Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
أهم ما يذكر فى الباب اختلاف العلماء فى الايمان والاسلام وعمومهما وخصوصهما وأن الايمان يزيد وينقص أم لا وأن الأعمال من الايمان أم لا وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول فى كل ما ذكرناه وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة قال الامام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى البستى الفقيه الاديب الشافعى المحقق رحمه الله فى كتابه معالم السنن ما أكثر ما يغلط الناس فى هذه المسألة فأما الزهري فقال الاسلام الكلمة والايمان العمل واحتج بالآية يعنى قوله سبحانه وتعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وذهب غيره إلى أن الاسلام والايمان شيء واحد واحتج بقوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين قال الخطابى وقد تكلم فى هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين قال الخطابى والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام فى هذا ولا يطلق وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا فى بعض الاحوال ولا يكون مؤمنا فى بعضها والمؤمن مسلم فى جميع الاحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا واذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها وأصل الايمان التصديق وأصل الاسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر غير منقاد فى الباطن وقد يكون صادقا فى الباطن غير منقاد فى الظاهر وقال الخطابى أيضا فى قول النبى صلى الله عليه وسلم الايمان بضع وسبعون شعبة فى هذا الحديث بيان أن الايمان الشرعى اسم لمعنى ذى شعب وأجزاء له أدنى وأعلى والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضى جميع شعبه وتستوفى جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضى جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم الحياء شعبة من الايمان وفيه اثبات التفاضل فى الايمان وتباين المؤمنين فى درجاته هذا آخر كلام الخطابى وقال الامام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى الشافعى رحمه الله فى حديث سؤال جبريل صلى الله عليه وسلم عن الايمان والاسلام وجوابه قال جعل النبى صلى الله عليه وسلم الاسلام اسما لما ظهر من الاعمال وجعل الايمان اسما لما بطن من الإعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الايمان والتصديق بالقلب ليس من الاسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم والتصديق والعمل يتناولهما اسم الايمان والاسلام جميعا يدل عليه قوله سبحانه وتعالى إن الدين عند الله الإسلام ورضيت لكم الإسلام دينا ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الاسلام ولا يكون الدين فى محل القبول والرضا الا بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوى وقال الامام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمى الاصبهانى الشافعى رحمه الله فى كتابه التحرير فى شرح صحيح مسلم الايمان فى اللغة هو التصديق فان عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى والايمان فى لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان واذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة قال فالخلاف فى هذا على التحقيق انما هو أن المصدق بقلبه اذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بمواجب الايمان هل يسمى مؤمنا مطلقا أم لا والمختار عندنا أنه لا يسمى به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن لأنه لم يعمل بموجب الايمان فيستحق هذا الاطلاق هذا آخر كلام صاحب التحرير وقال الامام أبو الحسن على بن خلف بن بطال المالكى المغربى فى شرح صحيح البخارى مذهب جماعة أهل السنة من سلف الامة وخلفها أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخارى من الآيات يعنى قوله عز وجل ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقوله تعالى وزدناهم هدى وقوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وقوله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيمانا وقوله تعالى أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وقوله تعالى فاخشوهم فزادهم إيمانا وقوله تعالى وما زادهم إلا إيمانا وتسليما قال بن بطال فايمان من لم تحصل له الزيادة ناقص قال فان قيل الايمان فى اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان ايمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الايمان وبنقصانها ينقص فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الايمان ومتى زادت زاد الايمان كمالا هذا توسط القول فى الايمان وأما التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينقص ولذلك توقف مالك رحمه الله فى بعض الروايات عن القول بالنقصان اذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه اذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الايمان وقال بعضهم انما توقف مالك عن القول بنقصان الايمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصى من المؤمنين بالذنوب وقد قال مالك بنقصان الايمان مثل قول جماعة أهل السنة قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثورى ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والاوزاعى ومعمر بن راشد وبن جريح وسفيان بن عيينة يقولون الايمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول بن مسعود وحذيفة والنخعى والحسن البصرى وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك فالمعنى الذى يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو اتيانه بهذه الامور الثلاثة التصديق بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن وكذلك اذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنا بالاطلاق وان كان فى كلام العرب يسمى مؤمنا بالتصديق فذلك غير مستحق فى كلام الله تعالى لقوله عز وجل إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا فأخبرنا سبحانه وتعالى أن المؤمن من كانت هذه صفته وقال بن بطال فى باب من قال الايمان هو العمل فان قيل قد قدمتم أن الايمان هو التصديق قيل التصديق هو أول منازل الايمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنا مطلقا هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الايمان قول وعمل قال أبو عبيد وهو قول مالك والثورى والاوزاعى ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال بن بطال وهذا المعنى أراد البخارى رحمه الله اثباته فى كتاب الايمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الايمان وباب الصلاة من الايمان وباب الزكاة من الايمان وباب الجهاد من الايمان وسائر أبوابه وانما أراد الرد على المرجئة فى قولهم ان الايمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ثم قال بن بطال فى باب آخر قال المهلب الاسلام على الحقيقة هو الايمان الذى هو عقد القلب المصدق لاقرار اللسان الذى لا ينفع عند الله تعالى غيره وقالت الكرامية وبعض المرجئة الايمان هو الاقرار باللسان دون عقد القلب ومن أقوى ما يرد به عليهم اجماع الأمة على اكفار المنافقين وان كانوا قد أظهروا الشهادتين قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله إلى قوله تعالى وتزهق أنفسهم وهم كافرون هذا آخر كلام بن بطال وقال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم الاسلام أن تشهد أن لااله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا والايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال هذا بيان لأصل الايمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الاسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الاسلام فى الظاهر ثبت بالشهادتين وانما أضاف اليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الاسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم ان اسم الايمان يتناول ما فسر به الاسلام فى هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذى هو أصل الايمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر صلى الله عليه وسلم الايمان فى حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان واعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا الا بقيد ولذلك جاز اطلاق نفيه عنه فى قوله صلى الله عليه وسلم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الاسلام يتناول أيضا ما هو أصل الايمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فان ذلك كله استسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الايمان والاسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة فى الايمان والاسلام التى طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح فاذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الايمان يزيد وينقص وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه وقالوا متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا قال المحققون من أصحابنا المتكلمين نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والايمان الشرعى يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الاعمال ونقصانها قالوا وفى هذا توفيق بين ظواهر النصوص التى جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه فى اللغة وما عليه المتكلمون وهذا الذى قاله هؤلاء وان كان ظاهرا حسنا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الادلة ولهذا يكون ايمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل ايمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وان اختلفت عليهم الاحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن انكاره ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخارى فى صحيحه قال بن أبى مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه على ايمان جبريل وميكائيل والله أعلم وأما اطلاق اسم الايمان على الاعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله فى الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر قال الله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أجمعوا على أن المراد صلاتكم وأما الاحاديث فستمر بك فى هذا الكتاب منها جمل مستكثرات والله أعلم واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذى يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد فى النار لا يكون الا من اعتقد بقلبه دين الاسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين فان اقتصر على أحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا الا اذا عجز عن النطق لخلل فى لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فانه يكون مؤمنا أما اذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الاسلام الا اذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العرب فانه لا يحكم باسلامه الا بأن يتبرأ ومن أصحابنا أصحاب الشافعى رحمه الله من شرط أن يتبرأ مطلقا وليس بشيء أما اذا اقتصر على قوله لا اله الا الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لايكون مسلما ومن أصحابنا من قال يكون مسلما ويطالب بالشهادة الاخرى فان أبى جعل مرتدا ويحتج لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين واستغنى بذكر احداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما والله أعلم أما اذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الاسلام وهو على خلاف ملته التى كان عليها فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا فمن جعله مسلما قال كل ما يكفر المسلم بانكاره يصير الكافر بالاقرار به مسلما أما اذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا الصحيح منهما أنه يصير مسلما لوجود الاقرار وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقصى فى شرح المهذب والله أعلم واختلفا العلماء من السلف وغيرهم فى اطلاق الانسان قوله أنا مؤمن فقالت طائفة لا يقول أنا مؤمن مقتصرا عليه بل يقول أنا مؤمن ان شاء الله وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين وذهب آخرون إلى جواز الاطلاق وأنه لايقول ان شاء الله وهذا هو المختار وقول أهل التحقيق وذهب الأوزاعى وغيره إلى جواز الامرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الايمان جارية عليه فى الحال ومن قال ان شاء الله فقالوا فيه هو اما للتبرك واما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الايمان أم يصرف عنه والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا إلى مأخذ القولين الاولين ورفعا لحقيقة الخلاف وأما الكافر ففيه خلاف غريب لاصحابنا منهم من قال يقال هو كافر ولا يقول ان شاء الله ومنهم من قال هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم فيقال على قول التقييد هو كافر ان شاء الله نظرا إلى الخاتمة وأنها مجهولة وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الاهواء والبدع وأن من جحد ما يعلم من دين الاسلام ضرورة حكم بردته وكفره الا أن يكون قريب عهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك فان استمر حكم بكفره وكذا حكم من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التى يعلم تحريمها ضرورة فهذه جمل من المسائل المتعلقة بالايمان قدمتها فى صدر الكتاب تمهيدا لكونها مما يكثر الاحتياج إليه ولكثرة تكررها وتردادها فى الاحاديث فقدمتها لأحيل عليها اذا مررت بما يحرج عليها والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة قال الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رضى الله عنه 8 ( حدثنى أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ح وثنا عبيد الله بن معاذ العنبرى وهذا حديثه ثنا أبى ثنا كهمس عن بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال فى القدر بالبصرة معبد الجهنى إلى آخر الحديث ) اعلم أن مسلما رحمه الله سلك فى هذا الكتاب طريقة في الاتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق مع الاختصار البليغ والايجاز التام فى نهاية من الحسن مصرحة بغزارة علومه ودقة نظره وحذقه وذلك يظهر فى الاسناد تارة وفى المتن تارة وفيهما تارة فينبغى للناظر فى كتابه أن يتنبه لما ذكرته فانه يجد عجائب من النفائس والدقائق تقر بآحاد أفرادها عينه وينشرح لها صدره وتنشطه للاشتغال بهذا العلم واعلم أنه لا يعرف أحد شارك مسلما فى هذه النفائس التى يشير اليها من دقائق علم الاسناد وكتاب البخارى وان كان أصح وأجل وأكثر فوائد فى الاحكام والمعانى فكتاب مسلم يمتاز بزوائد من صنعة الاسناد وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح له صدرك ويزداد به الكتاب ومصنفه فى قلبك جلالة ان شاء الله تعالى فاذا تقرر ما قلته ففى هذه الاحرف التى ذكرها من الاسناد أنواع مما ذكرته فمن ذلك أنه قال أولا حدثنى أبو خيثمة ثم قال فى الطريق الآخر وحدثنا عبيد الله بن معاذ ففرق بين حدثنى وحدثنا وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة وهى أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثنى وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرنى وفيما قرئ بحضرته فى جماعة على الشيخ أخبرنا وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب عندهم ولو تركه وأبدل حرفا من ذلك بآخر صح السماع ولكن ترك الأولى والله أعلم ومن ذلك أنه قال فى الطريق الاول حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ثم فى الطريق الثانى أعاد الرواية عن كهمس عن بن بريدة عن يحيى فقد يقال هذا تطويل لا يليق باتقان مسلم واختصاره فكان ينبغى أن يقف بالطريق الأول على وكيع ويجتمع معاذ ووكيع فى الرواية عن كهمس عن بن بريدة وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر الا من شديد الجهالة بهذا الفن فان مسلما رحمه الله يسلك الاختصار لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود وهذا الموضع يحصل فى الاختصار فيه خلل ويفوت به مقصود وذلك لأن وكيعا قال عن كهمس ومعاذ قال حدثنا كهمس وقد علم بما قدمناه فى باب المعنعن أن العلماء اختلفوا فى الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا فى المتصل بحدثنا فأتى مسلم بالروايتين كما سمعتا ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه وليكون راويا باللفظ الذى سمعه ولهذا نظائر فى مسلم ستراها مع التنبيه عليها ان شاء الله تعالى وان كان مثل هذا ظاهرا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن الا أنى أنبه عليه لغيرهم ولبعضهم ممن قد يغفل ولكلهم من جهة أخرى وهو أنه يسقط عنهم النظر وتحرير عبارة عن المقصود وهنا مقصود آخر وهو أن في رواية وكيع قال عن عبد الله بن بريدة وفى رواية معاذ قال عن بن بريدة فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل فانه ان قال بن بريدة لم ندر ما اسمه وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة وان قال عبد الله بن بريدة كان كاذبا على معاذ فانه ليس فى روايته عبد الله والله أعلم وأما قوله فى الرواية الاولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أولا فائدة وعادة مسلم وغيره فى مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر لأن الطريقين اجتمعتا فى بن بريدة ولفظهما عنه بصيغة واحدة الا أنى رأيت فى بعض النسخ فى الطريق الاولى عن يحيى فحسب وليس فيها بن يعمر فان صح هذا فهو مزيل للانكار الذى ذكرناه فانه يكون فيه فائدة كما قررناه فى بن بريدة والله أعلم ومن ذلك قوله حدثنا عبيد الله بن معاذ وهذا حديثه فهذه عادة لمسلم رحمه الله قد أكثر منها وقد استعملها غيره قليلا وهى مصرحة بما ذكرته من تحقيقه وورعه واحتياطه ومقصوده أن الراويين اتفقا فى المعنى واختلفا فى بعض الالفاظ وهذا لفظ فلان والآخر بمعناه والله أعلم وأما قوله ( ح ) بعد يحيى بن يعمر فى الرواية الاولى فهي حاء التحويل من اسناد إلى اسناد فيقول القارىء اذا انتهى اليها ح قال وحدثنا فلان هذا هو المختار وقد قدمت فى الفصول السابقة بيانها والخلاف فيها والله أعلم فهذا ما حضرنى فى الحال فى التنبيه على دقائق هذا الاسناد وهو تنبيه على ما سواه وأرجو أن يتفطن به لما عداه ولا ينبغى للناظر فى هذا الشرح أن يسأم من شيء من ذلك يجده مبسوطا واضحا فانى انما أقصد بذلك ان شاء الله الكريم الايضاح والتيسير والنصيحة لمطالعه واعانته واغنائه من مراجعة غيره فى بيانه وهذا مقصود الشروح فمن استطال شيئا من هذا وشبهه فهو بعيد من الاتقان مباعد للفلاح فى هذا الشان فليعز نفسه لسوء حاله وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله ولا ينبغى لطالب التحقيق والتنقيح والاتقان والتدقيق أن يلتفت إلى كراهة أو سآمة ذوى البطالة وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطا وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحا مضبوطا ويحمد الله الكريم على تيسيره ويدعو لجامعه الساعى فى تنقيحه وايضاحه وتقريره وفقنا الله الكريم لمعالى الامور وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور وجمع بيننا وبين أحبابنا فى دار الحبور والسرور والله أعلم وأما ضبط أسماء المذكورين فى هذا الاسناد فخيثمة بفتح المعجمة واسكان المثناة تحت وبعدها مثلثة وأما كهمس فبفتح الكاف واسكان الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة وهو كهمس بن الحسن أبو الحسن التميمى البصرى وأما يحيى بن يعمر فبفتح الميم ويقال بضمها وهو غير مصروف لوزن الفعل كنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال أبو سعيد ويقال أبو عدى البصرى ثم المروزى قاضيها من بنى عوف بن بكر بن أسد قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوى مبرر أخذ النحو عن أبى الاسود نفاه الحجاج إلى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان وأما معبد الجهنى فقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعانى التميمى المروزى فى كتابه الانساب الجهنى بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة نزلت الكوفة وبها محلة تنسب اليهم وبقيتهم نزلت البصرة قال وممن نزل جهينة فنسب اليهم معبد بن خالد الجهنى كان يجالس الحسن البصرى وهو أول من تكلم فى البصرة بالقدر فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله قتله الحجاج بن يوسف صبرا وقيل انه معبد بن عبد الله بن عويمر هذا آخر كلام السمعانى وأما البصرة فبفتح الباء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاها الأزهرى والمشهور الفتح ويقال لها البصيرة بالتصغير قال صاحب المطالع ويقال لها تدمر ويقال لها المؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها فى أول الدهر والنسب اليها بصرى بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران قال السمعانى يقال البصرة قبة الاسلام وخزانة العرب بناها عتبة بن غزوان فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه بناها سنة سبع عشرة من الهجرة وسكنها الناس سنة ثمانى عشرة ولم يعبد الصنم قط على أرضها هكذا كان يقول لى أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة قال أصحابنا والبصرة داخلة فى أرض سواد العراق وليس لها حكمه والله أعلم وأما قوله أول من قال فى القدر فمعناه أول من قال بنفى القدر فابتدع وخالف الصواب الذى عليه أهل الحق ويقال القدر والقدر بفتح الدال واسكانها لغتان مشهورتان وحكاهما بن قتيبة عن الكسائى وقالهما غيره واعلم أن مذهب أهل الحق اثبات القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الاشياء فى القدم وعلم سبحانه أنها ستقع فى أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها وأنها مستأنفة العلم أى انما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا وسميت هذه الفرقة قدرية لانكارهم القدر قال أصحاب المقالات من المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه وصارت القدرية فى الأزمان المتأخرة تعتقد اثبات القدر ولكن يقولون الخير من الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم وقد حكى أبو محمد بن قتيبة فى كتابه غريب الحديث وأبو المعالى امام الحرمين فى كتابه الارشاد فى أصول الدين أن بعض القدرية قال لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم اثبات القدر قال بن قتيبة والامام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح فان أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى ويضيفون القدر والافعال إلى الله سبحانه وتعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ومدعى الشيء لنفسه ومضيفه اليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه قال الامام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القدرية مجوس هذه الامة شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر فى حكم الارادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية هذا كلام الامام وبن قتيبة وحديث القدرية مجوس هذه الامة رواه أبو حازم عن بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود فى سننه والحاكم أبو عبد الله فى المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين ان صح سماع أبى حازم من بن عمر قال الخطابى انما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس فى قولهم بالاصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا لا يكون شيء منهما الا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقا وايجادا والى الفاعلين لهما من عبادة فعلا واكتسابا والله أعلم قال الخطابى وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر اجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه وانما معناه الاخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها قال والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر يقال قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء فى هذا معناه الخلق كقوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين أى خلقهن قلت وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة واجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على اثبات قدر الله سبحانه وتعالى وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبى بكر البيهقى رضى الله عنه وقد قرر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية والله أعلم قوله ( فوفق لنا عبد الله بن عمر ) هو بضم الواو وكسر الفاء المشددة قال صاحب التحرير معناه جعل وفقا لنا وهو من الموافقة التى هي كالالتحام يقال أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أى حين أهل لا قبله ولا بعده وهى لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام وفى مسند أبى يعلى الموصلى فوافق لنا بزيادة ألف والموافقة المصادفة قوله ( فاكتنفته أنا وصاحبى ) يعنى صرنا فى ناحيتيه ثم فسره فقال أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وكنفا الطائر جناحاه وفى هذا تنبيه على أدب الجماعة فى مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به قوله ( فظننت أن صاحبى سيكل الكلام إلى ) معناه يسكت ويفوضه إلى لاقدامى وجرأتى وبسطة لسانى فقد جاء عنه فى رواية لأنى كنت أبسط لسانا قوله ( ظهر قبلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم ) هو بتقديم القاف على الفاء ومعناه يطلبونه ويتتبعونه هذا هو المشهور وقيل معناه يجمعونه ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق بن ماهان يتفقرون بتقديم الفاء وهو صحيح أيضا معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه وروى فى غير مسلم يتفقون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضا ومعناه أيضا يتتبعون قال القاضي عياض ورأيت بعضهم قال فيه يتقعرون بالعين وفسره بأنهم يطلبون قعره أى غامضه وخفيه ومنه تقعر فى كلامه اذا جاء بالغريب منه وفى رواية أبى يعلى الموصلى يتفقهون بزيادة الهاء وهو ظاهر قوله ( وذكر من شأنهم ) هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر والظاهر أنه من بن بريدة الراوى عن يحيى بن يعمر يعنى وذكر بن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة فى العلم والاجتهاد فى تحصيله والاعتناء به قوله ( يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ) هو بضم الهمزة والنون أى مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وانما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع القدرية وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين قوله ( قال يعنى بن عمر رضى الله عنهما فاذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى بريء منهم وأنهم برآء منى والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ) هذا الذى قاله بن عمر رضى الله عنهما ظاهر فى تكفيره القدرية قال القاضي عياض رحمه الله هذا فى القدرية الاول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة فى الحقيقة قال غيره ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم الا أن قوله ما قبله الله منه ظاهر فى التكفير فان احباط الاعمال انما يكون بالكفر الا أنه يجوز أن يقال فى المسلم لا يقبل عمله لمعصيته وان كان صحيحا كما أن الصلاة فى الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل باجماع السلف وهى غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا والله أعلم وقوله فأنفقه يعنى فى سبيل الله تعالى أى طاعته كما جاء فى رواية أخرى قال نفطويه سمى الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى قوله ( لا يرى عليه أثر السفر ) ضبطناه بالياء المثناة من تحت المضمومة وكذلك ضبطناه فى الجمع بين الصحيحين وغيره وضبطه الحافظ أبو حازم العدوى هنا نرى بالنون المفتوحة وكذا هو فى مسند أبى يعلى الموصلى وكلاهما صحيح قوله ( ووضع كفيه على فخذيه ) معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذى نفسه وجلس على هيئة المتعلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله والايمان أن تؤمن بالله إلى آخره ) هذا قد تقدم بيانه وايضاحه بما يغنى عن اعادته قوله ( فعجبنا له يسأله ويصدقه ) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل انما هذا كلام خبير بالمسئول عنه ولم يكن فى ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبى صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ) هذا من جوامع الكلم التى أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها الا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله فى جميع أحوالك كعبادتك فى حال العيان فان التتميم المذكور فى حال العيان انما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير فى هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغى أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الاخلاص فى العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى فى اتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه فى سره وعلانيته قال القاضي عياض رحمه الله وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الايمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه قال وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذى سميناه بالمقاصد الحسان فيما يلزم الانسان اذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) فيه أنه ينبغى للعالم والمفتى وغيرهما اذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه وقد بسطت هذا بدلائله وشواهده وما يتعلق به فى مقدمة شرح المهذب المشتملة على أنواع من الخير لا بد لطالب العلم من معرفة مثلها وادامة النظر فيه والله أعلم قوله ( فأخبرنى عن أماراتها ) هو بفتح الهمزة والأمارة والأمار باثبات الهاء وحذفها هي العلامة قوله صلى الله عليه وسلم ( أن تلد الأمة ربتها ) وفى الرواية الأخرى ربها على التذكير وفى الأخرى بعلها وقال يعنى السراري ومعنى ربها وربتها سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها قال الأكثرون من العلماء هو اخبار عن كثرة السرارى وأولادهن فان ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الانسان صائر إلى ولده وقد يتصرف فيه فى الحال تصرف المالكين إما بتصريح أبيه له بالاذن واما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وقيل معناه أن الاماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهذا قول إبراهيم الحربى وقيل معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان فيكثر تردادها فى أيدى المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدرى ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الاولاد فانه متصور فى غيرهن فان الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة فى الصورتين بيعا صحيحا وتدور فى الايدى حتى يشتريها ولدها وهذا أكثر وأعم من تقديره فى أمهات الاولاد وقيل فى معناه غير ما ذكرناه ولكنها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها وأما بعلها فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه قال أهل اللغة بعل الشيء ربه ومالكه وقال بن عباس رضى الله عنهما والمفسرون فى قوله سبحانه وتعالى أتدعون بعلا أى ربا وقيل المراد بالبعل فى الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السرارى حتى يتزوج الانسان أمه وهو لا يدرى وهذا أيضا معنى صحيح الا أن الاول أظهر لانه اذا أمكن حمل الروايتين فى القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم واعلم أن هذا الحديث ليس فيه دليل على اباحة بيع أمهات الاولاد ولا منع بيعهن وقد استدل امامان من كبار العلماء به على ذلك فاستدل أحدهما على الاباحة والآخر على المنع وذلك عجب منهما وقد أنكر عليهما فانه ليس كل ما أخبر صلى الله عليه وسلم بكونه من علامات الساعة يكون محرما أو مذموما فان تطاول الرعاء فى البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وانما هذه علامات والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك بل تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب وغيره والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ) أما العالة فهم الفقراء والعائل الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل يعيل عيلة أى افتقر والرعاء بكسر الراء وبالمد ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة الهاء بلا مد ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون فى البنيان والله أعلم قوله ( فلبث مليا ) هكذا ضبطناه لبث آخرة ثاء مثلثة من غير تاء وفى كثير من الاصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح وأما مليا بتشديد الياء فمعناه وقتا طويلا وفى رواية أبى داود والترمذى أنه قال ذلك بعد ثلاث وفى شرح السنة للبغوى بعد ثالثة وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال وفى ظاهر هذا مخالفة لقوله فى حديث أبى هريرة بعد هذا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا على الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال النبى صلى الله عليه وسلم هذا جبريل فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضى الله عنه لم يحضر قول النبى صلى الله عليه وسلم لهم فى الحال بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم الحاضرين فى الحال وأخبر عمر رضى الله عنه بعد ثلاث اذ لم يكن حاضرا وقت اخبار الباقين والله أعلم قوله ( صلى الله عليه وسلم هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) فيه أن الايمان والاسلام والاحسان تسمى كلها دينا واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الاسلام كما حكيناه عن القاضي عياض وقد تقدم فى ضمن الكلام فيه جمل من فوائده ومما لم نذكره من فوائده أن فيه أنه ينبغى لمن حضر مجلس العالم اذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع وفيه أنه ينبغى للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض وانه ينبغى للسائل أن يرفق فى سؤاله والله أعلم قوله ( حدثنى محمد بن عبيد الغبرى وأبو كامل الجحدرى وأحمد بن عبدة ) أما الغبرى فبضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وقد تقدم بيانه واضحا فى أول مقدمة الكتاب والجحدرى اسمه الفضيل بن حسين وهو بفتح الجيم وبعدها حاء ساكنة وتقدم أيضا بيانه فى المقدمة وعبدة باسكان الباء وقد تقدم فى الفصول بيان عبدة وعبيدة وفى هذا الاسناد مطر الوراق هو مطر بن طهمان أبو رجاء الخرسانى سكن البصرة كان يكتب المصاحف فقيل له الوراق قوله ( فحججنا حجة ) هي بكسر الحاء وفتحها لغتان فالكسر هو المسموع من العرب والفتح هو القياس كالضربة وشبهها كذا قاله أهل اللغة قوله ( عثمان بن غياث ) هو بالغين المعجمة وحجاج بن الشاعر هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفى أبو محمد البغدادى وقد تقدم فى أوائل الكتاب بيانه واتفاقه مع الحجاج بن يوسف الوالى الظالم المعروف وافتراقه وفى الاسناد يونس وقدم تقدم فيه ست لغات ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه وفى الاسناد الآخر أبو بكر بن أبى شيبة واسمعيل بن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم فى الطريق الاخرى وقد تقدم بيانه وبيان حال أبى بكر بن أبى شيبة وحال أخيه عثمان وأبيهما محمد وجدهما أبى شيبة إبراهيم وأخيهما القاسم وأن اسم أبى بكر عبد الله والله أعلم وفى هذا الاسناد أبو حيان عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى فأبو حيان بالمثناة تحت واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي تيم الرباب الكوفى وأما أبو زرعة فاسمه هرم وقيل عمرو بن عمرو وقيل عبيد الله وقيل عبد الرحمن قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا ) أى ظاهرا ومنه قول الله تعالى وترى الأرض بارزة وبرزوا لله جميعا وبرزت الجحيم ولما برزوا لجالوت قوله صلى الله عليه وسلم ( أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر ) هو بكسر الخاء واختلف فى المراد بالجمع بين الايمان بلقاء الله تعالى والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى فان أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدرى الانسان بماذا يختم له وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة فى البيان والايضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الانسان إلى الدنيا بعث من الارحام وخروجه من القبر للحشر بعث من الأرض فقيد البعث بالآخر ليتميز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة إلى آخره ) أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والاقرار بوحدانيته فعلى هذا يكون عطف الصلاة والصوم والزكاة عليها لادخالها فى الاسلام فانها لم تكن دخلت فى العبادة وعلى هذا انما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الاسلام وأظهر شعائره والباقى ملحق بها ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل جميع وظائف الاسلام فيها فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه ومزيته كقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ونظائره وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تشرك به فانما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه وتعالى فى الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان ) أما تقييد الصلاة بالمكتوبة فلقوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد جاء فى أحاديث وصفها بالمكتوبة كقوله صلى الله عليه وسلم اذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل وخمس صلوات كتبهن الله وأما تقييد الزكاة بالمفروضة وهى المقدرة فقيل احتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول فانها زكاة وليست مفروضة وقيل انما فرق بين الصلاة والزكاة فى التقييد لكراهة تكرير اللفظ الواحد ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فانها زكاة لغوية وأما معنى اقامة الصلاة فقيل فيه قولان أحدهما أنه ادامتها والمحافظة عليها والثانى اتمامها على وجهها قال أبو على الفارسى والأول أشبه قلت وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعتدلوا فى الصفوف فان تسوية الصف من اقامة الصلاة معناه والله أعلم من اقامتها المأمور بها فى قوله تعالى وأقيموا الصلاة وهذا يرجح القول الثانى والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وتصوم رمضان ففيه حجة لمذهب الجماهير وهو المختار الصواب أنه لا كراهة فى قول رمضان من غير تقييد بالشهر خلافا لمن كرهه وستأتى المسألة فى كتاب الصيام ان شاء الله تعالى موضحة بدلائلها وشواهدها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( سأحدثك عن أشراطها ) هي بفتح الهمزة واحدها شرط بفتح الشين والراء والاشراط العلامات وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله متقارب قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا تطاول رعاء البهم ) هو بفتح الباء واسكان الهاء وهى الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعا وقيل أولاد الضأن خاصة واقتصر عليه الجوهرى فى صحاحه والواحدة بهمة قال الجوهرى وهى تقع على المذكر والمؤنث والسخال أولاد المعزى قال فاذا جمعت بينهما قلت بهام وبهم أيضا وقيل ان البهم يختص بأولاد المعز واليه أشار القاضي عياض بقوله وقد يختص بالمعز وأصله كل ما استبهم عن الكلام ومنه البهيمة ووقع فى رواية البخارى رعاء الابل البهم بضم الباء وقال القاضي عياض رحمه الله ورواه بعضهم بفتحها ولا وجه له مع ذكر الابل قال ورويناه برفع الميم وجرها فمن رفع جعله صفة للرعاء أى انهم سود وقيل لاشىء لهم وقال الخطابى هو جمع بهيم وهو المجهول الذى لا يعرف ومنه أبهم الامر ومن جر الميم جعله صفة للابل أى السود لرداءتها والله أعلم قوله ( يعنى السرارى ) هو بتشديد الياء ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان الواحدة سرية بالتشديد لا غير قال بن السكيت فى اصلاح المنطق كل ما كان واحده مشددا من هذا النوع جاز فى جمعه التشديد والتخفيف والسرية الجارية المتخذة للوطء مأخوذة من السر وهو النكاح قال الازهرى السرية فعلية من السر وهو النكاح قال وكان أبو الهيثم يقول السر السرور فقيل لها سرية لأنها سرور مالكها قال الازهرى وهذا القول أحسن والأول أكثر قوله 10 ( عن عمارة وهو بن القعقاع ) فعمارة بالضم والقعقاع بفتح القاف الاولى وقوله وهو بن قد قدمنا بيان فائدته فى الفصول وفى المقدمة وأنه لم يقع فى الرواية نسبه فأراد بيانه بحيث لا يزيد فى الرواية على ما سمع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( سلونى ) هذا ليس بمخالف للنهى عن سؤاله فان هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه وهو موافق لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ) المراد بهم الجهلة السفلة الرعاع كما قال سبحانه وتعالى صم بكم عمي أى لما لم ينتفعوا بجوارحهم هذه فكأنهم عدموها هذا هو الصحيح فى معنى الحديث والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا ) ضبطناه على وجهين أحدهما تعلموا بفتح التاء والعين وتشديد اللام أى تتعلموا والثانى تعلموا باسكان العين وهما صحيحان والله أعلم 11
1 ( باب بيان الصلوات التى هي أحد أركان الاسلام)
فيه قتيبة بن سعيد الثقفى اختلف فيه فقيل قتيبة اسمه وقيل بل هو لقب واسمه علي قاله أبو عبد الله بن منده وقيل اسمه يحيى قاله بن عدى وأما قوله الثقفى فهو مولاهم قيل ان جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفى وفيه أبو سهيل عن أبيه اسم أبى سهيل نافع بن مالك بن أبى عامر الأصبحى ونافع عم مالك بن أنس الامام وهو تابعى سمع أنس بن مالك قوله ( رجل من أهل نجد ثائر الرأس ) هو برفع ثائر صفة لرجل وقيل يجوز نصبه على الحال ومعنى ثائر الرأس قائم شعره منتفشه وقوله ( نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول ) روى نسمع ونفقه بالنون المفتوحة فيهما وروى بالياء المثناة من تحت المضمومة فيهما والاول هو الاشهر الأكثر الاعرف وأما دوى صوته فهو بعده فى الهواء ومعناه شدة صوت لا يفهم وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع فيه ضم الدال أيضا قوله ( هل على غيرها قال لا الا أن تطوع ) المشهور فيه تطوع بتشديد الطاء على ادغام احدى التاءين فى الطاء وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هو محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف قال أصحابنا وغيرهم من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم الا أن تطوع استثناء منقطع ومعناه لكن يستحب لك أن تطوع وجعله بعض العلماء استثناء متصلا واستدلوا به على أن من شرع فى صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه اتمامه ومذهبنا أنه يستحب الاتمام ولا يجب والله أعلم قوله ( فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح ان صدق ) قيل هذا الفلاح راجع إلى قوله لا أنقص خاصة والا ظهر أنه عائد إلى المجموع بمعنى أنه اذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه فهو مفلح وليس فى هذا أنه اذا أتى بزائد لا يكون مفلحا لأن هذا مما يعرف بالضرورة فانه اذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى فان قيل كيف قال لا أزيد على هذا وليس فى هذا الحديث جميع الواجبات ولا االمنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات فالجواب أنه جاء فى رواية البخارى فى آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى على شيئا فعلى عموم قوله بشرائع الاسلام وقوله مما فرض الله على يزول الاشكال فى الفرائض وأما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها وقيل يحتمل أنه أراد لا أزيد فى الفرض بتغيير صفته كأنه يقول لا أصلى الظهر خمسا وهذا تأويل ضعيف ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلى النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض وهذا مفلح بلا شك وان كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة وترد بها الشهادة الا أنه ليس بعاص بل هو مفلح ناج والله أعلم واعلم انه لم يأت فى هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره فى حديث جبريل من رواية أبى هريرة وكذا غير هذا من هذه الأحاديث لم يذكر فى بعضها الصوم ولم يذكر فى بعضها الزكاة وذكر فى بعضها صلة الرحم وفى بعضها أداء الخمس ولم يقع فى بعضها ذكر الايمان فتفاوتت هذه الاحاديث فى عدد خصال الايمان زيادة ونقصا واثباتا وحذفا وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله عنها بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وهذبه فقال ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من تفاوت الرواة فى الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفى ولا اثبات وان كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتى قريبا اختلفت الروايات فى خصاله بالزيادة والنقصان مع أن راوي الجميع راو واحد وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قضية واحدة ثم ان ذلك لا يمنع من ايراد الجميع فى الصحيح لما عرف فى مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها هذا آخر كلام الشيخ وهو تقرير حسن والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أفلح وأبيه ان صدق ) هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وجوابه أن قوله صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه ليس هو حلفا انما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها فى كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف والنهى انما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من اعظام المحلوف به ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى فهذا هو الجواب المرضى وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النهى عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم وفى هذا الحديث أن الصلاة التى هي ركن من أركان الاسلام التى أطلقت فى باقى الأحاديث هي الصلوات الخمس وأنها فى كل يوم وليلة على كل مكلف بها وقولنا بها احتراز من الحائض والنفساء فانها مكلفة بأحكام الشرع الا الصلاة وما ألحق بها مما هو مقرر فى كتب الفقه وفيه أن وجوب صلاة الليل منسوخ فى حق الامة وهذا مجمع عليه واختلف قول الشافعى رحمه الله فى نسخه فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصح نسخه وفيه أن صلاة الوتر ليست بواجبة وأن صلاة العيد أيضا ليست بواجبة وهذا مذهب الجماهير وذهب أبو حنيفة رحمه الله وطائفة إلى وجوب الوتر وذهب أبو سعيد الاصطخرى من أصحاب الشافعى إلى أن صلاة العيد فرض كفاية وفيه أنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان وهذا مجمع عليه واختلف العلماء هل كان صوم عاشوراء واجبا قبل ايجاب رمضان أم كان الأمر به ندبا وهما وجهان لأصحاب الشافعى أظهرهما لم يكن واجبا والثانى كان واجبا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وفيه أنه ليس فى المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابا وفيه غير ذلك والله أعلم 12
1 ( باب السؤال عن أركان الاسلام )
فيه حديث أنس رضى الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق إلى آخر الحديث قوله ( نهينا أن نسأل ) يعنى سؤال ما لا ضرورة إليه كما قدمنا بيانه قريبا فى الحديث الآخر سلونى أى عما تحتاجون إليه وقوله ( الرجل من أهل البادية ) يعنى من لم يكن بلغه النهى عن السؤال وقوله ( العاقل ) لكونه أعرف بكيفية السؤال وآدابه والمهم منه وحسن المراجعة فان هذه أسباب عظم الانتفاع بالجواب ولأن أهل البادية هم الاعراب ويغلب فيهم الجهل والجفاء ولهذا جاء فى الحديث من بدا جفا والبادية والبدو بمعنى وهو ما عدا الحاضرة والعمران والنسبة اليها بدوى والبداوة الاقامة بالبادية وهى بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة وقال أبو زيد هي بفتح الباء قال ثعلب لا أعرف البداوة بالفتح الا عن أبى زيد قوله ( فقال يا محمد ) قال العلماء لعل هذا كان قبل النهى عن مخاطبته صلى الله عليه وسلم باسمه قبل نزول قول الله عز وجل لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا على أحد التفسيرين أى لا تقولوا يا محمد بل يا رسول الله يا نبى الله ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية ولم تبلغ الآية هذا القائل وقوله ( زعم رسولك أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق ) فقوله زعم وتزعم مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه دليل على أن زعم ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه بل يكون أيضا فى القول المحقق والصدق الذى لاشك فيه وقد جاء من هذا كثير فى الاحاديث وعن النبى صلى الله عليه وسلم قال زعم جبريل كذا وقد أكثر سيبويه وهو امام العربية فى كتابه الذى هو امام كتب العربية من قوله زعم الخليل زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم ونقله أبو عمر الزاهد فى شرح الفصيح عن شيخه أبى العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين والله أعلم ثم اعلم أن هذا الرجل الذى جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة بكسر الضاد المعجمة كذا جاء مسمى فى رواية البخارى وغيره قوله ( قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الأرض قال الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذى خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات فى يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم ) هذه جملة تدل على أنواع من العلم قال صاحب التحرير هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وترتيبه فانه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو ثم أقسم عليه به أن يصدقه فى كونه رسولا للصانع ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رصين ثم ان هذه الأيمان جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقاره اليها كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة هذا كلام صاحب التحرير قال القاضي عياض والظاهر أن هذا الرجل لم يأت الا بعد اسلامه وانما جاء مستثبتا ومشافها للنبى صلى الله عليه وسلم والله أعلم وفى هذا الحديث جمل من العلم غير ما تقدم منها أن الصلوات الخمس متكررة فى كل يوم وليلة وهو معنى قوله فى يومنا وليلتنا وأن صوم شهر رمضان يجب فى كل سنة قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه فى تعرف رسالته وصدقه ومجرد اخباره اياه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك معرفة ذلك بالنظر فى معجزاتى والاستدلال بالأدلة القطعية هذا كلام الشيخ وفى هذا الحديث العمل بخبر الواحد وفيه غير ذلك والله أعلم
1 ( باب بيان الايمان الذى يدخل به الجنة ( وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة )
فيه حديث أبى أيوب وأبى هريرة وجابر رضى الله عنهم أما حديثا أبى أيوب وأبى هريرة فرواهما أيضا البخارى وأما حديث جابر فانفرد به مسلم أما ألفاظ الباب فأبو أيوب اسمه خالد بن زيد الانصارى وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا وقد تقدم بيانه بزيادات فى مقدمة الكتاب قول مسلم رحمه الله تعالى ( حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبى ثنا عمرو بن عثمان ثنا موسى بن طلحة حدثنى أبو أيوب وفى الطريق الآخر حدثنى محمد بن حاتم وعبد الرحمن بن بشر قالا ثنا بهز قال ثنا شعبة قال ثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة ) هكذا هو فى جميع الاصول فى الطريق الأول عمرو بن عثمان وفى الثانى محمد بن عثمان واتفقوا على أن الثانى وهم وغلط من شعبة وأن صوابه عمرو بن عثمان كما فى الطريق الأول قال الكلاباذى وجماعات لا يحصون من أهل هذا الشان هذا وهم من شعبة فانه كان يسميه محمدا وانما هو عمرو وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة فى كتاب الزكاة من البخارى والله أعلم وموهب بفتح الميم والهاء واسكان الواو بينهما قوله ( أن أعرابيا ) هو بفتح الهمزة وهو البدوى أى الذى يسكن البادية وقد تقدم قريبا بيانها قوله ( فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ) هما بكسر الخاء والزاى قال الهروى فى الغريبين قال الازهرى الخطام هو الذى يخطم به البعير وهو أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل فى أحد طرفيه حلقة يسلك فيها الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثنى على مخطمه فاذا ضفر من الأدم فهو جرير فاما الذى يجعل فى الأنف دقيقا فهو الزمام هذا ) كلام الهروى عن الأزهرى وقال صاحب المطالع الزمام للابل ما تشد به رؤسها من حبل وسير ونحوه لتقاد به والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لقد وفق هذا ) قال أصحابنا المتكلمون التوفيق خلق قدرة الطاعة والخذلان خلق قدرة المعصية قوله صلى الله عليه وسلم ( تعبد الله لا تشرك به شيئا ) قد تقدم بيان حكمة الجمع بين هذين اللفظين وتقدم بيان المراد باقامة الصلاة وسبب تسميتها مكتوبة وتسمية الزكاة مفروضة وبيان قوله لاأزيد ولا أنقص وبيان اسم أبى زرعة الراوى عن أبى هريرة وأنه هرم وقيل عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عبيد الله قوله صلى الله عليه وسلم ( وتصل الرحم ) أى تحسن إلى أقاربك ذوى رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من انفاق أو سلام أو زيادة أو طاعتهم أو غير ذلك وفى الرواية الاخرى وتصل ذا رحمك وقد تقدم بيان جواز اضافة ذى إلى المفردات فى آخر المقدمة وقوله صلى الله عليه وسلم ( دع الناقة ) انما قاله لأنه كان ممسكا بخطامها أو زمامها ليتمكن من سؤاله بلا مشقة فلما حصل جوابه قال دعها قوله ( حدثنا أبو الاحوص عن أبى إسحاق قد تقدم بيان اسميهما فى مقدمة الكتاب فأبو الاحوص سلام بالتشديد بن سليم وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعى قوله صلى الله عليه وسلم ( ان تمسك بما أمر به دخل الجنة ) كذا هو فى معظم الاصول المحققة وكذا ضبطناه أمر بضم الهمزة وكسر الميم وبه بباء موحدة مكسورة مبنى لما لم يسم فاعله وضبطه الحافظ أبو عامر العبدرى أمرته بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق التى هي ضمير المتكلم وكلاهما صحيح والله أعلم وأما ذكره صلى الله عليه وسلم صلة الرحم في هذا الحديث وذكر الأوعية فى حديث وفد عبد القيس وغير ذلك فى غيرهما فقال القاضي عياض وغيره رحمهم الله ذلك بحسب ما يخص السائل ويعنيه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم 14 ( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) فالظاهر منه أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أنه يوفى بما التزم وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة 15 وأما قول مسلم فى حديث جابر ( حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر ) فهذا اسناد كلهم كوفيون الا جابرا وأبا سفيان فان جابرا مدنى وأبا سفيان واسطى ويقال مكى وقد تقدم أن اسم أبى بكر بن أبى شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم وابراهيم هو أبو شيبة وأما أبو كريب فاسمه محمد بن العلاء الهمدانى باسكان الميم وبالدال المهملة وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والاعمش سليمان بن مهران أبو محمد وأبو سفيان طلحة بن نافع القرشى مولاهم وقد تقدم أن فى سين سفيان ثلاث لغات الضم والكسر والفتح وقول الاعمش عن أبى سفيان مع أن الاعمش مدلس والمدلس اذا قال عن لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من جهة أخرى وقد قدمنا فى الفصول وفى شرح المقدمة أن ما كان فى الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى والله أعلم قوله ( أتى النعمان بن قوقل النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت اذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ) أما قوقل فبقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره لام وأما قوله وحرمت الحرام فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى الظاهر أنه أراد به أمرين أن يعتقده حراما وأن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال فانه يكفى فيه مجرد اعتقاده حلالا قوله ( عن الاعمش عن أبى صالح ) تقدم فى أوائل مقدمة الكتاب أن اسم أبى صالح ذكوان ( قول الحسن بن أعين ثنا معقل وهو بن عبيد الله عن أبى الزبير ) أما أعين فهو بفتح الهمزة وبالعين المهملة وآخره نون وهو الحسن بن محمد بن أعين القرشى مولاهم أبو على الحرانى والأعين من فى عينيه سعة وأما معقل فبفتح الميم واسكان العين المهملة وكسر القاف وأما أبو الزبير فهو محمد بن مسلم بن تدرس بمثناة فوق مفتوحة ثم دال مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم سين مهملة وقوله وهو بن عبيد الله قد تقدم مرات بيان فائدته وهو أنه لم يقع فى الرواية لفظة بن عبيد الله فأراد ايضاحه بحيث لا يزيد فى الرواية 16
1 ( باب بيان أركان الاسلام ودعائمه العظام )
قال مسلم رحمه الله ( حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانى ثنا أبو خالد يعنى سليمان بن حيان الاحمر عن أبى مالك الاشجعى عن سعد بن عبيدة عن بن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال بنى الاسلام على خمسة على أن يوحد الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان فقال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الرواية الثانية بنى الاسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الثالثة بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الرابعة أن رجلا قال لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما ألا تغزو فقال انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الاسلام بنى على خمس شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت ) أما الاسناد الأول المذكور هنا فكله كوفيون الا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فانه مكى مدنى وأما الهمدانى فباسكان الميم وبالدال المهملة وضبط هذا للاحتياط واكمال الايضاح والا فهو مشهور معروف وأيضا فقد قدمت فى آخر الفصول أن جميع ما فى الصحيحين فهو همدانى بالاسكان والمهملة وأما حيان فبالمثناة وتقدم أيضا فى الفصول بيان ضبط هذه الصورة وأما أبو مالك الاشجعى فهو سعد بن طارق المسمى فى الرواية الثانية وأبوه صحابى وأما ضبط ألفاظ المتن فوقع فى الاصول بنى الاسلام على خمسة فى الطريق الاول والرابع بالهاء فيها وفى الثانى والثالث خمس بلا هاء وفى بعض الاصول المعتمدة فى الرابع بلا هاء وكلاهما صحيح والمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك والله أعلم وأما تقديم الحج وتأخيره ففى الرواية الاولى والرابعة تقديم الصيام وفى الثانية والثالثة تقديم الحج ثم اختلف العلماء فى انكار بن عمر على الرجل الذى قدم الحج مع أن بن عمر رواه كذلك كما وقع فى الطريقين المذكورين والاظهر والله أعلم أنه يحتمل أن بن عمر سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم فرواه أيضا على الوجهين فى وقتين فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال بن عمر لا ترد على ما لا علم لك به ولا تعترض بما لا تعرفه ولا تقدح فيما لا تتحققه بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في هذا نفى لسماعه على الوجه الآخر ويحتمل أن بن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسى الوجه الذى رده فأنكره فهذان الاحتمالان هما المختاران فى هذا وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى محافظة بن عمر رضى الله عنهما على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيه عن عكسه تصلح حجة لكون الواو تقتضى الترتيب وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين وشذوذ من النحويين ومن قال لا تقتضى الترتيب وهو المختار وقول الجمهور فله أن يقول لم يكن ذلك لكونها تقتضى الترتيب بل لأن فرض صوم رمضان نزل فى السنة الثانية من الهجرة ونزلت فريضة الحج سنة ست وقيل سنة تسع بالتاء المثناة فوق ومن حق الأول أن يقدم فى الذكر على الثانى فمحافظة بن عمر رضى الله عنهما لهذا وأما رواية تقديم الحج فكأنه وقع ممن كان يرى الرواية بالمعنى ويرى أن تأخير الأول أو الأهم فى الذكر شائع فى اللسان فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهى بن عمر رضى الله عنهما عن ذلك فافهم ذلك فانه من المشكل الذى لم أرهم بينوه هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح وهذا الذى قاله ضعيف من وجهين احدهما ان الروايتين قد ثبتتا فى الصحيح وهما صحيحتان فى المعنى لا تنافى بينهما كما قدمنا ايضاحه فلا يجوز ابطال احداهما الثانى أن فتح باب احتمال التقديم والتأخير فى مثل هذا قدح فى الرواة والروايات فانه لو فتح ذلك لم يبق لنا وثيق بشيء من الروايات الا القليل ولا يخفى بطلان هذا وما يترتب عليه من المفاسد وتعلق من يتعلق به ممن فى قلبه مرض والله أعلم ثم اعلم أنه وقع فى رواية أبى عوانة الاسفراينى فى كتابه المخرج على صحيح مسلم وشرطه عكس ما وقع فى مسلم من قول الرجل لابن عمر قدم الحج فوقع فيه أن بن عمر رضى الله عنهما قال للرجل اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله لايقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم قلت وهذا محتمل أيضا صحته ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين والله أعلم وأما اقتصاره فى الرواية الرابعة على احدى الشهادتين فهو اما تقصير من الراوى فى حذف الشهادة الأخرى التى أثبتها غيره من الحفاظ واما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين ودلالته على الآخر المحذوف والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم على أن يوحد الله هو بضم الياء المثناة من تحت وفتح الحاء مبنى لما لم يسم فاعله أما اسم الرجل الذى رد عليه بن عمر رضى الله عنهما تقديم الحج فهو يزيد بن بشر السكسكى ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى فى كتابه الأسماء المبهمة وأما قوله ألا تغزو فهو بالتاء المثناة من فوق للخطاب ويجوز أن يكتب تغزوا بالألف وبحذفها فالأول قول الكتاب المتقدمين والثانى قول بعض المتأخرين وهو الأصح حكاهما بن قتيبة فى أدب الكاتب وأما جواب بن عمر له بحديث بنى الاسلام على خمس فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان فان الاسلام بنى على خمس ليس الغزو منها والله أعلم ثم ان هذا الحديث أصل عظيم فى معرفة الدين وعليه اعتماده وقد جمع أركانه والله أعلم 17
1 ( باب الامر بالايمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه)
هذا الباب فيه حديث بن عباس وحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنهم فأما حديث بن عباس ففى البخارى أيضا وأما حديث أبى سعيد ففى مسلم خاصة قوله فى الرواية الأولى ( حدثنا حماد ) بن زيد عن أبى جمرة قال سمعت بن عباس رضى الله عنهما وقوله فى الرواية الثانية ( أخبرنا عباد بن عباد عن أبى جمرة عن بن عباس رضى الله عنهما ) قد يتوهم من لا يعانى هذا الفن أن هذا تطويل لا حاجة إليه وأنه خلاف عادته وعادة الحفاظ فان عادتهم فى مثل هذا أن يقولوا عن حماد وعباد عن أبى جمرة عن بن عباس وهذا التوهم يدل على شدة غباوة صاحبه وعدم مؤانسته بشيء من هذا الفن فان ذلك انما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة وهنا اختلف لفظهم ففى رواية حماد عن أبى جمرة سمعت بن عباس وفى رواية عباد عن أبى جمرة عن بن عباس وهذا التنبيه الذى ذكرته ينبغى أن يتفطن لمثله وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة فى الحديث الأول من كتاب الايمان ونبهت عليه أيضا فى الفصول وسأنبه على مواضع منه أيضا مفرقة فى مواضع من الكتاب ان شاء الله تعالى والمقصود أن تعرف هذه الدقيقة ويتيقظ الطالب لما جاء منها فيعرفه وان لم أنص عليه اتكالا على فهمه بما تكرر التنبيه به وليستدل أيضا بذلك على عظم اتقان مسلم رحمه الله وجلالته وورعه ودقة نظره وحذقه والله أعلم وأما أبو جمرة وهو بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران بن عصام وقيل بن عاصم الضبعى بضم الضاد المعجمة البصرى قال صاحب المطالع ليس فى الصحيحين والموطأ أبو جمرة ولا جمرة بالجيم الا هو قلت وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير شيخ الحاكم أبى عبد الله فى كتاب الاسماء والكنى أبا جمرة نصر بن عمران هذا فى الافراد فليس عنده فى المحدثين من يكنى أبا جمرة بالجيم سواه ويروى عن بن عباس حديثا واحدا ذكر فيه معاوية بن أبى سفيان وارسال النبى صلى الله عليه وسلم إليه بن عباس وتأخره واعتذاره رواه مسلم فى الصحيح وحكى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فى كتابه علوم الحديث والقطعة التى شرحها فى أول مسلم عن بعض الحفاظ أنه قال ان شعبة بن الحجاج روى عن سبعة رجال يروون كلهم عن بن عباس كلهم يقال له أبو حمزة بالحاء والزاى الاأبا جمرة نصر بن عمران فبالجيم والراء قال والفرق بينهم يدرك بان شعبة اذا أطلق وقال عن أبى جمرة عن بن عباس فهو بالجيم وهو نصر بن عمران واذا روى عن غيره ممن هو بالحاء والزاى فهو يذكر اسمه أو نسبه والله أعلم قوله ( قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال صاحب التحرير الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم فى لقى العظماء والمصير اليهم فى المهمات واحدهم وافد قال ووفد عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر راكبا الاشج العصرى رئيسهم ومزيدة بن مالك المحاربى وعبيدة بن همام المحاربى وصحار بن العباس المرى وعمرو بن مرحوم العصرى والحارث بن شعيب العصرى والحارث بن جندب من بنى عايش ولم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء قال وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بنى غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب فى الجاهلية فشخص إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم فبينا منقذ بن حيان قاعد اذ مر به النبى صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبى صلى الله عليه وسلم أمنقذ بن حيان كيف جميع هيئتك وقومك ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل قبل هجر فكتب النبى صلى الله عليه وسلم معه إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب به وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهى بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن الحارث والمنذر هو الاشج سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم به لأثر كان فى وجهه وكان منقذ رضى الله عنه يصلى ويقرأ فنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلى منذ قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعنى القبلة فيحنى ظهره مرة ويضع جبينه مرة ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتجاريا ذلك فوقع الاسلام فى قلبه ثم ثار الاشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الاسلام فى قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبى صلى الله عليه وسلم لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الاشج العصرى غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين اذ لم يسلم قوم حتى وتروا قال وقولهم ( انا هذا الحى من ربيعة ) لانه عبد القيس بن أفصى يعنى بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وكانوا ينزلون البحرين الخط وأعنابها وسرة القطيف والسفار والظهران إلى لرمل إلى الاجرع ما بين هجر إلى قصر وبينونة ثم الجوف والعيون والاحساء إلى حد أطراف الدهنا وسائر بلادها هذا ما ذكره صاحب التحرير قولهم انا هذا الحى فالحى منصوب على التخصيص قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الذى نختاره نصب الحى على التخصيص ويكون الخبر فى قولهم من ربيعة ومعناه انا هذا الحى حى من ربيعة وقد جاء بعد هذا فى الرواية الاخرى انا حى من ربيعة وأما معنى الحى فقال صاحب المطالع الحى اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض قولهم ( وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر ) سببه أن كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة فلا يمكنهم الوصول إلى المدينة الا عليهم قولهم ( ولا نخلص اليك الا فى شهر الحرام ) معنى نخلص نصل ومعنى كلامهم انا لا نقدر على الوصول اليك خوفا من أعدائنا الكفار الا فى الشهر الحرام فانهم لا يتعرضون لنا كما كانت عادة العرب من تعظيم الاشهر الحرم وامتناعهم من القتال فيها وقولهم شهر الحرام كذا هو فى الاصول كلها باضافة شهر إلى الحرام وفى الرواية الاخرى أشهر الحرم والقول فيه كالقول فى نظائره من قولهم مسجد الجامع وصلاة الاولى ومنه قول الله تعالى بجانب الغربي ولدار الآخرة فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من اضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عندهم وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الاضافة ولكن هذا كله عندهم على حذف فى الكلام للعلم به فتقديره شهر الوقت الحرام وأشهر الاوقات الحرم ومسجد المكان الجامع ودار الحياة الآخرة وجانب المكان الغربى ونحو ذلك والله أعلم ثم ان قولهم شهر الحرام المراد به جنس الاشهر الحرم وهى أربعة أشهر حرم كما نص عليه القرآن العزيز وتدل عليه الرواية الاخرى بعد هذه الا فى اشهر الحرم والاشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب هذه الأربعة هي الأشهر الحرم باجماع العلماء من أصحاب الفنون ولكن اختلفوا فى الادب المستحسن فى كيفية عدها على قولين حكاهما الامام أبو جعفر النحاس فى كتابه صناعة الكتاب قال ذهب الكوفيون إلى أنه يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة قال والكتاب يميلون إلى هذا القول ليأتوا بهن من سنة واحدة قال وأهل المدينة يقولون ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقوم ينكرون هذا ويقولون جاؤوا بهن من سنتين قال أبو جعفر وهذا غلط بين وجهل باللغة لأنه قد علم المراد وأن المقصود ذكرها وأنها فى كل سنة فكيف يتوهم أنها من سنتين قال والأولى والاختيار ما قاله أهل المدينة لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالوا من رواية بن عمر وأبى هريرة وأبى بكرة رضى الله عنهم قال وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل قال النحاس وأدخلت الألف واللام فى المحرم دون غيره من الشهور قال وجاء من الشهور ثلاثة مضافات شهر رمضان وشهرا ربيع يعنى والباقى غير مضافات وسمى الشهر شهرا لشهرته وظهوره والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( آمركم بأربع وأنها كم عن أربع الايمان بالله ثم فسرها لهم فقال شهادة أن لا اله الاالله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وفى رواية شهادة أن لا اله الاالله وعقد واحدة ) وفى الطريق الأخرى قال وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع قال أمرهم بالايمان بالله وحده قال وهل تدرون ما الايمان بالله قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم وفى الرواية الأخرى قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم هذه ألفاظه هنا وقد ذكر البخارى هذا الحديث فى مواضع كثيرة من صحيحه وقال فيه فى بعضها شهادة أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ذكره فى باب اجازة خبر الواحد وذكره فى باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل صلى الله عليه وسلم فى آخر ذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال فيه آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الايمان بالله وشهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان بزيادة واو وكذلك قال فيه فى أول كتاب الزكاة الايمان بالله وشهادة أن لا اله الا الله بزيادة واو أيضا ولم يذكر فيها الصيام وذكر فى باب حديث وفد عبد القيس الايمان بالله شهادة أن لا اله الا الله فهذه ألفاظ هذه القطعة فى الصحيحين وهذه الألفاظ مما يعد من المشكل وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق والاشكال فى كونه صلى الله عليه وسلم قال آمركم بأربع والمذكور فى أكثر الروايات خمس واختلف العلماء فى الجواب عن هذا على أقوال أظهرها ما قاله الامام بن بطال رحمه الله تعالى فى شرح صحيح البخارى قال أمرهم بالاربع التى وعدهم بها ثم زادهم خامسة يعنى أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر فكانوا أهل جهاد وغنائم وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا فقال قوله أمرهم بالايمان بالله أعاده لذكر الاربع ووصفه لها بأنها ايمان ثم فسرها بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم فهذا موافق لحديث بنى الاسلام على خمس ولتفسير الاسلام بخمس فى حديث جبريل صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن ما يسمى اسلاما يسمى ايمانا وأن الاسلام والايمان يجتمعان ويفترقان وقد قيل انما لم يذكر الحج فى هذا الحديث لكونه لم يكن نزل فرضه وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأن تؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله شهادة ان لا اله الاالله فانه يلزم منه أن يكون الاربع خمسا وانما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا إلى الأربع لا واحدا منها وان كان واحدا من مطلق شعب الايمان قال وأما عدم ذكر الصوم فى الرواية الاولى فهو اغفال من الراوى وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم فى الضبط والحفظ على ما تقدم بيانه فافهم ذلك وتدبره تجده ان شاء الله تعالى مما هدانا الله سبحانه وتعالى لحله من العقد هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو وقيل فى معناه غير ما قالاه مما ليس بظاهر فتركناه والله أعلم وأما قول الشيخ ان ترك الصوم فى بعض الروايات اغفال من الراوى وكذا قاله القاضي عياض وغيره وهو ظاهر لا شك فيه قال القاضي عياض رحمه الله وكانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبى صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الاشهر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ففيه ايجاب الخمس من الغنائم وان لم يكن الامام فى السرية الغازية وفى هذا تفصيل وفروع سننبه عليها فى بابها أن وصلناه ان شاء الله تعالى ويقال خمس بضم الميم واسكانها وكذلك الثلث والربع والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر بضم ثانيها ويسكن والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأنها كم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير وفى رواية المزفت بدل المقير فنضبطه ثم نتكلم على معناه ان شاء الله تعالى فالدباء بضم الدال وبالمد وهو القرع اليابس أى الوعاء منه وأما الحنتم فبحاء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة ثم ميم الواحدة حنتمة وأما النقير فبالنون المفتوحة والقاف وأما المقير فبفتح القاف والياء فاما الدباء فقد ذكرناه وأما الحنتم فاختلف فيها فأصح الاقوال وأقواها أنها جرار خضر وهذا التفسير ثابت فى كتاب الاشربة من صحيح مسلم عن أبى هريرة وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابى رضى الله عنه وبه قال الاكثرون أو كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء والثانى أنها الجرار كلها قاله عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير وأبو سلمة والثالث أنها جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الاجواف وروى ذلك عن أنس بن مالك رضى الله عنه ونحوه عن بن أبى ليلى وزاد أنها حمر والرابع عن عائشة رضى الله عنها جرار حمر أعناقها فى جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر والخامس عن بن أبى ليلى أيضا أفواهها فى جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر والسادس عن عطاء جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم وأما النقير فقد جاء فى تفسيره فى الرواية الاخيرة أنه جذع ينقر وسطه وأما المقير فهو المزفت وهو المطلى بالقار وهو الزفت وقيل الزفت نوع من القار والصحيح الاول فقد صح عن بن عمر رضى الله عنهما أنه قال المزفت هو المقير وأما معنى النهى عن هذه الاربع فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها وهو أن يجعل فى الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب وانما خصت هذه بالنهى لانه يسرع إليه الاسكار فيها فيصير حراما نجسا وتبطل ماليته فنهى عنه لما فيه من اتلاف المال ولانه ربما شربه بعد اسكاره من لم يطلع عليه ولم ينه عن الانتباذ فى أسقية الادم بل أذن فيها لانها لرقتها لا يخفى فيها المسكر بل اذا صار مسكرا شقها غالبا ثم ان هذا النهى كان فى أول الامر ثم نسخ بحديث بريدة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن الانتباذ الا فى الأسقية فانتبذوا فى كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم فى الصحيح هذا الذى ذكرناه من كونه منسوحا هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء قال الخطابى القول بالنسخ هو أصح الاقاويل قال وقال قوم التحريم باق وكرهوا الانتباذ فى هذه الاوعية ذهب إليه مالك وأحمد واسحاق وهو مروى عن بن عمر وعباس رضى الله عنهم والله اعلم قوله ( قال أبو بكر حدثنا غندر عن شعبة وقال الآخران ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة ) هذا من احتياط مسلم رضى الله عنه فان غندرا هو محمد بن جعفر ولكن أبو بكر ذكره بلقبه والآخران باسمه ونسبه وقال أبو بكر عنه عن شعبة وقال الآخران عنه حدثنا شعبة فحصلت مخالفة بينهما وبينه من وجهين فلهذا نبه عليه مسلم رحمه الله تعالى وقد تقدم في المقدمة أن دال غندر مفتوحة على المشهور وأن الجوهرى حكى ضمها أيضا وتقدم بيان سبب تلقيبه بغندر قوله ( كنت أترجم بين يدى بن عباس وبين الناس ) كذا هو فى الاصول وتقديره بين يدى بن عباس بينه وبين الناس فحذف لفظة بينه لدلالة الكلام عليها ويجوز أن يكون المراد بين بن عباس وبين الناس كما جاء في البخارى وغيره بحذف يدى فتكون يدى عبارة عن الجملة كما قال الله تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي قدم والله أعلم وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة ثم قيل انه كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وعندى أنه كان يبلغ كلام بن عباس إلى من خفى عليه من الناس اما لزحام منع من سماعه فأسمعهم وأما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك قال واطلاقه لفظ الناس يشعر بهذا قال وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعده هذا كلام الشيخ والظاهر أن معناه أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم والله أعلم قوله ( فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر ) أما الجر فبفتح الجيم وهو اسم جمع الواحدة جرة ويجمع أيضا على جرار وهو هذا الفخار المعروف وفى هذا دليل على جواز استفتاء المرأة الرجال الاجانب وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة وفي قوله ان وفد عبد القيس الخ دليل على أن مذهب بن عباس رضى الله عنه أن النهى عن الانتباذ فى هذه الاوعية ليس بمنسوخ بل حكمه باق وقد قدمنا بيان الخلاف فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( مرحبا بالقوم ) منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت منه تريد به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبا وسعة قوله صلى الله عليه وسلم ( غير خزايا ولا الندامى ) هكذا هو فى الاصول الندامى بالالف واللام وخزايا بحذفهما وروى فى غير هذا الموضع بالالف واللام فيهما وروى باسقاطهما فيهما والرواية فيه غير بنصب الراء على الحال وأشار صاحب التحرير إلى أنه يروى أيضا بكسر الراء على الصفة للقوم والمعروف الاول ويدل عليه ما جاء فى رواية البخارى مرحبا بالقوم الذين جاؤا غير خزايا ولا ندامى والله أعلم أما الخزايا فجمع خزيان كحيران وحيارى وسكران وسكارى والخزيان المستحى وقيل الذليل المهان وأما الندامى فقيل أنه جمع ندمان بمعنى نادم وهى لغة فى نادم حكاها القزاز صاحب جامع اللغة والجوهرى فى صحاحه وعلى هذا هو على بابه وقيل هو جمع نادم اتباعا للخزايا وكان الأصل نادمين فأتبع لخزايا تحسينا للكلام وهذا الاتباع كثير فى كلام العرب وهو من فصيحه ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ارجعن مأزورات غير مأجورات أتبع مأزورات لمأجورات ولو أفرد ولم يضم إليه مأجورات لقال موزورات كذا قاله الفراء وجماعات قالوا ومنه قول العرب انى لآتيه بالغدايا والعشايا جمعوا الغداة على غدايا اتباعا لعشايا ولو أفردت لم يجز الاغدوات وأما معناه فالمقصود أنه لم يكن منكم تأخر عن الاسلام ولا عناد ولاأصابكم اسار ولا سباء ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون والله أعلم قوله ( فقالوا يا رسول الله انا نأتيك من شقة بعيدة ) الشقة بضم الشين وكسرها لغتان مشهورتان أشهرهما وأفصحهما الضم وهى التى جاء بها القرآن العزيز قال الامام أبو إسحاق الثعلبى وقرأ عبيد بن عمير بكسر الشين وهى لغة قيس والشقة السفر البعيد كذا قاله بن السكيت وبن قتيبة وقطرب وغيرهم قيل سميت شقة لانها تشق على الانسان وقيل هي المسافة وقيل الغاية التى يخرج الانسان اليها فعلى القول الاول يكون قولهم بعيدة مبالغة فى بعدها والله أعلم قولهم ( فمرنا بأمر فصل ) هو بتنوين أمر قال الخطابى وغيره هو البين الواضح الذى ينفصل به المراد ولا يشكل قوله صلى الله عليه وسلم ( وأخبروا به من ورائكم وقال أبو بكر فى روايته من وراءكم ) هكذا ضبطناه وكذا هو فى الاصول الاول بكسر الميم والثانى بفتحها وهما يرجعان إلى معنى واحد قوله ( وحدثنا نصر بن على الجهضمى ) هو بفتح الجيم والضاد المعجمة واسكان الهاء بينهما وقد تقدم بيانه فى شرح المقدمة قوله ( قالا جميعا ) فلفظة جميعا منصوبة على الحال ومعناه اتفقا واجتمعا على التعديت بما يذكره اما مجتمعين فى وقت واحد واما فى وقتين ومن اعتقد أنه لابد أن يكون ذلك فى وقت واحد فقد غلط غلطا بينا قوله ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للاشج أشج عبد القيس ان فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ) أما الاشج فاسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة العصرى بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذى قاله بن عبد البر والاكثرون أو الكثيرون وقال بن الكلبى اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف وقيل اسمه المنذر بن عامر وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمه عائذ بن المنذر وقيل عبد الله بن عوف وأما الحلم فهو العقل وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة وهى مقصورة وسبب قول النبى صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء فى حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأقام الاشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقر به النبى صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الاشج يا رسول الله انك لم تزاول الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه قال صدقت ان فيك خصلتين الحديث قال القاضي عياض فالأناة تربصه حتى نظر فى مصالحه ولم يعجل والحلم هذا القول الذى قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب قلت ولا يخالف هذا ما جاء فى مسند أبى يعلى وغيره أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للاشج ان فيك خصلتين الحديث قال يا رسول الله كانا في أم حدثا قال بل قديم قال قلت الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما قوله 18 ( حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال حدثنا من لقى الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد القيس قال سعيد وذكر قتادة أبا نضرة عن أبى سعيد الخدرى ) معنى هذا الكلام أن قتادة حدث بهذا الحديث عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى كما جاء مبينا فى الرواية التى بعد هذا من رواية بن أبى عدى وأما أبو عروبة بفتح العين فاسمه مهران وهكذا يقوله أهل الحديث وغيرهم عروبة بغير ألف ولام وقال بن قتيبة فى كتابه أدب الكاتب فى باب ما تغير من أسماء الناس هو بن أبى العروبة بالالف واللام يعنى أن قولهم عروبة لحن وذكره بن قتيبة فى كتابه المعارف كما ذكره غيره فقال سعيد بن أبى عروبة يكنى أبا النضر لاعقب له يقال انه لم يمس امرأة قط واختلط فى آخر عمره وهذا الذى قاله من اختلاطه كذا قاله غيره واختلاطه مشهور قال يحيى بن معين وخلط سعيد بن أبى عروبة بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة ثنتين وأربعين يعنى ومائة ومن سمع منه بعد ذلك فليس بشيء ويزيد بن هارون صحيح السماع منه بواسط وأثبت الناس سماعا منه عبدة بن سليمان قلت وقد مات سعيد بن أبى عروبة سنة ست وخمسين ومائة وقيل سنة سبع وخمسين وقد تقرر من القاعدة التى قدمناها أن من علمنا أنه روى عن المختلط فى حال سلامته قبلنا روايته واحتججنا بها ومن روى فى حال الاختلاط أو شككنا فيه لم نحتج بروايته وقد قدمنا أيضا أن من كان من المختلطين محتجا به فى الصحيحين فهو محمول على أنه ثبت أخذ ذلك عنه قبل الاختلاط والله أعلم وأما أبو نضرة بفتح النون واسكان الضاد المعجمة فاسمه المنذر بن مالك بن قطعة بكسر القاف واسكان الطاء العوقى بفتح العين والواو وبالقاف هذا هو المشهور الذى قاله الجمهور وحكى صاحب المطالع أن بعضهم سكن الواو من العوقى والعوقة بطن من عبد القيس وهو بصرى والله أعلم وأما أبو سعيد الخدرى فاسمه سعد بن مالك بن سنان منسوب إلى بنى خدرة وكان أبوه مالك رضى الله عنه صحابيا أيضا قتل يوم أحد شهيدا قوله صلى الله عليه وسلم ( فتقذفون فيه من القطيعاء ) أما تقذفون فهو بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة ثم فاء ثم واو ثم نون كذا وقع فى الاصول كلها فى هذا الموضع الأول ومعناه تلقون فيه وترمون وأما قوله فى الرواية الاخرى وهى رواية محمد بن المثنى وبن بشار عن بن أبى عدى وتذيفون به من القطيعاء فليست فيها قاف وروى بالذال المعجمة وبالمهملة وهما لغتان فصيحتان وكلاهما بفتح التاء وهو من ذاف يذيف بالمعجمة كباع يبيع وداف يدوف بالمهملة كقال يقول واهمال الدال أشهر فى اللغة وضبطه بعض رواة مسلم بضم التاء على رواية المهملة وعلى رواية المعجمة أيضا جعله من أذاف والمعروف فتحها من ذاف وأذاف ومعناه على الأوجه كلها خلط والله أعلم وأما القطيعاء فبضم القاف وفتح الطاء وبالمد وهو نوع من التمر صغار يقال له الشهريز بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى أن أحدكم أوان أحدهم ليضرب بن عمه بالسيف ) معناه اذا شرب هذا الشراب سكر فلم يبق له عقل وهاج به الشر فيضرب بن عمه الذى هو عنده من أحب أحبابه وهذه مفسدة عظيمة ونبه بها على ما سواها من المفاسد وقوله أحدكم أو أحدهم شك من الراوى والله أعلم قوله ( وفى القوم رجل أصابته جراحة ) واسم هذا الرجل جهم وكانت الجراحة فى ساقه قوله صلى الله عليه وسلم ( فى أسقية الأدم التى يلاث على أفواهها ) أما الأدم فبفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد الذى تم دباغه وأما يلاث على أفواهها فبضم المثناة من تحت وتخفيف اللام وآخره ثاء مثلثة كذا ضبطناه وكذا هو فى أكثر الاصول وفى أصل الحافظ أبى عامر العبدرى ثلاث بالمثناة فوق وكلاهما صحيح فمعنى الاول يلف الخيط على أفواهها ويربط به ومعنى الثانى تلف الاسقية على أفواهها كما يقال ضربته على رأسه قوله ( ان أرضنا كثيرة الجرذان ) كذا ضبطناه كثيرة بالهاء فى آخره ووقع فى كثير من الاصول كثير بغير هاء قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح صح فى أصولنا كثير من غير تاء التأنيث والتقدير فيه على هذا أرضنا مكان كثير الجرذان ومن نظائره قول الله عز وجل إن رحمة الله قريب من المحسنين وأما الجرذان فبكسر الجيم واسكان الراء وبالذال المعجمة جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء كنغر ونغران وصرد وصردان والجرذ نوع من الفار كذا قاله الجوهرى وغيره وقال الزبيدى فى مختصر العين هو الذكر من الفار وأطاق جماعة من شراح الحديث أنه الفار قوله صلى الله عليه وسلم ( وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان ) هكذا هو فى الأصول مكرر ثلاث مرات قوله ( قالا ثنا بن أبى عدي ) هو محمد بن إبراهيم وابراهيم هو أبو عدي قوله ( حدثنا أبو عاصم عن بن جريج أما أبو عاصم فالضحاك بن مخلد النبيل وأما بن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج قوله ( حدثني محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق انا بن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري أخبره ) هذا الاسناد معدود فى المشكلات وقد اضطربت فيه أقوال الأئمة وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ والصواب فيه ما حققه وحرره وبسطه وأوضحه الامام الحافظ أبو موسى الاصبهانى فى الجزء الذي جمعه فيه وما أحسنه وأجوده وقد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال هذا الاسناد أحد المعضلات ولاعضاله وقع فيه تعبيرات من جماعة واهمة فمن ذلك رواية أبي نعيم الاصبهانى فى مستخرجه على كتاب مسلم باسناده أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري أخبره وهذا يلزم منه أن يكون أبو قزعة هو الذى أخبر أبا نضرة وحسنا عن أبى سعيد ويكون أبو قزعة هو الذى سمع من أبي سعيد وذلك منتف بلا شك ومن ذلك أن أبا على الغساني صاحب تقييد المهمل رد رواية مسلم هذه وقلده فى ذلك صاحب المعلم ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد وصوبهما فى ذلك القاضي عياض فقال أبو علي الصواب فى الاسناد عن بن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه أن أبا سعيد أخبره وذكر أنه انما قال أخبره ولم يقل أخبرهما لانه رد الضمير إلى أبي نضرة وحده وأسقط الحسن لموضع الارسال فانه لم يسمع من أبي سعيد ولم يلقه وذكر أنه بهذا اللفظ الذى ذكره مسلم خرجه أبو علي بن السكن فى مصنفه باسناده قال وأظن أن هذا من اصلاح بن السكن وذكر الغساني أيضا أنه رواه كذلك أبو بكر البزار فى مسنده الكبير باسناده وحكى عنه وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذكرا أن حسنا هذا هو الحسن البصري وليس الأمر فى ذلك على ما ذكروه بل ما أورده مسلم فى هذا الاسناد هو الصواب وكما أورده رواه أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن بن جريج وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الاصبهاني رحمه الله وألف فى ذلك كتابا لطيفا تبجح فيه باجادته واصابته مع وهم غير واحد فيه فذكر أن حسنا هذا هو الحسن بن مسلم بن يناق الذي روى عنه بن جريج غير هذا الحديث وأن معنى هذا الكلام أن أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم كليهما ثم أكد ذلك بأن أعاد فقال أخبرهما أن أبا سعيد أخبره يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة وهذا كما تقول ان زيدا جاءنى وعمرا جاءنى فقالا كذا وكذا وهذا من فصيح الكلام واحتج على أن حسنا فيه هو الحسن بن مسلم بن يناق بن سلمة بن شبيب وهو ثقة رواه عن عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم بن يناق أخبرهما أن أبا سعيد أخبره الحديث ورواه أبو الشيخ الحافظ فى كتابه المخرج على صحيح مسلم وقد أسقط أبو مسعود الدمشقى وغيره ذكر حسن من الاسناد لأنه مع اشكاله لا مدخل له فى الرواية وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو على الغساني وبين بطلانه وبطلان رواية من غير الضمير فى قوله أخبرهما وغير ذلك من التغييرات ولقد أجاد وأحسن رضى الله عنه هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله وفى هذا القدر الذى ذكره أبلغ كفاية وان كان الحافظ أبو موسى قد أطنب فى بسطه وايضاحه بأسانيده واستشهاداته ولا ضرورة إلى زيادة على هذا القدر والله أعلم وأما أبو قزعة المذكور فاسمه سويد بن حجير بحاء مهملة مضمومة ثم جيم مفتوحة وآخره راء وهو باهلي بصري انفرد مسلم بالرواية له دون البخاري وقزعة بفتح القاف وبفتح الزاي واسكانها ولم يذكر أبو علي الغساني فى تقييد المهمل سوى الفتح وحكى القاضي عياض فيه الفتح والاسكان ووجد بخط بن الأنباري بالاسكان وذكر بن مكي فى كتابه فيما يلحن فيه أن الاسكان هو الصواب والله أعلم قولهم ( جعلنا الله فداك ) هو بكسر الفاء وبالمد ومعناه يقيك المكاره قوله صلى الله عليه وسلم ( وعليكم بالموكى ) هو بضم الميم واسكان الواو مقصور غير مهموز ومعناه انبذوا فى السقاء الدقيق الذي يوكى أى يربط فوه بالوكاء وهو الخيط الذي يربط به والله أعلم هذا ما يتعلق بألفاظ هذا الحديث وأما أحكامه ومعانيه فقد اندرج جمل منها فيما ذكرته وأنا أشير اليها ملخصة مختصرة مرتبة ففي هذا الحديث وفادة الرؤساء والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة وفيه تقديم الاعتذار بين يدي المسألة وفيه بيان مهمات الاسلام وأركانه ما سوى الحج وقد قدمنا أنه لم يكن فرض وفيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم ببعض أصحابه كما فعله بن عباس رضى الله عنهما وقد يستدل به على أنه يكفي فى الترجمة في الفتوى والخبر قول واحد وفيه استحباب قول الرجل لزواره والقادمين عليه مرحبا ونحوه والثناء عليهم ايناسا وبسطا وفيه جواز الثناء على الانسان فى وجهه اذا لم يخف عليه فتنة باعجاب ونحوه وأما استحبابه فيختلف بحسب الاحوال والاشخاص وأما النهي عن المدح فى الوجه فهو فى حق من يخاف عليه الفتنة بما ذكرناه وقد مدح النبى صلى الله عليه وسلم فى مواضع كثيرة فى الوجه فقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله عنه لست منهم وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لا تبك ان أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وقال له وأرجو أن تكون منهم أى من الذين يدعون من أبواب الجنة وقال صلى الله عليه وسلم ائذن له وبشره بالجنة وقال صلى الله عليه وسلم اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان وقال صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة ورأيت قصرا فقلت لمن هذا قالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك فقال عمر رضى الله عنه بأبى أنت وأمى يا رسول الله أعليك أغار وقال له ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك وقال صلى الله عليه وسلم افتح لعثمان وبشره بالجنة وقال لعلى رضى الله عنه أنت منى وأنا منك وفى الحديث الآخر أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى وقال صلى الله عليه وسلم لبلال سمعت دق نعليك فى الجنة وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن سلام أنت على الاسلام حتى تموت وقال للانصارى ضحك الله عز وجل أو عجب من فعالكما وقال للانصار أنتم من أحب الناس إلى ونظائر هذا كثيرة من مدحه صلى الله عليه وسلم في الوجه وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم رضى الله عنهم أجمعين فأكثر من أن يحصر والله أعلم وفي حديث الباب من الفوائد أنه لا عتب على طالب العلم والمستفتى اذا قال للعالم أوضح لى الجواب ونحو هذه العبارة وفيه أنه لا بأس بقول رمضان من غير ذكر الشهر وفيه جواز مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشق عليه وفيه تأكيد الكلام وتفخيمه ليعظم وقعه في النفس وفيه جواز قول الانسان لمسلم جعلنى الله فداك فهذه أطراف مما يتعلق بهذا الحديث وهي وأن كانت طويلة فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبى التحقيق والله أعلم وله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة 19
1 ( باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الاسلام )
فيه بعث معاذ إلى اليمن وهو متفق عليه في الصحيحين قوله ( عن أبى معبد عن أبن عباس عن معاذ قال أبو بكر وربما قال وكيع عن بن عباس ان معاذا قال ) هذا الذى فعله مسلم رحمه الله نهاية التحقيق والاحتياط والتدقيق فإن الرواية الاولى قال فيها عن معاذ والثانية أن معاذا وبين أن وعن فرق فإن الجماهير قالوا أن كعن فيحمل على الاتصال وقال جماعة لا تلتحق ان بعن بل تحمل ان على الانقطاع ويكون مرسلا ولكنه هنا يكون مرسل صحابى له حكم المتصل على المشهور من مذاهب العلماء وفيه قول الاستاذ أبى إسحاق الاسفراينى الذي قدمناه في الفصول أنه لا يحتج به فاحتاط مسلم رحمه الله وبين اللفظين والله أعلم وأما أبو معبد فاسمه نافذ بالنون والفاء والذال المعجمة وهو مولى بن عباس قال عمرو بن دينار كان من أصدق موالى بن عباس رضى الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم ( انك تأتى قوما من أهل الكتاب ) فادعهم إلى شهادة أن لا إله الا الله وانى رسول الله فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن أطاعوا لذلك فإياك وكرائم اموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) أما الكرائم فجمع كريمة قال صاحب المطالع هي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة أو كثرة لحم أو صوف وهكذا الرواية فإياك وكرائم بالواو في قوله وكرائم قال بن قتيبة ولا يجوز اياك كرائم أموالهم بحذفها ومعنى ليس بينها وبين الله حجاب أي انها مسموعة لا ترد وفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به وفيه أن الوتر ليس بواجب لان بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بقليل بعد الامر بالوتر والعمل به وفيه أن السنة أن الكفار يدعون إلى التوحيد قبل القتال وفيه أنه لا يحكم باسلامه الا بالنطق بالشهادتين وهذا مذهب أهل السنة كما قدمنا بيانه في اول كتاب الايمان وفيه ان الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة وفيه بيان عظم تحريم الظلم وأن الامام ينبغى أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويبالغ في نهيهم عن الظلم ويعرفهم قبح عاقبته وفيه أنه يحرم على الساعى أخذ كرائم المال في أداء الزكاة بل يأخذ الوسط ويحرم على رب المال اخراج شر المال وفيه ان الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع أيضا إلى غنى من نصيب الفقراء واستدل به الخطابى وسائر أصحابنا على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال لقوله صلى الله عليه وسلم فترد في فقرائهم وهذا الاستدلال ليس بظاهر لان الضمير في فقرائهم محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء أهل تلك البلدة والناحية وهذا الاحتمال أظهر واستدل به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة وتحريم الزنى ونحوها لكونه صلى الله عليه وسلم قال فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ان عليهم فدل على أنهم اذا لم يطيعوا لا يجب عليهم وهذا الاستدلال ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا والمطالبة في الدنيا لا تكون الا بعد الاسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة ولانه صلى الله عليه وسلم رتب ذلك في الدعاء إلى الاسلام وبدأ بالاهم فالأهم ألا تراه بدأ صلى الله عليه وسلم بالصلاة قبل الزكاة ولم يقل أحد أنه يصير مكلفا بالصلاة دون الزكاة والله أعلم ثم اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهى عنه هذا قول المحققين والاكثرين وقيل ليسوا مخاطبين بها وقيل مخاطبون بالمنهى دون المأمور والله أعلم قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا الذى وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الاسلام دون بعض هو من تقصير الراوى كما بيناه فيما سبق من نظائره والله أعلم قوله ( فى الرواية الثانية حدثنا بن أبى عمر ) هو محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى أبو عبد الله سكن مكة وفيها عبد بن حميد هو الامام المعروف صاحب المسند يكنى أبا محمد قيل اسمه عبد الحميد وفيها أبو عاصم هو النبيل الضحاك بن مخلد قوله ( عن بن عباس ان النبى صلى الله عليه وسلم بعث معاذا ) هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند بن عباس وكذلك الرواية التي بعده وأما الاولى فمن مسند معاذ ووجه الجمع بينهما أن يكون بن عباس سمع الحديث من معاذ فرواه تارة عنه متصلا وتارة أرسله فلم يذكر معاذا وكلاهما صحيح كما قدمناه أن مرسل الصحابى اذا لم يعرف المحذوف يكون حجة فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ ويحتمل ان بن عباس سمعه من معاذ وحضر القضية فتارة رواها بلا واسطة لحضوره اياها وتارة رواها عن معاذ اما لنسيانه الحضور واما لمعنى آخر والله اعلم قوله ( حدثنا امية بن بسطام العيشى ) أما بسطام فبكسر الباء الموحدة هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع أيضا فتحها واختلف في صرفه فمنهم من صرفه ومنهم من لم يصرفه قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله بسطام عجمى لا ينصرف قال بن دريد ليس من كلام العرب قال ووجدته في كتاب بن الجواليقى في المعرب مصروفا وهو بعيد هذا كلام الشيخ أبى عمرو وقال الجوهرى في الصحاح بسطام ليس من أسماء العرب وانما سمى قيس بن مسعود ابنه بسطاما باسم ملك من ملوك فارس كما سموا قابوس فعربوه بكسر الباء والله اعلم واما العيشي فبالشين المعجمة وهو منسوب إلى بنى عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وكان أصله العايشى ولكنهم خففوه قال الحاكم أبو عبد الله والخطيب أبو بكر البغدادى العيشيون بالشين المعجمة بصريون والعبسيون بالباء الموحدة والسين المهملة كوفيون والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون وهذا الذى قالاه هو الغالب والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم إلى آخره ) قال القاضي عياض رحمه الله هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وان كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا وان كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا قال القاضي عياض رحمه الله ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود أو اجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم أو أضاف إليه الصاحبة والولد وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى أو وصفه مما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذى عبدوه ليس هو الله وان سموه به اذ ليس موصوفا بصفات الاله الواجبة له فاذن ما عرفوا الله سبحانه فتحقق هذه النكتة واعتمد عليها وقد رأيت معناها لمتقدمى أشياخنا وبها قطع الكلام ابوعمران الفارسى بين عامة اهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الاخيرة ( فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم ) قد يستدل بلفظه من أموالهم على أنه اذا امتنع من الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره وهذا الحكم لاخلاف فيه ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك في الباطن فيه وجهان لأصحابنا والله أعلم 20
1 ( باب الامر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله ( ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ) ( وان من فعل ذلك عصم نفسه وماله الا بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى ) ( وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الاسلام واهتمام الامام بشعائر الاسلام ))
أما أسماء الرواة ففيه عقيل عن الزهري هو بضم العين وتقدم في الفصول بيانه وفيه يونس وقد تقدم بيانه وأن فيه ستة أوجه ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه وفيه سعيد بن المسيب وقد قدمنا أن المسيب بفتح الياء على المشهور وقيل بكسرها وفيه أحمد بن عبدة باسكان الباء وفيه أمية بن بسطام تقدم بيانه في الباب قبله وفيه حفص بن غياث عن الاعمش عن أبى سفيان عن جابر وعن أبى صالح عن أبى هريرة فقوله وعن أبى صالح يعنى رواه الاعمش ) أيضا عن أبى صالح وقد تقدم أن اسم ابى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الاصح من نحو ثلاثين قولا وان اسم أبى صالح ذكوان السمان وأن اسم ابى سفيان طلحة بن نافع وأن اسم الاعمش سليمان بن مهران وأما غياث فبالغين المعجمة وآخره مثلثة وفيه أبو الزبير وقد تقدم في كتاب الايمان أن اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة فوق وفيه أبوغسان المسمعى مالك بن عبد الواحد هو بكسر الميم الاولى وفتح الثانية واسكان المهملة بينهما منسوب إلى مسمع بن ربيعة وتقدم بيان صرف غسان وعدمه وأنه يجوز الوجهان فيه وفيه واقد بن محمد وهو بالقاف وقد قدمنا في الفصول أنه ليس في الصحيحين وافد بالفاء بل كله بالقاف وفيه أبو خالد الاحمر وأبومالك عن أبيه فابو مالك اسمه سعد بن طارق وطارق الصحابى وقد تقدم ذكرهما في باب أركان الاسلام وتقدم فيه ايضا أن أبا خالد اسمه سليمان بن حيان بالمثناة وفيه عبد العزيز الدراوردى وهو بفتح الدال المهملة وبعدها راء ثم ألف ثم واو مفتوحة ثم راء أخرى ساكنة ثم دال اخرى ثم ياء النسب واختلف في وجه نسبته فالاصح الذى قاله المحققون انه نسبة إلى داربجرد بفتح الدال الاولى وبعدها راء ثم الف ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم مكسورة ثم راء ساكنة ثم دال فهذا قول جماعات من أهل العربية واللغة منهم الاصمعى وابو حاتم السجستانى وقاله من المحدثين أبو عبد الله البخارى الامام وأبو حاتم بن حبان البستى وأبو نصر الكلاباذى وغيرهم قالوا وهو من شواذ النسب قال أبو حاتم وأصله درابى أو جردى ودرابى أجود قالوا ودرابجرد مدينة بفارس قال البخارى والكلاباذى كان جد عبد العزيز هذا منها وقال البستى كان أبوه منها وقال بن قتيبة وجماعة من أهل الحديث هو منسوب إلى دارورد ثم قيل دراورد هي درابحرد وقيل بل هي قرية بخراسان وقال السمعانى في كتاب الانساب قيل انه من أندرابه يعنى بفتح الهمزة وبعدها نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء ثم ألف ثم باء موحدة ثم هاء وهي مدينة من عمل بلخ وهذا الذى قاله السمعانى لائق بقول من يقول فيه الاندراوردى وأما فقهه ومعانيه قوله 20 ( لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضى الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب ) قال الخطابى رحمه الله في شرح هذا الكلام كلاما حسنا لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد قال رحمه الله مما يجب تقديمه في هذا ان يعلم ان أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله وكفر من كفر من العرب وهذه الفرقة طائفتان احداهما أصحاب مسيلمة من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الاسود العنسي ومن كان من مستجيبية من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة باسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسى بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم والطائفة الاخرى ارتدوا عن الدين وانكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الأرض الا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبدالقيس في البحرين في قرية يقال لها جواثا ففي ذلك يقول الاعور الشنى يفتخر بذلك والمسجد الثالث الشرقى كان لنا والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لامنبر للناس نعرفه الا بطيبة والمحجوب ذى الحجب 1 ( وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من الازد محصورين بجواثا إلى ان فتح الله سبحانه على المسلمين اليمامة فقال بعضهم وهو رجل من بنى أبى بكر بن كلاب يستنجد أبا بكر الصديق رضى الله عنه الا أبلغ أبا بكر رسولا وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج دماء البدن تغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا وجدنا النصر للمتوكلينا ) والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الامام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغى وانما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار اهل الردة فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة اذ كانت أعظم الامرين وأهمهما وأرخ قتال أهل البغى في زمن على بن أبي طالب رضى الله عنه اذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها الا ان رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى وقبضوا على أيديهم في ذلك كبنى يربوع فانهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر رضى الله عنه فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي امر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضى الله عنه فراجع أبا بكر رضى الله عنه وناظره واحتج عليه بقول النبى صلى الله عليه وسلم أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم نفسه وماله وكان هذا من عمر رضى الله عنه تعلقا بظاهر الكلام قبل ان ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر رضى الله عنه ان الزكاة حق المال يريد ان القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بايفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل باحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة اليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان اجماعا من الصحابة وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر رضى الله عنه بالعموم ومن أبى بكر رضى الله عنه بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وان جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته به فلما استقر عند عمر صحة رأى ابى بكر رضى الله عنهما وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله فلما رأيت الله قد شرح صدر ابى بكر للقتال عرفت انه الحق يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي ادلى بها والبرهان الذى اقامه نصا ودلالة وقد زعم زاعمون من الرافضة ان أبا بكر رضى الله عنه اول من سبى المسلمون وان القوم كانوا متأولين في منع الصدقة وكانوا يزعمون ان الخطاب فى قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم خطاب خاص في مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم دون غيره وانه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك انه ليس لاحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبى صلى الله عليه وسلم ومثل هذه الشبهة اذا وجد كان مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم وزعموا ان قتالهم كان عسفا قال الخطابى رحمه الله وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لاخلاق لهم في الدين وانما راس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف وقد بينا أن اهل الردة كانوا اصنافا منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وانكر الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا ولذلك رأى أبو بكر رضى الله عنه سبى ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة واستولد على بن أبى طالب رضى الله عنه جارية من سبى بنى حنيفة فولدت له محمد الذى يدعى بن الحنفية ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى اجمعوا على ان المرتد لا يسبى فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على اصل الدين فإنهم اهل بغى ولم يسموا على الانفراد منهم كفارا وان كانت الردة قد اضيفت اليهم لمشاركتهم المرتدين فى منع بعض ما منعوه من حقوق الدين وذلك أن الردة اسم لغوى وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا وأما قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وما ادعوه من كون الخطاب خاصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه خطاب عام كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية وكقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام وخطاب خاص للنبى صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك وكقوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين وخطاب مواجهة للنبى صلى الله عليه وسلم وهو وجميع أمته فى المراد به سواء كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وكقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وكقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ونحو ذلك من خطاب المواجهة فكل ذلك غير مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم بل تشاركه فيه الأمة فكذا قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة فعلى القائم بعده صلى الله عليه وسلم بأمر الأمة أن يحتذي حذوه فى أخذها منهم وانما الفائدة فى مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم بالخطاب أنه هو الداعى إلى الله تعالى والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه فى الخطاب ليكون سلوك الأمر فى شرائع الدين على حسب ما ينهجه ويبينه لهم وعلى هذا المعنى قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن فافتتح الخطاب بالنبوة باسمه خصوصا ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموما وربما كان الخطاب له مواجهة والمراد غيره كقوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك إلى قوله فلا تكونن من الممترين ولا يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم قد شك قط فى شيء مما أنزل إليه فأما التطهير والتزكية والدعاء من الامام لصاحب الصدقة فان الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيها وكل ثواب موعود على عمل بر كان فى زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه باق غير منقطع ويستحب للامام وعامل الصدقة أن يدعو للمصدق بالنماء والبركة فى ماله ويرجى أن يستجيب الله ذلك ولا يخيب مسألته فإن قيل كيف تأولت أمر الطائفة التى منعت الزكاة على الوجه الذى ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغى وهل اذا أنكرت طائفة من المسلمين فى زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغى قلنا لا فإن من أنكر فرض الزكاة فى هذه الأزمان كان كافرا باجماع المسلمين والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها فى هذا الزمان منها قرب العهد بزمان الشريعة الذى كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ ومنها أن القوم كانوا جهالا بأمور الدين وكان عهدهم بالاسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا فأما اليوم وقد شاع دين الاسلام واستفاض فى المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله فى انكارها وكذلك الأمر فى كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين اذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنى والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام الا أن يكون رجلا حديث عهد بالاسلام ولا يعرف حدوده فإنه اذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم فى بقاء اسم الدين عليه فأما ما كان الاجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأن القاتل عمدا لا يرث وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها فى العامة قال الخطابى رحمه الله وانما عرضت الشبهة لمن تأوله على الوجه الذى حكيناه عنه لكثرة ما دخله من الحذف فى رواية أبى هريرة وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه وذكر القصة فى كيفية الردة منهم وانما قصد به حكاية ما جرى بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وما تنازعاه فى استباحة قتالهم ويشبه أن يكون أبو هريرة انما لم يعن بذكر جميع القصة اعتمادا على معرفة المخاطبين بها اذ كانوا قد علموا كيفية القصة ويبين لك أن حديث أبى هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنسا رضى الله عنهم روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففى حديث بن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله وفى رواية أنس رضى الله عنه أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم الا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين والله أعلم هذا آخر كلام الخطابى رحمه الله قلت وقد ثبت فى الطريق الثالث المذكور فى الكتاب من رواية أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وفى استدلال أبى بكر واعتراض عمر رضى الله عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه بن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التى فى رواياتهم فى مجلس آخر فإن عمر رضى الله عنه لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإنه بهذه الزيادة حجة عليه ولو سمع أبو بكر رضى الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج بالقياس والعموم والله أعلم قوله ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم منى ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله ) قال الخطابى رحمه الله معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لانهم يقولون لا اله الا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف قال ومعنى وحسابه على الله أى فيما يستسرون به ويخفونه دون ما يخلون به فى الظاهر من الأحكام الواجبة قال ففيه أن من أظهر الاسلام وأسر الكفر قبل اسلامه فى الظاهر وهذا قول أكثر العلماء وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لاتقبل ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل رضى الله عنهما هذا كلام الخطابى وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا اله الا الله تعبير عن الاجابة إلى الايمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد وهم كانوا أول من دعى إلى الاسلام وقوتل عليه فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى فى عصمته بقوله لا اله الا الله اذ كان يقولها فى كفره وهى من اعتقاده فلذلك جاء فى الحديث الآخر وأنى رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هذا كلام القاضي قلت ولا بد مع هذا من الايمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء فى الرواية الأخرى لأبى هريرة هي مذكورة فى الكتاب حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به والله أعلم قلت اختلف أصحابنا فى قبول توبة الزنديق وهو الذى ينكر الشرع جملة فذكروا فيه خمسة أوجه لاصحابنا أصحها والاصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة والثانى لا تقبل ويتحتم قتله لكنه ان صدق فى توبته نفعه ذلك فى الدار الآخرة وكان من أهل الجنة والثالث ان تاب مرة واحدة قبلت توبته فان تكرر ذلك منه لم تقبل والرابع ان اسلم ابتداء من غير طلب قبل منه وان كان تحت السيف فلا والخامس ان كان داعيا إلى الضلال لم يقبل منه والا قبل منه والله أعلم قوله رضى الله عنه ( والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) ضبطنا بوجهين فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه من أطاع فى الصلاة وجحد الزكاة أو منعها وفيه جواز الحلف وان كان فى غير مجلس الحاكم وأنه ليس مكروها اذا كان لحاجة من تفخيم أمر ونحوه قوله ( والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ) هكذا فى مسلم عقالا وكذا فى بعض روايات البخارى وفى بعضها عناقا بفتح العين وبالنون وهى الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال فى مرة عقالا وفى الأخرى عناقا فروى عنه اللفظان فأما رواية العناق فهي محمولة على ما اذا كانت الغنم صغارا كلها بأن ماتت أماتها فى بعض الحول فاذا حال حول الأمات زكى السخال الصغار بحول الأمات سواء بقى من الأمات شيء أم لا هذا هو الصحيح المشهور وقال أبو القاسم الانماطى من أصحابنا لا يزكى الأولاد بحول الأمات الا أن يبقى من الأمات نصاب وقال بعض أصحابنا الا أن يبقى من الأمهات شيء ويتصور ذلك فيما اذا مات معظم الكبار وحدثت صغار فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار والله أعلم وأما رواية عقالا فقد اختلف العلماء قديما وحديثا فيها فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام وهو معروف فى اللغة بذلك وهذا قول النسائى والنضر بن شميل وأبى عبيدة والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء واحتج هؤلاء على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين 1 ( أراد مدة عقال فنصبه على الظرف وعمرو هذا الساعى هو عمرو بن عتبة بن أبى سفيان ولاه عمه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك قالوا ولأن العقال الذى هو الحبل الذى يعقل به البعير لا يجب دفعه فى الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل الحديث عليه وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير وهذا القول يحكى عن مالك وبن أبى ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين قال صاحب التحرير قول من قال المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فتقتضى قلة ما علق به القتال وحقارته واذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى قال ولست أشبه هذا الا بتعسف من قال فى قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ان المراد بالبيضة بيضة الحديد التى يغطى بها الرأس فى الحرب وبالحبل الواحد من حبال السفينة وكل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة قال بعض المحققين ان هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة ومخارج كلام العرب لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه فيصرف إليه بيضة تساوى دنانير وحبل لا يقدر السارق على حمله وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب فى عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول فى جراب مسك وانما العادة فى مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد فى حبل رث أو فى كبة شعر وكل ما كان من هذا أحقر كان أبلغ فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذى يعقل به البعير ولم يرد ) عينه وانما أراد قدر قيمته والدليل على هذا أن المراد به المبالغة ولهذا قال فى الرواية الأخرى عناقا وفى بعضها لو منعونى جديا أذوط والأذوط صغير الفك والذقن هذا آخر كلام صاحب التحرير وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذى لا ينبغى غيره وعلى هذا اختلفوا فى المراد بمنعونى عقالا فقيل قدر قيمته وهو ظاهر متصور فى زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والزكاة وزكاة الفطر وفى المواشى أيضا فى بعض أحوالها كما اذا وجب عليه سن فلم يكن عنده ونزل إلى سن دونها واختار أن يرد عشرين درهما فمنع من العشرين قيمة عقال وكما اذا كانت غنمه سخالا وفيها سخلة فمنعها وهى تساوى عقالا ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة فى كتب الفقه وانما ذكرت هذه الصورة تنبيها بها على غيرها وعلى أنه متصور ليس بصعب فانى رأيت كثيرين ممن لم يعان الفقه يستصعب تصوره حتى حمله بعضهم وربما وافقه بعض المتقدمين على أن ذلك للمبالغة وليس متصورا وهذا غلط قبيح وجهل صريح وحكى الخطابى عن بعض العلماء أن معناه منعونى زكاة لعقال اذا كان من عروض التجارة وهذا تأويل صحيح أيضا ويجوز أن يراد منعونى عقالا أى منعونى الحبل نفسه على مذهب من يجوز القيمة ويتصور على مذهب الشافعى رحمه الله على أحد أقواله فإن للشافعى فى الواجب فى عروض التجارة ثلاثة أقوال أحدها يتعين أن يأخذ منها عرضا حبلا أو غيره كما يأخذ من الماشية من جنسها والثانى أنه لا يأخذ الا دراهم أو دنانير ربع عشر قيمته كالذهب والفضة والثالث يتخير بين العرض والنقد والله أعلم وحكى الخطابى عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها وانما يقع قبضها التام برباطها قال الخطابى قال بن عائشة كان من عادة المصدق اذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى قرن وهو بفتح القاف والراء وهو حبل فيقرن به بين بعيرين أى يشده فى أعناقهما لئلا تشرد الابل وقال أبو عبيد وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقرانهما وكان عمر رضى الله عنه أيضا يأخذ مع كل فريضة عقالا والله أعلم قوله ( فما هو الا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) معنى رأيت علمت وأيقنت ومعنى شرح فتح ووسع ولين ومعناه علمت بأنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى فى قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك ومعنى قوله عرفت أنه الحق أى بما أظهر من الدليل وأقامه من الحجة فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق لا أن عمر قلد أبا بكر رضى الله عنهما فإن المجتهد لا يقلد المجتهد وقد زعمت الرافضة أن عمر رضى الله عنه انما وافق أبا بكر تقليدا وبنوه على مذهبهم الفاسد فى وجوب عصمة الأئمة وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأخرى ( أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به ) فيه بيان ما اختصر فى الروايات الأخر من الاقتصار على قول لا اله الا الله وقد تقدم بيان هذا وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الانسان اذا اعتقد دين الاسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا فى كونه من أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين الا به وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فان المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأن النبى صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم يشترط المعرفة بالدليل فقد تظاهرت بهذا أحاديث فى الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعى وقد تقدم ذكر هذه القاعدة فى أول الايمان والله أعلم قوله ( ثم قرأ انما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) قال المفسرون معناه انما أنت واعظ ولم يكن صلى الله عليه وسلم أمر اذ ذاك الا بالتذكير ثم أمر بعد بالقتال والمسيطر المسلط وقيل الجبار وقيل الرب والله أعلم واعلم أن هذا الحديث بطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد وأنا أشير إلى أطراف منها مختصرة ففيه أدل دليل على شجاعة أبى بكر رضى الله عنه وتقدمه فى الشجاعة والعلم على غيره فانه ثبت للقتال فى هذا الموطن العظيم الذى هو أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنبط رضى الله عنه من العلم بدقيق نظره ورصانة فكره ما لم يشاركه فى الابتداء به غيره فلهذا وغيره مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحق على أنه أفضل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صنف العلماء رضى الله عنهم فى معرفة رجحانه أشياء كثيرة مشهورة فى الأصول وغيرها ومن أحسنها كتاب فضائل الصحابة رضى الله عنهم للامام أبى المظفر منصور بن محمد السمعانى الشافعى وفيه جواز مراجعة الأئمة والأكابر ومناظرتهم لاظهار الحق وفيه أن الايمان شرطه الاقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به وفيه وجوب الجهاد وفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف وفيه أن الأحكام تجرى على الظاهر والله تعالى يتولى السراء وفيه جواز القياس والعمل به وفيه وجوب قتال ما نعى الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الاسلام قليلا كان أو كثيرا لقوله رضى الله عنه لو منعونى عقالا أو عناقا وفيه جواز التمسك بالعموم لقوله فان الزكاة حق المال وفيه وجوب قتال أهل البغى وفيه وجوب الزكاة فى السخال تبعا لأمهاتها وفيه اجتهاد الأئمة فى النوازل وردها إلى الأصول ومناظرة أهل العلم فيها ورجوع من ظهر له الحق إلى قول صاحبه وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين فى الفروع بعضهم بعضا وفيه أن الاجماع لا ينعقد اذا خالف من أهل الحل والعقد واحد وهذا هو الصحيح المشهور وخالف فيه أصحاب الأصول وفيه قبول توبة الزنديق وقد قدمت الخلاف فيه واضحا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة 24
1 ( باب الدليل على صحة اسلام من حضره الموت ( ما لم يشرع فى النزع وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن ) ( من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل ))
فيه حديث وفاة أبى طالب وهو حديث اتفق البخارى ومسلم على اخراجه فى صحيحيهما من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه عن المسيب الا ابنه سعيد كذا قاله الحفاظ وفى هذا رد على الحاكم أبى عبد الله بن البيع الحافظ رحمه الله فى قوله لم يخرج البخارى ولا مسلم رحمهما الله عن أحد ممن لم يرو عنه الا راو واحد ولعله أراد من غير الصحابة والله أعلم أما أسماء رواة الباب ففيه حرملة التجيبى وقد تقدم بيانه فى المقدمة وأن الأشهر فيه ضم التاء ويقال بفتحها واختاره بعضهم وتقدمت اللغات الست فى يونس فيها وتقدم فيها الخلاف فى فتح الياء من المسيب والد سعيد هذا خاصة وكسرها وأن الأشهر الفتح واسم أبى طالب عبد مناف واسم أبى جهل عمرو بن هشام وفيه صالح عن الزهري عن بن المسيب هو صالح بن كيسان وكان أكبر سنا من الزهري وابتدأ بالتعلم من الزهري ولصالح تسعون سنة مات بعد الأربعين ومائة واجتمع فى الاسناد طرفتان احداهما رواية الأكابر عن الأصاغر والأخرى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وفيه أبو حازم عن سهل عن أبى هريرة وقد تقدم أن أبا حازم الراوى عن أبى هريرة اسمه سلمان مولى عزة ) وأما أبو حازم عن سهل بن سعد فاسمه سلمة بن دينار وأما قوله ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) فالمراد قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان فى حال المعاينة والنزع لما نفعه الايمان ولقول الله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبى صلى الله عليه وسلم ومع كفار قريش قال القاضي عياض رحمه الله وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبى صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه وسلم قال القاضي رحمه الله وليس هذا بصحيح لما قدمناه وأما قوله ( فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة ) فهكذا وقع فى جميع الاصول ويعيد له يعنى أبا طالب وكذا نقله القاضي رحمه الله عن جميع الأصول والشيوخ قال وفى نسخة ويعيدان له على التثنية لأبى جهل وبن أبى أمية قال القاضي وهذا أشبه وقوله يعرضها بفتح الياء وكسر الراء وأما قوله ( قال أبو طالب آخر ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب ) فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( أم والله لأستغفرن لك ) فهكذا ضبطناه أم من غير ألف بعد الميم وفى كثير من الأصول أو أكثرها أما والله بألف بعد الميم وكلاهما صحيح قال الامام أبو السعادات هبة الله بن على بن محمد العلوى الحسنى المعروف بابن الشجرى فى كتابة الامالى ما المزيدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما على وجهين أحدهما أن يراد به معنى حقا فى قولهم أما والله لأفعلن والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ألا كقولك أما ان زيدا منطلق وأكثر ما تحذف ألفها اذا وقع بعدها القسم ليدلوا على شدة اتصال الثانى بالاول لان الكلمة اذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتصال بالهمزة والله تعالى أعلم وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبا لنفس أبى طالب وكانت وفاة أبى طالب بمكة قبل الهجرة بقليل قال بن فارس مات أبو طالب ولرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام وأما قول الله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين فقال المفسرون وأهل المعانى معناه ما ينبغى لهم قالوا وهو نهى والواو فى قوله تعالى ولو كانوا أولي قربى واو الحال والله أعلم وأما قوله عز وجل إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت فى أبى طالب وكذا نقل اجماعهم على هذا الزجاج وغيره وهى عامة فانه لا يهدى ولا يضل الا الله تعالى قال الفراء وغيره قوله تعالى من أحببت يكون على وجهين أحدهما معناه من أحببته لقرابته والثانى من أحببت أن يهتدى قال بن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم وهو أعلم بالمهتدين أى بمن قدر له الهدى والله أعلم أما قوله ( يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ) فهكذا هو فى جميع الاصول وجميع روايات المحدثين فى مسلم وغيره الجزع بالجيم والزاى وكذا نقله القاضي عياض وغيره عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الاخبار أى التواريخ والسير وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه الخرع بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين أيضا وممن نص عليه كذلك الهروى فى الغريبين ونقله الخطابى عن ثعلب مختارا له وقاله أيضا شمر ومن المتأخرين أبو القاسم الزمخشرى قال القاضي عياض رحمه الله ونبهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب قالوا والخرع هو الضعف والخور قال الازهرى وقيل الخرع الدهش قال شمر كل رخو ضعيف خريع وخرع قال والخرع الدهش قال ومنه قول أبى طالب والله أعلم وأما قوله لأقررت بها عينك فأحسن ما يقال فيه ما قاله أبو العباس ثعلب قال معنى أقر الله عينه أى بلغه الله أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينه فلا تستشرف لشيء وقال الاصمعى معناه أبرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة وقيل معناه أراه الله ما يسره والله أعلم 26
1 ( باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا)
هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهى إلى حديث العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فان كان سالما من المعاصى كالصغير والمجنون والذى اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى اذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذى لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف فى الورود والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو فى مشيئة الله تعالى فان شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا وجعله كالقسم الاول وان شاء عذبه القدر الذى يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد فى النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصى ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق فى هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة واجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعى فاذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فاذا ورد حديث فى ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذكر من تأويل بعضها ما يعرف به تأويل الباقى ان شاء الله تعالى والله أعلم وأما شرح أحاديث الباب فنتكلم عليها مرتبة لفظا ومعنى اسنادا ومتنا فقوله فى الاسناد الاول ( عن إسماعيل بن إبراهيم وفى رواية أبى بكر ) بن أبى شيبة حدثنا بن علية عن خالد قال حدثنى الوليد بن مسلم عن حمران عن عثمان رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات وهو يعلم أن لا اله الا الله دخل الجنة ) أما إسماعيل بن إبراهيم فهو بن علية وهذا من احتياط مسلم رحمه الله فان أحد الراويين قال بن علية والآخر قال إسماعيل بن إبراهيم فبينهما ولم يقتصر على أحدهما وعلية أم إسماعيل وكان يكره أن يقال له بن علية وقد تقدم بيانه وأما خالد فهو بن مهران الحذاء كما بينه فى الرواية الثانية وهو ممدود وكنيته أبو المنازل بالميم المضمومة والنون والزاى واللام قال أهل العلم لم يكن خالد حذاء قط ولكنه كان يجلس اليهم فقيل له الحذاء لذلك هذا هو المشهور وقال فهد بن حيان بالفاء انما كان يقول احذوا على هذا النحو فلقب بالحذاء وخالد يعد فى التابعين وأما الوليد بن مسلم بن شهاب العنبرى البصرى أبو بشر فروى عن جماعة من التابعين وربما اشتبه على بعض من لم يعرف الاسماء بالوليد بن مسلم الاموى مولاهم الدمشقى أبى العباس صاحب الاوزاعى ولا يشتبه ذلك على العلماء به فانهما مفترقان فى النسب إلى القبيلة والبلدة والكنية كما ذكرنا وفى الطبقة فان الاول أقدم طبقة وهو فى طبقة كبار شيوخ الثانى ويفترقان أيضا فى الشهرة والعلم والجلالة فان الثانى متميز بذلك كله قال العلماء انتهى علم الشام إليه والى إسماعيل بن عياش وكان أجل من بن عياش رحمهم الله أجمعين والله أعلم وأما حمران فبضم الحاء المهملة واسكان الميم وهو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه كنية حمران أبو يزيد كان من سبى عين التمر وأما معنى الحديث وما أشبهه فقد جمع فيه القاضي عياض رحمه الله كلاما حسنا جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرا ثم أضم بعده إليه ما حضرنى من زيادة قال القاضي عياض رحمه الله اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الايمان وقالت الخوارج تضره ويكفر بها وقالت المعتزلة يخلد فى النار اذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق وقالت الاشعرية بل هو مؤمن وان لم يغفر له وعذب فلا بد من اخراجه من النار وادخاله الجنة قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة وأما المرجئة فان احتجت بظاهره قلنا محملة على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء فى ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفى قوله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم اشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة ان مظهر الشهادتين يدخل الجنة وان لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك فى حديث آخر بقوله صلى الله عليه وسلم غير شاك فيهما وهذا يؤكد ما قلناه قال القاضي وقد يحتج به أيضا من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع احداهما ولا تنجى من النار دون الاخرى الا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ اذ قد ورد مفسرا فى الحديث الآخر من قال لا اله الا الله ومن شهد أن لا اله الا الله وأنى رسول الله وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة فى ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف فجاء هذا اللفظ فى هذا الحديث وفى رواية معاذ عنه صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة وفى رواية عنه صلى الله عليه وسلم من لقى الله لايشرك به شيئا دخل الجنة وعنه صلى الله عليه وسلم ما من عبد يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله الا حرمه الله على النار ونحوه فى حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك وزاد فى حديث عبادة على ما كان من عمل وفى حديث أبى هريرة لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما الا دخل الجنة وان زنى وان سرق وفى حديث أنس حرم الله على النار من قال لا اله الا الله يبتغى بذلك وجه الله تعالى وهذه الاحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله فى كتابه فحكى عن جماعة من السلف رحمهم الله منهم بن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهى وقال بعضهم هي مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصرى وقيل ان ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخارى وهذه التأويلات انما هي اذا حملت الاحاديث على ظاهرها وأما اذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه المحققون فنقرر أولا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الاشعريين أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الايمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فانه يدخل الجنة فان كان تائبا أو سليما من المعاصى دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فان حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلى الحسن والبخارى وان كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لاول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك فى خطر المشيئة ان شاء الله تعالى عذبه بذنبه وان شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل الاحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من اجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد أما معجلا معافى وأما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة فى المسئلتين ويجوز فى حديث من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وان كان قبل مخلطا فيكون سببا لرحمة الله تعالى اياه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين وكذلك ما ورد فى حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أى أبواب الجنة شاء يكون خصوصا لمن قال ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الايمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه فيكون له من الاجر ما يرجح على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لاول وهلة ان شاء الله تعالى والله أعلم هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وهو في نهاية الحسن وأما ما حكاه عن بن المسيب وغيره فضعيف باطل وذلك لان راوى أحد هذه الاحاديث أبو هريرة رضى الله عنه وهو متأخر الاسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الاحكام قد تقرر فرضها وكذا الحج على قول من قال فرض سنة خمس أو ست وهما أرجح من قول من قال سنة تسع والله أعلم وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلا آخر فى الظواهر الواردة بدخول الجنة بمجرد الشهادة فقال يجوز أن يكون ذلك اقتصارا من بعض الرواة نشأ من تقصيره فى الحفظ والضبط لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلالة مجيئه تاما فى رواية غيره وقد تقدم نحو هذا التأويل قال ويجوز أن يكون اختصارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الاوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبا بسائر ما يتوقف عليه الاسلام ومستلزما له والكافر اذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثنى والثنوى فقال لا اله الا الله وحاله الحال التى حكيناها حكم باسلامه ولا نقول والحالة هذه ما قاله بعض أصحابنا من أن من قال لا اله الا الله يحكم باسلامه ثم يجبر على قبول سائر الاحكام فان حاصله راجع إلى أنه يجبر حينئذ على اتمام الاسلام ويجعل حكمه حكم المرتد ان لم يفعل من غير أن يحكم باسلامه بذلك فى نفس الأمر وفى أحكام الآخرة ومن وصفناه مسلم فى نفس الأمر وفى أحكام الآخرة والله أعلم قوله 27 ( حدثنا عبيد الله الاشجعى عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفى الرواية الاخرى عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أوعن أبى سعيد شك الاعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك الحديث ) هذان الاسنادان مما استدركه الدارقطنى وعلله فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عبيد الله الاشجعى فرووه عن مالك بن مغول عن طلحة عن أبى صالح مرسلا وأما الثانى فعلله لكونه اختلف فيه عن الاعمش فقيل فيه أيضا عنه عن أبى صالح عن جابر وكان الاعمش يشك فيه قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذان الاستدراكان من الدارقطنى مع أكثر استدراكاته على البخارى ومسلم قدح فى أسانيدهما غير مخرج لمتون الاحاديث من حيز الصحة وقد ذكر فى هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقى الحافظ فيما أجاب الدارقطنى عن استدراكاته على مسلم رحمه الله أن الاشجعى ثقة مجود فاذا جود ما قصر فيه غيره حكم له به ومع ذلك فالحديث له أصل ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الاعمش له مسندا وبرواية يزيد بن أبى عبيد واياس بن سلمة بن الاكوع عن سلمة قال الشيخ رواه البخارى عن سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما شك الاعمش فهو غير قادح فى متن الحديث فانه شك فى عين الصحابى الراوى له وذلك غير قادح لأن الصحابة رضى الله عنهم كلهم عدول هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله قلت وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما أما الأول فلأنا قدمنا فى الفصول السابقة أن الحديث الذى رواه بعض الثقات موصولا وبعضهم مرسلا فالصحيح الذى قاله الفقهاء وأصحاب الاصول والمحققون من المحدثين أن الحكم لرواية الوصل سواء كان راويها أقل عددا من رواية الارسال أو مساويا لأنها زيادة ثقة فهذا موجود هنا وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقى جود وحفظ ماقصر فيه غيره وأما الثانى فلانهم قالوا اذا قال الراوى حدثني فلان أو فلان وهما ثقتان احتج به بلا خلاف لأن المقصود الرواية عن ثقة مسمى وقد حصل وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادى في الكفاية وذكرها غيره وهذا في غير الصحابة ففى الصحابة أولى فانهم كلهم عدول فلا غرض فى تعيين الراوي منهم والله أعلم وأما ضبط لفظ الاسناد فمغول بكسر الميم واسكان الغين المعجمة وفتح الواو وأما مصرف فبضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء هذا هو المشهور المعروف في كتب المحدثين وأصحاب المؤتلف وأصحاب اسماء الرجال وغيرهم وحكى الامام أبو عبد الله القلعى الفقيه الشافعى فى كتابه ألفاظ المهذب أنه يروى بكسر الراء وفتحها وهذا الذى حكاه من رواية الفتح غريب منكر ولا أظنه يصح وأخاف أن يكون قلد فيه بعض الفقهاء أو بعض النسخ أو نحو ذلك وهذا كثير يوجد مثله فى كتب الفقه وفى الكتب المصنفة فى شرح ألفاظها فيقع فيها تصحيفات ونقول غريبة لا تعرف وأكثر هذه الغريبة أغاليط لكون الناقلين لها لم يتحروا فيها والله أعلم قوله ( حتى هم بنحر بعض حمائلهم ) روى بالحاء وبالجيم وقد نقل جماعة من الشراح الوجهين لكن اختلفوا فى الراجح منهما فممن نقل الوجهين صاحب التحرير والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما واختار صاحب التحرير الجيم وجزم القاضي عياض بالحاء ولم يذكر غيرها قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله وكلاهما صحيح فهو بالحاء جمع حمولة بفتح الحاء وهي الابل التى تحمل وبالجيم جمع جمالة بكسرها جمع جمل ونظيره حجر وحجارة والجمل هو الذكر دون الناقة وفى هذا الذى هم به النبى صلى الله عليه وسلم بيان لمراعاة المصالح وتقديم الأهم فالأهم وارتكاب أخف الضررين لدفع أضرهما والله أعلم قوله ( فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله لو جمعت ما بقى من أزواد القوم ) هذا فيه بيان جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة لينظر الفاضل فيه فان ظهرت له مصلحة فعله ويقال بقى بكسر القاف وفتحها والكسر لغة أكثر العرب وبها جاء القرآن الكريم والفتح لغة طى وكذا يقولون فيما أشبهه والله أعلم قوله ( فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره قال وقال مجاهد وذو النواة بنواه ) هكذا هو فى أصولنا وغيرها الاول النواة بالتاء فى آخره والثانى بحذفها وكذا نقله القاضي عياض عن الاصول كلها ثم قال ووجهه ذو النوى بنواه كما قال ذو التمر بتمره قال الشيخ أبو عمرو وجدته فى كتاب أبى نعيم المخرج على صحيح مسلم ذو النوى بنواه قال وللواقع فى كتاب مسلم وجه صحيح وهو أن يجعل النواة عبارة عن جملة من النوى أفردت عن غيرها كما أطلق اسم الكلمة على القصيدة أو تكون النواة من قبيل ما يستعمل فى الواحد والجمع ثم ان القائل قال مجاهد هو طلحة بن مصرف قاله الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى والله أعلم وفى هذا الحديث جواز خلط المسافرين أزوادهم وأكلهم منها مجتمعين وان كان بعضهم يأكل أكثر من بعض وقد نص أصحابنا على أن ذلك سنة والله أعلم قوله ( كانوا يمصونها ) هو بفتح الميم هذه اللغة الفصيحة المشهورة ويقال مصصت الرمانة والتمرة وشبههما بكسر الصاد أمصها بفتح الميم وحكى الازهرى عن بعض العرب ضم الميم وحكى أبو عمر الزاهد فى شرح الفصيح عن ثعلب عن بن الاعرابى هاتين اللغتين مصصت بكسر الصاد أمص بفتح الميم ومصصت بفتح الصاد أمص بضم الميم مصافيهما فأنا ماص وهى ممصوصة واذا أمرت منهما قلت مص الرمانة ومصها ومصها ومصها ومصها فهذه خمس لغات فى الامر فتح الميم مع الصاد ومع كسرها وضم الميم مع فتح الصاد ومع كسرها وضمها هذا كلام ثعلب والفصيح المعروف فى مصها ونحوه مما يتصل به هاء التأنيث لمؤنث أنه يتعين فتح ما يلى الهاء ولا يكسر ولا يضم قوله ( حتى ملأ القوم أزودتهم ) هكذا الرواية فيه في جميع الاصول وكذا نقله عن الاصول جميعها القاضي عياض وغيره قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الازودة جمع زاد وهى لا تملأ انما تملأ بها أوعيتها قال ووجهه عندى أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال القاضي عياض ويحتمل أنه سمى الاوعية أزوادا باسم ما فيها كما فى نظائره والله اعلم وفى هذا الحديث علم من أعلام النبوة الظاهرة وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر ويحصل العلم القطعى وقد جمعها العلماء وصنفوا فيها كتبا مشهورة والله اعلم قوله ( لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ) هكذا ضبطناه يوم غزوة تبوك والمراد باليوم هنا الوقت والزمان لا اليوم الذى هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وليس فى كثير من الاصول أو أكثرها ذكر اليوم هنا وأما الغزوة فيقال فيها أيضا الغزاة وأما تبوك فهي من أدنى أرض الشام والمجاعة بفتح الميم وهو الجوع الشديد قوله ( فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا ) النواضح من الابل التى يستقى عليها قال أبو عبيد الذكر منها ناضح والانثى ناضحة قال صاحب التحرير قوله وادهنا ليس مقصوده ما هو المعروف من الادهان وانما معناه اتخذنا دهنا من شحومها وقولهم لو أذنت لنا هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم فيقال لو فعلت كذا أو أمرت بكذا لو أذنت فى كذا وأشرت بكذا ومعناه لكان خيرا أو لكان صوابا ورأيا متينا أو مصلحة ظاهرة وما أشبه هذا فهذا أجمل من قولهم للكبير أفعل كذا بصيغة الأمر وفيه انه لا ينبغى لأهل العسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التى يستعينون بها فى القتال بغير اذن الامام ولا يأذن لهم الا اذا راى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة والله اعلم قوله ( فجاء عمر فقال يا رسول الله ان فعلت قل الظهر ) فيه جواز الاشارة على الأئمة والرؤساء وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه اذا ظهرت مصلحته عنده وأن يشير عليهم بابطال ما أمروا بفعله والمراد بالظهر هنا الدواب سميت ظهرا لكونها يركب على ظهرها أو لكونها يستظهر بها ويستعان على السفر قوله ( ثم ادع الله تعالى لهم عليها بالبركة لعل الله تعالى أن يجعل في ذلك ) هكذا وقع فى الاصول التى رأينا وفيه محذوف تقديره يجعل فى ذلك بركة أو خيرا أو نحو ذلك فحذف المفعول به لأنه فضلة وأصل البركة كثرة الخير وثبوته وتبارك الله ثبت الخير عنده وقيل غير ذلك قوله ( فدعا بنطع ) فيه أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء والثانية بفتحهما والثالثة بفتح النون مع اسكان الطاء والرابعة بكسر النون مع اسكان الطاء قوله ( وفضلت فضلة ) يقال فضل وفضل بكسر الضاد وفتحها لغتان مشهورتان قوله ( حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد يعنى بن مسلم عن بن جابر قال حدثنى عمير بن هانئ قال حدثنى جنادة بن أبى أمية قال حدثنا عبادة بن الصامت ) اما رشيد فبضم الراء وفتح الشين وأما الوليد بن مسلم فهو الدمشقى صاحب الأوزاعى وقد قدمنا فى أول هذا الباب بيانه وقوله يعنى بن مسلم قد قدمنا مرات فائدته وانه لم يقع نسبه فى الرواية فأراد ايضاحه من غير زيادة فى الرواية وأما بن جابر فهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقى الجليل وأما هانئ فهو بهمز اخره وأما جنادة بضم الجيم فهو جنادة بن أبى أمية واسم أبى أمية كبير بالباء الموحدة وهو دوسى أزدى نزل فيهم شامى وجنادة وأبوه صحابيان هذا هو الصحيح الذى قاله الاكثرون وقد روى له النسائى حديثا فى صوم يوم الجمعة أنه دخل على النبى صلى الله عليه وسلم فى ثمانية أنفس وهم صيام وله غير ذلك من الحديث الذى فيه التصريح بصحبته قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر كان من الصحابة وشهد فتح مصر وكذا قال غيره ولكن أكثر رواياته عن الصحابة وقال محمد بن سعد كاتب الواقدى قال بن عبد الله العجلى هو تابعى من كبار التابعين وكنية جنادة أبو عبد الله كان صاحب غزو رضى الله عنه والله أعلم وهذا الاسناد كله شاميون الا داود بن رشيد فانه خوارزمى سكن بغداد 28 قوله صلى الله عليه وسلم ( من قال أشهد أن لا اله الا الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وبن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أى أبواب الجنة الثمانية شاء ) هذا حديث عظيم الموقع وهو أجمع أو من أجمع الاحاديث المشتملة على العقائد فانه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم فاختصر صلى الله عليه وسلم فى هذه الاحرف على ما يباين به جميعهم وسمى عيسى عليه السلام كلمة لانه كان بكلمة كن فحسب من غير أب بخلاف غيره من بنى آدم قال الهروى سمى كلمة لانه كان عن الكلمة فسمى بها كما يقال للمطر رحمة قال الهروى وقوله تعالى وروح منه أى رحمة قال وقال بن عرفة أى ليس من أب انما نفخ فى أمه الروح وقال غيره وروح منه أى مخلوقة من عنده وعلى هذا يكون اضافتها إليه اضافة تشريف كناقة الله وبيت الله والا فالعالم له سبحانه وتعالى ومن عنده والله أعلم قوله ( حدثنا إبراهيم الدورقى ) هو بفتح الدال وقد تقدم بيانه فى المقدمة وتقدم أن اسم الاوزاعى عبد الرحمن بن عمرو مع بيان الاختلاف في الاوزاع التي نسب اليها قوله صلى الله عليه وسلم ( أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) هذا محمول على ادخاله الجنة فى الجملة فان كانت له معاص من الكبائر فهو فى المشيئة فان عذب ختم له بالجنة وقد تقدم هذا فى كلام القاضي وغيره مبسوطا مع بيان الاختلاف فيه والله أعلم 29 قوله ( عن بن عجلان عن محمد بن يحيى بن حيان عن بن محيريز عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه أنه قال دخلت عليه وهو فى الموت فبكيت فقال مهلا ) أما بن عجلان بفتح العين فهو الامام أبو عبد الله محمد بن عجلان المدنى مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة كان عابدا فقيها وكان له حلقة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتى وهو تابعى أدرك أنسا وأبا الطفيل قاله أبو نعيم روى عن أنس والتابعين ومن طرف أخباره أنه حملت به أمه أكثر من ثلاث سنين وقد قال الحاكم أبو أحمد فى كتاب الكنى محمد بن عجلان يعد فى التابعين ليس هو بالحافظ عنده ووثقه غيره وقد ذكره مسلم هنا متابعة قيل انه لم يذكر له فى الاصول شيئا والله أعلم وأما حبان فبفتح الحاء وبالموحدة ومحمد بن يحيى هذا تابعى سمع أنس بن مالك رضى الله عنه وأما بن محيريز فهو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب القرشى الجمحى من أنفسهم المكى أبو عبد الله التابعى الجليل سمع جماعة من الصحابة منهم عبادة بن الصامت وأبو محذورة وأبو سعيد الخدرى وغيرهم رضى الله عنهم سكن بيت المقدس قال الاوزاعى من كان مقتديا فليقتد بمثل بن محيريز فان الله تعالى لم يكن ليضل أمة فيها مثل بن محيريز وقال رجاء بن حيوة بعد موت بن محيريز والله ان كنت لأعد بقاء بن محيريز أمانا لاهل الأرض وأما الصنابحى بضم الصاد المهملة فهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة بضم العين وفتح السين المهملتين المرادى والصنابح بطن من مراد وهو تابعى جليل رحل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقبض النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى الطريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس ليال أوست فسمع أبا بكر الصديق وخلائق من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين وقد يشتبه على غير المشتغل بالحديث الصنابحى هذا بالصنابح بن الاعسر الصحابى رضى الله عنه والله أعلم واعلم أن هذا الاسناد فيه لطيفة مستطرفة من لطائف الاسناد وهى أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض بن عجلان وبن حبان وبن محيريز والصنابحى والله أعلم وأما قوله ( عن الصنابحى عن عبادة أنه قال دخلت عليه ) فهذا كثير يقع مثله وفيه صنعة حسنة وتقديره عن الصنابحى أنه حدث عن عبادة بحديث قال فيه دخلت عليه ومثله ما سيأتى قريبا فى كتاب الايمان فى حديث ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين قال مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال أنا هشيم عن صالح بن صالح عن الشعبى قال رأيت رجلا سأل الشعبى فقال يا أبا عمرو ان من قبلنا من أهل خراسان ناس يقولون كذا فقال الشعبى حدثنى أبو بردة عن أبيه فهذا الحديث من النوع الذى نحن فيه فتقديره قال هشيم حدثنى صالح عن الشعبى بحديث قال فيه صالح رأيت رجلا سأل الشعبى ونظائر هذا كثيرة سننبه على كثير منها في مواضعها ان شاء الله تعالى والله أعلم وقوله ( مهلا ) هو باسكان الهاء ومعناه أنظرنى قال الجوهرى يقال مهلا يا رجل بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث وهى موحدة بمعنى أمهل فاذا قيل لك مهلا قلت لا مهل والله ولا تقل لا مهلا وتقول ما مهل والله بمغنية عنك شيئا والله أعلم قوله ( ما من حديث لكم فيه خير الا وقد حدثتكموه ) قال القاضي عياض رحمه الله فيه دليل على أنه كتم ما خشى الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل واحد وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة قال ومثل هذا عن الصحابة رضي الله عنهم كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعو إليه ضرورة أو لا تحمله عقول العامة أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والامارة وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم والله أعلم قوله ( وقد أحيط بنفسى ) معناه قربت من الموت وأيست من النجاة والحياة قال صاحب التحرير أصل الكلمة فى الرجل يجتمع عليه أعداؤه فيقصدونه فيأخذون عليه جميع الجوانب بحيث لا يبقى له فى الخلاص مطمع فيقال أحاطوا به أى أطافوا به من جوانبه ومقصوده رب موتى والله أعلم قوله ( هداب بن خالد ) هو بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة وآخره باء موحدة ويقال هدبة بضم الهاء واسكان الدال وقد ذكره مسلم رحمه الله فى مواضع من الكتاب يقول فى بعضها هدبة وفى بعضها هداب واتفقوا على أن أحدهما اسم والآخر لقب ثم اختلفوا فى الاسم منهما فقال أبو على الغسانى وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطبسى وصاحب المطالع والحافظ عبد الغنى المقدسى المتأخر هدبة هو الاسم وهداب لقب وقال غيرهم هداب اسم وهدبة لقب واختار الشيح أبو عمرو هذا وأنكر الأول وقال أبو الفضل الفلكى الحافظ أنه كان يغضب اذا قيل له هدبة وذكره البخارى فى تاريخه فقال هدبة بن خالد ولم يذكره هدابا فظاهره أنه أختار أن هدبة هو الاسم والبخارى أعرف من غيره فانه شيخ البخارى ومسلم رحمهم الله أجمعين والله أعلم قوله ( كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بينى وبينه الا مؤخرة الرحل فقال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك إلى آخر الحديث ) أما قوله ردف فهو بكسر الراء واسكان الدال هذه الرواية المشهورة التى ضبطها معظم الرواة وحكى القاضي عياض رحمه الله أن أبا على الطبرى الفقيه الشافعى أحد رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء وكسر الدال والردف والرديف هو الراكب خلف الراكب يقال منه ردفته أردفه بكسر الدال فى الماضى وفتحها فى المضارع اذا ركبت خلفه وأردفته أنا وأصله من ركوبه على الردف وهو العجز قال القاضي ولا وجه لرواية الطبرى الا أن يكون فعل هنا اسم فاعل مثل عجل وزمن ان صحت رواية الطبرى والله تعالى أعلم قوله ليس بينى وبينه الا مؤخرة الرحل أراد المبالغة فى شدة قربه ليكون أوقع فى نفس سامعه لكونه أضبط وأما مؤخرة الرحل فبضم الميم بعده همزة ساكنة ثم خاء مكسورة هذا هو الصحيح وفيه لغة أخرى مؤخرة بفتح الهمزة والخاء المشددة قال القاضي عياض رحمه الله أنكر بن قتيبة فتح الخاء وقال ثابت مؤخرة الرحل ومقدمته بفتحهما ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وهذه أفصح وأشهر وقد جمع الجوهرى فى صحاحه فيها ست لغات فقال فى قادمتى الرحل ست لغات مقدم ومقدمة بكسر الدال مخففة ومقدم ومقدمة بفتح الدال مشددة وقادم وقادمة قال وكذلك هذه اللغات كلها فى آخرة الرحل وهى العود الذى يكون خلف الراكب ويجوز فى يا معاذ بن جبل وجهان لأهل العربية أشهرهما وأرجحهما فتح معاذ والثانى ضمه ولا خلاف فى نصب بن وقوله لبيك وسعديك فى معنى لبيك أقوال نشير هنا إلى بعضها وسيأتى ايضاحها فى كتاب الحج ان شاء الله تعالى والأظهر أن معناها اجابة لك بعد اجابة للتأكيد وقيل معناه قربا منك وطاعة لك وقيل أنا مقيم على طاعتك وقيل محبتى لك وقيل غير ذلك ومعنى سعديك أى ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وأما تكريره صلى الله عليه وسلم نداء معاذ رضى الله عنه فلتأكيد الاهتمام بما يخبره وليكمل تنبه معاذ فيما يسمعه وقد ثبت فى الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان اذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لهذا المعنى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( هل تدرى ما حق الله على العباد وهل تدرى ما حق العباد على الله تعالى ) قال صاحب التحرير اعلم أن الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة والله سبحانه وتعالى هو الحق الموجود الأزلى الباقى الأبدى والموت والساعة والجنة والنار حق لأنها واقعة لا محالة واذا قيل للكلام الصدق حق فمعناه أن الشيء المخبر عنه بذلك الخبر واقع متحقق لاتردد فيه وكذلك الحق المستحق على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير فحق الله تعالى على العباد معناه ما يستحقه عليهم متحتما عليهم وحق العباد على الله تعالى معناه أنه متحقق لا محالة هذا كلام صاحب التحرير وقال غيره انما قال حقهم على الله تعالى على جهة المقابلة لحقه عليهم ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه حقك واجب على أى متأكد قيامى به ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم حق على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ) فقد تقدم فى أواخر الباب الأول من كتاب الايمان بيانه ووجه الجمع بين هذين اللفظين والله أعلم قوله ( كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير ) بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة هذا هو الصواب فى الرواية وفى الأصول المعتمدة وفى كتب أهل المعرفة بذلك قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وقول القاضي عياض رحمه الله انه بغين معجمة متروك قال الشيخ وهو الحمار الذى كان له صلى الله عليه وسلم قيل انه مات فى حجة الوداع قال وهذا الحديث يقتضى أن يكون هذا فى مرة أخرى غير المرة المتقدمة فى الحديث السابق فان مؤخرة الرحل تختص بالابل ولا تكون على حمار قلت ويحتمل ان يكونا قضية واحدة وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل والله أعلم قوله ( عن أبى حصين ) هو بفتح الحاء وكسر الصاد واسمه عاصم وقد تقدم بيانه فى أول مقدمة الكتاب قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث محمد بن مثنى وبن بشار ( أن يعبد الله ولا يشرك به شيء ) هكذا ضبطناه يعبد بضم المثناة تحت وشيء بالرفع وهذا ظاهر وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ووقع فى الاصول شيئا بالنصب وهو صحيح على التردد فى قوله يعبد الله ولا يشرك به شيئا بين وجوه ثلاثة أحدها يعبد الله بفتح الياء التى هي للمذكر الغائب أى يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئا قال وهذا الوجه أوجه الوجوه والثانى تعبد بفتح المثناة فوق للمخاطب على التخصيص لمعاذ لكونه المخاطب والتنبيه على غيره والثالث يعبد بضم أوله ويكون شيئا كناية عن المصدر لا عن المفعول به أى لا يشرك به اشراكا ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل قال واذا لم تعين الرواية شيئا من هذه الوجوه فحق على من يروى هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها واحدا بعد واحد ليكون آتيا بما هو المقول منها فى نفس الأمر جزما والله أعلم هذا آخر كلام الشيخ وما ذكرناه أولا صحيح فى الرواية والمعنى والله أعلم قوله ( نحو حديثهم ) يعنى أن القاسم بن زكريا شيخ مسلم فى الرواية الرابعة رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين فى الروايات الثلاث المتقدمة وهم هداب وأبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن مثنى وبن بشار والله أعلم وقوله فى رواية القاسم هذه ( حدثنا القاسم حدثنا حسين عن زائدة ) هكذا هو فى الأصول كلها حسين بالسين وهو الصواب وقال القاضي عياض وقع فى بعض الأصول حصين بالصاد وهو غلط وهو حسين بن على الجعفى وقد تكررت روايته عن زائدة فى الكتاب ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة والله أعلم قوله ( حدثنى أبو كثير ) هو بالمثلثة واسمه يزيد بالزاى بن عبد الرحمن بن أذينة ويقال بن غفيلة بضم الغين المعجمة وبالفاء ويقال بن عبد الله بن أذينة قال أبو عوانة الاسفراينى فى مسنده غفيلة أصح من أذينة قوله ( كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فى نفر ) قال أهل اللغة يقال قعدنا حوله وحوليه وحواليه وحواله بفتح الحاء واللام فى جميعهما أى على جوانبه قالوا ولا يقال حواليه بكسر اللام وأما قوله ومعنا أبو بكر وعمر فهو من فصيح الكلام وحسن الاخبار فانهم اذا أرادوا الاخبار عن جماعة فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم ذكروا أشرافهم أو بعض أشرافهم ثم قالوا وغيرهم وأما قوله معنا بفتح العين هذه اللغة المشهورة ويجوز تسكينها فى لغة حكاها صاحب المحكم والجوهرى وغيرهما وهى للمصاحبة قال صاحب المحكم مع اسم معناه الصحبة وكذلك مع باسكان العين غير أن المحركة تكون اسما وحرفا والساكنة لا تكون الا حرفا قال اللحيانى قال الكسائى ربيعة وغنم يسكنون فيقولون معكم ومعنا فاذا جاءت الالف واللام أو ألف الوصل اختلفوا فبعضهم يفتح العين وبعضهم يكسرها فيقولون مع القوم ومع ابنك وبعضهم يقول مع القوم ومع ابنك أما من فتح فبناه على قولك كنا معا ونحن معا فلما جعلها حرفا وأخرجها عن الاسم حذف الالف وترك العين على فتحتها وهذه لغة عامة العرب وأما من سكن ثم كسر عند ألف الوصل فأخرجه مخرج الأدوات مثل هل وبل فقال مع القوم كقولك هل القوم وبل القوم وهذه الاحرف التى ذكرتها فى مع وان لم يكن هذا موضعها فلا ضرر فى التنبيه عليها لكثرة تردادها والله أعلم قوله ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا ) وقال بعده كنت بين أظهرنا هكذا هو فى الموضعين أظهرنا وقال القاضي عياض رحمه الله ووقع الثانى فى بعض الاصول ظهرينا وكلاهما صحيح قال أهل اللغة يقال نحن بين أظهركم وظهريكم وظهرانيكم بفتح النون أى بينكم قوله ( وخشينا أن يقتطع دوننا ) أى يصاب بمكروه من عدو اما بأسر واما بغيره قوله ( وفزعنا وقمنا فكنت أول من فزع ) قال القاضي عياض رحمه الله الفزع يكون بمعنى الروع وبمعنى الهبوب للشىء والاهتمام به وبمعنى الاغاثة قال فتصح هذه المعانى الثلاثة أى ذعرنا لاحتباس النبى صلى الله عليه وسلم عنا ألا تراه كيف قال وخشينا أن يقتطع دوننا ويدل على الوجهين الآخرين قوله فكنت أول من فزع قوله ( حتى أتيت حائطا للانصار ) أى بستانا وسمى بذلك لأنه حائط لا سقف له قوله ( فاذا ربيع يدخل فى جوف حائط من بئر خارجة والربيع الجدول ) أما الربيع فبفتح الراء على لفظ الربيع الفصل المعروف والجدول بفتح الجيم وهو النهر الصغير وجمع الربيع أربعاء كنبى وأنبياء وقوله بئر خارجة هكذا ضبطناه بالتنوين فى بئر وفى خارجة على أن خارجة صفة لبئر وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل الذى هو بخط الحافظ أبى عامر العبدرى والأصل المأخوذ عن الجلودى وذكر الحافظ أبو موسى الاصبهانى وغيره أنه روى على ثلاثة أوجه أحدها هذا والثانى من بئر خارجه بتنوين بئر وبهاء فى آخر خارجة مضمومة وهى هاء ضمير الحائط أى البئر فى موضع خارج عن الحائط والثالث من بئر خارجة باضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث وهو اسم رجل والوجه الأول هو المشهور الظاهر وخالف هذا صاحب التحرير فقال الصحيح هو الوجه الثالث قال والأول تصحيف قال والبئر يعنون بها البستان قال وكثيرا ما يفعلون هذا فيسمون البساتين بالآبار التى فيها يقولون بئر أريس وبئر بضاعة وبئر حاء وكلها بساتين هذا كلام صاحب التحرير وأكثره أو كله لا يوافق عليه والله أعلم والبئر مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزتها وهى مشتقة من بأرت أى حفرت وجمعها فى القلة أبؤر وأبآر بهمزة بعد الباء فيهما ومن العرب من يقلب الهمزة فى آبار وينقل فيقول آبار وجمعها فى الكثرة بئار بكسر الباء بعدها همزة والله أعلم قوله ( فاحتفزت كما يحتفز الثعلب ) هذا قد روى على وجهين روى بالزاى وروى بالراء قال القاضي عياض رواه عامة شيوخنا بالراء عن العبدرى وغيره قال وسمعنا عن الاسدى عن أبى الليث الشاشى عن عبد الغافر الفارسى عن الجلودى بالزاى وهو الصواب ومعناه نضاممت ليسعنى المدخل وكذا قال الشيخ أبو عمرو انه بالزاى فى الأصل الذى بخط أبى عامر العبدرى وفى الأصل المأخوذ عن الجلودى وانها رواية الاكثرين وان رواية الزاى أقرب من حيث المعنى ويدل عليه تشبيهه بفعل الثعلب وهو تضامه فى المضايق وأما صاحب التحرير فأنكر الزاى وخطأ رواتها واختار الراء وليس اختياره بمختار والله أعلم قوله ( فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة فقلت نعم ) معناه أنت أبو هريرة قوله ( فقال يا أبا هريرة وأعطانى نعليه وقال اذهب بنعلى هاتين ) فى هذا الكلام فائدة لطيفة فانه أعاد لفظه قال وإنما أعادها لطول الكلام وحصول الفصل بقوله يا أبا هريرة وأعطانى نعليه وهذا حسن وهو موجود فى كلام العرب بل جاء أيضا فى كلام الله تعالى قال الله تبارك وتعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قال الامام أبو الحسن الواحدى قال محمد بن يزيد قوله تعالى فلما جاءهم تكرير للأول لطول الكلام قال ومثله قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون أعاد أنكم لطول الكلام والله أعلم وأما اعطاؤه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم يعرفون بها أنه لقى النبى صلى الله عليه وسلم ويكون أوقع فى نفوسهم لما يخبرهم به عنه صلى الله عليه وسلم ولا ينكر كون مثل هذا يفيد تأكيدا وان كان خبره مقبولا من غير هذا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا اله الا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ) معناه أخبرهم أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة والا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم وفى هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الإعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما وقد تقدم ايضاحه فى أول الباب وذكر القلب هنا للتأكيد ونفى توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون الا بالقلب قوله ( فقال ماهاتان النعلان يا أبا هريرة فقلت هاتين نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنى بهما ) هكذا هو فى جميع الاصول فقلت هاتين نعلا بنصب هاتين ورفع نعلا وهو صحيح معناه فقلت يعنى هاتين هما نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصب هاتين باضمار يعنى وحذف هما التى هي المبتدا للعلم به وأما قوله بعثنى بهما فهكذا ضبطناه بهما على التثنية وهو ظاهر ووقع فى كثير من الأصول أو أكثرها بها من غير ميم وهو صحيح أيضا ويكون الضمير عائدا إلى العلامة فان النعلين كانتا علامة والله أعلم قوله ( فضرب عمر رضى الله عنه بين ثديى فخررت لاستى فقال ارجع يا أبا هريرة ) أما قوله ثديى فتثنية ثدى بفتح الثاء وهو مذكر وقد يؤنث فى لغة قليلة واختلفوا فى اختصاصه بالمرأة فمنهم من قال يكون للرجل والمرأة ومنهم من قال هو للمرأة خاصة فيكون اطلاقه فى الرجل مجازا واستعارة وقد كثر اطلاقه فى الاحاديث للرجل وسأزيده ايضاحا ان شاء الله تعالى فى باب غلظ تحريم قتل الانسان نفسه وأما قوله لاستى فهو اسم من أسماء الدبر والمستحب فى مثل هذا الكناية عن قبيح الاسماء واستعمال المجاز والالفاظ التى تحصل الغرض ولا يكون فى صورتها ما يستحيا من التصريح بحقيقة لفظه وبهذا الادب جاء القرآن العزيز والسنن كقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن أو جاء أحد منكم من الغائط فاعتزلوا النساء في المحيض وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة وهى ازالة اللبس أو الاشتراك أو نفى المجاز أو نحو ذلك كقوله تعالى الزانية والزاني وكقوله صلى الله عليه وسلم أنكتها وكقوله صلى الله عليه وسلم أدبر الشيطان وله ضراط وكقول أبى هريرة رضى الله عنه الحدث فساء أو ضراط ونظائر ذلك كثيرة واستعمال أبى هريرة هنا لفظ الاست من هذا القبيل والله أعلم وأما دفع عمر رضى الله عنه له فلم يقصد به سقوطه وايذاءه بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده فى صدره ليكون أبلغ فى زجره قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله وليس فعل عمر رضى الله عنه ومراجعته النبى صلى الله عليه وسلم اعتراضا عليه وردا لامره اذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطيب قلوب الامة وبشراهم فرأى عمر رضى الله عنه أن كتم هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى فلما عرضه على النبى صلى الله عليه وسلم صوبه فيه والله تعالى أعلم وفى هذا الحديث أن الامام والكبير مطلقا اذا رأى شيئا ورأى بعض أتباعه خلافه أنه ينبغى للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه فان ظهر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه والا بين للتابع جواب الشبهة التى عرضت له والله أعلم قوله ( فأجهشت بكاء وركبنى عمر رضى الله عنه واذا هو على أثرى ) أما قوله أجهشت فهو بالجيم والشين المعجمة والهمزة والهاء مفتوحتان هكذا وقع فى الاصول التى رأيناها ورأيت فى كتاب القاضي عياض رحمه الله فجهشت بحذف الالف وهما صحيحان قال أهل اللغة يقال جهشت جهشا وجهرشا وأجهشت اجهاشا قال القاضي عياض رحمه الله وهو أن يفزع الانسان إلى غيره وهو متغير الوجه متهىء للبكاء ولما يبك بعد قال الطبرى هو الفزع والاستغاثة وقال أبو زيد جهشت للبكاء والحزن والشوق والله أعلم وأما قوله بكاء فهو منصوب على المفعول له وقد جاء فى رواية للبكاء والبكا يمد ويقصر لغتان وأما قوله وركبنى عمر فمعناه تبعنى ومشى خلفى فى الحال بلا مهلة وأما قوله على اثرى ففيه لغتان فصيحتان مشهورتان بكسر الهمزة واسكان الثاء وبفتحهما والله أعلم قوله ( بأبى أنت وأمى ) معناه أنت مفدى أو أفديك بأبى وأمى واعلم أن حديث أبى هريرة هذا مشتمل على فوائد كثيرة تقدم فى أثناء الكلام منه جمل ففيه جلوس العالم لاصحابه ولغيرهم من المستفتين وغيرهم يعلمهم ويفيدهم ويفتيهم وفيه ما قدمناه أنه اذا أراد ذكر جماعة كثيرة فاقتصر على ذكر بعضهم ذكر أشرافهم أو بعض أشرافهم ثم قال وغيرهم وفيه بيان ما كانت الصحابة رضى الله عنهم عليه من القيام بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم واكرامه والشفقة عليه والانزعاج البالغ لما يطرقه صلى الله عليه وسلم وفيه اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم والاعتناء بتحصيل مصالحه ودفع المفاسد عنه وفيه جواز دخول الانسان ملك غيره بغير اذنه اذا علم أنه يرضى ذلك لمودة بينهما أو غير ذلك فان أبا هريرة رضى الله عنه دخل الحائط وأقره النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه وهذا غير مختص بدخول الأرض بل يجوز له الانتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذى يعلم أنه لا يشق على صاحبه هذا هو المذهب الصحيح الذى عليه جماهير السلف والخلف من العلماء رحمة الله عليهم وصرح به أصحابنا قال أبو عمر بن عبد البر وأجمعوا على أنه لا يتجاوز الطعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما وفى ثبوت الاجماع فى حق من يقطع بطيب قلب صاحبه بذلك نظر ولعل هذا يكون فى الدراهم الكثيرة التى يشك أو قد يشك فى رضاه بها فانهم اتفقوا على أنه اذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقا فيما تشكك فى رضاه به ثم دليل الجواز فى الباب الكتاب والسنة وفعل وقول أعيان الأمة فالكتاب قوله تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى قوله تعالى أو صديقكم والسنة هذا الحديث وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه وأفعال السلف وأقوالهم فى هذا أكثر من أن تحصى والله تعالى أعلم وفيه ارسال الامام والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يعرفونها ليزدادوا بها طمأنينة وفيه ما قدمناه من الدلالة لمذهب أهل الحق أن الايمان المنجى من الخلود فى النار لا بد فيه من الإعتقاد والنطق وفيه جواز امساك بعض العلوم التى لا حاجة اليها للمصلحة أوخوف المفسدة وفيه اشارة بعض الاتباع على المتبوع بما يراه مصلحة وموافقة المتبوع له اذا رآه مصلحة ورجوعه عما أمر به بسببه وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبى أنت وأمى قال القاضي عياض رحمه الله وقد كرهه بعض السلف وقال لا يفدى بمسلم والاحاديث الصحيحة تدل على جوازه سواء كان المفدى به مسلما أو كافرا حيا كان أو ميتا وفيه غير ذلك والله أعلم قول مسلم رحمه الله ( حدثنى إسحاق بن منصور أخبرنى معاذ بن هشام حدثنى أبى عن قتادة حدثنا أنس بن مالك رضى الله عنه ) هذا الاسناد كله بصريون الا إسحاق فانه نيسابورى فيكون الاسناد بينى وبين معاذ بن هشام نيسابوريين وباقيه بصريون قوله ( فأخبر بها معاذ عند موته تأثما ) هو بفتح الهمزة وضم المثلثة المشددة قال أهل اللغة تأثم الرجل اذا فعل فعلا يخرج به من الأثم وتحرج أزال عنه الحرج وتحنث أزال عنه الحنث ومعنى تأثم معاذ أنه كان يحفظ علما يخاف فواته وذهابه بموته فخشى أن يكون ممن كتم علما وممن لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ سنته فيكون إثما فاحتاط وأخبر بهذه السنة مخافة من الاثم وعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم ولم لم ينهه عن الاخبار بها نهى تحريم قال القاضي عياض رحمه الله لعل معاذا لم يفهم من النبى صلى الله عليه وسلم النهى لكن كسر عزمه عما عرض له من بشراهم بدليل حديث أبى هريرة رضى الله عنه من لقيت يشهد ان لا إله إلا الله مستيقنا قلبه فبشره بالجنة قال أو يكون معناه بلغه بعد ذلك أمر النبى صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة وخاف أن يكتم علما علمه فيأثم أو يكون حمل النهى على اذاعته وهذا الوجه ظاهر وقد اختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال منعه من التبشير العام خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل وأخبر به صلى الله عليه وسلم على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة فانه أخبر به معاذا فسلك معاذ هذا المسلك فاخبر به من الخاصة من رآه أهلا لذلك قال وأما أمره صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى هريرة بالتبشير فهو من تغير الاجتهاد وقد كان الاجتهاد جائزا له وواقعا منه صلى الله عليه وسلم عند المحققين وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يقر على الخطأ فى اجتهاده ومن نفى ذلك وقال لا يجوز له صلى الله عليه وسلم القول فى الامور الدينية الا عن وحى فليس يمتنع أن يكون قد نزل عليه صلى الله عليه وسلم عند مخاطبته عمر رضى الله عنه وحى بما أجابه به ناسخ لوحى سبق بما قاله أولا صلى الله عليه وسلم هذا كلام الشيخ وهذه المسألة وهى اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيها تفصيل معروف فأما أمور الدنيا فاتفق العلماء رضى الله عنهم على جواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيها ووقوعه منه وأما أحكام الدين فقال أكثر العلماء بجواز الإجتهاد له صلى الله عليه وسلم لأنه اذا جاز لغيره فله صلى الله عليه وسلم أولى وقال جماعة لا يجوز له لقدرته على اليقين وقال بعضهم كان يجوز فى الحروب دون غيرها وتوقف فى كل ذلك آخرون ثم الجمهور الذين جوزوه اختلفوا فى وقوعه فقال الأكثرون منهم وجد ذلك وقال آخرون لم يوجد وتوقف آخرون ثم الأكثرون الذين قالوا بالجواز والوقوع اختلفوا هل كان الخطأ جائزا عليه صلى الله عليه وسلم فذهب المحققون إلى أنه لم يكن جائزا عليه صلى الله عليه وسلم وذهب كثيرون إلى جوازه ولكن لا يقر عليه بخلاف غيره وليس هذا موضع استقصاء هذا والله اعلم قوله ( حدثنا شيبان بن فروخ ) هو بفتح الفاء وضم الراء وبالخاء المعجمة وهو غير مصروف للعجمة والعلمية قال صاحب كتاب العين فروخ اسم بن لابراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم هو أبو العجم وكذا نقل صاحب المطالع وغيره أن فروخ بن لابراهيم صلى الله عليه وسلم وأنه أبو العجم وقد نص جماعة من الأئمة على أنه لا ينصرف لما ذكرناه والله أعلم قوله ( حدثنى ثابت عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال حدثنى محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال قدمت المدينة فلقيت عتبان فقلت حديث بلغنى عنك ) هذا اللفظ شبيه بما تقدم فى هذا الباب من قوله عن بن محيريز عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه وقد قدمنا بيانه واضحا وتقرير هذا الذى نحن فيه حدثنى محمود بن الربيع عن عتبان بحديث قال فيه محمود قدمت المدينة فلقيت عتبان وفى هذا الاسناد لطيفتان من لطائفه احداهما أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون بعضهم عن بعض وهم انس ومحمود وعتبان والثانية أنه من رواية الاكابر عن الاصاغر فان أنسا أكبر من محمود سنا وعلما ومرتبة رضى الله عنهم أجمعين وقد قال فى الرواية الثانية عن ثابت عن أنس قال حدثنى عتبان بن مالك وهذا لا يخالف الاول فان انسا سمعه أولا من محمود عن عتبان ثم اجتمع أنس بعتبان فسمعه منه والله اعلم وعتبان بكسر العين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوق ساكنة ثم باء موحدة وهذا الذى ذكرناه من كسر العين هو الصحيح المشهور الذى لم يذكر الجمهور سواه وقال صاحب المطالع وقد ضبطناه من طريق بن سهل بالضم أيضا والله اعلم قوله ( أصابنى فى بصرى بعض الشيء ) وقال فى الرواية الاخرى عمى يحتمل أنه أراد ببعض الشيء العمى وهو ذهاب البصر جميعه ويحتمل أنه أراد به ضعف البصر وذهاب معظمه وسماه عمى فى الرواية الاخرى لقربه منه ومشاركته أياه فى فوات بعض ما كان حاصلا فى حال السلامة والله اعلم قوله ( ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم ) أما عظم فهو بضم العين واسكان الظاء أى معظمه وأما كبره فبضم الكاف وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان وذكرهما فى هذا الحديث القاضي عياض وغيره لكنهم رجحوا الضم وقرىء قول الله سبحانه وتعالى والذي تولى كبره بكسر الكاف وضمها الكسر قراءة القراء السبعة والضم فى الشواذ قال الامام أبو إسحاق الثعلبى المفسر رحمه الله قراءة العامة بالكسر وقراءة حميد الاعرج ويعقوب الحضرمى بالضم قال أبوعمرو بن العلاء هو خطأ وقال الكسائى هما لغتان والله اعلم ومعنى قوله أسندوا عظم ذلك وكبره أنهم تحدثوا وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة وما يلقون منهم ونسبوا معظم ذلك إلى مالك وأما قوله بن دخشم فهو بضم الدال المهملة واسكان الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة وبعدها ميم هكذا ضبطناه فى الرواية الأولى وضبطناه فى الثانية بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير وهكذا هو فى معظم الاصول وفى بعضها فى الثانية مكبر أيضا ثم أنه فى الأولى بغير ألف ولام وفى الثانية بالألف واللام قال القاضي عياض رحمه الله رويناه دخشم مكبرا ودخشيم مصغرا قال ورويناه فى غير مسلم بالنون بدل الميم مكبرا ومصغرا قال الشيخ أبوعمرو بن الصلاح ويقال أيضا بن الدخشن بكسر الدال والشين والله اعلم واعلم أن مالك بن دخشم هذا من الانصار ذكر أبو عمر بن عبد البر اختلافا بين العلماء فى شهوده العقبة قال ولم يختلفوا أنه شهد بدرا وما بعدها من المشاهد قال ولا يصح عنه النفاق فقد ظهر من حسن اسلامه ما يمنع من اتهامه هذا كلام أبى عمر رحمه الله قلت وقد نص النبى صلى الله عليه وسلم على ايمانه باطنا وبراءته من النفاق بقوله صلى الله عليه وسلم فى رواية البخارى رحمه الله ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله تعالى فهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه قالها مصدقا بها معتقدا صدقها متقربا بها إلى الله تعالى وشهد له فى شهادته لاهل بدر بما هو معروف فلا ينبغى أن يشك فى صدق ايمانه رضى الله عنه وفى هذه الزيادة رد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفى فى الايمان النطق من غير اعتقاد فانهم تعلقوا بمثل هذا الحديث وهذه الزيادة تدمغهم والله اعلم قوله ( ودوا أنه دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر ) هكذا هو فى بعض الاصول شر وفى بعضها بشر بزيادة الباء الجارة وفى بعضها شيء وكله صحيح وفى هذا دليل على جواز تمنى هلاك أهل النفاق والشقاق ووقوع المكروه بهم قوله ( فخط لى مسجدا ) أى أعلم لى على موضع لأتخذه مسجدا أى موضعا أجعل صلاتى فيه متبركا بآثارك والله أعلم وفى هذا الحديث أنواع من العلم تقدم كثير منها ففيه التبرك بآثار الصالحين وفيه زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم أياهم وفيه جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض وفيه جواز الجماعة فى صلاة النافلة وفيه أن السنة فى نوافل النهار ركعتان كالليل وفيه جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين مالم يشغلهم ويدخل عليهم لبسا فى صلاتهم أو نحوه وفيه جواز أمامة الزائر المزور برضاه وفيه ذكر من يتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم ليتحرز منه وفيه جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية لقول أنس لابنه اكتبه بل هي مستحبة وجاء فى الحديث النهى عن كتب الحديث وجاء الاذن فيه فقيل كان النهى لمن خيف اتكاله على الكتاب وتفريطه فى الحفظ مع تمكنه منه والاذن لمن لا يتمكن من الحفظ وقيل كان النهى أولا لما خيف اختلاطه بالقرآن والاذن بعده لما أمن من ذلك وكان بين السلف من الصحابة والتابعين خلاف فى جواز كتابة الحديث ثم أجمعت الامة على جوازها واستحبابها والله اعلم وفيه البداءة بالأهم فالأهم فانه صلى الله عليه وسلم فى حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة ثم أكل وفى حديث زيارته لأم سليم بدأ بالأكل ثم صلى لأن المهم فى حديث عتبان هو الصلاة فانه دعاه لها وفى حديث أم سليم دعته للطعام ففى كل واحد من الحديثين بدأ بما دعى إليه والله اعلم وفيه جواز استتباع الامام والعالم أصحابه لزيارة أو ضيافة أو نحوها وفيه غير ذلك مما قدمناه وما حذفناه والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة 34
1 ( باب الدليل على أن من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا 34 ( وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فهو مؤمن وان ارتكب المعاصى الكبائر )) قوله صلى الله عليه وسلم ( ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ) قال صاحب التحرير رحمه الله معنى رضيت بالشيء قنعت به واكتفيت به ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير طريق الاسلام ولم يسلك الا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الايمان إلى قلبه وذاق طعمه وقال القاضي عياض رحمه الله معنى الحديث صح ايمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه لان رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضى أمرا سهل عليه فكذا المؤمن اذا دخل قلبه الايمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له والله أعلم وفي الاسناد الدراوردى وقد تقدم بيانه في المقدمة وفيه يزيد بن عبد الله بن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد هكذا يقوله المحدثون الهاد من غير ياء والمختار عند أهل العربية فيه وفى ) نظائره بالياء كالعاصى وبن أبى الموالى والله أعلم وهذا الحديث من أفراد مسلم رحمه الله لم يروه البخارى رحمه الله في صحيحه 1 ( باب بيان عدد شعب الايمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء ( وكونه من الايمان ) )