Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

Section V01/P339–V01/P341

والكلام في أصول هذا الكتاب يتعلق بجملتين الجملة الأولى نذكر فيها المحرمات في حال الاختيار الجملة الثانية نذكر فيها أحوالها في حال الاضطرار الجملة الأولى والأغذية الإنسانية نبات وحيوان فأما الحيوان الذي يغتذى به فمنه حلال في الشرع ومنه حرام وهذا منه بري ومنه بحري والمحرمة منها ما تكون محرمة لعينها ومنها ما تكون لسبب وارد عليها وكل هذه منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه فأما المحرمة لسبب وارد عليها فهي بالجملة تسعة الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وكل ما نقصه شرط من شروط التذكية من الحيوان الذي التذكية شرط في أكله والجلالة والطعام الحلال يخالطه نجس فأما الميتة فاتفق العلماء على تحريم ميتة البر واختلفوا في ميتة البحر على ثلاث أقوال فقال قوم هي حلال بإطلاق وقال قوم هي حرام بإطلاق وقال قوم ما طفا من السمك حرام وما جزر عنه البحر فهو حلال وسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب ومعارضة عموم الكتاب لبعضها معارضة كلية وموافقته لبعضها موافقة جزئية ومعارضة بعضها لبعض معارضة جزئية فأما العموم فهو قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وأما الآثار المعارضة لهذا العموم معارضة كلية فحديثان الواحد متفق عليه والآخر مختلف فيه أما المتفق عليه فحديث جابر وفيه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوا حوتا يسمى العنبر أو دابة قد جزر عنه البحر فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما أو شهرا ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال هل معكم من لحمه شيء فأرسلوا منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكله وهذا إنما يعارض الكتاب معارضة كلية بمفهومه لا بلفظه وأما الحديث الثاني المختلف فيه فما رواه مالك عن أبي هريرة أنه سئل عن ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما الحديث الموافق للعموم موافقة جزئية فما روى إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما طفا فلا تأكلوه وهو حديث أضعف عندهم من حديث مالك وسبب ضعف حديث مالك أن في رواته من لا يعرف وأنه ورد في طريق واحد قال أبو عمر بن عبد البر بل رواته معروفون وقد ورد من طرق وسبب ضعف حديث جابر أن الثقات أوقفوه على جابر فمن رجح حديث جابر هذا على حديث أبي هريرة لشهادة عموم الكتاب له لم يستثن من ذلك إلا ما جزر عنه البحر إذ لم يرد في ذلك تعارض ومن رجح حديث أبي هريرة قال بالإباحة مطلقا وأما من قال بالمنع مطلقا فمصيرا إلى ترجيح عموم الكتاب وبالإباحة مطلقا قال مالك والشافعي وبالمنع مطلقا قال أبو حنيفة وقال قوم غير هؤلاء بالفرق وأما الخمسة التي ذكر الله مع الميتة فلا خلاف أن حكمها عندهم حكم الميتة وأما الجلالة وهي التي تأكل النجاسة فاختلفوا في أكلها وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر أما الأثر فما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لحوم الجلالة وألبانها خرجه أبو داود عن ابن عمر وأما القياس المعارض لهذا فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وسائر أجزائه فإذا قلنا إن لحم الحيوان حلال وجب أن يكون لما ينقلب من ذلك حكم ما ينقلب إليه وهو اللحم كما لو انقلب ترابا أو كانقلاب الدم لحما والشافعي يحرم الجلالة ومالك يكرهها وأما النجاسة تخالط الحلال فالأصل فيه الحديث المشهور من حديث أبي هريرة وميمونة أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن الفأرة تقع في السمن فقال إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وكلوا الباقي وإن كان ذائبا فأريقوه أو لا تقربوه وللعلماء في النجاسة تخالط المطعومات الحلال مذهبان أحدهما من يعتبر في التحريم المخالطة فقط وإن لم يتغير للطعام لون ولا رائحة ولا طعم من قبل النجاسة التي خالطته وهو المشهور والذي عليه الجمهور والثاني مذهب من يعتبر في ذلك التغير وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك

Section V01/P341–V01/P342

وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم الحديث وذلك أن منهم من جعله من باب الخاص أريد به الخاص وهم أهل الظاهر فقالوا هذا الحديث يمر على ظاهره وسائر الأشياء يعتبر فيها تغيرها بالنجاسة أو لا تغيرها بها ومنهم من جعله من باب الخاص أريد به العام وهم الجمهور فقالوا المفهوم منه أن بنفس مخالطة النجس ينجس الحلال إلا أنه لم يتعلل لهم الفرق بين أن يكون جامدا أو ذائبا لوجود المخالطة في هاتين الحالتين وإن كانت في إحدى الحالتين أكثر أعني في حالة الذوبان ويجب على هذا أن يفرق بين المخالطة القليلة والكثيرة فلما لم يفرقوا بينهما فكأنهم اقتصروا من بعض الحديث على ظاهره ومن بعضه على القياس عليه ولذلك أقرته الظاهرية كله على ظاهره وأما المحرمات لعينها فمنها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه فأما المتفق منها عليه فاتفق المسلمون منها على اثنين لحم الخنزير والدم فأما الخنزير فاتفقوا على تحريم شحمه ولحمه وجلده واختلفوا في الانتفاع بشعره وفي طهارة جلده مدبوغا وغير مدبوغ وقد تقدم ذلك في كتاب الطهارة وأما الدم فاتفقوا على تحريم المسفوح منه من الحيوان المذكى واختلفوا في غير المسفوح منه وكذلك اختلفوا في دم الحوت فمنهم من رآه نجسا ومنهم من لم يره نجسا والاختلاف في هذا كله موجود في مذهب مالك وخارجا عنه وسبب اختلافهم في غير المسفوح معارضة الإطلاق للتقييد وذلك أن قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم يقتضي تحريم مسفوح الدم وغيره وقوله تعالى أو دما مسفوحا يقتضي بحسب دليل الخطاب تحريم المسفوح فقط فمن رد المطلق إلى المقيد اشترط في التحريم السفح ومن رأى أن الإطلاق يقتضي حكما زائدا على التقييد وأن معارضة المقيد للمطلق إنما هو من باب دليل الخطاب والمطلق عام والعام أقوى من دليل الخطاب قضى بالمطلق على المقيد وقال يحرم قليل الدم وكثيره والسفح المشترط في حرمية الدم إنما هو دم الحيوان المذكى أعني أنه الذي يسيل عند التذكية من الحيوان الحلال الأكل وأما أكل دم يسيل من الحيوان الحي فقليله وكثيره حرام وكذلك الدم من الحيوان المحرم الأكل وإن ذكي فقليله وكثيره حرام ولا خلاف في هذا وأما سبب اختلافهم في دم الحوت فمعارضة العموم للقياس أما العموم فقوله تعالى والدم وأما القياس فما يمكن أن يتوهم من كون الدم تابعا في التحريم لميتة الحيوان أعني أن ما حرم ميتته حرم دمه وما حل ميتته حل دمه ولذلك رأى مالك أن ما لا دم له فليس بميتة قال القاضي وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب الطهارة ويذكر الفقهاء في هذا حديثا مخصصا لعموم الدم قوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان وهذا الحديث في غالب ظني ليس هو في الكتب المشهورة من كتب الحديث وأما المحرمات لعينها المختلف فيها فأربعة أحدها لحوم السباع من الطير ومن ذوات الأربع والثاني ذوات الحافر الإنسية والثالث لحوم الحيوان المأمور بقتله في الحرم والرابع لحوم الحيوانات التي تعافها النفوس وتستخبثها بالطبع وحكى أبو حامد عن الشافعي أنه يحرم لحم الحيوان المنهي عن قتله قال كالخطاف والنحل فيكون هذا جنسا خامسا من المختلف فيه

Section V01/P342–V01/P343

فأما المسألة الأولى وهي السباع ذوات الأربع فروى ابن القاسم عن مالك أنها مكروهة وعلى هذا القول عول جمهور أصحابه وهو المنصور عندهم وذكر مالك في الموطأ ما دليله أنها عنده محرمة وذلك أنه قال بعقب حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام وعلى ذلك الأمر عندنا وإلى تحريمها ذهب الشافعي وأشهب وأصحاب مالك وأبو حنيفة إلا أنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع عنده من السباع وكذلك السنور وقال الشافعي يؤكل الضبع والثعلب وإنما السباع المحرمة التي تعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب وكلا القولين في المذهب وجمهورهم على أن القرد لا يؤكل ولا ينتفع به وعند الشافعي أيضا أن الكلب حرام لا ينتفع به لأنه فهم من النهي عن سؤره نجاسة عينه وسبب اختلافهم في تحريم لحوم السباع من ذوات الأربع معارضة الكتاب للآثار وذلك أن ظاهر قوله قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية أن ما عدا المذكور في هذه الآية حلال وظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع أن السباع محرمة هكذا رواه البخاري ومسلم وأما مالك فما رواه في هذا المعنى من طريق أبي هريرة هو أبين في المعارضة وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام وذلك أن الحديث الأول قد يمكن الجمع بينه وبين الآية بأن يحمل النهي المذكور فيه عل الكراهية وأما حديث أبي هريرة فليس يمكن الجمع بينه وبين الآية إلا أن يعتقد أنه ناسخ للآية عند من رأى أن الزيادة نسخ وأن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة فمن جمع بين حديث أبي ثعلبة والآية حمل حديث لحوم السباع على الكراهية ومن رأى أن حديث أبي هريرة يتضمن زيادة على ما في الآية حرم لحوم السباع ومن اعتقد أن الضبع والثعلب محرمان فاستدلالا بعموم لفظ السباع ومن خصص من ذلك العادية فمصيرا لما روى عبد الرحمن بن عمار قال سألت جابر بن عبد الله عن الضبع آكلها قال نعم قلت أصيد هي قال نعم قلت فأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم وهذا الحديث وإن كان انفرد به عبد الرحمن فهو ثقة عند جماعة أئمة الحديث ولما ثبت من إقراره عليه الصلاة والسلام على أكل الضب بين يديه وأما سباع الطير فالجمهور على أنها حلال لمكان الآية المتكررة وحرمها قوم لما جاء في حديث ابن عباس أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل مخلب من الطير إلا أن هذا الحديث لم يخرجه الشيخان وإنما ذكره أبو داود وأما المسألة الثانية وهي اختلافهم في ذوات الحافر الإنسي أعني الخيل والبغال والحمير فإن جمهور العلماء على تحريم لحوم الحمر الإنسية إلا ما روي عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحانها وعن مالك أنه كان يكرهها رواية ثانية مثل قول الجمهور وكذلك الجمهور على تحريم البغال وقوم كرهوها ولم يحرموها وهو مروي عن مالك وأما الخيل فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنها محرمة وذهب الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة إلى إباحتها والسبب في اختلافهم في الحمر الإنسية معارضة الآية المذكورة للأحاديث الثابتة في ذلك من حديث جابر وغيره قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل فمن جمع بين الآية وهذا الحديث حملها على الكراهية ومن رأى النسخ قال بتحريم الحمر أو قال بالزيادة دون أن يوجب عنده نسخا وقد احتج من لم ير تحريمها بما روي عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى قال أصبنا حمرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكفئوا القدور بما فيها

Section V01/P343–V01/P344

قال ابن إسحق فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال إنما نهى عنها لأنها كانت تأكل الجلة وأما اختلافهم في البغال فسببه معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وقوله مع أن ذلك في الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون للآية الحاصرة للمحرمات لأنه يدل مفهوم الخطاب فيها أن المباح في البغال إنما هو الركوب مع قياس البغل أيضا على الحمار وأما سبب اختلافهم في الخيل فمعارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جابر ومعارضة قياس الفرس على البغل والحمار له لكن إباحة لحم الخيل نص في حديث جابر فلا ينبغي أن يعارض بقياس ولا بدليل خطاب وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في الحيوان المأمور بقتله في الحرم وهي الخمس المنصوص عليها الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور فإن قوما فهموا من الأمر بالقتل لها مع النهي عن قتل البهائم المباحة الأكل أن العلة في ذلك هو كونها محرمة وهو مذهب الشافعي وقوما فهموا من ذلك معنى التعدي لا معنى التحريم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور أصحابهما وأما الجنس الرابع وهو الذي تستخبثه النفوس كالحشرات والضفادع والسرطانات والسلحفاة وما في معناها فإن الشافعي حرمها وأباحها الغير ومنهم من كرهها فقط وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم ما ينطلق عليه اسم الخبائث في قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث فمن رأى أنها المحرمات بنص الشرع لم يحرم من ذلك ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص ومن رأى أن الخبائث هي ما تستخبثه النفوس قال هي محرمة وأما ما حكاه أبو حامد عن الشافعي في تحريمه الحيوان المنهي عن قتله كالخطاف والنحل زعم فإني لست أدري أين وقعت الآثار الواردة في ذلك ولعلها في غير الكتب المشهورة عندنا وأما الحيوان البحري فإن العلماء أجمعوا على تحليل ما لم يكن منه موافقا بالاسم لحيوان في البر محرم فقال مالك لا بأس بأكل جميع حيوان البحر إلا أنه كره خنزير الماء وقال أنتم تسمونه خنزيرا وبه قال ابن أبي ليلى والأوزاعي ومجاهد وجمهور العلماء إلا أن منهم من يشترط في غير السمك التذكية وقد تقدم ذلك وقال الليث بن سعد أما إنسان الماء وخنزير الماء فلا يؤكلان على شيء من الحالات وسبب اختلافهم هو هل يتناول لغة أو شرعا اسم الخنزير والإنسان خنزير الماء وإنسانه وعلى هذا يجب أن يتطرق الكلام إلى كل حيوان في البحر مشارك بالاسم في اللغة أو في العرف لحيوان محرم في البر مثل الكلب عند من يرى تحريمه والنظر في هذه المسألة يرجع إلى أمرين أحدهما هل هذه الأسماء لغوية والثاني هل للاسم المشترك عموم أم ليس له فإن إنسان الماء وخنزيره يقالان مع خنزير البر وإنسانه باشتراك الاسم فمن سلم أن هذه الأسماء لغوية ورأى أن للاسم المشترك عموما لزمه أن يقول بتحريمها ولذلك توقف مالك في ذلك وقال أنتم تسمونه خنزيرا فهذه حال الحيوان المحرم الأكل في الشرع والحيوان المباح الأكل وأما النبات الذي هو غذاء فكله حلال إلا الخمر وسائر الأنبذة المتخذة من العصارات التي تتخمر ومن العسل نفسه أما الخمر فإنهم اتفقوا على تحريم قليلها وكثيرها أعني التي هي من عصير العنب وأما الأنبذة فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا يسكر وأجمعوا على أن المسكر منها حرام فقال جمهور فقهاء الحجاز وجمهور المحدثين قليل الأنبذة وكثيرها المسكرة حرام وقال العراقيون إبراهيم النخعي من التابعين وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وشريك وابن شبرمة وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفيين وأكثر علماء البصريين إن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين وسبب اختلافهم تعارض الآثار والأقيسة في هذا الباب فللحجازيين في تثبيت مذهبهم طريقتان الطريقة الأولى الآثار الواردة في ذلك والطريقة الثانية تسمية الأنبذة بأجمعها خمرا فمن أشهر الآثار التي تمسك بها أهل الحجاز ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وعن نبيذ العسل فقال كل شراب أسكر فهو حرام خرجه البخاري

Section V01/P344–V01/P345

وقال يحيى بن معين هذا أصح حديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم المسكر ومنها أيضا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذان حديثان صحيحان أما الأول فاتفق الكل عليه وأما الثاني فانفرد بتصحيحه مسلم وخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نص في موضع الخلاف وأما الاستدلال الثاني من أن الأنبذة كلها تسمى خمرا فلهم في ذلك طريقتان إحداهما من جهة إثبات الأسماء بطريق الاشتقاق والثاني من جهة السماع فأما التي من جهة الاشتقاق فإنهم قالوا إنه معلوم عند أهل اللغة أن الخمر إنما سميت خمرا لمخامرتها العقل فوجب لذلك أن ينطلق اسم الخمر لغة على كل ما خامر العقل وهذه الطريقة من إثبات الأسماء فيها اختلاف بين الأصوليين وهي غير مرضية عند الخراسانيين وأما الطريقة الثانية التي من جهة السماع فإنهم قالوا إنه وإن لم يسلم لنا أن الأنبذة تسمى في اللغة خمرا فإنها تسمى خمرا شرعا واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر المتقدم وبما روي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وما روي أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من العنب خمرا وإن من العسل خمرا ومن الزبيب خمرا ومن الحنطة خمرا وأنا أنهاكم عن كل مسكر فهذه هي عمدة الحجازيين في تحريم الأنبذة وأما الكوفيون فإنهم تمسكوا لمذهبهم بظاهر قوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وبآثار رووها في هذا الباب وبالقياس المعنوي أما احتجاجهم بالآية فإنهم قالوا السكر هو المسكر ولو كان محرم العين لما سماه الله رزقا حسنا وأما الآثار التي اعتمدوها في هذا الباب فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال حرمت الخمر لعينها والسكر من غيرها وقالوا هذا نص لا يحتمل التأويل وضعفه أهل الحجاز لأن بعض رواته روى والمسكر من غيرها ومنها حديث شريك عن سماك بن حرب بإسناده عن أبي بردة بن نيار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت نهيتكم عن الشراب في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا خرجها الطحاوي ورووا عن ابن مسعود أنه قال شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم ورووا عن أبي موسى قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذا إلى اليمن فقلنا يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير أحدهما يقال له المزر والآخر يقال له البتع فما نشرب فقال عليه الصلاة والسلام اشربا ولا تسكرا خرجه الطحاوي أيضا إلى غير ذلك من الآثار التي ذكروها في هذا الباب وأما احتجاجهم من جهة النظر فإنهم قالوا قد نص القرآن أن علة التحريم في الخمر إنما هي الصد عن ذكر الله ووقوع العداوة والبغضاء كما قال تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وهذه العلة توجد في القدر المسكر فيما دون ذلك فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام إلا ما انعقد عليه الإجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها قالوا وهذا النوع من القياس يلحق بالنص وهو القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه

Section V01/P345–V01/P347

وقال المتأخرون من أهل النظر حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى وحجة العراقيين من طريق القياس أظهر وإذا كان هذا كما قالوا فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا وهي مسألة مختلف فيها لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا فالواجب أن يغلب على القياس وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد النظر هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون وربما كان الذوقان على التساوي ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع حتى قال كثير من الناس كل مجتهد مصيب قال القاضي والذي يظهر لي والله أعلم أن قوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر حرام وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر لا الجنس المسكر فإن ظهوره في تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر لمكان معارضة ذلك القياس له على ما تأوله الكوفيون فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر وكثيره سدا للذريعة وتغليظا مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير وقد ثبت من حال الشرع بالإجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس دون القدر الواجب فوجب كل ما وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة الدليل على ذلك هذا إن لم يسلموا لنا صحة قوله عليه الصلاة والسلام ما أسكر كثيره فقليله حرام فإنهم إن سلموه لم يجدوا انفكاكا فإنه نص في موضع الخلاف ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس وأيضا فإن الشرع قد أخبر أن في الخمر مضرة ومنفعة فقال تعالى قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وكان القياس إذا قصد الجمع بين انتفاء المضرة ووجود المنفعة أن يحرم كثيرها ويحلل قليلها فلما غلب الشرع حكم المضرة على المنفعة في الخمر ومنع القليل منها والكثير وجب أن يكون الأمر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي واتفقوا على أن الانتباذ حلال ما لم تحدث فيه الشدة المطربة الخمرية لقوله عليه الصلاة والسلام فانتبذوا وكل مسكر حرام ولما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينتبذ وأنه كان يريقه في اليوم الثاني أو الثالث واختلفوا من ذلك في مسألتين إحداهما في الأواني التي ينتبذ فيها والثانية في انتباذ شيئين مثل البسر والرطب والتمر والزبيب فأما المسألة الأولى فإنهم أجمعوا على جواز الانتباذ في الأسقية واختلفوا فيما سواها فروى ابن القاسم عن مالك أنه كره الانتباذ في الدباء والمزفت ولم يكره غيره ذلك وكره الثوري الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه ورد من طريق ابن عباس النهي عن الانتباذ في الأربع التي كرهها الثوري وهو حديث ثابت وروى مالك عن ابن عمر في الموطأ أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت وجاء في حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام من طريق شريك عن سماك أنه قال كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت فانتبذوا ولا أحل مسكرا وحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مالك في الموطأ وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام فمن رأى أن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا عن الانتباذ في هذه الأواني إذ لم يعلم ههنا نهي متقدم غير ذلك قال يجوز الانتباذ في كل شيء

Section V01/P347–V01/P348

ومن قال إن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا عن الانتباذ مطلقا قال بقي النهي عن الانتباذ في هذه الأواني فمن اعتمد في ذلك حديث ابن عمر قال بالآيتين المذكورتين فيه ومن اعتمد في ذلك حديث ابن عباس قال بالأربعة لأنه يتضمن مزيدا والمعارضة بينه وبين حديث ابن عمر إنما هي من باب دليل الخطاب وفي كتاب مسلم النهي عن الانتباذ في الحنتم وفيه أنه رخص لهم فيه إذا كان غير مزفت وأما المسألة الثانية وهي انتباذ الخليطين فإن الجمهور قالوا بتحريم الخليطين من الأشياء التي من شأنها أن تقبل الانتباذ وقال قوم بل الانتباذ مكروه وقال قوم هو مباح وقال قوم كل خليطين فهما حرام وإن لم يكونا مما يقبلان الانتباذ فيما أحسب الآن والسبب في اختلافهم ترددهم في هل النهي الوارد في ذلك هو على الكراهة أو على الحظر وإذا قلنا إنه على الحظر فهل يدل على فساد المنهي عنه أم لا وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أن يخلط التمر والزبيب والزهو والرطب والبسر والزبيب وفي بعضها أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تنتبذوا الزهو والزبيب جميعا ولا التمر والزبيب جميعا وانتبذوا كل واحد منهما على حدة فيخرج في ذلك بحسب التأويل الأقاويل الثلاثة قول بتحريمه وقول بتحليله مع الإثم في الانتباذ وقول بكراهية ذلك وأما من قال إنه مباح فلعله اعتمد في ذلك عموم الأثر بالانتباذ في حديث أبي سعيد الخدري وأما من منع كل خليطين فإما أن يكون ذهب إلى أن علة المنع هو الاختلاط لا ما يحدث من الاختلاط من الشدة في النبيذ وإما أن يكون قد تمسك بعموم ما ورد أنه نهى عن الخليطين وأجمعوا على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها واختلفوا إذا قصد تخليلها على ثلاثة أقوال التحريم والكراهية والإباحة وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر واختلافهم في مفهوم الأثر وذلك أن أبا داود خرج من حديث أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها قال أفلا أجعلها خلا قال لا فمن فهم من المنع سد ذريعة حمل ذلك على الكراهية ومن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم ويخرج على هذا أن لا تحريم أيضا على مذهب من يرى أن النهي لا يعود بفساد المنهي والقياس المعارض لحمل الخل على التحريم أنه قد علم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة وأن الخمر غير ذات الخل والخل بإجماع حلال فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالا كيفما انتقل الجملة الثانية في استعمال المحرمات في حال الاضطرار والأصل في هذا الباب قوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه والنظر في هذا الباب في السبب المحلل وفي جنس الشيء المحلل وفي مقداره فأما السبب فهو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئا حلالا يتغذى به وهو لا خلاف فيه وأما السبب الثاني طلب البرء وهذا المختلف فيه فمن أجازه احتج بإباحة النبي عليه الصلاة والسلام الحرير لعبد الرحمن بن عوف لمكان حكة به ومن منعه فلقوله عليه الصلاة والسلام إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وأما جنس الشيء المستباح فهو كل شيء محرم مثل الميتة وغيرها والاختلاف في الخمر عندهم هو من قبل التداوي بها لا من قبل استعمالها في التغذي ولذلك أجازوا للعطشان أن يشربها إن كان منها ري وللشرق أن يزيل شرقه بها وأما مقدار ما يؤكل من الميتة وغيرها فإن مالكا قال حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يأكل منها إلا ما يمسك الرمق وبه قال بعض أصحاب مالك

Section V01/P348–V02/P002

وسبب الاختلاف هل المباح له في حال الاضطرار هو جميعها أم ما يمسك الرمق فقط والظاهر أنه جميعها لقوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد واتفق مالك والشافعي على أنه لا يحل للمضطر أكل الميتة إذا كان عاصيا بسفره لقوله تعالى غير باغ ولا عاد وذهب غيره إلى جواز ذلك كتاب النكاح وأصول هذا الكتاب تنحصر في خمسة أبواب الباب الأول في مقدمات النكاح الباب الثاني في موجبات صحة النكاح الباب الثالث في موجبات الخيار في النكاح الباب الرابع في حقوق الزوجية الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها والفاسدة الباب الأول في مقدمات النكاح وفي هذا الباب أربع مسائل في حكم النكاح وفي حكم خطبة النكاح وفي الخطبة على الخطبة وفي النظر إلى المخطوبة قبل التزويج فأما حكم النكاح فقال قوم هو مندوب إليه وهم الجمهور وقال أهل الظاهر هو واجب وقال المتأخرة من المالكية هو في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح وذلك بحسب ما يخاف على نفسه من العنت وسبب اختلافهم هل تحمل صيغة الأمر به في قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وفي قوله عليه الصلاة والسلام تناكحوا فإني مكاثر بكم الأمم وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة في ذلك على الوجوب أم على الندب أم على الإباحة فأما من قال إنه في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح فهو التفات إلى المصلحة وهذا النوع من القياس هو الذي يسمى المرسل وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه وقد أنكره كثير من العلماء والظاهر من مذهب مالك القول به وأما خطبة النكاح المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الجمهور إنها ليست واجبة وقال داود هي واجبة وسبب الخلاف هل يحمل فعله في ذلك عليه الصلاة والسلام على الوجوب أو على الندب فأما الخطبة على الخطبة فإن النهي في ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام واختلفوا هل يدل ذلك على فساد النهي عنه أو لا يدل وإن كان يدل ففي أي حالة يدل فقال داود يفسخ وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يفسخ وعن مالك القولان جميعا وثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ بعده وقال ابن القاسم إنما معنى النهي إذا خطب رجل صالح على خطبة رجل صالح وأما إن كان الأول غير صالح والثاني صالح جاز وأما الوقت عند الأكثر فهو إذا ركن بعضهم إلى بعض لا في أول الخطبة بدليل حديث فاطمة بنت قيس جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها فقال أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له ولكن انكحي أسامة وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين ومنع ذلك قوم على الإطلاق وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا وورد بالمنع مطلقا وورد مقيدا أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها أنه الوجه والكفان وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر الباب الثاني في موجبات صحة النكاح وهذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أركان الركن الأول في معرفة كيفية هذا العقد الركن الثاني في معرفة محل هذا العقد الثالث في معرفة شروط هذا العقد الركن الأول في الكيفية والنظر في هذا الركن في مواضع في كيفية الإذن المنعقد به ومن المعتبر رضاه في لزوم هذا العقد وهل يجوز عقده على الخيار أم لا يجوز وهل إن تراخى القبول من أحد المتعاقدين لزم ذلك العقد أم من شرط ذلك الفور الموضع الأول الإذن في النكاح على ضربين فهو واقع في حق الرجال والثيب من النساء بالألفاظ وهو في حق الأبكار المستأذنات واقع بالسكوت أعني الرضا

Section V02/P002–V02/P003

وأما الرد فباللفظ ولا خلاف في هذه الجملة إلا ما حكي عن أصحاب الشافعي أن إذن البكر إذا كان المنكح غير أب ولا جد بالنطق وإنما صار الجمهور إلى أن إذنها بالصمت للثابت من قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها واتفقوا على أن انعقاد النكاح بلفظ النكاح ممن إذنه اللفظ وكذلك بلفظ التزويج واختلفوا في انعقاده بلفظ الهبة أو بلفظ البيع أو بلفظ الصدقة فأجازه قوم وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج وسبب اختلافهم هل هو عقد يعتبر فيه مع النية اللفظ الخاص به أم ليس من صحته اعتبار اللفظ فمن ألحقه بالعقود التي يعتبر فيها الأمران قال لا نكاح منعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج ومن قال إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما ليس من شرطه اللفظ أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك أعني أنه إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة الموضع الثاني وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد فإنه يوجد في الشرع على ضربين أحدهما يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما أعني الزوج والزوجة إما مع الولي وإما دونه على مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها والثاني يعتبر فيه رضا الأولياء فقط وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها ومسائل اختلفوا فيها ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره فقال مالك يجبر السيد عبده على النكاح وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجبره والسبب في اختلافهم هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه وكذلك اختلفوا في جبر الوصي محجوره والخلاف في ذلك موجود في المذهب وسبب اختلافهم هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه الملاذ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله عليه الصلاة والسلام والثيب تعرب عن نفسها إلا ما حكي عن الحسن البصري واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد فأما البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى للأب فقط أن يجبرها على النكاح وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة لا بد من اعتبار رضاها ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم وذلك أن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها وقوله تستأمر اليتيمة في نفسها خرجه أبو داود والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات الأب بخلاف اليتيمة وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور والبكر تستأمر يوجب بعمومه استئمار كل بكر والعموم أقوى من دليل الخطاب مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام والبكر يستأذنها أبوها وهو نص في موضع الخلاف وأما الثيب الغير البالغ فإن مالكا وأبا حنيفة قالا يجبرها الأب على النكاح وقال الشافعي لا يجبرها وقال المتأخرون إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال قول إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق وهو قول أشهب وقول إنه يجبرها وإن بلغت وهو قول سحنون وقول إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ وهو قول أبي تمام والذي حكيناه عن مالك هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار وغيره عنه

Section V02/P003–V02/P005

وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها ولا تنكح اليتيمة إلا بإذنها يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر إلا ما أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ وعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها يتناول البالغ وغير البالغ وكذلك قوله لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن يدل بعمومه على ما قاله الشافعي ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر وهو استنباط القياس من موضع الإجماع وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر فمن قال الصغر قال لا تجبر البكر البالغ ومن قال البكارة قال تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة والثاني تعليل الشافعي والثالث تعليل مالك والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك وأنها لا تكون بزنا ولا بغصب وقال الشافعي كل ثيوبة ترفع الإجبار وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة اللغوية واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح وكذلك ابنته الصغيرة البكر ولا يستأمرها لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها رضي الله عنه إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة واختلفوا من ذلك في مسألتين إحداهما هل يزوج الصغيرة غير الأب والثانية هل يزوج الصغير غير الأب فأما هل يزوج الصغيرة غير الأب أم لا فقال الشافعي يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط وقال مالك لا يزوجها إلا الأب فقط أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد وقال أبو حنيفة يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك ولها الخيار إذا بلغت وسبب اختلافهم معارضة العموم للقياس وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام والبكر تستأمر وإذنها صماتها يقتضي العموم في كل بكر إلا ذات الأب التي خصصها الإجماع إلا الخلاف الذي ذكرناه وكون سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في هذا المعنى فمنهم من ألحق به جميع الأولياء ومنهم من ألحق به الجد فقط لأنه في معنى الأب إذ كان أبا أعلى وهو الشافعي ومن قصر ذلك على الأب رأى أن ما للأب في ذلك غير موجود لغيره إما من قبل أن الشرع خصه بذلك وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه وما ذهب إليه أظهر والله أعلم إلا أن يكون هناك ضرورة وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء قال واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة والفريق الثاني قالوا إن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة والمستأمرة هي من أهل الإذن وهي البالغة فيكون لاختلافهم سبب آخر وهو اشتراك اسم اليتيم وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها قالوا والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق فوجب المنع ولأولئك أن يقولوا أن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار وأما الصغيرة فمسكوت عنها

Section V02/P005–V02/P006

وأما هل يزوج الولي غير الأب الصغير فإن مالكا أجازه للوصي وأبا حنيفة أجازه للأولياء إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ ولم يوجب ذلك مالك وقال الشافعي ليس لغير الأب إنكاحه وسبب اختلافهم قياس غير الأب في ذلك على الأب فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة فلأن الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا وأما الموضع الثالث وهو هل يجوز عقد النكاح على الخيار فإن الجمهور على أنه لا يجوز وقال أبو ثور يجوز والسبب في اختلافهم تردد النكاح بين البيوع التي لا يجوز فيها الخيار والبيوع التي يجوز فيها الخيار أو نقول إن الأصل في العقود أن لا خيار إلا ما وقع عليه النص وعلى المثبت للخيار الدليل أو نقول إن أصل منع الخيار في البيوع هو الغرر والأنكحة لا غرر فيها لأن المقصود بها المكارمة لا المكايسة ولأن الحاجة إلى الخيار والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع وأما تراخي القبول من أحد الطرفين عن العقد فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير ومنعه قوم وأجازه قوم وذلك مثل أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها فيبلغها النكاح فتجيزه وممن منعه مطلقا الشافعي وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه والتفرقة بين الأمر الطويل والقصير لمالك وسبب الخلاف هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا أم ليس ذلك من شرطه ومثل هذا الخلاف عرض في البيع الركن الثاني في شروط العقد وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في الأولياء والثاني في الشهود والثالث في الصداق الفصل الأول في الأولياء والنظر في الأولياء في مواضع أربعة الأول في اشتراط الولاية في صحة النكاح الموضع الثاني في صفة الولي الثالث في أصناف الأولياء وترتيبهم في الولاية وما يتعلق بذلك الرابع في عضل الأولياء من يلونهم وحكم الاختلاف الواقع بين الولي والمولى عليه الموضع الأول اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست بشرط فذهب مالك إلى أنه لا يكون النكاح إلا بولي وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفؤا جاز وفرق داود بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع أن اشتراطها سنة لا فرض وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها وكان يستحب أن تقدم الثيب وليها ليعقد عليها فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك أعني أنهم يقولون إنها من شروط الصحة لا من شروط التمام وسبب اختلافهم أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل لأن الأصل براءة الذمة ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان ونبين وجه الاحتمال في ذلك فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن قالوا وهذا خطاب للأولياء ولو لم يكن لهم في الولاية لما نهوا عن العضل وقوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا قالوا وهذا خطاب للأولياء أيضا

Section V02/P006–V02/P007

ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ( ثلاث مرات ) وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له خرجه الترمذي وقال فيه حديث حسن وأما ما احتج به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة فقوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف قالوا وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها قالوا وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال أن ينكحن أزواجهن وقال حتى تنكح زوجا غيره وأما من السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته وهو قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع فأما قوله تعالى فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا أعني بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا هو أن يكون خطابا لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الأمر فمن احتج بهذه الآية فعليه البيان أنه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الأمر فإن قيل إن هذا عام والعام يشمل ذوي الأمر والأولياء قيل إن هذا الخطاب إنما هو خطاب بالمنع والمنع بالشرع فيستوي فيه الأولياء وغيرهم وكون الولي مأمورا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الإذن أصله الأجنبي ولو قلنا إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل لأنه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا من التواتر لأن هذا مما تعم به البلوى ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعقد أنكحتهم ولا ينصب لذلك من يعقدها وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات وهذا ظاهر والله أعلم وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به والأظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي أعني المولى عليها وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد على نفسها أعني أن لا تكون هي التي تلي العقد بل الأظهر منه أنه إذا أذن الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي معها وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن وليس ههنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح فظاهر هذه الآية والله أعلم أن لها أن تعقد النكاح وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع إلا أن هذا لم يقل به أحد وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم ولا يحتج ببعضها فيه ضعف وأما إضافة النكاح إليهن فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد لكن الأصل هو الاختصاص إلا أن يقوم الدليل على خلاف ذلك

Section V02/P007–V02/P009

وأما حديث ابن عباس فهو لعمري ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر لأنه إذا كان كل واحد منهما يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا ليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها من وليها وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث أحرى من أن يكون معارضا له ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط ويكون السكوت كافيا في العقد والاحتجاج بقوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف هو أظهر في أن المرأة تلي العقد من الاحتجاج بقوله ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا على أن الولي هو الذي يلي العقد وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزهري وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه قالوا والدليل على ذلك أن الزهري لم يكن يشترط الولاية ولا الولاية من مذهب عائشة وقد احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولكنه مختلف في رفعه وكذلك اختلفوا أيضا في صحة الحديث الوارد في نكاح النبي عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأمره لابنها أن ينكحها إياه وأما احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل وذلك أنه يمكن أن يقال إن الرشد إذا وجد في المرأة اكتفي به في عقد النكاح كما يكتفى به في التصرف في المال ويشبه أن يقال إن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير الأموال فاحتاط الشرع بأن جعلها محجوزة في هذا المعنى على التأبيد مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى أوليائها لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ أو الحسبة والمسألة محتملة كما ترى ولكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم فإن تأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإذا كان لا يجوز عليه عليه الصلاة والسلام تأخير البيان عن وقت الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه صلى الله عليه وسلم تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم ينقل فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ذلك وإما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب الموضع الثاني وأما النظر في الصفات الموجبة للولاية والسالبة لها فإنهم اتفقوا على أن شرط الولاية الإسلام والبلوغ والذكورة وأن سوالبها أضداد هذه أعني الكفر والصغر والأنوثة واختلفوا في ثلاثة في العبد والفاسق والسفيه فأما العبد فالأكثر على منع ولايته وجوزها أبو حنيفة وأما الرشد فالمشهور في المذهب أعني عند أكثر أصحاب مالك أن ذلك ليس من شرطها وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي وبقول الشافعي قال أشهب وأبو معصب وسبب الخلاف تشبيه هذه الولاية بولاية المال فمن رأى أنه قد يوجب الرشد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال ليس من شرطه أن يكون رشيدا في المال ومن رأى أن ذلك ممتنع الوجود قال لا بد من الرشد في المال وهما قسمان كما ترى أعني أن الرشد في المال غير الرشد في اختيار الكفاءة لها وأما العدالة فإنما اختلفوا فيها من جهة أنها نظر للمعنى أعني هذه الولاية فلا يؤمن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفاءة وقد يمكن أن يقال إن الحالة التي بها يختار الأولياء لمولياتهم الكفء غير حالة العدالة وهي خوف لحوق العار بهم وهذه هي موجودة بالطبع وتلك العدالة الأخرى مكتسبة ولنقص العبد يدخل الخلاف في ولايته كما يدخل في عدالته الموضع الثالث وأما أصناف الولاية عند القائلين بها فهي نسب وسلطان ومولى أعلى وأسفل ومجرد الإسلام عند مالك صفة تقتضي الولاية على الدنيئة واختلفوا في الوصي فقال مالك يكون الوصي وليا ومنع ذلك الشافعي

Section V02/P009–V02/P010

وسبب اختلافهم هل صفة الولاية مما يمكن أن يستناب فيها أم ليس يمكن ذلك ولهذا السبب بعينه اختلفوا في الوكالة في النكاح لكن الجمهور على جوازها إلا أبا ثور ولا فرق بين الوكالة والإيصاء لأن الوصي وكيل بعد الموت والوكالة تنقطع بالموت واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب فعند مالك أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية والأبناء عنده أولى وإن سفلوا ثم الآباء ثم الإخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم للأب فقط ثم الأجداد للأب وإن علوا وقال المغيرة الجد وأبوه أولى من الأخ وابنه ليس من أصل ثم العمومة على ترتيب الإخوة وإن سفلوا ثم المولى ثم السلطان والمولى الأعلى عنده أحق من الأسفل والوصي عنده أولى من ولي النسب أعني وصي الأب واختلف أصحابه فيمن هو أولى وصي الأب أو ولي النسب فقال ابن القاسم الوصي أولى مثل قول مالك وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم الولي أولى وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا وفي تقديم الإخوة على الجد فقال لا ولاية للابن وروي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن وقال أيضا الجد أولى من الأخ وبه قال المغيرة والشافعي اعتبر التعصيب أعني أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنها أن ينكحها إياه ولأنهم اتفقوا أعني مالكا والشافعي على أن الابن يرث الولاء الواجب للأم والولاء عندهم للعصبة وسبب اختلافهم في الجد هو اختلافهم فيمن هو أقرب هل الجد أو الأخ ويتعلق بالترتيب ثلاث مسائل مشهورة أحدها إذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب والثانية إذا غاب الأقرب هل تنتقل الولاية إلى الأبعد أو إلى السلطان والثالثة إذا غاب الأب عن ابنته البكر هل تنتقل الولاية أو لا تنتقل فأما المسألة الأولى فاختلف فيها قول مالك فمرة قال إن زوج الأبعد مع حضور الأقرب فالنكاح مفسوخ ومرة قال النكاح جائز ومرة قال للأقرب أن يجيز أو يفسخ وهذا الخلاف كله عنده فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في محجورته فإنه لا يختلف قوله أن النكاح في هذين مفسوخ أعني تزويج غير الأب البنت البكر مع حضور الأب أو غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي وقال الشافعي لا يعقد أحد مع حضور الأب لا في بكر ولا في ثيب وسبب هذا الاختلاف هو هل الترتيب حكم شرعي أعني ثابتا بالشرع في الولاية أم ليس بحكم شرعي وإن كان حكما فهل ذلك حق من حقوق الولي الأقرب أم ذلك حق من حقوق الله فمن لم ير الترتيب حكما شرعيا قال يجوز نكاح الأبعد مع حضور الأقرب ومن رأى أنه حكم شرعي ورأى أنه حق للولي قال النكاح منعقد فإن أجازه الولي جاز وإن لم يجزه انفسخ ومن رأى أنه حق لله قال النكاح غير منعقد وقد أنكر قوم هذا المعنى في المذهب أعني أن يكون النكاح منفسخا غير منعقد وأما المسألة الثانية فإن مالكا يقول إذا غاب الولي الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد وقال الشافعي تنتقل إلى السلطان وسبب اختلافهم هل الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا وذلك أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في الموت وأما المسألة الثالثة وهي غيبة الأب عن ابنته البكر فإن في المذهب فيها تفصيلا واختلافا وذلك راجع إلى بعد المكان وطول الغيبة أو قربه والجهل بمكانه أو العلم به وحاجة البنت إلى النكاح إما لعدم النفقة وإما لما يخاف عليها من عدم الصون وإما للأمرين جميعا فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو كان الأب مجهول الوضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة أنها إن لم تدع إلى التزويج لا تزوج وإن دعت فتزوج عند الأسر وعند الجهل بمكانه

Section V02/P010–V02/P011

واختلفوا هل تزوج مع العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا فقيل تزوج وهو قول مالك وقيل لا تزوج وهو قول عبد الملك وابن وهب وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير صون فإنها تزوج أيضا في هذه الأحوال الثلاثة أعني في الغيبة البعيدة وفي الأسر والجهل بمكانه وكذلك إن اجتمع الأمران فإذا كانت في غير صون تزوج وإن لم تدع إلى ذلك ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة المعلومة لمكان إمكان مخاطبته وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن كان الموضع قريبا وإذا قلنا إنه تجوز ولاية الأبعد مع حضور الأقرب فإن جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما فإنه لا يخلو أن يكون تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا ثم لا يخلو ذلك من أن يعلم المتقدم أو لا يعلم فأما إذا علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها للأول إذا لم يدخل بها واحد منهما واختلفوا إذا دخل الثاني فقال قوم هي للأول وقال قوم هي للثاني وهو قول مالك وابن القاسم وبالأول قال الشافعي وابن عبد الحكم وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف وسبب الخلاف في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس وذلك أنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منهما فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للأول دخل بها الثاني أو لم يدخل ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف وأما إن لم يعلم الأول فإن الجمهور على الفسخ وقال مالك يفسخ ما لم يدخل أحدهما وقال شريح تخير فأيهما اختارت كان هو الزوج وهو شاذ وقد روي عن عمر بن عبد العزيز الموضع الرابع في عضل الأولياء واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء وبصداق مثلها وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها ما عدا الأب فإنه اختلف فيه المذهب واختلفوا بعد هذا الاتفاق فيما هي الكفاءة المعتبرة في ذلك وهل صداق المثل منها أم لا وكذلك اتفقوا على أن للمرأة أن تمنع نفسها من إنكاح من له من الأولياء جبرها إذا لم تكن فيها الكفاءة موجودة كالأب في ابنته البكر أما غير البالغ باتفاق والبالغ والثيب الصغيرة باختلاف على ما تقدم وكذلك الوصي في محجوره على القول بالجبر فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك إلا ما روي عن محمد بن الحسن من إسقاط اعتبار الدين ولم يختلف المذهب أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في ذلك فيفرق بينهما وكذلك إن زوجها ممن ماله حرام أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق واختلفوا في النسب هل هو من الكفاءة أم لا وفي الحرية وفي اليسار وفي الصحة من العيوب فالمشهور عن مالك أنه يجوز نكاح الموالي من العرب وأنه احتج لذلك بقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال سفيان الثوري وأحمد لا تزوج العربية من مولى وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تزوج قرشية إلا من قرشي ولا عربية إلا من عربي والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها وحسبها فاظفر بذات الدين تربت يمينك فمنهم من رأى أن الدين هو المعتبر فقط لقوله عليه الصلاة والسلام فعليك بذات الدين تربت يمينك ومنهم من رأى أن الحسب في ذلك هو بمعنى الدين وكذلك المال وأنه لا يخرج من ذلك إلا ما أخرجه الإجماع

Section V02/P011–V02/P013

وهو كون الحسن ليس من الكفاءة وكل من يقول برد النكاح من العيوب يجعل الصحة منها من الكفاءة وعلى هذا فيكون الحسن يعتبر لجهة ما ولم يختلف المذهب أيضا أن الفقر مما يوجب فسخ إنكاح الأب ابنته البكر أعني إذا كان فقيرا غير قادر على النفقة عليها فالمال عنده من الكفاءة ولم ير ذلك أبو حنيفة أما الحرية فلم يختلف المذهب أنها من الكفاءة لكون السنة الثابتة لتخيير الأمة إذا عتقت وأما مهر المثل فإن مالكا والشافعي يريان أنه ليس من الكفاءة وأن للأب أن ينكح ابنته بأقل من صداق المثل أعني البكر وأن الثيب الرشيدة إذا رضيت به لم يكن للأولياء مقال وقال أبو حنيفة مهر المثل من الكفاءة وسبب اختلافهم أما في الأب فلاختلافهم هل له أن يضع من صداق ابنته البكر شيئا أم لا وأما في الثيب فلاختلافهم هل ترتفع عنها الولاية في مقدار الصداق إذا كانت رشيدة كما ترتفع في سائر تصرفاتهم المالية أم ليس ترتفع الولاية عن مقدار الصداق إذ كانت لا ترتفع عنها في التصرف في النكاح والصداق من أسبابه وقد كان هذا القول أخلق بمن يشترط الولاية ممن لم يشترطها لكن أتى الأمر بالعكس ويتعلق بأحكام الولاية مسألة مشهورة وهي هل يجوز للولي أن ينكح وليته من نفسه أم لا يجوز ذلك فمنع ذلك الشافعي قياسا على الحاكم والشاهد أعني أنه لا يحكم لنفسه ولا يشهد لنفسه وأجاز ذلك مالك ولا أعلم له حجة في ذلك إلا ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام تزوج أم سلمة بغير ولي لأن ابنها كان صغيرا وما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية فجعل صداقها عتقها والأصل عند الشافعي في أنكحة النبي صلى الله عليه وسلم أنها على الخصوص حتى يدل الدليل على العموم لكثرة خصوصيته في هذا المعنى صلى الله عليه وسلم ولكن تردد قوله في الإمام الأعظم الفصل الثاني في الشهادة واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر واختلفوا إذا أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر فقال مالك هو سر ويفسخ وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر وسبب اختلافهم هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار فمن قال حكم شرعي قال هي شرط من شروط الصحة ومن قال توثق قال من شروط التمام والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة وكثير من الناس رأى هذا داخلا في باب الإجماع وهو ضعيف وهذا الحديث قد روي مرفوعا ذكره الدارقطني وذكر أن في سنده مجاهيل وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين لأن المقصود عنده بالشهادة هو الإعلان فقط والشافعي يرى أن الشهادة تتضمن المعنيين أعني الإعلان والقبول ولذلك اشترط فيها العدالة وأما مالك فليس تتضمن عنده الإعلان إذا وصي الشاهدان بالكتمان وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا والأصل في اشتراط الإعلان قول النبي عليه الصلاة والسلام أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف خرجه أبو داود وقال عمر فيه هذا نكاح السر ولو تقدمت فيه لرجمت وقال أبو ثور وجماعة ليس الشهود من شرط النكاح لا شرط صحة ولا شرط تمام وفعل ذلك الحسن بن علي روي عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن النكاح الفصل الثالث في الصداق والنظر في الصداق في ستة مواضع الأول في حكمه وأركانه الموضع الثاني في تقرر جميعه للزوجة الموضع الثالث في تشطيره الموضع الرابع في التفويض وحكمه الموضع الخامس الأصدقة الفاسدة وحكمها الموضع السادس في اختلاف الزوجين في الصداق الموضع الأول وهذا الموضع فيه أربع مسائل الأولى في حكمه الثانية في قدره الثالثة في جنسه ووصفه الرابعة في تأجيله

Section V02/P013–V02/P014

المسألة الأولى أما حكمه فإنهم اتفقوا على أنه شرط من شروط الصحة وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وقوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن المسألة الثانية وأما قدره فإنهم اتفقوا على أنه ليس لأكثره حد واختلفوا في أقله فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء المدينة من التابعين ليس لأقله حد وكل ما جاز أن يكون ثمنا وقيمة لشيء جاز أن يكون صداقا وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك وقالت طائفة بوجوب تحديد أقله وهؤلاء اختلفوا فالمشهور في ذلك مذهبان أحدهما مذهب مالك وأصحابه والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه فأما مالك فقال أقله ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم كيلا من فضة أو ما يساوي الدراهم الثلاثة أعني دراهم الكيل فقط في المشهور وقيل أو ما يساوي أحدهما وقال أبو حنيفة عشرة دراهم أقله وقيل خمسة دراهم وقيل أربعون درهما وسبب اختلافهم في التقدير سببان أحدهما تردده بين أن يكون عوضا من الأعواض يعتبر فيه التراضي بالقليل كان أو بالكثير كالحال في البيوعات وبين أن يكون عبادة فيكون مؤقتا وذلك أنه من جهة أنه يملك به على المرأة منافعها على الدوام يشبه العوض ومن جهة أنه لا يجوز التراضي على إسقاطه يشبه العبادة والسبب الثاني معارضة هذا القياس فالمقتضى التحديد لمفهوم الأثر الذي لا يقتضي التحديد أما القياس الذي يقتضي التحديد فهو كما قلنا إنه عبادة والعبادات مؤقتة وأما الأثر الذي يقتضي مفهومه عدم التحديد فحديث سهل بن سعد الساعدي المتفق على صحته وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من شيء تصدقها إياه فقال ما عندي إلا إزاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا فقال لا أجد شيئا فقال عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحتكها بما معك من القرآن قالوا فقوله عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتما من حديد دليل على أنه لا قدر لأقله لأنه لو كان له قدر لبينه إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا الاستدلال بين كما ترى مع أن القياس الذي اعتمده القائلون بالتحديد ليس تسلم مقدماته وذلك أنه انبنى على مقدمتين إحداهما أن الصداق عبادة والثانية أن العبادة مؤقتة وفي كليهما نزاع للخصم وذلك أنه قد يلغي في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة بل الواجب فيها هو أقل ما ينطلق عليه الاسم وأيضا فإنه ليس فيه شبه العبادات خالصا وإنما صار المرجحون لهذا القياس على مفهوم الأثر لاحتمال أن يكون ذلك الأثر خاصا بذلك الرجل لقوله فيه قد أنكحتكها بما معك من القرآن وهذا خلاف للأصول وإن كان قد جاء في بعض رواياته أنه قال قم فعلمها لما ذكر أنه معه من القرآن فقام فعلمها فجاء نكاحا بإجارة لكن لما التمسوا أصلا يقيسون عليه قدر الصداق لم يجدوا شيئا أقرب شبها به من نصاب القطع على بعد ما بينهما

Section V02/P014–V02/P015

وذلك أن القياس الذي استعملوه في ذلك هو أنهم قالوا عضو مستباح بمال فوجب أن يكون مقدرا أصله القطع وضعف هذا القياس هو من قبل الاستباحة فيهما هي مقولة باشتراك الاسم وذلك أن القطع غير الوطء وأيضا فإن القطع استباحة على جهة العقوبة والأذى ونقص خلقه وهذا استباحة على جهة اللذة والمودة ومن شأنه قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي به تشابه الفرع والأصل شيئا واحدا لا باللفظ بل بالمعنى وأن يكون الحكم إنما وجد للأصل من جهة الشبه وهذا كله معدوم في هذا القياس ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين لكن لم يستعملوا هذا القياس في إثبات التحديد المقابل لمفهوم الحديث إذ هو في غاية الضعف وإنما استعملوه في تعيين قدر التحديد وأما القياس الذي استعملوه في معارضة مفهوم الحديث فهو أقوى من هذا ويشهد لعدم التحديد ما خرجه الترمذي أن امرأة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين فقالت نعم فجوز نكاحها وقال حديث حسن صحيح ولما اتفق القائلون بالتحديد على قياسه على نصاب السرقة اختلفوا في ذلك بحسب اختلافهم في نصاب السرقة فقال مالك هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم لأنه النصاب في السرقة عنده وقال أبو حنيفة هو عشرة دراهم لأنه النصاب في السرقة عنده وقال ابن شبرمة هو خمسة دراهم لأنه النصاب عنده أيضا في السرقة وقد احتجت الحنفية لكون الصداق محددا بهذا القدر بحديث يروونه عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا مهر بأقل من عشرة دراهم ولو كان ثابتا لكان رافعا لموضع الخلاف لأنه كان يجب لموضع هذا الحديث أن يحمل حديث سهل ابن سعد على الخصوص لكن حديث جابر هذا ضعيف عند أهل الحديث فإنه يرويه قال مبشرابن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر ومبشر والحجاج ضعيفان أيضا لم يلق جابرا ولذلك لا يمكن أن يقال إن هذا الحديث معارض لحديث سهل بن سعد المسألة الثالثة أما جنسه فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضا واختلفوا من ذلك في مكانين في النكاح بالإجارة وفي جعل عتق أمته صداقها أما النكاح على الإجارة ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال قول بالإجازة وقول بالمنع وقول بالكراهة والمشهور عن مالك الكراهة ولذلك رأى فسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون وهو قول الشافعي ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه وسبب اختلافهم سببان أحدهما هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه أم الأمر بالعكس فمن قال هو لازم أجازه لقوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج الآية ومن قال ليس بلازم قال لا يجوز النكاح بالإجارة والسبب الثاني هل يجوز أن يقاس النكاح في ذلك على الإجارة وذلك أن الإجارة هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول ولذلك خالف فيها الأصم وابن علية وذلك أن أصل التعامل إنما هو على عين معروفة ثابتة في عين معروفة ثابتة والإجارة هي عين ثابتة في مقابلتها حركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة بنفسها ولذلك اختلف الفقهاء متى تجب الأجرة على المستأجر وأما كون العتق صداقا فإنه منعه فقهاء الأمصار ما عدا داود وأحمد وسبب اختلافهم معارضة الأثر الوارد في ذلك للأصول أعني ما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها مع احتمال أن يكون هذا خاصا به عليه الصلاة والسلام لكثرة اختصاصه في هذا الباب

Section V02/P015–V02/P016

ووجه مفارقته للأصول أن العتق إزالة ملك والإزالة لا تتضمن استباحة الشيء بوجه آخر لأنها إذا أعتقت ملكت نفسها فكيف يلزمها النكاح ولذلك قال الشافعي إنها إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها لأنه رأى أنها قد أتلفت عليه قيمتها إذا كان إنما أتلفها بشرط الاستمتاع بها وهذا كله لا يعارض به فعله عليه الصلاة والسلام ولو كان غير جائز لغيره لبينه عليه الصلاة والسلام والأصل أن أفعاله لازمة لنا إلا ما قام الدليل على خصوصيته وأما صفة الصداق فإنهم اتفقوا على انعقاد النكاح على العوض المعين الموصوف أعني المنضبط جنسه وقدره بالوصف واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معين مثل أن يقول أنكحتكها على عبد أو خادم من غير أن يصف ذلك وصفا يضبط قيمته فقال مالك وأبو حنيفة يجوز وقال الشافعي لا يجوز وإذا وقع النكاح على هذا الوصف عند مالك كان لها الوسط مما سمى وقال أبو حنيفة يجبر على القيمة وسبب اختلافهم هل يجري النكاح في ذلك مجرى البيع من القصد في التشاح أو ليس يبلغ ذلك المبلغ بل القصد منه أكثر ذلك المكارمة فمن قال يجري في التشاح مجرى البيع قال كما لا يجوز البيع على شيء غير موصوف كذلك لا يجوز النكاح ومن قال ليس يجري مجراه إذ المقصود منه إنما هو المكارمة قال يجوز وأما التأجيل فإن قوما لم يجيزوه أصلا وقوم أجازوه واستحبوا أن يقدم شيئا منه إذا أراد الدخول وهو مذهب مالك والذين أجازوا التأجيل منهم من لم يجزه إلا لزمن محدود وقدر هذا البعد وهو مذهب مالك ومنهم من أجازه لموت أو فراق وهو مذهب الأوزاعي وسبب اختلافهم هل يشبه النكاح البيع في التأجيل أو لا يشبهه فمن قال يشبهه لم يجز التأجيل لموت أو فراق ومن قال لا يشبهه أجاز ذلك ومن منع التأجيل فلكونه عبادة الموضع الثاني في النظر في التقرر واتفق العلماء على أن الصداق يجب كله بالدخول أو الموت أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا الآية وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا إلا انعقاد الإجماع على ذلك واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول المسيس أم ليس ذلك من شرطه بل يجب بالدخول والخلوة وهو الذي يعنون بإرخاء الستور فقال مالك والشافعي وداود لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن المسيس وقال أبو حنيفة يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرما أو مريضا أو صائما في رمضان أو كانت المرأة حائضا وقال ابن أبي ليلى يجب المهر كله بالدخول ولم يشترط في ذلك شيئا وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حكم الصحابة في ذلك لظاهر الكتاب وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها المنكوحة أنه ليس يجوز أن يؤخذ من صداقها شيء في قوله تعالى وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ونص في المطلقة قبل المسيس أن لها نصف الصداق فقال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم وهذا نص كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين أعني قبل المسيس وبعد المسيس ولا وسط بينهما فوجب بهذا إيجابا ظاهرا أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس والمسيس ههنا الظاهر من أمره أنه الجماع وقد يحتمل أن يحمل على أصله في اللغة وهو المس ولعل هذا هو الذي تأولت الصحابة ولذلك قال مالك في العنين المؤجل إنه قد وجب لها الصداق عليه إذا وقع الطلاق لطول مقامه معها فجعل له دون الجماع تأثيرا في إيجاب الصداق وأما الأحكام الواردة في ذلك عن الصحابة فهو أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب عليه الصداق لم يختلف عليهم في ذلك فيما حكموا

Section V02/P016–V02/P017

واختلفوا من هذا الباب في فرع وهو إذا اختلفا في المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس وذلك مثل أن تدعي هي المسيس وينكر هو فالمشهور عن مالك أن القول قولها وقيل إن كان دخول بناء صدقت وإن كان دخول زيارة لم تصدق وقيل إن كانت بكرا نظر إليها النساء فيتحصل فيها في المذهب ثلاثة أقوال وقال الشافعي وأهل الظاهر القول قوله وذلك لأنه مدعى عليه ومالك ليس يعتبر في وجوب اليمين على المدعى عليه من جهة ما هو مدعى عليه بل من جهة ما هو أقوى شبهة في الأكثر ولذلك يجعل القول في مواضع كثيرة قول المدعي إذ كان أقوى شبهة وهذا الخلاف يرجع إلى هل إيجاب اليمين على المدعى عليه معلل أو غير معلل وكذلك القول في وجوب البينة على المدعي وسيأتي هذا في مكانه الموضع الثالث في التشطير واتفقوا اتفاقا مجملا أنه إذا طلق قبل الدخول وقد فرض صداقا أنه يرجع عليها بنصف الصداق لقوله تعالى فنصف ما فرضتم الآية والنظر في التشطير في أصول ثلاثة في محله من الأنكحة وفي موجبه من أنواع الطلاق أعني الواقع قبل الدخول وفي حكم ما يعرض له من التغيرات قبل الطلاق أما محله من النكاح عند مالك فهو النكاح الصحيح أعني أن يكون يقع الطلاق الذي قبل الدخول في النكاح الصحيح وأما النكاح الفاسد فإن لم تكن الفرقة فيه فسخا وطلق قبل الفسخ ففي ذلك قولان وأما موجب التشطير فهو الطلاق الذي يكون باختيار من الزوج لا باختيار منها مثل الطلاق الذي يكون من قبل قيامها بعيب يوجد فيه واختلفوا من هذا الباب في الذي يكون سببه قيامها عليه بالصداق أو النفقة مع عسره ولا فرق بينه وبين القيام بالعيب وأما الفسوخ التي ليست طلاقا فلا خلاف أنها ليست توجب التشطير إذا كان فيها الفسخ من قبل العقد أو من قبل الصداق وبالجملة من قبل عدم موجبات الصحة وليس لها في ذلك اختيار أصلا وأما الفسوخ الطارئة على العقد الصحيح مثل الردة والرضاع فإن لم يكن لأحدهما فيه اختيار أو كان لها دونه لم يوجب التشطير وإن كان له فيه اختيار مثل الردة أوجب التشطير والذي يقتضيه مذهب أهل الظاهر أن كل طلاق قبل البناء فواجب أن يكون فيه التنصيف سواء كان من سببها أو سببه وأن ما كان فسخا ولم يكن طلاقا فلا تنصيف فيه وسبب الخلاف هل هذه السنة معقولة المعنى أم ليست بمعقولة فمن قال إنها معقولة المعنى وأنه إنما وجب لها نصف الصداق عوض ما كان لها لمكان الجبر على رد سلعتها وأخذ الثمن كالحال في المشتري فلما فارق النكاح في هذا المعنى البيع جعل لها هذا عوضا من ذلك الحق قال إذا كان الطلاق من سببها لم يكن لها شيء لأنها أسقطت ما كان لها من جبره على دفع الثمن وقبض السلعة ومن قال إنها سنة غير معقولة واتبع ظاهر اللفظ قال يلزم التشطير في كل طلاق كان من سببه أو سببها فأما حكم ما يعرض للصداق من التغيرات قبل الطلاق فإن ذلك لا يخلو أن يكون من قبلها أو من الله فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه إما أن يكون تلفا للكل وإما أن يكون نقصا وإما أن يكون زيادة وإما أن يكون زيادة ونقصا معا وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة