Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال وكذا أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى حتى ينتهي إلى هذه الأرض الأخرى لأنه يستوفي زيادة على حقه إذ الأرض الأولى تنشف بعض الماء قبل أن تسقى الآخرى وهو نظير طريق مشترك إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه بابا إلى دار أخرى ساكنها غير ساكن هذه الدار التي يفتحها في هذا الطريق ولو أراد الأعلى من الشريكين في النهر الخاص وفيه كوى بينهما أن يسد بعضها دفعا لفيض الماء عن أرضه كيلا تنز ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالآخر وكذا إذا أراد أن يقسم الشرب مناصفة بينهما لأن القسمة بالكوى تقدمت إلا أن يتراضيا لأن الحق لهما وبعد التراضي لصاحب الأسفل أن ينقض ذلك وكذا لورثته من بعده لأنه إعارة الشرب فإن مبادلة الشرب بالشرب باطلة والشرب مما يروث ويوصى بالانتفاع بعينه بخلاف البيع والهبة والصدقة والوصية بذلك حيث لاتجوز هذه العقود إما للجهالة أو للغرر أو لأنه ليس بمال متقوم حتى لا يضمن إذا سقى من شرب غيره وإذا بطلت العقود فالوصية بالباطل باطلة وكذا لا يصلح مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل ولا في الخلع حتى يجب رد ما قبضت من الصداق لتفاحش الجهالة ولا يصلح بدل الصلح عن الدعوى لأنه لا يملك بشيء من العقود ولا يباع الشرب في دين صاحبه بعد موته بدون أرض كما في حال حياته وكيف يصنع الإمام الأصح أن يضمه إلى أرض لا شرب لها فيبيعهما بإذن صاحبها ثم ينظر إلى قيمة الأرض مع الشرب وبدونه فيصرف التفاوت إلى قضاء الدين وإن لم يجد ذلك اشترى على تركة الميت أرضا بغير شرب ثم ضم الشرب إليها وباعهما فيصرف من الثمن إلى ثمن الأرض ويصرف الفاضل إلى قضاء الدين وإذا سقى الرجل أرضه أو نحرها ماء أي ملأها فسال من مائها في أرض رجل فغرقها أو نزت أرض جاره من هذا الماء لم يكن عليه ضمانها لأنه غير متعد فيه والله أعلم 1 كتاب الأشربة 1 سمي بها وهي جمع شراب لما فيه من بيان حكمها قال والأشربة المحرمة أربعة الخمر وهي عصير العنب إذا غلي واشتد وقذف بالزبد والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء المذكور في الجامع الصغير ونقيع التمر وهو السكر ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلى أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع أحدها في بيان مائيتها وهي النيء ماء العنب إذا صار مسكرا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم وقال بعض الناس هواسم لكل مسكر لقوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر وقوله عليه الصلاة والسلام الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة ولأنه مشتق من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر ولنا أنه اسم خاص بأطباق أهل اللغة فيما ذكرناه ولهذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية وإنما سمي خمرا لتخمره لا لمخامرته العقل على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه فإن النجم مشتق من النجوم وهو الظهور ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين رحمه الله والثاني أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرس الة و الثاني في حق ثبوت هذا الاسم وهذا الذي ذكره في الكتاب قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما إذا اشتد صار خمرا ولا يسترط القذف بالزبد لأن الاسم يثبت به وكذا المعنى المحرم وهو المؤثر في الفساد بالاشتداد ولأبي حنيفة رحمه الله أن الغليان بداية الشدة وكمالها بقذف الزبد وسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع وقيل يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا
والثالث أنه عينها حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه ومن الناس من أنكر حرمة عينها وقال أن السكر منها حرام لأن به يحصل الفساد وهو الصد عن ذكر الله وهذا كفر لأنه جحود الكتاب فإنه تعالى سماه رجسا والرجس ما هو محرم العين وقد جاءت السنة متواترة أن النبي عليه الصلاة والسلام حرم الخمر وعليه انعقد الإجماع ولأن قليله يدعو إلى كثيره وهذا من خواص الخمر ولهذا تزداد لشاربه اللذة بالاستكثار منه بخلاف سائر المطعومات ثم هو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات والشافعي رحمه الله يعديه إليها وهذا بعيد لأنه خلاف السنة المشهورة وتعليله لتعدية الاسم والتعليل في الأحكام لا في الأسماء والرابع أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية على ما بينا والخامس أنه يكفر مستحلها لأنكاره الدليل القطعي والسادس لسقوط تقومها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها وغاصبها ولا يجوز بيعها لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها والتقوم يشعر بعزتها وقال عليه الصلاة والسلام إن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها واختلفوا في سقوط ماليتها والأصح أنه مال لأن الطباع تميل إليها وتضن بها ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمر لا يحل له أن يأخذه ولا للمديون أن يؤديه لأنه ثمن بيع باطل وهو غصب في يده أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة ولو كان الدين على ذمي فإنه يؤديه من ثمن الخمر والمسلم الطالب يستوفيه لأن بيعها فيما بينهم جائز والسابع حرمة الانتفاع بها لأن الانتفاع بالنجس حرام ولأنه واجب الاجتناب وفي الانتفاع به اقتراب والثامن أن يحد شاربها وإن لم يسكرمنها لقوله عليه الصلاة والسلام من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه إلا أن حكم القتل قد انتسخ فبقي الجلد مشروعا وعليه انعقد إجماع الصحابة رضي الله عنهم وتقديره ما ذكرناه في الحدود والتاسع أن الطبخ لا يؤثر فيها لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يجد فيه مالم يسكرمنه على ما قالوا لأن الحد بالقليل في النيء خاصة لما ذكرناه وهذا قد طبخ والعاشر جواز تخليلها وفيه خلاف الشافعي رحمه الله وسنذكره من بعد إن شاء الله هذا هو الكلام في الخمر وأما العصير إذا طبح حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى الباذق والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبح فكل ذلك حرام عندنا إذا غلى واشتد وقذف بالزبد إو إذا اشتد على الاختلاف وقال الأوزاعي إنه مباح وهو قول بعض المعتزلة لأنه مشروب طيب وليس بخمر ولنا أنه رقيق ملذ مطرب ولهذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به وأما نقيع التمر وهو السكر وهو النيء من ماء التمر أي الرطب فهو حرام مكروه وقال شريك بن عبدالله إنه مباح لقوله تعالى تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا امتن علينا به وهو بالمحرم لا يتحقق ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم ويدل عليه ما رويناه من قبل والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها وقيل أراد به التوبيخ معناه والله أعلم تتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا
وأما نقيع الزبيب وهو النيء من ماء الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلى ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي وقد بينا المعنى من قبل إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر التي لا يكفر مستحلها ويكفر مستحل الخمر لأن حرمتها اجتهادية وحرمة الخمر قطعية ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر ويجب بشرب قطرة من الخمر ونجاستها خفيفة في رواية وغليظة في أخرى ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة ويجوز بيعها ويضمن متلفها عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما فيهما لأنه مال متقوم وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقومها بخلاف الخمر غير أن عنده يجب قيمتها لا مثلها على ما عرف ولا ينتفع بها بوجه من الوجوه لأنها محرمة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز بيعهاإذا كان الذاهب بالطبخ أكثر من النصف دون الثلثين وقال في الجامع الصغير وما سوى ذلك من الأشربة فلا بأس به قالوا هذ الجواب على هذا العموم والبيان لا يوجد في غيره وهو نص على أن ما يتخذ من الحنطة والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة رحمه الله ولا يحد شاربه عنده وإن سكر منه ولا يقع طلاق السكران منه بمنزلة النائم ومن ذهب عقله بالبنج ولبن الرماك وعن محمد رحمه الله أنه حرام ويحد شاربه إذا سكر منه ويقع طلاقه إذا سكر منه كما في سائر الأشربة المحرمة وقال فيه ايضا وكان أبو يوسف رحمه الله يقول ما كان من الأشربة يبقى بعد ما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فإني أكرهه ثم رجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله وقوله الأول مثل قول محمد رحمه الله إن كل مسكر حرام إلا أنه تفرد بهذا الشرط ومعنى قوله يبلغ يغلى ويشتد ومعنى قوله ولا يفسد لا يحمض ووجهه أن بقاءه هذه المدة من غير أن يحمض دلالة قوته وشدته فكان آية حرمته ومثل ذلك مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وأبو حنيفة رحمه الله يعتبر حقيقة الشدة على الحد الذي ذكرناه فيما يحرم أصل شربه وفيما يحرم السكر منه على ما نذركه إن شاء الله تعالى وأبو يوسف رحمه الله رجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله فلم يحرم كل مسكر ورجع عن هذا الشرط أيضا وقال في المختصر ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال وإن اشتد إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لايسكره من غير لهو ولا طرب وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد والشافعي رحمهما الله حرام والكلام فيه كالكلام في المثلث العنبي ونذكره إن شاء الله تعالى قال ولا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد أنه قال سقاني ابن عمر رضي الله عنه شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك فقال ما ردناك على عجوة وزبيب وهذا نوع من الخليطين وكان مطبوخا لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النيء منه وما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الجمع بين التمر والزبيب والزبيب والرطب والرطب والبسر محمول على حالة الشدة وكان ذلك في الابتداء قال ونبيذ العسل والتين ونبيذ الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إذا كان من غير لهو وطرب لقوله عليه الصلاة والسلام الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة خص التحريم بهما والمراد بيان الحكم ثم قيل يشترط الطبخ فيه لإباحته وقيل لا يشترط وهو المذكور في الكتاب ولأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه قيل لا يحد وقد ذكرنا الوجه من قبل
قالوا والأصح أنه يحد فإنه روي عن محمد رحمه الله فيمن سكر من الأشربة أنه يحد من غير تفصيل وهذا لأن الفساق يجتمعون عليه في زماننا اجتماعهم على سائر الأشربة بل فوق ذلك وكذلك المتخذ من الألبان إذا اشتد فهو على هذا وقيل إن المتخذ من لبن الرماك لا يحل عند أبي حنيفة اعتبارا بلحمه إذ هو متولد منه قالوا وإلا صح أنه يحل لأن كراهة لحمه لما في إباحته من قطع مادة الجهاد أو لاحترامه فلا يتعدى إلى لبنه قال وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد ومالك والشافعي رحمهم الله حرام وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التقوى أما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق وعن محمد مثل قولهما وعنه أنه كره ذلك وعنه أنه توقف فيه لهم في إثبات الحرمة قوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر وقوله عليه الصلاة والسلام ما اسكر كثيرة فقليله حرام ويروى عنه عليه الصلاة والسلام ما أسكر الجرة منه فالجرعة منه حرام ولأن المسكر يفسد العقل فيكون حراما قليله وكثيره كالخمر ولهما قوله عليه الصلاة والسلام حرمت الخمر لعينها ويروى بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب خص السكر بالتحريم في غير الخمر إذ العطف للمغايرة ولأن المفسد هو القدح المسكر وهو حرام عندنا وإنما يحرم القليل منه لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير فأعطى حكمه والمثلث لغلظه لا يدعو وهو في نفسه غذاء فبقي على الإباحة والحديث الأول غير ثابت على ما بيناه ثم هو محمول على القدح الأخير إذ هو المسكر حقيقة والذي يصب عليه الماء بعد ما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق ثم يطبخ طبخة حكمه حمم المثلث لأن صب الماء لا يزيده إلا ضعفا بخلاف ما إذا صب على العصير ثم يطبح حتى يذهب ثلثا الكل لأن الماء يذهب أولا للطافته أو يذهب منهما فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب ولو طبخ العنب كما هو ثم يعصر يكتفى بأدنى طبخة في رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وفي رواية عنه لايحل مالم يذهب ثلثاه بالطبخ وهو الأصح لأن العصير قائم فيه من غير تغير فصار كما بعد العصر ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر أو بين التمر والزبيب لا يحل حتى يذهب ثلثاه لأن التمر إن كان يكتفى فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه فيعتبر جانب العنب احتياطا وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر لما قلنا ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة ثم أنقع فيه تمر أو زبييب إن كان ما أنقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله لا بأس به وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لم يحل كما إذا صب في المطبوخ قدح من النقيع والمعنى تغليب جهة الحرمة ولا حد في شربه لأن التحريم للاحتياط وهو للحد في درئه ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه لم يحل لأن الحرمة قد تقررت فلا ترتفع بالطبخ قال ولا بأس بالانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث فيه طول بعد ذكر هذه الأوعية فاشربوا في كل ظرف فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه ولا تشربوا المسكر وقال ذلك بعدما أخبر عن النهي عنه فكان ناسخا له وإنما ينتبذ فيه بعد تطهيره فإن كان الوعاء عتيقا يغسل ثلاثا فيطهر وإن كان جديدا لا يطهر عند محمد رحمه الله لتشرب الخمر فيه بخلاف العتيق وعند أبي يوسف يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة وهي مسألة مالا ينعصر بالعصر وقيل عند أبي يوسف يملأ ماء مرة بعد أخرى حتى إذا خرج الماء صافيا غير متغير يحكم بطهارته
قال وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلهاوقال الشافعي رحمه الله يكره التخليل ولا يحل الخل الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء فيه قولا واحدا وإن كان بغير إلقاء شيء فيه فله في الخل الحاصل به قولان له أن في التخليل اقترابا من الخمر على وجه التمول والأمر باجتناب ينافيه ولنا قوله عليه الصلاة والسلام نعم الإدام الخل من غير فصل وقوله عليه الصلاة والسلام خير خلكم خل خمركم ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والاقتراب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل أولى لما فيه من إحراز مال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به وإذا صار الخمر خلا يطهر ما يوازيها من الإناء فأما أعلاه وهو الذي نقص منه الخمر قيل يطهر تبعا وقيل لا يطهر لأنه خمر يابس إلا إذا غسل بالخل فيتخلل من ساعته فيطهر وكذا إذا صب فيه الخمر ثم ملىء خلا يطهر في الحال على ما قالوا قال ويكره شرب دردى الخمر والامتشاط به لأن فيه أجزاء الخمر والانتفاع بالمحرم حرام ولهذا لا يجوز أن يداوى به جرحا أو دبرة دابة ولا أن يسقى ذميا ولا أن يسقى صبيا للتداوي والوبال على من سقاه وكذا لا يسقيها الدواب وقيل لا تحمل الخمر إليها أما إذا قيدت إلى الخمر فلا بأس به كما في الكلب والميتة ولو ألقي الدردى في الخل لا بأس به لأنه يصيرخلا لكن يباح حمل الخل إليه لاعكسه لما قلنا قال ولا يحد شاربه أي شارب الدردى إن لم يسكر وقال الشافعي رحمه الله يحد لأنه شرب جزءا من الخمر ولنا أن قليله لا يدعو إلى كثيره لما في الطباع من النبوة عنه فكان ناقصا فأشبه غير الخمر من الأشربة ولا حد فيها إلا بالسكر ولأن الغالب عليه الثفل فصار كما إذا غلب عليه الماء بالامتزاح ويكره الاحتقان بالخمر وإقطارها في الإحليل لأنه انتفاع بالمحرم ولا يجب الحد لعدم الشرب وهو السبب ولو جعل الخمر في مرقة لا تؤكل لتنجسها بها ولا حد مالم يسكر منه لأنه أصابه الطبخ ويكره أكل خبز عجن عجينه بالخمر لقيام أجزاء الخمر فيه فصل في طبخ العصير والأصل أن ما ذهب بغليانه بالنار وقذفه بالزبد يجعل كأن لم يكن ويعتبر ذهاب ثلثي ما بقي ليحل الثلث الباقي بيانه عشرة دوارق من عصير طبخ فذهب دورق بالزبد يطبخ الباقي حتى يذهب ستة دوارق ويبقى الثلث فيحل لأن الذي يذهب زبدا هو العصير أو ما يمازجه وأباما كان جعل كان العصير تسعة دوارق فيكون ثلثها ثلاثة وأصل آخر أن العصير إذا صب عليه ماء قبل الطبخ ثم طبخ بمائه إن كان الماء أسرع ذهابا لرقته ولطافته يطبخ الباقي بعدما ذهب مقدار ما صب فيه من الماء حتى يذهب ثلثاه لأن الذاهب الأول هو الماء والثاني العصير فلا بد من ذهاب ثلثي العصير وإن كانا يذهبان معا تغلى الجملة حتى يذهي ثلثاه ويبقى ثلثه فيحل لأنه ذهب الثلثان ماء وعصيرا والثلث الباق ماءوعصير فصار كما إذا صب الماء فيه بعد ما ذهب من العصير بالغلي ثلثاه بيانه عشرة دوارق من عصير وعشرون دروقا من ماء ففي الوجه الأول يطبخ حتى يبقى تسع الجملة لأنه ثلث العصير وفي الوجه الثاني حتى يذهب ثلثا الجملة لما قلنا والغلي بدفعه أو دفعات سواء إذا حصل قبل أن يصير محرما ولو قطع عنه النار فغلى حتى ذهب الثلثان يحل لأنه أثر النار وأصل آخر أن العصير إذا طبخ فذهب بعضه ثم أهريق بعضه كم تطبخ البقية حتى يذهب الثلثان فالسبيل فيه أن تأخذ ثلث الجميع فتضربه في الباقي بعد المنصب ثم تقسمه على ما بقي بعد ذهاب ما ذهب بالطبخ قبل أن ينصب منه شيء فما يخرج بالقسمة فهو حلال بيانه عشرة أرطال عصير طبخ حتى ذهب رطل ثم أهريق منه ثلاثة أرطال تأخذ ثلث العصير كله وهو ثلاثة وثلث وتضربه فيما بقي بعد المنصب وهو ستة فيكون عشرين ثم تقسم العشرين على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ منه قبل أن ينصب منه شيء وذلك تسعة فيخرج لكل جزء من ذلك اثنان وتسعان فعرفت أن الحلال فيما بقي منه رطلان وتسعان وعلى هذا تخرج المسائل ولها طريق آخر وفيما اكتفينا به كفاية وهداية إلى تخريج غيرها من المسائل والله أعلم بالصواب
1 كتاب الصيد 1 الصيد الاصطياد ويطلق على ما يصاد والفعل مباح لغير المحرم في غير الحرم لقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا ولقوله عز وجل وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه فلا تأكل لأنه إنماأمسك على نفسه وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك وعلى إباحته انعقد الإجماع ولأنه نوع اكتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك وفيه استيفاء المكلف وتمكينه من إقامة التكاليف فكان مباحا بمنزلة الاحتطاب ثم جملة ما يحويه الكتاب فصلان أحدهما في الصيد بالجوارح والثاني في الاصطياد بالرمي فصل في الجوارح قال ويجوز الاصطياد بالكلب المعلم والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلمة وفي الجامع الصغير وكل شيء علمته من ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فلا بأس بصيده ولا خير فيما سوى ذلك إلا أن تدرك ذكاته والأصل فيه قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين والجوارح الكواسب قال في تأويل المكلبين المسلطين فيتناول الكل بعمومه دل عليه ما روينا من حديث عدي رضي الله عنه واسم الكلب في اللغة يقع على كل سبع حتى الأسد وعن أبي يوسف رحمه الله أنه استثنى من ذلك الأسد والدب لأنهما لايعملان لغيرهما الأسد لعلو همته والدب لخساستة وألحق بهما بعضهم الحدأة لخساسته والخنزير مستثنى لأنه نجس العين فلا يجوز الانتفاع به ثم لا بد من التعليم لأن ما تلونا من النص ينطق باشتراط التعليم والحديث به وبالإرسال ولأنه إنما يصير آلة بالتعليم ليكون عاملا له فيترسل بإرساله ويمسكه عليه قال وتعليم الكل أن يترك الأكل ثلاث مرات وتعليم البازي أن يرجع ويجيب إذا دعوته وهو مأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما ولأن بدن البازي لا يحتمل الضرب وبدن الكلب يحتمله فيضرب ليتركه ولأن آية التعليم ترك ما هو مألوفه عادة والبازي متوحش متنفر فكانت الإجابة آية تعليمه وأما الكلب فهو ألوف يعتاد الانتهاب فكان آية تعليمه ترك مألوفه وهو الأكل والاستلاب ثم شرط ترك الأكل ثلاثا وهذا عندهما وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله لأن فيما دونه مزيد الاحتمال فلعله تركه مرة أو مرتين شبعا فإذا تركه ثلاثا دل على أنه صار عادة له وهذا لأن الثلاث مدة ضربت للاختيار وإبلاء الأعذار كما في مدة الخيار وفي بعض قصص الأخيار ولأن الكثير هو الذي يقع أمارة على العلم دون القليل والجمع هو الكثير وأدناه الثلاث فقدر بها وعند أبي حنيفة رحمه الله على ما ذكر في الأصل لا يثبت التعليم ما لم يغلب على ظن الصائد أنه معلم ولا يقدر بالثلاث لأن المقادير لا تعرف اجتهادا بل نصا وسماعا ولا سمع فيفوض إلى رأي المبتلى به كما هو أصله في جنسها وعلى الرواية الأولى عنده يحل ما اصطاده ثالثا وعندهما لا يحل لأنه إنما يصير معلما بعد تمام الثلاث وقبل التعليم غيرمعلم فكان الثالث صيد كلب جاهل وصار كالتصرف المباشر في سكوت المولى وله أنه آية تعليمه عنده فكان هذا صيد جارحة معلمة بخلاف تلك المسألة لأن الإذن إعلام ولا يتحقق دون علم العبد وذلك بعد المباشرة
قال وإذا أرسل كلبه المعلم أو بازيه وذكر اسم الله تعالى عند إرساله فأخذ الصيد وجرحه فمات حل أكله لما روينا من حديث عدي رضي الله عنه ولأن الكلب أو البازي آلة والذبح لايحصل بمجرد الآلة إلا بالاستعمال وذلك فيهما بالإرسال فنزل منزلة الرمي وإمرار السكين فلا بد من التسمية عنده ولو تركه ناسيا حل أيضا على ما بيناه وحرمة متروك التسمية عامدا في الذبائح ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة الاضطراري وهو الجرح في أي موضع كان من البدن بانتساب ما وجد من الآلة إليه بالاستعمال وفي ظاهر قوله تعالى وما علمتم من الجوارح ما يشير إلى اشتراط الجرح إذ هو من الجرح بمعنى الجراحة في تأويل فيحمل على الجارح الكاسب بنابه ومخلبه ولا تنافي وفيه أخذ باليقين وعن أبي يوسف أنه لا يشترط رجوعا إلى التأويل الأول وجوابه ما قلنا قال فإن أكل منه الكلب أو الفهد لم يؤكل وإن أكل منه البازي أكل والفرق ما بيناه في دلالة التعليم وهو مؤيد بما روينا من حديث عدي رضي الله عنه وهو حجة على مالك وعلى الشافعي في قوله القديم في إباحة ما أكل الكلب منه قال ولو أنه صاد صيودا ولم يأكل منها ثم أكل من صيد لا يؤكل هذا الصيد لأنه علامة الجهل ولا ما يصيده بعده حتى يصير معلما على اختلاف الروايات كما بيناها في الابتداء وأما الصيود التي أخذها من قبل فما أكل منها لا تظهر الحرمة فيه لانعدام المحلية وما ليس بمحرز بأن كان في المفازة بأن لم يظفر صاحبه بعد تثبت الحرمة فيه بالاتفاق وما هو محرز في بيته يحرم عنده خلافا لهما هما يقولان إن الأكل ليس يدل على الجهل فيما تقدم لأن الحرفة قد تنسى ولأن فيما أحرزه قد أمضى الحكم فيه بالاجتهاد فلا ينقض باجتهاد مثله لأن المقصود قد حصل بالأول بخلاف غير المحرز لأنه ما حصل المقصود من كل وجه لبقائه صيدا من وجه لعدم الإحراز فحرمناه احتياطا وله أنه آية جهله من الابتداء لأن الحرفة لا ينسى أصلها فإذا أكل تبين أنه كان ترك الأكل للشبع لا للعلم وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود لآنه بالأكل فصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل القضاء قال ولو أن صقرا فر من صاحبه فمكث حينا ثم صاد لا يؤكل صيده لأنه ترك ما صار به عالما فيحكم بجهله كالكلب إذا أكل من الصيد قال ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه أكل لأنه ممسك للصيد عليه وهذا من غاية علمه حيث شرب مالا يصلح لصاحبه وأمسك عليه ما يصلح له قال ولو أخذ الصيد من المعلم ثم قطع منه قطعة وألقاها إليه فأكلها يؤكل ما بقي لأنه لم يبق صيدا فصار كما إذا ألقى إليه طعاما غيره وكذا إذا وثب الكلب فأخذه منه وأكل منه لأنه ما أكل من الصيد والشرط ترك الأكل من الصيد فصار كما إذا افترس شاته بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك لأنه بقيت فيه جهة الصيدية قال ولو نهس الصيد فقطع سنة بضعة فأكلها ثم أدرك الصيد فقتله ولم يأكل منه لم يؤكل لأنه صيد كلب جاهل حيث أكل من الصيد قال ولو ألقى ما نهسه واتبع الصيد فقتله ولم يأكل منه وأخذه صاحبه ثم مر بتلك البضعة فأكلها يؤكل الصيد لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لم يضره فإذا أكل ما بان منه وهو لايحل لصاحبه أولى بخلاف الوجه الأول لأنه أكل في حالة الاصطياد فكان جاهلا ممسكا لنفسه ولأن نهس البضعة قد يكون ليأكلها وقديكون حيلة في الاصطياد ليضعف بقطع القطعة منه فيدركه فالأكل قبل الأخذ يدل على الوجه الأول وبعده على الوجه الثاني فلا يدل على جهله
قال وإن أدرك المرسل الصيد حيا وجب عليه أن يذكيه وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل وكذا البازي والسهم لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل إذ المقصود هو الإباحة ولم تثبت قبل موته فبطل حكم ال بدل وهذا إذا تمكن من ذبحه أما إذا وقع في يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من الحياة فوق ما يكون في المذبوح لم يؤكل في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه يحل وهو قول الشافعي رحمه الله لأنه لم يقدرعلى الأصل فصار كما إذا رأى الماء ولم يقدر على الاستعمال ووجه الظاهر أنه قدر اعتبارالأنه ثبت يده على المذبح وهو قائم مقام التمكن من الذبح إذ لا يمكن اعتباره لأنه لا بد له من مدة والناس يتفاوتون فيها على حسب تفاوتهم في الكياسة والهداية في أمر الذبح فأدير الحكم على ما ذكرناه بخلاف ما إذا بقي فيه من الحياة مثل ما يبقى في المذبوح لأنه ميت حكما ألا ترى أنه لو وقع في الماء وهو بهذه الحالة لم يحرم كما إذا وقع وهو ميت والميت ليس بمذبح وفصل بعضهم فيه تفصيلا وهو أنه إن لم يتمكن لفقد الآلة لم يؤكل وإن لم يتمكن لضيق الوقت لم يؤكل عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأنه إذا وقع في يده لم يبق صيدا فبطل حكم ذكاة الاضطرار وهذا إذا كان يتوهم بقاؤه أما إذا شق بطنه وأخرج ما فيه ثم وقع في يد صاحبه حل لأن ما بقي اضطراب المذبوح فلا يعتبر كما إذا وقعت شاة في الماء بعد ما ذبحت وقيل هذا قولهما أما عند أبي حنيفة رحمه الله فلا يؤكل أيضا لأنه وقع في يده حيا فلا يحل إلا بذكاة الاختيار ردا إلى المتردية على ما نذكره إن شاء الله تعالى هذا الذي ذكرناه إذا ترك التذكية فلو أنه ذكاه حل أكله عند أبي حنيفة رحنه الله وكذا المتردية والنطيحة والموقوذة والذي بقر الذئب بطنه وفيه حياة خفية أو بينة وعليه الفتوى لقوله تعالى إلا ما ذكيتم استثناه مطلقا من غير فصل وعند أبي يوسف رحمه الله إذا كان بحال لا يعيش مثله لا يحل لأنه لم يكن موته بالذبح وقال محمد رحمه الله إن كان يعيش مثله فوق مايعيش المذبوح محل وإلا فلا لأنه لا معتبر بهذه الحياة على ما قررناه قال ولو أدركه ولم يأخذه فإن كان في وقت لو أخذه أمكنه ذبحه لم يؤكل لأنه صار في حكم المقدور عليه قال وإن كان لا يمكنه ذبحه أكل لأن اليد لم تثبت به والتمكن من الذبح لم يوجد قال وإن أدركه فذكاه حل له لأنه إن كانت فيه حياة مستقرة فالذكاة وقعت موقعها بالإجماع وإن لم يكن فيه حياة مستقرة فعند أبي حنيفة رحمه الله ذكاته الذبح على ما ذكرناه وقد وجد وعندهما لا يحتاج إلى الذبح قال وإذا أرسل كلبه المعلم على صيد وأخذ غيره حل وقال مالك رحمه الله لا يحل لأنه أخذه بغير إرسال إذ الإرسال مختص بالمشار إليه ولنا أنه شرط غير مفيد لأن مقصوده حصول الصيد إذ لا يقدر على الوفاء به إذ لا يمكنه تعليمه على وجه بأخذ ما عينه فسقط اعتباره قال ولو أرسله على صيد كثير وسمى مرة واحدة حالة الإرسال فلو قتل الكل يحل بهذه التسمية الواحدة لأن الذبح يقع بالإرسال على ما بيناه ولهذا تشترط التسمية عنده والفعل واحد فتكفيه تسمية واحدة بخلاف ذبح الشاتين بتسمية واحدة لأن الثانية تصير مذبوحة بفعل غيرالأول فلا بد من تسمية أخرى حتى لو أضجع إحداهما فوق الأخرى وذبحهما بمرة واحدة تحلان بتسمية واحدة قال ومن أرسل فهدا فكمن حتى يستمكن ثم أخذ الصيد فقتله يؤكل لأن مكثه ذلك حيلة منه للصيد لا استراحة فلا يقطع الإرسال
قال وكذا الكلب إذا اعتاد عادته ولو أخذ الكلب صيدا لقتله ثم أخذ آخر فقتله وقد أرسله صاحبه أكلا جميعا لأن الإرسال قائم لم ينقطع وهو بمنزلة ما لو رمى سهما إلى صيد فأصابه وأصاب آخر قال ولو قتل الأول فجثم عليه طويلا من النهار ثم مر به صيد آخرفقتله لا يؤكل الثاني لانقطاع الإرسال بمكثه إذ لم يكن ذلك حيلة منه للأخذ وإنما كان استراحة بخلاف ما تقدم قال ولو أرسل بازيه المعلم على صيد فوقع عل شيء ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله فإنه يؤكل وهذا إذا لم يمكث زمانا طويلا للاستراحة وإنما مكث ساعة للتمكين لما بيناه في الكلب قال ولو أن بازيا معلما أخذ صيدا فقتله ولا يدرى أرسله إنسان أم لا لا يؤكل لوقوع الشك في الإرسال ولا تثبت الإباحة بدونه قال وإن خنقه الكلب ولم يجرحه لم يؤكل لأن الجرح شرط على ظاهر الرواية على ما ذكرناه وهذا يدلك على أنه لا يحل بالكسر وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا كسر عضوا فقتله لا بأس بأكله لأنه جراحة باطنة فهي كالجراحة الظاهرة وجه الأول أن المعتبر جرح ينتهض سببا لإنهارالدم ولا يحصل ذلك بالكسر فأشبه التخنيق قال وإن شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه يريد به عمدا لم يؤكل لما روينا في حديث عدي رضي الله عنه ولأنه اجتمع المبيح والمحرم فيغلب جهة الحرمة نصا أو احتياطا ولو رده عليه الكلب الثاني ولم يجرحه معه ومات بجرح الأول يكره أكله لوجود المشاركة في الأخذ وفقدها في الجرح وهذا بخلاف ما إذارده المجوسي عليه بنفسه حيث لا يكره لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلا تتحقق المشاركة وتتحقق بين فعلي الكلبين لوجود المجانسة ولو لم يرده الكلب الثاني على الأول لكنه أشد على الأول حتى اشتد على الصيد فأخذه وقتله لا بأس بأكله لأن فعل الثاني أثر في الكلب المرسل دون الصيد حيث ازداد به طلبا فكان تبعا لفعله لأنه بناء عليه فلايضاف الأخذ إلى التبع بخلاف ما إذا كان رده عليه لأنه لم يصر تبعا فيضاف إليهما قال وإذا أرسل المسلم كلبه فزجره مجوسي فانزجر بزجره فلا بأس بصيده والمراد بالزجر الإغراء بالصياح عليه وبالانزجار إظهار زيادة الطلب ووجهه أن الفعل يرفع بما هو فوقه أو مثله كما في نسخ الآي والزجر دون الإرسال لكونه بناء عليه قال ولو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر بزجره لم يؤكل لأن الزجر دون الإرسال ولهذا لم تثبت به شبهة الحرمة فأولى أن لا يثبت به الحل وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك التسمية عامدا في هذا بمنزلة المجوسي وإن لم يرسله أحد فزجره سلم فانزجر فأخذ الصيد فلا بأس بأكله لأن الزجر مثل الانفلات لأنه إن كان دونه من حيث إنه بناء عليه فهو فوقه من حيث إنه فعل المكلف فاستويا فصلح ناسخا ولو أرسل المعلم كلبه على صيد وسمى فأدركه فضربه ووقذه ثم ضربه فقتله أكل وكذا إذا أرسل كلبين فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر أكل لأن الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم فجعل عفوا ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبا فوقذه أحدهما وقتله الآخر أكل لما بينا والملك للأول لأن الأول أخرجه عن حد الصيدية إلا أن الإرسال من الثاني حصل على الصيد والمعتبر في الإباحة والحرمة حالة الإرسال فلم يحرم بخلاف ما إذا كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الكلب الأول فصل في الرمي
ومن سمع حسا ظنه حس صيد فرماه أو أرسل كلبا أو بازيا عليه فأصاب صيدا ثم تبين أنه حس صيد حل المصاب أي صيد كان لأنه قصد الاصطياد وعن أبي يوسف رحمه الله أنه خص من ذلك الخنزير لتغليظ التحريم ألا ترى أنه لا تثبت الإباحة في شيءمنه بخلاف السباع لأنه يؤثر في جلدها وزفر رحمه الله خص منها مالا يؤكل لحمه لأن الإرسال فيه ليس للإباحة ووجه الظاهر أن اسم الاصطياد لا يختص بالمأكول فوقع الفعل اصطيادا وهو فعل مباح في نفسه وإباحة التناول ترجع إلى المحل فتثبت بقدر ما يقبله لحما وجلدا وقد لا تثبت إذا لم يقبله وإذا وقع اصطيادا صار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره وإن تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي لا يحل المصاب لأن الفعل ليس باصطياد والطير الداجن الذي يأوي البيوت أهلي والظبي الموثق بمنزلته لما بينا ولو رمى إلى طائر فأصاب صيدا ومر الطائر ولا يدري وحشي هو أو غير وحشي حل الصيد لأن الظاهر فيه التوحش ولو رمى إلي بعير فأصاب صيدا ولا يدري ناد هو أم لا لا يحل الصيد لأن الأصل فيه الاستئناس ولو رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا يحل في رواية عن أبي يوسف لأنه صيد وفي أخرى عنه لايحل لأنه لا ذكاة فيهما ولو رمى فأصاب المسموع حسه وقد ظنه آدميا فإذا هو صيد يحل لأنه لا معتبر بظنه مع تعينه وإذا سمى الرجل عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرح السهم فمات لأنه ذابح بالرمي لكون السهم آلة له فتشترط التسمية عنده وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة ولا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما بيناه قال وإن أدركه حيا ذكاه وقد بيناها بوجوهها والاختلاف فيها في الفصل الأول فلا نبده قال وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتا أكل وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لم يؤكل لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي وقال لعل هوام الأرض قتلته ولأن احتمال الموت بسبب آخر قائم فما ينبغي أن يحل أكله لأن الموهوم في هذا كالمتحقق لما روينا إلا أنا أسقطنا اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أن لا يعرى الاصطياد عنه ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه لإمكان التحرز عن توار يكون بسبب عمله والذي رويناه حجة على مالك رحمه الله في قوله إن ما توارى عنه إذا لم يبت يحل فإذا بات ليلة لم يحل ولو وجد به جراحة سوى جراحة سهمه لا يحل لأنه موهوم يمكن الاحتراز عنه فاعتبر محرما بخلاف وهم الهوام والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرناه
قال وإذا رمى صيدا فوقع في الماء أو وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل لأنه المتردية وهي حرام بالنص ولأنه احتمل الموت بغير الرمي إذ الماء مهلك وكذا السقوط من عال يؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعدي رضي الله عنه وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك وإن وقع على الأرض ابتداء أكل لأنه لا يمكن الاحتراز عنه وفي اعتباره سد باب الاصطياد بخلاف ما تقدم لأنه يمكن التحرز عنه فصار الأصل أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطا وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده مجرى عدمه لأن التكليف بحسب الوسع فمما يمكن التحرز عنه إذا وقع على شجر أو حائط أو آجره ثم وقع على الأرض أو رماه وهو على جبل فتردى من موضع إلى موضع حتى تردى إلى الأرض أو رماه فوقع على رمح منصوب أو على قصبة قائمة أو على حرف آجرة لاحتمال أن حد هذه الأشياء قتله ومما لا يمكن الاحتراز عنه إذا وقع على الأرض كما ذكرناه أو على ما هو في معناه كجبل أو ظهر بيت أو لبنة موضوعة أو صخرة فاستقر عليها لأن وقوعه عليه وعلى الأرض سواء وذكر في المنتقى لو وقع على صخرة فانشق بطنه لم يؤكل لاحتمال الموت بسبب آخر وصححه الحاكم الشيهد رحمه الله وحمل مطلق المروي في الأصل على غير حالة الانشقاق وحمله شمس الأئمة السرخسي رحمه الله على ما أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك وحمل رحمه الله المروي في الأصل على أنه لم يصبه من الآخرة إلا ما يصيبه من الأرض لو وقع عليها وذلك عفو وهذا أصح وإن كان الطير مائيا فإن كانت الجراحة لا تنغمس في الماءأكل وإن انغمست لا يؤكل كما إذا وقع في الماء قال وما أصابه المعراض بعرضه لم يؤكل وإن جرحه يؤكل لقوله عليه الصلاة والسلام فيه ما أصاب بحده فكل وما أصاب بعرضه فلا تأكل ولأنه لا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه قال ولا يؤكل ما أصابته البندقة فمات بها لأنها تدق وتكسر ولا تجرح فصار كالمعراض إذا لم يخرق وكذلك إن رماه بحجر وكذلك إن جرحه قالوا تأويله إذا كان ثقيلا وبه حدة لاحتمال أنه قتله بثقله وإن كان الحجر خفيفا وبه حدة يحل لتعين الموت بالجرح ولو كان الحجر خفيفا وجعله طويلا كالسهم وبه حدة فإنه يحل لأنه يقتله بجرحه ولو رماه بمروة حديدة ولم تبضع بضعا لا يحل لأنه قتله دقا وكذا إذا رماه بها فأبان رأسه أو قطع أوداجه لأن العروق تنقطع بثقل الحجر كما تنقطع بالقطع فوقع الشك أو لعله مات قبل قطع الأوداج ولو رماه بعصا أو بعود حتى قتله لا يحل لأنه يقتله ثقلا لا جرحا اللهم إلا إذا كان له حدة يبضع بضعا فحينئذ لا بأس به لأنه بمنزلة السيف والرمح
والأصل في هذه المسائل أن الموت إذا كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا وإذا كان مضافا إلى الثقل بيقين كان حراما وإن وقع الشك ولا يدري مات بالجرح أو بالثقل كان حراما احتياطا وإن رماه بسيف أو بسكين فأصابه بحده فجرحه حل وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف لايحل لأنه قتله دقا والحديد وغيره فيه سواء ولو رماه فجرحه ومات بالجرح إن كان الجرح مدميا يحل بالاتفاق وإن لم يكن مدميا فكذلك عند بعض المتأخرين سواء كانت الجراحة صغيرة أو كبيرة لأن الدم قد يحتبس بضيق المنفذ أو غلظ الدم وعند بعضهم يشترط الإدماء لقوله عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل شرط الإنهار وعندبعضهم إن كانت كبيرة حل بدون الإدماء وإن كانت صغيرة لا بد من الإدماء ولو ذبح شاة ولم يسل منه الدم قيل لا تحل وقيل تحل ووجه القولين دخل فيما ذكرناه وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه فإن ادماه حل وإلا فلا وهذا يويد بعض ما ذكرناه قال وإذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد لما بيناه ولا يؤكل العضو وقال الشافعي رحمه الله أكلا إن مات الصيد منه لأنه مبان بذكاة الاضطرار فيحل المبان والمبان منه كما إذا أبين الرأس بذكاة الاختيار بخلاف ما إذا لم يمت لأنه ما أبين بالذكاة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ما أبين من الحي فهو ميت ذكر الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة وحكما والعضو المبان بهذه الصفة لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة فيه وكذا حكما لأنه تتوهم سلامته بعد هذه الجراحة ولهذا اعتبره الشرع حيا حتى لو وقع في الماء وفيه حياة بهذه الصفة يحرم وقوله أبين بالذكاة قلنا حال وقوعه لم يقع ذكاة لبقاء الروح في الباقي وعند زواله لا يظهر في المبان لعدم الحياة فيه ولا تبعية لزوالها بالانفصال فصار هذا الحرف هو الأصل لأن المبان من الحي حقيقة وحكما لا يحل والمبان من الحي صورة لا حكما يحل وذلك بأن يبقى في المبان منه حياة بقدر ما يكون في المذبوح فإنه حياة صورة لا حكما ولهذا لو وقع في الماء وبه هذا القدر من الحياة أو تردى من جبل أو سطح لايحرم فتخرج عليه المسائل فنقول إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان ويحل المبان منه لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي ولو قده بنصفين أو قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي العجز أو قطع نصف رأسه أو أكثر منه يحل المبان والمبان منه لأن المبان منه حي صورة لا حكما إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح والحديث وإن تناول السمك وما أبين منه فهو ميت إلا أن ميتته حلال بالحديث الذي رويناه ولو ضرب عنق شاة فأبان رأسها يحل لقطع الآوداج ويكره هذا الصنيع لإبلاغه النخاع وإن ضربه من قبل القفا إن مات قبل قطع الأوداح لايحل وإن لم يمت حتى قطع الأوداح حل ولو ضرب صيدا فقطع يدا أو رجلا ولم يبنه إن كان يتوهم الالتئام والاندمال فإذا مات حل أكله لأنه بمنزلة سائر أجزائه وإن كان لا يتوهم بأن بقي متعلقا بجلده حل ما سواه لوجود الإبانه معنى والعبرة للمعاني قال ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني لأنهم ليسوا من اهل الذكاة على مابيناه في الذبائح ولا بد منها في إباحة الصيد بخلاف النصراني واليهودي لأنهما من اهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا
قال ومن رمى صيدا فأصابه ولم يثخنه ولم يخرجه عن حيز الامتناع فرماه آخرفقتله فهو للثاني ويؤكل لأنه هو الآخذ وقد قال عليه الصلاة والسلام الصيد لمن أخذ وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني فقتله فهو للأول ولم يؤكل لاحتمال الموت بالثاني وهو ليس بذكاة للقدرة على ذكاة الاختيار بخلاف الوجه الأول وهذا إذا كان الرمي الأول بحال ينجو منه الصيد لأنه حينئذ يكون الموت مضافا إلى الرمي الثاني وأما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح كما إذا أبان رأسه يحل لأن الموت لا يضاف إلى الرمي الثاني لأن وجوده وعدمه بمنزلة وإن كان الرمي الأول بحال لا يعيش منه الصيد إلا أنه بقي فيه من الحياة أكثر مما يكون بعد الذبح بأن كان يعيش يوما أو دونه فعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا يحرم بالرمي الثاني لأن هذا القدر فيه من الحياة لاعبرة لها عنده وعند محمد رحمه الله يحرم لأن هذا القدر من الحياة معتبر عنده على ما عرف من مذهبه فصار الجواب فيه والجواب فيما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد سواء فلا يحل قال والثاني ضامن لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته لأنه بالرمي أتلف صيدا مملوكا له لأنه ملكه بالرمي المثخن وهو منقوص بجراحته وقيمة المتلف تعتبر يوم الإتلاف قال رضي الله عنه تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني بأن كان الأول بحال يجوز أن يسلم الصيد منه والثاني بحال لا يسلم الصيد منه ليكون القتل كله مضافا إلى الثاني وقد قتل حيوانا مملوكا للأول منقوصا بالجراحة فلا يضمنه كملا كما إذا قتل عبدا مريضا وإن علم أن الموت يحصل من الجراحتين أو لا يدري قال في الزيادات يضمن الثاني ما نقصته جراحته ثم يضمنه نصف قيمته مجروحا بجراحتين ثم يضمن نصف قيمة لحمه أما الأول فلأنه جرح حيوانا مملوكا للغير وقد نقصه فيضمن ما نقصه أولا وأما الثاني فلأن الموت حصل بالجراحتين فيكون هو متلفا نصفه وهو مملوك لغيره فيضمن نصف فيمته مجروحا بالجراحتين لأن الأولى ما كانت بصنعه والثانية ضمنها مرة فلا يضمنها ثانيا وأما الثالث فلأن بالرمي الأول صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمى الثاني فهذا بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم فيضمنه ولا يضمن النصف الآخر لأنه ضمنه مرة فدخل ضمان اللحم فيه وإن كان رماه الأول ثانيا فالجواب في حكم الإباحة كالجواب فيما إذا كان الرامي غيره ويصير كما إذا رمى صيدا على قلة جبل فأثخنه ثم رماه ثانيا فأنزله لا يحل لأن الثاني محرم كذا هذا قال ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان ومالا يؤكل لإطلاق ما تلونا والصيد لا يختص بمأكول اللحم قال قائلهم صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال ولأن صيده سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو لاستدفاع شره وكل ذلك مشروع والله أعلم بالصواب 1 كتاب الرهن 1 الرهن لغة حبس الشيء بأي سبب كان وفي الشريعة جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون وهو مشروع بقوله تعالى فرهان مقبوضة وبما روي أنه عليه الصلاة والسلام اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه وقد انعقد على ذلك الإجماع ولأنه عقد وثيقة لجانب الاستيفاء فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب وهي الكفالة
قال الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول ويتم بالقبض قالوا الركن الإيجاب بمجرده لأنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع كالهبة والصدقة والقبض شرط اللزوم على ما نبينه إن شاء الله تعالى وقال مالك رحمه الله يلزم بنفس العقد لأنه يختص بالمال من الجانبين فصار كالبيع ولأنه عقد وثيقة فأشبه الكفالة ولنا ما تلوناه والمصدر المقرون بحرف الفاء في محل الجزاء يراد به الأمر ولأنه عقد تبرع لما أن الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئا ولهذا لا يجبر عليه فلا بد من إمضاءه كما في الوصية وذلك بالقبض ثم يكتفى فيه بالتخلية في ظاهر الرواية لأنه قبض بحكم عقد مشروع فأشبه قبض المبيع وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل لأنه قبض موجب للضمان ابتداء بمنزلة الغصب بخلاف الشراء لأنه ناقل للضمان من البائع إلى المشتري وليس بموجب ابتداء والأول أصح قال وإذا قبضه المرتهن محورا مفرغا متميزا تم العقد فيه لوجود القبض بكماله فلزم العقد وما لم يقبضه فالراهن بالخيار إن شاء سلمه وإن شاء رجع عن الرهن لما ذكرنا أن اللزوم بالقبض إذ بالمقصود لا يحصل قبله قال وإذا سلمه إليه فقبضه دخل في ضمانه وقال الشافعي رحمه الله هو أمانة في يده ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه لقوله عليه الصلاة والسلام لا يغلق الرهن قالها ثلاثا لصاحبه غنمه وعليه غرمه قال ومعناه لا يصير مضمونا بالدين ولأن الرهن وثيقة بالدين فبهلاكه لا يسقط الدين اعتبارا بهلاك الصك وهذا لأن بعد الوثيقة يزداد معنى الصيانة والسقوط بالهلاك يضاد ما اقتضاه العقد إذا لحق به يصير بعرض الهلاك وهو ضد الصيانة ولنا قول النبي عليه الصلاة والسلام للمرتهن بعد ما نفق فرس الرهن عنده ذهب حقك وقوله عليه الصلاة والسلام إذا عمي الرهن فهو بما فيه معناه على ما قالوا إذا اشتبهت قيمة الرهن بعد ما هلك وإجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على أن الرهن مضمون مع اختلافهم في كيفيته فالقول بالأمانة خرق له والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام لايغلق الرهن على ما قالوا الاحتباس الكلي والتمكن بأن يصير مملوكا له كذا ذكر الكرخي عن السلف ولأن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء وهو ملك اليد والحبس لأن الرهن ينبىء عن الحبس الدائم قال الله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة وقال قائلهم وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا والأحكام الشرعية تنعطف على الألفاظ على وفق الأنباء ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء وهو أن تكون موصلة إليه وذلك ثابت له بملك اليد والحبس ليقع الأمن من الجحود مخافة جحود المرتهن الرهن وليكون عاجزا عن الانتفاع به فيتسارع إلى قضاء الدين لحاجته أو لضجره وإذا كان كذلك يثبت الاستيفاء من وجه وقد تقرر بالهلاك فلو استوفاه ثانيا يؤدي إلى الربا بخلاف حالة القيام لأنه ينقض هذا الاستيفاء بالرد على الراهن فلا يتكرر ولا وجه إلى استيفاء الباقي بدونه لأنه لا يتصور والاستيفاء يقع بالمالية أما العين فأمانة حتى كانت نفقة المرهون على الراهن في حياته وكفنه بعد مماته وكذا قبض الرهن لا ينوب عن قبض الشراءإذا اشتراه المرتهن لأن العين أمانة فلا تنوب عن قبض ضمان وموجب العقد ثبوت يد الاستيفاء وهذا يحقق الصيانة وإن كان فراغ الذمة من ضروراته كما في الحوالة فالحاصل أن عندنا حكم الرهن صيرورة الرهن محتبسا بدينه بإثبات يد الاستيفاء عليه وعنده تعلق الدين بالعين استيفاء منه عينا بالبيع ويخرج على هذين الأصلين عدة من المسائل المختلف فيها بيننا وبينه عددناها في كفاية المنتهى جملة منها أن الراهن ممنوع عن الاسترداد للانتفاع لأنه يفوت موجبه وهو الاحتباس على الدوام وعنده لا يمنع منه لأنه لا ينافي موجبه وهو تعينه للبيع وسيأتيك البواقي في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى
قال ولا يصح الرهن إلا بدين مضون لأن حكمه ثبوت يد الاستيفاء والاستيفاء يتلو الوجوب قال رضي الله عنه ويدخل على هذا اللفظ الرهن بالأعيان المضمونة بأنفسها فإنه يصح الرهن بها ولا دين ويمكن أن يقال إن الواجب الأصلي فيها هو القيمة ورد العين مخلص على ما عليه أكثر المشايخ وهو دين ولهذا تصح الكفالة بها ولئن كان لا يجب إلا بعد الهلاك ولكنه يجب عند الهلاك بالقبض السابق ولهذا تعتبر قيمته يوم القبض فيكون رهنا بعد وجود سبب وجوبه فيصح كما في الكفالة ولهذا لا تبطل الحوالة المقيدة به بهلاكه بخلاف الوديعة قال وهو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته والدين سواء صار المرتهن مستوفيا لدينه وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالفضل أمانة في يده لأن المضمون بقدر ما يقع به الاستيفاء وذاك بقدر الدين فإن كانت أقل سقط من الدين بقدره ورجع المرتهن بالفضل لأن الاستيفاء بقدر المالية وقال زفر رحمه الله الرهن مضمون بالقيمة حتى لو هلك الرهن وقيمته يوم الرهن ألف وخمسمائة والدين ألف رجع الراهن على المرتهن بخمسمائة له حديث علي رضي الله عنه قال يترادان الفضل في الرهن ولأن الزيادة على الدين مرهونة لكونها محبوسة به فتكون مضمونة اعتبارا بقدر الدين ومذهبنا مروي عن عمر وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم ولأن يد المرتهن يد الاستيفاء فلا توجب الضمان إلا بالقدر المستوفى كما في حقيقة الاستيفاء والزيادة مرهونة به ضرورة امتناع حبس الأصل بدونها ولا صرورة في حق الضمان والمراد بالتراد فيما يروى حالة البيع فإنه روى عنه أنه قال المرتهن أمين في الفضل قال وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه وبحبسه به لأن حقه باق بعد الرهن والرهن لزيادة الصيانة فلا تمتنع به المطالبة والحبس جزاء الظلم فإذا ظهر مطله عند القاضي يحبسه كما بيناه على التفصيل فيما تقدم وإذا طلب المرتهن دينه يؤمر بإحضار الرهن لأن قبض الرهن قبض استيفاء فلايجوز أن يقبض ماله مع قيام يد الاستيفاء لأنه يتكرر الاستيفاء على اعتبار الهلاك في يد المرتهن وهو محتمل وإذا أحضره أمر الراهن بتسليم الدين إليه أولا ليتعين حقه كما تعين حق الراهن تحقيقا للتسوية كما في تسليم المبيع والثمن يحضرالمبيع ثم يسلم الثمن أولا وإن طالبه بالدين في غير البلد الذي وقع العقد فيه إن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة فكذلك الجواب لأن الأماكن كلها في حق التسليم كمكان واحد فيما ليس له حمل ومؤنة ولهذا لا يشترط بيان مكان الإيفاء فيه في باب السلم بالإجماع وإن كان له حمل ومؤنة يستوفى دينه ولا يكلف إحضار الرهن لأن هذا نقل والواجب عليه التسليم بمعنى التخلية لا النقل من مكان إلى مكان لأنه يتضرر به زيادة الضرر ولم يلتزمه ولو سلط الراهن العدل على بيع المرهون فباعه بنقد أو نسيئة جاز لإطلاق الأمر فلو طالب المرتهن بالدين لا يكلف المرتهن إحضار الرهن لأنه لا قدرة له على الإحضار وكذا إذا أمر المرتهن ببيعه فباعه ولم يقبض الثمن لأنه صار دينا بالبيع بأمر الراهن فصار كأن الراهن رهنه وهو دين ولو قبضه يكلف إحضاره لقيام البدل مقام المبدل لا أن الذي يتولى قبض الثمن هو المرتهن لأنه هو العاقد فترجع الحقوق إليه وكما يكلف إحضار الرهن لاستيفاء كل الدين يكلف لاستيفاء نجم قد حل لاحتمال الهلاك ثم إذا قبض الثمن يؤمر بإحضاره لاستيفاء الدين لقيامه مقام العين وهذابخلاف ما إذا قتل رجل العبد الرهن خطأحتى قضى بالقيمة على عاقلته في ثلاث سنين لم يجبر الراهن على قضاء الدين حتى يحضر كل القيمة لأن القيمة خلف عن الرهن فلا بد من إحضار كلها كما لا بد من إحضار كل عين الرهن وما صارت قيمة بفعله وفيما تقدم صار دينا بفعل الراهن فلهذا افترقا ولو وضع الرهن على يد العدل وأمر أن يودعه غيره ففعل ثم جاء المرتهن يطلب دينه لا يكلف إحضار الرهن لأنه لم يؤتمن عليه حيث وضع على يد غيره فلم يكن تسليمه في قدرته ولو وضعه العدل في يد من في عياله وغاب وطلب المرتهن دينه والذي في يده يقول أودعني فلان ولا أدري لمن هو يجبر الراهن على قضاء الدين لأن إحضار الرهن ليس على المرتهن لأنه لم يقبض شيئا وكذلك إذا غاب العدل بالرهن ولا يدري أين هو لما قلنا ولو أن الذي أودعه العدل جحد الرهن وقال هو مالي لم يرجع المرتهن على الراهن بشيء حتى يثبت كونه رهنا لأنه لما جحد الرهن فقد توى المال والتوى على المرتهن فيتحقق استفياء الدين ولا يملك المطالبة به
قال وإن كان الرهن في يده ليس عليه أن يمكنه من البيع حتى يقضيه الدين لأن حكمه الحبس الدائم إلى أن يقضي الدين على ما بيناه ولو قضاه البعض فله أن يحبس كل الرهن حتى يستوفي البقية اعتبارا بحبس المبيع فإذا قضاه الدين قيل له سلم الرهن إليه لأنه زال المانع من التسليم لوصول الحق إلى مستحقه فلو هلك قبل التسليم استرد الراهن ما قضاه لأنه صار مستوفيا عند الهلاك باقبض السابق فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء فيجب رده وكذلك لو تفاسخا الرهن له حبسه مالم يقبض الدين أو يبرئه ولا يبطل الرهن إلا بالرد على الراهن على وجه الفسخ لأنه يبقى مضمونا ما بقي القبض والدين ولو هلك في يده سقط الدين إذا كان به وفاء بالدين لبقاء الرهن وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن لا باستخدام ولا بسكنى ولا لبس إلا أن يأذن له المالك لأن له حق الحبس دون الانتفاع وليس له أن يبيع إلا بتسليط من الراهن وليس له أن يؤاجر ويعبر لأنه ليس له ولاية الانتفاع بنفسه فلا يملك تسليط غيره عليه فإن فعل كان متعديا ولا يبطل عقد الرهن بالتعدي قال وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله قال رضي الله عنه معناه أن يكون الولد في عياله أيضا وهذا لأن عينه أمانة في يده فصار كالوديعة وإن حفظه بغير من في عياله أو أودعه ضمن وهل يضمن الثاني فهو على الخلاف وقد بينا جميع ذلك بدلائله في الوديعة وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته لأن الزيادة على مقدار الدين أمانة والأمانات تضمن بالتعدي ولو رهنه خاتما فجعله في خنصره فهو ضامن لأنه متعد بالاستعمال لأنه غير مأذون فيه وإنما الإذن بالحفظ واليمنى واليسرى في ذلك سواء لأن العادة في مختلفة ولو جعله في بقية الأصابع كان رهنا بما فيه لأنه لا يلبس كذلك عادة فكان من باب الحفظ وكذا الطيلسان إن لبسه لبسا معتادا ضمن وإن وضعه على عاتقه لم يضمن ولو رهنه سيفين أو ثلاثة فتقلدها لم يضمن في الثلاثة وضمن في السيفين لأن العادة جرت بين الشجعان بتقلد السيفين في الحرب ولم تجر بتقلد الثلاثة وإن لبس خاتما فوق خاتم إن كان هو ممن يتجمل بلبس خاتمين ضمن وإن كان لا يتجمل بذلك فهو حافظ فلا يضمن قال وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن على المرتهن وكذلك أجرة الحافظ وأجرة الراعي ونفقة الرهن على الراهن والأصل أن ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن وتبقيته فهو على الراهن سواء كان في الرهن فضل أو لم يكن لأن العين باق على ملكه وكذلك منافعه مملوكة له فيكون إصاحه وتبقيته عليه لما أنه مؤنة ملكه كما في الوديعة وذلك مثل النفقة في مأكله ومشربه وأجرة الراعي في معناه لأنه علف الحيوان ومن هذا الجنس كسوة الرقيق وأجرة ظئر ولد الرهن وسقى البستان وكري النهر وتلقيح نخيله وجذاذه والقيام بمصالحه وكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن أو لرد جزء منه فهو على المرتهن مثل أجرة الحافظ لأن الإمساك حق له والحفظ واجب عليه فيكون بدله عليه وكذلك أجرة البيت الذي يحفظ الرهن فيه وهذا في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله أن كراء المأوى على الراهن بمنزلة النفقة لأنه سعي في تبقيته ومن هذا القسم جعل الآبق فإنه على المرتهن لأنه محتاج إلى إعادة يد الاستيفاء التي كانت له ليرده فكانت مؤنة الرد فيلزمه وهذا إذا كانت قيمة الرهن والدين سواء وإن كانت قيمة الرهن أكثر فعليه بقدر المضمون وعلى الراهن بقدر الزيادة عليه لأنه أمانه في يده والرد لإعادة اليد ويده في الزيادة يد المالك إذ هو كالمودع فيها فلهذا يكون على المالك وهذا بخلاف أجرة البيت الذي ذكرناه فإن كلها تجب على المرتهن وإن كان في قيمة الرهن فضل لأن وجوب ذلك بسبب الحبس وحق الحبس في الكل ثابت له فأما الجعل إنما يلزمه لأجل الضمان فيتقدر بقدر المضمون
قال ومداواة الجراحة ومعالجة القروح ومعالجة الأمراض والفداء من الجناية تنقسم على المضمون والأمانة والخراج على الراهن خاصة لأنه من مؤن الملك قال والعشر فيما يخرج مقدم على حق المرتهن لتعلقه بالعين ولا يبطل الرهن في الباقي لأن وجوبه لا ينافي ملكه بخلاف الاستحقاق قال وما أداه أحدهما مما وجب على صاحبه فهو متطوع وما أنفق أحدهما مما يجب على الآخر بأمر القاضي رجع عليه كأن صاحبه أمره به لأن ولاية القاضي عامة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يرجع إذا كان صاحبه حاضرا وإن كان بأمر القاضي وقال أبو يوسف رحمه الله إنه يرجع في الوجهين وهي فرع مسألة الحجر والله أعلم 2 باب ما يجوز ارتهانه والارتهان به وما لا يجوز 2 قال ولا يجوز رهن المشاع وقال الشافعي رحمه الله يجوز ولنا فيه وجهان أحدهما يبتنى على حكم الرهن فإنه عندنا ثبوت يد الاستيفاء وهذا لا يتصور فيما يتناوله العقد وهو المشاع وعنده المشاع يقبل ما هوالحكم عنده وهو تعينه للبيع والثاني أن موجب الرهن هو الحبس الدائم لأنه لم يشرع إلا مقبوضا بالنص أو بالنظر إلى المقصود منه وهو الاستيثاق من الوجه الذي بيناه وكل ذلك يتعلق بالدوام ولا يفضي إليه إلا استحقاق الحبس ولو جوزناه في المشاع يفوت الدوام لأنه لا بد من المهايآة فيصير كما إذا قال رهنتك يوما ويوما لا ولهذا لا يجوز فيما يحتمل القسمة ومالا يحتملها بخلاف الهبة حيث تجوز فيما لا يحتمل القسمة لأن المانع في الهبة غرامة القسمة وهو فيما يقسم أما حكم الهبة الملك والمشاع يقبله وههنا الحكم ثبوت يد الاستيفاء والمشاع لا يقبله وإن كان لا يحتمل القسمة ولا يجوز من شريكه لأنه لا يقبل حكمه على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني يسكن يوما بحكم الملك ويوما بحكم الرهن فيصير كأنه رهن يوما ويوما لا والشيوع الطارىء يمنع بقاء الرهن في رواية الأصل وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يمنع لأن حكم البقاء أسهل من حكم الابتداء فأشبه الهبة وجه الأول أن الامتناع لعدم المحلية وما يرجع إليه فالابتداء والبقاء سواء كالمحرمية في باب النكاح بخلاف الهبة لأن المشاع يقبل حكمها وهو الملك واعتبار القبض في الابتداء لنفي الغرامة على ما بيناه ولا حاجة إلى اعتباره في حالة البقاء ولهذا يصح الرجوع في بعض الهبة ولا يجوز فسخ العقد في بعض الرهن قال ولا رهن ثمرة على رؤوس النخيل دون النخيل ولا زرع الأرض دون الأرض ولا رهن النخيل في الأرض دونها لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلقة فكان في معنى الشائع قال وكذا إذا رهن الأرض دون النخيل أو دون الزرع أو النخيل دون الثمر لأن الاتصال يقوم بالطرفين فصار الأصل أن المرهون إذا كان متصلا بما ليس بمرهون لم يجز لأنه لا يمكن قبض المرهون وحده وعن أبي حنيفة رحمه الله أن رهن الأرض بدون الشجر جائز لأن الشجر اسم للنابت فيكون استثناء الأشجار بمواضعها بخلاف ما إذا رهن الدار دون البناء لأن البناء اسم للمبنى فيصير راهنا جميع الأرض وهي مشغولة بملك الراهن قال ولو رهن النخيل بموضعها جاز لأن هذه مجاورة وهي لا تمنع الصحة قال ولو كان فيه ثمر يدخل في الرهن لأنه تابع لاتصاله به فيدخل تبعا تصحيحا للعقد بخلاف البيع لأن بيع النخيل بدون الثمر جائز ولا ضرورة إلى إدخاله من غير ذكره وبخلاف المتاع في الدار حيث لا يدخل في رهن الدار من غير ذكر لأنه ليس بتابع بوجه ما وكذا يدخل الزرع والرطبة في رهن الأرض ولا يدخل في البيع لما ذكرنا في الثمرة قال ويدخل البناء والغرس في رهن الأرض والدار والقرية لما ذكرنا
قال ولو رهن الدار بما فيها جاز ولو استحق بعضه إن كان الباقي يجوز ابتداء الرهن عليه وحده بقي رهنا بحصته وإلا بطل كله لأن الرهن جعل كأنه ما ورد إلا على الباقي ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في الدار المرهونة وكذا متاعه في الوعاء المرهون ويمنع تسليم الدابة المرهونة الحمل عليها فلا يتم حتى يلقى الحمل لأنه شاغل لها بخلاف ما إذا رهن الحمل دونها حيث يكون رهنا تاما إذا دفعها إليه لأن الدابة مشغولة به فصار كما إذا رهن متاعا في دار أو في وعاء دون الدار والوعاء بخلاف ما إذا رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها ودفع الدابة مع السرج واللجام حيث لا يكون رهنا حتى ينزعه منها ثم يسلمه إليه لأنه من توابع الدابة بمنزلة الثمرة للنخيل حتى قالوا يدخل فيه من غير ذكر قال ولا يصح الرهن بالأمانات كالودائع والعواري والمضاربات قال ومال الشركة لأن القبض في باب الرهن قبض مضمون فلا بد من ضمان ثابت ليقع القبض مضمونا ويتحقق استيفاء الدين منه قال وكذلك لا يصح بالأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع في يد البائع لأن الضمان ليس بواجب فإنه إذاهلك العين لم يضمن البائع شيئا لكنه يسقط الثمن وهو حق البائع فلا يصح الرهن فأما الأعيان المضمونة بعينها وهو أن يكون مضمونا بالمثل أو بالقيمة عند هلاكه مثل المغصوب وبدل الخلع والمهر وبدل الصلح عن دم العمد فيصح الرهن بها لأن الضمان متقرر فإنه إن كان قائما وجب تسليمه وإن كان هالكا تجب قيمته فكان رهنا بما هو مضمون فيصح قال والرهن بالدرك باطل والكفالة بالدرك جائزة والفرق أن الرهن للاستيفاء ولا استيفاء قبل الوجوب وإضافة التمليك إلى زمان في المستقبل لا تجوز أما الكفالة فلالتزام المطالبة والتزام الأفعال يصح مضافا إلى المآل كما في الصوم والصلاة ولهذا تصح الكفالة بما ذاب له على فلان ولا يصح الرهن فلو قبضه قبل الوجوب فهلك عنده يهلك أمانة لأنه لا عقد حيث وقع باطلا بخلاف الرهن بالدين الموعود وهو أن يقول رهنتك هذا لتقرضني ألف درهم وهلك في يد المرتهن حيث يهلك بما سمى من المال بمقابلته لأن الموعود جعل كالموجود باعتبار الحاجة ولأنه مقبوض بجهة الرهن الذي يصح على اعتبار وجوده فيعطى له حكمه كالمقبوض على سوم الشراء فيضمنه قال ويصح الرهن برأس مال السلم وبثمن الصرف والمسلم فيه وقال زفر رحمه الله لا يجوز لأن حكمه الاستيفاء وهذا استبدال لعدم المجانسة وباب الاستبدال فيها مسدود ولنا أن المجانسة ثابتة في المالية فيتحقق الاستيفاء من حيث المال وهو المضمون على مامر قال والرهن بالمبيع باطل لما بينا أنه غير مضمون نفسه قال فإن هلك ذهب بغير شيء لأنه لا اعتبار فبقي قبضا بإذنه قال وإن هلك الرهن بثمن الصرف ورأس مال السلم في مجلس العقد ثم الصرف والسلم وصار المرتهن مستوفيا لدينه حكما لتحقق القبض حكما قال وإن افترقا قبل هلاك الرهن بطلا لفوات القبض حقيقة وحكما قال وإن هلك الرهن بالمسلم فيه بطل السلم بهلاكه ومعناه أنه يصير مستوفيا للمسلم فيه فلم يبق السلم قال ولو تفاسخا السلم وبالمسلم فيه رهن يكون ذلك رهنا برأس المال حتى يحبسه لأنه بدله فصار كالمغصوب إذا هلك وبه رهن يكون رهنا بقيمته قال ولو هلك الرهن بعد التفاسخ يهلك بالطعام المسلم فيه لآنه رهنه به وإن كان محبوسا بغيره كمن باع عبدا وسلم المبيع وأخذ بالثمن رهنا ثم تقايلا البيع له أن يحبسه لأخذ المبيع لأن الثمن بدله ولو هلك المرهون يهلم بالثمن لما بينا وكذا لو اشترى عبدا شراء فاسدا وأدى ثمنه له أن يحبسه ليستوفي الثمن ثم لو هلك المشترى في يد المشتري يهلك بقيمته فكذا هذا
قال ولا يجوز رهن الحر والمدبر والمكاتب وأم الولد لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء ولا يتحقق الاستيفاء من هؤلاء لعدم المالية في الحر وقيام المانع في الباقين ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس وكذا بالقصاص في النفس وما دونها لتعذر الاستيفاء بخلاف ما إذا كانت الجناية خطأ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن قال ولا يجوز الرهن بالشفعة لأن المبيع غير مضمون على المشتري قال ولا بالعبد الجاني والعبد المأذون المديون لأنه غير مضمون على المولى فإنه لو هلك لا يجب عليه شيء قال ولا بأجرة النائحة والمغنية حتى لو ضاع لم يكن مضمونا لأنه لا يقابله شيء مضمون قال ولا يجوز للمسلم أن يرهن خمرا أويرتهنه من مسلم أو ذمي لتعذر الإيفاء والاستيفاء في حق المسلم ثم الراهن إذا كان ذميا فالخمر مضمون عليه للذمي كما إذا غصبه وإن كان المرتهن ذميا لم يضمنها للمسلم كما لا يضمنها بالغصب منه بخلاف ما إذا جرى ذلك فيما بينهم لأنها مال في حقهم أما الميتة فليست بمال عندهم فلا يجوز رهنا وارتهانها فيما بينهم كما لا يجوز فيما بين المسلمين بحال ولو اشترى عبدا ورهن بثمنه عبدا أو خلا أوشاة مذبوحة ثم ظهر العبد حرا أو الخل خمرا أو الشاة ميتة فالرهن مضمون لأنه رهنه بدين واجب ظاهرا وكذا إذا قتل عبدا ورهن بقيمته رهنا ثم ظهر أنه حر وهذا كله على ظاهر الرواية وكذا إذا صالح على إنكار ورهن بما صالح عليه رهنا ثم تصادقا أن لا دين فالرهن مضمون وعن أبي يوسف رحمه الله خلافه وكذا قياسه فيما تقدم من جنسه قال ويجوز للأب أن يرهن بدين عليه عبدا لابنه الصغير لأنه يملك الإيداع وهذا أنظر في حق الصبي منه لأن قيام المرتهن بحفظه أبلغ خيفة الغرامة ولو هلك يهلك مضمونا والوديعة تهلك أمانة والوصي بمنزلة الأب في هذا الباب لما بينا وعن أبي يوسف وزفر رحمهما الله أنه لا يجوز ذلك منهما وهو القياس اعتبارا بحقيقة الإيفاء ووجه الفرق على الظاهر وهو الاستحسان أن في حقيقة الإيفاء إزالة ملك الصغير من غير عوض يقابله في الحال وفي هذا نصب حافظ لماله ناجزا مع بقاء ملكه فوضح الفرق وإذا جاز الرهن يصير المرتهن مستوفيا دينه لو هلك في يده ويصير الأب أو الوصي موفيا له ويضمنه للصبي لأنه قضى دينه بماله وكذا لو سلطا المرتهن على بيعه لأنه توكيل بالبيع وهما يملكانه قالوا أصل هذه المسألة البيع فإن الأب أو الوصي إذا باع مال الصبي من غريم نفسه جاز وتقع المقاصة ويضمنه للصبي عندهما وعند أبي يوسف رحمه الله لا تقع المقاصة وكذا وكيل البائع بالبيع والرهن نظير البيع نظرا إلى عاقبته من حيث وجوب الضمان
وإذا رهن الأب متاع الصغيرمن نفسه أو من ابن له صغير أو عبد له تاجر لا دين عليه جاز لأن الأب لوفور شفقته أنزل منزلة شخصين وأقيمت عبارته مقام عبارتين في هذا العقد كما في بيعه مال الصغير من نفسه فتولى طرفي العقد ولو ارتهنه الوصي من نفسه أو من هذين أو رهن عينا له من اليتيم بحق لليتيم عليه لم يجز لأنه وكيل محض والواحدلا يتولى طرفي العقد في الرهن كما لا يتولاهما في البيع وهو قاصر الشفقة فلا يعدل عن الحقيقة في حقه إلحاقا له بالأب والرهن من ابنه الصغير وعبده التاجر الذي ليس عليه دين بمنزلة الرهن من نفسه بخلاف ابنه الكبير وأبيه وعبده الذي عليه دين لأنه لا ولاية له عليهم بخلاف الوكيل بالبيع إذا باع من هؤلاء لأنه متهم فيه ولا تهمة في الرهن لأن له حكما واحد وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه فرهن به متاعا لليتيم جاز لأن الاستدانة جائزة للحاجة والرهن يقع إيفاء للحق فيجوز وكذلك لو اتجر لليتيم فارتهن أو رهن لأن الأولى له التجارة تثميرا لمال اليتيم فلا يجد بدا من الارتهان والرهن لأنه إيفاء واستيفاء وإذا رهن الأب متاع الصغير فأدرك الابن ومات الأب ليس للابن أن يرده حتى يقضي الدين لوقوعه لازما من جانبه إذ تصرف الأب بمنزلة تصرفه بنفسه بعد البلوغ لقيامه مقامه ولو كان الأب رهنه لنفسه فقضاه الابن رجع به في مال الأب لأنه مضطر فيه لحاجته إلى إحياء ملكه فأشبه معير الرهن وكذا إذا هلك قبل أن يفتكه لأن الأب يصير قاضيا دينه بماله فله أن يرجع عليه ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير جاز لاشتماله على أمرين جائزين فإن هلك ضمن الأب حصته من ذلك للولد لأيفائه دينه من ماله بهذا المقدار وكذلك الوصي وكذلك الجد أب الأب إذا لم يكن الأب أو وصي الأب ولو رهن الوصي متاعا لليتيم في دين استدانه عليه وقبض المرتهن ثم استعاره الوصي لحاجة اليتيم فضاع في يد الوصي فإنه خرج من الرهن وهلك من مال اليتيم لأن فعل الوصي كفعله بنفسه بعد البلوغ لأنه استعاره لحاجة الصبي والحكم فيه هذا على ما نبينه إن شاء الله تعالى والمال دين على الوصي معناه هو المطالب به ثم يرجع بذلك على الصبي لأنه غير متعد في هذه الاستعارة إذ هي لحاجة الصبي ولو استعاره لحاجة نفسه ضمنه للصبي أنه متعد إذ ليس له ولاية الاستعمال في حاجة نفسه ولو غصبه الوصي بعد ما رهنه فاستعمله لحاجة نفسه حتى هلك عنده فالوصي ضامن لقيمته لأنه متعد في حق المرتهن بالغصب والاستعمال وفي حق الصبي بالاستعمال في حاجة نفسه فيقضى به الدين إن كان قد حل فإن كانت قيمته مثل الدين أداه إلى المرتهن ولا يرجع على اليتيم لأنه وجب لليتيم عليه مثل ما وجب له على اليتيم فالتقيا قصاصا وإن كانت قيمته أقل من الدين أدى قدر القيمة إلى المرتهن وأدى الزيادة من مال اليتيم لأن المضمون عليه قدر القيمة لا غير وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين أدى قدر الدين من القيمة إلى المرتهن والفضل لليتيم وإن كان لم يحل الدين فالقيمة رهن لأنه ضامن للمرتهن بتفويت حقه المحترم فتكون رهنا عنده ثم إذا حل الأجل كان الجواب على التفصيل الذي فصلناه ولو أنه غصبه واستعمله لحاجة الصغير حتى هلك في يده يضمنه لحق المرتهن ولا يضمنه لحق الصغير لأن استعماله لحاجة الصغير ليس بتعد وكذا الأخذ لأن له ولاية أخذ مال اليتيم ولهذا قال في كتاب الإقرار إذا أقر الأب أو الوصي بغصب مال الصغير لا يلزمه شيء لأنه لا يتصور غصبه لما أن له ولاية الأخذ فإذا هلك في يده يضمنه للمرتهن يأحذه بدينه إن كان قد حل ويرجع الوصي على الصغير لأنه ليس بمتعد بل هو عامل له وإن كان لم يحل يكون رهنا عند المرتهن ثم إذا حل الدين يأخذ دينه منه ويرجع الوصي على الصبي بذلك لما ذكرنا