Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P058–V09/P060

وعن مطرف قال : قال لي عمران بن الحصين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه ، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ، ثم تركت الكلي فعاد رواه مسلم في صحيحه في كتاب الحج . فرع : في جواز الكي وقطع العروق للحاجة . عن جابر رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه رواه مسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا أن أبيا مرض فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه طبيبا فكواه على أكحله وعنه ، قال : رمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم ورمت فحسمه الثانية رواه مسلم وعن ابن مسعود قال : جاء نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن صاحبا لنا اشتكى أفنكويه فسكت ساعة . ثم قال : إن شئتم فاكووه ، وإن شئتم فارمضوه يعني بالحجارة رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وروى البيهقي عنه أن أنسا اكتوى وابن عمر ، وكوى ابن عمر ابنه والله أعلم . فرع : في الدواء والاحتماء أما الدواء فسبقت فيه جملة صالحة في أول كتاب الجنائز وأما الاحتماء ففيه حديث أم منذر بنت قيس الأنصارية قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وعلى ناقة ولنا دوالي معلقة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ منها ، وقام علي ليأكل فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : مه إنك ناقه ، حتى كف علي رضي الله عنه ، قالت : وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي أصب من هذا فهو أنفع رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي : حديث حسن : الناقه بالنون والقاف هو الذي برىء من المرض وهو قريب عهد به ، لم تتكامل صحته ، يقال : نقه ينقه فهو ناقه ، كعلم يعلم فهو عالم ، وعن صهيب رضي الله عنه قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا وبين يديه تمر ، فقال : تعال فكل ، فجعلت آكل . فقال : تأكل التمر وبك رمد قلت : إني أمضغه من ناحية أخرى ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد ضعيف . فرع : في جواز الرقية بكتاب الله تعالى ، وبما يعرف من ذكر الله عن الأسود قال : سألت عائشة عن الرقية من الحمة فقالت : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة رواه البخاري ومسلم الحمة بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وهي السم ، وقد تشدد الميم ، وأنكره الأزهري وكثيرون ، وأصلها حمو أو حمى كصرد ، فألفها فيها عوض من الواو والياء المحذوفة ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أستتر من العين رواه البخاري ومسلم وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها ، فإن بها نظرة رواه البخاري ومسلم ، السفعة بفتح السين وإسكان الفاء صفرة وتغيير ، والنظرة بفتح النون هي العين .

Section V09/P060–V09/P061

وعن أنس قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والنملة والحمة رواه مسلم ، قال الأصمعي : النملة هي قروح تخرج في الجنب وغيره ، وعن جابر قال : لدغت رجلا منا عقرب ونحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل يا رسول الله أرقى قال : من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل رواه مسلم ، وفي رواية له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس : ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة تصيبهم الحاجة ، قالت : لا ولكن العين تسرع إليهم ، قال : أرقيهم قالت فعرضت عليه فقال : أرقيهم وعن جابر أيضا قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي ، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية يرقى بها من العقرب ، وأنك نهيت عن الرقي ، قال : فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بأسا ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه رواه مسلم . وعن عوف بن مالك قال : كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله ما تقول في ذلك قال اعرضوا على رقاكم ، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك رواه مسلم ، وعن الشفاء بنت عبيد الله قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة ، فقال ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وعن أبي خزامة عن أبيه أن أباه حدثه أنه قال : يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به ، ورقى نسترقي بها ، وتقى نتقيها ، هل يرد ذلك من قدر الله من شىء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه من قدر الله رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأما حديث عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا رقية إلا من عين أو حمة فصحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، قال البيهقي : معناه هما أولى بالرقي من غيرهما ، لما فيهما من زيادة الضرر والله تعالى أعلم . وروى البيهقي بإسناد صحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها ، وعندها يهودية ترقيها ، فقال ارقيها بكتاب الله عز وجل وبإسناده الصحيح عن الربيع بن سليمان قالت : سألت الشافعي عن الرقية فقال : لا بأس أن يرقي الإنسان بكتا الله عز وجل ، وما يعرف من ذكر الله قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين فقال : نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله . فقلت وما الحجة في ذلك فقال فيه غير حجة ، فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة رضي الله عنهما وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر رضي الله عنه : ارقيها بكتاب الله قال البيهقي : والأخبار فيما رقي به النبي صلى الله عليه وسلم ورقي به ، وفيما تداوى به وأمر بالتداوي به كثيرة والله أعلم .

Section V09/P061–V09/P063

فرع : في تعليق التمائم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقي والتمائم والتولة شرك قالت قلت : لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف ، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني ، فإذا رقاني سكنت ، فقال عبد الله : إنما كان عمل الشيطان ينخسها بيده ، فإذا رقاها كف عنها ، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أذهب الباس ، رب الناس ، اشف ، أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما رواه أبو داود وابن ماجه ، قال أبو عبيد : التولة بكسر التاء هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها وهو من السحر قال : وذلك لا يجوز وأما الرقاء والتمائم ، قال فالمراد بالنهي ما كان بغير لسان العربية بما لا يدري ما هو . قال البيهقي : ويقال إن التميمة خرزة كانوا يعلقونها ، يرون أنها تدفع عنهم الآفات ، ويقال قلادة يعلق فيها العود ، وعن عتبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من علق تميمة فلا أتم الله له ، ومن علق ودعة فلا ودع الله له رواه البيهقي وقال هو أيضا راجع إلى معنى ما قال أبو عبيدة ، قال : ويحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهة فيمن يعلقها ، وهو يرى تمام العافية ، وزوال العلة بها ، على ما كانت عليه الجاهلية ، وأما من يعلقها متبركا بذكر الله تعالى فيها ، وهو يعلم أن لا كاشف له إلا الله ولا دافع عنه سواه ، فلا بأس بها إن شاء الله تعالى . ثم روى البيهقي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت : ليست التميمة ما يعلق قبل البلاء ، إنما التميمة ما يعلق بعد البلاء لتدفع به المقادير وفي رواية عنها قالت : التمائم ما علق قبل نزول البلاء ، وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة قال البيهقي : هذه الرواية أصح ، ثم روى بإسناد صحيح عنها قالت : ليس بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء قال البيهقي : وهذه الرواية تدل على صحة التي قبلها . وعن عمران بن الحصين أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه حلقة من شعر فقال ما هذه قال من الواهنة ، قال : أيسرك أن توكل إليها انبذها عنك رواه ابن ماجه والبيهقي بإسنادين في كل منهما من اختلف فيه . وعن ابن مسعود من علق شيئا وكل إليه وروى البيهقي بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه كان يأمر بتعليق القرآن ، وقال : لا بأس به ، قال البيهقي هذا كله راجع إلى ما قلنا إنه إن رقى بما لا يعرف ، أو على ما كانت عليه الجاهلية من إضافة العافية إلى الرقى ، لم يجز وإن رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله تعالى متبركا به وهو يرى نزول الشفاء من الله تعالى فلا بأس به والله تعالى أعلم . فرع : في النشرة بضم النون وإسكان الشين المعجمة قال الخطابي النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج من كان يظن به مس من الجن ، قيل : سميت نشرة لأنه ينشرها عنه أي يحل عنه ما جاء مرة من الداء ، وجاء في حديث جابر رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال : هو من عمل الشيطان رواه أبو داود بإسناد صحيح ، قال البيهقي : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال : وهو مع إرساله أصح ، قال : والقول فيما لا يكره من النشرة وفيما يكره ، كالقول في الرقية وقد ذكرناه . فرع : في العين والاغتسال لها .

Section V09/P063–V09/P064

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العين حق رواه البخاري ومسلم . وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها فإن بها النظرة رواه البخاري ومسلم وقد سبق بيانه في فرع الرقي والنظرة العين . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العين حق ، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين . وإذا استغسلتم فاغسلوا رواه مسلم ، قال العلماء : الاستغسال أن يقال للعائن وهو الناظر بعينه بالاستحسان : اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد بماء ، ثم يصب ذلك الماء على المعين ، وهو المنظور إليه . وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وعن الزهري عن أبي أمامة سهل بن حنيف ، قال : مر عامر بن ربيعة على سهل بن حنيف وهو يغتسل ، فقال له أدرك سهلا سريعا فقال : من يتهمون به قالوا عامر بن ربيعة فقال علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فليدع بالبركة ، وأمره أن يتوضأ ويغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وداخلة إزاره ، ويصب الماء عليه قال الزهري ويكفأ الإناء من حلقه . رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة وابن ماجه والبيهقي في سننها بأسانيد صحيحة . قال الزهري : الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه أن يؤتى الرجل العائن بقدح فيه ماء فيمسك له مرفوعا من الأرض فيدخل العائن يده اليمنى في الماء فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح ، ثم يدخل يديه جميعا في الماء صبة واحدة في القدح ، ثم يدخل يديه فيتمضمض ثم يمجه ، ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبة واحدة ، في القدح ، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح ، وهو ثان يده إلى عنقه ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى ، ثم يفعل مثل ذلك في ظهر قدمه اليمنى من عند الأصابع واليسرى كذلك ، ثم يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ، ثم يفعل باليسرى مثل ذلك ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى في الماء ، ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعين من ورائه ثم يكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه . وذكر البيهقي عن الزهري من طرقه زاد في بعضها : ثم يعطى ذلك الرجل الذي أصابله القدح فيحسو منه ويتمضمض ، ويهريق على وجهه ، ثم يصب على رأسه ، ثم يكفأ القدح على ظهره قال البيهقي قال أبو عبيد : إنما أراد بداخلة الإزار طرفا إزارة الداخل الذي يلي جسده والله أعلم .

Section V09/P064–V09/P066

فصل في الجبن : أجمعت الأمة على جواز أكل الجبن ما لم يخالطه نجاسة ، بأن يوضع فيه أنفحة ذبحها من لا يحل ذكاته فهذا الذي ذكرناه من دلالة الإجماع هو المعتمد في إباحته ، وقد جمع البيهقي فيه أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجبن في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع رواه أبو داود بإسناد ضعيف ، وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة رأى جبنة فقال : ما هذا فقالوا هذا طعام يصنع بأرض العجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله وكلوا رواه البيهقي بإسناد فيه ضعف وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : الجبن من اللبن واللبا فكلوا ، واذكروا اسم الله عليه ، ولا يغرنكم أعداء الله وعن علي رضي الله عنه إذا أردت أن تأكل الجبن فضع الشفرة فيه ، واذكر اسم الله عز وجل عليه وكل وروى البيهقي نحوه عن عائشة وأم سلمة قال : وروى عن سلمان الفارسي ، ثم روى البيهقي في باب ما يحل من الجبن عن عمر رضي الله عنه قال : كلوا الجبن ما صنعه أهل الكتاب وفي رواية ولا تأكلوا من الجبن إلا ما صنعه أهل الكتاب وعن ابن مسعود كلوا من الجبن ما صنعه المسلمون وأهل الكتاب وعن ابن عمر مثله . قال البيهقي : وهذا التقييد لأن الجبن يعمل بأنفحة السخلة المذبوحة ، فإذا كانت من ذبائح المجوس لم تحل . وعن ابن عمر أنه سئل عن السمن والجبن فقال سم وكل ، فقيل له إن فيه ميتة ، فقال : إن علمت أن فيه ميتة فلا تأكله قال البيهقي : وقد كان بعض العلماء يسأل عنه تغليبا للطهارة ، وروينا ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، وكان بعضهم يسأل عنه احتياطا . ورويناه عن أبي مسعود الأنصاري قال : لأن أخر من هذا القصر أحب إلى من أن آكل جبنا لا أسأل عنه وعن الحسن البصري قال : كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك لا نسأل عنه حديث ضعيف ، أبان بن أبي عياش ضعيف متروك . فصل : يحل أكل الكبد والطحال بلا خلاف للحديث الصحيح السابق أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد والدمان الكبد والطحال وقد سبق أنه حديث صحيح من لفظ ابن عمر هكذا ، وأن هذه الصيغة تقتضي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى البيهقي عن زيد بن ثابت قال : إني لآكل الطحال وما بي إليه حاجة إلا ليعلم أهلي أنه لا بأس به وعن عكرمة قال : قال رجل لابن عباس : آكل الطحال قال : نعم قال : إن عامتها دم قال : إنما حرم الدم المسفوح . فصل : عن مجاهد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره من الشاة سبعا : الدم ، والمرار ، والذكر ، والانثيين ، والحيا ، والغدة والمثانة ، وكان أعجب الشاة إليه مقدمها رواه البيهقي هكذا مرسلا وهو ضعيف ، قال : وروى موصولا لا يذكر ابن عباس وهو حديث قال ولا يصح وصله قال الخطابي : الدم حرام بالإجماع وعامة المذكورات معه مكروهة غير محرمة . فصل : فيما حرم على بني إسرائيل ثم ورد شرعنا بنسخه .

Section V09/P066–V09/P068

اعلم أن الشافعي رضي الله عنه اعتنى بهذا الفصل وبسط الكلام فيه ، وهو مما يحتاج إلى بيانه قال الله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه آل عمران : 93 الآية ، وقال تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم النساء : 160 وقال تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم الأنعام : 146 قال الشافعي : الحوايا ما حول الطعام والشراب في البطن وقال ابن عباس : كل ذي ظفر البعير والنعامة ، وما حملت ظهورهما يعني ما علق بالظهر من الشحم ، والحوايا المبعر . وبينت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها جملوها بالجيم أي أذابوها . قال الشافعي : فلم يزل ما حرم الله تعالى على بني إسرائيل من اليهود وغيرهم محرما من حين حرمه حتى بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم ففرض الإيمان به وأعلم خلقه أن دينه الإسلام الذي نسخ به كل دين قبله ، فقال تعالى : إن الدين عند الله الإسلام آل عمران : 19 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين آل عمران : 85 وقال تعالى : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله آل عمران : 64 الآية ، وأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية إن لم يسلموا ، وأنزل فيهم : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الأعراف : 157 قال الشافعي فقيل : معناه أوزارهم وما منعوا مما أحدثوا قبل ما شرع من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال الشافعي : فلم يبق خلق يعقل منذ بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم من جن ولا إنس بلغته دعوته إلا قامت عليه حجة الله تعالى باتباع دينه ، ولزم كل امرىء منهم تحريم ما حرم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وإحلال ما أحل الله على لسانه صلى الله عليه وسلم قال الشافعي وأحل الله تعالى طعام أهل الكتاب فكان ذلك عند أهل التفسير ذبائحهم ولم يثتثن منها شيئا لا شحما ولا غيره فدل على جواز أكل جميع الشحوم من ذبائحهم وذبائح المسلمين ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : ( دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت : هذا لي لا أعطى أحدا منه شيئا ، فالتفت ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم فاستحييت منه ) . فرع : مذهبنا أن الشحوم التي كانت محرمة على اليهود حلال لنا ليست مكروهة ، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماهير العلماء ، وبعض أصحاب أحمد وهو قول الخرقي منهم ، قال العبدري : وقال مالك : هي مكروهة ليست محرمة ، وقال ابن القاسم وأشهب وبعض أصحاب أحمد : هي محرمة ، وقيل إنه مروي عن مالك أيضا قال القاضي عياض : هذا قول كبراء أصحاب مالك . دليلنا ما سبق في الفصل قبله ، والله تعالى أعلم . فرع : في بيان ما حرم المشركون من الذبائح ، وبيان أنها ليست محرمة قال الشافعيى رحمه الله : حرم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء بين الله عز وجل أنها ليست محرمة ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، كانوا ينزلونها في الإبل والغنم كالعتق ، فيحرمون ألبانها ولحومها وملكها ، وساق الكلام في ذلك ، والله تعالى أعلم . & باب الصيد والذبائح &

Section V09/P068–V09/P069

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل شىء من الحيوان المؤكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة لقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، والمنخقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ويحل السمك والجراد من غير ذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ولأن ذكاتهما لا تمكن في العادة فسقط اعتبارها . + الشرح : هذا الحديث سبق بيانه واضحا في باب الأطعمة وذكرنا أنه من رواية ابن عمر ، وأن الصحيح أن ابن عمر هو القائل أحلت لنا وأنه يكون بهذه الصيغة مرفوعا ، والميتة ما فارقت الحياة بغير ذكاة ، وقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب المائدة : 3 أي ما ذبح لضم ونحوه ، وقد سبق بيان هذا واضحا في باب الأضحية والمؤقوذة المضروبة بعضا ونحوها ، والمتردية التي تسقط من علو فتموت ، والنطيحة المنطوحة ، وقول المصنف : لا يحل شىء من الحيوان المأكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة كلام صحيح ، ولا يرد الصيد الذي قتلته جارجة أو سهم ، فإن ذلك ذكاته ، وكذا الجنين في بطن أمه ، فإن ذكاة أمه ذكاة له كما جاء به الحديث ، وقد أوضحه المصنف في أواخر هذا الباب ، وكذا الحيوان الذي تردى في بئر أو بند فإنه يقتل حيث أمكن وذلك ذكاة له كما ذكره المصنف بعد هذا ، والله أعلم . وقد أجمعت الأمة على تحريم الميتة غير السمك والجراد ، وأجمعوا على إباحة السمك والجراد ، وأجمعوا أنه لا يحل من الحيوان غير السمك والجراد إلا بذكاة أو ما في معنى الذكاة ، كما ذكرنا ، فلو ابتلع عصفورا حيا فهو حرام بلا خلاف ، وقد سبق بيانه في الأطعمة . ولو ذكى الحيوان وله يد شلاء فهل تحل بالزكاة فيه وجهان الصحيح : الحل والثاني : أنها ميتة فلا تحل والله أعلم . أما السمك والجراد فحلال ، وميتتهما حلال بالإجماع ، ولا حاجة إلى ذبحه ولا قطع رأس الجراد ، قال أصحابنا : ويكره ذبح السمك إلا أن يكون كبيرا يطول بقاؤه فوجهان أصحهما : يستحب ذبحه راحة له والثاني : يستحب تركه ليموت بنفسه . ولو صاد مجوسي سمكة حلت بلا خلاف ، لأن ميتتها حلال ، ولو ابتلع سمكة حية أو قطع فلقة منها وأكلها أو ابتلع جرادة حية أو فلقة منها فوجهان أصحهما : يكره ولا يحرم والثاني : يحرم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، ولو وجدت سمكة في حوف سمكة فهما حلال كما لو ماتت حتف أنفها ، بخلاف ما لو ابتلعت عصفورا أو غيره فوجد في جوفها ميتا ، فإنه حرام بلا خلاف ، ولو تقطعت سمكة في جوف سمكة وتغير لونها لم تحل على أصح الوجهين لأنها كالروث والقىء ، ولو قلى السمك قبل موتها وطرحها في الزيت المغلي وهي تضطرب ، قال الشيخ أبو حامد : لا يحل فعله ، لأنه تعذيب ، وهذا تفريع على اختياره في ابتلاع السمكة حية أنه حرام ، فإن قلنا بكراهة ذلك فلا يحرم ، فكذا هذا . وأما : السمك الصغار الذي يقلى ويشوى ولا يشق جوفه ، ولا يخرج ما فيها ، ففيه وجهان أحدهما : لا يحل أكله ، وبه قال الشيخ أبو حامد ، لأن روثه نجس والثاني : يحل ، وبه قال القفال ، وصححه الفوراني وغيره ، قال الروياني : وبه أفتى قال : ورجيعه طاهر عندي ، واحتج له غيره بأنه يعتد ببيعه ، وقد جرى الأولون على المسامحة .

Section V09/P069

فرع : ذكرنا أن مذهبنا إباحة ما صاده المجوسي من المسك ومات في يده ، وهكذا الجراد فأما : السمك فمجمع عليه وأما : الجراد فوافقنا عليه الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء ، قال الليث ومالك : لا يؤكل ما صاده من الجراد ، بخلاف السمك ، وفرقهما ضعيف ، دليلنا حديث : أحلت لنا مبتتان . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا إباحة ميتات السمك ، سواء الذي مات بسبب والذي مات حتف أنفه ويسمى الطافي وبه قال جمهور العلماء ، خلافا لأبي حنيفة وطائفة ، وقد سبقت المسألة مبسوطة بأدلتها في باب الأطعمة . وأما : الجراد فتحل ميتته سواء مات بسبب أو حتف أنفه ولا يشترط قطع رأسه . هذا مذهبنا ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء . قال العبدري : هو قول محمد بن الحكم والأبهري المالكيين ، وعامة العلماء ، وقال مالك : لا تحل إلا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يشوي أو يقلى حيا ، وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل وهذا رواية عن أحمد . والصحيح عندنا ما قدمناه ، دليلنا ما ذكره المصنف .

Section V09/P069–V09/P071

قال المصنف رحمه الله تعالى : والأفضل أن يكون المذكي مسلما ، فإن ذبح مشرك نظرت فإن كان مرتدا أو وثنيا أو مجوسيا لم يحل لقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم المائدة : 5 ) وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب ، وإن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم حل للآية الكريمة ، وإن كان من نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب لم يحل ، لما روى عن عمر رضي الله عنه قال : ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ، ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل منهم فصاروا كالمجوس ، لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم . والمستحب أن يكون المذكي رجلا لأنه أقوى على الذبح من المرأة ، فإن كانت امرأة جاز ، لما روى كعب بن مالك أن جارية لهم كسرت حجرا فذبحت به شاة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها ويستحب أن يكون بالغا لأنه أقدر على الذبح ، فإن ذبح صبى حل ، لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : من ذبح من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير وذكر اسم الله عليه حل وتكره ذكاة الأعمى لأنه ربما أخطأ المذبح ، فإن ذبح حل ، لأنه لم يفقد فيه إلا النظر وذلك لا يوجب التحريم ، ويكره ذكاة السكران والمجنون ، لأنه لا يؤمن أن يخطىء المذبح ويقتل الحيوان ، فإن ذبح حل ، لأنه لم يفقد في ذبحهما إلا القصد والعلم ، وذلك لا يوجب التحريم كما لو ذبح شاة وهو يظن أنه يقطع حشيشا . + الشرح : حديث كعب بن مالك رواه البخاري وصححه بلفظه قوله : وهم بهراء هي بفتح الباء الموحدة ، وإسكان الهاء وبالمد وتنوخ بالتاء المثناة فوق ثم النون ، وخاء معجمة وبنو تغلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة وكسر اللام وهي قبائل معروفات ، وفي الفصل مسائل : إحداها : الأفضل أن يكون المذكي مسلما ، ويشترط كونه مسلما أو كتابيا ، فتحل ذبيحة الكتابي بالإجماع للآية الكريمة ، وسواء فيه ما يستحله الكتابي وما لا يستحله وحقيقة الكتابي نبسطها في كتاب النكاح حيث ذكرها الأصحاب ، ومختصره ما أشار إليه المصنف أنه إن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم ، أو ممن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل ، حلت ذبيحته ، وإن كان من نصارى العرب وهم تنوخ وبهراء وبنو تغلب أو غيرهم ممن شك في وقت دخولهم في دين أهل الكتاب لم تحل ذبائحهم ، لما ذكره المصنف ، ولا تحل ذبيحة المرتد ولا الوثنى ولا المجوسي لما ذكره المصنف ، وهكذا حكم الزنديق وغيره من الكفار الذي ليس لهم كتاب . وأما : المتولد بين كتابي وغيره ، فإن كان أبوه غير كتابي والأم كتابية فذبيحته حرام كمناكحته ، وإن كان أبوه كتابيا والأم مجوسية فقولان أصحهما : حرام والثاني : حلال ، وهما كالقولين في مناكحته قال أصحابنا : والمناكحة والذكاة متلازمتان لا يفترقان فمن حلت مناكحته حلت ذبيحته ، ومن لا فلا إلا في مسألة ، وهي الأمة الكتابية ، فإنه تحل ذبيحتها ولا تحل مناكحتها .

Section V09/P071–V09/P072

وقال أصحابنا : وكما تحرم ذبيحة المرتد والوثني والمجوسي وغيرهم ممن لا كتاب له يحرم صيده بكلب أو سهم ، ويحرم ما شارك فيه مسلما فلو أمر سكينا على حلق ، أو قطع هذا بعض الحلقوم وهذا بعضه ، أو قتلا صيدا بسهم أو كلب ، لم يحل ، ولو رميا سهمين أو أرسلا كلبين فإن سبق سهم المسلم أو كلبه فقتل الصيد أو أنهاه إلى حركة المذبوح حل كما لو ذبح مسلم شاة ، ثم قدها المجوسي ، وإن سبق ما أرسله المجوسي أو جرحاه معا أو مرتبا ، ولم يذفف واحد منهما فهلل بهما ، أو لم يعلم أيهما كان فهو حرام ، لأن الأصل في الحيوان التحريم حتى تتحقق ذكاة مبيحة . وقال صاحب البحر : متى اشتركا في إمساكه وعقره أو في أحدهما وانفرد واحد بالآخر ، أو انفرد كل واحد بأحدهما فهو حرام ، ولو كان لمسلم كلبان معلم وغيره ، أو معلمان ذهب أحدهما بلا أرسال فقتلا صيدا فهو كاشتراك كلبي المسلم والمجوسي ، ولو هرب الصيد من كلب المسلم فعارضه كلب مجوسي فرده عليه فقتله كلب المسلم حل ، كما لو ذبح المسلم شاة أمسكها مجوسي ، ولو جرحه مسلم أولا ثم قتله مجوسي أو جرحه جرحا غير مذفف ومات بالجرحين فحرام ، ولو كان المسلم قد أثخنه بجراحته فقد ملكه ، ويلزم المجوسي له قيمته ، لأنه أتلفه بجعله ميتة ، ويحل ما اصطاده المسلم بكلب المجوسي كما تحل ذبيحته بسكينته ، ولو أكره مجوسي مسلما على ذبح شاة أو محرم حلالا على ذبح صيد ، فذبح حل بلا خلاف ، وممن صرح به إبراهيم المروذي في مسألة الإكراه على القتل والله أعلم . المسألة الثانية : تحل ذبيحة المرأة بلا خلاف ، لحديث كعب بن مالك المذكور في الكتاب ، وذكاة الرجل أفضل من ذكاتها لما ذكره المصنف وسواء كانت المرأة حرة أو أمة طاهرا أو حائضا أو نفساء مسلمة أو كتابية ، فذبيحتها في كل هذه الأحوال حلال ، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه . الثالثة : الأفضل أن يكون الذابح بالغا عاقلا ، فإن ذبح صبي مميز حلت ذبيحته على المذهب وهو المنصوص ، وبه قطع المصنف والجمهور وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما فيه وجهين الصحيح : الحل والثاني : التحريم . وأما الصبي الذي لا يميز والمجنون والسكران ففيهم طريقان أحدهما : القطع بحل ذبائحهم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمصنف وجمهور العراقيين والثاني : فيه قولان أصحهما : الحل والثاني : التحريم واختاره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما لأنه لا قصد له فأشبه من كان في يده سكين وهو نائم فمرت على حلقوم الشاة فذبحها فإنها لا تحل وهذا الطريق مشهور في كتب العراقيين والمذهب : الأول ، كمن قطع حلق شاة وهو يظنه خشبة فإنها تحل بالاتفاق كما ذكره المصنف وحكى إمام الحرمين في السكران طريقا آخر قاطعا بحل ذكاته مع إجراء الخلاف في المجنون تفريعا على أن له حكم الصاحي . قال البغوي : فإن كان للمجنون أدنى تمييز وللسكران قصد حلت ذبيحته قطعا وحيث حللنا ذبح المجنون والسكران فهو مكروه كراهة تنزيه كما ذكره المصنف والله أعلم . الرابعة : تحل ذكاة الأعمى بلا خلاف ، ولكن تكره كراهة تنزيه ، وفي حل صيده بالكلب والرمي وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : التحريم لأنه لا يرى الصيد فلا يصح إرساله والثاني : يحل كذكاته وقطع بكل واحد من الوجهين طائفة ، وممن قبطع بالتحريم صاحب الشامل ، وصححه الرافعي في كتابيه .

Section V09/P072–V09/P074

قال إمام الحرمين : عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حس الصيد ، وبنى إرساله عليه ، وقال الرافعي : الأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا أخبره بصير بالصيد ، فأرسل الكلب أو السهم ، وكذا صورهما البغوي ، وأطلق كثيرون الوجهين ، قال الرافعي : ويجريان في اصطياد الصبي والمجنون والكلب والسهم ، وقيل : يختصان بالكلب ، ويقطع بالحل في السهم كالذبح قلت : المذهب حل صيدهما ، قال صاحب البيانهو المشهور وقيل ر يحل لعدم القصد وليس بشيء والمراد صبي لا يميز أما : المميز فيحل اصطياده بالكلب والسهم قطعا كالذبح . ويحتمل على الوجه الشاذ السابق في الذبح . والله أعلم . فرع : الأخرس إن كانت له إشارة مفهومة حلت ذبيحته بالاتفاق ، وإلا فطريقان المذهب : وبه قطع الأكثرون الحل أيضا والثاني : أنه كالمجنون ، وبه قطع البغوي والرافعي ، قال الرافعي : ولتكن سائر تصرفاته على هذا القياس . فرع : قال في المختصر : ومن ذبح ممن أطاق الذبح من امرأة حائض أو صبي من المسلمين أحب لي من ذبح اليهودي والنصراني . قال أصحابنا : أولى الناس بالذكاة وأفضلهم لها الرجل العاقل المسلم ، ثم المرأة المسلمة أولى من الصبي ، ثم الصبي المسلم ، ثم اليهودي والنصراني ، والنصراني أولى من المجنون والسكران ، لأنه يخاف منهما قتل الحيوان . فرع : ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا حل ذبيحة الصبي والمجنون والسكران وبه قال أبو حنيفة . وقال مالك وأحمد وابن المنذر وداود : لا تحل ذكاة المجنون والسكران والصبي الذي لا يميز ، ونقل ابن المنذر الإجماع على حل ذكاة المرأة والصبي المميز . فرع : نقل ابن المنذر الإجماع على إباحة مذكاة الأخرس ، ولم يفرق بين فهمه الإشارة وعدمه . فرع : نقل ابن المنذر الاتفاق ( حل ) ذبيحة الجنب ، قال : وإذا دل القرآن على حل إباحة ذبيحة الكتابي مع أنه نجس ، فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى قال : والحائض كالجنب . فرع : في ذبيحة الأقلف وهو من لم يختن . مذهبنا أنه حلال ، وبه قال جماهير العلماء ، قال ابن المنذر : وبه قال عوام أهل العلم من علماء الأمصار ، قال : وبه نقول قال : وقال ابن عباس : لا يؤكل وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري . واحتج ابن المنذر والأصحاب بعموم قول الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام : 118 وبأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب ، ومنهم الأقلف فالمسلم أولى . فرع : مذهبنا إباحة أكل ذبيحة السارق والغاصب وسائر من تعدى بذبح مال غيره لصاحبها ، ومن أذن له صاحبها وبه قال الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ومالك وأبو حنيفة والجمهور ، وقال طاووس وعكرمة وإسحاق بن راهويه : يكره . فرع : ذبيحة أهل الكتاب حلال ، سواء ذكروا اسم الله تعالى عليها أم لا ، لظاهر القرآن العزيز ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي وحماد بن سليمان وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم ، فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل ، وقال ابن المنذر : وقال عطاء .

Section V09/P074–V09/P075

إذا ذبح النصراني على اسم عيسى فكل قد علم الله أنه سيقول ذلك ، وبه قال مجاهد ومكحول ، وقال أبو ثور : إذا سموا الله تعالى فكل وإن لم يسموه فلا تأكل وحكى مثله عن علي وابن عمر وعائشة ، قال ابن عمر وعائشة ، قال ابن المنذر : واختلفوا في ذبائحهم لكنائسهم ، فرخص فيه أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمزة بن حبيب وأبو مسلم الخولاني وعمرو بن الأسود ، ومكحول وجبر بن نفيل والليث بن سعد ، وكرهه ميمون بن مهران وحماد والنخعي ومالك والثوري والليث وأبو حنيفة وإسحاق وجمهور العلماء ومذهبنا تحريمه وقد سبق ذلك في باب الأضحية ، وقالت عائشة : لا نأكله . فرع : ذكرنا أن مذهبنا تحريم ذكاة نصارى العرب بني تغلب وتنوخ وبهراء ، وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وسعيد بن جبير ، وأباحها ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والزهري والحكم وحماد وأبو حنيفة وإسحاق بن راهوية وأبو ثور ، دليلنا ما ذكره المنصف . فرع : ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب حلال كذبائحهم في دار الإسلام ، وهذا لا خلاف فيه ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه . فرع : ذبائح المجوس حرام عندنا ، وقال به جمهور العلماء ، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء ، قال : وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد الله بن يزيد ومرة الهمداني والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : روينا عن ابن المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضا وأمر مجوسيا أن يذبح أجزأه ، وقد أساء ، قال ابن المنذر : واختلفوا في المجوسي يسمى شيئا لناره فيذبحه مسلم فكرهه الحسن وعكرمة ورخص فيه ابن سيرين ، قال ابن المنذر : يأكلها المسلم إذا ذبحها مسلم ، وسمى الله تعالى عليها . فرع : في ذبيحة من أحد أبويه كتابي والآخر مجوسي . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا كان الأب مجوسيا فذبيحة الولد حرام بلا خلاف ، وكذا إن كانت الأم على الأصح . وقال أبو حنيفة يحل في الصورتين وقال مالك وأبو ثور : له حكم الأب . فرع : ذبيحة المرتد حرام عندنا ، وبه قال أكثر العلماء ، منهم أبو حنيفة وأحمد وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وكرهها الثوري ، قال ابن المنذر : وكان الأوزاعي يقول في هذه المسألة معنى قول الفقهاء إن من تولى قوما فهو منهم ، وقال إسحاق : إن ارتد إلى النصرانية حلت ذبيحته . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على حل ذبيحة الصبي والمرأة الكتابيين العاقلين . فرع : في ذبائح الصابئين والسامرة . قال الشافعي وجمهور الأصحاب : إن وافقت الصابئون النصارى ، والسامرة اليهود في أصول العقائد حلت ذبائحهم ومناكحتهم وإلا فلا ، قال ابن المنذر : وأباح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذبائح السامرة ، وقال إسحاق بن راهوية : لا بأس بذبائح أهل الصابئين ، لأنهم أهل كتاب ، وقال ابن عباس ومجاهد وأبو يوسف : لا يحل قال ابن المنذر : أما : السامرة فحكمهم ما ذكره الشافعي وأما : الصابئون فلا تحل ذبائحهم ، لأن الله تعالى عطفهم على اليهود والنصاري بالواو . فرع : ذبائح اليهود والنصارى حلال بنص القرآن والإجماع وحكى العبدري وغيره عن الشيعة أنهم قالوا : لا تحل ، والشيعة لا يعتد بهم في الإجماع والله أعلم . فرع : قال المتولي وغيره : لو أخبر فاسق أو كتابي أنه ذكي هذه الشاة قبلناه ، وحل أكلها ، لأنه من أهل الذكاة .

Section V09/P075

فرع : لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها فإن كان في بلد فيه من لا يحل ذكاته كالمجوس لم تحل ، سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين للشك في الذكاة المبيحة ، والأصل التحريم ، وإن لم يكن فيهم أحد منهم حلت والله أعلم .

Section V09/P075–V09/P077

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يذبح بسكين حاد لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب الإحسان على كل شىء ، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة حل ، لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجرا فذبحت بها شاة ، ولما روى أن رافع بن خديج قال : يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى ، أنذبح بالقصب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ، ليس السن والظفر ، وسأخبركم عن ذلك أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة فإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع بن خديج . + الشرح : حديث شداد بن أوس رواه مسلم ، وحديث رافع رواه البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف روى بصيغة التمريض ، مع أنه حديث صحيح ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فأحسنوا القتلة والذبحة هو بكسر القاف والذال أي هيئة القتل والذبح ، وليحد بضم الياء وكسر الحاء يقال أحد السكين وحددها واستحدها ، كله بمعنى ، والمدى بضم الميم وفتح الدال وهو جمع مدية بضم الميم وكسرها وفتحها ساكنة الدال وهي السكين ، سميت مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان ، وسميت لسكين سكينا لأنها تسكن حركة الحيوان وفيها لغتان التذكير والتأنيث قوله : ليطه بكسر اللام وإسكان المثناة تحت وبطاء مهملة وهي القشرة الرقيقة للقصبة ، وقيل مطلق قشرة القصبة ، والجماعة ليط وقوله : صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم أي أساله وقوله : صلى الله عليه وسلم ليس السن والظفر هما منصوبان بليس وقوله : صلى الله عليه وسلم أما السن فعظم : معناه فلا يجوز به ، لأنه متنجس بالدم ، وقد نهيتم عن تنجيس الروث والعظام في الاستنجاء لكونهما زاد إخوانكم من الجن وأما : الظفر فمدى الحبشة وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بالكفار : والله أعلم . وأما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : السنة تحديد السكين لما ذكره المصنف ، ويستحب إمرارها بقوة وتحامل ذهابا وعودا ليكون أوحي وأسهل ، فلو ذبح بسكين كالة كره وحلت الذبيحة ونقل ابن المنذر أنه يكره أن يحدد السكين والشاة تنظر السكين وأن يذبح الشاة والأخرى تنظر وكذا قاله أصحابنا ، قالوا : ويستحب أن تساق إلى الذبح برفق وتضجع برفق ويعرض عليها الماء قبل الذبح .

Section V09/P077–V09/P078

المسألة الثانية : قال الشافعي والأصحاب : لا تحصل الذكاة بالظفر والسن ولا بسائر العظام ، وتحصل بما سوى ذلك من جميع المحددات ، سواء كانت من الحديد كالسيف والسكين والسهم والرمح ، أو من الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الخشب المحدد أو القصب أو الزجاج أو الحجر أو غيرها ولا خلاف في كل هذا عندنا ، ويحل الصيد المقتول بجميع هذه المذكورات سوى الظفر والسن وسائر العظام وأما : الظفر والسن وسائر العظام فلا تحل بها الذكاة ولا الصيد بلا خلاف ، سواء كان الظفر والسن من آدمي أو غيره وسواء المتصل والمنفصل ، وسواء كان من حيوان مأكول أو غيره ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال صاحب الحاوي : قال الشافعي : أكره بالعظم الذكاة ولا يبين لي أن أحرم لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر ، قال : اعتبر الشافعي في التحريم الاسم فأجازه بالعظم لخروجه عن الاسم وكرره لأنه في معناه ، قال : وفيه عندي نظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من السن بأنه عظم ، هذا نقله وهو شاذ ضعيف وحكى الرافعي وجها شاذا باطلا أن عظم المأكول تحصل به الذكاة ، وهذا غلط ، ولو ركب عظم على سهم وجعل نصلا له فقتل به صيدا لم يحل ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي قولا أنه يحل وهو شاذ مردود . الثالثة : لو أراد الذكاة بمثقل فأثر بثقله دقا أو خنقا لم يحل وكذا لو كان مثقلا فقتله بثقله لم يحل بل لا بد من الجرح ، ولو ذبحه بحديدة لا تقطع وتحامل عليها حتى أزهقه لم يحل لأن القطع هنا بقوة الذابح واعتماده الشديد لا بالآلة والله أعلم . فرع : أعلم أنه ينكر على المصنف قوله في التنبيه يجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا السن والظفر . وهذا اللفظ يقتضي جواز الذبح بالعظام المحددة سوى السن ، وهذا لا يجوز بلا خلاف كما سبق ، وكان حقه أن يقول إلا العظم والظفر والسن وسائر العظام ، وعبارته في المهذب أجود ، ومع هذا فأهمل فيه بيان منع الذبح بالعظم فإن قيل : لعله اقتصر على موافقة الحديث قلنا : أما : في المهذب فله في هذا بعض العذر وأما : في التنبيه فلا عذر له ولا جواب عنه ، لأنه لم يذكر الحديث حتى يستنبط منه وأما : الحديث فليس فيه إيهام بأنه منصوص فيه على العلة في السن ، وهو كونه عظما ففهمنا منه أن كل ما انطلق عليه اسم العظم لا تحل الذكاة به . فرع : لو ذبح بسكين مغصوب أو مسروق أو كال وقطع الحلقوم والمرىء كره ذلك وحلت الذبيحة بلا خلاف عندنا ، قال العبدري : وبه قال العلماء كافة إلا داود فقال : لا تحل ، وهو رواية عن أحمد لقوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد رواه مسلم بهذا اللفظ من رواية عائشة رضي الله عنها ، فيصير كأنه لم يوجد ذبح . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : إلا ما ذكيتم المائدة : 3 وبقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور قريبا : ما أنهر الدم والجواب عن حديث : من عملا عملا أنه يقتضي تحريم فعله ولا يلزم منه إبطال الذكاة ، ولهذا لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوبة أو توضأ بماء في أرض مغصوبة فإنه تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع . فرع : في مذاهب العلماء بما تحصل به الذكاة ذكرنا أن مذهبنا حصوله بكل محدد إلا الظفر والسن وسائر العظام ، وبه قال النخعي والحسن بن صالح والليث وفقهاء الحديث وأحمد وإسحاق وأبو داود وأبو ثور وداود والجماهير وهو رواية عن مالك .

Section V09/P078–V09/P079

وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجوز الذبح بالظفر والعظم المتصلين ، ويجوز بالمنفصلين ، وهو رواية عن مالك ، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال : تحصل الذكاة بكل شىء حتى بالسن والظفر ، ونحوه عن ابن جريج وحكى العبدري عن ابن القصار والمالكي أن الظاهر من مذهب مالك إباحة الذكاة بالعظم ومنعه بالسن ، قال ابن القصار : وعندي تحصل الذكاة بهما ، وعن ابن جريج قال : تذكي بعظم الحمار ، ولا تذكي بعظم القرد ، لأن الحمار تصلي عليه وتسقيه في خفك وهذا مذهب فاسد واستدلال باطل ، ودليلنا حديث رافع والله أعلم .

Section V09/P079–V09/P080

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن تنحر الإبل معقولة من قيام ، لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا اضجع بدنة فقال : قياما ، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وتذبح البقر والغنم مضجعة ، لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين اقرنين املحين ، ذبحهما بيده ، ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر والبقر كالغنم في الذبح فكان مثله في الاضطجعاع والمستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة لأنه لا بد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى ، والمستحب أن يسمى الله تعالى على الذبح ، لما روى عدي بن حاتم قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال : إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه وكل فإن ترك التسمية لم يحرم ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما من الأعراب يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذكر اسم الله تعالى عليه وكل . والمستحب أن يقطع الحلقوم والمرىء والودجين ، لأنه أوحي وأروح للذبيحة فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمرىء أجزأه ، لأن الحلقوم مجرى النفس ، والمرىء مجرى الطعام ، والروح لا تبقى مع قطعهما ، والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والشاة ، فإن خالف ونحر البقر والشاة وذبح الإبل أجزأه ، لأن الجميع موت من غير تعذيب ، ويكره أن يبين الرأس وأن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ النخاع ، وهو عرق يمتد من الدماغ ، ويستبطن الفقار إلى عجب الذنب لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن النخع ولأن فيه زيادة تعذيب فإن فعل ذلك لم يحرم لأن ذلك يوجد بعد حصول الذكاة . وإن ذبحه من قفاه فإن بلغ السكين الحلقوم والمرىء وقد بقيت فيه حياة مستقرة حل ، لأن الذكاة صادفته وهو حي ، وإن لم يبق فيه حياة مستقرة إلا حركة مذبوح لم يحل ، لأنه صار ميتا قبل الذكاة ، فإن جرح السبع شاة فذبحها صاحبها وفيها حياة مستقرة حلت ، وإن لم يبق فيها حياة مستقرة لم تحل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني : وإن رد عليك كلبك غنمك وذكرت اسم الله عليه ، وأدركت ذكاته فذكه ، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله والمستحب إذا ذبح أن لا يكسر عنقها ، ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روى أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه إنكم تأكلون طعاما لا نأكله فقال : وما ذاك يا أبا حسان فقال : تعجلون الانفس قبل أن تزهق ، فأمر عمر رضي الله عنه مناديا ينادي إن الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق . + الشرح : أما حديث ابن عمر وحديث أنس وحديث عدي فرواها البخاري ومسلم ، ولفظ روايتي البخاري ومسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ابعثها مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وحذف منه المصنف مقيدة وأما : حديث عائشة فصحيح رواه البخاري وآخرون ، وسبق إيضاحه مع غيره مما في معناه ، في فرع مذاهب العلماء في التسمية في باب الأضحية وأما : حديث أبي ثعلبة فروى البخاري ومسلم بعضه ولفظهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وأما : الأثر عن عمر فصحيح ، صححه ابن المنذر ، وذكره البخاري في صحيحه عن ابن عمر .

Section V09/P080–V09/P082

وقوله : في حديث ابن عمر : قياما مقيدة أي معقولة إحدى الرجلين وقوله : سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم هو بنصب سنة ، أي الزم سنة أو افعلها ، ويجوز رفعه أي هذه سنة ، والأعراب بفتح الهمزة ساكن البادية ، والمرىء بفتح الميم وآخره همزة ممدودة والروح يذكر ويؤنث ، لغتان ، والنخاع بكسر النون وفتحها وضمها ثلاث لغات حكاهن صاحب المحكم وآخرون ، والنخع بفتح النون وإسكان الخاء وقد فسره المصنف ، قال الأزهري : النخع للذبيحة أن يعجل الذابح فبلغ القطع إلى النخاع ، قال ابن الأعرابي : والنخاع خيط أبيض يكون داخل عظم الرقبة ، ويكون ممتدا إلى الصلب ، قال : قال ابن الأعرابي أيضا : هو خيط الفقار المتصل بالدماغ . هذا نقل الأزهري في تهذيب اللغة وقال في شرح ألفاظ المختصر : النخع قطع النخاع وهو الخيط الأبيض الذي مادته من الدماغ في جوف الفقار كلها إلى عجب الذنب ، وإنما تنخع الذبيحة إذا أبين رأسها ، والفقار بفاء مفتوحة ثم قاف وأما عجب الذنب فبفتح العين وإسكان الجيم وهو أصل الذنب . وأما : أبو ثعلبة الخشني فبضم الخاء وفتح الشين المعجمة وبالنون وسبق بيانه في كتاب الطهارة وأما : الفرافصة فبضم الفاء الأولى وكسر الثانية وقوله : لا تعجلون الأنفس هو بضم التاء وإسكان العين قوله : الحلق واللبة هي بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة وهي الثغرة التي في أسفل العنق . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : السنة في الإبل النحر ، وهو قطع الحلق أسفل العنق ، وفي البقر والغنم الذبح ، وهو قطع الحلق أعلى العنق والمعتبر في الموضعين قطع الحلقوم والمرىء وكى صاحب البيان وغيره وجها شاذا أنه يتخير في البقر بين الذبح والنحر ، والصواب الأول ، والخيل كالبقر ، وكذا حمار الوحش وبقره ونحوها ، فلو خالف وذبح الإبل ونحر البقر والغنم حلت المذكاة ، وكان تاركا للمستحب ، وهل هو مكروه فيه قولان الصحيح : المشهور لا يكره ، لأن المكروه هو ما ورد فيه نهي والثاني : يكره . الثانية : السنة أن ينحر البعير قائما على ثلاث قوائم ، معقول الركبة ، ويستحب أن تكون المعقولة اليسرى ، فإن لم ينحره قائما فباركا ، والسنة أن تضجع البقرة الشاة على جنبها الأيسر ، وتترك رجلها اليمنى ، وتشد قوائمها الثلاث ، وقد صح عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ، والخيل والصيود كالبقر والغنم . الثالثة : قال أصحابنا : يستحب أن يتوجه الذابح إلى القبله ، ويوجه الذبيحة إليها ، وهذا مستحب في كل ذبيحة ، وهو في الأضحية والهدى أشد استحبابا ، لأن الاستقبال مستحب في القربات ، وفي كيفية توجيهها ثلاثة أوجه سبقت في باب الأضحية أصحها : يوجه مذبحها إلى القبلة ، ولا يوجه وجهها ليمكنه هو أيضا الاستقبال والثاني : يوجهها بجميع بدنها والثالث : يوجه قوائمها . الرابع : يستحب أن يسمى الله تعالى عند الذبح وعند إرسال الكلب أو السهم إلى الصيد ، فلو ترك التسمية عمدا أو سهوا حلت الذبيحة والصيد ، لكن في تركها عمدا ثلاثة أوجه الصحيح : أنه مكروه والثاني : لا يكره والثالث : يأثم به ، وقد سبقت المسألة مبسوطة بفروعها الكثيرة مع ما يتعلق بها مع بيان مذاهب العلماء بأدلتها في باب الأضحية ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : وتستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح وفيه وجه شاذ لأبي علي ابن أبي هريرة أنها لا تستحب ، ولا تكره . والمذهب الأول .

Section V09/P082–V09/P083

الخامسة : في حقيقة الذبح ، وقد لخصه الرافعي رحمه الله وجمع فيه متفرقات كلام الأصحاب وهذبها وهو كما قال ، قال : الذبح الذي يباح به الحيوان المقدور عليه إنسيا كان أو وحشيا ، أضحية كان أو غيرها ، هو التدقيق بقطع جميع الحلقوم والمرىء ، من حيوان فيه حياة مستقرة ، بآلة ليست عظما ولا ظفرا ، فهذه قيود أما : القطع فاحتراز مما لو اختطف رأس عصفور وغيره بيد أو ببندقة ونحوها فإنه ميتة وأما : الحلقوم فهو مجرى النفس خروجا ودخولا ، والمرىء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم ووراءهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم ، وقيل : يحيطان بالمرىء ، يقال لهما : الودجان ، ويقال للحلقوم والمرىء معهما الأوداج . ويشترط لحصول الذكاة قطع الحلقوم ، والمرىء ، هذا هو المذهب الصحيح المنصوص به قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه لأبي سعيد الإصطخري أنه يكفي قطع أحدهما لأن الحياة لا تبقى بعده قال الأصحاب : هذا خلاف نص الشافعي وخلاف مقصود الذكاة وهو الإزهاق بما يوحي ولا يعذب ، ويستحب أن يقطع الودجين مع الحلقوم والمرىء لأنه أوحي والغالب أنهما يقطعان بقطع الحلقوم والمرىء ، فلو تركهما جاز لحصول المقصود بالحلقوم والمرىء قال أصحابنا : ولو ترك من الحلقوم والمرىء شيئا ومات الحيوان فهو ميتة ، وكذا لو انتهى إلى حركة المذبوح فقطع بعد ذلك المتروك فهو ميتة وحكى الماوردي والشاشي وغيرهما وجها أنه إذا بقي من الحلقوم أو المرىء شيء يسير لا يضر بل تحصل الذكاة واختاره الروياني في الحلية . والمذهب الأول . قال أصحابنا : ولو قطع من القفا حتى وصل الحلقوم من المرىء عصى لزيادة الإيلام ، ثم ينظر إن وصل إلى الحلقوم والمرىء وقد انتهى إلى حركة المذبوح لم يحل بقطع الحلقوم والمرىء بعد ذلك ، فإن وصلهما وفيه حياة مستقرة فقطعهما حل ، كما لو قطع يده ثم ذكاه قال إمام الحرمين : ولو كان فيه حياة مستقرة عند ابتداء قطع المرىء ، ولكن لما قطع بعض الحلقوم انتهى إلى حركة المذبوح ، لما ناله من قبل بسبب قطع القفا ، فهو حلال لأن أقصى ما وقع التعبد به أن يكون فيه حياة مستقرة عند الابتداء بقطع المذبح . قال أصحابنا : والقطع من صفحة العنق كالقطع من القفا ، قالوا : ولو أدخل السكين في أذن الثعلب ليقطع الحلقوم والمرىء ، وأبان الرأس ، فليس هو بذبح ، لأنه لم يقطع الحلقوم والمرىء . وأما كون التدقيق حاصلا بقطع الحلقوم والمرىء ، ففيه مسألتان : إحداهما : لو أخذ الذابح في قطع الحلقوم والمرىء ، وأخذ آخرون في نزع خيشومه أو نخس خاصرته لم يحل ، لأن التدقيق لم يتمحص للحلقوم والمرىء ، وسواء كان ما تحرى به قطع الحلقوم مما يدقق ولو انفرد أو كان يعين على التدقيق ، ولو اقترن قطع الحلقوم بقطع رقبة الشاة من قفاها ، بأن كان يجري سكينا من القفا وسكينا من الحلقوم حتى التقتا فهي ميتة بخلاف ما إذا تقدم قطع القفا وبقيت الحياة مستقرة إلى وصول السكين المذبح . المسألة الثانية : يجب أن يشرع الذابح في القطع ، ولا يتأنى بحيث يظهر انتهاء الشاة قبل استتمام قطع المذبح إلى حركة المذبوح ، هكذا قاله إمام الحرمين وغيره ، قال الرافعي : وهذا قد يخالف ما سبق أن المتعبد به كون الحياة مستقرة عند الابتداء ، قال : فيشبه أن يكون المقصود هنا إذا تبين مصيره إلى حركة المذبوح ، وهناك إذا لم يتحقق الحال ، هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي قاله خلاف ما سبق تصريح الإمام به ، بل الجواب أن هذا مقصر في التأني لم تحل ذبيحته بخلاف الأول ، فإنه لا تقصير في حقه ، ولو لم يحلله أدى إلى حرج والله أعلم .

Section V09/P083–V09/P085

وأما كون الحيوان عند القطع فيه حياة مستقرة ففيه صورة إحداها : لو جرح السبع شاة أو صيدا ، أو انهدم سقف على بهيمة ، أو جرحت هرة حمامة ثم أدركت حية فذبحت ، فإن كان فيها حياة مستقرة حلت وإن تيقن هلاكها بعد يوم ويومين لما ذكره المصنف ، وإن لم يكن فيها حياة مستقرة لم يحل ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وحكى قول أنها تحل في الحالين ، وقول أنها لا تحل في الحالين ، والصواب الأول قال أصحابنا : وهذا بخلاف الشاة إذا مرضت وصارت إلى أدنى رمق فذبحت ، فإنها تحلا بلا خلاف ، لأنه لم يوجد سبب يحال الهلاك عليه ، وقد ذكر صاحب البيان المسألة وأوهم فيها خلاف الصواب ، قال : إذا أشرفت المريضة على الموت لم تحل بالذكاة ، قال : وحكى صاحب الفروع عن أبي علي ابن أبي هريرة أنها ما دامت تضرب بذنبها وتفتح عينها حلت بالذكاة قال : وهذا ليس بشىء لأن الحياة فيها غير مستقرة ، وإنما حركتها حركة مذبوح . هذا كلامه : والمذهب ما سبق ، ولو أكلت الشاة نباتا مخضرا فصارت إلى أدنى الرمق فذبحت قال القاضي حسين مرة : في حلها وجهان وجزم مرة بالتحريم لأنه وجد سبب يحال الهلاك عليه فصار كجرح السبع . فرع : كون الحيوان منتهيا إلى حركة المذبوح أو فيه حياة مستقرة ، تارة يستيقن ، وتارة يظهر بعلامات وقرائن لا تضبطها العبارة ، وشبهه الأصحاب بعلامات الخجل والغضب ونحوهما . قالوا : ومن أمارات الحياة المستقرة الحركة الشديدة بعد قطع الحلقوم والمرىء وانفجار الدم وتدفقه قال إمام الحرمين : من الأصحاب من قال : كل واحد منهما يكفي دليلا على بقاء الحياة المستقرة قال : والأصح أن كلا منهما لا يكفي لأنهما قد يحصلان بعد الانتهاء إلى حركة المذبوح لكن قد ينضم إلى أحدهما أو كليهما قرائن وأمارات أخر تفيد الظن أو اليقين ، فيجب النظر والاجتهاد . هذا كلام الإمام واختار المزني وطوائف من الأصحاب الاكتفاء بالحركة الشديدة وهو الأصح المختار وحكى البخاري في صحيحه معناه عن ابن عباس وقد وقعت المسألة مرات في الفتاوى فكان الجواب فيها أن الحياة المستقرة تعرف بقرائن يدركها الناظر ، ومن علاماتها الحركة الشديدة بعد قطع الحلقوم والمرىء وجريان الدم فإذا حصلت قرينة مع أحدهما حل الحيوان ، والمختار الحل بالحركة الشديدة وحدها . فهذا هو الصحيح الذي نعتمده . وقد ذكر الشيخ أبو حامد وصاحبا الشامل والبيان وغيرهم أن الحياة المستقرة ما يجوز أن يبقى معه الحيوان اليوم واليومين بأن يشق جوفها ، وظهرت الأمعاء ولم تنفصل ، فإذا ذكيت حلت وهذا الذي ذكره منزل على ما قدمناه والله تعالى أعلم . وإذا شك في المذبوح هل كان فيه حياة مستقرة حال ذبحه أم لا ففي حله وجهان أحدهما : الحل لأن الأصل بقاء الحياة وأصحهما : التحريم للشك في الذكاة المبيحة والله أعلم وأما : قولنا في الآلة : ليست ظفرا ولا عظما فمعناه جواز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا العظم أو الظفر وقد سبقت المسألة قريبا واضحة والله أعلم . المسألة السادسة : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا قطع الحلقوم أو المرىء والودجين استجب أن يقتصر على ذلك ويكره أن يبين رأسه في الحال ، وأن يزيد في القطع وأن يكسر عنقها وأن يكسر الفقار ، وأن يقطع عضوا منها وأن يحركها ، وأن ينقلها إلى مكان آخر ، وكل ذلك مكروه بل يتركه كله حتى تفارقها الروح وتبرد . ويستحب أن لا يمسكها بعد الذبح مانعا لها من الاضطراب ، وقد ذكر المصنف أدلة هذه الأمور والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح قد ذكرنا أن السنة ذبح البقر والغنم ونحر الإبل فلو خالف وذبح الإبل ونحر البقر والغنم جاز .