلك الإناء وكان يتتبع مواضع فمها حبا لها ولأن التحرز عن إصابة الحدث والجنابة والحيض غير ممكن وبالناس حاجة إلى الوضوء والاغتسال والشرب وكل واحد لا يملك الإناء ليغترف الماء من الإناء العظيم ولا كل أحد يملك أن يتخذ آنية على حدة للشرب فيحتاج إلى الاغتراف باليد والشرب من كل آنية فلو لم يسقط اعتبار نجاسة اليد والشفة لوقع الناس في الحرج حتى لو أدخل رجله فيه يفسد الماء لانعدام الحاجة إليه في الإناء ولو أدخلها في البئر لم يفسده كذا ذكر أبو يوسف في الأمالي لأنه يحتاج إلى ذلك في البئر لطلب الدلو فجعل عفوا ولو أدخل في الإناء أو البئر بعض جسده سوى اليد والرجل أفسده لأنه لا حاجة إليه وعلى هذا الأصل تخرج مسألة البئر إذا انغمس الجنب فيها لطلب الدلو لا بنية الاغتسال وليس على بدنه نجاسة حقيقية والجملة فيه أن الرجل المنغمس لا يخلو إما أن يكون طاهرا أو لم يكن بأن كان على بدنه نجاسة حقيقية أو حكمية كالجنابة والحدث وكل وجه على وجهين إما أن ينغمس لطلب الدلو أو للتبرد أو للاغتسال وفي المسألة حكمان حكم الماء الذي في البئر وحكم الداخل فيها فإن كان طاهرا وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد لا يصير مستعملا بالإجماع لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة وإن انغمس فيها للاغتسال صار الماء مستعملا عند أصحابنا الثلاثة لوجود إقامة القربة وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا لانعدام إزالة الحدث والرجل طاهر في الوجهين جميعا وإن لم يكن طاهرا فإن كان على بدنه نجاسة حقيقية وهو جنب أولا فانغمس في ثلاثة آبار أو أكثر من ذلك لا يخرج من الأولى والثانية طاهرا بالإجماع ويخرج من الثالثة طاهرا عند أبي حنيفة ومحمد والمياه الثلاثة نجسة لكن نجاستها على التفاوت على ما ذكرنا وعند أبي يوسف الرجل ( ( ( المياه ) ) ) نجس والمياه كلها نجسة سواء انغمس لطلب الدلو أو التبرد أو الاغتسال وعندهما إن انغمس لطلب الدلو أو التبرد فالمياه باقية على حالها وإن كان الانغماس للاغتسال فالماء الرابع فصاعدا مستعمل لوجود إقامة القربة وإن كان على يده نجاسة حكمية فقط فإن أدخلها لطلب الدلو أو التبرد يخرج من الأولى طاهرا عند أبي حنيفة ومحمد هو الصحيح لزوال الجنابة بالانغماس مرة واحدة وعند أبي يوسف هو نجس ولا يخرج طاهرا أبدا وأما حكم المياه فالماء الأول مستعمل عند أبي حنيفة لوجود إزالة الحدث والبواقي على حالها لانعدام ما يوجب الاستعمال أصلا وعند أبي يوسف ومحمد المياه كلها على حالها أما عند محمد فظاهر لأنه لم يوجد إقامة القربة بشيء منها وأما أبو يوسف فقد ترك أصله عند الضرورة على ما يذكر وروى بشر عنه أن المياه كلها نجسة وهو قياس مذهبه والحاصل أن عند أبي حنيفة ومحمد يطهر النجس بوروده على الماء القليل كما يطهر بورود الماء عليه بالصب سواء كان حقيقيا أو حكميا على البدن أو على غيره غير أن النجاسة الحقيقية لا تزول إلا بالملاقاة ثلاث مرات والحكمية تزول بالمرة الواحدة وعند أبي يوسف لا يطهر النجس عن البدن بوروده على الماء القليل الراكد قولا واحدا وله في الثوب قولان أما الكلام في النجاسة الحقيقية في الطرفين فسيأتي في بيان ما يقع به التطهير وأما النجاسة الحكمية فالكلام فيها على نحو الكلام في الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) فأبو يوسف يقول الأصل أن ملاقاة أول عضو المحدث الماء يوجب صيرورته مستعملا فكذا ملاقاة أول عضو الطاهر الماء على قصد إقامة القربة وإذا صار الماء مستعملا بأول الملاقاة لا تتحقق طهارة بقية الأعضاء بالماء المستعمل فيجب العمل بهذا الأصل إلا عند الضرورة كالجنب والمحدث إذا أدخل يده في الإناء لاغتراف الماء لا يصير مستعملا ولا يزول الحدث إلى الماء لمكان الضرورة

Section V01/P069–V01/P070

وههنا ضرورة لحاجة الناس إلى إخراج الدلو ( ( ( الدلاء ) ) ) من الآبار فترك أصله لهذه الضرورة ولأن هذا الماء لو صار مستعملا إنما يصير مستعملا بإزالة الحدث ولو أزال الحدث لتنجس ولو تنجس لا يزيل الحدث وإذا لم يزل الحدث بقي طاهرا وإذا بقي طاهرا يزيل الحدث فيقع الدور فقطعنا الدور من الابتداء فقلنا إنه لا يزيل الحدث عنه فبقي هو بحالة والماء على حالة وأبو حنيفة ومحمد يقولان إن النجاسة تزول بورود الماء عليها فكذا بورودها على الماء لأن زوال النجاسة بواسطة الاتصال والملاقاة بين الطاهر والنجس موجودة في الحالين ولهذا ينجس الماء بعد الانفصال في الحالين جميعا في النجاسة الحقيقية إلا أن حالة الاتصال لا يعطى لها حكم النجاسة والاستعمال لضرورة إمكان التطهير والضرورة متحققة في الصب إذ كل واحد لا يقدر عليه على كل حال فامتنع ظهور حكمه في هذه الحالة ولا ضرورة بعد الانفصال فيظهر حكمه وعلى هذا إذا أدخل رأسه أو خفه أو جبيرته في الإناء وهو محدث قال أبو يوسف يجزئه في المسح ولا يصير الماء مستعملا سواء نوى أو لم ينو لوجود أحد سببي الاستعمال وإنما كان لأن فرض المسح يتأدى بإصابة البلة إذ هو اسم للإصابة دون الإسالة فلم يزل شيء من الحدث إلى الماء الباقي في الإناء وإنما زال إلى البلة وكذا إقامة القربة تحصل بها فاقتصر حكم الاستعمال عليها وقال محمد إن لم ينو المسح يجزئه ولا يصير الماء مستعملا لأنه لم توجد إقامة القربة فقد مسح بماء غير مستعمل فأجزأه وإن نوى المسح اختلف المشايخ على قوله قال بعضهم لا يجزئه ويصير الماء مستعملا لأنه لما لاقى رأسه الماء على قصد إقامة القربة صيره مستعملا ولا يجوز المسح بالماء المستعمل والصحيح أنه يجوز ولا يصير الماء مستعملا بالملاقاة لأن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال فلم يكن مستعملا قبله فيجزئه المسح به جنب على يده قذر فأخذ الماء بفمه وصبه عليه روى المعلى عن أبي يوسف أنه لا يطهر لأنه صار مستعملا بإزالة الحدث عن الفم والماء المستعمل لا يزيل النجاسة بالإجماع وذكر محمد في الآثار إنه يطهر لأنه لم يقم به قربة فلم يصر مستعملا والله أعلم فصل وأما بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا شرعا فالنجس لا يخلو إما أن يقع في المائعات كالماء والخل ونحوهما وإما أن يصيب الثوب والبدن ومكان الصلاة فإن وقع في الماء فإن كان جاريا فإن كان النجس غير مرئي كالبول والخمر ونحوهما لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ويتوضأ منه من أي موضع كان من الجانب الذي وقع فيه النجس أو من جانب آخر كذا ذكره محمد في كتاب الأشربة لو أن رجل ( ( ( رجلا ) ) ) صب خابية من الخمر في الفرات ورجل آخر أسفل منه يتوضأ به إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه لا يجوز وإن لم يتغير يجوز وعن أبي حنيفة في الجاهل بال في الماء الجاري ورجل أسفل منه يتوضأ به قال لا بأس به وهذا لأن الماء الجاري مما لا يخلص بعضه إلى بعض فالماء الذي يتوضأ به يحتمل أنه نجس ويحتمل أنه طاهر والماء طاهر في الأصل فلا نحكم بنجاسته بالشك وإن كانت النجاسة مرئية كالجيفة ونحوها فإن كان جميع الماء يجري على الجيفة لا يجوز التوضؤ من أسفل الجيفة لأنه نجس بيقين والنجس لا يطهر بالجريان وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك لأن العبرة للغالب وإن كان أقله يجري على الجيفة والأكثر يجري على الطاهر يجوز التوضأ به من أسفل الجيفة لأن المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشرع وإن كان يجري عليها النصف أو دون النصف فالقياس أن يجوز التوضؤ به لأن الماء كان طاهرا بيقين فلا يحكم بكونه نجسا بالشك وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا

Section V01/P070–V01/P071

وعلى هذا إذا كان النجس عند الميزاب والماء يجري عليه فهو على التفصيل الذي ذكرنا وإن كانت الأنجاس متفرقة على السطح ولم تكن عند الميزاب ذكر عيسى بن أبان أنه لا يصير نجسا ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وحكمه حكم الماء الجاري وقال محمد إن كانت النجاسة في جانب من السطح أو جانبين منه لا ينجس الماء ويجوز التوضؤ به وإن كانت في ثلاثة جوانب ينجس اعتبارا للغالب وعن محمد في ماء المطر إذا مر بعذرات ثم استنقع في موضع فخاض فيه إنسان ثم دخل المسجد فصلى لا بأس به وهو محمول على ما إذا مر أكثره على الطاهر واختلف المشايخ في حد الجريان قال بعضهم هو أن يجري بالتبن والورق وقال بعضهم إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضا لم ينقطع جريانه فهو جار وإلا فلا وروي عن أبي يوسف إن كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفيه لم ينحسر وجه الأرض بالاغتراف فهو جار وإلا فلا وقيل ما يعده الناس جاريا فهو جار وما لا فلا وهو أصح الأقاويل وإن كان راكدا فقد اختلف فيه قال أصحاب الظواهر إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلا سواء كان جاريا أو راكدا وسواء كان قليلا أو كثيرا تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير وقال عامة العلماء إن كان قليلا ينجس وإن كان كثيرا لا ينجس لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير قال مالك إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل وإن لم يتغير فهو كثير وقال الشافعي إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير والقلتان عنده خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين منا وقال أصحابنا إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل وإن كان لا يخلص فهو كثير فأما أصحاب الظواهر فاحتجوا بظاهر قول النبي الماء طهور لا ينجسه شيء واحتج مالك بقوله خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه وهو تمام الحديث أو بنى العام على الخاص عملا بالدليلين واحتج الشافعي بقول النبي إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا أي يدفع الخبث عن نفسه قال الشافعي قال ابن جريج أراد بالقلتين قلال هجر كل قربه ( ( ( قلة ) ) ) يسع فيها قربتان وشيء قال الشافعي وهو شيء مجهول فقدرته بالنصف احتياطا ولنا ما روي عن النبي أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده ولو كان الماء لا ينجس بالغمس لم يكن للنهي والاحتياط لوهم النجاسة معنى وكذا الأخبار مستفيضة بالأمر يغسل ( ( ( بغسل ) ) ) الإناء من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه وروي عن النبي أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة من غير فصل بين دائم ودائم وهذا نهي عن تنجيس الماء لأن البول والاغتسال فيما لا يتنجس لكثرته ليس بمنهي فدل على كون الماء الدائم مطلقا محتملا للنجاسة إذ النهي عن تنجيس ما لا يحتمل النجاسة ضرب من السفه وكذا الماء الذي يمكن الاغتسال فيه يكون أكثر من قلتين والبول والاغتسال فيه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه

Section V01/P071

وعن ابن عباس وعن ( ( ( وابن ) ) ) ابن الزبير أنهما أمرا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الإجماع من الصحابة على ما قلنا وعرف بهذا الإجماع أن المراد بما رواه مالك هو الماء الكثير الجاري وبه تبين أن ما رواه الشافعي غير ثابت لكونه مخالفا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يرد يدل عليه أن علي بن المديني قال لا يثبت هذا الحديث عن النبي وذكر أبو داود السجستاني وقال لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي في تقدير الماء ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية ثم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو إنه إن كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وإنما اختلفوا في جهة التحريك فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف وروى محمد عنه أنه يعتبر التحريك بالوضوء وفي رواية باليد من غير اغتسال ولا وضوء واختلف المشايخ والشيخ ( ( ( فالشيخ ) ) ) أبو حفص الكبير البخاري اعتبر الخلوص بالصبغ وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام اعتبره بالتكدير وأبو سليمان الجوزجاني اعتبره بالمساحة فقال إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص وأن كان دونه فهو مما يخلص وعبد الله بن المبارك اعتبره بالعشرة أولا ثم بخمسة عشر وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئا وروي عن محمد أنه قدره بمسجده فكان مسجده ثمانيا في ثمان وبه أخذ محمد بن سلمة وقيل كان مسجده عشرا في عشر وقيل مسح مسجده فوجد داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر وذكر الكرخي وقال لا عبرة للتقدير في الباب وإنما المعتبر هو التحري فإن كان أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى هذا الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز لأن العمل بغالب الرأي وأكبر الظن في الأحكام واجب ألا يرى أن خبر الواحد العدل يقبل في نجاسة الماء وطهارته وإن كان لا يفيد برد اليقين وكذلك قال أصحابنا في الغدير العظيم الذي لو حرك طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر إذا وقعت فيه النجاسة أنه إن كان في غالب الرأي أنها وصلت إلى الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز وإن كان فيه أنها لم تصل يجوز وذكر في كتاب الصلاة في الميزاب إذا سال على إنسان إنه إن كان غالب ظنه أنه نجس يجب غسله وإلا فلا وإن لم يستقر قلبه على شيء لا يجب غسله في الحكم ولكن المستحب أن يغسل وأما حوض الحمام الذي يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه النجاسة أو توضأ إنسان روي عن أبي يوسف أنه إن كان الماء يجري من الميزاب والناس يغترفون منه لا يصير نجسا وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة لأنه بمنزلة الماء الجاري ولو تنجس الحوض الصغير بوقوع النجاسة فيه ثم بسط ماؤه حتى صار لا يخلص بعضه إلى بعض فهو نجس لأن المبسوط هو الماء النجس وقيل في الحوض الكبير وقعت فيه النجاسة ثم قل ماؤه حتى صار يخلص بعضه إلى بعض أنه طاهر لأن المجتمع هو الماء الطاهر هكذا ذكره أبو بكر الإسكاف واعتبر حالة الوقوع ولو وقع في هذا القليل نجاسة ثم عاوده الماء حتى امتلأ الحوض ولم يخرج منه شيء

Section V01/P071–V01/P072

قال أبو القاسم الصفار لا يجوز التوضؤ به لأنه كلما دخل الماء فيه صار نجسا ولو أن حوضين صغيرين يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الآخر فتوضأ منه إنسان في خلال ذلك جاز لأنه ماء جار حوض حكم بنجاسته ثم نضب ماؤه وجف أسفله حتى حكم بطهارته ثم دخل فيه الماء ثانيا هل يعود نجسا فيه روايتان عن أبي حنيفة وكذا الأرض إذا أصابتها النجاسة فجفت وذهب أثرها ثم عاودها الماء وكذا المني إذا أصاب الثوب فجف وفرك ثم أصابه بلل وكذا جلد الميتة إذا دبغ دباغة حكمية بالتشميس والتتريب ( ( ( والترتيب ) ) ) ثم أصابه الماء ففي هذه المسائل كلها روايتان عن أبي حنيفة وأما البئر إذا تنجست فغار ماؤها وجف أسفلها ثم عاودها الماء فقال نصير بن يحيى هو طاهر وقال محمد بن سلمة هو نجس وكذا روي عن أبي يوسف وجه قول نصير أن تحت الأرض ماء جار فيختلط الغائر به فلا يحكم بكون الغائر ( ( ( العائد ) ) ) نجسا بالشك وجه قول محمد بن سلمة أن ما نبع يحتمل أنه ماء جديد ويحتمل أنه الماء النجس فلا يحكم بطهارته بالشك وهذا القول أحوط والأول أوسع هذا إذا كان الماء الراكد له طول وعرض فإن كان له طول بلا عرض كالأنهار التي فيها مياه راكدة لم يذكر في ظاهر الرواية وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه قال إن كان طول الماء مما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ به وكان يتوضأ في نهر بلخ ويحرك الماء بيده ويقول لا فرق بين إجرائي إياه وبين جريانه بنفسه فعلى قوله لو وقعت فيه نجاسة لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال لا يجوز التوضؤ فيه وعلى قوله لو وقعت فيه نجاسة أو بال فيه إنسان أو توضأ إن كان في أحد الطرفين ينجس مقدار عشرة أذرع وإن كان في وسطه ينجس من كل جانب مقدار عشرة أذرع فما ذهب إليه أبو نصر أقرب إلى الحكم لأن اعتبار العرض يوجب التنجيس واعتبار الطول لا يوجب فلا ينجس بالشك وما قاله أبو سليمان أقرب إلى الاحتياط لأن اعتبار الطول إن كان لا يوجب التنجيس فاعتبار العرض يوجب فيحكم بالنجاسة احتياطا وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض عن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال إن أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل لا يتوضأ به وإن كان بحال لا ينحسر ما ( ( ( أسفله ) ) ) تحته لا بأس بالوضوء منه وقيل مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال وقيل أن يكون قدر شبر وقيل قدر ذراع ثم النجاسة إذا وقعت في الحوض الكبير كيف يتوضأ منه فنقول النجاسة لا تخلو إما أن تكون مرئية أو غير مرئية فإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة ولكن يتوضأ من الجانب الآخر ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ كذا فسره في الإملاء عن أبي حنيفة لأنا تيقنا بالنجاسة في ذلك الجانب وشككنا فيما وراءه وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في موضع من حوض الحمام لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء وروي عن أبي يوسف أنه يجوز التوضؤ من أي جانب كان إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه لأن حكمه حكم الماء الجاري ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض على قياس ظاهر الرواية إن كان بين الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضأ فيه وإلا فلا لما ذكرنا وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان أو اغتسل جنب اختلف المشايخ فيه

Section V01/P072–V01/P073

قال مشايخ العراق إن حكمه حكم المرئية حتى لا يتوضأ من ذلك الجانب وإنما يتوضأ من الجانب الآخر لما ذكرنا في المرئية بخلاف الماء الجاري لأنه ينقل النجاسة من موضع إلى موضع فلم يستيقن بالنجاسة في موضع الوضوء ومشايخنا بما وراء النهر فصلوا بينهما ففي غير المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان كما قالوا جميعا في الماء الجاري وهو الأصح لأن غير المرئية لا يستقر في مكان واحد بل ينتقل لكونه مائعا سيالا بطبعه فلم نستيقن بالنجاسة في الجانب الذي يتوضأ منه فلا نحكم بنجاسته بالشك على الأصل المعهود أن اليقين لا يزول بالشك بخلاف المرئية وهذا إذا كان الماء في الحوض غير جامد فإن كان جامدا وثقب في موضع منه فإن كان الماء غير متصل بالجمد يجوز التوضؤ منه بلا خلاف وإن كان متصلا به فإن كان الثقب واسعا بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض فكذلك لأنه بمنزلة الحوض الكبير وإن كان الثقب صغيرا اختلف المشايخ فيه قال نصير بن يحيى وأبو بكر الإسكاف لا خير فيه وسئل ابن المبارك فقال لا بأس به وقال أليس الماء يضطرب تحته وهو قول الشيخ أبي حفص الكبير وهذا أوسع والأول أحوط وقالوا إذا حرك موضع الثقب تحريكا بليغا يعلم منه ( ( ( عنده ) ) ) أن ما كان راكدا ذهب عن هذا المكان وهذا ماء جديد يجوز بلا خلاف ولو وقعت نجاسة في الماء القليل فالماء القليل لا يخلو من أن يكون في الأواني أو في البئر أو في الحوض الصغير فإن كان في الأواني فهو نجس كيفما كانت النجاسة متجسدة أو مائعة لأنه لا ضرورة في الأواني لإمكان صونها عن النجاسات حتى لو وقعت بعرة أو بعرتان في المحلب عند الحلب ثم رميت من ساعتها لم ينجس اللبن كذا روى عنه خلف بن أيوب ونصير بن يحيى ومحمد بن مقاتل الرازي لمكان الضرورة وإن كان في البئر فالواقع فيه لا يخلو من أن يكون حيوانا أو غيره من النجاسات فإن كان حيوانا فإما إن أخرج حيا وأما إن أخرج ميتا فإن أخرج حيا فإن كان نجس العين كالخنزير ينجس جميع الماء وفي الكلب اختلاف المشايخ في كونه نجس العين فمن جعله نجس العين استدل بما ذكر من العيون عن أبي يوسف أن الكلب إذا وقع في الماء ثم خرج منه فانتفض فأصاب إنسانا منه أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته وذكر في العيون أيضا أن كلبا لو أصابه المطر فانتفض فأصاب إنسانا منه أكثر من قدر الدرهم إن كان المطر الذي أصابه وصل إلى جلده فعليه أن يغسل الموضع الذي أصابه وإلا فلا ونص محمد في الكتاب قال وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير فدل أنه نجس العين وجه قول من قال أنه ليس نجس العين أنه يجوز بيعه ويضمن متلفه ونجس العين ليس محلا للبيع ولا مضمونا بالإتلاف كالخنزير دل عليه أنه يطهر جلده بالدباغ ونجس العين لا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير وكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة في الكلب والسنور وقعا في الماء القليل ثم خرجا أنه يعجن بذلك ولذلك قال مشايخنا فيمن صلى وفي كمه جرو كلب أنه تجوز صلاته وقيد الفقيه أبو جعفر الهندواني الجواز بكونه مسدود الفم فدل أنه ليس بنجس العين وهذا أقرب القولين إلى الصواب وإن لم يكن نجس العين فإن كان آدميا ليس على بدنه نجاسة حقيقية ولا حكمية وقد استنجى لا ينزح شيء في ظاهر الرواية

Section V01/P073–V01/P074

وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينزح عشرون دلوا وهذه الرواية لا تصح لأن الماء إنما يصير مستعملا بزوال الحدث أو بقصد القربة ولم يوجد شيء من ذلك وإن كان على بدنه نجاسة حقيقية أو لم يكن مستنجيا ينزح جميع الماء لاختلاط النجس بالماء وإن كان على بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فعلى قول من لا يجعل هذا الماء مستعملا لا ينزح شيء لأنه طهور وكذا على قول من جعله مستعملا وجعل الماء المستعمل طاهرا لأن غير المستعمل أكثر فلا يخرج عن كونه طهورا ما لم يكن المستعمل غالبا عليه كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع أو بالت شاة فيها عند محمد وأما على قول من جعل هذا الماء مستعملا وجعل الماء المستعمل نجسا ينزح ماء البئر كله كما لو وقعت فيها قطرة من دم أو خمر وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان محدثا ينزح أربعون وإن كان جنبا ينزح كله وهذه الرواية مشكلة لأنه لا يخلو إما إن صار هذا الماء مستعملا أو لا فإن لم يصر مستعملا لا يجب نزح شيء لأنه بقي طهورا كما كان وإن صار مستعملا فالماء المستعمل عند الحسن نجس نجاسة غليظة فينبغي أن يجب نزح جميع الماء وروي عن أبي حنيفة أنه قال في الكافر إذا وقع في البئر ينزح ماء البئر كله لأن بدنه لا يخلو عن نجاسة حقيقية أو حكمية حتى لو تيقنا بطهارته بأن اغتسل ثم وقع في البئر من ساعته لا ينزح منها شيء وأما سائر الحيوانات فإن علم بيقين إن على بدنها نجاسة أو على مخرجها نجاسة تنجس الماء لاختلاط النجس به سواء وصل فمه إلى الماء أو لا وإن لم يعلم ذلك اختلف المشايخ فيه قال بعضهم العبرة لإباحة الأكل وحرمته إن كان مأكول اللحم لا ينجس ولا ينزح شيء سواء وصل لعابه إلى الماء أو لا وإن لم يكن مأكول اللحم ينجس سواء كان على بدنه أو مخرجه نجاسة أو لا وقال بعضهم المعتبر هو السؤر فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينزح شيء وإن وصل فإن كان سؤره طاهرا فالماء طاهر ولا ينزح منه شيء وإن كان نجسا فالماء نجس وينزح كله وإن كان مكروها يستحب أن ينزح عشر دلاء وإن كان مشكوكا فيه فالماء كذلك وينزح كله كذا ذكر في الفتاوى عن أبي يوسف وذكر ابن رستم في نوادره إن المستحب في الفأرة نزح عشرين وفي الهرة نزح أربعين لأن ما كان أعظم جثة كان أوسع فما وأكثر لعابا وذكر في فتاوي أهل بلخ إذا وقعت وزغة في بئر فأخرجت حية يستحب نزح أربعة ( ( ( أربع ) ) ) دلاء إلى خمس أو ست وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنه ينجس الماء لأنها تبول بين أفخاذها فلا تخلو عن البول غير أن عند أبي حنيفة ينزح عشرون دلوا لأن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة وقد ازداد خفة بسبب البئر فينزح أدنى ما ينزح من البئر وذلك عشرون وعند أبي يوسف ينزح ماء البئر كله لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجيس الماء هذا كله إذا خرج حيا فإن خرج ميتا فإن كان منتفخا أو متفسخا نزح ماء البئر كله وإن لم يكن منتفخا ولا متفسخا ذكر في ظاهر الرواية وجعله ثلاث مراتب في الفأرة ونحوها ينزح عشرون دلوا أو ثلاثون وفي الدجاج ونحوه أربعون أو خمسون وفي الآدمي ونحوه ماء البئر كله وروى الحسن عن أبي حنيفة وجعله خمس مراتب في الجلبة ( ( ( الحمامة ) ) ) ونحوها ينزح عشر دلاء وفي الفأرة ونحوها عشرون وفي الحمام ونحوه ثلاثون وفي الدجاج ونحوه أربعون وفي الآدمي ونحوه ماء البئر كله

Section V01/P074–V01/P075

وقوله في الكتاب ينزح في الفأرة عشرون أو ثلاثون وفي الهرة أربعون أو خمسون لم يرد به التخيير بل أراد به عشرين وجوبا وثلاثين استحبابا وكذا في الأربعين والخمسين وقال بعضهم إنما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر ففي الصغير منها ينزح الأقل وفي الكبير ينزح الأكثر والأصل في البئر أنه وجد فيها قياسان أحدهما ما قاله بشر بن غياث المريسي أنه يطم ويحفر في موضع آخر لأن غاية ما يمكن أن ينزح جميع الماء لكن يبقى الطين والحجارة نجسا ولا يمكن كبه ليغسل والثاني ما نقل عن محمد أنه قال اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب الماء فيه من جانب ويغترف من جانب آخر أنه لا ينجس بإدخال اليد النجسة فيه ثم قلنا وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء ولا نخالف السلف إلا أنا تركنا القياسين الظاهرين بالخبر والأثر وضرب من الفقه الخفي أما الخبر فما روى القاضي أبو جعفر الاستر ( ( ( الأسروشني ) ) ) وشني باسناده عن النبي أنه قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون وفي رواية ينزح ثلاثون دلوا وأما الأثر فما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ينزح عشرون وفي رواية ثلاثون وعن أبي سعيد الخدري أنه قال في دجاجة ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوا وعن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أنهما أمرا بنزح جميع ماء زمزم حين مات فيها زنجي وكان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الإجماع عليه وأما الفقه الخفي فهو أن في هذه الأشياء دما مسفوحا وقد تشرب في أجزائها عند الموت فنجسها وقد جاورت هذه الأشياء الماء والماء يتنجس أو يفسد بمجاورة النجس لأن الأصل أن ما جاور النجس نجس بالشرع قال في الفأرة تموت في السمن الجامد يقور ما حولها ويلقى ويؤكل الباقي فقد حكم النبي بنجاسة جار النجس وفي الفأرة ونحوها ما يجاورها من الماء مقدار ما قدره أصحابنا وهو عشرون دلوا أو ثلاثون لصغر جثتها فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء لأن ما وراء هذا القدر لم يجاور الفأرة بل جاور ما جاور الفأرة والشرع ورد بتنجيس جار النجس لا بتنجيس جار جار النجس ألا ترى أن النبي حكم بطهارة ما جاور السمن الذي جاور الفأرة وحكم بنجاسة ما جاور الفأرة وهذا لأن جار جار النجس لو حكم بنجاسته لحكم أيضا بنجاسة ما جاور جار جار النجس ثم هكذا إلى ما لا نهاية له فيؤدي إلى أن قطرة من بول أو فأرة لو وقعت في بحر عظيم أن يتنجس جميع مائه للاتصال ( ( ( لاتصال ) ) ) بين أجزائه وذلك فاسد وفي الدجاجة والسنور وأشباه ذلك المجاورة أكثر لزيادة ضخامة في جثتها فقدر بنجاسة ذلك القدر والآدمي وما كان جثته مثل جثته كالشاة ونحوها يجاور جميع الماء في العادة لعظم جثته فيوجب تنجيس جميع الماء وكذا إذا تفسخ شيء من هذه الواقعات أو انتفخ لأن عند ذلك تخرج البلة منها لرخاوة فيها فتجاور جميع أجزاء الماء وقيل ذلك لا يجاور إلا قدر ما ذكرنا لصلابة فيها ولهذا قال محمد إذا وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء لأن موضع القطع لا ينفك عن بلة فيجاور أجزاء الماء فيفسدها هذا إذا كان الواقع واحدا فإن كان أكثر روي عن أبي يوسف أنه قال في الفأرة ونحوها ينزح عشرون إلى الأربع فإذا بلغت خمسا ينزح أربعون إلى التسع فإذا بلغت عشرا ينزح ماء البئر كله

Section V01/P075

وروي عن محمد أنه قال في الفأرتين ينزح عشرون وفي الثلاث أربعون وإذا كانت الفأرتان كهيئة الدجاج ينزح أربعون هذا إذا كان الواقع في البئر حيوانا فإن كان غيره من الأنجاس فلا يخلو إما أن تكون ( ( ( يكون ) ) ) مستجسدا أو غير مستجسد فإن كان غير مستجسد كالبول والدم والخمر ينزح ماء البئر كله لأن النجاسة خلصت إلى جميع الماء وإن كان مستجسدا فإن كان رخوا متخلخل الأجزاء كالعذرة وخرء الدجاج ونحوهما ينزح ماء البئر كله قليلا كان أو كثيرا رطبا كان أو يابسا لأنه لرخاوته يتفتت عند ملاقاة الماء فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء فيفسده وإن كان صلبا نحو بعر الإبل والغنم ذكر في الأصل أن القياس أن ينجس الماء قل الواقع فيه أو كثر وفي الاستحسان إن كان قليلا لا ينجس وإن كان كثيرا ينجس ولم يفصل بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر واختلف المشايخ قال بعضهم إن كان رطبا ينجس قليلا كان أو كثيرا وإن كان يابسا فإن كان منكسرا ينجس قل أو كثر وإن لم يكن منكسرا لا ينجس ما لم يكن كثيرا وتكلموا في الكثير قال بعضهم أن يغطي جميع وجه الماء وقال بعضهم ربع وجه الماء وقال بعضهم الثلاث كثير لأنه ذكر في الجامع الصغير في بعرة أو بعرتين وقعتا في الماء لا يفسد الماء ولم يذكر الثلاث فدل على أن الثلاث كثير وعن محمد بن سلمة إن كان لا يسلم كل دلو عن بعرة أو بعرتين فهو كثير وقال بعضهم الكثير ما استكثره الناظر وهو الصحيح وروي عن الحسن بن زياد أنه قال إن كان يابسا لا ينجس صحيحا كان أو منكسرا قليلا كان أو كثيرا وإن كان رطبا وهو قليل لا يمنع للضرورة وعن أبي يوسف في الروث اليابس إذا وقع في البئر ثم أخرج من ساعته لا ينجس والأصل في هذا أن للمشايخ في القليل من البعر اليابس الصحيح طريقتين إحداهما أن لليابس صلابة فلا يختلط شيء من أجزائه بأجزاء الماء فهذا يقتضي أن الرطب ينجس باختلاط رطوبته بأجزاء الماء وكذلك ذكر في النوادر والحاكم في الإشارات وكذا اليابس المنكسر لما قلنا وكذا الروث لأنه شيء رخو يداخله الماء لتخلخل أجزائه فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء ويقتضي أيضا أن الكثير من اليابس الصحيح لا ينجس وكذلك قال الحسن بن زياد والصحيح أن الكثير ينجس لأنها إذا كثرت تقع المماسة بينهما فيصطك البعض بالبعض فتتفتت أجزاؤها فتنجس والطريقة الثانية إن آبار الفلوات لا حاجز لها على رؤوسها ( ( ( رءوسها ) ) ) ويأتيها الأنعام فتسقي فتبعر فإذا يبست الأبعار عملت فيها الريح فألقتها في البئر فلو حكم بفساد المياه لضاق الأمر على سكان البوادي وما ضاق أمره اتسع حكمه فعلى هذه الطريقة الكثير منه يفسد المياه لانعدام الضرورة في الكثير وكذا الرطب لأن الريح تعمل في اليابس دون الرطب لثقله وإليه أشار الشيخ أبو منصور الماتريدي وعن الشيخ أبي بكر محمد بن الفضل أن الرطب واليابس سواء لتحقق الضرورة في الجملة فأما اليابس المنكسر فلا يفسد إذا كان قليلا لأن الضرورة في المنكسر أشد والروث إن كان في موضع يتقدر بهذه الضرورة فالجواب فيه كالجواب في البعر هذا في آبار الفلوات وأما الآبار التي في المصر فاختلف فيها المشايخ فمن اعتمد معنى الصلابة والرخاوة لا يفرق لأن ذلك المعنى لا يختلف ومن اعتبر الضرورة فرق بينهما لأن آبار الأمصار لها رؤوس حاجزة فيقع الأمن عن الوقوع فيها ولو انفصلت بيضة من دجاجة فوقعت في البئر من ساعتها اختلف المشايخ فيه قال نصير بن يحيى ينتفع بالماء ما لم يعلم أن عليها قذرا وقال بعضهم إن كانت رطبة أفسدت وإن كانت يابسة فوقعت في الماء أو في المرقة لا تفسدهما وهي حلال اشتد قشرها أو لم يشتد

Section V01/P075–V01/P076

وعند الشافعي إن اشتد قشرها تحل وإلا فلا ولو سقطت السخلة من أمها وهي مبتلة فهي نجسة حتى لو حملها الراعي فأصاب بللها الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة ولو وقعت في الماء في ذلك الوقت أفسدت الماء وإذا يبست فقد طهرت وذكر الفقيه أبو جعفر أن هذا الجواب موافق قولهما فأما في قياس قول أبي حنيفة فالبيضة طاهرة رطبة كانت أو يابسة وكذا السخلة لأنها كانت في مكانها ومعدنها كما قال في الأنفحة إذا خرجت بعد الموت أنها طاهرة جامدة كانت أو مائعة وعندهما إن كانت مائعة فنجسة وإن كانت جامدة تطهر بالغسل ولو وقع عظم الميتة في البئر فإن كان عظم الخنزير أفسده كيفما كان وأما عظم غيره فإن كان عليه لحم أو دسم يفسد الماء لأن النجاسة تشيع في الماء وإن لم يكن عليه شيء لم يفسد لأن العظم طاهر بئر وجب منها نزح عشرين دلوا فنزح الدلو الأول وصب في بئر طاهرة ينزح منها عشرون دلوا والأصل في هذا أن البئر الثانية تطهر بما تطهر به الأولى حين كان الدلو المصبوب فيها ولو صب الدلو الثاني ينزح تسعة عشر دلوا ولو صب الدلو العاشر في رواية أبي سليمان ينزح عشرة دلاء وفي رواية أبي حفص أحد عشر دلوا وهو الأصح والتوفيق بين الروايتين أن المراد من الأولى سوى المصبوب ومن الثانية مع المصبوب ولو صب الدلو الأخير ينزح دلوا واحدا لأن طهارة الأولى به ولو أخرجت الفأرة وألقيت في بئر طاهرة وصب فيها أيضا عشرون دلوا من ماء الأولى تطرح الفأرة وينزح ( ( ( وينزع ) ) ) عشرون دلوا لأن طهارة الأولى به فكذا الثانية بئران وجب من كل واحدة منهما نزح عشرين فنزح عشرون من أحدهما وصب في الأخرى ينزح عشرون ولو وجب من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى نزح أربعين فنزح ما وجب من إحداهما وصب في الأخرى ينزح أربعون والأصل فيه أن ينظر إلى ما وجب من النزح منها وإلى ما صب فيها فإن كانا سواء تداخلا وإن كان أحدهما أكثر دخل القليل في الكثير وعلى هذا ثلاثة آبار وجب من كل واحدة نزح عشرين فنزح الواجب من البئرين وصب في الثالثة ينزح أربعون فلو وجب من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى نزح أربعين فصب الواجبان في بئر طاهرة ينزح أربعون لما قلنا من الأصل ولو نزح دلو من الأربعين وصب في العشرين ينزح أربعون لأنه لو صب في بئر طاهرة نزح كذلك فكذا هذا وهذا كله قول محمد وعن أبي يوسف روايتان في رواية ينزح جميع الماء وفي رواية ينزح الواجب والمصبوب جميعا فقيل له إن محمدا روى عنك الأكثر فأنكر فأرة وقعت في حب ( ( ( جب ) ) ) ماء وماتت فيها يهراق كله ولو صب ماؤه في بئر طاهرة فعند أبي يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا وعند محمد ينظر إلى ماء الحب ( ( ( الجب ) ) ) فإن كان عشرين دلوا أو أكثر نزح ذلك القدر وإن كان أقل من عشرين نزح عشرون لأن الحاصل في البئر نجاسة الفأرة فأرة ماتت في البئر وأخرجت فجاؤوا ( ( ( فجاءوا ) ) ) بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم فاستقوا منها دلوا واحدا أجزأهم وطهرت البئر لأن الماء النجس قدر ما جاور الفأرة فلا فرق بين أن ينزح ذلك بدلو واحد وبين أن ينزح بعشرين دلوا وكان الحسن بن زياد يقول لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوا لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجاري وهذا لا يحصل بدلو واحد وإن كان عظيما

Section V01/P076–V01/P077

ولو صب الماء المستعمل في البئر ينزح كله عند أبي يوسف لأنه نجس عنده وعند محمد ينزح عشرون دلوا كذا ذكره القدوري في شرح مختصر الكرخي وفيه نظر لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد والطاهر إذا اختلط بالطهور لا يغيره عن صفة الطهورية إلا إذا غلب عليه كسائر المائعات الطاهرة ويحتمل أن يقال إن طهارته غير مقطوع بها لكونه محل الاجتهاد بخلاف المائعات فينزح أدنى ما ورد الشرع به وذلك عشرون احتياطا ولو نزح ماء البئر وبقي الدلو الأخير فهذا على ثلاثة أوجه إما إن لم ينفصل عن وجه الماء أو انفصل ونحي عن رأس البئر أو انفصل ولم ينح عن رأس البئر فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر حتى لا يجوز التوضؤ منه لأن النجس لم يتميز من الطاهر وإن انفصل عن وجه الماء ونحي عن رأس البئر طهر لأن النجس قد تميز من الطاهر وأما إذا انفصل عن وجه الماء ولم ينح عن رأس البئر والماء يتقاطر فيه لا يطهر عند أبي يوسف وعند محمد يطهر ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة وذكر الحاكم قوله مع قول أبي يوسف وجه قول محمد أن النجس انفصل من الطاهر فإن الدلو الأخير تعين للنجاسة شرعا بدليل أنه إذا نحى عن رأس البئر يبقى الماء طاهرا وما ( ( ( والماء ) ) ) يتقاطر فيها من الدلو سقط اعتبار نجاسته شرعا دفعا للحرج إذ لو أعطى للقطرات حكم النجاسة لم يطهر بئر أبدا وبالناس حاجة إلى الحكم بطهارة الآبار بعد وقوع النجاسات فيها وجه قولهما أنه لا يمكن الحكم بطهارة البئر إلا بعد انفصال النجس عنها وهو ماء الدلو الأخير ولا يتحقق الانفصال إلا بعد تنحية الدلو عن البئر لأن ماءه متصل بماء البئر ولم يوجد فلا يحكم بطهارة البئر ولأنه لو جعل منفصلا لا يمكن القول بطهارة البئر لأن القطرات تقطر في البئر فإذا كان منفصلا كان له حكم النجاسة فتنجس البئر ثانيا لأن ماء البئر قليل والنجاسة وإن قلت متى لاقت ماء قليلا تنجسه فكان هذا تطهيرا للبئر أولا ثم تنجيسا له ثانيا وإنه اشتغال بما لا يفيد وسقوط اعتبار نجاسة القطرات لا يجوز إلا لضرورة والضرورة تندفع بأن يعطى لهذا الدلو حكم الانفصال بعد انعدام التقاطر بالتنحية عن رأس البئر فلا ضرورة إلى تنجيس البئر بعد الحكم بطهارتها ولو توضأ من بئر وصلى أياما ثم وجد فيها فأرة فإن علم وقت وقوعها أعاد الصلاة من ذلك الوقت لأنه تبين أنه توضأ بماء نجس وإن لم يعلم فالقياس أن لا يعيد شيئا من الصلوات ما لم يستيقن بوقت وقوعها وهو قول أبي يوسف ومحمد وفي الاستحسان إن كانت منتفخة أو منفسخة ( ( ( متفسخة ) ) ) أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وإن كانت غير منتفخة ولا منفسخة ( ( ( متفسخة ) ) ) لم يذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعيد صلاة يوم وليلة ولو اطلع على نجاسة في ثوبه أكثر من قدر الدرهم ولم يتيقن وقت إصابتها لا يعيد شيئا من الصلاة كذا ذكر الحاكم الشهيد وهو رواية بشر المريسي عن أبي حنيفة وروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة وإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام بلياليها وروى ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة أنه إن كان دما لا يعيد وإن كان منيا يعيد من آخر ما احتلم لأن دم غيره قد يصيبه والظاهر أن الإصابة لم تتقدم زمان وجوده فأما مني غيره فلا يصيب ثوبه فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب خروجه حتى أن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني ومشايخنا قالوا في البول يعتبر من آخر ما بال وفي الدم من آخر ما رعف وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع

Section V01/P077–V01/P078

وجه القياس في المسألة أنه تيقن طهارة الماء فيما مضى وشك في نجاسته لأنه يحتمل أنها وقعت في الماء وهي حية فماتت فيه ويحتمل أنها وقعت ميتة بأن ماتت في مكان آخر ثم ألقاها بعض الطيور في البئر على ما حكي عن أبي يوسف أنه قال كان قولي مثل قول أبي حنيفة إلى أن كنت يوما جالسا في بستاني فرأيت حدأة في منقارها جيفة فطرحتها في بئر فرجعت عن قول أبي حنيفة فوقع الشك في نجاسة الماء فيما مضى فلا يحكم بنجاسته بالشك وصار كما إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعلم وقت إصابتها أنه لا يعيد شيئا من الصلوات كذا هذا وجه الاستحسان أن وقوع الفأرة في البئر سبب لموتها والموت متى ظهر عقيب سبب صالح يحال به عليه كموت المجروح فإنه يحال به إلى الجرح وإن كان يتوهم موته بسبب آخر وإذا حيل بالموت إلى الوقوع في الماء فأدنى ما يتفسخ فيه الميت ثلاثة أيام ولهذا يصلي على قبر ميت لم يصل عليه إلى ثلاثة أيام وتوهم الوقوع بعد الموت إحالة بالموت إلى سبب لم يظهر وتعطيل للسبب الظاهر وهذا لا يجوز فبطل اعتبار الوهم والتحق الموت في الماء بالمتحقق إلا إذا قام دليل المعاينة بالوقوع في الماء ميتا فحينئذ يعرف بالمشاهدة أن الموت غير حاصل بهذا السبب ولا كلام فيه وأما إذا لم تكن منتفخة فلأنا إذا أحلنا بالموت إلى الوقوع في الماء ولا شك أن زمان الموت سابق على زمان الوجود خصوصا في الآبار المظلمة العميقة التي لا يعاين ما فيها ولذا يعلم يقينا أن الواقع لا يخرج بأول دلو فقدر ذلك بيوم وليلة احتياطا لأنه أدنى المقادير المعتبرة والفرق بين البئر والثوب على رواية الحاكم أن الثوب شيء ظاهر فلو كان ما أصابه سابقا على زمان الوجود لعلم به في ذلك الزمان فكان عدم العلم قبل ذلك دليل عدم الإصابة بخلاف البئر على ما مر وعلى هذا الخلاف إذا عجن بذلك الماء أنه يؤكل خبزه عندهما وعند أبي حنيفة لا يؤكل وإذا لم يؤكل ماذا يصنع به قال مشايخنا يطعم للكلاب لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به والنجاسة معلومة لا يباح أكله ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحا إذا كان الطاهر غالبا فكذا هذا وبئر الماء إذا كانت بقرب من البالوعة لا يفسد الماء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وقدر أبو حفص المسافة بينهما بسبعة أذرع وأبو سليمان بخمسة وذا ليس بتقدير لازم لتفاوت الأراضي في الصلابة والرخاوة ولكنه خرج على الأغلب ولهذا قال محمد بعد هذا التقدير لو كان بينهما سبعة أذرع ولكن يوجد طعمه أو ريحه لا يجوز التوضأ به فدل على أن العبرة بالخلوص وعدم الخلوص وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار وعدمه ثم الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلو إما إن كان له دم سائل أو لم يكن ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا ولا يخلو إما إن مات في الماء أو في غير الماء فإن لم يكن له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت ولا ينجس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماء أو غيره من المائعات كالخل واللبن والعصير وأشباه ذلك وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائي ونحوه وسواء كان السمك طافيا أو غير طاف وقال الشافعي إن كان شيئا يتولد من المائع كدود الخل أو ما يباح أكله بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا وله في الذباب والزنبور قولان ويحتج بظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ثم خص منه السمك والجراد بالحديث والذباب والزنبور بالضرورة ولنا ما ذكرنا أن نجاسة الميتة ليست لعين الموت فإن الموت موجود في السمك والجراد ولا يوجب التنجيس ولكن لما فيها من الدم المسفوح ولا دم في هذه الأشياء

Section V01/P078

وإن كان له دم سائل فإن كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع الذي يموت فيه سواء كان ماء أو غيره وسواء مات في المائع أو في غيره ثم وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية لأن الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره إلا الآدمي إذا كان مغسولا لأنه طاهر ألا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وإن كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك فإن مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه قال لو أن حية من حيات الماء ماتت في الماء إن كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس وإن كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب الصلاة فقال لأن هذا مما يعيش في الماء ثم إن بعض المشايخ وهم مشايخ بلخ فهموا من تعليل محمد أنه لا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها لأن معدنها الماء فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج وبعضهم وهم مشايخ العراق فهموا من تعليله أنها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء وبين طبيعة الدم فلم تتنجس في نفسها لعدم الدم المسفوح فلا توجب تنجيس ما جاورها ضرورة وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة ألا ترى أن السمك يحل بغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لإراقة الدم المسفوح ولذا إذا شمس دمه يبيض ومن طبع الدم أنه إذا شمس اسود وإن مات في غير الماء فعلى قياس العلة الأولى يوجب التنجيس لأنه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها وروي عن نصير بن يحيى أنه قال سألت أبا مطيع البلخي وأبا معاذ عن الضفدع يموت في العصير فقالا يصب وسألت أبا عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقالا لا يصب وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان يقول يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهكذا روى هشام عنهم وهذا أشبه بالفقه والله أعلم ويستوي الجواب بين المتفسخ وغيره في طهارة الماء ونجاسته إلا أنه يكره شرب المائع الذي تفسخ فيه لأنه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله ثم الحد الفاصل بين المائي والبري أن المائي هو الذي لا يعيش إلا في الماء والبري هو الذي لا يعيش إلا في البر وأما الذي يعيش فيهما جميعا كالبط والأوز ونحو ذلك فلا خلاف أنه إذا مات في غير الماء يوجب التنجيس لأنه له دما سائلا والشرع لم يسقط اعتباره حتى لا يباح أكله بدون الزكاة ( ( ( الذكاة ) ) ) بخلاف السمك وإن مات في الماء روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يفسد هذا الذي ذكرنا حكم وقوع النجاسة في المائع فأما إذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة أما حكم الثوب والبدن فنقول وبالله التوفيق النجاسة لا تخلو إما إن كانت غليظة أو خفيفة قليلة أو كثيرة أما النجاسة القليلة فإنها لا تمنع جواز الصلاة سواء كانت خفيفة أو غليظة استحسانا والقياس أن تمنع وهو قول زفر والشافعي إلا إذا كانت لا تأخذها العين أو ما لا يمكن الاحتراز عنه وجه القياس أن الطهارة عن النجاسة الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) شرط جواز الصلاة كما أن الطهارة عن النجاسة الحكمية وهي الحدث شرط ثم هذا الشرط ينعدم بالقليل من الحدث بأن بقي على جسده لمعة فكذا بالقليل من النجاسة الحقيقية

Section V01/P078–V01/P079

ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن القليل من النجاسة في الثوب فقال إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة ولأن القليل من النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه فإن الذباب يقعن على النجاسة ثم يقعن على ثياب المصلي ولا بد وأن يكون على أجنحتهن وأرجلهن نجاسة قليلة فلو لم يجعل عفوا لوقع الناس في الحرج ومثل هذه البلوى في الحدث منعدمة ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء بالماء ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة حتى لو جلس في الماء القليل أفسده فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث كذا قاله إبراهيم النخعي إنهم استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم تحسينا للعبارة وأخذا بصالح الأدب وأما النجاسة الكثيرة فتمنع جواز الصلاة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير من النجاسة قال إبراهيم النخعي إذا بلغ مقدار الدرهم فهو كثير وقال الشعبي لا يمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم الكبير وهو قول عامة العلماء وهو الصحيح لما روينا عن عمر رضي الله عنه أنه عد مقدار ظفره ( ( ( ظفر ) ) ) من النجاسة قليلا حيث لم يجعله مانعا من جواز الصلاة وظفره كان قريبا من كفنا فعلم أن قدر الدرهم عفو ولأن أثر النجاسة في موضع الاستنجاء عفو وذلك يبلغ قدر الدرهم خصوصا في حق المبطون ولأن في ديننا سعة وما قلناه أوسع فكان أليق بالحنيفية السمحة ثم لم يذكر في ظاهر الرواية صريحا أن المراد من الدرهم الكبير من حيث العرض والمساحة أو من حيث الوزن وذكر في النوادر الدرهم الكبير ما يكون عرض الكف وهذا موافق لما روينا من حديث عمر رضي الله عنه لأن ظفره كان كعرض كف أحدنا وذكر الكرخي مقدار مساحة الدرهم الكبير وذكر في كتاب الصلاة الدرهم الكبير المثقال فهذا يشير إلى الوزن وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني لما اختلفت عبارات محمد في هذا فنوفق ونقول أراد بذكر العرض تقدير المائع كالبول والخمر ونحوهما وبذكر الوزن تقدير المستجسد كالعذرة ونحوها فإن كانت أكثر من مثقال ذهب وزنا تمنع وإلا فلا وهو المختار عند مشايخنا بما وراء النهر وأما حد الكثير من النجاسة الخفيفة فهو الكثير الفاحش في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش فكره أن يحد له حدا وقال الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويستكثرونه وروى الحسن عنه أنه قال شبر في شبر وهو المروي عن أبي يوسف أيضا وروي عنه ذراع في ذراع وروى أكثر من نصف الثوب وروي نصف الثوب ثم في رواية نصف كل الثوب وفي رواية نصف طرف منه أما التقدير بأكثر من النصف فلأن الكثرة والقلة من الأسماء الإضافية لا يكون الشيء قليلا إلا أن يكون بمقابلته كثير وكذا لا يكون كثيرا إلا وأن يكون بمقابلته قليل والنصف ليس بكثير لأنه ليس في مقابلته قليل فكان الكثير أكثر من النصف لأن بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالنصف فلأن العفو هو القليل والنصف ليس بقليل إذ ليس بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالشبر فلأن أكثر الضرورة تقع لباطن الخفاف وباطن الخفين شبر في شبر وأما التقدير بالذراع فلأن الضرورة في ظاهر الخفين وباطنهما وذلك ذراع في ذراع

Section V01/P079–V01/P080

وذكر الحاكم في مختصره عن أبي حنيفة ومحمد الربع وهو الأصح لأن للربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط ولا عبرة بالكثرة والقلة حقيقة ألا ترى أن الدرهم جعل حدا فاصلا بين القليل والكثير شرعا مع انعدام ما ذكر إلا أنه لا يمكن التقدير بالدرهم في بعض النجاسات لانحطاط رتبتها عن المنصوص عليها فقدر بما هو كثير في الشرع في موضع الاحتياط وهو الربع واختلف المشايخ في تفسير الربع قيل ربع جميع الثوب لأنهما قدراه بربع الثوب والثوب اسم للكل وقيل ربع كل عضو وطرف إصابته النجاسة من اليد والرجل والذيل والكم والدخريص لأن كل قطعة منها قبل الخياطة كان ثوبا على حدة فكذا بعد الخياطة وهو الأصح ثم لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير النجاسة الغليظة والخفيفة وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة ما ورد نص على نجاسته ولم يرد نص على طهارته معارضا له وإن اختلف العلماء فيه والخفيفة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة ما وقع الاتفاق على نجاسته والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته إذا عرف هذا الأصل فالأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة لأنه ورد نص يدل على نجاستها وهو ما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي طلب منه ليلة الجن أحجار الاستنجاء فأتي بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال إنها رجس أو ركس أي نجس وليس له نص معارض وإنما قال بعض العلماء بطهارتها بالرأي والاجتهاد والاجتهاد لا يعارض النص فكانت نجاستها غليظة وعلى قولهما نجاستها خفيفة لأن العلماء اختلفوا فيها وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين أما عنده فلانعدام نص معارض لنص النجاسة وأما عندهما فلوقوع الاتفاق على نجاسته وبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق أما عنده فلتعارض النصين وهما حديث العرنيين مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا وأما عندهما فلاختلاف العلماء فيه وأما العذرات وخرء الدجاج والبط فنجاستها غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين هذا على وجه البناء على الأصل الذي ذكره الكرخي وأما الكلام في الأرواث على طريقة الابتداء فوجه قولهما أن في الأرواث ضرورة وعموم البلية لكثرتها في الطرقات فتتعذر صيانة الخفاف والنعال عنها وما عمت بليته خفت قضيته بخلاف خرء الدجاج والعذرة لأن ذلك قلما يكون في الطرق فلا تعم البلوى بإصابته وبخلاف بول ما يؤكل لحمه لأن ذلك تنشفه الأرض ويجف بها فلا تكثر إصابته الخفاف والنعال وروي عن محمد في الروث أنه لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا وقيل إن هذا آخر أقاويله حين كان بالري وكان الخليفة بها فرأى الطرق والخانات مملوءة من الأرواث وللناس فيها بلوى عظيمة فعلى هذا القياس قال بعض مشايخنا بما وراء النهر إن طين بخارى إذا أصاب الثوب لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا لبلوى الناس فيه لكثرة العذرات في الطرق وأبو حنيفة احتج بقوله تعالى من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين جمع بين الفرث والدم لكونهما نجسين ثم بين الأعجوبة للخلق في إخراج ما هو نهاية في الطهارة وهو اللبن من بين شيئين نجسين مع كون الكل مائعا في نفسه ليعرف به كمال قدرته والحكيم إنما يذكر ما هو النهاية في النجاسة ليكون إخراجه ما هو النهاية في الطهارة من بين ما هو النهاية في النجاسة نهاية في الأعجوبة وآية لكمال القدرة ولأنها مستخبثة طبعا ولا ضرورة في إسقاط اعتبار نجاستها لأنها وإن كثرت في الطرقات فالعيون تدركها فيمكن صيانة الخفاف والنعال كما في بول ما لا يؤكل لحمه والأرض وإن كانت تنشف الأبوال فالهواء يجفف الأرواث فلا تلتزق بالمكاعب والخفاف على أنا اعتبرنا معنى الضرورة بالعفو عن القليل منها وهو الدرهم فما دونه فلا ضرورة في الترقية بالتقدير بالكثير الفاحش والله أعلم

Section V01/P080–V01/P081

ولو أن ثوبا أصابته النجاسة وهي كثيرة فجفت وذهب أثرها وخفي مكانها غسل جميع الثوب وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدري أيهما هو غسلهما جميعا وكذا إذا راثت البقرة أو بالت في الكديس ولا يدري مكانه غسل الكل احتياطا وقيل إذا غسل موضعا من الثوب كالدخريص ونحوه وأحد الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقي وهذا غير سديد لأن موضع النجاسة غير معلوم وليس البعض أولى من البعض ولو كان الثوب طاهرا فشك في نجاسته جاز له أن يصلي فيه لأن الشك لا يرفع اليقين وكذا إذا كان عنده ماء طاهر فشك في وقوع النجاسة فيه ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها إلا الإزار والسراويل فإنه تكره الصلاة فيهما وتجوز أما الجواز فلأن الأصل في الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك ولأن التوارث جار فيما بين المسلمين بالصلاة في الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل وأما الكراهة في الإزار والسراويل فلقربهما من موضع الحدث وعسى لا يستنزهون من البول فصار شبيه يد المستيقظ ومنقار الدجاجة المخلاة وذكر في بعض المواضع في الكراهة خلافا على قول أبي حنيفة ومحمد يكره وعلى قول أبي يوسف لا يكره وروي عن رسول الله أنه سئل عن الشراب في أواني المجوس فقال إن لم تجدوا منها بدا فاغسلوها ثم اشربوا فيها وإنما أمر بالغسل لأن ذبائحهم ميتة وأوانيهم قلما تخلوا ( ( ( تخلو ) ) ) عن دسومة منها قال بعض مشايخنا وكذلك الجواب في ثياب الفسقة من المسلمين لأن الظاهر أنهم لا يتوقون إصابة الخمر ثيابهم في حال الشرب وقالوا في الديباج الذي ينسجه أهل فارس أنه لا تجوز الصلاة فيه لأنهم يستعملون فيه البول عند النسج يزعمون أنه يزيد في بريقه ثم لا يغسلونه لأن الغسل يفسده فإن صح إنهم يفعلون ذلك فلا شك إنه لا تجوز الصلاة معه وأما حكم مكان الصلاة فالمصلي لا يخلو إما إن كان يصلي على الأرض أو على غيرها من البساط ونحوه ولا يخلو إما إن كانت النجاسة في مكان الصلاة أو في غيره بقرب منه ولا يخلو إما إن كانت قليلة أو كثيرة فإن كان يصلي على الأرض والنجاسة بقرب من مكان الصلاة جازت صلاته قليلة كانت أو كثيرة لأن شرط الجواز طهارة مكان الصلاة وقد وجد لكن المستحب أن يبعد عن موضع النجاسة تعظيما لأمر الصلاة وإن كانت النجاسة في مكان الصلاة فإن كانت قليلة تجوز على أي موضع كانت لأن قليل النجاسة عفو في حق جواز الصلاة عندنا على ما مر وإن كانت كثيرة فإن كانت في موضع اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر والشافعي لا تجوز وجه قولهما أنه أدى ركنا من أركان الصلاة مع النجاسة فلا يجوز كما لو كانت النجاسة على الثوب أو البدن أو في موضع القيام ولنا أن وضع اليدين والركبتين ليس بركن ولهذا لو أمكنه السجود بدون الوضع يجزئه فيجعل كأنه لم يضع أصلا ولو ترك الوضع جازت صلاته فههنا أولى وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام أن ذلك ملحق بالعدم غير أن القيام ركن من أركان الصلاة فلا يثبت الجواز بدونه بخلاف الثوب لأن لابس الثوب صار حاملا للنجاسة مستعملا لها لأنها تتحرك بتحركه وتمشي بمشيه لكونها تبعا للثوب أما ههنا بخلافه وإن كانت النجاسة في موضع القدمين فإن قام عليها وافتتح الصلاة لم تجز لأن القيام ركن فلا يصح بدون الطهارة كما لو افتتحها مع الثوب النجس أو البدن النجس

Section V01/P081–V01/P082

وإن قام على مكان طاهر وافتتح الصلاة ثم تحول إلى موضع النجاسة وقام عليها أو قعد فإن مكث قليلا لا تفسد صلاته وإن أطال القيام فسدت لأن القيام من أفعال الصلاة مقصودا لأنه ركن فلا يصح بدون الطهارة فيخرج من أن يكون فعل الصلاة لعدم الطهارة وما ليس من أفعال الصلاة إذا دخل في الصلاة إن كان قليلا يكون عفوا وإلا فلا بخلاف ما إذا كانت النجاسة على موضع اليدين والركبتين حيث لا تفسد صلاته وان أطال الوضع لأن الوضع ليس من أفعال الصلاة مقصودا بل من توابعها فلا يخرج من أن يكون فعل الصلاة تبعا لعدم الطهارة لوجود الطهارة في الأصل وإن كانت النجاسة في موضع السجود لم يجز في قول أبي يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة روايتان روى عنه محمد أنه لا يجوز وهو الظاهر من مذهبه وروى أبو يوسف عنه أنه يجوز وجه قولهما أن الفرض هو السجود على الجبهة وقدر الجبهة أكثر من قدر الدرهم فلا يكون عفوا وجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أن فرض السجود يتأدى بمقدار أرنبة الأنف عنده وذلك أقل من قدر الدرهم فيجوز والصحيح رواية محمد لأن الفرض وإن كان يتأدى بمقدار الأرنبة عنده ولكن إذا وضع الجبهة مع الأرنبة يقع الكل فرضا كما إذا طول القراءة زيادة على ما يتعلق به جواز الصلاة ومقدار الجبهة والأنف يزيد على قدر الدرهم فلا يكون عفوا ثم قوله إذا سجد على موضع نجس لم تجز أي صلاته كذا ذكر في ظاهر الرواية وهو قول زفر وروي عن أبي يوسف أنه لم يجز سجوده فأما الصلاة فلا تفسد حتى لو أعاد السجود على موضع طاهر جازت صلاته ووجهه أن السجود على موضع نجس ملحق بالعدم لانعدام شرط الجواز وهو الطهارة فصار كأنه لم يسجد عليه وسجد على مكان ظاهر ( ( ( طاهر ) ) ) وجه ظاهر الرواية أن السجدة أو ركن ( ( ( ركنا ) ) ) آخر لما لم يجز على موضع نجس صار فعلا كثيرا ليس من أفعال الصلاة وذا يوجب فساد الصلاة ولو كانت النجاسة في موضع إحدى القدمين على قياس رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة يجوز لأن أدنى القيام هو القيام بإحدى القدمين وإحداهما طاهرة فيتأدى به الفرض فكان وضع الأخرى فضلا بمنزلة وضع اليدين والركبتين وعلى قياس رواية محمد عنه لا يجوز وهو الصحيح لأنه إذا وضعهما جميعا يتأدى الفرض بهما كما في القراءة على ما مر والله أعلم هذا إذا كان يصلي على الأرض فأما إذا كان يصلي على بساط فإن كانت النجاسة في مكان الصلاة وهي كثيرة فحكمه حكم الأرض على ما مر وإن كانت على طرف من أطرافه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم إن كان البساط كبيرا بحيث لو رفع طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر يجوز وإلا فلا كما إذا تعمم بثوب وأحد طرفيه ملقى على الأرض وهو نجس أنه إن كان بحال لا يتحرك بتحركه جاز وإن كان يتحرك بحركته لا يجوز والصحيح أنه يجوز صغيرا كان أو كبيرا بخلاف العمامة والفرق أن الطرف النجس من العمامة إذا كان يتحرك بتحركه صار حاملا للنجاسة مستعملا لها وهذا لا يتحقق في البساط ألا ترى أنه لو وضع يديه أو ركبتيه على الموضع النجس منه يجوز ولو صار حاملا لما جاز ولو صلى على ثوب مبطن ظهارته طاهرة وبطانته نجسة روي عن محمد أنه يجوز وكذا ذكر في نوادر الصلاة وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز ومن المشايخ من وفق بين الروايتين فقال جواب محمد فيما إذا كان مخيطا غير مضرب فيكون بمنزلة ثوبين والأعلى منهما طاهر وجواب أبي يوسف فيما إذا كان مخيطا مضربا فيكون بمنزلة ثوب واحد ظاهره طاهر وباطنه نجس ومنهم من حقق فيه الاختلاف فقال على قول محمد يجوز كيفما ما كان وعلى قول أبي يوسف لا يجوز كيفما ما كان

Section V01/P082–V01/P083

وعلى هذا إذا صلى على حجر الرحا أو على باب أو بساط غليظ أو على مكعب ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز عند محمد وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر الإسكاف وعند أبي يوسف لا يجوز وبه كان يفتي الشيخ أبو حفص الكبير فأبو يوسف نظر إلى اتحاد المحل فقال المحل محل واحد فاستوى ظاهره وباطنه كالثوب الصفيق ومحمد اعتبر الوجه الذي يصلي عليه فقال إنه صلى في موضع طاهر وليس هو حاملا للنجاسة فتجوز كما إذا صلى على ثوب تحته ثوب نجس بخلاف الثوب الصفيق لأن الثوب وإن كان صفيقا فالظاهر نفاذ الرطوبات إلى الوجه الآخر إلا أنه ربما لا تدركه العين لتسارع الجفاف إليه ولو أن بساطا غليظا أو ثوبا مبطنا مضربا وعلى كلي ( ( ( كلا ) ) ) وجهيه نجاسة أقل من قدر الدرهم في موضعين مختلفين لكنهما لو جمعا يزيد على قدر الدرهم على قياس رواية أبي يوسف يجمع ولا تجوز صلاته لأنه ثوب واحد ونجاسة واحدة وعلى قياس رواية محمد لا يجمع وتجوز صلاته لأن النجاسة في الوجه الذي يصلي فيه أقل من قدر الدرهم ولو كان ثوبا صفيقا والمسألة بحالها لا يجوز بالإجماع لما ذكرنا أن الظاهر هو النفاذ إلى الجانب الآخر وإن كان لا يدركه الحس فاجتمع في وجه واحد نجاستان لو جمعنا ( ( ( جمعتا ) ) ) يزيد على قدر الدرهم فيمنع الجواز ولو أن ثوبا أو بساطا أصابه ( ( ( أصابته ) ) ) النجاسة ونفذت إلى الوجه الآخر وإذا جمعا يزيد على قدر الدرهم لا يجمع بالإجماع أما على قياس رواية أبي يوسف فلأنه ثوب واحد ونجاسة واحدة وأما على قياس رواية محمد فلأن النجاسة في الوجه الذي يصلي عليه أقل من قدر الدرهم وكذا إذا كان الثوب مبطنا مضربا والمسألة بحالها لا يجمع بالإجماع لما قلنا فصل وأما بيان ما يقع به التطهير فالكلام في هذا الفصل يقع في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ما يقع به التطهير والثاني في بيان طريق التطهير بالغسل والثالث في بيان شرائط التطهير أما الأول فما يحصل به التطهير أنواع منها الماء المطلق ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا لأن الله تعالى سمى الماء طهورا بقوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا وكذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وكذا جعل الله تعالى الوضوء والاغتسال بالماء طهورا بقوله في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وقوله وإن كنتم جنبا فاطهروا ويستوي العذب والملح لإطلاق النصوص وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية وهي زوال الحدث وهل تحصل بها الطهارة الحقيقة ( ( ( الحقيقية ) ) ) وهي زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن اختلف فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف تحصل وقال محمد وزفر والشافعي لا تحصل وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الثوب والبدن فقال في الثوب تحصل وفي البدن لا تحصل إلا بالماء وجه قولهم إن طهورية الماء عرفت شرعا بخلاف القياس لأنه بأول ملاقاته النجس صار نجسا والتطهير بالنجس لا يتحقق كما إذا غسل بماء نجس أو بالخمر إلا أن الشرع أسقط اعتبار نجاسة الماء حالة الاستعمال وبقاؤه طهورا على خلاف القياس فلا يلحق به غيره ولهذا لم يلحق به في إزالة الحدث ولهما أن الواجب هو التطهير وهذه المائعات تشارك الماء في التطهير لأن الماء إنما كان مطهرا لكونه مائعا رقيقا يداخل أثناء الثوب فيجاور أجزاء النجاسة فيرققها إن كانت كثيفة فيستخرجها بواسطة العصر وهذه المائعات في المداخلة والمجاورة والترقيق مثل الماء فكانت مثله في إفادة الطهارة بل أولى فإن الخل يعمل في إزالة بعض ألوان لا تزول بالماء فكان في معنى التطهير أبلغ

Section V01/P083

وأما قولهم أن الماء بأول ملاقاة النجس صار نجسا ممنوع والماء قط لا يصير نجسا وإنما يجاور النجس فكان طاهرا في ذاته فصلح مطهرا ولو تصور تنجس الماء فذلك بعد مزايلته المحل النجس لأن الشرع أمرنا بالتطهير ولو تنجس بأول الملاقاة لما تصور التطهير فيقع التكليف بالتطهير عبثا تعالى الله عن ذلك فهكذا نقول في الحدث إلا أن الشرع ورد بالتطهير بالماء هناك تعبدا غير معقول المعنى فيقتصر على مورد التعبد وهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر فإن كان لا ينعصر مثل العسل والسمن والدهن ونحوها لا تحصل به الطهارة أصلا لانعدام المعاني التي يقف عليها زوال النجاسة على ما بينا ومنها الفرك والحت بعد الجفاف في بعض الأنجاس في بعض المحال وبيان هذه الجملة إذا أصاب المني الثوب وجف وفرك طهر استحسانا والقياس أن لا يطهر إلا بالغسل وإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها إذا رأيت المني في ثوبك إن كان رطبا فاغسليه وإن كان يابسا فافركيه ولأنه شيء غليظ لزج لا يتشرب في الثوب إلا رطوبته ثم تنجذب تلك الرطوبة بعد الجفاف فلا يبقى إلا عينه وأنها تزول بالفرك بخلاف الرطب لأن العين وإن زالت بالحت فأجزاؤها المتشربة في الثوب قائمة فبقيت النجاسة وإن أصاب البدن فإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل لما بينا وإن جف فهل يطهر بالحت روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر وذكر الكرخي أنه يطهر وجه رواية الحسن أن القياس أن لا يطهر في الثوب إلا بالغسل وإنما عرفناه بالحديث وأنه ورد في الثوب بالفرك فبقي البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس وجه قول الكرخي أن النص الوارد في الثوب يكون واردا في البدن من طريق الأولى لأن البدن أقل تشربا من الثوب والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في إزالة العين وأما سائر النجاسات إذا أصابت الثوب أو البدن ونحوهما فإنها لا تزول إلا بالغسل سواء كانت رطبة أو يابسة وسواء كانت سائلة أو لها جرم ولو أصاب ثوبه خمر فألقي عليها الملح ومضى عليه من المدة مقدار ما يتخلل فيها لم يحكم بطهارته حتى يغسله ولو أصابه عصير فمضى عليه من المدة مقدار ما يتخمر العصير فيها لا يحكم بنجاسته وإن أصاب الخف أو النعل ونحوهما فإن كانت رطبة لا تزول إلا بالغسل كيفما كانت وروي عن أبي يوسف أنه يطهر بالمسح على التراب كيفما كانت مستجسدة أو مائعة وإن كانت يابسة فإن لم يكن لها جرم كثيف كالبول والخمر والماء النجس لا يطهر إلا بالغسل وإن كان لها جرم كثيف فإن كان منيا فإنه يطهر بالحت بالإجماع وإن كان غيره كالعذرة والدم الغليظ والروث يطهر بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل وهو أحد قولي الشافعي وما قالاه استحسان وما قاله قياس وجه القياس أن غير الماء لا أثر له في الإزالة وكذا القياس في الماء لما بينا فيما تقدم إلا أنه يجعل طهورا للضرورة والضرورة ترتفع بالماء فلا ضرورة في غيره ولهذا لم يؤثر في إزالة الرطب واليابس والسائل وفي الثوب وهذا هو القياس في المني إلا أنا عرفناه بالنص