Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال وإذا اصطدم فارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر وقال زفر والشافعي رحمهما الله يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر لما روى ذلك عن علي رضي الله عنه ولأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه لأنه بصدمته آلم نفسه وصاحبه فيهدر نصفه ويعتبر نصفه كما إذا كان الاصطدام عمدا أو جرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه جراحة أو حفرا على قارعة الطريق بئرا فانهار عليهما يجب على كل واحد منهما النصف فكذا هذا ولنا أن الموت يضاف إلى فعل صاحبه لآن فعله في نفسه مباح وهو المشي في الطريق فلا يصلح مستندا للإضافة في حق الضمان كالماشي إذا لم يعلم بالبئر ووقع فيها لايهدر شيء من دمه وفعل صاحبه وإن كان مباحا لكن الفعل المباح في غيره سبب للضمان كالنائم إذا انقلب على غيره وروي عن علي رضي الله عنه أنه أوجب على كل واحد منهما كل الدية فتعارضت روايتاه فرجحتا بما ذكرنا وفيما ذكر من المسائل الفعلان محظوران فوضح الفرق هذا الذي ذكرنا إذا كانا حرين في العمد والخطأ ولو كانا عبدين يهدر الدم في الخطألأن الجناية تعلقت برقبته دفعا وفداء وقد فاتت لا إلى خلف من غير فعل المولى فهدر ضرورة وكذا في العمد لأن كل واحد منهما هلك بعد ما جنى ولم يخلف بدلا ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا ففي الخطأ تجب على عاقلة الحر المقتول فيمة العبد فيأخذها ورثة المقتول الحر ويبطل حق الحر المقتول في الدية فيما زاد على القيمة لأن أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تجب القيمة على العاقلة لأنه ضمان الآدمي فقد أخلف بدلا بهذا القدر فيأخذه ورثة الحر المقتول ويبطل ما زاد عليه لعدم الخلف وفي العمد يجب على عاقلة الحر نصف قيمة العبد لأن المضمون هو النصف في العمد وهذا القدر يأخذه ولي المقتول وماعلى العبد في رقبته وهو نصف دية الحر يسقط بموته إلا قدر ما أخلف من البدل وهو نصف القيمة قال ومن ساق دابة فوقع السرج على رجل فقتله ضمن وكذا على هذا سائر أدواته كاللجام ونحوه وكذا ما يحمل عليها لأنه متعد في هذا التسبيب لآن الوقوع بتقصير منه وهو ترك الشد أو الإحكام فيه بخلاف الرداء لأنه لا يشد في العادة ولأنه قاصد لحفظ هذه الأشياء كما في المحمول على عاتقه دون اللباس على ما مر من قبل فيقيد بشرط السلامة قال ومن قاد قطارا فهو ضامن لما أوطأ فإن وطىء بعير إنسانا ضمن به القائد والدية على العاقلة لأن القائد عليه حفظ القطار كالسائق وقد أمكنه ذلك وقد صار متعديا بالتقصير فيه والتسبيب بوصف التعدي سبب للضمان إلا أن ضمان النفس على العاقلة فيه وضمان المال في ماله وإن كان معه سائق فالضمان عليهما لأن قائد الواحد قائد الكل وكذا سائقه لاتصال الأزمة وهذا إذا كان السائق في جانب من الإبل أما إذا كان توسطها وأخذ بزمام واحد يضمن ما عطب بما هو خلفه ويضمنان ما تلف بما بين يديه لأن القائد لا يقود ما خلف السائق لانفصام الزمان والسائق يسوقه ما يكون قدامه قال وإن ربط رجل بعيرا إلى القطار والقائد لا يعلم فوطىء المربوط إنسانا فقتله فعلى عاقلة القائد الدية لأنه يمكنه صيانة القطار عن ربط غيره فإذا ترك الصيانة صار متعديا وفي التسبيب الدية على العاقلة كما في القتل الخطأ ثم يرجعون بها على عاقلة الرابط لأنه هو الذي أوقعهم في هذه العهدة وإنما لا يجب الضمان عليهما في الابتداء وكل منهما سبب لأن الربط من القود بمنزلة التسبيب من المباشرة لاتصال التلف بالقود دون الربط قالوا هذا إذا ربط والقطار يسير لأنه أمر بالقود دلالة فإذا لم يعلم به لا يمكنه التحفظ من ذلك فيكون قرار الضمان على الرابط أما إذا ربط والإبل قيام ثم قادها ضمنها القائد لأ ه قاد بعير غيره بغير إذنه لا صريحا ولا دلالة فلا يرجع بما لحقه عليه
قال ومن أرسل بهيمة وكان لها سائقا فأصابت في فورها يضمنه لأن الفعل انتقل إليه بواسطة السوق قال ولو أرسل طيرا أو ساقه فاصاب في فوره لم يضمن والفرق أن بدن البهيمة يحتمل السوق فاعتبر سوقه والطير لا يحتمل السوق فصار وجود السوق وعدمه بمنزلة وكذا لو أرسل كلبا ولم يكن له سائقا لم يضمن ولو أرسله إلى صيد ولم يكن له سائقا فأخذ الصيد وقتله حل ووجه الفرق أن البهيمة مختارة في فعلها ولا تصلخ نائبة عن المرسل فلا يضاف فعلها إلى غيرها هذا هو الحقيقة إلا أن الحاجة مست في الاصطياد فأضيف إلى المرسل لأن الاصطياد مشروع ولا طريق له سواه ولا حاجة في حق ضمان العدوان وروى عن أبي يوسف رحمه الله أنه أوجب الضمان في هذا كله احتياطا صيانة لأموال الناس قال رضي الله عنه وذكر في المبسوط إذا أرسل دابة في طريق المسلمين فأصابت في فورها فالمرسل ضامن لأن سيرها مضاف إليه ما دامت تسير على سننها ولو انعطفت يمنة أو يسرة انقطع حكم الإرسال إلاإذا لم يكن له طريق آخر سواه وكذا إذا وقفت ثم سارت بخلاف ما إذا وقفت بعد الإرسال في الاصطياد ثم سارت فأخذت الصيد لأن تلك الوقفة تحقق مقصود المرسل لأنه لتمكنه من الصيد وهذه تنافي مقصود المرسل وهو السير فينقطع حكم الإرسال وبخلاف ما إذا أرسله إلى صيد فأصاب نفسا أو مالا في فوره لا يضمنه من أرسله وفي الإرسال في الطريق يضمنه لأ شغل الطريق تعد فيضمن ما تولد منه أما الإرسال للاصطياد فمباح ولا تسبيب إلا بوصف التعدي قال ولو أرسل بهيمة فأفسدت زرعا على فوره ضمن المرسل وإن مالت يمينا أو شمالا وله طريق آخر لا يضمن لما مر ولو انفلتت الدابة فأصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا لا ضمان على صاحبها لقوله عليه الصلاة والسلام جرح العجماء جبار وقال محمد رحمه الله هي المنفلتة ولأن الفعل غير مضاف إليه لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال وأخواته قال شاة لقصاب فقأت عينها ففيها ما نقصها لأن المقصود منها هو اللحم فلا يعتبر إلا النقصان وفي عين بقرة الجزار وجزورة ربع القيمة وكذا في عين الحمار والبغل والفرس وقال الشافعي رحمه الله فيه النقصان أيضا اعتبارا بالشاة ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى في عين الدابة بربع القيمة وهكذا قضى عمر رضي الله عنه ولأن فيها مقاصد سوى اللحم كالحمل والركوب والزينة والجمال والعمل فمن هذا الوجه تشبه الآدمي وقد تمسك للأكل فمن هذا الوجه تشبه المأكولات فعملنا بالشبهين بشبه الآدمي في إيجاب الربع وبالشبة الآخر في نفي النصف ولأنه إنما يمكن إقامة العمل بها بأربعة أعين عيناها وعينا المستعمل فكأنها ذات أعين أربعة فيجب الربع بفوات إحداها قال ومن سار على دابة في الطريق فضربها رجل أو نخسها فنفحت رجلا أو ضربته بيدها أو نفرت فصدمته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب هو المروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ولأن الراكب والمركب مدفوعان بدفع الناخس فأضيف فعل الدابة إليه كأنه فعله بيده ولأن الناخس متعد في تسبيبه والراكب في فعله غير متعد فيترجح جانبه في التغريم للتعدي حتى لو كان واقفا دابته على الطريق يكون الضمان على الراكب والناخس نصفين لأنه متعد في الإيقاف أيضا قال وإن نفحت الناخس كان دمه هدرا لأنه بمنزلة الجاني على نفسه وإن ألقت الراكب فقتلته كان ديته على عاقلة الناخس لأنه متعد في تسبيبه وفيه الدية على العاقلة
قال ولو وثبت بنخسه على رجل أو وطئته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب لما بيناه والواقف في ملكه والذي يسير في ذلك سواء وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجب الضمان على الناخس والراكب نصفين لأن التلف حصل بثقل الراكب ووطء الدابة والثاني مضاف إلى الناخس فيجب الضمان عليهما وإن نخسها بإذن الراكب كان ذلك بمنزلة فعل الراكب لو نخسها ولا ضمان عليه في نفحتها لأنه أمره بما يملكه إذ النخس في معنى السوق فصح أمره به وانتقل إليه لمعنى الأمر قال ولو وطئت رجلا في سيرها وقد نخسها الناخس بإذن الراكب فالدية عليهما نصفين جميعا إذا كانت في فورها الذي نخسها لأن سيرها في تلك الحالة مضاف إليهما والإذن يتناول فلعله السوق ولا يتناوله من حيث إنه إتلاف فمن هذا الوجه يقتصر عليه والركوب وإن كان علة للوطء فالنخس ليس بشرط لهذه العلة بل هو شرط أو علة للسير والسير علة للوطء وبهذا لا يترجح صاحب العلة كمن جرح إنسانا فوقع في بئر حفرها غيره على قارعة الطريق ومات فالدية عليهما لما أن الحفر شرط علة أخرى دون علة لجرح كذا هذا ثم قيل يرجع الناخس على الراكب بما ضمن في الإيطاء لأنه فعله بأمره وقيل لا يرجع وهو الأصح فيما أراه لأنه لم يأمره بالإيطاء والنخس بفعل عنه وصار كما إذا أمر صبيا يستمسك على الدابة بتسييرها فوطئت إنسانا ومات حتى ضمن عاقلة الصبي فإنهم لا يرجعون على الآخر لأنه أمره بالتسيير والإيطاء ينفصل عنه وكذا إذاناوله سلاحا فقتل به آخر حتى ضمن لا يرجع على الآمر ثم الناخس إنما يضمن إذا كان الإيطاء في فور النخس حتى يكون السوق مضافاإليه وإذا لم يكن في فور ذلك فالضمان على الراكب لانقطاع أثر النخس فبقي السوق مضافا إلى الراكب على الكمال ومن قاد دابة فنخسها رجل فانفلتت من يد القائد فأصابت في فورها فهو على الناخس وكذا إذا كان لها سائق فنخسها غيره لأنه مضاف إليه والناخس إذا كان عبدا فالضمان في رقبته وإن كان صبيا ففي ماله لأنهما مؤاخذان بأفعالهما ولو نخسها شيء منصوب في الطريق فنفحت إنسانا فقتلته فالضمان على من نصب ذلك الشيء لأنه متعد بشغل الطريق فأضيف إليه كأنه نخسها بفعله والله أعلم 2 باب جناية المملوك والجناية عليه 2 قال وإذا جنى العبد جناية خطأ قيل لمولاه إما أن تدفعه بها أو تفديه وقال الشافعي رحمه الله جنايته في رقبته يباع فيها إلا أن يقضي المولى الأرش وفائدة الاختلاف في اتباع الجاني بعد العتق والمسألة مختلفة بين الصحابة رضوان الله عليهم له أن الأصل في موجب الجناية أن يجب على المتلف لأنه هو الجاني إلا أن العاقلة تتحمل عنه ولا عاقلة للعبد لأن العقل عنده بالقرابة ولا قرابة بين العبد ومولاه فتجب في ذمته كما في الدين ويتعلق برقبته يباع فيه كما في الجناية على المال ولنا أن الأصل في الجناية على الآدمي حالة الخطأ أن تتباعد عن الجاني تحرزا عن استئصاله والإجحاف به إذ هو معذور فيه حيث لم يتعمد الجناية وتجب على عاقلة الجاني إذا كان له عاقلة والمولى عاقلته لأن العبد يستنصر به والأصل في العاقلة عندنا النصرة حتى تجب على أهل الديوان بخلاف الذمي لأنهم لا يتعاقلون فيما بينهم فلا عاقلة فتجب في ذمته صيانة للدم عن الهدر وبخلاف الجناية على المال لأن العواقل لا تعقل المال إلا أنه يخير بين الدفع والفداء لأنه واحد وفي إثبات الخيرة نوع تخفيف في حقه كيلا يستأصل غير أن الواجب الأصلي هو الدفع في الصحيح ولهذا يسقط الموجب بموت العبد لفوات محل الواجب وإن كان له حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة بخلاف موت الجاني الحر لأن الواجب لا يتعلق بالحر استيفاء فصار كالعبد في صدقة الفطر
قال فإن دفعه ملكه ولي الجناية وإن فداه فداه بأرشها وكل ذلك يلزمه حالا أما الدفع فلأن التأجيل في الأعيان باطل وعند اختياره الواجب عين وأما الفداء فلأنه جعل بدلا عن العبد في الشرع وإن كان مقدرا بالمتلف ولهذا سمى فداءفيقوم مقامه ويأخذ حكمه فلهذا وجب حالا كالمبدل وأيهما اختاره وفعله لا شيء لولي الجناية غيره أما الدفع فلأن حقه متعلق به فإذا خلي بينه وبين الرقبة سقط وأما الفداء فلأنه لاحق له إلا الأرش فإذا أوفاه حقه سلم العبد له فإن لم يختر شيئا حتى مات العبد بطل حق المجني عليه لفوات محل حقه على ما بيناه وإن مات بعد ما اختار الفداء لم يبرأ لتحول الحق من رقبة العبد إلى ذمة المولى قال فإن عاد فجنى كان حكم الجناية الثانية كحكم الجناية الأولى معناه بعد الفداء لأنه لما طهر عن الجناية بالفداء جعل كأن لم تكن وهذا ابتداء جناية قال وإن جنى جنايتين قيل للمولى إما أن تدفعه إلى ولي الجنايتين يقتسمانه على قدر حقيهما وإما أن تفديه بأرش كل واحد منهما لأن تعلق الأولى برقبته لا يمنع تعلق الثانية بها كالديون المتلاحقة ألا ترى أن ملك المولى لم يمنع تعلق الجناية فحق المجني عليه الأول أوفى أن لا يمنع ومعنى قوله على قدر حقيهما على قدر أرش جنايتيهما وإن كانوا جماعة يقتسمون العبد المدفوع على قدر حصصهم وإن فداه فداه بجميع أروشهم لما ذكرنا ولو قتل واحدا وفقأ عين آخر يقتسمانه أثلاثا لأن أرش العين على النصف من أرش النفس وعلى هذا حكم الشجات وللمولى أن يفدى من بعضهم ويدفع إلى بعضهم مقدار ما تعلق به حقه من العبد لأن الحقوق مختلفة باختلاف أسبابها وهي الجنايات المختلفة بخلاف مقتول العبد إذا اكان له وليان لم يكن له أن يفدى من أحدهما ويدفع إلى الآخر لأن الحق متحد لاتحاد سببه وهي الجناية المتحدة والحق يجب للمقتول ثم للوارث خلافة عنه فلا يملك التفريق في موجبهما قال فإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها وإن أعتقه بعد العلم بالجناية وجب عليه الأرش لأن في الأول فوت حقه فيضمنه وحقه في أقلهما ولا يصير مختارا للفداء لأنه لا اختيار بدون العلم وفي الثاني صار مختارا لأن الإعتاق يمنعه من الدفع فالإقدام عليه اختيار منه للآخر وعلى هذين الوجهين البيع والهبة والتدبير والاستيلاد لأن كل ذلك مما يمنع الدفع لزوال الملك به بخلاف الإقرار على رواية الأصل لأنه لا يسقط به حق ولي الجناية فإن المقر له يخاطب بالدفع إليه وليس فيه نقل الملك لجواز أن يكون الأمر كما قاله المقر وألحقه الكرخي بالبيع وأخواته لأنه ملكه في الظاهر فيستحقه المقر له بإقراره فأشبه البيع وإطلاق الجواب في الكتاب ينتظم النفس وما دونها وكذا المعنى لا يختلف وإطلاق البيع ينتظم البيع بشرط الخيار للمشتري لأنه يزيل الملك بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ونقضه وبخلاف العرض على البيع لأن الملك ما زال ولو باعه بيعا فاسدا لم يصر مختارا حتى يسلمه لأن الزوال به بخلاف الكتابة الفاسدة لأن موجبه يثبت قبل قبض البدل فيصير بنفسه مختارا ولو باعه مولاه من المجني عليه فهو مختار بخلاف ما إذا وهبه منه لأن المستحق له أخذه بغير عوض وهو متحقق في الهبة دون البيع وإعتاق المجني عليه بأمر المولى بمنزلة إعتاق المولى فيما ذكرنا لأن فعل المأمور مضاف إليه ولو ضربه فنقصه فهو مختار إذا كان عالما بالجناية لأنه حبس جزءا منه وكذا إذا كانت بكرا فوطئها وإن لم يكن معلقا لما قلنا بخلاف التزويج لأنه عيب من حيث الحكم وبخلاف وطء الثيب على ظاهر الرواية لأنه لا ينقص من غيرإعلاق وبخلاف الاستخدام لأنه لا يختص بالملك ولهذا لا يسقط به خيار الشرط ولا يصير مختارا بالإجارة والرهن في الأظهر من الروايات وكذا بالإذن في التجارة وإن ركبه دين لأن الإذن لا يفوت الدفع ولا ينقص الرقبة إلا أن لولي الجناية أن يمتنع من قبوله لأن الدين لحقه من جهة المولى فلزم المولى قيمته
قال ومن قال لعبده إن قتلت فلانا أو رميته أو شججته فأنت حر فهو مختار للفداء إن فعل ذلك وقال زفر رحمه الله لا يصير مختارا للفداء لأن وقت تكلمه لا جناية ولا علم له بوجوده وبعد الجناية لم يوجد منه فعل يصير به مختارا ألا ترى أنه لو علق الطلاق أو العتاق بالشرط ثم حلف أن لايطلق أو لا يعتق ثم وجد الشرط وثبت العتق والطلاق لا يحنث في يمينه تلك كذا هذا ولنا أنه علق الإعتاق بالجناية والمعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز فصار كما إذا أعتقه بعد الجناية ألا ترى أن من قال لامرأته إن دخلت الدار فوالله لا أقربك يصير ابتداء الإيلاء من وقت الدخول وكذا إذا قال لها إذا مرضت فأنت طالق ثلاثا فمرض حتى طلقت ومات من ذلك المرض يصير فارا لأنه يصير مطلقا بعد وجود المرض بخلاف ما أورد لأن غرضه طلاق أو عتق يمكنه الامتناع عنه إذ اليمين للمنع فلا يدخل تحته مالا يمكنه الامتناع عنه ولأنه حرضه على مباشرة الشرط بتعليق أقوى الدواعي إليه والظاهر أنه يفعله فهذا دلالة الاختيار قال وإذا قطع العبد يد رجل عمدا فدفع إليه بقضاء أو بغير قضاء فأعتقه ثم مات من قطع اليد فالعبد صلح بالجناية وإن لم يعتقه رد على المولى وقيل للأولياء اقتلوه أو اعفوا عنه ووجه ذلك وهو أنه إذا لم يعتقه وسرى تبين أن الصلح وقع باطلا لأن الصلح كان عن المال لأن أطراف العبد لا يجري القصاص بينها وبين أطراف الحر فإذا سرى تبين أن المال غير واجب وإنما الواجب هو القود فكان الصلح واقعا بغير بدل فبطل والباطل لا يورث الشبهة كما إذا وطىء المطلقة الثلاث في عدتها مع العلم بحرمتها عليه فوجب القصاص بخلاف ما إذا أعتقه لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده تصحيح للصلح لأن الظاهر أن من أقدم على تصرف يقصد تصحيحه ولا صحة له إلا أن يجعل صلحا عن الجناية وما يحدث منها ولهذا لو نص عليه ورضي المولى به يصح وقدرضي المولى به لأنه لما رضي يكون العبد عوضا عن القليل يكون أرضى بكونه عوضا عن الكثير فإذا أعتق يصح الصلح في ضمن الإعتاق ابتداء وإذا لم يعتق لم يوجد الصلح ابتداء والصلح الأول وقع باطلا فيرد العبد إلى المولى والأولياء على خيرتهم في العفو والقتل وذكر في بعض النسخ رجل قطع يد رجل عمدا فصالح القاطع المقطوعة يده على عبد ودفعه إليه فأعتقه المقطوعة يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية إلى آخر ما ذكرنا من الرواية وهذا الوضع يرد إشكالا فيما إذا عفا عن اليد ثم سرى إلى النفس ومات حيث لا يجب القصاص هنالك وههنا قال يجب قيل ما ذكر ههنا جواب القياس فيكون الوضعان جميعا على القياس والاستحسان وقيل بيهما فرق ووجهه أن العفو عن اليد صح ظاهرا لأن الحق كان له في اليد من حيث الظاهر فيصح العفو ظاهرا فبعد ذلك وإن بطل حكما يبقى موجودا حقيقة فكفى ذلك لمنع وجوب القصاص أما ههنا الصلح لا يبطل الجناية بل يقررها حيث صالح عنها على مال فإذا لم يبطل الجناية لم تمتنع العقوبة هذا إذا بم يعتقه أما إذا أعتقه فالتخريج ما ذكرناه من قبل قال وإذا جنى العبد المأذون له جناية وعليه ألف درهم فأعتقه المولى ولم يعلم بالجناية فعليه قيمة لصاحب الدين وقيمة لأولياء الجناية لآنه أتلف حقين كل واحد منهما مضمون بكل القيمة على الانفراد الدفع للأولياء والبيع للغرماء فكذا عند الاجتماع ويمكن الجمع بين الحقين إيفاء من الرقبة الواحدة بأن يدفع إلى ولي الجناية ثم يباع للغرماء فيضمنهما بالإتلاف بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي حيث تجب قيمة واحدة للمولى ويدفعها المولى إلى الغرماءلأن الأجنبي إنما يضمن للمولى بحكم الملك فلا يظهر في مقابلته الحق لأنه دونه وههنا يجب لكل واحد منهما بإتلاف الحق فلا ترجيح فيظهران فيضمنهما
قال وإذا استدانت الأمة المأذون لها أكثر من قيمتها ثم ولدت فإنه يباع الولد معها في الدين وإن جنت جناية لم يدفع الولد معها والفرق أن الدين وصف حكمي فيها واجب في ذمتها متعلق برقبتها استيفاء فيسري إلى الولد كولد المرهونة بخلاف الجناية لأن وجوب الدفع في ذمة المولى لا في ذمتها وإنما يلاقيها أثر الفعل الحقيقي وهو الدفع والسراية في الأوصاف الشرعية دون الأوصاف الحقيقية قال وإذا كان العبد لرجل زعم رجل آخر أن مولاه أعتقه فقتل العبد وليا لذلك الرجل الزاعم خطأ فلا شيء له لأنه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد ادعى الدية على العاقلة وأبرأ العبد والمولى إلاأنه لا يصدق على العاقلة من غير حجة قال وإذا أعتق العبد فقال لرجل قتلت أخاك خطأ وأنا عبد وقال الآخر قتلته وأنت حر فالقول قول العبد لأنه منكر للضمان لما أنه أسنده إلى حالة معهودة منافية للضمان إذ الكلام فيما إذا عرف رقه والوجوب في جناية العبد على المولى دفعا أو فداء وصار كما إذا قال البالغ العاقل طلقت امرأتي وأنا صبي أو بعت داري وأنا صبي أو قال طلقت امرأتي وأنا مجنون أو بعت داري وأنا مجنون وقد كان جنونه معروفا كان القول قوله لما ذكرنا قال ومن أعتق جارية ثم قال لها قطعت يدك وأنت أمتي وقالت قعطتها وأنا حرة فالقول قولها وكذلك كل ما أخذه منها إلا الجماع والغلة استحسانا وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد لا يضمن الأشياء قائما بعينه يؤمر برده عليها لأنه منكر وجوب الضمان لإسناده الفعل إلى حالة معهودة منافية له كما في المسألة الآولى وكما في الوطء والغلة وفي الشيء القائم أقر بيدها حيث اعترف بالأخذ منها ثم ادعى التملك علنا وهي منكرة والقول قول المنكر فلهذا يؤمر بالرد إليها ولهما أنه أقر بسبب الضمان ثم ادعى ما يبرئه فلا يكون القول قوله كما إذا قال لغيره فقأت عينك اليمنى وعيني اليمنى صحيحة ثم فقئت وقال المقر له لا بل فقأتها وعينك اليمنى مفقوءة فإ القول قول المقر له وهذا لأنه ما أسنده إلى حالة منافية للضمان لأنه يضمن يدها لو قطعها وهي مديونة وكذا يضمن مال الحربي إذا أخذه وهو مستأمن بخلاف الوطء والغلة لأن وطء المولى أمته المديونة لا يوجب العقر وكذا أخذه من غلتها وإن كانت مديونة لا يوجب الضمان عليه فحصل الإسناد إلى حالة معهودة منافية للضمان قال وإذا أمر العبد المحجور عليه صبيا حرا بقتل رجل فقتله فعلى عاقلة الصبي الدية لأنه هو القاتل حقيقة وعمده وخطؤه سواء على ما بينا من قبل ولا شيء على الآمر وكذا إذا كان الآمر صبيا لأنهما لا يؤاخذان بأقوالهما لأن المؤاخذة فيها باعتبار الشرع وما اعتبر قولهما ولا رجوع لعاقلة الصبي على الصبي الآمر أبدا ويرجعون على العبد الآمر بعد الإعتاق لأن عدم الاعتبار لحق المولى وقد زال لا لنقصان أهلية العبد بخلاف الصبي لأنه قاصر الأهلية قال وكذلك إن أمرعبدا معناه أن يكون الآمر عبدا والمأمور عبدا محجورا عليهما يخاطب مولى القاتل بالدفع أو للفداء ولا رجوع له على الأول في الحال ويجب أن يرجع به العتق بأقل من الفداء وقيمة العبد لآنه غير مضطر في دفع الزيادة وهذا إذا كان القتل خطأ وكذا إذا كان عمدا والعبد القاتل صغيرا لأن عمده خطأ أما إذا كان كبيرا يجب القصاص لجريانه بين الحر والعبد قال وإذا قتل العبد رجلين عمدا ولكل واحد منهما وليان فعفا أحد ولي كل واحد منهما فإن المولى يدفع نصفه إلى الآخرين أو يفديه بعشرة آلاف درهم لأنه لما عفا أحد ولي كل واحد منهما سقط القصاص وانقلب مالا فصار كما لو وجب المال من الابتداء وهذا لأن حقهم في الرقبة أو في عشرين ألفا وقد سقط نصيب العافيين وهو النصف وبقي النصف
فإن كان قتل أحدهما عمدا والآخر خطأ فعفا أحد وليي العمدفإن فداه المولى فداه بخمسة عشر ألفا خمسة آلاف الذي لم يعف من ولي العمد وعشرة آلاف لوليي لخطأ لأنه لما انقلب العمد مالا كان حق ولي الخطأفي كل الدية عشرة آلاف وحق أحد ولي العمد في نصفها خمسة آلاف ولا تضايق في الفداء فيجب خمسة عشر ألفا وإن دفعه دفعه إليهم أثلاثا ثلثاه لولي الخطأ وثلثه لغير العافي من ولي العمد عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يدفعه أرباعا ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لولي العمد فالقسمة عندهما بطريق المنازعة فيسلم النصف لولي الخطأ بلا منازعة وساتوت منازعة الفريقين في النصف الآخر فينتصف فلهذا يقسم أرباعا وعنده يقسم بطريق العول والمضاربة أثلاثا لأن الحق تعلق بالرقبة أصله التركة المستغرقة بالديون فيضرب هذا بالكل وذلك بالنصف ولهذه المسألة نظائر وأضداد ذكرناها في الزيادات قال وإذا كان عبد بين رجلين فقتل مولى لهما أي قريبا لهما فعفا أحدهما بطل الجميع عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يدفع الذي عفا نصف نصيبه إلى الآخر أو يفديه بربع الدية وذكر في بعض النسخ قتل وليا لهما والمراد القريب أيضا وذكر في في بعض النسخ قول محمد رحمه الله مع أبي حنيفة رحمه الله وذكر في الزيادات عبد قتل مولاه وله ابنان فعفا أحد الابنين بطل ذلك كله عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله الجواب فيه كالجواب في مسألة الكتاب ولم يذكر اختلاف الرواية لأبي يوسف رحمه الله أن حق القصاص ثبت في العبد على سبيل الشيوع لأن ملك المولى لا يمنع استحقاق القصاص له فإذا عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر وهو النصف مالا غير أنه شائع في الكل فيكون نصفه في نصيبه والنصف في نصيب صاحبه فما يكون في نصيبه سقط ضرورة أن المولى لا يستوجب على عبده مالا وما كان في نصيب صاحبه بقي ونصف النصف هو الربع فلهذا يقال ادفع نصف نصيبك أو افتده بربع الدية ولهما أن ما يجب من المال يكون حق المقتول لأنه بدل دمه ولهذا نقضي منه ديونه وتنفذ به وصاياه ثم الورثة يخلفونه فيه عند الفراغ من حاجته والمولى لا يستوجب على عبده دينا فلا تخلفه الورثة فيه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل ومن قتل عبدا خطأ فعليه قيمته لا تزاد على عشرة آلاف درهم فإن كانت قيمته عشرة آلاف درهم أو أكثر قضي له بعشرة آلاف إلا عشرة وفي الأمة إذا زادت قيمتها على الدية خمسة آلاف إلا عشرة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله تجب قيمته بالغة ما بلغت ولو غصب عبدا قيمته عشرون ألفا فهلك في يده تجب قيمته بالغة ما بلغت بالإجماع لهما أن الضمان بدل المالية ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك العبد إلا من حيث المالية ولو قتل العبد المبيع قبل القبض يبقى العقد وبقاؤه ببقاء المالية أصلا أو بدلا وصاركقليل القيمة وكالغصب ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله قوله تعالى ودية مسلمة إلى أهله أوجبها مطلقا وهي اسم للواجب بمقابلة الآدمية ولأن فيه معنى الآدمة حتى كان مكلفا وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما وضمان الغصب بمقابلة المالية إذ الغصب لا يرد إلا على المال وبقاء العقد يتبع الفائدة حتى يبقى بعد قتله عمدا وإن لم يكن القصاص بدلا عن المالية فكذلك أمر الدية وفي قليل القيمة الواجب بمقابلة الآدمية إلا أنه لا سمع فيه فقدرناه بقيمته رأيا بخلاف كثير القيمة لأن قيمة الحر مقدرة بعشرة آلاف درهم ونقصنا منها في العبد إظهارا لانحطاط رتبته وتعيين العشرة بأثر عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
قال وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة لأن اليد من الآدمي نصفه فتعتبر بكله وينقص هذا المقدار إظهارا لانحطاط رتبته وكل ما يقدر من دية الحر فهو مقدر من قيمة العبد لأن القيمة في العبد كالدية في الحر إذ هو بدل الدم على ما قررنا وإن غصب أمة قيمتها عشرون ألفا فماتت في يده فعليه تمام قيمتها لما بينا أن ضمان الغصب ضمان المالية قال ومن قطع يد عبد فأعتقه المولى ثم مات من ذلك فإن كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه وإلا اقتص منه وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا قصاص في ذلك وعلى القاطع أرش اليد وما نقصه ذلك إلى أن يعتقه ويبطل الفضل وإنما لم يجب القصاص في الوجه الأول لاشتباه من له الحق لأن القصاص يجب عند الموت مستندا إلى وقت الجرح فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه وتعذر الاستيفاء فلا يجب على وجه يستوفى وفيه الكلام واجتماعهما لا يزيل الاشتباه لأن الملكين في الحالين بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر إذا قتل لأن ما لكل منهما من الحق ثابت من وقت الجرح إلى وقت الموت فإذا اجتمعا زال الاشتباه ولمحمد رحمه الله في الخلافية وهو ما إذا لم يكن للعبد ورثة سوى المولى أن سبب الولاية قد اختلف لأنه الملك على اعتبار إحدى الحالتين والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى فنزل منزلة اختلاف المستحق فيما يحتاط فيه كما إذا قال لآخر بعتني هذه الجارية بكذا فقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها ولأن الإعتاق قاطع للسراية وبانقطاعها يبقي الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص ولهما أنا تيقنا بثبوت الولاية للمولى فيستوفيه وهذا لأن المقضي له معلوم والحكم متحد فوجب القول بالإستيفاء بخلاف الفصل الأول لأن المقضي له مجهول ولا معتبر باختلاف السبب ههنا لأن الحكم لايختلف بخلاف تلك المسألة لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكما والإعتاق لا يقطع السراية لذاته بل لاشتباه من له الحق وذلك في الخطأ دون العمد لأن العبد لا يصلح مالكا للمال فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى وعلى اعتبار حالة الموت يكون للميت لحريته فيقضي منه ديونه وينفذ وصاياه فجاء الاشتباه أما العمد فموجبه القصاص والعبد مبقى على اصل الحرية فيه وعلى اعتبار أن يكون الحق له فالمولى هو الذي يتولاه إذ لا وارث له سواه فلا اشتباه فيمن له الحق وإذا امتنع القصاص في الفصلين عند محمد رحمه الله يجب أرش اليد وما نقصه من وقت الجرح إلى وقت الإعتاق كما ذكرنا لأنه حصل على ملكه ويبطل الفضل وعندهما الجواب في الفصل الأول كالجواب عندمحمد رحمه الله في الثاني قال ومن قال لعبديه أحدكما حر ثم شجا فأوقع العتق على أحدهما فأرشهما للمولى لأن العتق غير نازل في المعين والشجة تصادف المعين فبقيا مملوكين في حق الشجة ولو قتلهما رجل تجب دية حر وقيمة عبد والفرق أن البيان إنشاء من وجه وإظهار من وجه على ما عرف وبعد الشجة بقي محلا للبيان فاعتبر إنشاء في حقهما وبعد الموت لم يبق محلا للبيان فاعتبرناه إظهارا محضا وأحدهما حر بيقين فتجب قيمة عبد ودية حر بخلاف ما إذا قتل كل واحد منهما رجل حيث تجب قيمة المملوكين لأنا لم نتيقن بقتل كول واحدمنهما حرا وكل منهما ينكر ذلك ولأن القياس يأبى ثبوت العتق في المجهول لأنه لا يفيد فائدة وإنما صححناه ضرورة صحة التصرف وأثبتنا له ولاية النقل من المجهول إلى المعلوم فيتقدر بقدر الضرورة وهي في النفس دون الأطراف فبقي مملوكا في حقها
قال ومن فقأ عيني عبد فإن شاء المولى دفع عبده وأخذ قيمته وإن شاء أمسكه ولا شيء له من النقصان عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا إن شاء أمسك العبد وأخذ ما نقصه وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته وقال الشافعي رحمه الله يضمنه كل القيمة ويمسك الجثة لأنه يجعل الضمان مقابلا بالفائت فبقي الباقي على ملكه كما إذا قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه ونحن نقول إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه وإذا كانت معتبرة وقد وجد إتلاف النفس من وجه بتفويت جنس المنفعة والضمان يتقدر بقيمة الكل فوجب أن يتملك الجثة دفعا للضرر ورعاية للمماثلة بخلاف ما إذا فقأ عيني حر لأنه ليس فيه معنى المالية وبخلاف عيني المدبر لأنه لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك وفي قطع إحدى اليدين وفقء إحدى العينين لم يوجد تفويت جنس المنفعة ولهما أن معنى المالية لما كان معتبرا وجب أن يتخير المولى على الوجه الذي قلناه كما في سائر الأموال فإن من خرق ثوب غيره خرقا فاحشا إن شاء المالك دفع الثوب إليه وضمنه قيمته وإن شاء أمسك الثوب وضمنه النقصان وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه وفي الأطراف أيضا ألا ترى أن عبدا لو قطع يد عبد آخر يؤمر المولى بالدفع أو الفداء وهذا من أحكام الآدمية لأن موجب الجناية على المال أن تباع رقبته فيها ثم من أحكام الأولى أن لا ينقسم على الأجزاء ولا يتملك الجثة ومن أحكام الثانية أن ينقسم ويتملك الجثة فوفرنا على الشبهين حظهما من الحكم فصل في جناية المدبر وأم الولد قال وإذا جنى المدبر أو أم الولد جناية ضمن المولى الأقل من قيمته ومن أرشها لما روي عن أبي عبيدة رضي الله عنه أنه قضى بجناية المدبر عل مولاه ولأنه صار مانعا عن تسليمه في الجناية بالتدبير أو الاستيلاد من غير اختياره الفداء فصار كما إذا فعل ذلك بعد الجناية وهو لا يعلم وإنما يجب الأقل من قيمته ومن الأرش لأنه لا حق لولي الجناية في أكثر من الأرش ولا منع من المولى في أكثر من القيمة ولا تخيير بين الأقل والأكثر لأنه لا يفيد في جنس واحد لاختياره الأقل لا محالة بخلاف القن لأن الرغبات صادقة في الأعيان فيفيد التخيير بين الدفع والفداء وجنايات المدبر وإن توالت لا توجب إلا قيمة واحدة لأنه لا منع منه إلا في رقبة واحدة ولأن دفع القيمة كدفع العبد وذلك لا يتكرر فهذا كذلك ويتضاربون بالحصص فيها وتعتبر قيمته لكل واحد في حال الجناية عليه لآن المنع في هذا الوقت يتحقق قال فإن جنى جناية أخرى وقد دفع المولى القيمة إلى ولي الأولى بقضاء فلا شيء عليه لأنه مجبور على الدفع
قال وإن كان المولى دفع القيمة بغير قضاء فالولي بالخيار إن شاء اتبع المولى وإن شاء اتبع ولي الجناية وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا شيء على المولى لأنه حين دفع لم تكن الجناية الثانية موجودة فقد دفع كل الحق إلى مستحقه وصار كما إذا دفع بالقضاء ولأبي حنيفة رحمه الله أن المولى جان بدفع حق ولي الجناية الثانية طوعا وولي الأولى ضامن بقبض حقه ظلما فيتخير وهذا لآن الثانية مقارنة حكما من وجه ولهذا يشارك ولي الجناية الأولى ومتأخرة حكما من حيث إنه تعتبر قيمته يوم الجناية الثانية في حقها فجعلت كالمقارنة في حق التضمين لإبطاله ما تعلق به من حق ولي الثانية عملا بالشبهين وإذا أعتق المولى المدبر وقد جنى جنايات لم تلزمه إلا قيمة واحدة لأن الضمان إنما وجب عليه بالمنع فصار وجود الإعتاق من بعد وعدمه بمنزلة وأم الولد بمنزلة المدبر في جميع ما وصفنا لأن الاستيلاد مانع من الدفع كالتدبير وإذا أقر المدبر بجناية الخطأ لم يجز إقراره ولا يلزمه به شيء عتق أو لم يعتق لأن موجب جناية الخطأ على سيده وإقراره به لا ينفذ على السيد والله أعلم 2 باب غصب العبد والمدبر والصبي والجنابة في ذلك 2 قال ومن قطع يد عبده ثم غصبه رجل ومات في يده من القطع فعليه قيمته أقطع وإن كان المولى قطع يده في يد الغاصب فمات من ذلك في يد الغاصب لا شيء عليه والفرق أن الغصب قاطع للسراية لأن سبب الملك كالبيع فيصير كأنه هلك بآفة سماوية فتجب قيمته أقطع ولم يوجد القاطع في الفصل الثاني فكانت السراية مضافة إلى البداية فصار المولى متلفا فيصير مستردا كيف وأنه استولى عليه وهو استرداد فيبرأ الغاصب عن الضمان قال وإذا غصب للعبد المحجور عليه عبدا محجورا عليه فمات في يده فهو ضامن لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله قال ومن غصب مدبرا فجنى عنده جناية ثم رده على المولى فجنى عنده جناية أخرى فعلى المولى قيمته بينهما نصفان لأن المولى بالتدبير السابق أعجز نفسه عن الدفع من غير أن يصير مختارا لفداء فيصيرمبطلا حق أولياء الجناية إذ حقهم فيه ولم يمنع إلا رقبة واحدة فلا يزاد على قيمتها ويكون بين ولي الجنايتين نصفين لاستوائهما في الموجب قال ويرجع المولى بنصف قيمته على الغاصب لأنه استحق نصف البدل بسبب كان في يد الغاصب فصار كما إذا استحق نصف العبد بهذا السبب قال ويدفعه إلى ولي الجناية الأولى ثم يرجع بذلك على الغاصب وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يرجع بنصف قيمته فيسلم له لأن الذي يرجع به المولى على الغاصب عوض ما سلم لولي الجناية الأولى فلا يدفعه إليه كيلا يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد وكيلا يتكرر الاستحقاق ولهما أن حق الأول في جميع القيمة لأنه حين جنى في حقه لا يزاحمه أحد وإنما انتقص باعتبار مزاحمة الثاني فإذا وجد شيئا من بدل العبد في يد المالك فارغا يأخذه ليتم حقه فإذا أخذه منه يرجع المولى بما أخذه على الغاصب لأنه استحق من يده بسبب كان في يد الغاصب قال وإن كان جنى عند المولى فغصبه رجل فجنى عنده جناية أخرى فعلى المولى قيمته بينهما نصفان ويرجع بنصف القيمة على الغاصب لما بينا في الفصل الأول غير أن استحقاق النصف حصل بالجناية الثانية إذ كانت هي في يد الغاصب فيدفعه إلى ولي الجناية الأولى ولا يرجع به على الغاصب وهذا بالإجماع
ثم وضع المسألة في العبد فقال ومن غصب عبدا فجنى في يده ثم رده فجنى جناية أخرى فإن المولى يدفعه إلو وليي الجنايتين ثم يرجع على الغاصب بنصف القيمة فيدفعه إلى الأول ويرجع به على الغاصب وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يرجع بنصف القيمة فيسلم له وإن جنى عند المولى ثم غصبه فجنى في يده دفعه المولى نصفين ويرجع بنصف قيمته فيدفعه إلى الأول ولا يرجع به والجواب في العبد كالجواب في المدبر في جمبع ما ذكرنا إلا أن في هذا الفصل يدفع المولى العبد وفي الأول يدفع القيمة قال ومن غصب مدبرا فجنى عنده جناية ثم رده على المولى ثم غصبه ثم جنى عنده جناية فعلى المولى قيمته بينهما نصفان لأنه منع رقبة واحدة بالتدبير فيجب عليه قيمة واحدة ثم يرجع بقيمته على الغاصب لأن الجنايتين كانتا في يد الغاصب فيدفع نصفها إلى الأول لأنه استحق كل القيمة لأن عند وجود الجناية عليه لاحق لغيرة وإنما انتقص بحكم المزاحمة من بعد قال ويرجع به على الغاصب لأن الاستحقاق بسبب كان في يده ويسلم له ولا يدفعه إلى ولي الجناية الأولى ولا إلى ولي الجناية الثانية لأنه لاحق له إلا في النصف لسبق حق الأول وقد وصل ذلك إليه ثم قيل هذه المسألة على الاختلاف كالأولى وقيل على الاتفاق والفرق لمحمد رحمه الله أن في الأولى الذي يرجع به عوض ما سلم لولي الجناية الأولى لآن الجناية الثانية كانت في يد المالك فلو دفع إليه ثانيا يتكرر الاستحقاق فأما في هذه المسألة فيمكن أن يجعل عوضا عن الجناية الثانية لحصولها في يد الغاصب فلا يؤدي إلى ما ذكرناه قال ومن غصب صبيا حرا فمات في يده فجأة أو بحمى فليس عليه شيء وإن مات من صاعقة أو نهسة حية فعلى عاقلة الغاصب الدية وهذا استحسان والقياس أن لا يضمن في الوجهين وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله لأن الغصب في الحر لا يتحقق ألا يرى أنه لو كان مكاتبا صغيرا لا يضمن مع أنه حر يدا فإذا كان الصغير حرا رقبة ويدا أولى وجه الاستحسان أنه لا يضمن بالغصب ولكن يضمن بالإتلاف وهذا إتلاف تسبيبا لأنه نقله إلى أرض مسبعة أو إلى مكان الصواعق وهذا لأن الصواعق والحيات والسباع لا تكون في كل مكان فإذا نقله إليه فهو متعد فيه وقد أزال حفظ الولي فيضاف إليه لأن شرط العلة ينزل منزلة العلة إذا كان تعديا كالحفر في الطريق بخلاف الموت فجأة أو بحمى لأن ذلك لا يختلف باختلاف الأماكن حتى لو نقله إلى موضع يغلب فيه الحمى والأمراض نقول بأنه يضمن فتجب الدية على العاقلة لكونه قتلا تسبيبا
قال وإذا أودع صبي عبدا فقتله فعلى عاقلته الدية وإن أودع طعاما فأكله لم يضمن وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله يضمن في الوجهين جميعا وعلى هذا إذا أودع العبد المحجور عليه مالا فاستهلكه لا يؤاخذ بالضمان في الحال عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويؤاخذ به بعد العتق وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله يؤاخذ به في الحال وعلى هذا الخلاف الإقراض والإعارة في العبد والصبي وقال محمد رحمه الله في أصل الجامع الصغير صبي قد عقل وفي الجامع الكبير وضع المسألة في صبي ابن اثنتي عشرة سنة وهذا يدل على أن غير العاقل يضمن بالاتفاق لأن التسليط غير معتبر وفعله معتبر لهما أنه أتلف مالا متقوما معصوما حقا لمالكه فيجب عليه الضمان كما إذا كانت الوديعة عبدا وكما إذا أتلفه غير الصبي في يد الصبي المودع ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنه أتلف مالا غير معصوم فلا يجب الضمان كما إذا أتلفه بإذنه ورضاه وهذا لأن العصمة تثبت حقا له وقد فوتها على نفسه حيث وضع المال في يد مانعة فلا يبقى مستحقا للنظر إلا إذا أقام غيره مقام نفسه في الحفظ ولا إقامة ههنا لأنه لا ولاية له على الاستقلال على الصبي ولا للصبي على نفسه بخلاف البالغ والمأذون له لأن لهما ولاية على أنفسهما وبخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدا لأن عصمته لحقه إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم وبخلاف ماإذا أتلفه غير الصبي في يد الصبي لأنه سقطت العصمة بالإضافة إلى الصبي الذي وضع في يده المال دون غيره قال وإن استهلك مالا ضمن يريد به من غير إيداع لأن الصبي يؤاخذ بأفعاله وصحة القصد لا معتبر بها في حقوق العباد والله أعلم بالصواب 2 باب القسامة 2 قال وإذا وجد القتيل في محلة ولا يعلم من قتله استحلف خمسون رجلا منهم يتخيرهم الولي بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا وقال الشافعي رحمه الله إذا كان هناك لوث استحلف الأولياء خمسين يمينا ويقضى لهم بالدية على المدعي عليه عمدا كانت الدعو أو خطأ وقال مالك يقضى بالقود إذا كانت الدعوى في القتل العمد وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله واللوث عندهما أن يكون هناك علامة القتل على واحد بعينه أو ظاهر يشهد للمدعى من عداوة ظاهرة أو شهاده عدل أو جماعة غير عدول أن أهل المحلة قتلوه وإن لم يكن الظاهر شاهدا له فمذهبه مثل مذهبنا غير أنه لا يكرر اليمين بل يردها على الولي فإن حلفوا لا دية عليهم للشافعي رحمه الله في البداءة بيمين الولي قوله عليه الصلاة والسلام للأولياء فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه ولأن اليمين تجب على من يشهد له الظاهر ولهذا تجب على صاحب اليد فإذا كان الظاهر شاهدا للولي يبدأ بيمينه ورد اليمين على المدعي أصل له كما في النكول غير أن هذه دلالة فيها نوع شبهة والقصاص لا يجامعها والمال يجب معها فلهذا وجبت الدية ولنا قوله ص = البينة على المدعي واليمن على من أنكر وفي رواية على المدعى عليه وروى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام بدأ باليهود بالقسامة وجعل الدية عليهم لوجود القتيل بين أظهرهم ولأن اليمين حجة للدفع دون الاستحقاق وحاجة الولي إلى الاستحقاق ولهذا لا يستحق بيمينه المال المبتذل فأولى أن لا يستحق به النفس المحترمة وقوله يتخيرهم الولي إشارة إلى أن خيار تعيين الخمسين إلى الولي لأن اليمين حقه والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل أو يختار صالحي أهل المحلة لما أن تحرزهم عن اليمين الكاذبة أبلغ التحرز فيظهر القاتل وفائدة اليمين النكول فإن كانوا لا يباشرون ويعلمون يفيد يمين الصالح على العلم بأبلغ مما يفيد يمين الطالح ولو اختاروا أعمى أو محدودا في قذف جاز لأنه يمين وليس بشهادة
قال وإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية ولا يستحلف الولي وقال الشافعي رحمه الله لا تجب الدية لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبدالله بن سهل تبرئكم اليهود بأيمانها ولأن اليمين عهد في الشرع مبرئا للمدعي عليه لا ملزما كما في سائر الدعاوي ولنا أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الدية والقسامة في حديث بن سهل وفي حديث زياد بن أبي مريم وكذا جمع عمر رضي الله عنه بينهما على وادعة وقوله عليه الصلاة والسلام تبرئكم اليهود محمول على الإبراءعن القصاص والحبس وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة فيقروا بالقتل فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهرا لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم أو وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطأومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيما لأمر الدم ولهذا يجمع بينه وبين الدية بخلاف النكول في الأموال لأن اليمين بدل عن أصل حقه ولهذا يسقط ببذل المدعي وفيما نحن فيه لا يسقط ببدل الدية هذا الذي ذكرنا إذا ادعى الولي القتل على جميع أهل المحلة وكذا إذا ادعى على البعض لا بأعيانهم والدعوى في العمد أو الخطأ لأنهم لا يتميزون عن الباقي ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه عمدا أو خطأ فكذلك الجواب يدل عليه إطلاق الجواب في الكتاب وهكذا الجواب في المبسوط وعن أبي يوسف رحمه الله في غير رواية الأصل أن في القياس تسقط القسامة والدية عن الباقين من اهل المحلة ويقال للولي ألك بينة فإن قال لا يستحلف المدعي عليه يمينا واحدة ووجهه أن القياس يأباه لاحتمال وجود القتل من غيرهم وإنما عرف بالنص فيما إذا كان في مكان ينسب إلى المدعى عليهم والمدعى يدعي القتل عليهم وفيما وراءه بقي على أصل القياس وصار كما إذا ادعى القتل على واحد من غيرهم وفي الاستحسان تحب القسامة والدية على أهل المحلة لأنه لا فصل في إطلاق النصوص بين دعوى ودعوى فنوجبه بالنص لا بالقياس بخلاف ماإذا ادعى على واحد من غيرهم لأنه ليس فيه نص فلو أوجبناهما لأوجبناهما بالقياس وهو ممتنع ثم حكم ذلك أن يثبت ما ادعاه إذا كان له بينة وإن لم تكن استحلفه يمينا واحدة لآنه ليس بقسامة لانعدام النص وامتناع القياس ثم إن حلف بريء وإن نكل والدعوى في المال ثبت به وإن كان في القصاص فهو على اختلاف مضى في كتاب الدعوى قال وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى تتم خمسين لما روى أن عمر رضي الله عنه لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلا فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين ثم قضى بالدية وعن شريح والنخعي رضي الله عنهما مثل ذلك ولأن الخمسين واجب بالسنة فيجب إتمامها ما أمكن ولا يطلب فيه الوقوف على الفائدة لثبوتها بالسنة ثم فيه استعظام أمر الدم فإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك لأن المصير إلى التكرار ضرورة الإكمال قال ولا قسامة على صبي ولا مجنون لأنهما ليسا من أهل القول الصحيح واليمين قول صحيح قال ولا امرأة ولا عبد لأنهما ليسا من اهل النصرة واليمين على أهلها
قال وإن وجد ميتا لا أثر به فلا قسامة ولا دية لأنه ليس بقتيل إذ القتيل في العرف من فاتت حيانه بسبب يباشره حي وهذا ميت حتلف أنفه والغرامة تتبع فعل العبد والقسامة تتبع احتمال القتل ثم يجب عليهم القسم فلا بد من أن يكون به أثر يستدل به على كونه قتيلا وذلك بأن يكون به جراحة أو أثر ضرب أو خنق وكذا إذا كان خرج الدم من عينه أو أذنه لأنه لا يخرج منها إلا بفعل من جهة الحي عادة بخلاف ما إذا خرج من فيه أو دبره أو ذكره لأن الدم يخرج من هذه المخارج عادة بغير فعل أحد وقد ذكرناه في الشهيد ولو وجد بدن القتيل أو أكثر من نصف البدن أو النصف ومعه الرأس في محلة فعلى أهلها القسامة والدية وإن وجد نصفه مشقوقا بالطول أو وجد أقل من النصف ومعه الرأس أو وجد يده أو رجله أو رأسه فلا شيء عليهم لأن هذا حكم عرفناه بالنص وقد ورد به في البدن إلا أن للأكثر حكم الكل تعظيما للآدمي بخلاف الأقل لآنه ليس ببدن ولا ملحق به فلا تجري فيه القسامة ولأنا لو اعتبرناه تتكرر القسامتان والديتان بمقابلة نفس واحدة ولا تتواليان والأصل فيه أن الموجود الأول إن كان بحال لو وجد الباقي تجري فيه القسامة لا تجب فيه وإن كان بحال لو وجد الباقي لا تجري فيه القسامة تجب والمعنى ما أشرنا إليه وصلاة الجنازة في هذا تنسحب على هذا الأصل لأنها لا تتكرر ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر للضرب فلا شيء على أهل المحلة لأنه لا يفوق الكبير حالا وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا وإن كان ناقص الخلق فلا شيء عليهم لأنه ينفصل ميتا لا حيا قال وإذا وحد القتيل على دابة يسوقها رجل فالدية على عاقلته دون أهل المحلة لأنه في يده فصار كما إذا كان في داره وكذا إذا كان قائدها أو راكبها فإن اجتمعوا فعليهم لأن القتيل في أيديهم فصال كما إذا وجد في دارهم قال وإن مرت دابة بين القريتين وعليها قتيل فهو على أقربهما لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقتيل وجد بين قريتين فأمر أن يذرع وعن عمر رضي الله عنه أنه لما كتب إليه في القتيل الذي وجد بين وادعة وأرحب كتب بأن يقيس بين قريتين فوجد القتيل إلى وادعة أقرب فقضى عليهم بالقسامة قيل هذا محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ أهله الصوت لأنه إذا كان بهذه الصفة يلحقه الغوث فتمكنهم النصرة وقد قصروا قالوا وإن وجد القتيل في دار إنسان فالقسامة عليه لأن الدار في يده والدية على عاقلته لأن نصرته منهم وقوته بهم قال ولا تدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة وهو قول محمد وقال أبو يوسف رحمه الله هو عليهم جميعا لأن ولاية التدبير كما تكون بالملك تكون بالسكنى ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام جعل القسامة والدية على اليهود وإن كانوا سكانا بخيبر ولهما أن المالك هو المختص بنصرة البقعة دون السكان لأن سكنى الملاك ألزم وقرارهم أدوم فكانت ولاية التدبير إليهم فيتحقق التقصير منهم وأما أهل خيبر فالنبي عليه الصلاة والسلام أقرهم على أملاكهم فكان يأخذ منهم على وجه الخراج قال وهي على أهل الخطة دون المشترين وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله الكل مشتركون لآن الضمان إنما يجب بترك الحفظ ممن له ولاية الحفظ وبهذا الطريق يجعل جانيا مقصرا والولاية باعتبار الملك وقد استووا فيه ولهما أن صاحب الخطة هو المختص بنصرة البقعة هو المتعارف ولأنه أصيل والمشتري دخيل وولاية التدبير إلى الأصيل وقيل أبو حنيفة رحمه الله بنى ذلك على ما شاهد بالكوفة
قال وإن بقي واحد منهم فكذلك يعني من أهل الخطة لما بينا وإن لم يبق واحد منهم بأن باعوا كلهم فهو على المشترين لأن الولاية انتقلت إليهم أو خلصت لهم لزوال من يتقدمهم أو يزاحمهم وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار وعلى قومه وتدخل العاقلة في القسامة إن كانوا حضورا وإن كانوا غيبا فالقسامة على رب الدار يكرر عليه الأيمان وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا قسامة على العاقلة لأن رب الدار أخص به من غيره فلا يشاركه غيره فيها كأهل المحلة لا يشاركهم فيها عواقلهم ولهما أن الحضور لزمتهم نصرة البقعة كما تلزم صاحب الدار فيشاركونه في القسامة قال وإن وجد القتيل في دار مشتركة نصفها لرجل وعشرها لرجل ولآخرما بقي فهو على رؤوس الرجال لأن صاحب القليل يزاحم صاحب الكثير في التدبير فكانوا سواء في الحفظ والتقصير فيكون على عدد الرؤوس بمنزلة الشفعة قال ومن اشترى دارا ولم يقبضها حتى وجد فيها قتيل فهو على عاقلة البائع وإن كان في البيع خيار لأحدهما فهو على عاقلة الذي في يده وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا إن لم يكن فيه خيار فهو على عاقلة المشتري وإن كان فيه خيار فهو على عاقلة الذي تصير له لأنه إنما أنزل قاتلا باعتبار التقصير في الحفظ ولا يجب إلا على من له ولاية الحفظ والولاية تستفاد بالملك ولهذا كانت الدية على عاقلة صاحب الدار دون المودع والملك للمشتري قبل القبض في البيع البات وفي المشروط فيه الخيار يعتبر قرار الملك كما في صدقة الفطر وله أن القدرة على الحفظ باليد لا بالملك ألا يرى أنه يقتدر على الحفظ باليد دون الملك ولا يقتدر بالملك دون اليد وفي البات اليد للبائع قبل القبض وكذا فيما فيه الخيار لأحدهما قبل القبض لأنه دون البات ولو كان المبيع في يد المشتري والخيار له فهو أخص الناس به تصرفا ولو كان الخيار للبائع فهو في يده مضمون عليه بالقيمة كالمغصوب فتعتبر يده إذ بها يقدر على الحفظ قال ومن كان في يده دارفوجد فيها قتيل لم تعقله العاقلة حتى تشهد الشهود أنها للذي في يده لأنه لابد من لملك لصاحب اليد حتى تعقل العواقل عنه واليد وإن كانت دليلا على الملك لكنها محتملة فلا تكفي لإيجاب الدية على العاقلة كما لا تكفي لاستحقاق الشفعة به في الدار المشفوعة فلا بد من إقامة البينة قال وإن وجد قتيل في سفينة فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين لأنها في أيديهم واللفظ يشمل أربابها حتى تجب على الأرباب الذين فيها وعلى السكان وكذا على من يمدها والمالك في ذلك وغير المالك سواء وكذا العجلة وهذا على ما روي عن أبي يوسف رحمه الله ظاهر والفرق لهما أن السفينة تنقل وتحول فيعتبر فيها اليد دون الملك كما في الدابة بخلاف المحلة والدار لأنها لا تنقل قال وإن وجد في مسجد محلة فالقسامة على أهلها لأن التدبير فيه إليهم وإن وجد في المسجد الجامع أو الشارع الأعظم فلا قسامة فيه والدية على بيت المال لأنه للعامة لا يختص به واحد منهم وكذلك الجسور العامة ومال بيت المال مال عامة المسلمين ولو وجد في السوق إن كان مملوكا فعند أبي يوسف رحمه الله تجب على السكان وعندهما على المالك وإن لم يكن مملوكا كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال لأنه لجماعة المسلمين ولو وجد في السجن فالدية على بيت المال وعلى قول أبي يوسف رحمه الله الدية والقسامة على أهل السجن لأنهم سكان وولاية التدبير إليهم والظاهر أن القتل حصل منهم وهما يقولان إن أهل السجن مقهورون فلا يتناصرون فلا يتعلق بهم ما يجب لأجل النصرة ولأنه بنى استيفاء حقوق المسلمين فإذا كان غنمه يعود إليهم فغرمه يرجع عليهم قالوا هذه فريعة المالك والساكن وهي مختلف فيها بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله
قال وإن وجد في برية ليس بقربها عمارة فهو هدر وتفسير القرب ما ذكرناه من استماع الصوت لأنه إذا كان بهذه الحالة لا يلحقه الغوث من غيره فلا يوصف أحد بالتقصير وهذا إذا لم تكن مملوكة لأحد أما إذا كانت فالدية والقسامة على عاقلته وإن وجد بين قريتين كان على أقربهما وقد بيناه وإن وجد في وسط الفرات يمر به الماء فهو هدر لأنه ليس في يد أحد ولا في ملكه وإن كان محتبسا بالشاطىء فهو على أقرب القرى من ذلك المكان على التفسير الذي تقدم لأنه اختص بنصرة هذا الموضع فهو كالموضوع على الشط والشط في يد من هو أقرب منه ألا ترى أنهم يستقون منه الماء ويوردون بهائمهم فيها بخلاف النهر الذي يستحق به الشفعة لاختصاص أهلها به لقيام يدهم عليه فتكون القسامة والدية عليهم قال وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم وقد ذكرناه وذكرنا فيه القياس والاستحسان قال وإن ادعى على واحد من غيرهم سقطت عنهم وقد بيناه من قبل ووجه الفرق هو أن وجوب القسامة عليهم دليل على أن القاتل منهم فتعيينه واحدا منهم لا ينافي ابتداء الأمر لأنه منهم بخلاف ما إذا عين من غيرهم لأن ذلك بيان أن القاتل ليس منهم وهم إنما يغرمون إذا كان القاتل منهم لكونهم قتلة تقديرا حيث لم يأخذوا على يد الظالم ولأن أهل المحلة لا يغرمون بمجرد ظهور القتيل بين أظهرهم إلا بدعوى الولي فإذا ادعى القتل على غيرهم امتنع دعواه عليهم وسقط لفقد شرطه قال وإذا التقى قوم بالسيوف فأجلوا عن قتيل فهو على أهل المحلة لأن القتل بين أظهرهم والحفظ عليهم إلا أن يدعي الأولياء على أولئك أو على رجل منهم بعينه فلم يكن على أهل المحلة شيء لأن هده الدعوى تضمنت براءة أهل المحلة عن القسامة قال ولا على أولئك حتى يقيموا البينة لأن بمجرد الدعوى لا يثبت الحق للحديث الذي رويناه أما يسقط به الحق عن أهل المحلة لأن قوله حجة على نفسه ولو وجد قتيل في معسكر أقاموا بفلاة من الأرض لا ملك لأحد فيها فإن وجد في خباء أو فسطاط فعلى من يسكنها الدية والقسامة وإن كان خارجا من الفسطاط فعلى أقرب الأخبية اعتبارا لليد عند انعدام الملك وإن كان القوم لقوا قتالا ووجد قتيل بين أظهرهم فلا قسامة ولا دية لأن الظاهر أن العدو قتله فكان هدرا وإن لم يلقوا عدوا فعلى ما بيناه وإن كان للأرض مالك فالعسكر كالسكان فيجب على المالك عند أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف رحمهما الله وقد ذكرناه قال وإذا قال المستحلف قتله فلان استحلف بالله ما قتلت ولا عرفت له قاتلا غير فلان لأنه يريد إسقاط الخصومة عن نفسه بقوله فلا يقبل فيحلف على ماذكرنا لأنه لما اقر بالقتل على واحد صار مستثنى عن اليمين فبقي حكم من سواه فيحلف عليه قال وإذا شهد اثنان من أهل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتل لم تقبل شهادتهما وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا تقبل لآنهم كانوا بعرضية أن يصيروا خصماء وقد بطلت العرضية بدعوى الولي القتل على غيرهم فتقبل شهادتهم كالوكيل بالخصومة إذا عزل قبل الخصومة وله أنهم خصماء بإنزالهم قاتلين للتقصير الصادر منهم فلا تقبل شهادتهم وإن خرجوا من جملة الخصوم كالوصي إذا خرج من الوصاية بعدما قبلها ثم شهد قال رضي الله عنه وعلى هذين الأصلين يتخرج كثير من المسائل من هذا الجنس قال ولو ادعى على واحد من أهل المحلة بعينه فشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل الشهادة لأن الخصومة قائمة مع الكل على ما بيناه والشاهد يقطعها عن نفسه فكان متهما وعن أبي يوسف رحمه الله أن الشهود يحلفون بالله ما قتلناه ولا يزدادون على ذلك لأنهم أخبروا أنهم عرفوا القاتل
قال ومن جرح في قبيلة فنقل إلى أهله فمات من تلك الجراحة فإن كان صاحب فراش حتى مات فالقسامة والدية على القبيلة وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا قسامة ولا دية لأن الذي حصل في القبيلة والمحلة ما دون النفس ولا قسامة فيه فصار كما إذا لم يكن صاحب فراش وله أن الجرح إذا اتصل به الموت صار فتلا ولهذا وجب القصاص فإن كان صاحب فراش أضيف إليه وإن لم يكن احتمل أن يكون الموت من غير الجرح فلا يلزم بالشك قال ولو أن رجلا معه جريح به رمق حمله إنسان إلى أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لم يضمن الذي حمله إلى أهله في قول أبي يوسف رحمه الله وفي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله يضمن لأن يده بمنزلة المحلة فوجوده جريحا في يده كوجوده فيها وقد ذكرنا رجهي القولين فيما قبله من مسألة القبيلة ولو وجد رجل قتيلا في دار نفسه فديته على عاقلته لورثته عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا شيء فيه لأن الدار في يده حين وجد الجريح فيجعل كأنه قتل نفسه فيكون هدرا وله أن القسامة إنما تجب بناء على ظهور القتل ولهذا لا يدخل في الدية من مات قبل ذلك وحال ظهور القتل الدار للورثة فتجب على عاقلتهم بخلاف المكاتب إذا وجد قتيلا في دار نفسه لأن حال ظهور قتله بقيت الدار على حكم ملكه فيصير كأنه قتل نفسه فيهدر دمه ولو أن رجلين كانا في بيت وليس معهما ثالث فوجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف رحمه الله يضمن الآخر الدية وقال محمد لا يضمنه لأنه يحتمل أنه قتل نفسه فكان التوهم ويحتمل أنه قتله الآخر فلا يضمنه بالشك ولأبي يوسف رحمه الله أن الظاهر أن الإنسان لا يقتل نفسه فكان التوهم ساقطا كما إذا وجد قتيل في محلة ولو وجد قتيل في قرية لامرأة فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله عليها القسامة تكرر عليها الأيمان والدية على عاقلتها أقرب القبائل إليها في النسب وقال أبو يوسف رحمه الله على العاقلة أيضا لأن القسامة إنما تجب على من كان من أهل النصرة والمرأة ليست من أهلها فأشبهت الصبي ولهما أن القسامة لنفي التهمة وتهمة القتل من المرأة متحققة قال المتأخرون إن المرأة تدخل مع العاقلة في التحمل في هذه المسألة لأنا أنزلناها قاتلة والقاتل يشارك العاقلة ولو وجد رجل قتيلا في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهلها قال هو على صاحب الأرض لأنه أحق بنصرة أرضه من أهل القرية والله أعلم 1 كتاب المعاقل 1 المعاقل جمع معقلة وهي الدية وتسمى الدية عقلا لأنها تعقل الدماء من أن تسفك أي تمسك قال والدية في شبه العمد والخطأ وكل دية تجب بنفس القتل على العاقلة والعاقلة الذين يعقلون يعني يؤدون العقل وهو الدية وقد ذكرناه في الديات والأصل في وجوبها على العاقلة قوله عليه الصلاة والسلام في حديث حمل بن مالك رضي الله عنه للأولياء قوموا فدوه ولأن النفس محترمة لا وجه إلى الإهدار والخاطىء معذور وكذا الذي تولى شبه العمد نظر إلى الآلة فلا وجه إلى إيجاب العقوبة عليه وفي أيجاب مال عظيم إجحافه واستئصاله فيصير عقوبة فضم إليه العاقلة تحقيقا للتخفيف وإنما خصوا بالضم لأنه إنما قصر لقوة فيه وتلك بأنصاره وهم العاقلة فكانوا هم المقصرين في تركهم مراقبته فخصوا به قال والعاقلة أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين وأهل الديوان أهل الرايات وهم الجيش الذين كتبت أساميهم في الديوان وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله الدية على أهل العشيرة لأنه كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نسخ بعده ولأنه صلة والأولى بها الأقارب
ولنا قضية عمر رضي الله عنه فإنه لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير منهم وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى لأن العقل كان على أهل النصرة وقد كانت بأنواع بالقرابة والحلف والولاء والعد وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعلها على اهله اتباعا للمعنى ولهذا قالوا لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة وإن كان بالحلف فأهله والدية صلة كما قال لكن إيجابها فيما هو صلة وهو العطاء أولى منه في أصول أموالهم والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام ومحكي عن عمر رضي الله عنه ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف والعطاء يخرج في كل سنة مرة فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقل أخذ منها لحصول المقصود وتأويله إذا كانت العطايا للسنين المستقبلة بعد القضاء حتى لو اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء ثم خرجت بعد القضاء لا يؤخذ منها لأن الوجوب بالقضاء على ما نبين إن شاء الله تعالى ولو خرج للقاتل ثلاث عطايا في سنة واحدة معناه في المستقبل يؤخذ منها كل الدية لما ذكرنا وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منها في سنة وإن كان الواجب بالعقل ثلث دية النفس أو أقل كان في سنة واحدة وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة وما وجب على العاقلة من الدية أو على القاتل بأن قتل الأب ابنه عمدا فهو في ماله في ثلاث سنين وقال الشافعي رحمه الله ما وجب على القاتل في ماله فهو حال لأن التأجيل للتخفيف لتحمل العاقلة فلا يلحق به العمد المحض ولنا أن القياس يأباه والشرع ورد به مؤجلا فلا يتعداه ولو قتل عشرة رجلا خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتبارا للجزء بالكل إذ هو بدل النفس وإنما يعتبر مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل والتحول إلى القيمة بالقضاء فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور قال ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته لأن نصرته بهم وهي المعتبرة في التعاقل قال وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة وينقص منها قال رضي الله عنه كذا ذكره القدوري رحمه الله في مختصره وهذا إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية وقد نص محمد رحمه الله على أنه لا يزاد على كل واحد من جميع الدية في ثلاث سنين على ثلاثة أو أربعة فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث درهم وهو الأصح قال وإن لم يكن تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل معناه نسبا كل ذلك لمعنى التخفيف ويضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات الأخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم وأما الآباء والأبناء فقيل يدخلون لقربهم وقيل لا يدخلون لأن الضم لنفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من ثلاثة أو أربعة وهذا المعنى إنما يتحقق عند الكثرة والآباء والأبناء لا يكثرون وعلى هذا حكم الرايات إذا لم يتسع لذلك أهل راية ضم إليهم أقرب الرايات يعني أقربهم نصرة إذا حزبهم أمر الأقرب فالأقرب ويفوض ذلك إلى الإمام لأنه هو العالم به ثم هذا كله عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجب على كل واحد نصف دينار فيسوى بين الكل لأنه صلة فيعتبر بالزكاة وأدناها ذلك إذ خمسة دراهم عندهم نصف دينار ولكنا نقول هي أحط رتبة منها ألا ترى أنها لا تؤخذ من أصل المال فينقص منها تحقيقا لزيادة التخفيف
ولو كانت عاقلة الرجل أصحاب الرزق يقضى بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث لأن الرزق في حقهم بمنزلة العطاء قائم مقامه إذ كل منهما صلة من بيت المال ثم ينظر إن كانت أرزاقهم تخرج في كل سنة فكما يخرج رزق يؤخذ منه الثلث بمنزلة العطاء وإن كان يخرج في كل سنة أشهر وخرج بعد القضاء يؤخذ منه سدس الدية وإن كان يخرج في كل شهر يؤخذ من كل رزق بحصته من الشهر حتى يكون المستوفى في كل سنة مقدار الثلث وإن خرج بعد القضاء بيوم أوأكثر أخذ من رزق ذلك الشهر بحصة الشهر وإن كانت لهم أرزاق في كل شهر وأعطية في كل سنة فرضت الدية في الأعطية دون الأرزاق لأنه أيسر إما لأن الأعطية أكثر أو لأن الرزق لكفاية الوقت فيتعسر الأداء منه والأعطيات ليكونوا في الديوان قائمين بالنصرة فيتيسر عليهم قال وأدخل القاتل مع العاقلة فيكون فيما يؤدى كأحدهم لأنه هو الفاعل فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره وقال الشافعي رحمه الله لا يجب على القاتل شيءمن الدية اعتبارا للجزء بالكل في النفي عنه والجامع كونه معذورا قلناإيجاب الكل إجحاف به ولا كذلك إيجاب الجزء ولو كان الخاطىء معذورا فالبريء منه أولى قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وليس على النساء والذرية ممن كان له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله عنه لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة ولأن العقل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزية وعلى هذا لو كان القاتل صبيا أو امرأة لا شيء عليهما من الدية بخلاف الرجل لأن وجوب جزء من الدية على القاتل باعتبار أنه أحد العواقل لأنه ينصر نفسه وهذا لا يوجد فيهما والفرض لهما من العطاء للمعونة لا للنصرة كفرض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهن ولا يعقل أهل مصر عن مصر آخر يريد به إذا كان لأهل كل مصر ديوان على حدة لأن التناصر بالديوان عند وجوده ولو كان باعتبار القرب في السكنى فأهل مصره أقرب إليه من أهل مصر آخر ويعقل أهل كل مصر من أهل سوادهم لأنهم أتباع لأهل المصر فإنهم إذا حزبهم أمر استنصروا بهم فيعقلهم أهل المصر باعتبار معنى القرب في النصرة ومن كان منزله بالبصرة وديوانه بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة لأنه يستنصر بأهل ديوانه لا بجيرانه والحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والنسب والولاء وقرب السكنى وغيره وبعد الديوان النصرة بالنسب على ما بيناه وعلى هذا يخرج كثير من صور مسائل المعاقل ومن جنى جناية من اهل المصر وليس له في الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر ولم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة قيل هو صحيح لأن الذين يذبون عن أهل المصر ويقومون بنصرتهم ويدفعون عنهم أهل الديوان من أهل المصر ولا يخصون به أهل العطاء
وقيل تأويله إذا كان قريبا لهم وفي الكتاب إشارة إليه حيث قال وأهل البادية أقرب إليه من أهل المصر وهذا لأن الوجوب عليهم بحكم القرابة وأهل المصر أقرب منهم مكانا فكانت القدرة على النصرة لهم وصار نظير مسألة الغيبة المنقطعة ولو كان البدوي نازلا في المصر لا مسكن له فيه لا يعقله أهل المصر لأن أهل العطاء لا ينصرون من لا مسكن له فيه كما أن أهل البادية لا تعقل عن أهل المصر النازل فيهم لأنه لايستنصر بهم وإن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فقتل أحدهم قتيلا فديته على عاقلته بمنزلة المسلم لأنهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات لا سيما في المعاني العاصمة عن الأضرار ومعنى التناصر موجود في حقهم وإن لم تكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم لما بينا أن الوجوب على القاتل وإنما يتحول عنه إلى العاقلة أن لو وجدت فإذا لم توجد بقيت عليه بمنزلة تاجرين مسلمين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه يقضى بالدية عليه في ماله لأن أهل دار الإسلام لايعقلون عنه وتمكنه من هذا القتل ليس بنصرتهم ولا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر والكفار يتعاقلون فما بينهم وإن اختلفت مللهم لأن الكفر كله ملة واحدة قالوا هذا إذا لم تكن المعاداة فيما بينهم ظاهرة أما إذا كانت ظاهرة كاليهود والنصارى ينبغي أن لا يتعاقلون بعضهم عن بعض وهكذا عن أبي يوسف رحمه الله لانقطاع التناصر ولو كان القاتل من أهل الكوفة وله بها عطاء فحول ديوانه إلى البصرة ثم رفع إلى القاضي فإنه يقضى بالدية على عاقلته من أهل البصرة وقال زفر رحمه الله تعالى يقضى على عاقلته من أهل الكوفة وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله لأن الموجب هو الجناية وقد تحققت وعاقلته أهل الكوفة وصار كما إذا حول بعد القضاء ولنا أن المال إنما يجب عند القضاء لما ذكرنا أن الواجب هو المثل وبالقضاء ينتقل إلى المال وكذا الوجوب على القاتل وتتحمل عنه عاقلته وإذا كان كذلك يتحمل عنه من يكون عاقلته عند القضاء بخلاف ما بعد القضاء لأن الواجب قد تقرر بالقضاء فلا ينتقل بعد ذلك لكن حصة القاتل تؤخذ من عطائه بالبصرة لأنها تؤخذ من العطاء وعطاؤه بالبصرة بخلاف ما إذا قلت العاقلة بعد القضاء عليهم حيث يضم إليهم أقرب القبائل في النسب لأن في النقل إبطال حكم الأول فلا يجوز بحال وفي الضم تكثير المتحملين لما قضي به عليهم فكان فيه تقرير الحكم الأول لا إبطاله وعلى هذا لو كان القاتل مسكنه بالكوفة وليس له عطاء فلم يقض عليه حتى استوطن البصرة قضي بالدية على أهل البصرة ولو كان قضي بها على أهل الكوفة لم ينتقل عنهم وكذا البدوي إذا ألحق بالديوان بعد القتل قبل القضاء يقضى بالدية على أهل الديوان وبعد القضاء عل عاقلته بالبادية لا يتحول عنهم وهذابخلاف ما إذا كان قوم من اهل البادية قضي بالدية عليهم في أموالهم في ثلاث سنين ثم جعلهم الإمام في العطاء حيث تصير الدية في أعطياتهم وإن كان قضي بها أول مرة في أموالهم لأنه ليس فيه نقض القضاءالأول لأنه قضي بها في أموالهم وأعطياتهم أموالهم غير أن الدية تقضى من أيسر الأموال أداء والأداء من العطاء أيسر إذا صاروا من أهل العطاءإلآ إذا لم يكن مال العطاء من جنس ما قضي به عليه بأن كان القضاء بالإبل والعطاء دراهم فحينئذ لا تتحول إلى دراهم أبدا لما فيه من إبطال القضاء الأول لكن يقضى ذلك من مال العطاء لأنه أيسر قال وعاقلة المعتق قبيلة مولاه لأن النصرة بهم يؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام مولى القوم منهم قال ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته لأنه ولاء يتناصر به فأشبه ولاء العتاقة وفيه خلاف الشافعي رحمه الله تعالى وقد مر في كتاب الولاء