İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وهذا محمول على أنه استحب ذلك أو نذره ليكون موافقا لسائر الروايات عنه وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك يلزم بالشرع فيه ولا يخرج منه إلا بعذر فإن خرج قضى وعن مالك لا قضاء عليه واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة أنها قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا حيس فأفطرنا ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اقضيا يوما مكانه ولأنها عبادة تلزم بالنذر فلزمت بالشروع فيها كالحج والعمرة ولنا ما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل عندكم شيء فقلت لا قال فإني صائم ثم مر بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يا رسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال ادنيه أما أني قد أصبحت وأنا صائم فأكل منه ثم قال لنا إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها هذا لفظ رواية النسائي وهو أتم من غيره وروت أم هانىء قالت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بشراب فناولنيه فشربت منه ثم قلت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة فقال لها أكنت تقضين شيئا قالت لا قال فلا يضرك إن كان تطوعا رواه سعيد وأبو داود والأثرم وفي لفظ قالت قلت إني صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المتطوع أمير نفسه فإن شئت فصومي وإن شئت فافطري ولأن كل صوم لو أتمه كان تطوعا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه كما لو أعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان أو من شوال فأما خبرهم فقال أبو داود لا يثبت وقال الترمذي فيه مقال وضعفه الجوزجاني وغيره ثم هو محمول على الاستحباب إذا ثبت هذا فإنه يستحب له إتمامه وإن خرج منه استحب قضاؤه للخروج من الخلاف وعملا بالخبر الذي رووه فصل وسائر النوافل من الأعمال حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا خرج منها إلا الحج والعمرة فإنهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكد إحرامهما ولا يخرج منهما بإفسادهما ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا واجبين لم يكن له الخروج منهما وقد روي عن أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع فإن الأثرم قال قلت لأبي عبد الله الرجل يصبح صائما متطوعا أيكون بالخيار والرجل يدخل في الصلاة له أن يقطعها فقال الصلاة أشد أما الصلاة فلا يقطعها قيل له فإن قطعها قضاها قال إن قضاها فليس فيه اختلاف ومال أبو إسحاق الجوزجاني إلى هذا القول وقال الصلاة ذات إحرام وإحلال فلزمت بالشروع فيها كالحج وأكثر أصحابنا على أنها لا تلزم أيضا وهو قول ابن عباس لأن ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة والحج والعمرة يخالفان غيرهما فصل ومن دخل في واجب كقضاء رمضان أو نذر معين أو مطلق أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه وغير المتعين تعين بدخوله فيه فصار بمنزلة الفرض المتعين وليس في هذا خلاف بحمد الله مسألة قال ( وإذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به ) يعني أنه يلزم الصيام ويؤمر به ويضرب على تركه ليتمرن عليه ويتعوده كما يلزم ويؤمر بها وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي وقال الأوزاعي إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يخور فيهن ولا يضعف حمل صوم شهر رمضان وقال إسحاق إذا بلغ ثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة واعتباره بالعشر أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما من الأخرى واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيقه فصل ولا يجب عليه الصوم حتى يبلغ
قال أحمد في غلام احتلم صام ولم يترك والجارية إذا حاضت وهذا قول أكثر أهل العلم وذهب بعض أصحابنا إلى إيجابه على الغلام المطيق له إذا بلغ عشرا لما روى ابن جريج عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان ولأنه عبادة بدنية أشبه الصلاة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يضرب على الصلاة من بلغ عشرا والمذهب الأول قال القاضي المذهب عندي رواية واحدة أن الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغا وما قاله أحمد فيمن ترك الصلاة يقضيها نحمله على الاستحباب وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولأنه عبادة بدنية فلم تجب على الصبي كالحج وحديثهم مرسل ثم نحمله على الاستحباب وسماه واجبا تأكيدا لاستحبابه كقوله عليه السلام غسل الجمعة واجب على كل محتلم فصل إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن فقال القاضي يتم صومه ولا قضاء عليه لأن نية صوم رمضان حصلت ليلا فيجزئه كالبالغ ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا وباقيه فرضا كما لو شرع في صوم يوم تطوعا ثم نذر إتمامه واختار أبو الخطاب أنه يلزمه القضاء لأنه عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها فلزمته إعادتها كالصلاة والحج إذا بلغ بعد الوقوف وهذا لأنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلم يجز عن الفرض ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم لزمه القضاء فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه وسواء كان قد صامه أو أفطره هذا قول عامة أهل العلم وقال الأوزاعي يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه ولنا إنه زمن مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان وإن بلغ الصبي وهو مفطر فهل يلزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه على روايتين مسألة قال ( وإذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل من بقية شهره ) أما صوم ما يستقبله من بقية شهره فلا خلاف فيه وأما قضاء ما مضى من الشهر قبل إسلامه فلا يجب وبهذا قال الشافعي وقتادة ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال عطاء عليه قضاؤه وعن الحسن كالمذهبين ولنا إن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره فلم يلزمه قضاؤه كالرمضان الماضي فصل فأما اليوم الذي أسلم فيه فإنه يلزمه إمساكه ويقضيه هذا المنصوص عن أحمد وبه قال الماجشون وإسحاق وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر لا قضاء عليه لأنه لم يدرك في زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم وقد روي ذلك عن أحمد ولنا إنه أدرك جزءا من وقت العبادة فلزمته كما لو أدرك جزءا من وقت الصلاة فصل فأما المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر فعليه صوم ما بقي من الأيام بغير خلاف وفي قضاء اليوم الذي أفاق فيه وإمساكه روايتان ولا يلزمه قضاء ما مضى وبهذا قال أبو ثور والشافعي في الجديد وقال مالك يقضي وإن مضى عليه سنون وعن أحمد مثله وهو قول الشافعي القديم لأنه معنى يزيل العقل فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء وقال أبو حنيفة إن جن جميع الشهر فلا قضاء عليه وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى لأن الجنون لا ينافي الصوم بدليل ما لو جن في أثناء الصوم لم يفسد فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء ولنا إنه معنى يزيل التكليف فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكفر ويخص أبا حنيفة بأنه معنى لو وجد في جميع الأشهر أسقط القضاء فإذا وجد في بعضه أسقطه كالصغر والكفر ويفارق الإغماء في ذلك مسألة قال ( وإذا رأى هلال شهر رمضان وحده صام )
المشهور في المذهب أنه متى رأى الهلال واحد لزمه الصيام عدلا كان أو غير عدل شهد عندكم الحاكم أو لم يشهد قبلت شهادته أو ردت وهذا قول مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال عطاء وإسحاق لا يصوم وقد روى حنبل عن أحمد لا يصوم إلا في جماعة الناس وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين لأنه يوم محكوم به من شعبان فأشبه التاسع والعشرين ولنا إنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم وكونه محكوما به من شعبان ظاهر في حق غيره وأما في الباطن فهو يعلم أنه من رمضان فلزمه صيامه كالعدل فصل فإن أفطر ذلك اليوم بجماع فعليه الكفارة وقال أبو حنيفة لا تجب لأنها عقوبة فلا تجب بفعل مختلف فيه كالحد ولنا إنه أفطر يوما من رمضان بجماع فوجبت به عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته ولا نسلم أن الكفارة عقوبة ثم قياسهم ينتقض بوجوب الكفارة في السفر القصير مع وقوع الخلاف فيه مسألة قال ( وإن كان عدلا صوم الناس بقوله ) المشهور عن أحمد أنه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل ويلزم الناس الصيام بقوله وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه وروي عن أحمد أنه قال اثنين أعجب إلي قال أبو بكر إن رآه وحده ثم قدم المصر صام الناس بقوله على ما روي في الحديث وإن كان الواحد في جماعة الناس فذكر أنه رآه دونهم لم يقبل إلا قول اثنين لأنهم يعاينون ما عاين وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لا يقبل إلا شهادة اثنين وهو قول مالك والليث والأوزاعي وإسحاق لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في ذلك اليوم الذي يشك فيه فقال إن جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين وإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا رواه النسائي ولأن هذه شهادة على رؤية الهلال فأشبهت الشهادة على هلال شوال وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا وفي الصحو لا يقبل إلا الاستفاضة لأنه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد دون الباقين ولنا ما روى ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رأيت الهلال قال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قفال نعم قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وروى ابن عمر قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقيل من واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة ولأنه خير ديني يشترك فيه المخبر والمخبر فقبل من واحد عدل كالرواية وخبرهم إنما يدل بمفهومه وخبرنا أشهر منه وهو يدل بمنطوقه فيجب تقديمه ويفارق الخبر عن هلال شوال فإنه خروج من العبادة وهذا دخول فيها وحديثهم في هلال شوال يخالف مسألتنا وما ذكره أبو بكر وأبو حنيفة لا يصح لأنه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده ويجوز أن تختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة نظرهم ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد جاز ولو شهد شاهدان وجب قبول شهادتهما ولو كان ممتنعا على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم ولم يثبت شهادة اثنين ومن منع ثبوته بشهادة اثنين رد عليه الخبر الأول وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور ولو أن جماعة في محفل فشهد اثنان منهم أنه طلق زوجته أو أعتق عبده قبلت شهادتهما دون من أنكر ولو أن اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب أنه قال على المنبر في المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما لقبلت شهادتهما وكذلك لو شهدا عليه بفعل وإن كان غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر كذا ها هنا
فصل وإن أخبره مخبر برؤية الهلال يثق بقوله لزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم لأنه خبر بوقت العبادة يشترك في المخبر والمخبر أشبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخبر عن دخول وقت الصلاة ذكر ذلك ابن عقيل ومقتضى هذا أنه يلزمه قبول الخبر وإن رده الحاكم لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر ولا يتعين ذلك في عدم العدالة وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته فصل فإن كان المخبر امرأة فقياس المذهب قبول قولها وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه خبر ديني فأشبه الرواية والخبر عن القبلة ودخول وقت الصلاة ويحتمل أن لا تقبل لأنه شهادة برؤية الهلال فلم يقبل فيه قول امرأة كهلال شوال مسألة قال ( ولا يفطر إلا بشهادة اثنين ) وجملة ذلك أنه لا يقبل في هلال إلا شهادة اثنين عدلين في قول الفقهاء جميعهم إلا أبا ثور فإنه قال يقبل قول واحد لأنه أحد طرفي شهر رمضان أشبه الأول ولأنه خبر يستوي فيه المخبر والمخبر أشبه الرواية وأخبار الديانات ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين ولأنها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة فلم تقبل فيه إلا شهادة اثنين كسائر الشهور وهذا يفارق الخبر لأن الخبر يقبل فيه قول المخبر مع وجود المخبر عنه وفلان عن فلان وهذا لا يقبل فيه ذلك فافترقا فصل ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة النساء المنفردات وإن كثرن وكذلك سائر الشهور لأنه مما طلع عليه الرجال وليس بمال ولا يقصد به المال فأشبه القصاص وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان ولكن تركناه احتياطا للعبادة فصل وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما ولم يروا هلال شوال أفطروا وجها واحدا وإن صاموا بشهادة واحد فلم يرو الهلال ففيه وجهان أحدهما لا يفطرون لقوله عليه السلام وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا ولأنه فطر فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال والثاني يفطرون وهو منصوص الشافعي ويحكى عن أبي حنيفة لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة بالشهادة وقد يثبت تبعا ما لا يثبت أصلا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء وتثبت بها الولادة فإذا ثبتت الولادة ثبت النسب على وجه التبع للولادة كذا ها هنا وإن صاموا لأجل الغيم لم يفطروا وجها واحدا لأن الصوم إنما كان على وجه الاحتياط فلا يجوز الخروج منه بمثل ذلك والله أعلم مسألة قال ( ولا يفطر إذا رآه وحده ) وروي هذا عن مالك والليث وقال الشافعي يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد لأنه يتيقنه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت به بينة ولنا ما روى أبو رجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياما فأتيا عمر فذكرا ذلك له فقال لأحدهما أصائم أنت فقال بل مفطر قال ما حملك على هذا قال لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال وقال للآخر قال أنا صائم قال ما حملك على هذا قال لم أكن لأفطر والناس صيام فقال للذي أفطر لولا مكان هذا لأوجعت رأسك ثم نودي في الناس أن اخرجوا أخرجه سعيد عن ابن علية عن أيوب عن أبي رجاء وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده وقالت عائشة إنما يفطر يوم الفطر الإمام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعا ولأنه يوم محكوم به من رمضان فلم يجز الفطر فيه كاليوم الذي قبله وفارق ما إذا قامت البينة فإنه محكوم به من شوال بخلاف مسألتنا وقولهم إنه يتيقن أنه من شوال قلنا لا يثبت اليقين لأنه يحتمل أن يكون الرائي خيل إليه
كما روي أن رجلا في زمن عمر قال لقد رأيت الهلال فقال له امسح عينيك فمسحها ثم قال له تراه قال لا قال لعل شعرة من حاجبك تقوست على عينك فظننتها هلالا أو ما هذا معناه فصل فإن رآه اثنان ولم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما ولكل واحد منهما الفطر بقولهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم وإذا شهد اثنان فصوموا وأفطروا وإن شهدا عند الحاكم فرد شهادتهما لجهله بحالهما فلمن علم عدالتهما الفطر بقولهما لأن رد الحاكم ها هنا ليس بحكم منه وإنما هو توقف لعدم علمه فهو كالوقوف عن الحكم انتظارا للبينة ولهذا لو تثبت عدالتهما بعد ذلك حكم بها وإن لم يعرف أحدهما عدالة صاحبه لم يجز له الفطر إلا أن يحكم بذلك الحاكم لئلا يفطر برؤيته وحده مسألة قال ( وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير فإن صام شهرا يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعد أجزأه وإن وافق ما قبله لم يجزه ) وجملته أن من كان محبوسا أو مطمورا أو في بعض النواحي النائية عن الأمصار لا يمكنه تعرف الأشهر بالخبر فاشتبهت عليه الأشهر فإنه يتحرى ويجتهد فإذا غلب على ظنه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه ولا يخلو من أربعة أحوال أحدها أن لا ينكشف له الحال فإن صومه صحيح ويجزئه لأنه أدى فرضه باجتهاده فأجزأه كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد الثاني أن ينكشف له أنه وافق الشهر أو ما بعده فإنه يجزئه في قول عامة الفقهاء وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا يجزئه في هاتين الحالتين لأنه صامه على الشك فلم يجزئه كما لو صام يوم الشك فبان من رمضان وليس بصحيح لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة إذا اشتبهت أو الصلاة في يوم الغيم إذا اشتبه وقتها وفارق يوم الشك فإنه ليس بمحل الاجتهاد فإن الشرع أمر بالصوم عند أمارة عينها فما لم توجد لم يجز الصوم الحال الثالث واتفق قبل الشهر فلا يجزئه في قول عامة الفقهاء وقال بعض الشافعية يجزئه في أحد الوجهين كما لو اشتبه يوم عرفة فوقفوا قبله ولنا إنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يجزئه كالصلاة في يوم الغيم وأما الحج فلا نسلمه إلا فيما إذا أخطأ الناس كلهم لعظم المشقة عليهم وإن وقع ذلك لنفر منهم لم يجزئهم ولأن ذلك لا يؤمن مثله في القضاء بخلاف الصوم الحال الرابع أن يوافق بعضه رمضان دون بعض فما وافق رمضان أو بعده أجزأه وما وافق قبله لم يجزئه فصل وإذا وافق صومه بعد الشهر اعتبر أن يكون ما صامه بعدة أيام شهره الذي فاته سواء وافق ما بين هلالين أو لم يوافق وسواء كان الشهران تامين أو ناقصين ولا يجزئه أقل من ذلك وقال القاضي ظاهر كلام الخرقي أنه إذا وافق شهرا بين هلالين أجزأه سواء كان الشهران تامين أو ناقصين أو أحدهما تاما والآخر ناقصا وليس بصحيح فإن الله تعالى فعدة من أيام أخر البقرة 185 ولأنه فاته شهر رمضان فوجب أن يكون صيامه بعدة ما فاته كالمريض والمسافر وليس في كلام الخرقي تعرض لهذا التفصيل فلا يجوز حمل كلامه على ما يخالف الكتاب والصواب فإن قيل أليس إذا نذر صوم شهر يجزئه ما بين هلالين قلنا الإطلاق يحمل على ما تناوله الاسم والاسم يتناول ما بين الهلالين وها هنا يجب قضاء ما ترك فيجب أن يراعى فيه عدة المتروك كما أن من نذر صلاة أجزأه ركعتان ولو ترك صلاة وجب قضاؤها بعدة ركعاتها كذلك ها هنا الواجب بعدة ما فاته من الأيام سواء كان ما صامه بين هلالين أو من شهرين فإن دخل في صيامه يوم عيد لم يعتد به وإن وافق أيام التشريق فهل يعتد بها على روايتين بناء على صحة صومها على الفرض فصل وإن لم يغلب على ظن الأسير دخول رمضان فصام لم يجزئه وإن وافق الشهر
لأنه صامه على الشك فلم يجزئه كما لو نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإن غلب على ظنه من غير أمارة فقال القاضي عليه الصيام ويقضي إذا عرف الشهر كالذي خفيت عليه دلائل القبلة ويصلي على حسب حاله ويعيد وذكر أبو بكر فيمن خفيت عليه دلائل القبلة هل يعيد على وجهين كذلك يخرج على قوله ها هنا وظاهر كلام الخرقي أنه يتحرى فمتى غلب على ظنه دخول الشهر صح صومه وإن لم يبن على دليل لأنه ليس في وسعه معرفة الدليل ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقد ذكرنا مثل هذا في القبلة فصل وإذا صام تطوعا فوافق شهر رمضان لم يجزئه نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أصحاب الرأي يجزئه وهذا ينبني على تعيين النية لرمضان وقد مضى القول فيه مسألة قال ( ولا يصام يوما العيدين ولا أيام التشريق لا عن فرض ولا عن تطوع فإن قصد لصيامها كان عاصيا ولم يجزئه عن الفرض ) أجمع أهل العلم على أن صوم العيدين منهي عنه محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة وذلك لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال إن هذين يومين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم أضحى وعن أبي سعيد مثله متفق عليهما والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه وأما صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى مسألة ( قال ( وفي أيام التشريق عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أنه يصومها عن الفرض ) وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن صيامها أيضا لما روى نبيشة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل متفق عليه وروي عن عبد الله حذافة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام منى أنادي أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال إلا أنه من رواية الواقدي وهو ضعيف وعن عمرو بن العاص أنه قال هذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها قال مالك وهي أيام التشريق رواه أبو داود ولا يحل صيامها تطوعا في قول أكثر أهل العلم وعن ابن الزبير أنه كان يصومها وروي نحو ذلك عن ابن عمر والأسود بن يزيد وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي العيدين والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره وقد روى أبو مرة مولى أم هانىء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرب إليهما طعاما فقال كل فقال إني صائم فقال عمرو كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها والظاهر أن عبد الله بن عمرو أفطر لما بلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما صومها للفرض ففيه روايتان إحداهما لا يجوز لأنه منهي عن صومها فأشبهت يومي العيد والثانية يصح صومها للفرض لما روي عن ابن عمرو وعائشة أنهما قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي أي المتمتع إذا عدم الهدي وهو حديث صحيح رواه البخاري ويقاس عليه كل مفروض فصل ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق صوما كان يصومه مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فيوافق صومه يوم الجمعة ومن عادته صوم أول يوم من الشهر أو آخره أو يوم نصفه ونحو ذلك نص عليه أحمد في رواية الأثرم قال قيل لأبي عبد الله صيام يوم الجمعة فذكر حديث النهي أن يفرد
ثم قال إلا أن يكون في صيام كان يصومه وأما أن يفرد فلا قال قلت رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفردا فقال هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة إنما كره أن يتعمد الجمعة وقال أبو حنيفة ومالك لا يكره إفراد الجمعة لأنه يوم فأشبه سائر الأيام ولنا ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده وقال محمد بن عباد سألت جابرا أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة قال نعم متفق عليهما وعن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال أتريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري رواه البخاري وفيه أحاديث سوى هذه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع وهذا الحديث يدل على المكروه إفراده لأن نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ولا غدا فصل قال أصحابنا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن وروي أيضا عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجدأحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغه أخرجه أبو داود وقال اسم أخت عبد الله بن بسر هجيمة أو جهيمة قال الأثرم قال عبد الله أما صيام يوم السبت يفترد به فقد جاء فيه حديث الصماء وكان يحيى بن سعيد يتقيه أي أن يحدثني به وسمعته من أبي عاصم والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صوما لإنسان لم يكره لما قدمناه وقال أصحابنا ويكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان بالصوم لأنهما يومان يعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم فصل ويكره إفراد رجب بالصوم قال أحمد وإن صامه رجل أفطر فيه يوما أو أياما بقدر ما لا يصومه كله ووجه ذلك ما روى أحمد بإسناده عن خرشة بن الحر قال رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية وبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه وقال صوموا منه وأفطروا وعن ابن عباس نحوه وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان فقال ما هذا فقالوا رجب نصومه قال أجعلتم رجب رمضان فأكفأ السلال وكسر الكيزان قال أحمد من كان يصوم السنة صامه وإلا فلا يصومه متواليا يفطر فيه ولا يشبهه برمضان فصل وروى أبو قتادة قال قيل يا رسول الله فكيف بمن صام الدهر قال لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر قال الترمذي هذا حديث حسن وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صام الدهر ضيقت عليه جهنم قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فسر مسدد قول أبي موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك وما فيه من الأحاديث قال أبو الخطاب إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق لأن أحمد قال إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس وروي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبو طلحة قيل إنه صام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام
فإن صامها قد فعل محرما وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل فقلت نعم قال إنك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك ونفهت له النفس لا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله قلت فإني أطيق أكثر من ذلك قال فصم صوم داود كان يصوما ويفطر يوما ولا يفطر إذا لاقى وفي رواية وهو أفضل الصيام فقلت إني أطيق أفضل من ذلك قال لا أفضل من ذلك رواه البخاري مسألة قال ( وإذا رئي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة ) وجملة ذلك أن المشهر عن أحمد أن الهلال إذا رئي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والأوزاعي ومالك والليث والشافعي وإسحاق وأبي حنيفة وقال الثوري وأبو يوسف إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وقد رأوه فيجب الصوم والفطر ولأن ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية وحكي هذا رواية عن أحمد ولنا ما روى أبو وائل قال جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية ولأنه قول ابن مسعود وابن عباس ومن سمينا من الصحابة وخبرهم محمول على ما إذا رئي عشية بدليل ما لو رئي بعد الزوال ثم إن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من الغد بدليل ما لو رآه عشية فأما إن كانت الرؤية في أول رمضان فالصحيح أيضا أنه لليلة المقبلة وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه للماضية فيلزم قضاء ذلك اليوم وإمساك بقيته احتياطا للعبادة والأول أصح لأن ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله كما لو رئي بعد العصر مسألة قال ( والاختيار تأخير السحور وتعجيل الفطر ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في السحور والكلام فيه في ثلاثة أشياء أحدها في استحبابه ولا نعلم فيه بين العلماء خلافا وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فإن في السحور بركة متفق عليه وعن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين الثاني في وقته قال أحمد يعجبني تأخير السحور لما روى زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم كان قدر ذلك قال خمسين آية متفق عليه وروى العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور فقال هلم إلى الغداء المبارك رواه أبو داود والنسائي سماه غداء لقرب وقته منه ولأن المقصود بالسحور التقوى على الصوم وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم قال أبو داود قال أبو عبد الله إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه وهذا قول ابن عباس وعطاء والأوزاعي قال أحمد يقول الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود البقرة 187 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق قال الترمذي هذا حديث حسن
وروى أبو قلابة قال قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يتسحر يا غلام اخف الباب لا يفجأنا الصبح وقال رجل لابن عباس إني أتسحر فإذا شككت أمسكت فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك فأما الجماع فلا يستحب تأخيره لأنه ليس مما يتقوى به وفيه خطر وجوب الكفارة وحصول الفطر به الثالث فيما يتسحر به وكل ما حصل من أكل أو شرب حصل به فضيلة السحور لقوله عليه السلام ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم سحور المؤمن التمر رواه أبو داود الفصل الثاني في تعجيل الفطر وفيه أمور ثلاثة أحدها في استحبابه وهو قول أكثر أهل العلم لما روى سهل به سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه وعن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق على عائشة فقال مسروق رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل المغرب والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر المغرب قالت من الذي يعجل الإفطار ويعجل المغرب قال عبد الله قالت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال أنس ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء رواه ابن عبد البر الثاني فيما يفطر عليه يستحب أن يفطر على رطبات فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن فعلى الماء لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن تمرات حسا حسوات ماء رواه أبو داود والأثرم والترمذي وقال حديث حسن غريب وعن سليمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح الثالث في الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب وهو مكروه في قول أكثر أهل العلم وروي عن ابن الزبير أنه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا ما روى ابن عمر قال واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا إنك تواصل قال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقي متفق عليه وهذا يقتضي اختصاصه بذلك ومنع إلحاق غيره به وقوله إني أطعم وأسقي يحتمل أنه يريد أن يعان على الصيام ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب ويحتمل أنه أراد إني أطعم حقيقة وأسقى حقيقة حملا للفظ على حقيقته والأولى أظهر لوجهين أحدهما أنه لو طعم وشرب حقيقة لم يكن مواصلا وقد أقرهم على قولهم إنك تواصل والثاني أنه قد روي أنه قال إني أظل يطعمني ربي ويسقيني وهذا يقتضي أنه في النهار ولا يجوز الأكل في النهار له ولا لغيره وإذا ثبت هذا فإن الوصال غير محرم وظاهر قول الشافعي إنه محرم تقريرا لظاهر النهي عن التحريم ولنا إنه ترك الأكل والشرب المباح فلم يكن محرما كما لو تركه في حال الفطر فإن قيل فصوم يوم العيد محرم مع كونه تركا للأكل والشرب المباح قلنا ما حرم ترك الأكل والشرب بنفسه وإنما حرم بنية الصوم ولهذا لو تركه من غير نية الصوم لم يكن محرما وأما النهي فإنما أتي به رحمة لهم ورفقا بهم لما فيه من المشقة عليهم كما نهى عبد الله بن عمرو عن صيام النهار وقيام الليل وعن قراءة القرآن في أقل من ثلاث قالت عائشة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وهذا لا يقتضي التحريم
ولهذا لم يفهم منه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التحريم بدليل أنهم واصلوا بعده ولو فهموا منه التحريم لما استجازوا فعله قال أبو هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ويوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا متفق عليه فإن واصل من سحر إلى سحر جاز لما روى أبو سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر أخرجه البخاري وتعجيل الفطر أفضل لما قدمناه فصل ويستحب تفطير الصائم لما روى زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من فطر صائما كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فصل روى ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم وعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر يقول ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله وإسناده حسن ذكرهما الدارقطني مسألة قال ( ومن صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال وإن فرقها فكأنما صام الدهر ) وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران وبه قال الشافعي وكرهه مالك وقال ما رأيت أحدا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه ولنا ما روى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال أحمد هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى سعيد بإسناده عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام رمضان شهر بعشرة أشهر وصام ستة أيام بعد الفطر وذلك تمام سنة يعني أن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة والستة بستين يوما فذلك اثنا عشر شهرا وهو سنة كاملة ولا يجري هذا مجرى التقديم لرمضان لأن يوم الفطر فاصل فإن قيل فلا دليل في هذا الحديث على فضيلتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه قلنا إنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبيه بالتبتل لولا ذلك لكان ذلك فضلا عظيما لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به على وجه عري عن المشقة كما قال عليه السلام من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر ذكر ذلك حثا على صيامها وبيان فضلها ولا خلاف في استحبابها ونهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقال من قرأ قل هو الله أحد الإخلاص 1 فكأنما قرأ ثلث القرآن أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل لا في كراهة الزيادة عليه إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة في أول الشهر أو في آخره لأن الحديث ورد بها مطلقا من غير تقييد ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوما والحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك كثلاثمائة وستين يوما وهو السنة كلها فإذا وجد ذلك في كل سنة صار كصيام الدهر كله وهذا المعنى يحصل مع التفريق والله أعلم مسألة قال ( وصيام عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين ) وجملته أن صيام هذين اليومين مستحب لما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صيام عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وقال في صيام عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله أخرجه مسلم
إذا ثبت هذا فإن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن لما روى ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن ابن عباس أنه قال التاسع وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع أخرجه مسلم بمعناه وروى عنه عطاء أنه قال صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر لذلك نص عليه أحمد وهو قول إسحاق قال أحمد فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر فصل واختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجبا وقال هذا قياس المذهب واستدل بشيئين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يأكل بالصوم والنية في الليل شرط في الواجب والثاني أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر وهو حديث صحيح وروي عن أحمد أنه كان مفروضا لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه وهو حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبا عليكم الآن وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر بقضائه فيحتمل أن نقول من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه كما قلنا فيمن أسلم وبلغ في أثناء يوم من رمضان على أنه قد روى أبو داود أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صمتم يومكم هذا قالوا لا قال فأتموا بقية يومكم واقضوه فصل فأما يوم عرفة فهو اليوم التاسع من ذي الحجة سمي بذلك لأن الوقوف بعرفة فيه وقيل سمي يوم عرفة لأن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه فأصبح يومه يتروى هل هذا من الله أو حلم فسمي يوم التروية فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضا فأصبح يوم عرفة فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة وهو يوم شريف عظيم وعيد كريم وفضله كبير وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صيامه يكفر سنتين فصل وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل فيها ويستحب الاجتهاد في العبادة فيها لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء وهو حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من أيام أحب الله عز وجل أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر وهذا حديث غريب أخرجه الترمذي وروى أبو داود بإسناده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء مسألة قال ( ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصوم ليتقوى على الدعاء ) أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء وقال عطاء أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف لأن كراهة صومه إنما هي معلة بالضعف عن الدعاء فإذا قوي عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهة ولنا ما روي عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم صائم
وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفات فشربه النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه وقال ابن عمر حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة ولأن الصوم يضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله فيه وإجابة دعائه به فكان تركه أفضل فصل وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فصل وأفضل الصيام أن تصوم يوما وتفطر يوما لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له صم يوما فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام فقلت إني أطيق أفضل من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أفضل من ذلك متفق عليه فصل وروى أبو داود بإسناده عن أسامة بن زيد أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك فقال إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس مسألة قال ( وأيام البيض التي حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على صيامها هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ) وجملة ذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب لا نعلم فيه خلافا وقد روى أبو هريرة قال أوصاني خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر متفق عليهما ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام البيض لما روى أبو ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي كل قال إني صائم قال صوم ماذا قال صوم ثلاثة أيام من الشهر قال إن كنت صائما فعليك بالغر البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وعن ملحان القيسي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال هو كهيئة الدهر أخرجه أبو داود وسميت أيام البيض لابيضاض ليلها كله بالقمر والتقدير أيام الليالي البيض وقيل إن الله تاب على آدم فيها وبيض صحيفته ذكره أبو الحسن التميمي فصل ويجب على الصائم أن ينزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم قال أحمد ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري ويصون صومه كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا نحفظ صومنا ولا يغتاب أحدا ولا يعمل عملا يجرح به صومه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليهما فصل في ليلة القدر وهي ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة
قال الله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر القدر 3 قيل معناه العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وقال النبي صلى الله عليه وسلم من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه وقيل إنما سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة ورزق وبركة يروى ذلك عن ابن عباس قال الله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان 4 وسماها مباركة فقال تعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين الدخان 3 وهيليلة القدر القدر بدليل قوله سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر وقال تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن البقرة 185 يروى أن جبريل نزل به من بيت العزة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما في ثلاثة وعشرين سنة وهي باقية لم ترفع لما روى أبو ذر قال قلت يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة قال باقية إلى يوم القيامة قلت في رمضان أو غيره قال في رمضان فقلت في العشر الأول أو الثاني أو الآخر فقال في العشر الآخر وأكثر أهل العلم على أنها في رمضان وكان ابن مسعود يقول من يقم الحول يصيبها يشير إلى أنها في السنة كلها وفي كتاب الله تعالى ما بين أنها في رمضان لأن الله أخبر أنه أنزل القرآن في ليلة القدر وأنه أنزله في رمضان فيجب أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يتناقض الخبران ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنها في رمضان في حديث أبي ذر وقال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر متفق عليه وقال أبي بن كعب والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا إذا ثبت هذا فإنه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان وفي العشر الأواخر آكد وفي ليالي الوتر منه آكد وقال أحمد هي في العشر الأواخر وفي وتر من الليالي لا يخطىء إن شاء الله كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين وروى سالم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها متفق عليه وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر متفق عليه قالت وكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها وقال علي رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان وفي لفظ للبخاري تحروا ليلة القدر في الوتر العشر الأواخر من رمضان وكل هذه الأحاديث صحيحة فصل واختلف أهل العلم في أرجى هذه الليالي فقال أبي بن كعب وعبد الله بن عباس هي ليلة سبع وعشرين قال زر بن حبيش قلت لأبي بن كعب أما علمت أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين قال بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو ذر في حديث فيه طول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم في رمضان حتى بقي سبع فقام بهم حتى مضى نحو من ثلث الليل ثم قام بهم في ليلة خمس وعشرين حتى مضى نحو من شطر الليل حتى كانت ليلة سبع وعشرين فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس قال فقام بهم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور متفق عليه وحكي عن ابن عباس أنه قال سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرون منها هي وروى أبو داود بإسناده عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر قال ليلة سبع وعشرين وقيل آكدها ليلة ثلاث وعشرين لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن أنيس سأله فقال يا رسول الله إني أكون ببادية يقال لها الوطاة وإني بحمد الله أصلي بهم فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها في المسجد فأصليها فيه فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيه وإن أحببت أن تستتم آخر هذا الشهر فافعل وإن أحببت فكف فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد رواه أبو داود مختصرا وقيل آكدها ليلة أربع وعشرين لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليلة القدر أول ليلة من السبع الأواخر وروي عن بعض الصحابة أنه قال لم نكن نعد عددكم هذا وإنما كنا نعد من آخر الشهر يعني أن السابعة والعشرين هي أول ليلة من السبع الأواخر وروى أبو ذر قال صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر رمضان فلم يقم بنا حتى كانت ليلة سبع بقيت فقام بنا نحوا من ثلث الليل ثم لم يقم ليلة ست فلما كانت ليلة خمس قام بنا النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من نصف الليل فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة فقال إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة فلما كانت ليلة ثلاث قام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح فقلت وما الفلاح قال السحور وأيقظ في تلك الليلة أهله ونساءه وبناته رواه سعيد وقيل آكدها ليلة إحدى وعشرين لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر وإني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين قال فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الماء والطين في جبهته وفي حديث في صبيحة إحدى وعشرين متفق عليه قال الترمذي قد روي أنها ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين وآخر ليلة وقال أبو قلابة إنها تنتقل في ليالي العشر قال الشافعي كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين ليلة إحدى وعشرين وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين وقد ترى علامتها في غير هذه الليالي قال بعض أهل العلم أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا في جمعها وأخفى الأجل وقيام الساعة ليجد الناس في العمل حذرا منهما فصل فأما علامتها فالمشهور فيها ما ذكره أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها وفي بعض الأحاديث بيضاء مثل الطست
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها فصل ويستحب أن يجتهد فيها في الدعاء ويدعو فيها بما روي عن عائشة أنها قالت يا رسول الله إن وافقتها بم أدعو قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني كتاب الاعتكاف الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالى ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون الأنبياء 52 وقال يعكفون على أصنام لهم الأعراف قال الخليل عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الإقامة في المسجد على صفة نذكرها وهو قربة وطاعة قال الله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين البقرة 125 وقال إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون البقرة 178 وقالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر متفق عليه وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المعتكف هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها وهذا الحديث ضعيف وفي إسناده فرقد السنجي قال أبو داود قلت لأحمد رحمه الله تعرف في فضل الاعتكاف بشيئا قال لا إلا شيئا ضعيفا ولا نعلم بين العلماء خلافا في أنه مسنون مسألة قال أبو القاسم رحمه لله ( والاعتكاف سنة إلا أن يكون نذرا فيلزم الوفاء به ) لا خلاف في هذه الجملة بحمد الله قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضا إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا فيجب عليه ومما يدل على أنه سنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقربا إلى الله تعالى وطلبا لثوابه واعتكاف أزواجه معه وبعده ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أراده وقال عليه السلام من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة وأما إذا نذره فيلزمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه رواه البخاري وعن عمر أنه قال يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك رواه البخاري ومسلم فصل وإن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه فإن شرع فيها فله إتمامها وله الخروج منها متى شاء وبهذا قال الشافعي وقال مالك تلزمه بالنية مع الدخول فيه فإن قطعه لزمه قضاؤه وقال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جميع العلماء وقال وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها فأمرت ببنائها فضرب وسألت حفصة أن يستأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فأمرت ببنائها فضرب فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح دخل معتكفه فلما صلى الصبح انصرف فبصر بالأبنية فقال ما هذا فقالوا بناء عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر أردتن ما أنا بمعتكف فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال متفق على معناه ولأنها عبادة تتعلق بالمسجد فلزمت بالدخول فيها كالحج ولم يصنع ابن عبد البر شيئا وهذا ليس بإجماع ولا نعرف هذا القول عن أحد سواه وقد قال الشافعي كل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة ولم يقع الإجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها سوى الحج والعمرة وإذا كانت العبادات التي لها أصل في الوجوب لا تلزم بالشروع
فما ليس له أصل في الوجوب أولى وقد انعقد الإجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال مقدر وشرع في الصدقة به فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه وهو نظير الاعتكاف لأنه غير مقدر بالشرع فأشبه الصدقة وما ذكره حجة عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك اعتكافه ولو كان واجبا لما تركه وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب أبنيتهن له ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن واجبا عليه وإنما فعله تطوعا لأنه كان إذا عمل عملا أثبته وكان فعله لقضائه كفعله لأدائه على سبيل التطوع به لا على سبيل الإيجاب كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه له دليل عدم الوجوب لتحريم ترك الواجب وفعله للقضاء لا يدل على الوجوب لأن قضاء السنن مشروع فإن قيل إنما جاز تركه ولم يؤمر تاركه من النساء بقضائه لتركهن إياه قبل الشروع قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه فلم يكن القضاء دليلا على الوجوب مع الاتفاق على انتفائه ولا يصح قياسه على الحج والعمرة لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظمى ومشقة شديدة وإنفاق مال كثير ففي إبطالهما تضييع لماله وإبطال لأعماله الكثيرة وقد نهينا عن إضاعة المال وإبطال الأعمال وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع ولا عمل يبطل فإن ما مضى عن اعتكافه لا يبطل بترك عتكاف المستقبل ولأن النسك يتعلق بالمسجد الحرام على الخصوص والاعتكاف بخلافه مسألة قال ( ويجوز بلا صوم إلا أن يقول في نذره بصوم ) المشهور في المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم روي ذلك عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب و عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى أن الصوم شرط في الاعتكاف قال إذا اعتكف يجب عليه وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة والليث والثوري والحسن بن حي لما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا اعتكاف إلا بصوم رواه الدارقطني وعن ابن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال اعتكف وصم رواه أبو داود ولأنه لبث في مكان مخصوص فلم يكن بمجرده قربة كالوقوف ولنا ما روى ابن عمر عن عمر أنه قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك رواه البخاري ولو كان كالصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل لأنه لا صيام فيه ولأنه عبادة تصح في الليل فلم يشترط له الصيام كالصلاة ولأنه عبادة تصح في الليل فأشبه سائر العبادات ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع قال سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي سهل قال كان على امرأة من أهلي اعتكاف فسألت عمر بن عبد العزيز فقال ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها فقال الزهري لا اعتكاف إلا بصوم فقال له عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا قال فعن أبي بكر قال لا قال فعن عمر قال لا وأظنه قال فعن عثمان قال لا فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاوسا فسألتهما فقال طاوس كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها وأحاديثهم لا تصح أما حديثهم عن عمر فتفرد به ابن بديل وهو ضعيف قال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر والصحيح ما رويناه أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما وحديث عائشة موقوف عليها ومن رفعه فقد وهم ولو صح فالمراد به الاستحباب فإن الصوم فيه أفضل وقياسهم ينقلب عليهم فإنه لبث في مكان مخصوص فلم يشترط له الصوم كالوقوف ثم نقول بموجبه فإنه لا يكون قربة بمجرده بل بالنية وإذا ثبت هذا فإنه يستحب أن يصوم
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وهو صائم ولأن المعتكف يستحب له التشاغل بالعبادات والقرب والصوم من أفضلها ويتفرغ به ما يشغله عن العبادات ويخرج به من الخلاف فصل إذا قلنا إن الصوم شرط لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لأن الصوم المشروط وجد في زمن الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله مسألة قال ( ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه ) يعني تقام الجماعة فيه وإنما اشترط ذلك لأن الجماعة واجبة واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيرا مع إمكان التحرز منه وذلك مناف للاعتكاف إذا هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلا لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا والأصل في قول الله تعالى إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون البقرة 187 فخصها بذلك فلو صح الاعتكا ف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا وفي حديث عائشة قالت أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا وروى الدارقطني بإسناده عن الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة في حديث وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة فذهب أبو عبد الله إلى أن كل مسجد تقام فيه الجماعة يجوز الاعتكاف فيه ولا يجوز في غيره وروي عن حذيفة وعائشة والزهري ما يدل على هذا واعتكف أبو قلابة وسعيد بن جبير في مسجد حيهما وروي عن عائشة والزهري أنه لا يصح إلا في مساجد الجماعات وهو قول الشافعي إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة لئلا يلتزم الخروج من معتكفه لما يمكنه التحرز من الخروج إليه وروي عن حذيفة وسعيد بن المسيب لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي وحكي عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة قال سعيد حدثنا مغيرة عن إبراهيم قال دخل حذيفة مسجد الكوفة فإذا هو بأبنية مضروبة فسأل عنها فقيل قوم معتكفون فانطلق إلى ابن مسعود فقال ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الأشعري فقال عبد الله فلعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت فقال حذيفة لقد علمت ما الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك يصح الاعتكاف في كل مسجد لعموم قوله تعالى تباشروهن وأنتم عاكفون في البقرة 187 وهو قول الشافعي إذا لم يكن اعتكافه يتخلله جمعة ولنا قول عائشة من السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وقد قيل إن هذا من قول الزهري وهو ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفما كان وروى سعيد حدثنا هشيم أنبأنا جرير عن الضحاك عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح ولأن قوله تعالى تباشروهن وأنتم عاكفون في البقرة 187 يقتضي إباحة الاعتكاف في كل مسجد إلا أنه يقيد بما تقام فيه الجماعة بالإخبار والمعنى الذي ذكرناه ففيما عداه يبقى على العموم وقول الشافعي في اشتراطه موضعا تقام فيه الجمعة لا يصح للإخبار ولأن الجمعة لا تتكرر فلا يضر وجوب الخروج إليها كما لو اعتكفت المرأة مدة يتخللها أيام حيضها ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها ولا يصلي فيه غيرها لم يجز الاعتكاف فيه ويصح عند مالك والشافعي ومبنى الخلاف على أن الجماعة واجبة عندنا فيلتزم الخروج من معتكفه إليها فيفسد اعتكافه وعندهم ليست واجبة
فصل وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز في كل مسجد لعدم المانع وإن كانت تقام فيه في بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمان دون غيره وإن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور ومن هو في قرية لا يصلي فيها سواه جاز اعتكافه في كل مسجد لأنه لا تلزمه الجماعة فأشبه المرأة وإن اعتكف اثنان في مسجد لا تقام فيه جماعة فأقاما الجماعة فيه صح اعتكافهما لأنهما أقاما الجماعة فأشبه ما لو أقامها فيه غيرهما فصل وللمرأة أن تعتكف في كل مسجد ولا يشترط إقامة الجماعة فيه لأنها غير واجبة عليها وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها وقال أبو حنيفة والثوري لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيه أفضل لأن صلاتها فيه أفضل وحكي عن أبي حنيفة أنها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال البر تردن ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل ولنا قوله تعالى تباشروهن وأنتم عاكفون في البقرة 187 والمراد به المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وإن سمي مسجدا كان مجازا فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية كقول النبي صلى الله عليه وسلم وجعلت لي الأرض مسجدا ولأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ولو لم يكن موضعا لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه ونبههن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة حجة لنا لما ذكرنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت أبنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه منهن خشية عليهن من فساد نيتهن وسوء المقصد به ولذلك قال البر تردن منكرا لذلك أي لم تفعلن ذلك تبررا ولذلك ترك الاعتكاف لظنه أنهن يتنافسن في الكون معه ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فإن صلاة الرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه فصل ومن سقطت عنه الجماعة من الرجال كالمريض إذا أحب أن يعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة ينبغي أن يجوز له ذلك لأن الجماعة ساقطة عنه فأشبه المرأة ويحتمل أن لا يجوز له ذلك لأنه من أهل الجماعة فأشبه من تجب عليه ولأنه إذا التزم الاعتكاف وكلفه نفسه فينبغي أن يجعله في مكان تصلي فيه الجماعة ولأن من التزم ما لا يلزمه لا يصح بدون شروطه كالمتطوع بالصوم والصلاة فصل وإذا اعتكفت المرأة في المسجد استحب لها أن تستتر بشيء لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربن في المسجد لأن المسجد يحضره الرجال وخير لهم وللنساء أن لا يرونهن ولا يرينهم وإذا ضربت بناء جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال لئلا تقطع صفوفهم ويضيق عليهم ولا بأس أن يستتر الرجل أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببنائه فضرب ولأنه أستر له وأخفى لعمله وروى ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير قال فأخذ الحصير بيدها فنحاها في ناحية القبلة ثم أطلع رأسه فكلم الناس والله أعلم مسألة قال ( ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان أو صلاة الجمعة )
وجملة ذلك أن المعتكف ليس له الخروج من معتكفه إلا لما لا بد له منه قالت عائشة رضي الله عنها السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه رواه أبو داود وقالت أيضا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان متفق عليه ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بد له منه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ولأن هذا مما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه لم يصح لأحد الاعتكاف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط كني بذلك عنهما لأن كل إنسان يحتاج إلى فعلهما وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه إذا احتاج إليه وإن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد وكل ما لا بد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه ولا يفسد اعتكافه وهو عليه ما لم يطل وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة ويلزمه السعي إليها فله الخروج إليها ولا يبطل اعتكافه وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يعتكف في غير الجامع إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة فإن نذر اعتكافا متتابعا فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه وعليه الاستئناف لأنه أمكنه فرضه بحيث لا يخرج منه فبطل بالخروج كالمكفر إذا ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة ولنا إنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة وكالخارج لإنقاذ غريق أو إطفاء حريق أو أداء شهادة تعينت عليه ولأنه إذا نذر أياما فيها جمعة فكأنه استثنى الجمعة بلفظه ثم تبطل بما إذا نذرت المرأة أياما فيها عادة حيضها فإنه يصح مع إمكان فرضها في غيرها والأصل غير مسلم إذا ثبت هذا فإنه إذا خرج لواجب فهو على اعتكافه ما لم يطل لأنه خروج لما لا بد له منه أشبه الخروج لحاجة الإنسان فإن كان خروجه لصلاة الجمعة فله أن يتعجل قال أحمد أرجو أن له ذلك لأنه خروج جائز فجاز تعجيله كالخروج لحاجة الإنسان وإذا صلى الجمعة فإن أحب أن يعتكف في الجامع فله ذلك لأنه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره وتعيينه فمع عدم ذلك أولى وكذلك إن دخل في طريقه مسجدا فأتم اعتكافه فيه جاز لذلك وإن أحب الرجوع إلى معتكفه فله ذلك لأنه خرج من معتكفه فكان له الرجوع إليه كما لو خرج إلى غير الجمعة قال بعض أصحابنا يستحب له الإسراع إلى معتكفه وقال أبو داود قلت لأحمد يركع أعني المعتكف يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد قال نعم بقد رما كان يركع ويحتمل أن يكون الخيرة إليه في تعجيل الركوع وتأخيره لأنه في مكان يصلح للاعتكاف فأشبه ما لو نوى الاعتكاف فيه فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر أو إلى الجامع من غير حاجة أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه لم يجز ذلك لأنه خروج لغير حاجة أشبه ما لو خرج إلى غير المسجد فإن كان المسجدان متلاصقين يخرج من أحدهما فيصير في الآخر فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر لأنهما كمسجد واحد ينتقل من إحدى زاويتيه إلى الأخرى وإن كان يمشي بينهما في غيرهما لم يجز له الخروج وإن قرب لأنه خروج من المسجد لغير حاجة واجبة
فصل وإذا خرج لما لا بد منه فليس عليه أن يستعجل في مشيه بل يمشي على عادته لأن عليه مشقة في إلزامه غير ذلك وليس له الإقامة بعد قضاء حاجته لأكل ولا لغيره وقال أبو عبد الله بن حامد يجوز أن يأكل اليسير في بيته كاللقمة واللقمتين فأما جميع أكله فلا وقال القاضي يتوجه أن له الأكل في بيته والخروج إليه ابتداء لأن الأكل في المسجد دناءة وترك للمروءة وقد يخفى جنس قوته على الناس وقد يكون في المسجد غيره فيستحي أن يأكل دونه وإن أطعمه معه لم يكفهما ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان وهذا كناية عن الحدث ولأنه خروج لما له منه بد أو لبث في غير معتكفه لما له منه بد فأبطل الاعتكاف كمحادثة أهله وما ذكره القاضي ليس بعذر يبيح الإقامة ولا الخروج ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه فصل وإن خرج لحاجة الإنسان وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم من دخولها ويمكنه التنظف فيها لم يكن له المضي إلى منزله لأن له من ذلك بد وإن كان يحتشم من دخولها أو فيه نقيصة عليه أو مخالفة لعادته أو لا يمكنه التنظف فيها فله أن يمضي إلى منزله لما عليه من المشقة في ترك المروءة وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر يمكنه الوضوء في الأقرب بلا ضرر فليس له المضي إلا الأبعد وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب لم يلزمه لما عليه من المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه قال المروذي سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب إليك أو مسجد الحي قال المسجد الكبير وأرخص لي أن أعتكف في غيره قلت فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب أو في ذاك الجانب قال في ذاك الجانب هو أصلح من أجل السقاية قلت فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج إلى الشط يتهيأ قال إذا كان له حاجة لا بد له من ذلك قلت يتوضأ الرجل في المسجد قال لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد فصل إذا خرج لما له منه بد بطل اعتكافه وإن قل وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم لأن اليسير معفو عنه بدليل أن صفية أتت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في معتكفه فلما قامت لتنقلب خرج معها ليقلبها ولأن اليسير معفو عنه بدليل ما لو تأتي في مشيه ولنا إنه خروج من معتكفه لغير حاجة فأبطله كما لو أقام أكثر من نصف يوم وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنه لم يكن له بد لأنه كان ليلا فلم يأمن عليها ويحتمل أنه فعل ذلك لكون اعتكافه تطوعا له ترك جميعه فكان له ترك بعضه ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه وأما المشي فتختلف فيه طباع الناس وعليه في تغيير مشيه مشقة ولا كذلك ها هنا فإنه لا حاجة به إلى الخروج مسألة قال ( ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الاشتراط واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك فروي عنه ليس له فعله وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وروى عنه الأثرم ومحمد بن الحكم أنه له أن يعود المريض ويشهد الجنازة ويعود إلى معتكفه وهو قول علي رضي الله عنه وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليعد المريض وليحضر الجنازة وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم رواه الإمام أحمد والأثرم وقال أحمد عاصم بن ضمرة عندي حجة قال أحمد يشهد الجنازة ويعود المريض ولا يجلس ويقضي الحاجة ويعود إلى معتكفه