Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال ولا تعقل العاقلة أقل من نصف عشر الدية وتتحمل نصف العشر فصاعدا والأصل فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس ولأن التحمل للتحرز عن الإجحاف ولا إجحاف في القليل وإنما هو في الكثير والتقدير الفاصل عرف بالسمع قال وما نقص من ذلك يكون في مال الجاني والقياس فيه التسوية بين القليل والكثير فيجب الكل على العاقلة كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أو التسوية في ان لا يجب على العاقلة شيء إلا أنا تركناه بما روينا وبما روى أنه عليه الصلاة والسلام أوجب أرش الجنين على العاقلة وهو نصف عشر بدل الرجل على مامر في الديات فما دونه يسلك به مسلك الأموال لأنه يجب بالتحكيم كما يجب ضمان المال بالتقويم فلهذا كان في مال الجاني أخذا بالقياس قال ولا تعقل العاقلة جناية العبد ولا ما لزم بالصلح أو باعتراف الجاني لما روينا ولأنه لا تناصر بالعبد والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور الولاية عنهم قال إلا أن يصدقوه لأنه ثبت بتصادقهم والامتناع كان لحقهم ولهم ولاية على أنفسهم ومن أقر بقتل خطأ ولم يرفعوا إلى القاضي إلا بعد سنين قضي عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى لأن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة ففي الثابت بالإقرار أولى ولو تصادق القاتل وولى الجناية على أن قاضي بلد كذا فضى بالدية على عاقلته بالكوفة بالبينة وكذبهما العاقلة فلا شيء على العاقلة لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم ولم يكن عليه شيء في ماله لأن الدية بتصادقهما تقررت على العاقلة بالقضاء وتصادقهما حجة في حقهما بخلاف الأول إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته لأنه في حق حصته مقر على نفسه وفي حق العاقلة مقر عليهم قال وإذا جنى الحر على العبد فقتله خطأ كان على عاقلته قيمته لأنه بدل النفس على ما عرف من أصلنا وفي أحد قولي الشافعي تجب في ماله لأنه بدل المال عنده ولهذا يوجب قيمته بالغة ما بلغت وما دون النفس من العبد لا تتحمله العاقلة لأنه يسلك به مسلك الأموال عندنا على ماعرف وفي أحد قوليه العاقلة تتحمله كما في الحر وقد مر من قبل
قال أصحابنا إن القاتل إذا لم يكن له عاقلة فالدية في بيت المال لأن جماعة المسليمن هم أهل نصرته وليس بعضهم أخص من بعض بذلك ولهذا لو مات كان ميراثه لبيت المال فكذا ما يلزمه من الغرامة يلزم بيت المال وعن أبي حنيفة رحمه الله رواية شاذة أن الدية في ماله ووجهه أن الأصل أن تجب الدية على القاتل لأنه بدل متلف والإتلاف منه إلا أن العاقلة تتحملها تحقيقا للتخفيف على ما مر وإذا لم يكن له عاقلة عاد الحكم إلى الأصل وابن الملاعنة تعقله عاقلة أمه لأن نسبه ثابت منها دون الأب فإن عقلوا عنه ثم ادعاه الأب رجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة الأب في ثلاث سنين من يوم يقضى القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب لأنه تبين أن الدية واجبة عليهم لأن عند الإكذاب ظهر أن للنسب لم يزل كان ثابتا من الأب حيث بطل اللعان بالإكذاب ومتى ظهر من الأصل فقوم الأم تحملوا ما كان واجبا على قوم الأب فيرجعون عليهم لأنهم مضطرون في ذلك وكذلك إن مات المكاتب عن وفاء وله ولد حر فلم يؤد كتابته حتى جنى ابنه وعقل عنه قوم أمه ثم أديت الكتابة لأنه عند الأداء يتحول ولاؤه إلى قوم أبيه من وقت حرية الأب وهو آخر جزء من أجزاء حياته فيتبين أن قوم الأم عقلوا عنهم فيرجعون عليهم وكذلك رجل أمر صبيا بقتل رجل فقتله فضمنت عاقلة الصبي الدية رجعت بها على عاقلة الآمر إن كان الأمر ثبت بالبينة وفي مال الآمرإن كان ثبت بإقراره في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي على الآمر أو على عاقلته لأن الديات تجب مؤجلة بطريق التيسير قال رضي الله عنه ههنا عدة مسائل ذكرها محمد رحمه الله متفرقة والأصل الذي يخرج عليه أن يقال حال القاتل إذا تبدل حكما فانتقل ولاؤه إلى ولاء بسبب أمر حادث لم تنتقل جنايته عن الأول قضي بها أو لم يقض وإن ظهرت حالة خفية مثل دعوة ولد الملاعنة حولت الجناية إلى الأخرى وقع القضاء بها أو لم يقع ولو لم يختلف حال الجاني ولكن العاقلة تبدلت كان الاعتبار في ذلك الوقت القضاء فإن كان قضى بها على الأولى لم تنتقل إلى الثانية وإن لم يكن قضى بها على الأولى فإنه يقضي بها على الثانية وإن كانت العاقلة واحدة فلحقها زيادة أو نقصان اشتركوا في حكم الجناية قبل القضاء وبعده إلا فيما سبق أداؤه فمن احكم هذا الأصل متأملا يمكنه التخريج فيما ورد عليه من النظائر والأضداد والله أعلم بالصواب 1 كتاب الوصايا 1 2 باب في صفة الوصية ما يجوز من ذلك وما يستحب منه وما يكون رجوعا عنه 2 قال الوصية غير واجبة وهي مستحبة والقياس يأبى جوازها لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال مالكيته ولو أضيف إلى حال قيامها بأن قيل ملكتك غدا كان باطلا فهذا أولى إلا أنا استحسناه لحاجة الناس إليها فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا عرض له المرض وخاف البيات يحتاج إلى تلافي بعد ما فرط منه من التفريط بماله على وجه لو مضى فيه يتحقق مقصده المالي ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالي وفي شرع الوصية ذلك فشرعناه ومثله في الإجارة بيناه وقد تبقى المالكية بعد الموت باعتبار الحاجة كما في قدر التجهيز والدين وقد نطق به الكتاب وهو قول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين والسنة وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر اعماركم زيادة لكم في أعمالكم تضعونها حيث شئتم أو قال حيث أحببتم وعليه إجماع الأمة ثم نصح للأجنبي في الثلث من غير إجازة الورثة لما روينا ما هو الأفضل فيه إن شاء الله تعالى
قال ولا تجوز بما زاد على الثلث لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثلث والثلث كثير بعد ما نفى وصيته بالكل والنصف ولآنه حق الورثة وهذا لأنه انعقد سبب الزوال إليهم وهو استغناؤه عن المال فأوجب تعلق حقهم به إلا أن الشرع لم يظهره في حق الأجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره على ما بيناه وأظهره في حق الورثة لأن الظاهر أنه لا يتصدق به عليهم تحرزا عما يتفق من الإيثار على ما نبينه وقد جاء في الحديث الحيف في الوصية من أكبر الكبائر وفسروه بالزيادة على الثلث وبالوصية للوارث قال إلا أن يجيزه الورثة بعد موته وهم كبار لأن الامتناع لحقهم وهم أسقطوه ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته لأنها قبل ثبوت الحق إذ الحق يثبت عند الموت فكان لهم أن يردوه بعد وفاته بخلاف ما بعد الموت لأنه بعد ثبوت الحق فليس لهم أن يرجعوا عنه لأن الساقط متلاش غاية الأمر أنه يستند عند الإجازة لكن الاستناد يظهر في حق القائم وهذا قد مضى وتلاشى ولأن الحقيقة تثبت عند الموت وقبله يثبت مجرد الحق فلو استند من كل وجه ينقلب حقيقة قبله والرضى ببطلان الحق لا يكون رضا ببطلان الحقيقة وكذا إن كانت الوصية للوارث وأجازه البقية فحكمه ما ذكرناه وكل ما جاز بإجازة الوارث يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا وعند الشافعي رحمه الله من قبل الوارث والصحيح قولنا لأن السبب صدر من الموصى والإجازة رفع المانع وليس من شرطه القبض فصار كالمرتهن إذا أجاز بيع الراهن قال ولا تجوز للقاتل عامدا كان أو خاطئا بعد أن كان مباشرا لقوله عليه الصلاة والسلام لا وصيل للقاتل ولأنه استعجل ما أخره الله تعالى فيحرم الوصية كما يحرم الميراث وقال الشافعي رحمه الله تجوز للقاتل وعلى هذا الخلاف إذا أوصى لرجل ثم إنه قتل الموصى تبطل الوصية عندنا وعنده لا تبطل والحجة عليه في الفصلين ما بيناه ولو أجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا تجوز لأن جنايته باقية والامتناع لأجلها ولهما أن الامتناع لحق الورثة لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث ولأنهم لا يرضونها للقاتل كما لا يرضونها لأحدهم قال ولا تجوز لوارثه لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض ففي تجويزه قطيعة الرحم ولأنه حيف بالحديث الذي رويناه ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت الموت لا وقت الوصية لأنه تمليك مضاف إلى ما بعد الموت وحكمه يثبت بعد الموت والهبة من المريض للوارث في هذا نظير الوصية لأنها وصية حكما حتى تنفذ من الثلث وإقرار المريض للوارث على عكسه لأنه تصرف في الحال فيعتبر ذلك وقت الإقرار قال إلا أن تجيزها الورثة ويروى هذا الاستثناء فيما رويناه ولأن الامتناع لحقهم فتجوز بإجازتهم ولو أجاز بعض ورد بعض تجوز على المحيز بقدر حصته لولايته عليه وبطل في حق الراد قال ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم فالأول لقوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين الآية والثاني لأنهم بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات ولهذا جاز التبرع من الجانبين في حالة الحياة فكذا بعد الممات وفي الجامع الصغير الوصية لأهل الحرب باطلة لقوله تعالى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الآية قال وقبول الوصية بعد الموت فإن قبلها الموصي له حال الحياة أو ردها فذلك باطل لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به فلا يعتبر قبله كما لا يعتبر قبل العقد
قال ويستحب ان يوصي الإنسان بدون الثلث سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء لأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم بخلاف استكمال الثلث لأنه استيفاء تمام حقه فلا صلة ولا منة ثم الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها قالوا إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون الترك اولى لما فيه من الصدقة على القريب وقد قال عليه الصلاة والسلام أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ولأن فيه رعاية حق للفقراء والقرابة جميعا وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم فالوصية أولى لأنه يكون صدقة على الأجنبي والترك هبة من القريب والأولى أولى لأنه يبتغي بها وجه الله تعالى وقيل في هذا الوجه يخير لاشتمال كل منهما على فضيلة وهو الصدقة والصلة فيخيربين الخيرين قال والموصى به يملك بالقبول خلافا لزفر رحمه الله تعالى وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله هو يقول الوصية أخت الميراث إذ كل منهما خلافة لما أنه انتقال ثم الإرث يثبت من غير قبول فكذلك الوصية ولنا أن الوصية إثبات ملك جديد ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يرد عليه بالعيب ولا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله أما الوراثة فخلافة حتى يثبت فيها هذه الأحكام فيثبت جبرا من الشرع من غير قبول قال إلا في مسألة واحدة وهو أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول فيدخل الموصى به في ملك ورثته استحسانا والقياس أن تبطل الوصية لما بينا أن الملك موقوف على القبول فصار كموت المشتري قبل قبوله بعد إيجاب البائع وجه الاستحسان إن الوصية من جانب الموصى قد تمت بموته تماما لا يلحقه الفسخ من جهته وإنما توقفت لحق الموصى له فإذا مات دخل في ملكه كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذامات قبل الإجازة قال ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية لأن الدين مقدم على الوصية لأنه أهم الحاجتين فإنه فرض والوصية تبرع وأبدا يبدأ بالأهم فالأهم إلا أن يبرئه الغرماء لأنه لم يبق الدين فتنفذ الوصية على الحد المشروع لحاجته إليها قال ولا تصح وصية الصبي وقال الشافعي رحمه الله تصح إذا كان في وجوه الخير لأن عمر رضي الله عنه أجاز وصية يفاع أو يافع وهو الذي راهق الحلم ولأنه نظر له بصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى ولو لم تنفذ يبقى على غيره ولنا أنه تبرع والصبي ليس من أهله ولأن قوله غير ملزم وفي تصحيح وصيته قول بإلزام قوله والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازا أو كانت وصيته في تجهيزه وأمر دفنه وذلك جائز عندنا وهو يحرز الثواب بالترك على ورثته كما بيناه والمعتبر في النفع والضرر النطر إلى أوضاع التصرفات لا إلى ما يتفق بحكم الحال اعتبره بالطلاق فإنه لايملكه ولا وصيه وإن كان يتفق نافعا في بعض الأحوال وكذا إذا أوصى ثم مات بعد الإدراك لعدم الأهلية وقت المباشرة وكذا إذا قال إذا أدركت فثلث مال لفلان وصية لقصور أهليته فلا يملكه تنجيزا وتعليقا كما في الطلاق والعتاق بخلاف العبد والمكاتب لأن أهليتهما مستتمة والمانع حق المولى فتصح إضافته إلى حال سقوطه قال ولا تصح وصية المكاتب وإن ترك وفاء لأن ماله لا يقبل التبرع وقيل على قول أبي حنيفة رحمه الله لا تصح وعندهما تصح ردا لها إلى مكاتب يقول كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر ثم عتق فملك والخلاف فيها معروف عرف في موضعه قال وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أما الأول فلأن الوصية استخلاف من وجه لأنه يجعله خليفة في بعض ماله والجنين صلح خليفة في الإرث فكذا في الوصية إذ هي أخته إلا أنه يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك بخلاف الهبة لأنها تمليك محض ولا ولاية لأحد عليه ليملكه شيئا وأما الثاني فلأنه بعرض الوجود إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية وبابها أوسع لحاجة الميت وعجزه ولهذا نصح في غير الموجود كالثمرة فلأن تصح في الموجود أولى
قال ومن أوصى بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء لأن اسم الجارية لا يتناول الحمل لفظا ولكنه يستحق بالإطلاف تبعا فإذا أفرد الأم بالوصية صح إفرادها ولأنه يصح إفراد الحمل بالوصية فجاز استثناؤه وهذا هو الأصل أن ما يصح إفراده بالعقد يصح استثناؤه منه إذ لافرق بينهما وما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه منه وقد مر في البيوع قال ويجوز للموصي ألرجوع عن الوصية لأنه تبرع لم يتم فجاز الرجوع عنه كالهبة وقد حققناه في كتاب الهبة ولأن القبول يتوقف على الموت والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع قال وإذا صرح بالرجوع أو فعل ما يدل على الرجوع كان رجوعا أما الصريح فظاهر وكذا الدلالة لأنها تعمل عمل الصريح فقام مقام قوله قد أبطلت وصار كالبليع بشرط الخيار فإنه يبطل الخيار فيه بالدلالة ثم كل فعل لو فعله الإنسان في ملك الغير ينقطع به حق المالك فإذا فعله الموصي كان رجوعا وقد عددنا هذه الأفاعيل في كتاب الغصب وكل فعل يوجب زيادة في الموصى به ولا يمكن تسليم العين إلا بها فهو رجوع إذا فعله مثل السويق يلته بالسمن والدار يينى فيه الموصي والقطن يحشو به والبطانة يبطن بها والظهارة يظهر بها لأنه لا يمكنه تسليمه بدون الزيادة ولا يمكن نقضها لأنه حصل في ملك الموصي من جهته بخلاف تجصيص الدار الموصى بها وهدم بنائها لأنه تصرف في التابع وكل تصرف أوجب زوال ملك الموصي فهو رجوع كما إذا باع العين الموصى به ثم اشتراه أو وهبه ثم رجع يه لأن الوصية لا تنفذ إلا في ملكه فأذا أزاله كان رجوعا وذبح الشاة الموصى بها برجوع لأنه للصرف إلى حاجته عادة فصار هذا المعنى أصلا أيضا وغسل الثوب الموصى به لايكون رجوعا لأن من أراد أن يعطي ثوبه غيره يغسله عادة فكان تقريرا قال وإن جحد الوصية لم يكن رجوعا كذا ذكره محمد رحمه الله وقال أبو يوسف رحمه الله يكون رجوعا لأن الرجوع نفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال فأولى أن يكون رجوعا ولمحمد رحمه الله أن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك وإذا كان ثابتا في الحال كان الجحود لغوا ولأن الرجوع إثبات في الماضي ونفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال فلا يكون رجوعا حقيقة ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة ولو قال كل وصية أوصيت بها لفلان فهو حرام وربا لا يكون رجوعا لأن الوصف يستدعي بقاء الأصل بخلاف ما إذا قال فهي باطلة لأنه الذاهب المتلاشي ولو قال أخرتها لا يكون رجوعا لأن التأخير ليس للسقوط كتأخير الدين بخلاف ما إذا قال تركت لأنه إسقاط ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا لأن اللفظ يدل على قطع الشركة بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر لأن المحل يحتمل الشركة واللفظ صالح لها وكذا إذا قال فهو لفلان وارثي يكون رجوعا عن الأول لما بينا ويكون وصية للوارث وقد ذكرنا حكمه ولو كان فلان الآخر ميتا حين أوصى فالوصية الأولى على حالها لأن الوصية الأولى إنما تبطل ضرورة كونها للثاني ولم يتحقق فبقي للأول ولو كان فلان حين قال ذلك حيا ثم مات قبل موت الموصى فهي للورثة لبطلان الوصيتين الأولى بالرجوع والثانية بالموت والله أعلم بالصواب 2 باب الوصية بثلث المال 2
قال ومن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما لأنه يضيق الثلث عن حقهما إذ لا يزاد عليه عند عدم الإجازة على ما تقدم وقد تساويا في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق والمحل يقبل الشركة فيكون بينهما وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس فالثلث بينهما أثلاثا لأن كل واحد منهما يدلي بسبب صحيح وضاق الثلث عن حقيهما فيقتسمانه عل قدر حقيهما كما في أصحاب الديون فيجعل الأقل سهما والأكثر سهمين فصار ثلاثة أسهم سهم لصاحب الأقل وسهمان لصاحب الأكثر وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة أسهم عندهما وقال أبو حنيفة الثلث بينهما نصفان ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة لهما في الخلافية أن الموصى قصد شيئين الاستحقاق والتفضيل وامتنع الاستحقاق لحق الورثة ولا مالح من التفضيل فيثبت كما في المحاباة وأختيها وله أن الوصية وقعت بغير المشروع عند عدم الإجازة من الورثة إذ لا نفاذ لها بحال فيبطل أصلا والتفضيل يثبت في ضمن الاستحقاق فبطل ببطلانه كالمحاباة الثابتة في ضمن البيع بخلاف مواضع الإجماع لأن لها نفاذا في الجملة بدون إجازة الورثة بأن كان في المال سعة فتعتبر في التفاضل لكونه مشروعا في الجملة بخلاف ما نحن فيه وهذا بخلاف ما إذا أوصى بعين من تركته وقيمته تزيد على الثلث فإنه يضرب بالثلث وإن احتمل أن يزيد المال فيخرج من الثلث لأن هناك الحق تعلق بعين التركة بدليل أنه لو هلك واستفاد مالا آخر تبطل الوصية وفي الألف المرسلة لو هلكت التركة تنفذ فيما يستفاد فلم يكن متعلقا بعين ما تعلق به حق الورثة قال وإذا أوصى بنصيب ابنه فالوصية باطلة ولو أوصى بمثل نصيب ابنه جاز لأن الأول وصية بمال الغير لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت والثاني وصية بمثل نصيب الابن ومثل الشيء غيره وإن كان يتقدر به فيجوز وقال زفر رحمه الله يجوز في الأول أيضا فينظر إلى الحال والكل ماله فيه وجوابه ما قلتا قال ومن أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس ولا يزاد عليه وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا له مثل نصيب أحد الورثة ولا يزاد على الثلث إلا أن يجيز الورثة لأن السهم يراد به أحد سهام الورثة عرفا لا سيما في الوصية والأقل متيقن به فيصرف إليه إلا إذا زاد على الثلث فيرد عليه لأنه لا مزيد عليه عند عدم إجازة الورثة وله أن السهم هو السدس هو المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه وقد رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروى ولأنه يذكر ويراد به السدس فإن إياسا قال السهم في اللغة عبارة عن السدس ويذكر ويراد به سهم من سهام الورثة فيعطى ما ذكرنا قالوا هذا كان في عرفهم وفي عرفنا السهم كالجزء قال ولو أوصى بجزء من ماله قيل للورثة أعطوه ما شئتم لأنه مجهول يتناول القليل والكثير غير أن الجهالة لا تمنع صحة الوصية والورثة قائمون مقام الموصي فإليهم البيان قال ومن قال سدس مالي لفلان ثم قال في ذلك المجلس أو فى مجلس آخر له ثلث مالي وأجازت الورثة فله ثلث المال ويدخل السدس فيه ومن قال سدس مالي لفلان ثم قال في ذلك المجلس أو في غيره سدس مالي لفلان فله سدس واحد لأن السدس ذكر معرفا بالإضافة إلى المال والمعرفة إذ أعيدت يراد بالثاني عين الأول هو المعهود في اللغة
قال ومن أوصى بثلث دراهمه أو بثلث غنمه فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي وقال زفر رحمه الله تعالى له ثلث مابقي لأن كل واحد منهما مشترك بينهم والمال المشترك يتوى ما توى منه على الشركة ويبقى ما بقي عليها وصار كما إذا كانت التركة أجناسا مختلفة ولنا أن في الجنس الواحد يمكن جمع حق أحدهم في الواحد ولهذا يجري فيه الجبر على القسمة وفيه جمع والوصية مقدمة فجمعناها في الواحد الباقي وصارت الدراهم كالدرهم بخلاف الأجناس المختلفة لأنه لا يمكن الجمع فيها جبرا فكذا تقديما قال ولو أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب قالوا هذا إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم وكذلك المكيل والموزون بمنزلتها لأنه يجري فيه الجمع جبرا بالقسمة ولو أوصى بثلث ثلاثة من رقيقه فمات اثنان لم يكن له إلا ثلث الباقي وكذا الدور المختلفة وقيل هذا على قول أبي حنيفة رحمه الله وحده لأنه لا يرى الجبر على القسمة فيها وقيل هو قول الكل لأن عندهما للقاضي أن يجتهد ويجمع وبدون ذلك يتعذر الجمع والأول أشبه للفقه المذكور قال ومن أوصى لرجل بألف درهم وله مال عين ودين فإن خرج الألف من ثلث العين دفع إلى الموصى له لأنه أمكن إيفاء كل ذي حق حقه من غير بخس فيصار إليه وإن لم يخرج دفع إليه ثلث العين وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه حتى يستوفي الألف لأن الموصى له شريك الوارث وفي تخصيصه بالعين بخس في حق الورثة لأن للعين فضلا عن الدين ولأن الدين ليس بمال في مطلق الحال وإنما يصير مالا عند الاستيفاء فإنما يعتدل النظر بما ذكرناه قال ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله فإذا عمرو ميت فالثلث كله لزيد لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يزاحم الحي الذي هو من أهلها كما إذا أوصى لزيد وجدار وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا لم يعلم بموته فله نصف الثلث لأن الوصية عنده صحيحة لعمرو فلم يرض الحي إلا نصف الثلث بخلاف ما إذا علم بموته لأن الوصية للميت لغو فكان راضيا بكل الثلث للحي وإن قال ثلث مالي بين زيد وعمرو وزيد ميت كان لعمرو نصف الثلث لأن قضية هذا اللفظ أن يكون لكل واحد منهما نصف الثلث بخلاف ما تقدم ألا ترى أن من قال ثلث مالي لزيد وسكت كان له كل الثلث ولو قال ثلث مالي بين فلان وسكت لم يستحق الثلث
قال ومن أوصى بثلث ماله ولا مال له واكتسب مالا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت لأن الوصية عقد استخلاف مضاف إلى ما بعد الموت ويثبت حكمه بعد فيشترط وجود المال عند الموت لا قبله وكذلك إذا كان له مال فهلك ثم اكتسب مالا لما بينا ولو اوصى له بثلث غنمه فهلك الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم في الأصل فالوصية باطلة لما ذكرنا أنه إيجاب بعد الموت فيعتبر قيامه حينئذ وهذه الوصية تعلقت بالعين فتبطل بفواته عند الموت وإن لم يكن له غنم فاستفاد ثم مات فالصحيح أن الوصية تصح لأنها لو كانت بلفظ المال تصح فكذا إذا كانت باسم نوعه وهذا لآن وجوده قبل الموت فضل والمعتبر قيامه عند الموت ولو قال له شاة من مالي وليس له غنم يعطى قيمة شاة لأنه لما أضافه إلى المال علمنا أن مراده الوصية بمالية الشاة إذ ماليتها توجد في مطلق المال ولو أوصى بشاة ولم يضفه إلى ماله ولا غنم له قيل لا يصح لأن المصحح إضافته إلى المال وبدونها تعتبر صورة الشاة ومعناها وقيل تصح لأنه لما ذكر الشاة وليس في ملكه شاة علم أن مراده المالية ولو قال شاة من غنمي ولا غنم له فالوصية باطلة لأنه لما أضافه إلى الغنم علمنا أن مراده عين الشاة حيث جعلها جزءا من الغنم بخلاف ما إذا أضافه إلى المال وعلى هذا يخرج كثير من المسائل قال ومن أوصى بثلث ماله لأمهات أولاده وهن ثلاث وللفقراء والمساكين فلهن ثلاثة أسهم من خمسة أسهم قال رضي الله عنه وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعن محمد رحمه الله أنه يقسم على سبعة أسهم لهن ثلاثة ولكل فريق سهمان وأصله أن الوصية لأمهات الأولاد جائزة والفقراء والمساكين جنسان وفسرناهما في الزكاة لمحمد رحمه الله أن المذكور لفظ الجمع وأدناه في الميراث اثنان نجد ذلك في القرآن فكان من كل فريق اثنان وأمهات الأولاد ثلاث فلهذا يقسم على سبعة ولهما أن الجمع المحلي بالألف واللام يراد به الجنس وأنه يتناول الأدنى مع احتمال الكل لا سيما عند تعذر صرفه إلى الكل فيعتبر من كل فريق واحد فبلغ الحساب خمسة والثلاثة للثلاث قال ولو أوصى بثلثه لفلان وللمساكين فنصفه لفلان ونصفه للمساكين عندهما وعند محمد رحمه الله ثلثه لفلان وثلثاه للمساكين ولو أوصى للمساكين له صرفه إلى مسكين واحد عندهما وعنده لا يصرف إلا إلى مسكينين بناء على ما بيناه قال ومن أوصى لرجل بمائة درهم ولآخر بمائة ثم قال لآخر قد أشركتك معهما فله ثلث كل مائة لأن الشركة للمساواة لغة وقد أمكن إثباته بين الكل بما قلناه لاتحاد المال لأنه يصيب كل واحد منهم ثلثا مائة بخلاف ما إذا أوصى لرجل بأربع مائة ولآخر بمائتين ثم كان الإشراك لأنه لا يمكن تحقيق المساواة بين الكل لتفاوت المالين فحملناه على مساواته كل واحد بتنصيف نصيبه عملا باللفظ بقدر الإمكان قال ومن قال لفلان على دين فصدقوه معناه قال ذلك لورثته فإنه يصدق إلى الثلث وهذا استحسان وفي القياس لا يصدق لأن الإقرار بالمجهول وإن كان صحيحا لكنه لا يحكم به إلا بالبيان وقوله فصدقوه صدر مخالفا للشرع لأن المدعي لا يصدق إلا بحجة فتعذر إثباته إقرارا مطلقا فلا يعتبر وجه الاستحسان أنا نعلم أن من قصده تقديمه على الورثة وقد أمكن تنفيذ قصده بطريق الوصية وقد يحتاج إليه من يعلم بأصل الحق عليه دون مقداره سعيا منه في تفريغ ذمته فيجعلها وصية جعل التقدير فيها إلى الموصى له كأنه قال إذا جاءكم فلان وادعى شيئا فأعطوه من مالي ما شاء وهذه معتبرة من الثلث فلهذا يصدق على الثلث دون الزيادة
قال وإن أوصى بوصايا غير ذلك يعزل الثلث لأصحاب الوصايا والثلثان للورثة لأن ميراثهم معلوم وكذا الوصايا معلومة وهذا مجهول فلا يزاحم المعلوم فيقدم عزل المعلوم وفي الإفراز فائدة أخرى وهو أن أحد الفريقين قد يكون اعلم بمقدار هذا الحق وأبصر به والآخر ألد خصاما وعساهم يختلفون في الفضل إذا ادعاه الخصم وبعد الإفراز يصح إقرار كل واحد فيما في يده من غير منازعة وإذا عزل يقال لأصحاب الوصايا صدقوه فيما شئتم ويقال للورثة صدقوه فيما شئتم لأن هذا دين في حق المستحق وصية في حق التنفيذ فإذا أقر كل فريق بشيء ظهر أن في التركة دينا شائعا في النصيبين فيؤخذ أصحاب الثلث بثلث ما أقروا والورثة بثلثي ما أقروا تنفيذا لإقرار كل فريق في قدر حقه وعلى كل فريق منهما اليمين على العلم إن ادعى المقر له زيادة على ذلك لأنه يحلف على ما جرى بينه وبين غيره قال ومن أوصى لأجنبي ولوارثه فللأجنبي نصف الوصية وتبطل وصية الوارث لأنه أوصى بما يملك الإيصاء به وبما لا يملك فصح في الأول وبطل في الثاني بخلاف ما إذا أوصى لحي وميت لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يصلح مزاحما فيكون الكل للحي والوارث من أهلها ولهذا تصح بإجازة الورثة فافترقا وعلى هذا إذا أوصى للقاتل وللأجنبي وهذا بخلاف ما إذا أقر بعين أو دين لوارثه وللأجنبي حيث لا يصح في حق الأجنبي أيضا لآن الوصية إنشاء تصرف والشركة تثبت حكما له فتصح في حق من يستحقه منهما وأما الإقرار فإخبار عن كائن وقد أخبر بوصف الشركة في الماضي ولا وجه إلى إثباته بدون هذا الوصف لأنه خلاف ما أخبر به ولا إلى إثبات الوصف لأنه يصير الوارث فيه شريكا ولأنه لو قبض الأجنبي شيئا كان للوارث أن يشاركه فيبطل في ذلك القدر ثم لا يزال يقبض ويشاركه الوارث حتى يبطل الكل فلا يكون مفيدا وفي الإنشاء حصة أحدهما ممتازة عن حصة الآخر بقاء وبطلانا قال ومن كان له ثلاثة أثواب جيد ووسط ورديء فأوصى بكل واحد لرجل فضاع ثوب ولا يدري أيها هو والورثة تجحد ذلك فالوصية باطلة ومعنى جحودهم أن يقول الوارث لك واحد منهم بعينه الثوب الذي هو حقك قد هلك فكان المستحق مجهولا وجهالته تمنع صحة القضاء وتحصيل المقصود فبطل قال إلا أن يسلم الورثة الثوبين الباقيين فإن سلموا زال المانع وهو الجحود فيكون لصاحب الجيد ثلثا الثوب الأجود ولصاحب الأوسط ثلث الجيد وثلث الأدون فثبت الأدون ولصاحب الأدون ثلثا الثوب الأدون لأن صاحب الجيد لاحق له في الرديء بيقين لأنه إما أن يكون وسطا أو رديئا ولا حق له فيهما وصاحب الرديء لا حق له في الجيد الباقي بيقين لأنه إما أن يكون جيدا أو سطا ولا حق له فيهما ويحتمل أن يكون الرديء هو الرديء الأصلي فيعطى من محل الاحتمال وإذا ذهب ثلثا الجيد وثلثا الأدون لم يبق إلا ثلث الجيد وثلث الرديء فيتعين حق صاحب الوسط فيه بعينه ضرورة
قال وإذا كانت الدار بين رجلين فأوصى أحدهما ببيت بعينه لرجل فإنها تقسم فإن وقع البيت في نصيب الموصي فهو للموصى له عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد نصفه للموصى له وإن وقع في نصيب الآخر فللموصى له مثل ذرع البيت وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله مثل ذرع نصف البيت له أنه أوصى بملكه وبملك غيره لأن الدار بجميع أجزائها مشتركة فينفذ الأول ويوقف الثاني وهو إن ملكه بعد ذلك بالقسمة التي هي مبادلة لا تنفذ الوصية السالفة كما إذا أوصى بملك الغير ثم اشتراه ثم إذا اقتسموها ووقع البيت في نصيب الموصي تنفذ الوصية في عين الموصى به وهو نصف البيت وإن وقع في نصيب صاحبه له مثل ذرع نصف البيت تنفيذا للوصية في بدل الموصى به عند فواته كالجارية الموصى بها إذا قتلت خطأ تنفذ الوصية في بدلها بخلاف ما إذا بيع العبد الموصى به حيث لا تتعلق الوصية بثمنه لأن الوصية تبطل بالإقدام على البيع على ما بيناه ولا تبطل بالقسمة ولهما أنه أوصى بما يستقر ملكه فيه بالقسمة لأن الظاهر أنه يقصد الإيصاء بملك منتفع به من كل وجه وذلك يكون بالقسمة لأن الانتفاع بالمشاع قاصر وقد استقر ملكه في جميع البيت إذا وقع في نصيبه فتنفذ الوصية فيه ومعنى المبادلة في هذه القسمة تابع وإنما المقصود الإفراز تكميلا للمنفعة ولهذا يجبر على القسمة فيه وعلى اعتبار الإفراز يصير كأن البيت ملكه من الابتداء وإن وقع في نصيب الآخر تنفذ في قدر ذرعان جميعه مما وقع في نصيبه إما لأنه عوضه كما ذكرناه أو لأن مراد الموصي من ذكر البيت التقدير به تحصيلا لمقصوده ما أمكن إلا أنه يتعين البيت إذا وقع في نصيبه جمعا بين الجهتين والتقدير والتمليك وإن وقع في نصيب الآخر عملنا بالتقدير أو لأنه أراد التقدير على اعتبار أحد الوجهين والتمليك بعينه على اعتبار الوجه الآخر كما إذا علق عتق الولد وطلاق المرأة بأول ولد تلده أمته فالمراد في جزاء الطلاق مطلق الولد وفي العتق ولد حي ثم إذا وقع البيت في نصيب غير الموصى والدار مائة ذراع والبيت عشرة أذرع يقسم نصيبه بين الموصى له وبين الورثة على عشرة أسهم تسعة منها للورثة وسهم للموصى له وهذا عندمحمد رحمه الله فيضرب الموصى له بخمسة أذرع نصف البيت وهم بنصف الدار سوى البيت وهو خمسة وأربعون فيجعل كل خمسة سهما فيصير عشرة وعندهما يقسم على أحد عشر سهما لأن الموصى له يضرب بالعشرة وهم بخمسة وأربعين فتصير السهام أحد عشر للموصى له سهمان ولهم تسعة ولو كان مكان الوصية إقرار قيل هو على الخلاف وقيل لا خلاف فيه لمحمد رحمه الله والفرق له أن الإقرار بملك الغير صحيح حتى أن من أقر بملك الغير لغيره ثم ملكه يؤمر بالتسليم إلى المقر له والوصية بملك الغير لا تصح حتى لو ملكه بوجه من الوجوه ثم مات لا تصح وصيته ولا تنفذ قال ومن أوصى من مال رجل لآخر بألف بعينه فأجاز صاحب المال بعد موت الموصى فإن دفعه فهو جائز وله أن يمنع لأن هذا تبرع بمال الغير فيتوقف على إجازته وإذا أجاز يكون تبرعا منه ايضا فله أن يمتنع من التسلم بخلاف ما إذا اوصى بالزيادة على الثلث وأجازت الورثة لأن الوصية في مخرجها صحيحة لمصادفتها ملك نفسه والامتناع لحق الورثة فإذا أجازوها سقط حقهم فنفذ من جهة الموصي
قال وإذا اقتسم الابنان تركة الأب ألفا ثم أقر أحدهما لرجل أن الأب أوصى له بثلث ماله فإن المقر يعطيه ثلث ما في يده وهذا استحسان والقياس أن يعطيه نصف ما في يده وهو قول زفر رحمه الله لأن إقراره بالثلث له تضمن إقراره بمساواته إياه والتسوية في إعطاء النصف ليبقى له النصف وجه الاستحسان أنه أقر له بثلث شائع في التركة وهي في أيديهما فيكون مقرا بثلث ما في يده بخلاف ما إذا أقر أحدهما بدين لغيره لأن الدين مقدم على الميراث فيكون مقرا بتقدمه فيقدم عليه أما الموصى له بالثلث شريك الوارث فلا يسلم له شيء إلا أن يسلم للورثة مثلاه ولأنه لو أخذ منه نصف ما في يده فربما يقر الابن الآخر به أيضا فيأخذ نصف ما في يده فيصير نصف التركة فيزاد على الثلث قال ومن أوصى لرجل بجارية فولدت بعد موت الموصي ولدا وكلاهما يخرجان من الثلث فهما للموصى له لأن الأم دخلت في الوصية أصالة والولد تبعا حين كان متصلا بالأم فإذا ولدت قبل القسمة والتركة قبلها مبقاة على ملك الميت حتى يقضى بها ديونه دخل في الوصية فيكونان للموصي له وإن لم يخرجا من الثلث ضرب بالثلث وأخذ ما يخصه منهما جميعا في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وقال أبو حنيفة يأخذ ذلك من الأم فإن فضل شيء أخذه من الولد وفي الجامع الصغير عين صورة وقال رجل له ستمائة درهم وأمة تساوي ثلثمائة درهم فأوصى بالجارية لرجل ثم مات فولدت ولدا يساوي ثلثمائة درهم قبل القسمة فللموصى له الأم وثلث الولد عنده وعندهما له ثلثا كل واحد منهما لهما ما ذكرنا أن الولد دخل في الوصية تبعا حالة الاتصال فلا يخرج عنها بالانفصال كما في البيع والعتق فتنفذ الوصية فيهما على السواء من غير تقديم الأم وله أن الأم أصل والولد تبع والتبع لا يزاحم الأصل فلو نفذنا الوصية فيهما جميعا تنتقض الوصية في بعض الأصل وذلك لا يجوز بخلاف البيع لأن تنفيذ البيع في التبع لا يؤدي إلى نقضه في الأصل بل يبقى تاما صحيحا فيه إلا أنه لا يقابله بعض الثمن ضرورة مقابلته بالولد إذا اتصل به القبض ولكن الثمن تابع في البيع حتى ينعقد البيع بدون ذكره وإن كان فاسدا هذا إذا ولدت قبل القسمة فإن ولدت بعد القسمة فهو للموصى له لأنه نماء خالص ملكه لتقرر ملكه فيه بعد القسمة فصل في اعتبار حالة الوصية قال وإذا أقر المريض لامرأة بدين أو أوصى لها بشيء أو وهب لها ثم تزوجها ثم مات جاز الإقرار وبطلت الوصية والهبة لأن الإقرار ملزم بنفسه وهي أجنبية عند صدوره ولهذا يعتبر من جميع المال ولا يبطل بالدين إذا كان في حالة الصحة أو في حالة المرض إلا أن الثاني يؤخر عنه بخلاف الوصية لأنها إيجاب عند الموت وهي وارثة عند ذلك ولا وصية للوارث والهبة وإن كانت منجزة صورة فهي كالمضاف إلى ما بعد الموت حكما لأن حكمها يتقرر عند الموت ألا ترى أنها تبطل بالدين المستغرق وعند عدم الدين تعتبر من الثلث
قال وإذا أقر المريض لابنه بدين وابنه نصراني أو وهب له أو أوصى له فأسلم الابن قبل موته بطل ذلك كله أما الهبة والوصية فلما قلنا إنه وارث عند الموت وهما إيجابان عنده أو بعده والإقرار وإن كان ملزما بنفسه ولكن سبب الإرث وهو البنوة قائم وقت الإقرار فيعتبر في إيراث تهمة الإيثار بخلاف ما تقدم لأن سبب الإرث الزوجية وهي طارئة حتى لو كانت الزوجية قائمة وقت الإقرار وهي نصرانية ثم أسلمت قبل موته لا يصح الإقرار لقيام السبب حال صدوره وكذا لو كان الابن عبدا أو مكاتبا فأعتق لما ذكرنا وذكر في كتاب الإقرار إن لم يكن عليه دين يصح لأنه أقر لمولاه وهو أجنبي وإن كان عليه دين لا يصح لأنه إقرار له وهو ابنه والوصية باطلة لما ذكرنا أن المعتبر فيها وقت الموت واما الهبة فيروى أنها تصح لأنها تمليك في الحال وهو رقيق وفي عامة الروايات هي في مرض الموت بمنزلة الوصية فلا تصح قال والمقعد والمفلوج والأشل والمسلول إذا تطاول ذلك ولم يخف منه الموت فهبته من جميع المال لأنه إذا تقادم العهد صار طبعا من طباعه ولهذا لا يشتغل بالتداوي ولو صار صاحب فراش بعد ذلك فهو كمرض حادث وإن وهب عندما أصابه ذلك ومات من أيامه فهو من الثلث إذا صار صاحب فراش لأنه يخاف منه الموت ولهذا يتداوى فيكون مرض الموت والله أعلم بالصواب 2 باب العتق في مرض الموت 2 قال ومن أعتق في مرضه عبدا أو باع وحابى أو وهب فذلك كله جائز وهو معتبر من الثلث ويضرب به مع أصحاب الوصايا وفي بعض النسخ فهو وصية مكان قوله جائز والمراد الاعتبار من الثلث والضرب مع أصحاب الوصايا لا حقيقة الوصية لأنها إيجاب بعد الموت وهذا منجز غير مضاف واعتباره من الثلث لتعلق حق الورثة وكذلك ما ابتدأ المريض إيجابه على نفسه كالضمان والكفالة في حكم الوصية لأنه يتهم فيه كما في الهبة وكل ما أوجبه بعد الموت فهو من الثلث وإن أوجبه في حال صحته اعتبارا بحالة الإضافة دون حالة العقد وما نفذه من التصرف فالمعتبر فيه حالة العقد فإن كان صحيحا فهو من جمبع المال وإن كان مريضا فمن الثلث وكل مرض صح منه فهو كحال الصحة لأن بالبرء تبين أنه لا حق لأحد في ماله قال وإن حابى ثم أعتق وضاق الثلث عنهما فالمحاباة أولى عند أبي حنيفة رحمه الله وإن أعتق ثم حابى فهما سواء وقالا العتق أولى في المسألتين والأصل فيه أن الوصايا إذا لم يكن فيها ما جاوز الثلث فكل من أصحابها يضرب بجميع وصيته في الثلث لا يقدم البعض على البعض إلا العتق الموقع في المرض والعتق المعلق بموت الموصي كالتدبير الصحيح والمحاباة في البيع إذا وقعت في المرض لأن الوصايا قد تساوت والتساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في نفس الاستحقاق وإن مات قدم العتق الذي ذكرناه آنفا لأنه أقوى فإنه لا يلحقه الفسخ من جهة الموصى وغيره يلحقه وكذلك المحاباة لا يلحقها الفسخ من جهة الموصى وإذا تقدم ذلك فما بقي من الثلث بعد ذلك يستوي فيه من سواهما من اهل الوصايا ولا يقدم البعض على البعض لهما في الخلافية أن العتق أقوى لأنه لا يلحقه الفسخ والمحاباة يلحقها ولا معتبر بالتقديم في الذكر لأنه لا يوجب التقدم في الثبوت وله أن المحاباة أقوى لأنها تثبت في ضمن عقد المعاوضة فكان تبرعا بمعناه لا بصيغته والإعتاق تبرع صيغة ومعنى فإذا وجدت المحاباة أولا دفع الأضعف وإذا وجد العتق أولا وثبت وهو لا يحتمل الدفع كان من ضروراته المزاحمة وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا حابى ثم أعتق ثم حابى قسم الثلث بين المحاباتين نصفين لتساويهما ثم ما أصاب المحاباة الأخيرة قسم بينها وبين العتق لأن العتق مقدم عليها فيستويان ولو أعتق ثم حابى ثم أعتق قسم الثلث بين العتق الأول والمحاباة نصفين وما أصاب العتق قسم بينه وبين العتق الثاني وعندهما العتق أولى بكل حال
قال ومن أوصى بأن يعتق عنه بهذه المائة عبد فهلك منها درهم لم يعتق عنه بما بقي عند أبي حنيفة رحمه الله وإن كانت وصيته بحجة يحج عنه بما بقي من حيث يبلغ وإن لم يهلك منها وبقي شيء من الحجة يرد على الورثة وقالا يعتق عنه بما بقي لأنه وصية بنوع قربة فيجب تنفيذها ما أمكن اعتبارا بالوصية بالحج وله أنه وصية بالعتق لعبد يشتري بمائة وتنفيذها فيمن يشتري بأقل منه تنفيذ لغير الموصى له وذلك لا يجوز بخلاف الوصية بالحج لأنها قربة محضة وهي حق الله تعالى والمستحق لم يتبدل فصار كما إذا أوصى لرجل بمائة فهلك بعضها يدفع الباقي إليه وقيل هذه المسألة بناء على أصل آخر مختلف فيه وهو أن العتق حق الله تعالى عندهما حتى تقبل الشهادة عليه من غير دعوى فلم يتبدل المستحق وعنده حق العبد حتى لا تقبل البينة عليه من غير دعوى فاختلف المستحق وهذا أشبه قال ومن ترك ابنين ومائة درهم وعبدا قيمته مائة درهم وقد كان أعتقه في مرضه فأجاز الوارثان ذلك لم يسع في شيء لأن العتق في مرض الموت وإن كان في حكم الوصية وقد وقعت بأكثر من الثلث إلا أنها تجوز بإجازة الورثة لأن الامتناع لحقهم وقد أسقطوه قال ومن أوصى بعتق عبده ثم مات فجنى جناية ودفع بها بطلت الوصية لأن الدفع قد صح لما أن حق ولي الجناية مقدم على حق الموصي فكذلك على حق الموصى له لأنه يتلقى الملك من جهته إلا أن ملكه فيه باق وإنما يزول بالدفع فإذا خرج به عن ملكه بطلت الوصية كما إذا باعه الموصي أو وارثه بعد موته فإن فداه الورثة كان الفداء في مالهم لأنهم هم الذين التزموه وجازت الوصية لأن العبد طهر عن الجناية بالفداء كأنه لم يجن فتنفذ الوصية قال ومن أوصى بثلث ماله لآخر فأقر الموصى له والوارث أن الميت أعتق هذا العبد قال الموصى له أعتقه في الصحة وقال الوارث أعتقه في المرض فالقول قول الوارث ولا شيء للموصى له إلا أن يفضل من الثلث شيء أو تقوم له البينة أن العتق في الصحة لأن الموصى له يدعي استحقاق ثلث ما بقي من التركة بعد العتق لأن العتق في الصحة ليس بوصية ولهذا ينفذ من جميع المال والوارث ينكر لأن مدعاه العتق في المرض وهو وصية والعتق في المرض مقدم على الوصية بثلث المال فكان منكرا والقول قول المنكر مع اليمين ولأن العتق حادث والحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات للتيقن بها فكان الظاهر شاهدا للوارث فيكون القول قوله مع اليمين إلا أن يفضل شيء من الثلث على قيمة العبد لأنه لا مزاحم له فيه أو تقوم له البينة أن العتق في الصحة لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة وهو خصم في إقامتها لإثبات حقه قال ومن ترك عبدا فقال للوارث أعتقني أبوك في الصحة وقال رجل لي على أبيك ألف درهم فقال صدقتما فإن العبد يسعى في قيمته عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يعتق ولا يسعى في شيء لأن الدين والعتق في الصحة ظهرا معا بتصديق الوارث في كلام واحد فصارا كأنهما كانا معا والعتق في الصحة لا يوجب السعاية وإن كان على المعتق دين وله أن الإقرار بالدين أقوى لآنه يعتبر من جميع المال والإقرار بالعتق في المرض يعتبر من الثلث والأقوى يدفع الأدنى فقضيته أن يبطل العتق أصلا إلا أنه بعد وقوعه لا يحتمل البطلان فيدفع من حيث المعنى بإيجاب السعاية ولأن الدين أسبق لأنه لا مانع له من الاستناد فيستند إلى حالة الصحة ولا يمكن إسناد العتق إلى تلك الحالة لأن لدين يمنع العتق في حالة المرض مجانا فتجب السعاية وعلى هذا الخلاف إذا مات الرجل وترك الف درهم فقال رجل لي على الميت ألف درهم دين وقال الآخر كان لي عنده ألف درهم وديعة فعنده الوديعة أقوى وعندهما سواء والله أعلم فصل
قال ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منها قدمها الموصي أو أخرها مثل الحج والزكاة والكفارات لأن الفريضة أهم من النافلة والظاهر منه البداءة بما هو الأهم فإن تساوت في القوة بدىء بما قدمه الموصى إذا ضاق عنها الثلث لأن الظاهر أنه يبتدىء بالأهم وذكر الطحاوي رحمه الله أنه يبتدىء بالزكاة ويقدمها على الحج وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله وفي رواية عنه أنه يقدم الحج وهو قول محمد رحمه الله وجه الأولى أنهما وإن استويا في الفرضية فالزكاة تعلق بها حق العباد فكان أولى وجه الآخرى أن الحج يقام بالمال والنفس والزكاة بالمال قصرا عليه فكان الحج أقوى ثم تقدم الزكاة والحج على الكفارات لمزيتهما عليها في القوة إذا قد جاء فيهما من الوعيد مالم يأت في الكفارات والكفارة في القتل والظهار واليمين مقدمة على صدقة الفطر لأنه عرف وجوبها دون صدقة الفطر وصدقة الفطر مقدمة على الأضحية للاتفاق على وجوبها بالقرآن والاختلاف في الأضحية وعلى هذا القياس يقدم بعض الواجبات على البعض قال ومال ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصي لما بينا وصار كما إذا صرح بذلك قالوا إن الثلث يقسم على جميع الوصايا ما كان لله تعالى وما كان للعبد فما أصاب القرب صرف إليها على الترتيب الذي ذكرناه ويقسم على عدد القرب ولا يجعل الجميع كوصية واحدة لأنه إن كان المقصود بجميعها رضا الله تعالى فكل واحدة في نفسها مقصود فتنفرد كما تنفرد وصايا الآدميين قال ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلا من بلده يحج راكبا لأن الواجب لله تعالى الحج من بلده ولهذا يعتبر فيه من المال ما يكفيه من بلده والوصية لأداء ماهو الواجب عليه وإنما قال راكبا لأنه لايلزمه أن يحج ماشيا فانصرف إليه على الوجه الذي وجب عليه قال فإن لم تبلغ الوصية النفقة أحجوا عنه من حيث تبلغ وفي القياس لا يحج عنه لأنه أمر بالحجة على صفة علمناها فيه غير أنا جوزناه لأنا نعلم أن الموصي قصد تنفيذ الوصية فيجب تنفيذها ما أمكن والممكن فيه ما ذكرناه وهو أولى من إبطالها رأسا وقد فرقنا بين هذا وبين الوصية بالعتق من قبل قال ومن خرج من بلده حاجا فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه يحج عنه من بلده عند أبي حنيفة وهو قول زفر وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يحج عنه من حيث بلغ استحسانا وعلى هذا الخلاف إذا مات الحاج عن غيره في الطريق لهما أن السفر بنية الحج وقع قربة وسقط فرض المسافة بقدره وقد وقع أجره على الله فيبتدىء من ذلك المكان كأنه من أهله بخلاف سفر التجارة لأنه لم يقع قربة فيحج عنه من بلده وله أن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده على ما قررناه أداء للواجب على الوجه الذي وجب والله أعلم 2 باب الوصية للأقارب وغيرهم 2 قال ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هم الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلة الموصى ويجمعهم مسجد المحلة وهذا استحسان وقوله قياس لأن الجار من المجاورة وهي الملاصقة حقيقة ولهذا يستحق الشفعة بهذا الجوار ولأنه لما تعذر صرفه إلى الجميع يصرف إلى أخص الخصوص وهو الملاصق وجه الاستحسان أن هؤلاء كلهم يسمون جيرانا عرفا وقد تأيد بقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وفسره بكل من سمع النداء ولأن القصد بر الجيران واستحبابه ينتظم الملاصق وغيره إلا أنه لا بد من الاختلاط وذلك عند اتحاد المسجد وما قاله الشافعي رحمه الله الجوار إلى أربعين دارا بعيد وما يروى فيه ضعيف قالوا ويستوي فيه الساكن والمالك والذكر والأنثى والمسلم والذمي لأن اسم الجار يتناولهم ويدخل فيه العبد الساكن عنده لإطلاقه ولا يدخل عندهما لأن الوصية له وصية لمولاه وهو غير ساكن
قال ومن أوصى لأصهاره فالوصية لكل ذي رحم محرم من امرأته لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تزوج صفية أعتق كل من ملك من ذي رحم محرم منها إكراما لها وكانوا يسمون أصهار النبي عليه الصلاة والسلام وهذا التفسير اختيار محمد وأبي عبيدة رحمهما الله وكذا يدخل فيه كل ذي رحم محرم من زوجة أبيه وزوجة ابنه وزوجة كل ذي رحم محرم منه لأن الكل أصهار ولو مات الموصى والمرأة في نكاحه أو في عدته من طلاق رجعي فالصهر يستحق الوصية وإن كانت في عدة من طلاق بائن لايستحقها لأن بقاء الصهرية ببقاء النكاح وهو شرط عند الموت قال ومن أوصى لأختانه فالوصية لزوج كل ذات رحم محرم منه وكذا محارم الأزواج لأن الكل يسمى ختنا قيل هذا في عرفهم وفي عرفنا لايتناول الأزواج المحارم ويستوي فيه الحر والعبد والأقرب والأبعد لأن اللفظ يتناول الكل قال ومن أوصى لأقاربه فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه ولا يدخل فيه الوالدان والولد ويكون ذلك للإثنين فصاعدا وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال صاحباه الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام وهو أول أب أسلم أو أول أب أدرك الإسلام وإن لم يسلم على حسب ما اختلف فيه المشايخ رحمهم الله وفائدة الاختلاف تظهر في أولاد أبي طالب فإنه أدرك الإسلام ولم يسلم لهما أن القريب مشتق من القرابة فيكون اسما لمن قامت به فينتظم بحقيقته مواضع الخلاف وله أن الوصية أخت الميراث وفي الميراث يعتبر الأقرب فالأقرب والمراد بالجمع المذكور فيه اثنان فكذا في الوصية والمقصد من هذه الوصية تلافي ما فرط في إقامة واجب الصلة وهو يختص بذي الرحم المحرم منه ولا يدخل فيه قرابة الولاد فإنهم لا يسمون أقرباء ومن سمى والده قريبا كان منه عقوقا وهذا لأن القريب في عرف اللسان من يتقرب إلى غيره بوسيلة غيره وتقرب الوالد والولد بنفسه لا بغيره ولا معتبر بظاهر اللفظ بعد انعقاد الإجماع على تركه فعنده يقيد بما ذكرناه وعندهما بأقصى الأب في الإسلام وعند الشافعي رحمه الله بالأب الأدنى قال وإذا أوصى لأقاربه ولد عمان وخالان فالوصية لعميه عنده اعتبارا للأقرب كما في الإرث وعندهما بينهم أرباعا إذ هما لا يعتبران الأقرب ولو ترك عما وخالين فالعم نصف الوصية والنصف للخالين لأنه لا بد من اعتبار معنى الجمع وهو الإثنان في الوصية كما في الميراث بخلاف ما إذا أوصى لذي قرابته حيث يكون للعم كل الوصية لأن اللفظ للفرد فيحرز الواحد كلها إذ هو الأقرب ولو كان له عم واحد فله نصف الثلث لما بيناه ولو ترك عما وعمة وخالا وخالة فالوصية للعم والعمة بينهما بالسوية لاستواء قرابتهما وهي أقوى والعمة وإن لم تكن وارثة فهي مستحقة للوصية كما لو كان القريب رقيقا أو كافرا وكذا إذا أوصى لذوي قرابته أو لأقربائه أو لأنسبائه في جميع ما ذكرنا لأن كل ذلك لفظ جمع ولو انعدم المحرم بطلت الوصية لأنها مقيدة بهذا الوصف قال ومن أوصى لأهل فلان فهي على زوجته عند أبي حنيفة رحمه الله وقال يتناول كل من يعولهم وتضمهم نفقته اعتبارا للعرف وهو مؤيد بالنص قال الله تعالى وأتوني بأهلكم أجمعين وله أن اسم الأهل حقيقة في الزوجة يشهد بذلك قوله تعالى وسار بأهله ومنه قولهم تأهل ببلدة كذا والمطلق ينصرف إلى الحقيقة
قال ولو أوصى لآل فلان فهو لأهل بيته لأن الآل القبيلة التي ينسب إليها ولو أوصى لأهل بيت فلان يدخل فيه أبوه وجده لأن الأب أصل البيت ولو أوصى لأهل نسبه أو لجنسه فالنسب عبارة عمن ينسب إليه والنسب يكون من جهة الآباء وجنسه أهل بيت أبيه دون أمه لأن الإنسان يتجنس بأبيه بخلاف قرابته حيث تكون من جانب الأم والأب ولو أوصى لأيتام بني فلان أو لعميانهم أو لزمناهم أو لأراملهم إن كانوا قوما يحصون دخل في الوصية فقراؤهم وأغنياؤهم ذكورهم وإناثهم لأنه أمكن تحقيق التمليك في حقهم والوصية تمليك وإن كانوا لا يحصون فالوصية في الفقراء منهم لأن المقصود من الوصية القربة وهي في سد الخلة ورد الجوعة وهذه الأسامي تشعر بتحقق الحاجة فجاز حمله على الفقراء بخلاف ما إذا أوصى لشبان بني فلان وهم لا يحصون أو لأيامى بني فلان وهم لا يحصون حيث تبطل الوصية لأنه ليس في اللفظ ما ينبىء عن الحاجة فلا يمكن صرفه إلى الفقراء ولا يمكن تصحيحه تمليكا في حق الكل للجهالة المتفاحشة وتعذر الصرف إليهم وفي الوصية للفقراء والمساكين يجب الصرف إلى اثنين منهم اعتبارا لمعنى الجمع وأقله اثنان في الوصايا على ما مر ولو أوصى لبني فلان يدخل فيهم الإناث في قول أبي حنيفة رحمه الله أول قوليه وهو قولهما لأن جمع الذكور يتناول الإناث ثم رجع وقال يتناول الذكور خاصة لأن حقيقة الاسم للذكور وانتظامه للإناث تجوز والكلام لحقيقته بخلاف ما إذا كان بنو فلان اسم قبيلة أو فخذ حيث يتناول الذكور والإناث لأنه ليس يراد بها أعيانهم إذ هو مجرد الانتساب كبني آدم ولهذا يدخل فيه مولى العتاقة والموالاة وحلفاؤهم قال ومن أوصى لولد فلان فالوصية بينهم والذكر والأنثى فيه سواء لأن اسم الولد ينتظم الكل انتظاما واحدا ومن أوصى لورثة فلان فالوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه لما نص على لفظ الورثة آذن ذلك بأن قصده التفضيل كما في الميراث ومن أوصى لمواليه وله موال أعتقهم وموال أعتقوه فالوصية باطلة وقال الشافعي رحمه الله في بعض كتبه إن الوصية لهم جميعا وذكر في موضع آخر أنه يوقف حتى يصالحوا له لأن الاسم يتناولهم لأن كلا منهم يسمى مولى فصار كالإخوة ولنا أن الجهة مختلفة لأن أحدهما يسمى مولى النعمة والآخر منعم عليه فصار مشتركا فلا ينتظمها لفظ واحد في موضع الإثبات بخلاف ما إذا حلف لا يكلم موالي فلان حيث يتناول الأعلى والأسفل لأنه مقام النفي ولا ينافي فيه ويدخل في هذه الوصية من أعتقه في الصحة والمرض ولا يدخل مدبروه وأمهات أولاده لأن عتق هؤلاء يثبت بعد الموت والوصية تضاف إلى حالة الموت فلا بد من تحقق الاسم قبله وعن أبي يوسف رحمه الله أنهم يدخلون لأن سبب الاستحقاق لازم ويدخل فيه عبد قال له مولاه إن لم أضربك فأنت حر لأن العتق يثبت قبيل الموت عند تحقق عجزه ولو كان له موال وأولاد موال وموالي موالاة يدخل فيها معتقوه وأولادهم دون موالي الموالاة وعن أبي يوسف رحمه الله أنهم يدخلون أيضا والكل شركاء لأن الاسم يتناولهم على السواء ومحمد رحمه الله يقول الجهة مختلفة في المعتق الإنعام وفي الموالي عقد الالتزام والإعتاق لازم فكان الاسم له أحق ولا يدخل فيهم موالي الموالي لأنهم موالي غيره حقيقة بخلاف مواليه وأولادهم لأنهم ينسبون إليه بإعتاق وجد منه وبخلاف ما إذا لم يكن له موال ولا أولاد الموالي لأن اللفظ لهم مجاز فيصرف إليه عند تعذر اعتبار الحقيقة ولو كان له معتق واحد وموالي الموالي فالنصف لمعتقه والباقي للورثة لتعذر الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا يدخل فيه موال أعتقهم ابنه أو أبوه لأنهم ليسوا بمواليه لا حقيقة ولا مجازا وإنما يحرز ميراثهم بالعصوبة بخلاف معتق البعض لأنه ينسب إليه بالولاء والله أعلم بالصواب 2 باب الوصية بالسكنى والخدمة والثمرة 2
قال وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره سنين معلومة وتجوز بذلك أبدا لأن المنافع يصح تمليكها في حالة الحياة ببدل وغير بدل فكذا بعد الممات لحاجته كما في الأعيان ويكون محبوسا على ملكه في حق المنفعة حتى يتملكها الموصى له على ملكه كما يستوفى الموقوف عليه منافع الوقف على حكم ملك الواقف وتجوز مؤقتا ومؤبدا كما في العارية فإنها تمليك على أصلنا بخلاف الميراث لأنه خلافة فيما يتملكه المورث وذلك في عين تبقى والمنفعة عرض لا يبقى وكذا الوصية بغلة العبد والدار لأنه بدل المنفعة فأخذ حكمها المعنى يشملهما قال فإن خرجت رقبة العبد من الثلث يسلم إليه ليخدمه لأن حق الموصى له في الثلث لا يزاحمه الورثه وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يوما لأن حقه في الثلث وحقهم في الثلثين كما في الوصية في العين ولا تمكن قسمة العبد أجزاء لأنه لا يتجزأ فصرنا إلى المهايآة إيفاء للحقين بخلاف الوصية بسكنى الدار إذا كانت لا تخرج من الثلث حيث تقسم عين الدار أثلاثا للانتفاع لأنه يمكن القسمة بالأجزاء وهو أعدل للتسوية بينهما زمانا وذاتا وفي المهايأة تقديم أحدهما زمانا ولو اقتسموا الدار مهايأة من حيث الزمان تجوز أيضا لأن الحق لهم إلا أن الأول وهو الأعدل أولى وليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار وعن أبي يوسف رحمه الله أن لهم ذلك لأنه خالص ملكهم وجه الظاهر أن حق الموصى له ثابت في سكنى جميع الدار بأن ظهر للميت مال آخر وتخرج الدار من الثلث وكذا له حق المزاحمة فيما في أيديهم إذا خرب ما في يده والبيع يتضمن إبطال ذلك فمنعوا عنه قال فإن كان مات الموصى له عاد إلى الورثة لأن الموصي أوجب الحق للموصى له ليستوفي المنافع على حكم ملكه فلو انتقل إلى وارث الموصى له استحقها ابتداء من ملك الموصى من غير مرضاته وذلك لا يجوز ولو مات الموصى له في حياة الموصي بطلت لأن إيجابها تعلق بالموت على ما بيناه من قبل ولو أوصى بغلة عبده أو داره فاستخدمه بنفسه أو سكنها بنفسه قيل يجوز ذلك لأن قيمة المنافع كعينها في تحصيل المقصود والأصح أنه لا يجوز لأن الغلة دراهم أو دنانير وقد وجبت الوصية بها وهذا استيفاء المنافع وهما متغايران ومتفاوتان في حق الورثة فإنه لو ظهر دين يمكنهم أداؤه من الغلة بالاسترداد منه بعد استغلالها ولا يمكنهم من المنافع بعد استيفائها بعينها وليس للموصى له بالخدمة والسكنى أن بؤاجر العبد أو الدار وقال الشافعي رحمه الله له ذلك لأنه بالوصية ملك المنفعة فيملك تمليكها من غيره ببدل أو غير بدل لأنها كالأعيان عنده بخلاف العارية لأنها إباحة على اصله وليس بتمليك ولنا أن الوصية تمليك بغير بدل مضاف إلى ما بعد الموت فلا يملك تمليكه ببدل اعتبارا بالإعارة فإنها تمليك بغير بدل في حالة الحياة على أصلنا ولا يملك المستعير الإجارة لأنها تمليك ببدل كل هذا
وتحقيقه أن التمليك ببدل لازم وبغير بدل غير لازم ولا يملك الأقوى بالأضعف والأكثر بالأقل والوصية تبرع غير لازم إلا أن الرجوع للمتبرع لا لغيره والمتبرع بعد الموت لا يمكنه الرجوع فلهذا انقطع أما هو في وضعه فغير لازم ولأن المنفعة ليست بمال على أصلنا وفي تمليكها بالمال إحداث صفة المالية فيها تحقيقا للمساواة في عقد المعاوضة فإنما تثبت هذه الولاية لمن يملكها تبعا لملك الرقبة أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكا لها بالصفة التي تملكها أما إذا تملكها مقصودا بغير عوض ثم ملكها بعوص كان مملكا أكثر مما تملكه معنى وهذا لا يجوز وليس للموصى له أن يخرج العبد من الكوفة إلا أن يكون الموصي له وأهله في غير الكوفة فيخرجه إلى أهله للخدمة هنالك إذا كان يخرج من الثلث لأن الوصية إنما تنفذ على ما يعرف من مقصود الموصي فإذا كانوا في مصره فمقصوده أن يمكنه من خدمته فيه بدون أن يلزمه مشقة السفر وإذا كانوا في غيره فمقصوده أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم ولو أوصى بغلة عبده أو بغلة داره يجوز أيضا لأنه بدل المنفعة فأخذ حكم المنفعة في جواز الوصية به كيف وإنه عين حقيقة لأنه دراهم أو دنانير فكان بالجواز أولى ولو لم يكن له مال غيره كان له ثلث غلة تلك السنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء فلو أراد الموصى له قسمة الدار بينه وبين الورثه ليكون هو الذي يستغل ثلثها لم يكن له ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله فإنه يقول الموصى له شريك الوارث وللشريك ذلك فكذلك للموصى له إلا أنا نقول المطالبة بالقسمة تبتنى على ثبوت الحق للموصى له فيما يلاقيه القسمة إذ هو المطالب ولا حق له في عين الدار وإنما حقه في الغلة فلا يملك المطالبة بقسمة الدار ولو أوصى له بخدمة عبده ولآخر برقبته وهو يخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة والخدمة عليها لصاحب الخدمة لأنه أوجب لكل واحد منهما شيئا معلوما عطفا منه لأحدهما على الآخر فتعتبر هذه الحالة بحالة الانفراد ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة فلو لم يوص في الرقبة بشيء لصارت الرقبة ميراثا للورثة مع كون الخدمة للموصى له فكذا إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر إذ الوصية أخت الميراث من حيث إن الملك يثبت فيهما بعد الموت ولها نظائر وهو ما إذا أوصى بأمة لرجل وبما في بطنها لآخر وهي تحرج من الثلث أو أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه أو قال هذه القوصرة لفلان وما فيها من التمر لفلان كان كما أوصى ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف في هذه المسائل كلها أما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر فيها فكذلك الجواب عند أبي يوسف رحمه الله وعلى قول محمد الأمة للموصى له بها والولد بينهما نصفان وكذلك في أخواتها لأبي يوسف رحمه الله أن بإيجابه في الكلام الثاني تبين أن مراده من الكلام الأول إيجاب الأمة للموصى له بها دون الولد وهذا البيان منه صحيح وإن كان مفصولا لأن الوصية لا تلزم شيئا في حال حياة الموصي فكان البيان المفصول فيه والموصول سواء كما في وصية الرقبة والخدمة ولمحمد رحمه الله أن اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص وكذلك اسم الجارية يتناولها وما في بطنها واسم القوصرة كذلك ومن أصلنا أن العام الذي موجبه ثبوت الحكم على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص فقد اجتمع في الفص وصيتان وكل منهما وصية بإيجاب على حدة فيجعل الفص بينهما نصفين ولا يكون إيجاب الوصية فيه للثاني رجوعا عن الأول كما إذا أوصى للثاني بالخاتم بخلاف الخدمة مع الرقبة لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة وإنما يستخدمه الموصى له بحكم أن المنفعة حصلت على ملكه فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له فيه حق بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا لأن ذلك دليل التخصيص والاستثناء فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص
قال ومن أوصى لآخر بثمرة بستانه ثم مات وفيه ثمرة فله هذه الثمرة وحدها وإن قال له ثمرة بستاني أبدا فله هذه الثمرة وثمرته فيما يستقبل ما عاش وإن أوصى له بغلة بستانه فله الغلة القائمة وغلته فيما يستقبل والفرق أن الثمرة اسم للموجود عرفا فلا يتناول المعدوم إلا بدلالة زائدة مثل التنصيص على الأبد لأنه لا يتأبد إلا بتناول المعدوم والمعدوم مذكور وإن لم يكن شيئا أما الغلة فتنتظم الموجود وما يكون بعرض الوجود مرة بعد أخرى عرفا يقال فلان يأكل من غلة بستانه ومن غلة أرضه وداره فإذا أطلقت يتناولهما عرفا غير موقوف على دلالة أخرى أما الثمرة إذا أطلقت فلا يراد بها إلا الموجود فلهذا يفتقر الانصراف إلى دليل زائد قال ومن أوصى لرجل بصوف غنمه أبدا أو بأولادها أو بلبنها ثم مات فله مافي بطونها من الولد وما في ضروعها من اللبن وما على ظهورها من الصوف يوم يموت الموصى سواء قال أبدا أو لم يقل لأنه إيجاب عند الموت فيعتبر قيام هذه الأشياء يومئذ وهذا بخلال ما تقدم والفرق أن القياس يأبى تمليك المعدوم لأنه لا يقبل الملك إلا أن في الثمرة والغلة المعدومة جاء الشرع بورود العقد عليها كالمعاملة والإجارة فاقتضى ذلك جوازه في الوصية بالطريق الأولى لأن بابها أوسع أما الولد المعدوم وأختاه فلا يجوز إيراد العقد عليها أصلا ولا تستحق بعقدها فكذلك لا يدخل تجب الوصية بخلاف الموجود منها لأنه يجوز استحقاقها بعقد البيع تبعا وبعد الخلع مقصودا فكذا بالوصية والله أعلم بالصواب 2 باب وصية الذمي 2 قال وإذا صنع يهودي أو نصراني بيعة أو كنيسة في صحته ثم مات فهو ميراث لأن هذا بمنزلة الوقف عند أبي حنيفة رحمه الله والوقف عنده يورث ولا يلزم فكذا هذا وأما عندهما فلأن هذه معصية فلا تصح عندهما قال ولو أوصى بذلك لقوم مسمين فهو الثلث معناه إذا أوصى أن تبنى داره بيعة أو كنيسة فهو جائز من الثلث لأن الوصية فيها معنى الاستخلاف ومعنى التمليك وله ولاية ذلك فأمكن تصحيحه على اعتبار المعينين قال وإن أوصى بداره كنيسة لقوم غير مسلمين جازت الوصية عند أبي حنيفة رحمه الله وقالاالوصية باطلة لأن هذه معصية حقيقة وإن كان في معتقدهم قربة والوصية بالمعصية باطلة لما في تنفيذها من تقرير المعصية ولأبي حنيفة رحمه الله أن هذه قربه في معتقدهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون فتجوز بناء على اعتقادهم ألا يرى أنه لو أوصى بما هو قربة حقيقة معصية في معتقدهم لا تجوز الوصية اعتبارا لاعتقادهم فكذا عكسه ثم الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بين بناء البيعة والكنيسة وبين الوصية به أن البناء نفسه ليس بسبب لزوال ملك الباني وإنما يزول ملكه بأن يصير محررا خالصا لله تعالى كما في مساجد المسلمين والكنيسة لم تصر محررة لله تعالى حقيقة فتبقى ملكا للباني فتورث عنه ولأنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنونها فلم يتحرر لتعلق حق العباد به وفي هذه الصورة يورث المسجد أيضا لعدم تحرره بخلاف الوصية لأنه وضع لإزالة الملك إلا أنه امتنع ثبوت مقتضاه في غير ماهو قربه عندهم فبقي فيما هو قربة على مقتضاه فيزول ملكه فلا يورث ثم الحاصل أن وصايا الذمي على أربعة أقسام منها أن تكون قربة في معتقدهم ولا تكون قربه في حقنا وهو ما ذكرناه وما إذا أوصى الذمي بأن تذبح خنازيرة وتطعم المشركين وهذه على الخلاف إذاكان لقوم غير مسلمين كما ذكرناه والوجه ما بيناه ومنها إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا ولا يكون قربة في معتقدهم كما إذا أوصى بالحج أو بأن يبنى مسجد للمسلمين أو بأن يسرج في مساجد المسلمين فهذه الوصية باطلة بالإجماع اعتبارا لاعتقادهم إلا إذا كان لقوم بأعيانهم لوقوعه تمليكا لأنهم معلومون والجهة مشورة
ومنها إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا وفي حقهم كما إذا أوصى بأن يسرج في بيت المقدس أو يغزى الترك وهو من الروم وهذا جائز سواء كانت لقوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم لأنه وصية بما هو قربة حقيقة وفي معتقدهم أيضا ومنها إذا أوصى بما لا يكون قربة لا في حقنا ولا في حقهم كما إذا أوصى للمغنيات والنائحات فإن هذا غير جائز لأنه معصية في حقنا وفي حقهم إلا أن يكون لقوم بأعيانهم فيصح تمليكا واستخلافا وصاحب الهوى إن كان لا يكفر فهو في حق الوصية بمنزلة المسلمين لأنا أمرنا ببناء الأحكام على الظاهر وإن كان يكفر فهو بمنزلة المرتد فيكون على الخلاف المعروف في تصرفاته بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها لأنها تبقى على الردة بخلاف المرتد لأنه يقتل أو يسلم قال وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز لأن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة ولهذا تنفذ بإجازتهم وليس لورثته حق مرعي لكونهم في دار الحرب إذ هم أموات في حقنا ولأن حرمة ماله باعتبار الأمان والأمان كان لحقه لا لحق ورثته ولو كان أوصى بأقل من ذلك أخذت الوصية ويرد الباقي على ورثته وذلك من حق المستأمن أيضا ولو أعتق عبده عند الموت أو دبر عبده في دار الإسلام فذلك صحيح منه من غير اعتبار الثلث لما بينا وكذلك لو أوصى له مسلم أو ذمي بوصية جاز لأنه ما دام في دارالإسلام فهو في المعاملات بمنزلة الذمي ولهذا تصح عقود التمليكات منه في حال حياته ويصح تبرعه في حياته فكذا بعد مماته وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه لا يجوز لأنه مستأمن من اهل الحرب إذ هو على قصد الرجوع ويمكن منه ولا يمكن من زيادة المقام على السنة إلا بالجزية ولو أوصى الذمي بأكثر من الثلث أو لبعض ورثته لا يجوز اعتبارا بالمسلمين لأنهم التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ولو أوصى لخلاف ملته جاز اعتبارا بالإرث إذ الكفر كله ملة واحدة ولو أوصى لحربي في دار الإسلام لا يجوز لأن الإرث ممتنع لتباين الدارين والوصية اخته والله أعلم 2 باب الوصي وما يملكه 2 قال ومن أوصى إلى رجل فقبل الوصي في وجه الموصي وردها في غير وجهه فليس يرد لأن الميت مضى لسبيله معتمدا عليه فلو صح رده في غير وجهه في حياته أو بعد مماته صار مغرورا من جهته فرد رده بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه لأنه لا ضرر هناك لآنه حي قادر على التصرف بنفسه فإن ردها في وجهه فهو رد لأنه ليس للموصى ولاية إلزامه التصرف ولا غرور فيه لأنه يمكنه أن ينيب غيره وإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لأن الموصي ليس له ولاية الإلزام فبقي مخيرا فلو أنه باع شيئا من تركته فقد لزمته لآن ذلك دلالة الالتزام والقبول وهو معتبر بعد الموت وينفذ البيع لصدوره من الوصي وسواء علم بالوصاية أو لم يعلم بخلاف الوكيل إذا لم يعلم بالتوكيل فباع حيث لا ينفذ لأن الوصاية بخلافة لأنه يختص بحال انقطاع ولاية الميت فتنتقل الولاية إليه وإذا كانت خلافة لا تتوقف على العلم كالوراثة أما التوكيل فأنابه لثبوته في حال قيام ولاية المنيب فلا يصح من غير علمه كإثبات الملك بالبيع والشراء وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب