İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
والسبب الثاني اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في أحكام الضحايا وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أم سلمة أنه قال إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره قالوا فقوله إذا أراد أحدكم أن يضحي فيه دليل على أن الضحية ليست بواجبة ولما أمر عليه الصلاة والسلام أبا بردة بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل الصلاة فهم قوم من ذلك الوجوب ومذهب ابن عباس أن لا وجوب قال عكرمة بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري بهما لحما وقال من لقيت فقل له هذه ضحية ابن عباس وروي عن بلال أنه ضحى بديك وكل حديث ليس بوارد في الغرض الذي يحتج فيه به فالاحتجاج به ضعيف واختلفوا هل يلزم الذي يريد التضحية أن لا يأخذ من العشر الأول من شعره وأظفاره والحديث بذلك ثابت الباب الثاني في أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها وعددها وفي هذا الباب أربع مسائل مشهورة إحداها في تمييز الجنس والثانية في تمييز الصفات والثالثة في معرفة السن والرابعة في العدد المسألة الأولى أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام واختلفوا في الأفضل من ذلك فذهب مالك إلى أن الأفضل في الضحايا الكباش ثم البقر ثم الإبل بعكس الأمر عنده في الهدايا وقد قيل عنه الإبل ثم البقر ثم الكباش وذهب الشافعي إلى عكس ما ذهب إليه مالك في الضحايا الإبل ثم البقر ثم الكباش وبه قال أشهب وابن شعبان وسبب اختلافهم معارضة القياس لدليل الفعل وذلك أنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه ضحى إلا بكبش فكان ذلك دليلا على أن الكباش في الضحايا أفضل وذلك فيما ذكر بعض الناس وفي البخاري عن ابن عمر ما يدل على خلاف ذلك وهو أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى وأما القياس فلأن الضحايا قربة بحيوان فوجب أن يكون الأفضل فيها الأفضل في الهدايا وقد احتج الشافعي لمذهبه بعموم قوله عليه الصلاة والسلام من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا الحديث فكان الواجب حمل هذا على جميع القرب بالحيوان وأما مالك فحمله على الهدايا فقط لئلا يعارض الفعل القول وهو الأولى وقد يمكن أن يكون لاختلافهم سبب آخر وهو هل الذبح العظيم الذي فدى به إبراهيم سنة باقية إلى اليوم وأنها الأضحية وأن ذلك معنى قوله تعالى وتركنا عليه في الآخرين فمن ذهب إلى هذا قال الكباش أفضل ومن رأى أن ذلك ليست سنة باقية لم يكن عنده دليل على أن الكباش أفضل مع أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بالأمرين جميعا وإذا كان ذلك كذلك فالواجب المصير إلى قول الشافعي وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام إلا ما حكي عن الحسن بن الصالح أنه قال تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة والظبي عن واحد المسألة الثانية أجمع العلماء على اجتناب العرجاء البين عرجها في الضحايا والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى مصيرا لحديث البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ماذا ينقى من الضحايا فأشار بيده وقال أربع وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم العرجاء البين عرجها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى وكذلك أجمعوا على أن ما كان من هذه الأربع خفيفا فلا تأثير له في منع الإجزاء واختلفوا في موضعين أحدهما فيما كان من العيوب أشد من هذه المنصوص عليها مثل العمى وكسر الساق والثاني فيما كان مساويا لها في إفادة النقص وشينها أعني ما كان من العيوب في الأذن والعين والذنب والضرس وغير ذلك من الأعضاء ولم يكن يسيرا فأما الموضع الأول فإن الجمهور على أن ما كان أشد من هذه العيوب المنصوص عليها فهي أحرى أن تمنع الإجزاء
وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا تمنع الإجزاء ولا يتجنب بالجملة أكثر من هذه العيوب التي وقع النص عليها وسبب اختلافهم هل هذا اللفظ الوارد هو خاص أريد به الخصوص أو خاص أريد به العموم فمن قال أريد به الخصوص ولذلك أخبر بالعدد قال لا يمنع الإجزاء إلا هذه الأربعة فقط ومن قال هو خاص أريد به العموم وذلك من النوع الذي يقع فيه التنبيه بالأدنى على الأعلى قال ما هو أشد من المنصوص عليها فهو أحرى أن لا يجزي وأما الموضع الثاني أعني ما كان من العيوب في سائر الأعضاء مفيدا للنقص على نحو إفادة هذه العيوب المنصوص عليها له فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال أحدها أنها تمنع الإجزاء كمنع المنصوص عليها وهو المعروف من مذهب مالك في الكتب المشهورة والقول الثاني أنها لا تمنع الإجزاء وإن كان يستحب اجتنابها وبه قال ابن القصار وابن الجلاب وجماعة من البغداديين من أصحاب مالك والقول الثالث أنها لا تمنع الإجزاء ولا يستحب تجنبها وهو قول أهل الظاهر وسبب اختلافهم شيئان أحدهما اختلافهم في مفهوم الحديث المتقدم والثاني تعارض الآثار في هذا الباب أما الحديث المتقدم فمن رآه من باب الخاص أريد به الخاص قال لا يمنع ما سوى الأربع مما هو مساو لها أو أكثر منها وأما من رآه من باب الخاص أريد به العام وهم الفقهاء فمن كان عنده أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فقط لا من باب التنبيه بالمساوي على المساوي قال يلحق بهذه الأربع ما كان أشد منها ولا يلحق بها ما كان مساويا لها في منع الإجزاء إلا على وجه الاستحباب ومن كان عنده أنه من باب التنبيه على الأمرين جميعا أعني على ما هو أشد من المنطوق به أو مساو له قال تمنع العيوب الشبيهة بالمنصوص عليها الإجزاء كما يمنعه العيوب التي هي أكبر منها فهذا هو أحد أسباب الخلاف في هذه المسألة وهو من قبل تردد اللفظ بين أن يفهم منه المعنى الخاص أو المعنى العام ثم إن من فهم منه العام فأي عام هو هل الذي هو أكثر من ذلك أو الذي هو أكثر والمساوي معا على المشهور من مذهب مالك وأما السبب الثاني فإنه ورد في هذا الباب من الأحاديث الحسان حديثان متعارضان فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال يا رسول الله أكره النقص يكون في القرن والأذن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك وذكر علي بن أبي طالب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا يضحى بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء والشرقاء المشقوقة الأذن والخرقاء المثقوبة الأذن والمدابرة التي قطع من جنبتي أذنها من خلف فمن رجح حديث أبي بردة قال لا يتقي إلا العيوب الأربع أو ما هو أشد منها ومن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث أبي بردة على اليسير الذي هو غير بين وحديث علي على الكثير الذي هو بين ألحق بحكم المنصوص عليها ما هو مساو لها ولذلك جرى أصحاب هذا المذهب إلى التحديد فيما يمنع الإجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث من الأذن والذنب وبعضهم اعتبر الأكثر وكذلك الأمر في ذهاب الأسنان وأطباء الثدي وأما القرن فإن مالكا قال ليس ذهاب جزء منه عيبا إلا أن يكون يدمى فإنه عنده من باب المرض ولا خلاف في أن المرض البين يمنع الإجزاء وخرج أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أعضب الأذن والقرنواختلفوا في الصكاء وهي التي خلقت بلا أذنين فذهب مالك والشافعي إلى أنها لا تجوز وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان خلقة جاز كالأجم ولم يختلف الجمهور أن قطع الأذن كله أو أكثره عيب وكل هذا الاختلاف راجع إلى ما قدمناه
واختلفوا في الأبتر فقوم أجازوه لحديث جابر الجعفي عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري أنه قال اشتريت كبشا لأضحي به فأكل الذئب ذنبه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ضح به وجابر عند أكثر المحدثين لا يحتج به وقوم أيضا منعوه لحديث علي المتقدم وأما المسألة الثالثة وهي معرفة السن المشترطة في الضحايا فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز الجذع من المعز بل الثني فما فوقه لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة لما أمره بالإعادة يجزيك ولا يجزي جذع عن أحد غيرك واختلفوا في الجذع من الضأن فالجمهور على جوازه وقال قوم بل الثني من الضأن وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص فالخصوص هو حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأنخرجه مسلم والعموم هو ما جاء في حديث أبي بردة بن نيار خرجه من قوله عليه الصلاة والسلام ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك فمن رجح هذا العموم على الخصوص وهو مذهب أبي محمد بن حزم في هذه المسألة لأنه زعم أن أبا الزبير مدلس عند المحدثين والمدلس عندهم من ليس يجري العنعنة من قوله مجرى المسند لتسامحه في ذلك وحديث أبي بردة لا مطعن فيه وأما من ذهب إلى بناء الخاص على العام على ما هو المشهور عند جمهور الأصوليين فإنه استثنى من ذلك العموم جذع الضأن المنصوص عليها وهو الأولى وقد صحح هذا الحديث أبو بكر بن صفور وخطأ أبا محمد بن حزم فيما نسب إلى أبي الزبير في غالب ظني في قول له رد فيه على ابن حزم وأما المسألة الرابعة وهي عدد ما يجزي من الضحايا عن المضحين فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحيا عن نفسه وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع وكذلك عنده الهدايا وأجاز الشافعي وأبو حنيفة وجماعة أن ينحر الرجل البدنة عن سبع وكذلك البقرة مضحيا أو مهديا وأجمعوا على أن الكبش لا يجزي إلا عن واحد إلا ما رواه مالك من أنه يجزي أن يذبحه الرجل عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة بل إذا اشتراه مفردا وذلك لما روي عن عائشة أنها قالت كنا بمنى فدخل علينا بلحم بقر فقلنا ما هو فقالوا ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه وخالفه في ذلك أبو حنيفة والثوري على وجه الكراهة لا على وجه عدم الإجزاء وسبب اختلافهم معارضة الأصل في ذلك للقياس المبني على الأثر الوارد في الهدايا وذلك أن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد ولذلك اتفقوا على منع الاشتراك في الضأن وإنما قلنا إن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد لأن الأمر بالتضحية لا يتبعض إذ كان من كان له شرك في ضحية ليس ينطلق عليه اسم مضح إلا إن قام الدليل الشرعي على ذلك
وأما الأثر الذي انبنى عليه القياس المعارض لهذا الأصل فما روي عن جابر أنه قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبع وفي بعض روايات الحديث سن رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فقاس الشافعي وأبو حنيفة الضحايا في ذلك على الهدايا وأما مالك فرجح الأصل على القياس المبني على هذا الأثر لأنه اعتل لحديث جابر بأن ذلك كان حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت وهدي المحصر بعدو ليس هو عنده واجبا وإنما هو تطوع وهدي التطوع يجوز عنده فيه الاشتراك ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب لكن على القول بأن الضحايا غير واجبة فقد يمكن قيامها على هذا الهدي وروى عنه ابن القاسم أنه لا يجوز الاشتراك لا في هدي تطوع ولا في هدي وجوب وهذا كأنه رد للحديث لمكان مخالفته للأصل في ذلك وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج ومن طريق ابن عباس وغيره البدنة عن عشرة وقال الطحاوي وإجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته أو هديه لما رواه عن ابن شهاب أنه قال ما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة وإنما خولف مالك في الضحايا في هذا المعنى أعني في التشريك لأن الإجماع انعقد على منع التشريك فيه في الأجانب فوجب أن يكون الأقارب في ذلك في قياس الأجانب وإنما فرق مالك في ذلك بين الأجانب والأقارب لقياسه الضحايا على الهدايا في الحديث الذي احتج به أعني حديث ابن شهاب فاختلافهم في هذه المسألة إذا رجع إلى تعارض الأقيسة في هذا الباب أعني إما إلحاق الأقارب بالأجانب وإما قياس الضحايا على الهدايا الباب الثالث في أحكام الذبح ويتعلق بالذبح المختص بالضحايا النظر في الوقت والذبح أما الوقت فإنهم اختلفوا فيه في ثلاثة مواضع في ابتدائه وفي انتهائه وفي الليالي المتخللة له فأما في ابتدائه فإنهم اتفقوا على أن الذبح قبل الصلاة لا يجوز لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم وأمره بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة وقوله أول ما نبدأ به في يومنا هذا هو أن نصلي ثم ننحر إلى غير ذلك من الآثار الثابتة التي في هذا المعنى واختلفوا فيمن ذبح قبل ذبح الإمام وبعد الصلاة فذهب مالك إلى أنه لا يجوز لأحد ذبح أضحيته قبل ذبح الإمام وقال أبو حنيفة والثوري يجوز الذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه جاء في بعضها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر لمن ذبح قبل الصلاة أن يعيد الذبح وفي بعضها أنه أمر لمن ذبح قبل ذبحه أن يعيدخرج هذا الحديث الذي فيه هذا المعنى مسلم فمن جعل ذلك موطنين اشترط ذبح الإمام في جواز الذبح ومن جعل ذلك موطنا واحدا قال إنما يعتبر في إجزاء الذبح الصلاة فقط
وقد اختلفت الرواية في حديث أبي بردة بن نيار وذلك أن في بعض رواياته أنه ذبح قبل الصلاة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الذبح وفي بعضها أنه ذبح قبل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالإعادة وإذا كان ذلك كذلك فحمل قول الراوي أنه ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الآخر ذبح قبل الصلاة على موطن واحد أولى وذلك أن من ذبح قبل الصلاة فقد ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب أن يكون المؤثر في عدم الإجزاء إنما هو الذبح قبل الصلاة كما جاء في الآثار الثابتة في ذلك من حديث أنس وغيره أن من ذبح قبل الصلاة فليعد وذلك أن تأصيل هذا الحكم منه صلى الله عليه وسلم يدل بمفهوم الخطاب دلالة قوية أن الذبح بعد الصلاة يجزىء لأنه لو كان هنالك شرط آخر مما يتعلق به إجزاء الذبح لم يسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن فرضه التبيين ونص حديث أنس هذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر من كان ذبح قبل الصلاة فليعد واختلفوا من هذا الباب في فرع مسكوت عنه وهو متى يذبح من ليس له إمام من أهل القرى فقال مالك يتحرون ذبح أقرب الأئمة إليهم وقال الشافعي يتحرون قدر الصلاة والخطبة ويذبحون وقال أبو حنيفة من ذبح من هؤلاء بعد الفجر أجزأه وقال قوم بعد طلوع الشمس وكذلك اختلف أصحاب مالك في فرع آخر وهو إذا لم يذبح الإمام في المصلى فقال قوم يتحرى ذبحه بعد انصرافه وقال قوم ليس يجب ذلك وأما آخر زمان الذبح فإن مالكا قال آخره اليوم الثالث من أيام النحر وذلك مغيب الشمس فالذبح عنده هو في الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجماعة وقال الشافعي والأوزاعي الأضحى أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده وروي عن جماعة أنهم قالوا الأضحى يوم واحد وهو يوم النحر خاصة وقد قيل الذبح إلى آخر يوم من ذي الحجة وهو شاذ لا دليل عليه وكل هذه الأقاويل مروية عن السلف وسبب اختلافهم شيئان أحدهما اختلافهم في الأيام المعلومات ما هي في قوله تعالى ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فقيل يوم النحر ويومان بعده وهو المشهور وقيل العشر الأول من ذي الحجة والسبب الثاني معارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن مطعم وذلك أنه ورد فيه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح فمن قال في الأيام المعلومات إنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور قال لا نحر إلا في هذه الأيام ومن رأى الجمع بين الحديث والآية وقال لا معارضة بينهما إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية مع أن الآية ليس المقصود منها تحديد أيام الذبح والحديث المقصود منه ذلك قال يجوز الذبح في اليوم الرابع إذا كان تاتفاق من أيام التشريق ولا خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة بعد يوم النحر إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال يوم النحر من أيام التشريق وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين المتقدمين وأما من قال يوم النحر فقط فبناء على أن المعلومات هي العشر الأول قال وإذا كان الإجماع قد انعقد أنه لا يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر وهي محل الذبح المنصوص عليها فواجب أن يكون الذبح إنما هو يوم النحر فقط وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في الليالي التي تتخلل أيام النحر فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام التشريق ولا النحر وذهب الشافعي وجماعة إلى جواز ذلك
وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في اسم اليوم وذلك أن مرة يطلقه العرب على النهار والليلة مثل قوله تعالى تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ومرة يطلقه على الأيام دون الليالي مثل قوله تعالى سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فمن جعل اسم اليوم يتناول الليل مع النهار في قوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات قال يجوز الذبح بالليل والنهار في هذه الأيام ومن قال ليس يتناول اسم اليوم الليل في هذه الآية قال لا يجوز الذبح ولا النحر بالليل والنظر هل اسم اليوم أظهر في أحدهما من الثاني ويشبه أن يقال إنه أظهر في النهار منه في الليل لكن إن سلمنا أن دلالته في الآية هي على النهار فقط لم يمنع الذبح بالليل إلا بنحو ضعيف من إيجاب دليل الخطاب وهو تعليق ضد الحكم بضد مفهوم الاسم وهذا النوع من أنواع الخطاب هو من أضعفها حتى أنهم قالوا ما قال به أحد من المتكلمين إلا الدقاق فقط إلا أن يقول القائل إن الأصل هو الحظر في الذبح وقد ثبت جوازه بالنهار فعلى من جوزه بالليل الدليل وأما الذابح فإن العلماء استحبوا أن يكون المضحي هو الذي يلي ذبح أضحيته بيده واتفقوا على أنه يجوز أن يوكل غيره على الذبح واختلفوا هل تجوز الضحية إن ذبحها غيره بغير إذنه فقيل لا تجوز وقيل بالفرق بين أن يكون صديقا أو ولدا أو أجنبيا أعني أنه يجوز إن كان صديقا أو ولدا ولم يختلف المذهب فيما أحسب أنه إن كان أجنبيا أنها لا تجوز الباب الرابع في أحكام لحوم الضحايا واتفقوا على أن المضحي مأمور أن يأكل من لحم أضحيته ويتصدق لقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير وقوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر ولقوله صلى الله عليه وسلم في الضحايا كلوا وتصدقوا وادخروا واختلف مذهب مالك هل يؤمر بالأكل والصدقة معا أم هو مخير بين أن يفعل أحد الأمرين أعني أن يأكل الكل أو يتصدق بالكل وقال ابن المواز له أن يفعل أحد الأمرين واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثا ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للأكل لقوله عليه الصلاة والسلام فكلوا وتصدقوا وادخروا وقال عبد الوهاب في الأكل إنه ليس بواجب في المذهب خلافا لقوم أوجبوا ذلك وأظن أهل الظاهر يوجبون تجزئة لحوم الضحايا إلى الأقسام الثلاثة التي يتضمنها الحديث والعلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها واختلفوا في جلدها وشعرها وما عدا ذلك مما ينتفع به منها فقال الجمهور لا يجوز بيعه وقال أبو حنيفة يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير أي العروض وقال عطاء يجوز بكل شيء دراهم ودنانير وغير ذلك وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها لأنه رأى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع لإجماعهم على أنه يجوز أن ينتفع به وهذا القدر كاف في قواعد هذا الكتاب والحمد لله كتاب الذبائح والقول المحيط بقواعد هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب الباب الأول في معرفة محل الذبح والنحر وهو المذبوح أو المنحور الباب الثاني في معرفة الذبح والنحر الباب الثالث في معرفة الآلة التي بها يكون الذبح والنحر الباب الرابع في معرفة شروط الذكاة الباب الخامس في معرفة الذابح والناحر والأصول هي الأربعة والشروط يمكن أن تدخل في الأربعة الأبواب والأسهل في التعليم أن يجعل بابا على حدته الباب الأول في معرفة محل الذبح والنحر والحيوان في اشتراط الذكاة في أكله على قسمين حيوان لا يحل إلا بذكاة وحيوان يحل بغير ذكاة ومن هذه ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه واتفقوا على أن الحيوان الذي يعمل فيه الذبح هو الحيوان البري ذو الدم الذي ليس بمحرم ولا منفوذ المقاتل ولا ميئوس منه بوقذ أو نطح أو ترد أو افتراس سبع أو مرض وأن الحيوان البحري ليس يحتاج إلى ذكاة واحتلفوا في الحيوان الذي ليس يدمى مما يجوز أكله مثل الجراد وغيره هل له ذكاة أم لا وفي الحيوان المدمى الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وغيره
واختلفوا في تأثير الذكاة في الأصناف التي نص عليها في آية التحريم وفي تأثير الذكاة فيما لا يحل أكله أعني في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها ففي هذا الباب إذا ست مسائل أصول المسألة الأولى في تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص عليها في الآية إذا أدركت حية المسألة الثانية في تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل المسألة الثالثة في تأثير الذكاة في المريضة المسألة الرابعة في هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا المسألة الخامسة هل للجراد ذكاة أم لا المسألة السادسة هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا المسألة الأولى أما المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فإنهم اتفقوا فيما أعلم أنه إذا لم يبلغ الخنق منها أو الوقذ منها إلى حالة لا يرجى فيها أن الذكاة عاملة فيها أعني أنه إذا غلب على الظن أنها تعيش وذلك بأن لا يصاب لها مقتل واختلفوا إذا غلب على الظن أنها تهلك من ذلك بإصابة مقتل أو غيره فقال قوم تعمل الذكاة فيها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي وهو قول الزهري وابن عباس وقال قوم لا تعمل الذكاة فيها وعن مالك في ذلك الوجهان ولكن الأشهر أنها لا تعمل في الميؤوس منها وبعضهم تأول من المذهب أن الميؤوس منها على ضربين ميؤوسة مشكوك فيها وميؤوسة مقطوع بموتها وهي المنفوذة المقاتل على اختلاف بينهم أيضا في المقاتل قال فأما الميؤوسة المشكوك فيها ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان وأما المنفوذة المقاتل فلا خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها وإن كان يتخرج فيها الجواز على وجه ضعيف وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى إلا ما ذكيتم هل هو استثناء متصل فيخرج من الجنس بعض ما يتناوله اللفظ وهو المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع على عادة الاستثناء المتصل أم هو استثناء منقطع لا تأثير له في الجملة المتقدمة إذ كان هذا أيضا شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب فمن قال إنه متصل قال الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة وأما من قال الاستثناء منقطع فإنه قال لا تعمل الذكاة فيها وقد احتج من قال إن الاستثناء متصل بإجماعهم على أن الذكاة تعمل في المرجو منها قال فهذا يدل على أن الاستثناء له تأثير فيها فهو متصل وقد احتج أيضا من رأى أنه منقطع بأن التحريم لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حية وإنما يتعلق بها بعد الموت وإذا كان ذلك كذلك فالاستثناء منقطع وذلك أن معنى قوله تعالى حرمت عليكم الميتة إنما هو لحم الميتة وكذلك لحم الموقوذة والمتردية والنطيحة وسائرها أي لحم الميتة بهذه الأسباب سوى التي تموت من تلقاء نفسها وهي التي تسمى ميتة أكثر ذلك من كلام العرب أو بالحقيقة قالوا فلما علم أن المقصود لم يكن تعليق التحريم بأعيان هذه وهي حية وإنما علق بها بعد الموت لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة وجب أن يكون قوله إلا ما ذكيتم استثناء منقطعا لكن الحق في ذلك أن كيفما كان الأمر في الاستثناء فواجب أن تكون الذكاة تعمل فيها وذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه الأصناف في الآية بعد الموت وجب أن تدخل في التذكية من جهة ما هي حية الأصناف الخمسة وغيرها لأنها ما دامت حية مساوية لغيرها في ذلك من الحيوان أعني أنها تقبل الحلية من قبل التذكية التي الموت منها هو سبب الحلية وإن قلنا إن الاستثناء متصل فلا خفاء بوجوب ذلك ويحتمل أن يقال إن عموم التحريم يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله كالحال في الخنزير الذي لا تعمل فيه الذكاة فيكون الاستثناء على هذا رافعا لتحريم أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعترض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منقطعا
وأما من فرق بين المنفوذة المقاتل والمشكوك فيها فيحتمل أن يقال إن مذهبه أن الاستثناء منقطع وأنه إنما جاز تأثير الذكاة في المرجوة بالإجماع وقاس المشكوكة على المرجوة ويحتمل أن يقال إن الاستثناء متصل ولكن استثناء هذا الصنف من الموقوذة بالقياس وذلك أن الذكاة إنما يجب أن تعمل في حين يقطع أنها سبب الموت فأما إذا شك هل كان موجب الموت الذكاة أو الوقذ أو النطح أو سائرها فلا يجب أن تعمل في ذلك وهذه هي حال المنفوذة المقاتل وله أن يقول إن المنفوذة المقاتل في حكم الميتة والذكاة من شرطها أن ترفع الحياة الثابتة لا الحياة الذاهبة المسألة الثانية وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى تطهر بذلك جلودهم فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك فقال مالك الذكاة تعمل في السباع وغيرها ما عدا الخنزير وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اختلف المذهب في كون السباع فيه محرمة أو مكروهة على ما سيأتي في كتاب الأطعمة والأشربة وقال الشافعي الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل فيجوز بيع جميع أجزائه والانتفاع بها ما عدا اللحم وسبب الخلاف هل جميع أجزاء الحيوان تابعة للحم في الحلية والحرمة أم ليست بتابعة للحم فمن قال إنها تابعة للحم قال إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل فيما سواه ومن رأى أنها ليست بتابعة قال وإن لم تعمل في اللحم فإنها تعمل في سائر أجزاء الحيوان لأن الأصل أنها تعمل في جميع الأجزاء فإذا ارتفع بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم بقي عملها في سائر الأجزاء إلا أن يدل الدليل على ارتفاعه المسألة الثالثة واختلفوا في تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على الموت من شدة المرض بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي تشرف على الموت فالجمهور على أن الذكاة تعمل فيها وهو المشهور عن مالك وروي عنه أن الذكاة لا تعمل فيها وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر فأما الأثر فهو ما روي أن أمة لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلوها أخرجه البخاري ومسلم وأما القياس فلأن المعلوم من الذكاة أنها إنما تفعل في الحي وهذه في حكم الميت وكل من أجاز ذبحها فإنهم اتفقوا على أنه لا تعمل الذكاة فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة واختلفوا فيما هو الدليل المعتبر في ذلك فبعضهم اعتبر الحركة وبعضهم لم يعتبرها والأول مذهب أبي هريرة والثاني مذهب زيد بن ثابت وبعضهم اعتبر فيها ثلاث حركات طرف العين وتحريك الذنب والركض بالرجل وهو مذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وهو الذي اختاره محمد بن المواز وبعضهم شرط مع هذه التنفس وهو مذهب ابن حبيب المسألة الرابعة واختلفوا هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم ليس تعمل فيه وإنما هو ميتة أعني إذا خرج منها بعد ذبح الأم فذهب جمهور العلماء إلى أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن خرج حيا ذبح وأكل وإن خرج ميتا فهو ميتة والذين قالوا إن ذكاة الأم ذكاة له بعضهم اشترط في ذلك تمام خلقته ونبات شعره وبه قال مالك وبعضهم لم يشترط ذلك وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم اختلافهم في صحة الأثر المروي في ذلك من حديث أبي سعيد الخدري مع مخالفته للأصول وحديث أبي سعيد هو قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها جنينا أنأكله أو نلقيه فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وخرج مثله الترمذي وأبو داود عن جابر واختلفوا في تصحيح هذا الأثر فلم يصححه بعضهم وصححه بعضهم وأحد من صححه الترمذي وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر فهو أن الجنين إذا كان حيا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقا فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها وإلى تحريمه ذهب أبو محمد بن حزم ولم يرض سند الحديث
وأما اختلاف القائلين بحليته في اشتراطهم نبات الشعر فيه أو لا اشتراطه فالسبب فيه معارضة العموم للقياس وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل وكونه محلا للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم خلقه ويعضد هذا القياس أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة وروى معمر عن الزهري عند عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن ابن أبي ليلى سيىء الحفظ عندهم والقياس يقتضي أن تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء منها وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك المسألة الخامسة واختلفوا في الجراد فقال مالك لا يؤكل من غير ذكاة وذكاته عنده هو أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك وقال عامة الفقهاء يجوز أكل ميتته وبه قال مطرف وذكاة ما ليس بذي دم عند مالك كذكاة الجراد وسبب اختلافهم في ميتة الجراد هو هل يتناوله اسم الميتة أم لا في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وللخلاف سبب آخر وهو هل هو نثرة حوت أو حيوان بري المسألة السادسة واختلفوا في الذي يتصرف في البر والبحر هل يحتاج إلى ذكاة أم لا فغلب قوم فيه حكم البر وغلب آخرون حكم البحر واعتبر آخرون حيث يكون عيشه ومتصرفه منهما غالبا الباب الثاني في الذكاة وفي قواعد هذا الباب مسألتان المسألة الأولى في أنواع الذكاة المختصة بصنف صنف من بهيمة الأنعام الثانية في صفة الذكاة المسألة الأولى واتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح وأن من سنة الغنم والطير الذبح وأن من سنة الإبل النحر وأن البقرة يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير ولا الذبح في الإبل وذلك في غير موضع الضرورة وقال قوم يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من العلماء وقال أشهب إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل ولكنه يكره وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر وذبح الغنم وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش وفديناه بذبح عظيم المسألة الثانية وأما صفة الذكاة فإنهم اتفقوا على أن الذبح الذي يقطع فيه الودجان والمريء والحلقوم مبيح للأكل واختلفوا من ذلك في مواضع أحدها هل الواجب قطع الأربعة كلها أو بضعها وهل الواجب في المقطوع منها قطع الكل أو الأكثر وهل من شرط القطع أن لا تقع الجوزة إلى جهة البدن بل إلى جهة الرأس وهل إن قطعها من جهة العنق جاز أكلها أم لا وهل إن تمادى في قطع هذه حتى قطع النخاع جاز ذلك أم لا وهل من شرط الذكاة أن لا يرفع يده حتى يتم الذكاة أم لا فهذه ست مسائل في عدد المقطوع وفي مقداره وفي موضعه وفي نهاية القطع وفي جهته أعني من قدام أو خلف وفي صفته
أما المسألة الأولى فإن المشهور عن مالك في ذلك هو قطع الودجين والحلقوم وأنه لا يجزىء أقل من ذلك وقيل عنه بل الأربعة وقيل بل الودجين فقط ولم يختلف المذهب في أن الشرط في قطع الودجين هو استيفاؤهما واختلف في قطع الحلقوم على القول بوجوبه فقيل كله وقيل أكثره وأما أبو حنيفة فقال الواجب في التذكية هو قطع ثلاثة غير معينة من الأربعة إما الحلقوم والودجان وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين أو المريء والودجان وقال الشافعي الواجب قطع المريء والحلقوم فقط وقال محمد بن الحسن الواجب قطع أكثر كل واحد من الأربعة وسبب اختلافهم أنه لم يأت في ذلك شرط منقول وإنما جاء في ذلك أثران أحدهما يقتضي إنهار الدم فقط والآخر يقتضي قطع الأوداج مع إنهار الدم ففي حديث رافع بن خديج أنه قال عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل وهو حديث متفق على صحته وروي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما فرى الأوداج فكلوا ما لم يكن رض ناب أو نحر ظفر فظاهر الحديث الأول يقتضي قطع بعض الأوداج فقط لأن إنهار الدم يكون بذلك وفي الثاني قطع جميع الأوداج فالحديثان والله أعلم متفقان على قطع الودجين إما أحدهما أو البعض من كليهما أو من واحد منهما ولذلك وجه الجمع بين الحديثين أن يفهم من لام التعريف في قوله عليه الصلاة والسلام ما فرى الأوداج البعض لا الكل إذ كانت لام التعريف في كلام العرب قد تدل على البعض وأما من اشترط قطع الحلقوم والمريء فليس له حجة من السماع وأكثر من ذلك من اشترط المريء والحلقوم دون الودجين ولهذا ذهب قوم إلى أن الواجب هو قطع ما وقع الإجماع على جوازه لأن الذكاة لما كانت شرطا في التحليل ولم يكن في ذلك نص فيما يجري وجب أن يكون الواجب في ذلك ما وقع الإجماع على جوازه إلا أن يقوم الدليل على جواز الاستثناء من ذلك وهو ضعيف لأن ما وقع الإجماع على إجزائه ليس يلزم أن يكون شرطا في الصحة وأما المسألة الثالثة في موضع القطع وهي إن لم يقطع الجوزة في نصفها وخرجت إلى جهة البدن فاختلف فيه في المذهب فقال مالك وابن القاسم لا تؤكل وقال أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب تؤكل وسبب الخلاف هل قطع الحلقوم شرط في الذكاة أو ليس بشرط فمن قال إنه شرط قال لا بد أن تقطع الجوزة لأنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج الحلقوم سليما ومن قال إنه ليس بشرط قال إن قطع فوق الجوزة جاز وأما المسألة الرابعة وهي إن قطع أعضاء الذكاة من ناحية العنق فإن المذهب لا يختلف أنه لا يجوز وهو مذهب سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهم وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وروي ذلك عن ابن عمر وعلي وعمران بن الحصين وسبب اختلافهم هل تعمل الذكاة في المنفوذة المقاتل أم لا تعمل وذلك أن القاطع لأعضاء الذكاة من القفا لا يصل إليها بالقطع إلا بعد قطع النخاع وهو مقتل من المقاتل فترد الذكاة على حيوان قد أصيب مقتله وقد تقدم سبب الخلاف في هذه المسألة وأما المسألة الخامسة وهي أن يتمادى الذابح بالذبح حتى يقطع النخاع فإن مالكا كره إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر لأنه إن نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة وقال مطرف وابن الماجشون لا تؤكل إن قطعها متعمدا دون جهل وتؤكل إن قطعها ساهيا أو جاهلا وأما المسألة السادسة وهي هل من شرط الذكاة أن تكون في فور واحد فإن المذهب لا يختلف أن ذلك من شرط الذكاة وأنه إذا رفع يده قبل تمام الذبح ثم أعادها وقد تباعد ذلك أن تلك الذكاة لا تجوز
واختلفوا إذا أعاد يده بفور ذلك بالقرب فقال ابن حبيب إن أعاد يده بالفور أكلت وقال سحنون لا تؤكل وقيل إن رفعها لمكان الاختبار هل تمت الذكاة أم لا فأعادها على الفور إن تبين له أنها لم تتم أكلت وهو أحد ما تؤول على سحنون وقد تؤول قوله على الكراهة قال أبو الحسن اللخمي ولو قيل عكس هذا لكان أجود أعني أنه إذا رفع يده وهو يظن أنه قد أتم الذكاة فتبين له غير ذلك فأعادها أنها تؤكل لأن الأول وقع عن شك وهذا عن اعتقاد ظنه يقينا وهذا مبني على أن من شرط الذكاة قطع كل أعضاء الذكاة فإذا رفع يده قبل أن تستتم كانت منفوذة المقاتل غير مذكاة فلا تؤثر فيها العودة لأنها بمنزلة ذكاة طرأت على المنفوذة المقاتل الباب الثالث فيما تكون به الذكاة أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو عود أو قضيب أن التذكية به جائزة واختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم فمن الناس من أجاز التذكية بالعظم ومنعها بالسن والظفر والذين منعوها بالسن والظفر منهم من فرق بين أن يكونا منزوعين أو لا يكونا منزوعين فأجاز التذكية بهما إذا كانا منزوعين ولم يجزها إذا كانا متصلين ومنهم من قال إن الذكاة بالسن والعظم مكروهة غير ممنوعة ولا خلاف في المذهب أن الذكاة بالعظم جائزة إذا أنهر الدم واختلف في السن والظفر فيه على الأقاويل الثلاثة أعني بالمنع مطلقا والفرق فيهما بين الانفصال والاتصال وبالكراهية لا بالمنع وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم النهي الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث رافع بن خديج وفيه قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فنذبح بالقصب فقال عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة فمن الناس من فهم منه أن ذلك لمكان أن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبا ومنهم من فهم من ذلك أنه شرع غير معلل والذين فهموا منه أنه شرع غير معلل منهم من اعتقد أن النهي في ذلك يدل على فساد المنهي عنه ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه ومنهم من اعتقد أن النهي في ذلك على وجه الكراهة لا على وجه الحظر فمن فهم أن المعنى في ذلك أنه لا ينهر الدم غالبا قال إذا وجد منهما ما ينهر الدم جاز ولذلك رأى بعضهم أن يكونا منفصلين إذ كان إنهار الدم منهما إذا كانا بهذه الصفة أمكن وهو مذهب أبي حنيفة ومن رأى أن النهي عنهما هو مشروع غير معلل وأنه يدل على فساد المنهي عنه قال إن ذبح بهما لم تقع التذكية وإن أنهر الدم ومن رأى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه قال إن فعل وأنهر الدم أثم وحلت الذبيحة ومن رأى أن النهي على وجه الكراهية كره ذلك ولم يحرمه ولا معنى لقول من فرق بين العظم والسن فإنه عليه الصلاة والسلام قد علل المنع في السن بأنه عظم ولا يختلف المذهب أنه يكره غير الحديد من المحدودات مع وجود الحديد لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته خرجه مسلم الباب الرابع في شروط الذكاة وفي هذا الباب ثلاث مسائل المسألة الأولى في اشتراط التسمية الثانية في اشتراط استقبال القبلة الثالثة في اشتراط النية المسألة الأولى واختلفوا في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال فقيل هي فرض على الإطلاق وقيل بل هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان وقيل بل هي سنة مؤكدة وبالقول الأول قال أهل الظاهر وابن عمر والشعبي وابن سيرين وبالقول الثاني قال مالك وأبو حنيفة والثوري بالقول الثالث قال الشافعي وأصحابه وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر
فأما الكتاب فقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وأما السنة المعارضة لهذه الآية فما رواه مالك عن هشام عن أبيه أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله إن ناسا من البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري أسموا الله عليها أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا الله عليها ثم كلوها فذهب مالك إلى أن الآية ناسخة لهذا الحديث وتأول أن هذا الحديث كان في أول الإسلام ولم ير ذلك الشافعي لأن هذا الحديث ظاهره أنه كان بالمدينة وآية التسمية مكية فذهب الشافعي لمكان هذا مذهب الجمع بأن حمل الأمر بالتسمية على الندب وأما من اشترط الذكر في الوجوب فمصيرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه المسألة الثانية وأما استقبال القبلة بالذبيحة فإن قوما استحبوا ذلك وقوما أجازوا ذلك وقوما أوجبوه وقوما كرهوا أن لا يستقبل بها القبلة والكراهية والمنع موجودان في المذهب وهي مسألة مسكوت عنها والأصل فيها الإباحة إلا أن يدل الدليل على اشتراط ذلك وليس في الشرع شيء يصلح أن يكون أصلا تقاس عليه هذه المسألة إلا أن يستعمل فيها قياس مرسل وهو القياس الذي لا يستند إلى أصل مخصوص عند من أجازه أو قياس شبه بعيد وذلك أن القبلة هي جهة معظمة وهذه عبادة فوجب أن يشترط فيها الجهة لكن هذا ضعيف لأنه ليس كل عبادة تشترط فيها الجهة ما عدا الصلاة وقياس الذبح على الصلاة بعيد وكذلك قياسه على استقبال القبلة بالميت المسألة الثالثة وأما اشتراط النية فيها فقيل في المذهب بوجوب ذلك ولا أذكر فيها خارج المذهب في هذا الوقت خلافا في ذلك ويشبه أن يكون في ذلك قولان قول بالوجوب وقول بترك الوجوب فمن أوجب قال عبادة لاشتراط الصفة فيها والعدد فوجب أن يكون من شرطها النية ومن لم يوجبها قال فعل معقول يحصل عنه فوات النفس الذي هو المقصود منه فوجب أن لا تشترط فيها النية كما يحصل من غسل النجاسة إزالة عينها الباب الخامس فيمن تجوز تذكيته ومن لا تجوز والمذكور في الشرع ثلاثة أصناف صنف اتفق على جواز تذكيته وصنف اتفق على منع ذكاته وصنف اختلف فيه فأما الصنف الذي اتفق على ذكاته فمن جمع خمسة شروط الإسلام والذكورية والبلوغ والعقل وترك تضييع الصلاة وأما الذي اتفق على منع تذكيته فالمشركون عبدة الأصنام لقوله تعالى وما ذبح على النصب ولقوله وما أهل لغير الله به وأما الذين اختلف فيهم فأصناف كثيرة لكن المشهور منها عشرة أهل الكتاب والمجوس والصابئون والمرأة والصبي والمجنون والسكران والذي يضيع الصلاة والسارق والغاصب فأما أهل الكتاب فالعلماء مجمعون على جواز ذبائحهم لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ومختلفون في التفصيل فاتفقوا على أنهم إذا لم يكونوا من نصارى بني تغلب ولا مرتدين وذبحوا لأنفسهم وعلى أنهم سموا الله تعالى على ذبيحتهم وكانت الذبيحة مما لم تحرم عليهم في التوراة ولا حرموها على أنفسهم أنه يجوز منها ما عدا الشحم واختلفوا في مقابلات هذه الشروط أعني إذا ذبحوا لمسلم باستنابته أو كانوا من نصارى بني تغلب أو مرتدين وإذا لم يعلم أنهم سموا الله أو جهل مقصود ذبحهم أو علم أنهم سموا غير الله مما يذبحونه لكنائسهم وأعيادهم أو كانت الذبيحة مما حرمت عليهم بالتوراة كقوله تعالى كل ذي ظفر أو كانت مما حرموها على أنفسهم مثل الذبائح التي تكون عند اليهود فاسدة من قبل خلقة إلهية وكذلك اختلفوا في الشحوم فأما إذا ذبحوا باستنابة مسلم فقيل في المذهب عن مالك يجوز وقيل لا يجوز وسبب الاختلاف هل من شرط ذبح المسلم اعتقاد تحليل الذبيحة على الشروط الإسلامية في ذلك أم لا فمن رأى أن النية شرط في الذبيحة قال لا تحل ذبيحة الكتابي لمسلم لأنه لا يصح منه وجود هذه النية
ومن رأى أن ذلك ليس بشرط وغلب عموم الكتاب أعني قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال يجوز وكذلك من اعتقد أن نية المستنيب تجزي وهو أصل قول ابن وهب وأما المسألة الثانية وهي ذبائح نصارى بني تغلب والمرتدين فإن الجمهور على أن ذبائح النصارى من العرب حكمها حكم ذبائح أهل الكتاب وهو قول ابن عباس ومنهم من لم يجز ذبائحهم وهو أحد قولي الشافعي وهو مروي عن علي رضي الله عنه وسبب الخلاف هل يتناول العرب المتنصرين اسم الذين أوتوا الكتاب كما يتناول ذلك الأمم المختصة بالكتاب وهم بنو إسرائيل والروم وأما المرتد فإن الجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل وقال إسحاق ذبيحته جائزة وقال الثوري مكروهة وسبب الخلاف هل المرتد لا يتناوله اسم أهل الكتاب إذ كان ليس له حرمة أهل الكتاب أو يتناوله وأما المسألة الثالثة وهي إذا لم يعلم أن أهل الكتاب سموا الله على الذبيحة فقال الجمهور تؤكل وهو مروي عن علي ولست أذكر فيه في هذا الوقت خلافا ويتطرق إليه الاحتمال بأن يقال إن الأصل هو أن لا يؤكل من تذكيتهم إلا ما كان على شروط الإسلام فإذا قيل على هذا إن التسمية من شرط التذكية وجب أن لا تؤكل ذبائحهم بالشك في ذلك وأما إذا علم أنهم ذبحوا ذلك لأعيادهم وكنائسهم فإن من العلماء من كرهه وهو قول مالك ومنهم من أباحه وهو قول أشهب ومنهم من حرمه وهو الشافعي وسبب اختلافهم تعارض عمومي الكتاب في هذا الباب وذلك أن قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم يحتمل أن يكون مخصصا لقوله تعالى وما أهل لغير الله به ويحتمل أن يكون قوله تعالى وما أهل لغير الله به مخصصا لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم إذ كان كل واحد منهما يصح أن يستثنى من الآخر فمن جعل قوله تعالى وما أهل لغير الله به مخصصا لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال لا يجوز ما أهل به للكنائس والأعياد ومن عكس الأمر قال يجوز وأما إذا كانت الذبيحة مما حرمت عليهم فقيل يجوز وقيل لا يجوز وقيل بالفرق بين أن تكون محرمة عليهم بالتوراة أو من قبل أنفسهم أعني بإباحة ما ذبحوا مما حرموا على أنفسهم ومنع ما حرم الله عليهم وقيل يكره ولا يمنع والأقاويل الأربعة موجودة في المذهب المنع عن ابن القاسم والإباحة عن ابن وهب وابن عبد الحكم والتفرقة عن أشهب وأصل الاختلاف معارضة عموم الآية لاشتراط نية الذكاة أعني اعتقاد تحليل الذبيحة بالتذكية فمن قال ذلك شرط في التذكية قال لا تجوز هذه الذبائح لأنهم لا يعتقدون تحليلها بالتذكية ومن قال ليس بشرط فيها وتمسك بعموم الآية المحللة قال تجوز هذه الذبائح وهذا بعينه هو سبب اختلافهم في أكل الشحوم من ذبائحهم ولم يخالف في ذلك أحد غير مالك وأصحابه فمنهم من قال إن الشحوم محرمة وهو قول أشهب ومنهم من قال مكروهة والقولان عن مالك ومنهم من قال مباحة ويدخل في الشحوم سبب آخر من أسباب الخلاف سوى معارضة العموم لاشتراط اعتقاد تحليل الذبيحة بالذكاة وهو هل تتبعض التذكية أو تتبعض فمن قال تتبعض قال لا تؤكل الشحوم ومن قال لا تتبعض قال يؤكل الشحم ويدل على تحليل شحوم ذبائحهم حديث عبد الله بن مغفل إذ أصاب جراب الشحم يوم خيبر وقد تقدم في كتاب الجهاد ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم وبين ما حرموا على أنفسهم قال ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة وما حرموا على أنفسهم هو أمر باطل فتعمل فيه التذكية
قال القاضي والحق أن ما حرم عليهم أو حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع فيجب أن لا يراعي اعتقادهم في ذلك ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به فذبائحهم والله أعلم جائزة لنا على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم وأما المجوس فإن الجمهور على أنه لا تجوز ذبائحهم لأنهم مشركون وتمسك قوم في إجازتها بعموم قوله عليه الصلاة والسلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب وأما الصابئون فالاختلاف فيهم من قبل اختلافهم في هل هم من أهل الكتاب أم ليسوا من أهل الكتاب وأما المرأة والصبي فإن الجمهور على أن ذبائحهم جائزة غير مكروهة وهو مذهب مالك وكره ذلك أبو المصعب والسبب في اختلافهم نقصان المرأة والصبي وإنما لم يختلف الجمهور في المرأة لحديث معاذ بن سعيد أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى بسلع فأصيبت شاة فأدركتها فذكتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا بأس بها فكلوها وهو حديث صحيح وأما المجنون والسكران فإن مالكا لم يجز ذبيحتهما وأجاز ذلك الشافعي وسبب الخلاف اشتراط النية في الذكاة فمن اشترط النية منع ذلك إذ لا يصح من المجنون ولا من السكران وبخاصة الملتخ وأما جواز تذكية السارق والغاصب فإن الجمهور على جواز ذلك ومنهم من منع ذلك ورأى أنها ميتة وبه قال داود وإسحاق بن راهويه وسبب اختلافهم هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أو لا يدل فمن قال يدل قال السارق والغاصب منهي عن ذكاتها وتناولها وتملكها فإذا كان ذكاها فسدت التذكية ومن قال لا يدل إلا إذا كان المنهي عنه شرطا من شروط ذلك الفعل قال تذكيتهم جائزة لأنه ليس صحة الملك شرطا من شروط التذكية وفي موطأ ابن وهب أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فلم ير بها بأسا وقد جاء إباحة ذلك مع الكراهية فيما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في الشاة التي ذبحت بغير إذن ربها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعموها الأسارى وهذا القدر كاف في أصول هذا الكتاب والله أعلم كتاب الصيد وهذا الكتاب في أصوله أيضا أربعة أبواب الباب الأول في حكم الصيد وفي محل الصيد الثاني فيما به يكون الصيد الثالث في صفة ذكاة الصيد والشرائط المشترطة في عمل الذكاة في الصيد الرابع فيمن يجوز صيده الباب الأول في حكم الصيد ومحله فأما حكم الصيد فالجمهور على أنه مباح لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ثم قال وإذا حللتم فاصطادوا واتفق العلماء على أن الأمر بالصيد في هذه الآية بعد النهي يدل على الإباحة كما اتفقوا على ذلك في قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله أعني أن المقصود به الإباحة لوقوع الأمر به بعد النهي وإن كان اختلفوا هل الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة أو لا يقتضيه وإنما يقتضي على أصله الوجوب وكره مالك الصيد الذي يقصد به السرف وللمتأخرين من أصحابه فيه تفصيل محصول قولهم فيه أن منه ما هو في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب وفي حق بعضهم مكروه وهذا النظر في الشرع تغلغل في القياس وبعد عن الأصول المنطوق بها في الشرع فليس يليق بكتابنا هذا إذ كان قصدنا فيه إنما هو ذكر المنطوق به من الشرع أو ما كان قريبا من المنطوق به وأما محل الصيد فإنهم أجمعوا على أن محله من الحيوان البحري وهو السمك وأصنافه ومن الحيوان البري الحلال الأكل الغير مستأنس
واختلفوا فيما استوحش من الحيوان المستأنس فلم يقدر على أخذه ولا ذبحه أو نحره فقال مالك لا يؤكل إلا أن ينحر من ذلك ما ذكاته النحر ويذبح ما ذكاته الذبح أو يفعل به أحدهما إن كان مما يجوز فيه الأمران جميعا وقال أبو حنيفة والشافعي إذا لم يقدر على ذكاة البعير الشارد فإنه يقتل كالصيد وسبب اختلافهم معارضة الأصل في ذلك للخبر وذلك أن الأصل في هذا الباب هو أن الحيوان الإنسي لا يؤكل إلا بالذبح أو النحر وأن الوحشي يؤكل بالعقر وأما الخبر المعارض لهذه الأصول فحديث رافع بن خديج وفيه قال فند منها بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله تعالى به فقال النبي عليه الصلاة والسلام إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا والقول بهذا الحديث أولى لصحته لأنه لا ينبغي أن يكون هذا مستثنى من ذلك الأصل مع أن لقائل أن يقول إنه جار مجرى الأصل في هذا الباب وذلك أن العلة في كون العقر ذكاة في بعض الحيوان ليس شيئا أكثر من عدم القدرة عليه لا لأنه وحشي فقط فإذا وجد هذا المعنى من الإنسي جاز أن تكون ذكاته ذكاة الوحشي فيتفق القياس والسماع الباب الثاني فيما يكون به الصيد والأصل في هذا الباب آيتان وحديثان الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم والثانية قوله تعالى قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين الآية وأما الحديثان فأحدهما حديث عدي بن حاتم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها فكل مما أمسكن عليك وإن أكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها كلاب غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره وسأله عن المعراض فقال إذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ وهذا الحديث هو أصل في أكثر ما في هذا الكتاب والحديث الثاني حديث أبي ثعلبة الخشني وفيه من قوله عليه الصلاة والسلام ما أصبت بقوسك فسم الله ثم كل وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم وأدركت ذكاته فكل وهذان الحديثان اتفق أهل الصحيح على إخراجهما والآلات التي يصاد بها منها ما اتفقوا عليها بالجملة ومنها ما اختلفوا فيها وفي صفاتها وهي ثلاث حيوان جارح ومحدد ومثقل فأما المحدد فاتفقوا عليه كالرماح والسيوف والسهام للنص عليها في الكتاب والسنة وكذلك بما جرى مجراها مما يعقر ما عدا الأشياء التي اختلفوا في عملها في ذكاة الحيوان الإنسي وهي السن والظفر والعظم وقد تقدم اختلافهم في ذلك فلا معنى لإعادته وأما المثقل فاختلفوا في الصيد به مثل الصيد بالمعراض والحجر فمن العلماء من لم يجز من ذلك إلا ما أدركت ذكاته ومنهم من أجازه على الإطلاق ومنهم من فرق بين ما قتله المعراض أو الحجر بثقله أو بحده إذا خرق جسد الصيد فأجازه إذا خرق ولم يجزه إذا لم يخرق وبهذا القول قال مشاهير فقهاء الأمصار الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري وغيرهم وهو راجع إلى أنه لا ذكاة إلا بمحدد وسبب اختلافهم معارضة الأصول في هذا الباب بعضها بعضا ومعارضة الأثر لها وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرم بالكتاب والإجماع ومن أصوله أن العقر ذكاة الصيد فمن رأى أن ما قتل المعراض وقيذ منعه على الإطلاق ومن رآه عقرا مختصا بالصيد وأن الوقيذ غير معتبر فيه أجازه على الإطلاق ومن فرق بين ما خرق من ذلك أو لم يخرق فمصيرا إلى حديث عدي بن حاتم المتقدم وهو الصواب وأما الحيوان الجارح فالاتفاق والاختلاف فيه منه متعلق بالنوع والشرط ومنه ما يتعلق بالشرط فأما النوع الذي اتفقوا عليه فهو الكلاب ما عدا الكلب الأسود فإنه كرهه قوم منهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة وقال أحمد ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما وبه قال إسحاق
وأما الجمهور فعلى إجازة صيده إذا كان معلما وسبب اختلافهم معارضة القياس للعموم وذلك أن عموم قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين يقتضي تسوية جميع الكلاب في ذلك وأمره عليه الصلاة والسلام بقتل الكلب الأسود البهيم يقتضي في ذلك القياس أن لا يجوز اصطياده على رأي من رأى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه وأما الذي اختلفوا فيه من أنواع الجوارح فيما عدا الكلب ومن جوارح الطيور وحيواناتها الساعية فمنهم من أجاز جميعها إذا علمت حتى السنور كما قال ابن شعبان وهو مذهب مالك وأصحابه وبه قال فقهاء الأمصار وهو مروي عن ابن عباس أعني أن ما قبل التعليم من جميع الجوارح فهو آلة لذكاة الصيد وقال قوم لا اصطياد بجارح ما عدا الكلب لا باز ولا صقر ولا غير ذلك إلا ما أدركت ذكاته وهو قول مجاهد واستثنى بعضهم من الطيور الجارحة البازي فقط يجوز صيده وحده وسبب اختلافهم في هذا الباب شيئان أحدهما قياس سائر الجوارح على الكلاب وذلك أنه قد يظن أن النص إنما ورد في الكلاب أعني قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين إلا أن يتأول أن لفظة مكلبين مشتقة من كلب الجارح لا من لفظ الكلب ويدل على هذا عموم اسم الجوارح الذي في الآية فعلى هذا يكون سبب الاختلاف الاشتراك الذي في لفظة مكلبين والسبب الثاني هل من شرط الإمساك الإمساك على صاحبه أم لا وإن كان من شرطه فهل يوجد في غير الكلب أو لا يوجد فمن قال لا يقاس سائر الجوارح على الكلاب وأن لفظة مكلبين هي مشتقة من اسم الكلب لا من اسم غير الكلب أو أنه لا يوجد الإمساك إلا في الكلب أعني على صاحبه وأن ذلك شرط قال لا يصاد بجارح سوى الكلب ومن قاس على الكلب سائر الجوارح ولم يشترط في الإمساك الإمساك على صاحبه قال يجوز صيد سائر الجوارح إذا قبلت التعليم وأما من استثنى من ذلك البازي فقط فمصيرا إلى ما روي عن عدي بن حاتم أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال ما أمسك عليك فكل خرجه الترمذي فهذه هي أسباب اتفاقهم في أنواع الجوارح وأما الشروط المشترطة في الجوارح فإن منها ما اتفقوا عليه وهو التعليم بالجملة لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين وقوله عليه الصلاة والسلام إذا أرسلت كلبك المعلم واختلفوا في صفة التعليم وشروطه فقال قوم التعليم ثلاثة أصناف أحدها أن تدعو الجارح فيجيب والثاني أن تشليه فينشلي والثالث أن تزجره فيزدجر ولا خلاف بينهم في اشتراط هذه الثلاثة في الكلب وإنما اختلفوا في اشتراط الانزجار في سائر الجوارح فاختلفوا أيضا في هل من شرطه أن لا يأكل الجارح فمنهم من اشترطه على الإطلاق ومنهم من اشترطه في الكلب فقط وقول مالك إن هذه الشروط الثلاثة شرط في الكلاب وغيرها وقال ابن حبيب من أصحابه ليس يشترط الانزجار فيما ليس يقبل ذلك من شرط الجوارح مثل البزاة والصقور وهو مذهب مالك أعني أنه ليس من شرط الجارح لا كلب ولا غيره أن لا يأكل واشترطه بعضهم في الكلب ولم يشترطه فيما عداه من جوارح الطيور ومنهم من اشترطه كما قلنا في الكل والجمهور على جواز أكل صيد البازي والصقر وإن أكل لأن تضريته إنما تكون بالأكل
فالخلاف في هذا الباب راجع إلى موضعين أحدهما هل من شرط التعليم أن ينزجر إذا زجر والثاني هل من شرطه ألا يأكل وسبب الخلاف في اشتراط الأكل أو عدمه شيئان أحدهما اختلاف الآثار في ذلك والثاني هل إذا أكل فهو ممسك أم لا فأما الآثار فمنها حديث عدي بن حاتم المتقدم وفيه فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه والحديث المعارض لهذا حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل قلت وإن أكل منه يا رسول الله قال وإن أكل فمن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث عدي بن حاتم على الندب وهذا على الجواز قال ليس من شرطه ألا يأكل ومن رجح حديث عدي بن خاتم إذ هو حديث متفق عليه وحديث أبي ثعلبة مختلف فيه ولذلك لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم وقال من شرط الإمساك أن لا يأكل بدليل الحديث المذكور قال إن أكل من الصيد لم يؤكل وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحق والثوري وهو قول ابن عباس ورخص في أكل ما أكل الكلب كما قلنا مالك وسعيد بن مالك وابن عمر وسليمان وقالت المالكية المتأخرة إنه ليس الأكل بدليل على أنه لم يمسك لسيده ولا الإمساك لسيده بشرط في الذكاة لأن نية الكلب غير معلومة وقد يمسك لسيده ثم يبدو له فيمسك لنفسه وهذا الذي قالوه خلاف النص في الحديث وخلاف ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم وللإمساك على سيد الكلب طريق تعرف به وهو العادة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وأما اختلافهم في الازدجار فليس له سبب إلا اختلافهم في قياس سائر الجوارح في ذلك على الكلب لأن الكلب الذي لا يزدجر لا يسمى معلما باتفاق فأما سائر الجوارح إذا لم تنزجر هل تسمى معلمة أم لا ففيه التردد وهو سبب الخلاف الباب الثالث في معرفة الذكاة المختصة بالصيد وشروطها واتفقوا على أن الذكاة المختصة بالصيد هي العقر واختلفوا في شروطها اختلافا كثيرا وإذا اعتبرت أصولها التي هي أسباب الاختلاف سوى الشروط المشترطة في الآلة وفي الصائد وجدتها ثمانية شروط اثنان يشتركان في الذكاتين أعني ذكاة المصيد وغير المصيد وهي النية والتسمية وستة تختص بهذه الذكاة أحدها أنها إن لم تكن الآلة أو الجارح الذي أصاب الصيد قد أنفذ مقاتله فإنه يجب أن يذكى بذكاة الحيوان الإنسي إذا قدر عليه قبل أن يموت مما أصابه من الجارح أو من الضرب وأما إن كان قد أنفذ مقاتله فليس يجب ذلك وإن كان قد يستحب والثاني أن يكون الفعل الذي أصيب به الصيد مبدؤه من الصائد لا من غيره أعني لا من الآلة كالحال في الحبالة ولا من الجارح كالحال فيما يصيب الكلب الذي ينشلي من ذاته والثالث أن لا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة والرابع أن لا يشك في عين الصيد الذي أصابه وذلك عند غيبته عن عينه والخامس أن لا يكون الصيد مقدورا عليه في وقت الإرسال عليه والسادس أن لا يكون موته من رعب من الجارح أو بصدمة منه فهذه هي أصول الشروط التي من قبل اشتراطها أو لا اشتراطها عرض الخلاف بين الفقهاء وربما اتفقوا على وجوب بعض هذه الشروط ويختلفون في وجودها في نازلة نازلة كاتفاق المالكية على أن من شرط الفعل أن يكون مبدؤه من الصائد واختلافهم إذا أفلت الجارح من يده أو خرج بنفسه ثم أغراه هل يجوز ذلك الصيد أم لا لتردد هذه الحال بين أن يوجد لها هذا الشرط أو لا يوجد كاتفاق أبي حنيفة ومالك على أن من شرطه إذا أدرك غير منفوذ المقاتل أن يذكى إذا قدر عليه قبل أن يموت
واختلافهم بين أن يخلصه حيا فيموت في يده قبل أن يتمكن من ذكاته فإن أبا حنيفة منع هذا وأجازه مالك ورآه مثل الأول أعني إذا لم يقدر على تخليصه من الجارح حتى مات لتردد هذه الحال بين أن يقال أدركه غير منفوذ المقاتل وفي غير يد الجارح فأشبه المفرط أو لم يشبهه فلم يقع منه تفريط وإذا كانت هذه الشروط هي أصول الشروط المشترطة في الصيد مع سائر الشروط المذكورة في الآلة والصائد نفسه على ما سيأتي يجب أن يذكر منها ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه وأسباب الخلاف في ذلك وما يتفرع عنها من مشهور مسائلهم فنقول أما التسمية والنية فقد تقدم الخلاف فيهما وسببه في كتاب الذبائح ومن قبل اشتراط النية في الذكاة لم يجز عند من اشترطها إذا أرسل الجارح على صيد وأخذ آخر ذكاة ذلك الصيد الذي لم يرسل عليه وبه قال مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ذلك جائز ويؤكل ومن قبل هذا أيضا اختلف أصحاب مالك في الإرسال على صيد غير مرئي كالذي يرسل على ما في غيضة أو من وراء أكمة ولا يدري هل هنالك شيء أم لا لأن القصد في هذا يشوبه شيء من الجهل وأما الشرط الأول الخاص بذكاة الصيد من الشروط الستة التي ذكرناها وهو أن عقر الجارح له إذا لم ينفذ مقاتله إنما يكون إذا لم يدركه المرسل حيا فباشتراطه قال جمهور العلماء لما جاء في حديث عدي بن حاتم في بعض رواياته أنه قال عليه الصلاة والسلام وإن أدركته حيا فاذبحه وكان النخعي يقول إذا أدركته حيا ولم يكن معك حديدة فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله وبه قال الحسن البصري مصيرا لعموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ومن قبل هذا الشرط قال مالك لا يتوانى المرسل في طلب الصيد فإن توانى فأدركه ميتا فإن كان منفوذ المقاتل بسهم حل أكله وإلا لم يحل من أجل أنه لو لم يتوان لكان يمكن أن يدركه حيا غير منفوذ المقاتل وأما الشرط الثاني وهو أن يكون الفعل مبدؤه من القانص ويكون متصلا حتى يصيب الصيد فمن قبل اختلافهم فيه اختلفوا فيما تصيبه الحبالة والشبكة إذا أنفذت المقاتل بمحدد فيها فمنع ذلك مالك والشافعي والجمهور ورخص فيه الحسن البصري ومن هذا الأصل لم يجز مالك الصيد الذي أرسل عليه الجارح فتشاغل بشيء آخر ثم عاد إليه من قبل نفسه وأما الشرط الثالث وهو أن لا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة له فهو شرط مجمع عليه فيما أذكر لأنه لا يدري من قتله وأما الشرط الرابع وهو أن لا يشك في عين الصيد ولا في قتل جارحه له فمن قبل ذلك اختلفوا في أكل الصيد إذا غاب مصرعه فقال مالك مرة لا بأس بأكل الصيد إذا غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثرا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت فإذا بات فإني أكرهه وبالكراهية قال الثوري وقال عبد الوهاب إذا بات الصيد من الجارح لم يؤكل وفي السهم خلاف وقال ابن الماجشون يؤكل فيهما جميعا إذا وجد منفوذ المقاتل وقال مالك في المدونة لا يؤكل فيهما جميعا إذا بات وإن وجد منفوذ المقاتل وقال الشافعي القياس أن لا تأكله إذا غاب عنك مصرعه وقال أبو حنيفة إذا توارى الصيد والكلب في طلبه فوجده المرسل مقتولا جاز أكله ما لم يترك الكلب الطلب فإن تركه كرهنا أكله والسبب الثاني اختلاف الآثار في هذا الباب فروى مسلم والنسائي والترمذي وأبو داود عن أبي ثعلبة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الذي يدرك صيده بعد ثلاث فقال كل ما لم ينتن وروى مسلم عن أبي ثعلبة أيضا عن النبي عليه الصلاة والسلام قال إذا رميت سهمك فغاب عنك مصرعه فكل ما لم يبت وفي حديث عدي بن حاتم أنه قال عليه الصلاة والسلام إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل
ومن هذا الباب اختلافهم في الصيد يصاد بالسهم أو يصيبه الجارح فيسقط في ماء أو يتردى من مكان عال فقال مالك لا يؤكل لأنه لا يدرى من أي الأمرين مات ألا أن يكون السهم قد أنفذ مقاتله ولا يشك أن منه مات وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة لا يؤكل إن وقع في ماء منفوذ المقاتل ويؤكل إن تردى وقال عطاء لا يؤكل أصلا إذا أصيبت المقاتل وقع في ماء أو تردى من موضع عال لإمكان أن يكون زهوق نفسه من قبل التردي أو من الماء قبل زهوقها من قبل إنفاذ المقاتل وأما موته من صدم الجارح له فإن ابن القاسم منعه قياسا على المثقل وأجازه أشهب لعموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ولم يختلف المذهب أن ما مات من خوف الجارح أنه غير مذكى وأما كونه في حين الإرسال غير مقدور عليه فإنه شرط فيما علمت متفق عليه وذلك يوجد إذا كان الصيد مقدورا على أخذه باليد دون خوف أو غرر إما من قبل أنه قد نشب في شيء أو تعلق بشيء أو رماه أحد فكسر جناحه أو ساقه وفي هذا الباب فروع كثيرة من قبل تردد بعض الأحوال بين أن يوصف فيها الصيد بأنه مقدور عليه أو غير مقدور عليه مثل أن تضطره الكلاب فيقع في حفرة فقيل في المذهب يؤكل وقيل لا يؤكل واختلفوا في صفة العقر إذا ضرب الصيد فأبين منه عضو فقال قوم يؤكل الصيد إلا ما بان منه وقال قوم يؤكلان جميعا وفرق قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلا أو غير مقتل فقالوا إن كان مقتلا أكلا جميعا وإن كان غير مقتل أكل الصيد ولم يؤكل العضو وهو معنى قول مالك وإلى هذا يرجع خلافهم في أن يكون القطع بنصفين أو يكون أحدهما أكبر من الثاني وسبب اختلافهم معارضة قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة لعموم قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ولعموم قوله تعالى تناله أيديكم ورماحكم فمن غلب حكم الصيد وهو العقر مطلقا قال يؤكل الصيد والعضو المقطوع من الصيد وحمل الحديث على الإنسي ومن حمله على الوحشي والإنسي معا واستثنى من ذلك العموم بالحديث العضو المقطوع فقال كل الصيد دون العضو البائن ومن اعتبر في ذلك الحياة المستقرة أعني في قوله وهي حية فرق بين أن يكون العضو مقتلا أو غير مقتل الباب الرابع في شروط القانص وشروط القانص هي شروط الذابح نفسه وقد تقدم ذلك في كتاب الذبائح المتفق عليها والمختلف فيها ويخص الاصطياد في البر شرط زائد وهو أن لا يكون محرما ولا خلاف في ذلك لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فإن اصطاد محرم فهل يحل ذلك الصيد للحلال أم هو ميتة لا يحل لأحد أصلا اختلف فيه الفقهاء فذهب مالك إلى أنه ميتة وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور إلى أنه يجوز لغير المحرم أكله وسبب اختلافهم هو الأصل المشهور وهو هل النهي يعود بفساد المنهي أم لا وذلك بمنزلة ذبح السارق والغاصب واختلفوا من هذا الباب في كلب المجوس المعلم فقال مالك الاصطياد به جائز فإن المعتبر الصائد لا الآلة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم وكرهه جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والثوري لأن الخطاب في قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين متوجه نحو المؤمنين وهذا كاف بحسب المقصود من هذا الكتاب والله الموفق للصواب كتاب العقيعة والقول المحيط بأصول هذا الكتاب ينحصر في ستة أبواب الأول في معرفة حكمها والثاني في معرفة محلها والثالث في معرفة من يعق عنه وكم يعق الرابع في معرفة وقت هذا النسك الخامس في سن هذا النسك وصفته السادس حكم لحمها وسائر أجزائها فأما حكمها فذهبت طائفة منهم الظاهرية إلى أنها واجبة وذهب الجمهور إلى أنها سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة وقد قيل إن تحصيل مذهبه أنها عنده تطوع
وسبب اختلافهم تعارض مفهوم الآثار في هذا الباب وذلك أن ظاهر حديث سمرة وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويماط عنه الأذى يقتضي الوجوب وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقوق ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل يقتضي الندب أو الإباحة فمن فهم منه الندب قال العقيقة سنة ومن فهم الإباحة قال ليست بسنة ولا فرض وخرج الحديثين أبو داود ومن أخذ بحديث سمرة أوجبها وأما محلها فإن جمهور العلماء على أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية وأما مالك فاختار فيها الضأن على مذهبه في الضحايا واختلف قوله هل يجزي فيها الإبل والبقر أو لا يجزي وسائر الفقهاء على أصلهم أن الإبل أفضل من البقر والبقر أفضل من الغنم وسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب والقياس أما الأثر فحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا وقوله عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان خرجهما أبو داود وأما القياس فلأنها نسك فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل قياسا على الهدايا وأما من يعق عنه فإن جمهورهم على أنه يعق عن الذكر والأنثى الصغيرين فقط وشذ الحسن فقال لا يعق عن الجارية وأجاز بعضهم أن يعق عن الكبير ودليل الجمهور على تعلقها بالصغير قوله عليه الصلاة والسلام يوم سابعه ودليل من خالف ما روي عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام عق عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة ودليلهم أيضا على تعلقها بالأنثى قوله عليه الصلاة والسلام عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان ودليل من اقتصر بها على الذكر قوله عليه الصلاة والسلام كل غلام مرتهن بعقيقته وأما العدد فإن الفقهاء اختلفوا أيضا في ذلك فقال مالك يعق عن الذكر والأنثى بشاة شاة وقال الشافعي وأبو ثور وأبو داود وأحمد يعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب فمنها حديث أم كرز الكعبية خرجه أبو داود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في العقيقة عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة والمكافأتان المتماثلتان وهذا يقتضي الفرق في ذلك بين الذكر والأنثى وما روي أنه عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا يقتضي الاستواء بينهما وأما وقت هذا النسك فإن جمهور العلماء على أنه يوم سابع المولود ومالك لا يعد في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارا و عبد الملك بن الماجشون يحتسب به وقال ابن القاسم في العتبية إن عق ليلا لم يجزه واختلاف أصحاب مالك في مبدأ وقت الإجزاء فقيل وقت الضحايا أعني ضحى وقيل بعد الفجر قياسا على قول مالك في الهدايا ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلا أجاز هذه ليلا وقد قيل يجوز في السابع الثاني والثالث وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة أعني أنه يتقى فيها من العيوب ما يتقي في الضحايا ولا أعلم في هذا خلافا في المذهب ولا خارجا منه وأما حكم لحمها وجلدها وسائر أجزائها فحكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة ومنع البيع وجميع العلماء على أنه كان يدمى رأس الطفل في الجاهلية بدمها وأنه نسخ في الإسلام وذلك لحديث بريدة الأسلمي قال كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح له شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الإسلام كنا نذبح ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران وشذ الحسن و قتادة فقالا يمس رأس الصبي بقطنة قد غمست في الدم واستحب كسر عظامها لما كانوا في الجاهلية يقطعونها من المفاصل واختلف في حلاق رأس المولود يوم السابع والصدقة بوزن شعره فضة فقيل هو مستحب وقيل هو غير مستحب والقولان عن مالك والاستحباب أجود وهو قول ابن حبيب لما رواه مالك في الموطأ أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وتصدقت بزنة ذلك فضة كتاب الأطعمة والأشربة