İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وجه الأول ما روي عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان متفق عليه وعنها رضي الله عنها أنها قالت السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه وعنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه رواهما أبو داود ولأن هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب من أجله كالمشي مع أخيه في حاجة ليقضيها له وإن تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج إليهخا فإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله جاز أن يخرج له لأن هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة فأما إن كان الاعتكاف تطوعا وأحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز لأن كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن واجبا عليه فأما إن خرج لما لا بد منه فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك الفصل الثاني إذا اشترط ذلك في اعتكافه فله فعله واجبا كان الاعتكاف أو غير واجب وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم أو شهود جنازة وكذلك ما كان مباحا مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل المعتكف يشترط أن يأكل في أهله فقال إذا اشترط فنعم قيل له وتجيز الشرط في الاعتكاف قال نعم قلت له فيبيت في أهله قال إذا كان تطوعا جاز وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء بن زياد والنخعي وقتادة ومنع منه أبو مجلز ومالك والأوزاعي قال مالك لا يكون في الاعتكاف شرط ولنا إنه يجب بعقده فكان الشرط إليه فيه كالوقوف ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه وإن قال متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت جاز شرطه فصل وإن شرط الوطء في اعتكافه أو الفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز لأن الله تعالى قال الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في البقرة 187 فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله تعالى والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك ولا حاجة إليه فإن احتاج إليه فلا يعتكف لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه قال أبو طالب سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياط وغيره قال ما يعجبني أن يعمل قلت إن كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف فصل إذا خرج لما له منه بد عامدا بطل اعتكافه إلا أن يكون اشترط وإن خرج ناسيا فقال القاضي لا يفسد اعتكافه لأنه فعل المنهي عنه ناسيا فلم تفسد العبادة كالأكل في الصوم وقال ابن عقيل يفسد لأنه ترك للاعتكاف وهو لزوم للمسجد وترك الشيء عمده وسهوه سواء كترك النية في الصوم فإن أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه عمدا كان أو سهوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف إلى عائشة فتغسله وهي حائض متفق عليه فصل ويجوز للمعتكف صعود سطح المسجد لأنه من جملته ولهذا يمنع الجنب من اللبث فيه وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا ويجوز أن يبيت فيه وظاهر كلام الخلاقي أن رحبة المسجد ليست منه وليس للمعتكف الخروج إليها لقوله في الحائض يضرب لها خباء في الرحبة والحائض ممنوعة من المسجد وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا روي عن المروذي
أن المعتكف يخرج إلى رحبة المسجد هي من المسجد قال القاضي إن كان عليها حائط وباب فهي كالمسجد لأنها معه وتابعة له وإن لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد فكأنه جمع بين الروايتين وحملهما على اختلاف الحالين فإن خرج إلى منارة خارج المسجد للأذان بطل اعتكافه قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يبطل لأن منارة المسجد كالمتصلة به مسألة قال ( ومن وطىء فقد أفسد اعتكافه ولا قضاء عليه إلا أن يكون واجبا ) وجملة ذلك أن الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع والأصل فيه قول الله تعالى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا البقرة 187 فإن وطىء في الفرج متعمدا أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر عنهم ولأن الوطء إذا حرم في العبادة أفسدها كالحج والصوم وإن كان ناسيا فكذلك عند إمامنا وأبي حنيفة ومالك والشافعي لا يفسد اعتكافه لأنها مباشرة لا تفسد الصوم فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة فيما دون الفرج ولنا إن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد ولا نسلم أنها لا تفسد الصوم ولأن المباشرة دون الفرج لا تفسد الاعتكاف إلا إذا اقترن بها الإنزال وإذا ثبت هذا فلا كفارة بالوطء في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والأوزاعي ونقل حنبل عن أحمد أن عليه كفارة وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي لأنه عادة يفسدها الوطء لعينه فوجبت الكفارة بالوطء فيها كالحج وصوم رمضان ولنا إنها عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم تجب بإفسادها كفارة كالنوافل ولأنها عبادة لا يدخل المال في جبرانها فلم تجب الكفارة بإفسادها كالصلاة ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بإيجابها فتبقى على الأصل وما ذكروه ينتقض بالصلاة وصوم غير رمضان والقياس على الحج لا يصح لأنه مباين لسائر العبادات ولهذا يمضي في فاسده ويلزم بالشروع فيه ويجب بالوطء فيه بدنة بخلاف غيره ولأنه لو وجبت الكفارة ها هنا بالقياس عليه للزم أن يكون بدنة لأن الحكم في الفرع يثبت على صفة الحكم في الأصل إذ كان القياس إنما هو توسعة مجرى الحكم فيصير النص الوارد في الأصل واردا في الفرع فيثبت فيه الحكم الثابت في الأصل بعينه وأما القياس على الصوم فهو دال على نفي الكفارة لأن الصوم كله لا يجب بالوطء فيه كفارة سوى رمضان والاعتكاف أشبه بغير رمضان لأنه نافلة لا يجب إلا بالنذر ثم لا يصح قياسه على رمضان أيضا لأن الوطء فيه إنما أوجب الكفارة لحرمة الزمان ولذلك يجب على كل من لزمه الإمساك وإن لم يفسد به صوما واختلف موجبو الكفارة فيها فقال القاضي يجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهري وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل فإنه روي عن الزمري أنه قال من أصاب في اعتكافه فهو كهيئة المظاهر ثم قال أبو عبد الله إذا كان نهارا أوجبت عليه الكفارة ويحتمل أن أبا عبد الله إنما أوجب عليه الكفارة إذا فعل ذلك في رمضان لأنه اعتبر ذلك في النهار لأجل الصوم ولو كان لمجرد الاعتكاف لما اختص الوجوب بالنهار كما لم يختص الفساد به وحكي عن أبي بكر أن عليه كفارة يمين ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب الشافي ولعل أبا بكر إنما أوجب عليه كفارة في موضع تضمن الإفساد الإخلال بالنذر فوجبت لمخالفة نذره وهي كفارة يمين فأما في غير ذلك فلا لأن الكفارة إنما تجب بنص أو إجماع أو قياس وليس ها هنا نص ولا إجماع ولا قياس فإن نظير الاعتكاف الصوم ولا يجب بإفساده كفارة إذا كان تطوعا ولا منذورا ما لم يتضمن الإخلال بنذره فيجب به كفارة يمين كذلك هذا فصل فأما المباشرة دون الفرج فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله وإن كانت عن شهوة فهي محرمة
لقول الله تعالى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في البقرة 187 ولقول عائشة السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها رواه أبو داود ولأنه لا يأمن إفضاؤها إلى إفساد الاعتكاف وما أفضى إلى الحرام كان حراما فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر يفسد في الحالين وهو قول مالك لأنها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل ولنا إنها مباشرة لا تفسد صوما ولا حجا فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة لغير شهوة وفارق التي أنزل بها لأنها تفسد الصوم ولا كفارة عليه إلا على رواية حنبل فصل وإن ارتد فسد اعتكافه لقوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر 65 ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف وإن شرب ما أسكره فسد اعتكافه لخروجه عن كونه من أهل المسجد فصل وكل موضع فسد اعتكافه فإن كان تطوعا فلا قضاء عليه لأن التطوع لا يلزم الشروع فيه في غير الحج والعمرة وإن كان نذرا نظرنا فإن كان نذر أياما متتابعة فسد ما مضى من اعتكافه واستأنف لأن التتابع وصف في الاعتكاف وقد أمكنه الوفاء به فلزمه وإن كان نذر أياما معينة كالعشرة الأواخر من شهر رمضان ففيه وجهان أحدهما يبطل ما مضى ويستأنفه لأنه نذر اعتكافا متتابعا فبطل بالخروج منه كما لو قيده بالتتابع بلفظه والثاني لا يبطل لأن ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحا فلم يبطل بتركها في غيره كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان والتتابع ها هنا حصل ضرورة التعيين والتعيين مصرح به وإذا لم يكن بد من الإخلال بأحدهما ففيما حصل ضرورة أولى ولأن وجوب التتابع من حيث الوقت لا من حيث النذر فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه كصوم رمضان إذا أفطر فيه فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه فحسب وعليه الكفارة على الوجهين جميعا لأنه تارك لبعض ما نذره وأصل الوجهين فيمن نذر صوما معينا فأفطر في بعضه فإن فيه روايتين كالمذهبين اللذين ذكرناهما فصل إذا نذر الاعتكاف أيام متتابعة بصوم فأفطر يوما أفسد تتابعه ووجب استئناف الاعتكاف لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته مسألة قال ( وإذا وقعت فتنة خاف منها ترك اعتكافه فإذا أمن بنى على ما مضى إذا كان نذر أياما معلومة وقضى ما ترك وكفر كفارة يمين وكذلك في النفير إذا احتيج إليه ) وجملته إذا وقعت فتنة خاف منها على نفسه إن قعد في المسجد أو على ماله نهبا أو حريقا فله ترك الاعتكاف والخروج لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة والجماعة فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه وكذلك إن عذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه كالقيام المتدارك أو سلس البول أو الإغماء أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج وإن كان المرض خفيفا كالصداع ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج فإن خرج بطل اعتكافه وله الخروج إلى ما يتعين عليه من الواجب مثل الخروج في النفير إذا عم أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج المعتكف لزمه الخروج لأنه واجب متعين فلزم الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة وإذا خرج ثم زال عذره نظرنا فإن كان تطوعا فهو مخير إن شاء رجع إلى معتكفه وإن شاء لم يرجع وإن كان واجبا رجع إلى معتكفه فبنى على ما مضى من اعتكافه ثم لا يخلو النذر من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون نذر اعتكافا في أيام غير متتابعة ولا معينة فهذا لا يلزمه قضاء بل يتم ما بقي عليه لكنه يبتدىء اليوم الذي خرج فيه من أوله ليكون متتابعا ولا كفارة عليه لأنه أتى بما نذر على وجهه فلا يلزمه كفارة كما لو لم يخرج الثاني نذر أياما معينة كشهر رمضان
فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين بمنزلة تركه المنذور في وقته ويحتمل أن لا يلزمه كفارة على ما سنذكره إن شاء الله الثالث نذر أياما متتابعة فهو مخير بين البناء والقضا والتكفير وبين الابتداء ولا كفارة عليه لأنه يأتي بالمنذور على وجهه فلم يلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي قطعه وذكر الخرقي مثل هذا في الصيام فقال ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا ولم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي بنى على ما مضى من صيامه وقضى ما ترك وكفر كفارة يمين وإن أحب أتى بشهر متتابع ولا كفارة عليه وقال أبو الخطاب فيمن ترك الصيام المنذور لعذر فعن أحمد فيه رواية أخرى أنه لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لأن المنذور كالمشروع ابتداء ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء فكذلك المنذور وقال القاضي إن خرج لواجب كجهاد تعين أو آداء شهادة واجبة فلا كفارة عليه لأنه خروج واجب لحق الله تعالى فلم يجب به شيء كالمرأة تخرج لحيضها أو نفاسها وحمل كلام الخرقي على أنه يبني على ما مضى دون إيجاب الكفارة وظاهر كلام الخرقي أن عليه كفارة لأن النذر كاليمين ومن حلف على فعل شيء فحنث لزمته الكفارة سواء كان لعذر أو غيره وسواء كانت المخالفة واجبة أو لم تكن ويفارق صوم رمضان فإن الإخلال به والفطر فيه لغير عذر لا يوجب الكفارة ويفارق الحيض فإنه يتكرر ويظن وجوده في زمن النذر فيصير كالخروج لحاجة الإنسان وكالمستثنى بلفظه مسألة ( والمعتكف لا يتجر ولا يتكسب بالصنعة ) وجملته أن المعتكف لا يجوز له أن يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول المعتكف لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد له منه طعام أو نحو ذلك فأما التجارة والأخذ والعطاء فلا يجوز شيء من ذلك وقال الشافعي لا بأس أن يبيع ويشتري ويخيط ويتحدث ما لم يكن مأثما ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد رواه الترمذي وقال حديث حسن ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد فقال يا هذا إن هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما يكتسب به لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه وقد روى المروذي قال سألت أبا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط قال لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل وقال القاضي لا تجوز الخياطة في المسجد سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن قل أو كثر لأن ذلك معيشة أو تشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيرا مثل أن ينشق قميصه فيخيطه أو ينحل شيء يحتاج إلى ربطه فيربطه لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته وخلعهما فصل يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ولا يكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفي حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك
لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوره وعكسه الوطء ولا بأس بالكلام لحاجته ومحادثة غيره فإن صفية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو قال شيئا متفق عليه وقال علي رضي الله عنه أيما رجل اعتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث ويأمر أهله بالحاجة أي وهو يمشي ولا يجلس عندهم رواه الإمام أحمد فصل فأما إقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه فأكثر أصحابنا على أنه لا يستحب وهو ظاهر كلام أحمد وقال أبو الحسن الآمدي في استحباب ذلك روايتان واختار أبو الخطاب أنه مستحب إذا قصد به طاعة الله تعالى لا المباهاة وهذا مذهب الشافعي لأن ذلك أفضل العبادات ونفعه يتعدى فكان أولى من تركه كالصلاة واحتج أصحابنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به ولأن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد فلم يستحب فيها ذلك الطواف وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى وشهود الجنازة فعلى هذا القول فعله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف قال المروذي قلت لأبي عبد الله إن رجلا يقرأ في المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم كل يوم فقال إذا فعل هذا كان لنفسه وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره يقرأ أحب إلي وسئل أيما أحب إليك الاعتكاف أو الخروج إلى عبادان قال ليس بعدل الجهاد عندي شيء يعني أن الخروج إلى عبادان أفضل من الاعتكاف فصل وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام وظاهر الأخبار تحريمه قال قيس بن مسلم دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم قالوا حجت مصمتة فقال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من أعمال الجاهلية فتكلمت رواه البخاري وروى أبو داود بإسناده عن علي رضي الله عنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صمات يوم إلى الليل وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم الصمت فإن نذر ذلك في اعتكافه أو غيره لم يلزمه الوفاء به وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا لما روى ابن عباس قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صوم رواه البخاري ولأنه نذر فعل منهي عنه فلم يلزمه كنذر المباشرة في المسجد وإن أراد فعله لم يكن له ذلك سواء نذره أو لم ينذره وقال أبو ثور وابن المنذر له فعله إذا كان أسلم ولنا النهي عنه وظاهره التحريم والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية وهذا صريح ولم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه واتباع ذلك أولى فصل ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام لأنه استعمال له في غير ما هو له فأشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه وقد جاء لا تناظروا بكتاب الله قيل معناه لا تتكلم به عند الشيء تراه كأن ترى رجلا قد جاء في وقته فتقول ثم جئت على قدر يا موسى طه 20 أو نحوه ذكر أبو عبيدة نحو هذا المعنى مسألة قال ( ولا بأسن أن يتزوج في المسجد ويشهد النكاح ) وإنما كان كذلك
لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب فلم تحرم النكاح كالصوم ولأن النكاح طاعة وحضورخه قربة ومدته لا تتطاول فيتشاغل به عن الاعتكاف فلم يكره فيه كتشميت العاطس ورد السلام فصل ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجل رأسه وهو معتكف وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب قال أحمد لا يعجبني أن يتطيب وذلك لأن الاعتكاف عبادة تختص مكانا فكان ترك الطيب فيها مشروعا كالحج وليس ذلك بمحرم لأنه لا يحرم اللباس ولا النكاح فأشبه الصوم فصل ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ويضع سفرة يسقط عليها ما يقع منه كيلا يلوث المسجد ويغسل يده في الطست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز أن يخرج لغسل يده لأن له من ذلك بدا وهل يكره تجديد الطهارة في المسجد فيه روايتان إحداهما لا يكره لأن أبا العالية قال حدثني من كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال أما ما حفظت لكم منه أنه كان يتوضأ في المسجد وعن ابن عمر أنه قال كان يتوضأ في المسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وعن ابن سيرين قال كان أبو بكر وعمر والخلفاء يتوضؤون في المسجد وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وابن جريج والأخرى يكره لأنه لا يسلم من أن يبصق في المسجد أو يتمخط والبصاق في المسجد خطيئة ويبل من المسجد مكانا يمنع المصلين من الصلاة فيه وإن خرج من المسجد للوضوء وكان تجديدا بطل لأنه خروج لما له منه بد وإن كان وضوءا من حدث لم يبطل لأن الحاجة داعية إليه سواء كان في وقت الصلاة أو قبلها لأنه لا بد من الوضوء للمحدث وإنما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة وهوكونه على وضوء وربما يحتاج إلى صلاة النافلة به فصل إذا أراد أن يبول في المسجد في طست لم يبح له ذلك لأن المساجد لم تبن لهذا وهو مما يقبح ويفحش ويستخفى به فوجب صيانة المسجد عنه كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله وإن أراد الفصد أو الحجامة فيه فكذلك ذكره القاضي لأنه إراقة نجاسة في المسجد فأشبه البول فيه وإن دعت إليه حاجة كبيرة خرج من المسجد ففعله وإن استغنى عنه لم يكن له الخروج إليه كالمرض الذي يمكن احتماله وقال ابن عقيل يحتمل أن يجوز القصد في المسجد في طست بدليل أن المستحاضة يجوز لها الاعتكاف ويكون تحتها شيء يقع فيه الدم قالت عائشة اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي رواه البخاري والفرق بينهما أن المستحاضة لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد مسألة قال ( والمتوفى عنها زوجها وهي معتكفة تخرج لقضاء العدة وتفعل كما فعل الذي خرج لفتنة ) وجملته أن المعتكفة إذا توفي زوجها لزمها الخروج لقضاء العدة وبهذا قال الشافعي وقال ربيعة ومالك وابن المنذر تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه لأن الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما ولنا إن الاعتداد في بيت زوجها واجب فلزمها الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات وظاهر كلام الخرقي أنها كالذي خرج لفتنة وأنها تبني وتقضي وتكفر وقال القاضي لا كفارة عليها لأن خروجها واجب وقد مضى القول فيه فصل وليس للزوجة أن تعتكف إلا بإذن زوجها ولا للمملوك أن يعتكف إلا بإذن سيده لأن منافعهما مملوكة لغيرهما والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفاءها وليس بواجب عليهما بالشرع فكان لهما المنع منه وأم الولد والمدبر كالقن في هذا لأن الملك باق فيهما فإن أذن السيد والزوج لهما ثم أراد إخراجهما منه بعد شروعهما فيه فلهما ذلك في التطوع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في العبد كقولنا وفي الزوجة ليس لزوجها إخراجها لأنها تملك بالتمليك
فالإذن أسقط حقه من منفعها وأذن لها في استيفائها فلم يكن له الرجوع فيها كما لو أذن لها في الحج فأحرمت به بخلاف العبد فإنه لا يملك بالتمليك وقال مالك ليس له تحليلهما لأنهما عقدا على أنفسهما تمليك منافع كانا يملكانها لحق الله تعالى فلم يجز الرجوع فيها كما لو أحرما بالحج بإذنهما ولنا إن لهما المنع ابتداء فكان لهما المنع منه دواما كالعارية ويخالف الحج لأنه يلزم بالشروع فيه بخلاف الاعتكاف على ما مضى من الخلاف فيه فإن كان ما أذنا فيه منذورا لم يكن لهما تحليلهما منه لأنه يتعين بالشروع فيه ويجب إتمامه فيصير كالحج إذا أحرما به فأما إن نذرا الاعتكاف فأراد السيد والزوج منعهما الدخول فيه نظرت فإن كان النذر بإذنهما وكان معينا لم يملكا منعهما منه لأنه وجب بإذنهما وإن كان بغير إذنهما فلهما منعهما منه لأن نذرهما تضمن تفويت حق غيرهما بغير إذنه فكان لصاحب الحق المنع منه وإن كان النذر المأذون فيه غير معين فهل لهما منعهما على وجهين أحدهما لهما منعهما لأن حقهما ثابت في كل زمن فكان تعيين زمن سقوطه إليهما كالدين والثاني ليس لهما ذلك لأنه وجب التزامه بإذنهما فأشبه المعين وأما المعتق بعضه فإن كان بينه وبين سيده مهايأه فله أن يعتكف في يومه بغير إذن سيده لأن منافعه غير مملوكة لسيده في هذا اليوم وحكمه في يوم سيده حكم القن فإن لم يكن بينهما مهايأة فلسيده منعه لأن له ملكا في منافعه في كل وقت فصل وأما المكاتب فليس لسيده منعه من واجب ولا تطوع لأنه لا يستحق منافعه وليس له إجباره على الكسب وإنما له دين في ذمته فهو كالحر المدين مسألة قال ( وإذا حاضت المرأة خرجت من المسجد وضربت خباء في الرحبة ) أما خروجها من المسجد فلا خلاف فيه لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد فهو كالجنابة وآكد منه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود وإذا ثبت هذا فإن المسجد إن لم يكن له رحبة رجعت إلى بيتها فإذا طهرت رجعت فأتمت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفارة عليها نص عليه أحمد لأنه خروج معتاد واجب أشبه الخروج للجمعة أو لما لا بد منه وإن كانت له رحبة خارجة من المسجد يمكن أن تضرب فيها خباءها فقال الخرقي تضرب خباءها فيها مدة حيضها وهو قول أبي قلابة وقال النخعي تضرب فسطاطها في دارها فإذا طهرت قضت تلك الأيام وإن دخلت بيتا أو سقفا استأنفت وقال الزهري وعمرو بن دينار وربيعة ومالك والشافعي ترجع إلى منزلها فإذا طهرت فلترجع لأنه وجب عليها الخروج من المسجد فلم يلزمها الإقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة ووجه قول الخرقي ما روى المقدام بن شريح عن عائشة قالت كن معتكفات إذا حضن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهن من المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن رواه أبو حفص بإسناده وفارق المعتدة فإن خروجها لتقيم في بيتها وتعتد فيه ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة وكذلك الخائفة من الفتنة خروجها لتسلم من الفتنة فلا يحصل في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه والظاهر أن إقامتها في الرحبة مستحب وليس بواجب وإن لم تقم في الرحبة ورجعت إلى منزلها أو غيره فلا شيء عليها لأنها خرجت بإذن الشرع ومتى طهرت رجعت إلى المسجد فقضت وبنت ولا كفارة عليها لا نعلم فيه خلافا لأنه خروج لعذر معتاد أشبه الخروج لقضاء الحاجة وقول إبراهيم تحكم لا دليل عليه فصل فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف لأنها لا تمنع الصلاة والا الطواف وقد قالت عائشة اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي أخرجه البخاري إذا ثبت هذا فإنها تتحفظ وتتلجم لئلا تلوث المسجد فإن لم يمكن صيانته منها خرجت من المسجد
لأنه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها فأشبه الخروج لقضاء حاجة الإنسان فصل الخروج المباح في الاعتكاف الواجب ينقسم أربعة أقسام أحدها ما لا يوجب قضاء ولا كفارة وهو الخروج لحاجة الإنسان وشبهه مما لا بد منه والثاني ما يوجب قضاء بلا كفارة وهو الخروج للحيض والثالث ما يوجب قضاء وكفارة وهو الخروج لفتنة وشبهه مما يخرج لحاجة نفسه والرابع ما يوجب قضاء وفي الكفارة وجهان وهو الخروج كالخروج في النفير أو العدة ففي قول القاضي لا كفارة عليه لأنه واجب لحق الله تعالى أشبه الخروج للحيض وظاهر كلام الخرقي وجوبها لأنه خروج غير معتاد فأوجب الكفارة كالخروج لفتنة مسألة قال ( ومن نذر أن يعتكف شهرا بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس ) وهذا قول مالك والشافعي وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه متفق عليه ولأن الله تعالى قال فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر ولأن الصوم شرط في الاعتكاف فلم يجز ابتداؤه قبل شرطه ولنا إنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس ولهذا تحل الديون المعلقة به ويقع الطلاق والعتاق المعلقان به ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر فإنه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم وأما الصوم فإن محله النهار فلا يدخل فيه شيء من الليل في أثنائه ولا ابتدائه إلا ما حصل ضرورة بخلاف الاعتكاف وأما الحديث فقال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما هو في التطوع فمتى شاء دخل وفي مسألتنا نذر شهرا فيلزمه اعتكاف شهر كامل ولا يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله ويخرج بعد غروبها من آخره فأشبه ما لو نذر اعتكاف يوم فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه فصل وإن أحب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان تطوعا ففيه روايتان إحداهما يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين لما روي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر متفق عليه ولأن العشر بغير هاء عدد الليالي فإنهما عدد المؤنث قال الله تعالى وليال عشر الفجر 2 وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين والرواية الثانية يدخل بعد صلاة الصبح قال حنبل قال أحمد أحب إلي أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق ووجه ما روت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه متفق عليه وإن نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان جميعا فصل ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه نص عليه أحمد وروي عن النخعي وأبي محلز وأبي بكر بن عبد الرحمن والمطلب بن حنطب وأبي قلابة أنهم كانوا يستحبون ذلك وروى الأثرم بإسناده عن أيوب عن أبي قلابة أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد وكان يعني في اعتكافه لا يلقي له حصير ولا مصلي يجلس عليه كان يجلس كأنه بعض القوم قال فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها إلا بعض بناته فإذا هي أمة له فأعتقها وغدا كما هو إلى العيد وقال إبراهيم كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد
فصل وإذا نذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالأهلة أو ثلاثون يوما وهل يلزمه التتابع على وجهين بناء على الروايتين في نذر الصوم أحدهما لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لأنه معنى يصح فيه التفريق فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام الثاني يلزمه التتابع وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال القاضي يلزمه التتابع قولا واحدا لأنه معنى يحصل في الليل والنهار فإذا أطلقه اقتضى التتابع كما لو حلف لا يكلم زيدا شهرا وكمدة الإيلاء والعنة والعدة وبهذا فارق الصيام فإن أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك وإن كان ناقصا وإن اعتكف ثلاثين يوما من شهرين جاز وتدخل فيه الليالي لأن الشهر عبارة عنهما ولا يجزئه أقل من ذلك وإن قال لله علي أن أعتكف أيام هذا الشهر أو ليالي هذا الشهر لزمه ما نذر ولم يدخل فيه غيره وكذلك إن قال شهرا في النهار أو في الليل فصل وإن قال لله علي أن أعتكف ثلاثين يوما فعلى قول القاضي يلزمه التتابع وقال أبو الخطاب لا يلزمه لأن اللفظ يقتضي ما تناوله والأيام المطلقة توجد بدون التتابع فلا يلزمه كما لو قال لله علي أن أصوم ثلاثين يوما فعلى قول القاضي يدخل فيه الليالي الداخلة في الأيام المنذورة كما لو نذر شهرا ومن لم يوجب التتابع لا يقتضي أن تدخل الليالي فيه إلا أن ينويه فإن نوى التتابع أو شرطه لزمه ودخل الليل فيه ويلزمه ما بين الأيام من الليالي وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه من الليالي بعدد الأيام إذا كان على وجه الجمع والتثنية يدخل فيه مثله من الليالي والليالي تدخل معها الأيام بدليل قوله تعالى آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا مريم 10 وقال في موضع آخر ثلاثة أيام إلا رمزا آل عمران 41 ولنا إن اليوم اسم لبياض النهار والتثنية والجمع تكرار للواحد وإنما تدخل الليالي تبعا لوجوب التتابع ضمنا وهذا يحصل بما بين الأيام خاصة فاكتفي به وأما الآية فإن الله تعالى نص على الليل في موضع والنهار في موضع فصار منصوصا عليهما فإن نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه يومان وليلة بينهما وإن نذر اعتكاف يومين مطلقا فعلى قول القاضي هو كما لو نذرهما متتابعين وكذلك لو نذر ليلتين لزمه اليوم الذي بينهما وعلى قول أبي الخطاب لا يلزمه التتابع ولا ما بينهما إلا بلفظه أو نيته فصل وإن نذر اعتكاف يوم لم يجز تفريقه ويلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس وقال مالك يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم كقولنا في الشهر لأن الليل يتبع النهار بدليل ما لو كان متتابعا ولنا إن الليلة ليست من اليوم وهي من الشهر قال الخليل اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وإنما دخل الليل في المتتابع ضمنا ولهذا خصصناه بما بين الأيام وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج منه بعد طلوع الفجر وليس له تفريق الاعتكاف وقال الشافعي له تفريقه هذا ظاهر كلامه قياسا على تعريف الشهر ولنا إطلاق اليوم يفهم منه التتابع فيلزمه كما لو قال متتابعا وفارق الشهر فإنه اسم لما بين الهلالين واسم لثلاثين يوما واسم لغير ذلك واليوم لا يقع في الظاهر إلا على ما ذكرنا وإن قال في وسط النهار لله علي أن أعتكف يوما من وقتي هذا لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله ويدخل فيه الليل لأنه في خلال نذره فصار كما لو نذر يومين متتابعين وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه ذلك بنذره فعلمنا أنه أراد ذلك ولم يرد يوما صحيحا فصل وإن نذر اعتكافا مطلقا لزمه ما يسمى به معتكفا ولو ساعة من ليل أو نهار إلا على قولنا بوجوب الصوم في الاعتكاف فيلزمه يوم كامل فأما اللحظة وما لا يسمى به معتكفا فلا يجزئه على الروايتين جميعا فصل ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه إلا المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام المسجد الأقصى ومسجدي هذا متفق عليه ولو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضيء إليه واحتاج إلى شد الرحال لقضاء نذره فيه ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكانا فلم يتعين بتعيين غيره وإنما تعينت هذه المساجد الثلاثة للخبر الوارد فيها ولأن العبادة فيها أفضل فإذا عين ما فيه فضيلة لزمته كأنواع العبادة وبهذا قال الشافعي في صحيح قوليه وقال في الآخر لا يتعين المسجد الأقصى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام رواه مسلم وهذا يدل على التسوية فيما عدا هذين المسجدين لأن المسجد الأقصى لو فضلت الصلاة فيه على غيره للزم أحد أمرين إما خروجه من عموم هذا الحديث وإما كون فضيلته بألف مختصا بالمسجد الأقصى ولنا إنه من المساجد التي تشد الرحال إليها فتعين بالتعيين في النذر كمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه لا يلزم فإنه إذا فضل الفاضل بألف فقد فضل المفضول بها أيضا فصل وإن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لم يكن له الاعتكاف فيما سواه لأنه أفضلها ولأن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوف بنذرك متفق عليه وإن نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه ولم يجز أن يعتكف في المسجد الأقصى لأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه وقال قوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دفن في خير البقاع وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة فدل على أنها أفضل ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه رواه ابن ماجه فيدخل في عمومه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأما إن نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجدين الآخرين لأنهما أفضل منه وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رجال من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس قريبا من المقام فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا نبي الله إني نذرت لئن فتح الله للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلا من أهل الشام ها هنا في قريش مقبلا معي ومدبرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا فصل فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا فصل ثم قال الرابعة مقالته هذه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فصل فيه فوالذي بعث محمدا بالحق لو صليت ها هنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس ومتى نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد فانهدم معتكفه ولم يمكن المقام فيه لزمه إتمام الاعتكاف في غيره ولم يبطل اعتكافه فصل إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان صح نذره فإن ذلك ممكن فإن قدم في بعض النهار لزمه اعتكاف الباقي منه ولم يلزمه قضاء ما فات لأنه فات قبل شرط الوجوب فلم يجب كما لو نذر اعتكاف زمن ماض لكن إذا قلنا شرط صحة الاعتكاف الصوم
لزمه قضاء يوم كامل لأنه لا يمكنه أن يأتي بالاعتكاف في الصوم فيما بقي من النهار ولا قضاؤه متميزا مما قبله فلزمه يوم كامل ضرورة كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان ويحتمل أن يجزئه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائما لأنه قد وجد اعتكاف مع الصوم وإن قدم ليلا لم يلزمه شيء لأن ما التزمه بالنذر لم يوجد فإن كان للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان من حبس أو مرض قضى وكفر لفوات النذر في وقته ويقضي بقية اليوم فقط على حسب ما كان يلزم في الأداء في الرواية المنصورة وفي الأخرى يقضي يوما كاملا بناء على اشتراط الصوم في الاعتكاف كتاب الحج الحج في اللغة القصد وعن الخليل قال الحج كثرة القصد إلى من تعظمه قال الشاعر وأشهد من عوف حؤولا كثيرة يحجون سب الزبرقان الزعفرا أي يقصدون والسب العمامة وفي الحج لغتان الحج والحج بفتح الحاء وكسرها والحج في الشرع اسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء وهو أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين آل عمران 97 روي عن ابن عباس ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب وقال الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس وذكر فيها الحج وروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه وفي هذا أخبار كثيرة سوى هذين وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة مسألة قال أبو القاسم ( ومن ملك زادا وراحلة وهو بالغ عاقل لزمه الحج والعمرة ) وجملة ذلك أن الحج إنما يجب بخمس شرائط الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة لا نعلم في هذا كله اختلافا فأما الصبي والمجنون فليسا بمكلفين وقد روى علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشب وعن المعتوه حتى يعقل رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وأما العبد فلا يجب عليه لأنه عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة ويضيع حقوق سيده المتعلقة به فلم يجب عليه كالجهاد أما الكافر فغير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء ولا يوجب قضاء وغير المستطيع لا يجب عليه لأن الله تعالى خص المستطيع بالإيجاب عليه فيختص بالوجوب وقال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 فصل وهذه الشروط الخمسة تنقسم أقساما ثلاثة منها ما هو شرط للوجوب والصحة وهو الإسلام والعقل فلم يجب على كل كافر ولا مجنون ولا تصح منهما لأنهما ليسا من أهل العبادات ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء وهو البلوغ والحرية وليس بشرط للصحة فلو حج الصبي والعبد صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام ومنها ما هو شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة فحج كان حجه صحيحا مجزئا كما لو تكلف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأه فصل واختلفت الرواية في شرطين وهما تخلية الطريق وهو أن لا يكون في الطريق مانع من عدو ونحوه وإمكان المسير وهو أن نكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إليه فروي أنهما من شرائط الوجوب فلا يجب الحج بدونهما
لأن الله تعالى إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطا كالزاد والراحلة وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي أنهما ليسا من شرائط الوجوب وإنما يشترطان للزوم السعي فلو كملت هذه الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته وإن أعسر قبل وجودهما بقي في ذمته وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه لم يذكرهما وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يوجب الحج قال الزاد والراحلة قال الترمذي هذا حديث حسن وهذا له زاد وراحلة ولأن هذا عذر يمنع نفس الآداء فلم يمنع الوجوب كالعضب ولأن إمكان الآداء ليس بشرط في وجوب العبادات بدليل ما لو طهرت الحائض أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن أداؤها فيه والاستطاعة مفسرة بالزاد والراحلة فيجب المصير إلى تفسيره والفرق بينهما وبين الزاد والراحلة أنه يتعذر مع فقدهما الأداء دون القضاء وفقد الزاد والراحلة يتعذر معه الجميع فافترقا فصل وإمكان المسير معتبر بما جرت به العادة فلو أمكنه المسير بأن يحمل على نفسه ويسير سيرا يجاوز العادة أو يعجز عن تحصيل آلة السفر لم يلزمه السعي وتخلية الطريق هو أن تكون مسلوكة لا مانع فيها بعيدة كانت أو قريبة برا كان أو بحرا إذا كان الغالب السلامة فإن لم يكن الغالب السلامة لم يلزمه سلوكه فإن كان في الطريق عدو يطلب خفارة فقال القاضي لا يلزمه السعي وإن كانت يسيرة لأنها رشوة فلا يلزم بذلها في العبادة كالكبيرة وقال ابن حامد إن كان ذلك ما لا يجحف بماله لزمه الحج لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم فصل والاستطاعة المشترطة ملك الزاد والراحلة وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعي وإسحاق قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم وقال عكرمة هي الصحة وقال الضحاك إن كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه وعن مالك إن كان يمكنه المشي وعادته سؤال الناس لزمه الحج لأن هذه الاستطاعة في حقه فهو كواجد الزاد والراحلة ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة فوجب الرجوع إلى تفسيره فروى الدارقطني بإسناده عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما السبيل قال الزاد والراحلة وروى ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما يوجب الحج قال الزاد والراحلة رواه الترمذي وقال حديث حسن وروى الإمام أحمد حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 قال رجل يا رسول الله ما السبيل قال الزاد والراحلة ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد وما ذكروه ليس باستطاعة فإنه شاق وإن كان عادة والاعتبار بعموم الأحوال دون خصوصها كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه فصل ولا يلزمه الحج ببذل غيره له ولا يصير مستطيعا بذلك سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا وسواء بذل له الركوب والزاد أو بذل له مالا وعن الشافعي أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه لأنه أمكنه الحج من غير منة تلزمه ولا ضرر يلحقه فلزمه الحج كما لو ملك الزاد والراحلة ولنا إن قول النبي صلى الله عليه وسلم يوجب الحج الزاد والراحلة يتعين فيه تقدير ملك ذلك أو ملك ما يحصل به بدليل ما لو كان الباذل أجنبيا ولأنه ليس بمالك للزاد والراحلة ولا ثمنهما فلم يلزمه الحج كما لو بذل له والده ولا نسلم أنه لا يلزمه منه ولو سلمنا فيبطل بذل الولد وببذل من للمبذول له عليه أيادي كثيرة ونعم فصل ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه
فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة كالخرز أو معاونة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر الحج 27 فقدم ذكر الرجال ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل وخروجا من الخلاف وإن كان يسأل الناس كره له الحج لأنه يضيق على الناس ويحصل كلا عليهم في التزام ما لا يلزمه وسئل أحمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال لا أحب له ذلك هذا يتوكل على أزواد الناس فصل ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها فلزمه كالسعي إلى الجمعة وإن كان ممن لا يمكنه المشي اعتبر وجود الحمولة في حقه لأنه عاجز عن المشي فهو كالبعيد وأما الزاد فلا بد منه فإن لم يجد زادا ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج فصل والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة فإن كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء الماء للوضوء وإذا كان يجد الزاد في كل منزلة لم يلزمه حمله وإن لم يجده كذلك لزمه حمله وأما الماء وعلف البهائم فإن كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة وإلا لم يلزمه حمله من بلده ولا من أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام ونحوها لأن هذا يشق ولم تجر العادة به ولا يتمكن من حمل الماء لبهائمه في جميع الطريق والطعام بخلاف ذلك ويعتبر أيضا قدرته على الآلات التي يحتاج إليها كالغرائر ونحوها وأوعية الماء وما أشبهها لأنه مما لا يستغنى عنه فهو كأعلاف البهائم فصل وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله إما بشراء أو بكراء لذهابه ورجوعه ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله فإن كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط أجزأ وجود ذلك وإن كان ممن لم تجر عادته بذلك ويخشى السقوط عنهما اعتبر وجود محمل وما أشبهه مما لا مشقة في ركوبه ولا يخشى السقوط عنه لأن اعتبار الراحلة في حق القادر على المشي إنما كان لدفع المشقة فيجب أن يعتبر ها هنا ما تندفع به المشقة وإن كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لأنه من سبيله فصل ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في مضيه ورجوعه لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم آكد وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت رواه أبو داود وأن يكون فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لا بد منه وأن يكون فاضلا عن قضاء دينه لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد ولذلك منع الزكاة مع تعلق حقوق الفقراء بها وحاجتهم إليها فالحج الذي هو خالص حق الله تعالى أولى وسواء كان الدين لآدمي معين أو من حقوق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت قدم التزويج لأنه واجب عليه ولا غنى به عنه فهو كنفقته وإن لم يخف قدم الحج لأن النكاح تطوع فلا يقدم على الحج الواجب وإن حج من تلزمه هذه الحقوق وضيعها صح حجه لأنها متعلقة بذمته فلا تمنع صحة فعله
فصل ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقة نفسه أو عياله أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم يكفهم أو سائمة يحتاجون إليها لم يلزمه الحج وإن كان له من ذلك شيء فاضل عن حاجته لزمه بيعه في الحج فإن كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحج به لزمه وإن كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها في الحج وإن كانت مما لا يحتاج إليها أو كان له بكتاب نسختان يستغني بأحدهما باع ما لا يحتاج إليه فإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه للحج لزمه لأنه قادر وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه لم يلزمه فصل وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في إحدى الروايتين روى ذلك عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وبه قال الثوري وإسحاق والشافعي في أحد قوليه ( والرواية الثانية ) ليست واجبة وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي قال لا وإن تعتمروا فهو أفضل أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعن طلحة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحج جهاد والعمرة تطوع رواه ابن ماجه ولأنه نسك غير موقت فلم يكن واجبا كالطواف المجرد ولنا قول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 ومقتضى الأمر الوجوب ثم عطفها على الحج والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه قال ابن عباس إنها لقرينة الحج في كتاب الله وعن الضبي بن معبد قال أتيت عمر فقلت يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج العمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال عمر هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والنسائي وعن أبي رزين أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال حج عن أبيك واعتمر رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وذكره أحمد ثم قال وحديثه يرويه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وروى الأثرم بإسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وكان في الكتاب أن العمرة هي الحج الأصغر ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم نعلمه إلا ابن مسعود على اختلاف عنه وأما حديث جابر فقال الترمذي قال الشافعي هو ضعيف لا تقوم بمثله الحجة وليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع وقال ابن عبد البر روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة ثم نحمله على المعهود وهي العمرة التي قضوها حين أحصروا في الحديبية أو على العمرة التي اعتمروها مع حجتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنها لم تكن واجبة على من اعتمر أو نحمله على ما زاد على العمرة الواحدة وتفارق العمرة الطواف لأن من شرطها الإحرام والطواف بخلافه فصل وليس على أهل مكة عمرة نص عليه أحمد وقال كان ابن عباس يرى العمرة واجبة ويقول يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت وبهذا قال عطاء وطاوس قال عطاء ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لا بد منهما لمن استطاع إليهما سبيلا إلا أهل مكة
فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ عنهم وحمل القاضي كلام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة لأنه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج والأمر على ما قلناه فصل وتجزىء عمرة المتمتع وعمرة القارن والعمرة من أدنى الحل عن العمرة الواجبة ولا نعلم في إجزاء عمرة التمتع خلافا كذلك قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وروي عن أحمد أن عمرة القارن لا تجزىء وهو اختيار أبي بكر وعن أحمد أن العمرة من أدنى الحل لا تجزىء عن العمرة الواجبة وقال إنما هي من أربعة أميال واحتج على أن عمرة القارن لا تجزىء أن عائشة حين حاضت أعمرها من التنعيم فلو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها لما أعمرها بعدها ولنا قول الضبي بن معبد إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال عمر هديت لسنة نبيك وهذا يدل على أنه أحرم بهما يعتقد أداء ما كتبه الله عليه منهما والخروج عن عهدتهما فصوبه عمر وقال هديت لسنة نبيك وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حين حلت منهما قد حللت من حجك وعمرتك وإنما أعمرها النبي صلى الله عليه وسلم من التنعيم قصدا لتطييب قلبها وإجابة مسألتها لا لأنها كانت واجبة عليها ثم إن لم تكن أجزأتها عمرة القران فقد أجزأتها العمرة من أدنى الحل وهو أحد ما قصدنا الدلالة عليه ولأن الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها صحيحة فتجزئه كعمرة المتمتع فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى وإذا كان الطواف المجرد يجزىء عن العمرة في حق المكي فلأن تجزىء العمرة المشتملة على الطواف وغيره أولى فصل ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارا روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاوس وعكرمة والشافعي وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك وقال النخعي ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولنا إن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما متفق عليه وقال علي رضي الله عنه في كل شهر مرة وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر رواهما الشافعي في مسنده وقال عكرمة يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره وقال عطاء إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين فأما الإكثار من الاعتمار والمولاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه وكذلك قال أحمد إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام وقال في رواية الأثرم إن شاء اعتمر في كل شهر وقال بعض أصحابنا يستحب الإكثار من الاعتمار وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما وإنما نقل عنهم إنكار ذلك والحق في اتباعهم قال طاوس الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أو يعذبون قيل له فلم يعذبون قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر في أربع سفرات لم يزد في كل سفرة على عمرة واحدة ولا أحد ممن معه ولم يبلغنا أن أحدا منهم جمع بين عمرتين في سفر واحد معه إلا عائشة حين حاضت فأعمرها من التنعيم لأنها اعتقدت أن عمرة قارنها بطلت ولهذا قالت يا رسول الله يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحجة فأعمرها لذلك ولو كان في هذا فضل لما اتفقوا على تركه
فصل وروى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رمضان تعدل حجة متفق عليه قال أحمد من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان وقال إسحاق يعني هذا الحديث مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن وقال أنس حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة واعتمر أربع عمر واحدة في ذي القعدة وعمرة الحديبية وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين وهذا حديث حسن صحيح متفق عليه وقال أحمد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قال وروي عن مجاهد أنه قال حج قبل ذلك حجة أخرى وما هو يثبت عندي وروي عن جابر قال حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر وهذا حديث غريب فصل وروي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه متفق عليه وهو في الموطأ مسألة قال ( فإن كان مريضا لا يرجى برؤه أو شيخا لا يستمسك على الراحلة أقام من يحج عنه ويعتمر وقد أجزأ عنه وإن عوفي ) وجملة ذلك أن من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان نضو الخلق لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة والشيخ الفاني ومن كان مثله متى وجد من ينوب عنه في الحج وما لا يستنيبه به لزمه ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه ولا أرى له ذلك لأن الله تعالى قال من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 وهذا غير مستطيع ولأن هذه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة ولنا حديث أبي رزين وروى ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع متفق عليه وفي لفظ لمسلم قالت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحجي عنه وسئل علي رضي الله عنه عن شيخ لا يجد الاستطاعة قال يجهز عنه ولأن هذه عبادة تجب بإفسادها الكفارة فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله كالصوم إذا عجز عنه افتدى بخلاف الصلاة فصل وإن لم يجد مالا يستنيب به فلا حج عليه بغير خلاف لأن الصحيح لو لم يجد ما يحج به لم يجب عليه فالمريض أولى وإن وجد مالا ولم يجد من ينوب عنه فقياس المذهب أنه ينبني على الروايتين في إمكان المسير هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط لزوم السعي فإن قلنا من شرائط لزوم السعي ثبت الحج في ذمته هذا يحج عنه بعد موته وإن قلنا من شرائط الوجوب لم يجب عليه شيء فصل ومتى أحج هذا عن نفسه ثم عوفي لم يجب عليه حج آخر وهذا قول إسحاق وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر يلزمه لأن هذا بدل إياس فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوسا منه فلزمه الأصل كالأيسة إذا اعتدت بالشهور ثم حاضت لا تجزئها تلك العدة ولنا إنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة كما لو لم يبرأ أو نقول أدى حجة الإسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان
كما لو حج بنفسه ولأن هذا يفضي إلى إيجاب حجتين عليه ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة وقولهم لم يكن مأيوسا من برئه قلنا لو لم يكن مأيوسا منه لما أبيح له أن يستنيب فإنه شرط لجواز الاستنابة أما الآيسة إذا اعتدت بالشهور فلا يتصور عود حيضها فإن رأت دما فليس بحيض ولا يبطل به اعتدادها ولكن من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه إذا اعتدت سنة ثم عاد حيضها لم يبطل اعتدادها فأما إن عوفي قبل فراغ النائب من الحج فينبغي أن لا يجزئه الحج لأنه قدر على الأصل قبل تمام البدل فلزمه كالصغيرة ومن ارتفع حيضها إذا حاضتا قبل إتمام عدتهما بالشهور كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته ويحتمل أن يجزئه كالمتمتع إذا شرع في الصيام ثم قدر على الهدي والمكفر إذا قدر على الأصل بعد الشروع في البدل وإن برأ قبل إحرام النائب لم يجزئه بحال فصل ومن يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه ليس له أن يستنيب فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك ويكون ذلك مراعى فإن قدر على الحج بنفسه لزمه وإلا أجزأه ذلك لأنه عاجز عن الحج بنفسه أشبه المأيوس من برئه ولنا إنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن فعل كالفقير وفارق المأيوس من برئه لأنه عاجز على الإطلاق آيس من القدرة على الأصل فأشبه الميت ولأن النص إنما ورد في الحج عن الشيخ الكبير وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه فلا يقاس عليه إلا من كان مثله فعلى هذا إذا استناب من يرجو القدرة على الحج بنفسه ثم صار مأيوسا من برئه فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى لأنه استناب في حال لا تجوز له الاستنابة فيها فأشبه الصحيح فصل ولا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من قدر على الحج بنفسه إجماعا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزىء عنه أن يحج غيره عنه والحج المنذور كحجة الإسلام في آباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لأنها حجة واجبة فأما حج التطوع فينقسم أقساما ثلاثة أحدها أن يكون ممن لا ميؤد حجة الإسلام فلا يجوز أن يستنيب في حجة التطوع لأنه لا يصح أن يفعل بنفسه فبنائبه أولى الثاني أن يكون ممن قد أدى حجة الإسلام وهو عاجز عن الحج بنفسه فيصح أن يستنيب في التطوع فإن ما جازت الاستنابة في فرضه جازت في نفله كالصدقة الثالث أن يكون قد أدى حجة الإسلام وهو قادر على الحج بنفسه فهل له أن يستنيب في حج التطوع فيه روايتان إحداهما يجوز وهو قول أبي حنيفة لأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب والثانية لا يجوز وهو مذهب الشافعي لأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض فصل فإن كان عاجزا عنه عجزا مرجو الزوال كالمريض مرضا يرجى برؤه والمحبوس جاز له أن يستنيب فيه لأنه حج لا يلزمه عجز عن فعله بنفسه فجاز له أن يستنيب فيه كالشيخ الكبير والفرق بينه وبين الفرض أن الفرض عبادة العمر فلا يفوت بتأخيره عن هذا العام والتطوع مشروع في كل عام فيفوت حج هذا العام بتأخيره ولأن حج الفرض إذا مات قبل فعله فعل بعد موته وحج التطوع لا يفعل فيفوت فصل وفي الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه مما يتعدى نفعه ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة روايتان إحداهما لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وإسحاق والأخرى يجوز وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله رواه البخاري وأخذ أصحاب النبي الجعل على الرقية بكتاب الله وأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فصوبهم فيه ولأنه يجوز أخذ النفقة عليه فجاز الاستئجار عليه كبناء المساجد والقناطر
ووجه الرواية الأولى أن عبادة بن الصامت كان يعلم رجلا القرآن فأهدى له قوسا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له إن سرك أن تتقلد قوسا من نار فتقلدها وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ولأنها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم وأما الأحاديث التي في أخذ الجعل والأجرة فإنما كانت في الرقية وهي قضية في عين فتختص بها وأما بناء المساجد فلا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة ويجوز أن يقع قربة وغير قربة فإذا وقع فأجرة لم يكن قربة ولا عبادة ولا يصلح ها هنا أن يكون غير عبادة ولا يجوز الاشتراك في العبادة فمتى فعله من أجل الأجرة خرج عن كونه عبادة فلم يصح ولا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الأجرة بدليل القضاء والشهادة والإمامة يؤخذ عليها الرزق من بيت المال وهو نفقة في المعنى ولا يجوز أخذ الأجرة عليها وفائدة الخلاف أنه متى لم يجز أخذ الأجرة عليها فلا يكون إلا نائبا محضا وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق نص عليه أحمد لأنه إنفاق بإذن صاحب المال فأشبه ما لو أذن له في سد بثق فانبثق ولم ينسد وإذا ناب عنه آخر فإنه يحج من حيث بلغ النائب الأول من الطريق لأنه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه فلم يكن عليه الإنفاق دفعة أخرى كما لو خرج بنفسه فمات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى وما فضل معه من المال رده إلا أن يؤذن له في أخذه وينفق على نفسه بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تقتير وليس له التبرع بشيء منه إلا أن يؤذن له في ذلك قال أحمد في الذي يأخذ دراهم للحج لا يمشي ولا يقتر في النفقة ولا يسرف وقال في رجل أخذ حجة عن ميت ففضلت معه فضيلة يردها ولا يناهد أحدا إلا بقدر ما لا يكون سرفا ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل ثم قال أما إذا أعطي ألف درهم أو كذا وكذا فقيل له حج بهذه فله أن يتوسع فيها وما فضل فهو له وإن قلنا يجوز الاستئجار على الحج جاز أن يقع الدفع إلى النائب من غير استئجار فيكون الحكم فيه على ما مضى وإن استأجره ليحج عنه أو عن ميت اعتبر فيه شروط الإجارة من معرفة الأجرة وعقد الإجارة وما يأخذه أجرة له يملكه ويباح له التصرف فيه والتوسع به في النفقة وغيرها وما فضل فهو له وإن أحصر أو ضل الطريق أو ضاعت النفقة منه فهو في ضمانه والحج عليه وإن مات انفسخت الإجارة لأن المعقود عليه تلف فانفسخ العقد كما لو ماتت البهيمة المستأجرة ويكون الحج أيضا من موضع بلغ إليه النائب وما لزمه من الدماء فعليه لأن الحج عليه فصل فأما النائب غير المستأجر فما لزمه من الدماء بفعل محظور فعليه في ماله لأنه لم يؤذن له في الجناية فكان موجبها عليه كما لو لم يكن نائبا ودم المتعة والقران إن أذن له في ذلك على المستنيب لأنه أذن في سببهما وإن لم يؤذن له فعليه لأنه كجنايته ودم الإحصار على المستنيب لأنه التخلص من مشقة السفر فهو كنفقة الرجوع وإن أفسد حجه فالقضاء عليه ويرد ما يأخذ لأن الحجة لم تجزىء عن المستنيب لتفريطه وجنايته وكذلك إن فاته الحج بتفريطه وإن فات بغير تفريط احتسب له بالنفقة لأنه لم يفت بفعله فلم يكن مخالفا كما لو مات وإن قلنا بوجوب القضاء فهو عليه في نفسه كما لو دخل في حج ظن أنه عليه ولم يكن ففاته
فصل وإذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب منه ففاضل النفقة في ماله وإن تعجل عجلة يمكنه تركها فكذلك وإن أقام بمكة أكثر من مدة القصر بعد إمكان السفر للرجوع أنفق من مال نفسه لأنه غير مأذونه له فيه فأما من لا يمكنه الخروج قبل ذلك فله النفقة لأنه مأذون له فيه وله نفقة الرجوع وإن أقام بمكة سنين ما لم يتخذها دارا فإن اتخذها دارا ولو ساعة لم يكن له نفقة رجوعه لأنه صار بنية الإقامة مكيا فسقطت نفقته فلم تعد وإن مرض في الطريق فعاد فله نفقة رجوعه لأنه لا بد له منه حصل بغير تفريطه فأشبه ما لو قطع عليه الطريق أو أحصر وإن قال خفت أن أمرض فرجعت فعليه الضمان لأنه متوهم وعن أحمد فيمن مرض في الكوفة فرجع يرد ما أخذ وفي جميع ذلك إذا أذن له في النفقة فله ذلك لأن المال للمستنيب فجاز ما أذن فيه وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يصح الشرط لأن ذلك من موجبات فعله أو الحج الواجب عليه فلم يجز شرطه على غيره كما لو شرطه على أجنبي فصل يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة والمرأة عن الرجل والمرأة في الحج في قول عامة أهل العلم لا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن بن صالح فإنه كره حج المرأة عن الرجل قال ابن المنذر هذه غفلة عن ظاهر السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تحج عن أبيها وعليه يعتمد من أجاز حج المرء عن غيره وفي الباب حديث أبي رزين وأحاديث سواه فصل ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضا كان أو تطوعا لأنها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة فأما الميت فتجوز عنه بغير إذن واجبا كان أو تطوعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لا إذن له وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة فعلى هذا كل ما يفعله النائب عن المستنيب مما لم يؤمر به مثل أن يؤمر بحج فيعتمر أو بعمرة فيحج يقع عن الميت لأنه يصح عنه من غير إذنه ولا يقع عن الحي لعدم إذنه فيه ويقع عمن فعله لأنه لما تعذر وقوعه عن المنوي عنه وقع عن نفسه كما لو استنابه رجلان فأحرم عنهما جميعا وعليه رد النفقة لأنه لم يفعل ما أمر به فأشبه ما لو لم يفعل شيئا فصول في مخالفة النائب إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج جاز ولا شيء عليه نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وإن أحرم بالحج من مكة فعليه دم لترك ميقاته ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة وقال القاضي لا يقع فعله عن الآمر ويرد جميع النفقة لأنه أتى بغير ما أمر به وهو مذهب أبي حنيفة ولنا إنه إذا أحرم من الميقات فقد أتى بالحج صحيحا من ميقاته وإن أحرم به من مكة فما أخل إلا بما يجبره الدم فلم تسقط نفقته كما لو تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه وإن أمره بالإفراد فقرن لم يضمن شيئا وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يضمن لأنه مخالف ولنا إنه أتى بما أمر به وزيادة فصح ولم يضمن كما لو أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما دينارا ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شيء عليه وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها
فصل وإن أمره بالتمتع فقرن وقع عن الآمر لأنه أمر بهما وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة فأحرم به الميقات وظاهر كلام أحمد أنه لا يرد شيئا من النفقة وهو مذهب الشافعي وقال القاضي يرد نصف النفقة لأن غرضه في عمرة مفردة وتحصيل فضيلة التمتع وقد خالفه في ذلك وفوته عليه وإن أفرد وقع عن المستنيب أيضا ويرد نصف النفقة لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات وقد أمره به وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا فصل فإن أمره بالقران فأفرد أو تمتع صح ووقع النسكان عن الآمر ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين ففعل أحدهما دون الآخر رد من النفقة بقدر ما ترك ووقع المفعول عن الآمر وللنائب من النفقة بقدره فصل وإن استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة وأذنا له في القران ففعل جاز لأنه نسك مشروع وإن قرن من غير إذنهما صح ووقع عنهما ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما وإن أذن أحدهما دون الآخر رد على غير الآمر نصف نفقته وحده وقال القاضي إذا لم يأذنا له ضمن الجميع لأنه أمر بنسك مفرد ولم يأت به فكان مخالفا كما لو أمر بحج فاعتمر ولنا إنه أتى بما أمر به وإنما خالف في صفته لا في أصله فأشبه من أمر بالتمتع فقرن ولو أمر بأحد النسكين فقرن بينه وبين النسك الآخر لنفسه فالحكم فيه كذلك ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه لعدم الإذن في سببه وعليهما إن أذنا لوجود الإذن في سببه ولو أذن أحدهما دون الآخر فعلى الآذن نصف الدم ونصفه على النائب فصل وإن أمر بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه أو أمره بعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح ولم يرد شيئا من النفقة لأنه أتى بما أمر به على وجهه وإن أمره بالإحرام من ميقات فأحرم من غيره جاز لأنهما سواء في الإجزاء وإن أمره بالإحرام من بلده فأحرم من الميقات جاز لأنه الأفضل وإن أمره بالإحرام من الميقات فأحرم من بلده جاز لأنه زيادة لا تضر وإن أمره بالحج في سنة أو بالاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز لأنه مأذون فيه في الجملة فصل فإن استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما وقع عن نفسه دونهما لأنه لا يمكن وقوعه عنهما وليس أحدهما بأولى من صاحبه وإن أحرم عن نفسه وغيره وقع عن نفسه لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها فمع نيته أولى وإن أحرم عن أحدهما غير معين احتمل أن يقع عن نفسه أيضا لأن أحدهما ليس أولى من الآخر فأشبه ما لو أحرم عنهما واحتمل أن يصح لأن الإحرام يصح بالمجهول فصح عن المجهول وإلا صرفه إلى من شاء منهما اختاره أبو الخطاب فإن لم يفعل حتى طاف شوطا وقع عن نفسه ولم يكن له صرفه إلى أحدهما لأن الطواف لا يقع عن غير معين مسألة قال ( وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل ) ظاهر هذا أن الحج لا يجب على المرأة التي لا محرم لها لأنه جعلها بالمحرم كالرجل في وجوب الحج فمن لا محرم لها لا تكون كالرجل فلا يجب عليها الحج وقد نص عليه أحمد فقال أبو داود قلت لأحمد امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج قال لا وقال أيضا المحرم من السبيل وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي وعن أحمد أن المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب فمتى فاتها الحج بعد كمال الشرائط الخمس بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة لأن شروط الحج المختصة به قد كملت وإنما المحرم لحفظها