Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Section V02/P002–V02/P007

35 قوله ( أبو عامر العقدى ) هو بفتح العين والقاف واسمه عبد الملك بن عمرو بن قيس وقد تقدم بيانه واضحا في أول المقدمة في باب النهى عن الرواية عن الضعفاء قوله صلى الله عليه وسلم ( الايمان بضع وسبعون شعبة ) هكذا رواه عن أبى عامر العقدى عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية زهير عن جرير عن سهيل عن عبد الله بن دينار عن ابى صالح عن أبى هريرة بضع وسبعون أو بضع وستون كذا وقع في مسلم من رواية سهيل بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك ورواه البخارى في أول الكتاب من رواية العقدى بضع وستون بلا شك ورواه أبوداود والترمذى وغيرهما من رواية سهيل بضع وسبعون بلا شك ورواه الترمذى من طريق آخر وقال فيه أربعة وستون بابا واختلف العلماء في الراجحة من الروايتين فقال القاضي عياض الصواب ما وقع في سائر الاحاديث ولسائر الرواة بضع وستون وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقى رحمه الله وقد روى عن سهيل بضع وسبعون من غير شك وأما سليمان بن بلال فانه رواه عن عمرو بن دينار على القطع من غير شك وهي الرواية الصحيحة أخرجاها في الصحيحين غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم بضع وسبعون وفيما عندنا من كتاب ) البخارى بضع وستون وقد نقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين ولا أشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طرق روايات هذا الحديث واختلفوا في الترجيح قال والأشبه بالاتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل قال ومنهم من رجح رواية الاكثر واياها اختار أبو عبد الله الحليمى فان الحكم لمن حفظ الزيادة جازما بها قال الشيخ ثم ان الكلام في تعيين هذه الشعب يطول وقد صنفت في ذلك مصنفات ومن أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبى عبد الله الحليمى امام الشافعيين ببخارى وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقى رحمه الله في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الايمان هذا كلام الشيخ قال القاضي عياض رحمه الله البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها هذا في العدد فاما بضعة اللحم فبالفتح لاغير والبضع في العدد ما بين الثلاث والعشر وقيل من ثلاث إلى تسع وقال الخليل البضع سبع وقيل ما بين اثنين إلى عشرة وما بين اثنى عشر إلى عشرين ولا يقال في اثنى عشر قلت وهذا القول هو الأشهر الأظهر وأما الشعبة فهي القطعة من الشيء فمعنى الحديث بضع وسبعون خصلة قال القاضي عياض رحمه الله وقد تقدم أن أصل الايمان في اللغة التصديق وفي الشرع تصديق القلب واللسان وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا أفضلها لا اله الا الله وآخرها اماطة الاذى عن الطريق وقد قدمنا أن كمال الايمان بالأعمال وتمامه بالطاعات وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه وأنها خلق أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الايمان الشرعى ولا اللغوى وقد نبه صلى الله عليه وسلم على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذى لا يصح شيء من الشعب الا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من اماطة الاذى عن طريقهم وبقى بين هذين الطرفين اعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لامكنه وقد فعل ذلك بعض من تقدم وفي الحكم بأن ذلك مراد النبى صلى الله عليه وسلم صعوبة ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الايمان اذ أصول الايمان وفروعه معلومة محققة والايمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة هذا كلام القاضي رحمه الله وقال الامام الحافظ أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فاذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الايمان فاذا هي تنقص عن البضع والسبعين فرجعت إلى كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الايمان فاذا هي تنقص عن البضع والسبعين فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فاذا كل شيء عده الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا تنقص فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنن وذكر أبو حاتم رحمه الله جميع ذلك في كتاب وصف الايمان وشعبه وذكر أن رواية من روى بضع وستون شعبة أيضا صحيحة فان العرب قد تذكر للشىء عددا ولا تريد نفى ما سواه وله نظائر أوردها في كتابه منها في أحاديث الايمان والاسلام والله تعالى أعلم قوله ( والحياء شعبة من الايمان ) وفي الرواية الاخرى الحياء من الايمان وفي الاخرى الحياء لا يأتى الا بخير وفي الاخرى الحياء خير كله أو قال كله خير الحياء ممدود وهو الاستحياء قال الامام الواحدى رحمه الله تعالى قال أهل اللغة الاستحياء من الحياة واستحيا الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الغيب قال فالحياء من قوة الحس ولطفه وقرة الحياة وروينا في رسالة الامام الاستاذ أبى القاسم القشيرى عن السيد الجليل أبى القاسم الجنيد رضى الله عنه قال الحياء رؤية الآلاء أى النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وقال القاضي عياض وغيره من الشراح انما جعل الحياء من الايمان وان كان غريزة لانه قد يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الايمان بهذا ولكونه باعثا على أفعال البر ومانعا من المعاصى وأما كون الحياء خيرا كله ولا يأتى الا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحى أن يواجه بالحق من يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقد يحمله الحياء على الاخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الائمة منهم الشيخ أبوعمرو بن الصلاح رحمه الله أن هذا المانع الذى ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور ومهانة وإنما تسميته حياء من اطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقى وانما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذى الحق ونحو هذا ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد رضى الله عنه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأدناها اماطة الاذى عن الطريق ) أى تنحيته وابعاده والمراد بالأذى كل ما يؤذى من حجر أو مدر أو شوك أو غيره قوله ( يعظ أخاه في الحياء ) أى ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته فنهاه النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال دعه فان الحياء من الايمان أى دعه على فعل الحياء وكف عن نهيه ووقعت لفظة دعه فى البخارى ولم تقع في مسلم قول مسلم رحمه الله ( حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا السوار يحدث أنه سمع عمران بن الحصين ) وقال مسلم في الطريق الثانى حدثنا يحيى بن حبيب الحارثى حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق وهو بن سويد أن أبا قتادة حدث قال كنا عند عمران بن الحصين في رهط فحدثنا إلى آخره هذان الاسنادان كلهم بصريون وهذا من النفائس اجتماع الاسنادين في الكتاب متلاصقين جميعهم بصريون وشعبة وان كان واسطيا فهو بصرى أيضا فكان واسطيا بصريا فانه انتقل من واسط إلى البصرة واستوطنها وأما أبو السوار فهو بفتح السين المهملة وتشديد الواو وآخره راء واسمه حسان بن حريث العدوى وأما أبو قتادة هذا فاسمه تميم بن نذير بضم النون وفتح الذال المعجمة العدوى ويقال تميم بن الزبير ويقال بن يزيد بالزاى ذكره الحاكم أبو أحمد وأما الرهط فهو مادون العشرة من الرجال خاصة لا يكون فيهم امرأة وليس له واحد من اللفظ والجمع أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط قوله ( فقال بشير بن كعب إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله تعالى ومنه ضعف فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال أنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه إلى قوله فمازلنا نقول انه منا يا أبا نجيد انه لا بأس به ) أما بشير فبضم الباء وفتح الشين وقد تقدم بيانه وبيان أمثاله في آخر الفصول وقد تقدم هو أيضا في أول المقدمة وأما نجيد فبضم النون وفتح الجيم وآخره دال مهملة وأبو نجيد هو عمران بن الحصين كنى بابنه نجيد وأما الضعف فبفتح الضاد وضمها لغتان مشهورتان وقوله حتى احمرتا عيناه كذا هو في الاصول وهو صحيح جار على لغة أكلونى البراغيث ومثله وأسروا النجوى الذين ظلموا على أحد المذاهب فيها ومثله يتعاقبون فيكم ملائكة وأشباهه كثيرة معروفة ورويناه في سنن أبى داود واحمرت عيناه من غير ألف وهذا ظاهر وأما انكار عمران رضى الله عنه فلكونه قال منه ضعف بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير كله ومعنى تعارض تأتى بكلام في مقابلته وتعترض بما يخالفه وقولهم أنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أوغيرها مما يخالف به أهل الاستقامة والله أعلم قول مسلم رحمه الله ( أنبأنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا النضر حدثنا أبو نعامة العدوى قال سمعت حجير بن الربيع العدوى يقول عن عمران بن الحصين ) هذا الاسناد أيضا كله بصريون الا إسحاق فانه مروزى فأما النضر فهو أبن شميل الامام الجليل وأما أبو نعامة فبفتح النون واسمه عمرو بن عيسى بن سويد وهو من الثقات الذين اختلطوا قبل موتهم وقد قدمنا في الفصول وبعدها أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين فهو محمول على أنه علم أنه أخذ عنهم قبل الاختلاط وأما حجير فبضم الحاء وبعدها جيم مفتوحة وآخره راء والله أعلم بالصواب وله الحمد والمنة

Section V02/P007–V02/P008

1 ( باب جامع أوصاف الاسلام) 38 قوله ( قلت يا رسول الله قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه غيرك قال قل آمنت بالله ثم استقم ) قال القاضي عياض رحمه الله هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وهو مطابق لقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا أى وحدوا الله وآمنوا به ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعته سبحانه وتعالى إلى أن توفوا على ذلك وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصحابة فمن بعدهم وهو معنى الحديث ان شاء الله تعالى هذا آخر كلام القاضي رحمه الله وقال بن عباس رضى الله عنهما في قول الله تعالى فاستقم كما أمرت ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قالوا قد أسرع اليك الشيب فقال شيبتنى هود وأخواتها قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى في رسالته الاستقامة درجة بها كمال الامور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده قال وقيل الاستقامة لا يطيقها الا الاكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا وقال الواسطى الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن والله أعلم ولم يرو مسلم رحمه الله في صحيحه لسفيان بن عبد الله الثقفي راوي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا وروى الترمذى هذا الحديث وزاد فيه قلت يا رسول الله ما أخوف ما أخاف على فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا والله أعلم 1 ( باب بيان تفاضل الاسلام وأى أموره أفضل)

Section V02/P008–V02/P012

39 فيه ( عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الاسلام ) خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) وفي رواية أى المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده وفي رواية جابر المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده قال العلماء رحمهم الله قوله أى الاسلام خير معناه أى خصاله وأموره وأحواله قالوا وإنما وقع اختلاف الجواب في خير المسلمين لاختلاف حال السائل والحاضرين فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى افشاء السلام واطعام الطعام أكثر وأهم لما حصل من اهمالهما والتساهل في أمورهما ونحو ذلك وفي الموضع الآخر إلى الكف عن ايذاء المسلمين 40 وقوله صلى الله عليه وسلم ( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) معناه من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل وخص اليد بالذكر لأن معظم الافعال بها وقد جاء القرآن العزيز باضافة الاكتساب والافعال اليها لما ذكرناه والله تعالى أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده قالوا معناه المسلم الكامل وليس المراد نفى أصل الاسلام عن من لم يكن بهذه الصفة بل هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زيد أى الكامل أو المحبوب وكما يقال الناس العرب والمال الابل فكله على التفضيل لا للحصر ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أى المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ثم أن كمال الاسلام والمسلم متعلق بخصال أخر كثيرة وانما خص ما ذكر لما ذكرناه من الحاجة الخاصة والله أعلم ومعنى تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف أى تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس ثم ان هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر وفى هذه الاحاديث جمل من العلم ففيها الحث على اطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل مباشرة أو سبب والامساك عن احتقارهم وفيها الحث على تألف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك قال القاضي رحمه الله والالفة احدى فرائط الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الاسلام قال وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف واخلاص العمل فيه لله تعالى لا مصانعة ولا ملقا وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وافشاء شعار هذه الامة والله تعالى أعلم وأما أسماء رجال الباب فقال مسلم رحمه الله في الاسناد الاول وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر حدثنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عبد الله بن عمرو يعنى بن العاصى قال مسلم رحمه الله وحدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو المصرى أخبرنا بن وهب عن عمرو بن الحرث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما وهذان الاسنادان كلهم مصريون أئمة جلة وهذا من عزيز الاسانيد في مسلم بل في غيره فإن اتفاق جميع الرواة في كونهم مصريين في غاية القلة ويزداد قلة باعتبار الجلالة فأما عبد الله بن عمرو بن العاصى رضى الله عنهما فجلالته وفقهة وكثرة حديثه وشدة ورعة وزهادته واكثاره من الصلاة والصيام وسائر العبادات وغير ذلك من أنواع الخير فمعروفة مشهورة لا يمكن استقصاؤها فرضى الله عنه وأما أبو الخير بالخاء المعجمة واسمه مرثد بالمثلثة بن عبد الله اليزنى بفتح المثناة تحت والزاى منسوب إلى يزن بطن من حمير قال أبو سعيد بن يونس كان أبو الخير مفتى أهل مصر في زمانه مات سنة سبعين من الهجرة وأما يزيد بن أبى حبيب فكنيته أبو رجاء وهو تابعى قال بن يونس وكان مفتى أهل مصر في زمانه وكان حليما عاقلا وكان أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحمم والترغيب في الخير وقال الليث بن سعد يزيد سيدنا وعالمنا واسم أبى حبيب سويد وأما الليث بن سعد رضى الله عنه فامامته وجلالته وصيانته وبراعته وشهادة أهل عصره سخائه وسيادته وغير ذلك من جميل حالاته أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر ويكفى في جلالته شهادة الامامين الجليلين الشافعى وبن بكير رحمهما الله تعالى أن الليث أفقه من مالك رضى الله عنهم أجمعين فهذان صاحبا مالك رحمه الله وقد شهدا بما شهدا وهم بالمنزلة المعروفة من الاتقان والورع واجلال مالك ومعرفتها باحواله هذا كله مع ما قد علم من جلالة مالك وعظم فقهه رضى الله عنه قال محمد بن رمح كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما أوجب الله تعالى عليه زكاة قط وقال قتيبة لما قدم الليث أهدى له مالك من طرف المدينة فبعث إليه الليث ألف دينار وكان الليث مفتى أهل مصر في زمانه وأما محمد بن رمح فقال بن يونس هو ثقة ثبت في الحديث وكان أعلم الناس بأخبار البلد وفقهه وكان اذا شهد في كتاب دار علم أهل البلد أنها طيبة الاصل وذكره النسائى فقال ما أخطأ في حديث ولو كتب عن مالك لأثبته في الطبقة الاولى من أصحاب مالك وأثنى عليه غيرهما والله أعلم وأما عبد الله بن وهب فعلمه وورعه وزهده وحفظه واتقانه وكثرة حديثه واعتماد أهل مصر عليه وأخبارهم بأن حديث أهل مصر وما والاها يدور عليه فكله أمر معروف مشهور في كتب أئمة هذا الفن وقد بلغنا عن مالك بن أنس رضى الله عنه أنه لم يكتب إلى أحد وعنونه بالفقه الا إلى بن وهب رحمه الله وأما عمرو بن الحرث فهو مفتى اهل مصر في زمنه وقاريهم قال أبو زرعة رحمه الله لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه وقال أبو حاتم كان أحفظ الناس في زمانه وقال مالك بن أنس عمرو بن الحرث درة الغواص وقال هو مرتفع الشان وقال بن وهب سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخا فما رأيت أحفظ من عمرو بن الحرث رحمه الله والله أعلم قوله في الاسناد الآخر 41 ( أبو عاصم عن بن جريج عن أبى الزبير ) أما أبو عاصم فهو الضحاك بن مخلد وأما بن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وأما أبو الزبير فهو محمد بن مسلم بن تدرس وقد تقدم بيانهم وفي الاسناد الآخر أبوبردة عن أبى بردة عن أبى موسى فأبو بردة الاول اسمه بريد بضم الموحدة وقد سماه في الرواية الاخرى وأبو بردة الثانى اختلف في اسمه فقال الجمهور اسمه عامر وقال يحيى بن معين في احدى الروايتين عنه عامر كما قال الجمهور وفي الاخرى الحارث وأما أبو موسى فهو الاشعرى واسمه عبد الله بن قيس وانما نقصد بذكر مثل هذا وان كان عند أهل هذا الفن من الواضحات المشهورات التي لا حاجة إلى ذكرها لكون هذا الكتاب ليس مختصا بالفضلاء بل هو موضوع لافادة من لم يتمكن في هذا الفن والله تعالى أعلم بالصواب

Section V02/P012–V02/P014

1 ( باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الايمان) 43 قوله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله احب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لايحبه الا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) وفي رواية من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا هذا حديث عظيم أصل من أصول الاسلام قال العلماء رحمهم الله معنى حلاوة الايمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وايثار ذلك على عرض الدنيا ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي رحمه الله هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم ذاق طعم الايمان من رضى بالله ) ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وذلك أنه لا يصح المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة وحب الآدمى في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكراهة الرجوع إلى الكفر الا لمن قوى بالايمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه وهذا هو الذى وجد حلاوته قال والحب في الله من ثمرات حب الله قال بعضهم المحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب سبحانه فيحب ما أحب ويكره ما كره واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف الا فى اللفظ وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الانسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها وقد يستلذه بعقله للمعانى الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا وقد يكون لاحسانه إليه ودفعه المضار والمكاره عنه وهذه المعانى كلها موجودة في النبى صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل واحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته اياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والابعاد من الجحيم وقد أشار بعضهم إلى ان هذا متصور في حق الله تعالى فان الخير كله منه سبحانه وتعالى قال مالك وغيره المحبة فى الله من واجبات الاسلام هذا كلام القاضي رحمه الله وأما قوله صلى الله عليه وسلم يعود أو يرجع فمعناه يصير وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة وأما أبوقلابة المذكور في الاسناد فهو بكسر القاف وتخفيف اللام وبالباء الموحدة واسمه عبد الله بن زيد وأما قول مسلم حدثنا بن مثنى وبن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس رضى الله عنه فهذا اسناد كله بصريون وقد قدمنا أن شعبة واسطى بصرى والله تعالى أعلم بالصواب 1 ( باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل ( والوالد والوالد والناس أجمعين واطلاق عدم الايمان على من لم يحبه هذه المحبة ))

Section V02/P014–V02/P016

44 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ) وفي الرواية الاخرى من ولده ووالده والناس أجمعين قال الامام أبو سليمان الخطابى لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لان حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه قال فمعناه لا تصدق في حبى حتى تفنى في طاعتى نفسك وتؤثر رضاى على هواك وان كان فيه هلاكك هذا كلام الخطابى وقال بن بطال والقاضى عياض وغيرهما رحمة الله عليهم المحبة ثلاثة أقسام محبة اجلال واعظام كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته قال بن بطال رحمه الله ومعنى ) الحديث أن من استكمل الايمان علم ان حق النبى صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لان به صلى الله عليه وسلم استنقذنا من النار وهدينا من الضلال قال القاضي عياض رحمه الله ومن محبته صلى الله عليه وسلم نصرة سنته والذب عن شريعته وتمنى حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال واذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الايمان لا يتم الابذلك ولا يصح الايمان الا بتحقيق اعلاء قدر النبى صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن هذا كلام القاضي رحمه الله والله أعلم وأما اسناد هذا الحديث فقال مسلم رحمه الله ( وحدثنا شيبان بن أبى شيبة حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال مسلم ( وحدثنا محمد بن مثنى وبن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس ) وهذان الاسنادان رواتهما بصريون كلهم وشيبان بن أبى شيبة هذا هو شيبان بن فروج الذى روى عنه مسلم فى مواضع كثيرة والله أعلم بالصواب 1 ( باب الدليل على أن من خصال الايمان ( أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير )) 45 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه ) هكذا هو فى مسلم لأخيه أو لجاره على الشك وكذا هو فى مسند عبد بن حميد على الشك وهو في البخارى وغيره لأخيه من غير شك قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الايمان التام والا فأصل الايمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائى في هذا الحديث حتى يحب لأخيه من الخير ) ما يحب لنفسه قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك اذ معناه لا يكمل ايمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الاسلام مثل ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وانما يعسر على القلب الدغل عافانا الله واخواننا أجمعين والله أعلم وأما اسناده فقال مسلم رحمه الله حدثنا محمد بن مثنى وبن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس وهؤلاء كلهم بصريون والله اعلم 1 ( باب بيان تحريم ايذاء الجار)

Section V02/P016–V02/P017

46 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) البوائق جمع بائقة وهي الغائلة والداهية والفتك وفى معنى لا يدخل الجنة جوابان يجريان في كل ما أشبه هذا احدهما أنه محمول على من يستحل الايذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلا والثانى معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين اذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولا وانما تأولنا هذين التأويلين لأنا قدمنا أن مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصرا على الكبائر فهو إلى الله تعالى ان شاء عفا عنه فادخله الجنة أولا وان شاء عاقبه ثم أدخله الجنة والله اعلم ) 1 ( باب الحث على اكرام الجار والضيف ولزوم الصمت ( الا عن الخير وكون ذلك كله من الايمان ))

Section V02/P017–V02/P020

47 قوله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) وفى الرواية الأخرى فلا يؤذى جاره قال أهل اللغة يقال صمت يصمت بضم الميم صمتا وصموتا وصمات أى سكت قال الجوهرى ويقال أصمت بمعنى صمت والتصميت السكوت والتصميت أيضا التسكيت قال القاضي عياض رحمه الله معنى الحديث ان من التزم شرائع الاسلام لزمه اكرام جاره وضيفه وبرهما وكل ذلك تعريف بحق الجار وحث على حفظه وقد أوصى الله تعالى بالاحسان إليه في كتابه العزيز وقال صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل عليه السلام يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه والضيافة من آداب الاسلام وخلق النبيين والصالحين وقد أوجبها الليث ليلة واحدة واحتج بالحديث ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم وبحديث عقبة ان نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا وان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الاخلاق وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم جائزته يوم وليلة والجائزة العطية والمنحة والصلة وذلك لا يكون الا مع الاختيار وقوله صلى الله عليه وسلم فليكرم وليحسن يدل على هذا أيضا اذ ليس يستعمل مثله فى الواجب مع أنه مضموم إلى الاكرام للجار والاحسان إليه وذلك غير واجب وتأولوا الأحاديث أنها كانت في أول الاسلام اذ كانت المواساة واجبة واختلفوا هل الضيافة على الحاضر والبادى أم على البادى خاصة فذهب ) الشافعى رضى الله عنه ومحمد بن الحكم إلى انها عليهما وقال مالك وسحنون انما ذلك على أهل البوادى لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول وما يشترى من المأكل في الاسواق وقد جاء في حديث الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا وخيف عليه وعلى أهل الذمة اذا اشترطت عليهم هذا كلام القاضي وأما قوله صلى الله عليه وسلم فليقل خيرا أو ليصمت فمعناه أنه اذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه واجبا اومندوبا فليتكلم وان لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا وقد قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد واختلف السلف والعلماء في أنه هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد وان كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم الآية أم لا يكتب الا مافيه جزاء من ثواب أو عقاب والي الثاني ذهب بن عباس رضي الله عنهما وغيره من العلماء وعلى هذا تكون الآية مخصوصة أى ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء وقد ندب الشرع إلى الامساك عن كثير من المباحات لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات وقد أخذ الامام الشافعى رضى الله عنه معنى الحديث فقال اذا أراد أن يتكلم فليفكر فان ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم وان ظهر له فيه ضرر أوشك فيه أمسك وقد قال الامام الجليل أبو محمد عبد الله بن أبى زيد امام المالكية بالمغرب في زمنه جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث قول النبى صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه وقوله صلى الله عليه وسلم للذى اختصر له الوصية لا تغضب وقوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه والله أعلم وروينا عن الاستاذ أبى القاسم القشيرى رحمه الله قال الصمت بسلامة وهو الأصل والسكوت فى وقته صفة الرجال كما ان النطق في موضعه من أشرف الخصال قال وسمعت أبا على الدقاق يقول من سكت عن الحق فهو شيطان اخرس قال فأما ايثار أصحاب المجاهدة السكوت فلما علموا ما فى الكلام من الآفات ثم ما فيه من حظ النفس واظهار صفات المدح والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات وذلك نعت أرباب الرياضة وهو أحد أركانهم فى حكم المنازلة وتهذيب الخلق وروينا عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه وعن ذى النون رحمه الله أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فلا يؤذى جاره ) فكذا وقع فى الأصول يؤذى بالياء فى آخره وروينا فى غير مسلم فلا يؤذ بحذفها وهما صحيحان فحذفها للنهى واثباتها على أنه خبر يراد به النهى فيكون أبلغ ومنه قوله تعالى لا تضار والدة بولدها على قراءة من رفع ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لايبيع أحدكم على بيع أخيه ونظائره كثيرة والله أعلم وأما أسانيد الباب فقال مسلم رحمه الله حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو الاحوص عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة وهذا الاسناد كله كوفيون مكيون الا أبا هريرة فإنه مدنى وقد تقدم بيان أسمائهم كلهم في مواضع وحصين بفتح الحاء وقوله في الاسناد الآخر عن أبى شريح الخزاعى قد قدمنا في آخر شرح مقدمة الكتاب الاختلاف في اسمه وأنه قيل اسمه خويلد بن عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عمرو بن خويلد وقيل هانئ بن عمرو وقيل كعب وأنه يقال الخزاعى والعدوى والكعبى والله أعلم

Section V02/P020

1 ( باب بيان كون النهى عن المنكر من الايمان ( وأن الايمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان ))

Section V02/P020–V02/P028

49 قوله ( أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان قال القاضي عياض رحمه الله اختلف في هذا فوقع هنا ما نراه وقيل أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان رضى الله عنه وقيل عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة ولا ينتظرون الخطبة وقيل بل ليدرك الصلاة من تأخر وبعد منزله وقيل أول من فعله معاوية وقيل فعله بن الزبير رضى الله عنه والذى ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم تقديم الصلاة وعليه جماعة فقهاء الامصار وقد عده بعضهم اجماعا يعنى والله أعلم بعد الخلاف أولم يلتفت إلى خلاف بنى أمية بعد اجماع الخلفاء والصدر الاول وفي قوله بعد هذا أما هذا فقد قضى ما عليه بمحضر من ذلك الجمع العظيم دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان وبينه أيضا احتجاجه بقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره ولا يسمى منكرا لو اعتقده ومن حضر أوسبق به عمل أو مضت به سنة وفي هذا دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان وأن ما حكى عن عمر وعثمان ومعاوية لا يصح والله أعلم قوله ( فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد أما هذا ) فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده الحديث ) قد يقال كيف تأخر أبو سعيد رضى الله عنه عن انكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرا من الأول ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب انكاره فسقط عنه الانكار ولم يخف ذلك الرجل شيئا لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد والله أعلم ثم أنه جاء في الحديث الآخر الذى اتفق البخارى ومسلم رضى الله عنهما على اخراجه في باب صلاة العيد أن أبا سعيد هو الذى جذب بيد مروان حين رآه يصعد المنبر وكانا جاءا معا فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل فيحتمل أنهما قضيتان أحداهما لأبى سعيد والاخرى للرجل بحضرة أبى سعيد والله أعلم وأما قوله فقد قضى ما عليه ففيه تصريح بالانكار أيضا من أبى سعيد وأما قوله صلى الله عليه وسلم فليغيره فهو أمر ايجاب باجماع الامة وقد تطابق على وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة واجماع الامة وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك الا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم كما قال الامام أبو المعالى امام الحرمين لا يكترث بخلافهم فى هذا فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة وأما قول الله عز وجل عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فليس مخالفا لما ذكرناه لان المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية انكم اذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى واذا كان كذلك فمما كلف به الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه فإنما عليه الأمر والنهى لا القبول والله أعلم ثم ان الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية اذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين واذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف ثم أنه قد يتعين كما اذا كان في موضع لا يعلم به الا هو أولا يتمكن من ازالته الا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء رضى الله عنهم ولا يسقط عن المكلف الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقد قدمنا أن الذى عليه الامر والنهى لا القبول وكما قال الله عز وجل ما على الرسول إلا البلاغ ومثل العلماء هذا بمن يرى انسانا في الحمام أو غيره مكشوف بعض العورة ونحو ذلك والله أعلم قال العلماء ولا يشترط في الآمر والناهى أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الامر وان كان مخلا بما يأمر به والنهى وان كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الاخلال بالآخر قال العلماء ولا يختص الامر بالمعروف والنهى عن المنكر باصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين قال امام الحرمين والدليل عليه اجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذى يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين اياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من غير ولاية والله أعلم ثم أنه انما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وان كان من دقائق الافعال والاقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم انكاره بل ذلك للعلماء ثم العلماء انما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا انكار فيه لان على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطىء غير متعين لنا والاثم مرفوع عنه لكن ان ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق فان العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف اذا لم يلزم منه اخلال بسنة أو وقوع فى خلاف آخر وذكر أقضى القضاة أبو الحسن الماوردى البصرى الشافعى فى كتابه الاحكام السلطانية خلافا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء اذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد أم لا يغير ما كان على مذهب غيره والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضى الله عنهم أجمعين ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره وكذلك قالوا ليس للمفتى ولا للقاضى أن يعترض على من خالفه اذا لم يخالف نصا أو اجماعا أوقياسا جليا والله أعلم واعلم أن هذا الباب أعنى باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه فى هذه الازمان الا رسوم قليلة جدا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه واذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح واذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فينبغي لطالب الآخرة والساعى في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتنى بهذا الباب فان نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فان الله تعالى قال ولينصرن الله من ينصره وقال تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم وقال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين واعلم أن الاجر على قدر النصب ولا يتاركه أيضا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه فان صداقته ومودته توجب له حرمة وحقا ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها وصديق الانسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وأن أدى ذلك إلى نقص في دنياه وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته وان حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه وانما كان ابليس عدوا لنا لهذا وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم فى مصالح آخرتهم وهدايتهم اليها ونسأل الله الكريم توفيقنا وأحبابنا وسائر المسلمين لمرضاته وأن يعمنا بجوده ورحمته والله أعلم وينبغى للآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الامام الشافعى رضى الله عنه من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه ومما يتساهل اكثر الناس فيه من هذا الباب ما اذا رأى انسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه فإنهم لا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشترى بعيبه وهذا خطأ ظاهر وقد نص العلماء على أنه يجب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم المشترى به والله أعلم وأما صفة النهى ومراتبه فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه فقوله صلى الله عليه وسلم فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بازالة وتغيير منه للمنكر ولكنه هو الذى فى وسعه وقوله صلى الله عليه وسلم ( وذلك أضعف الايمان ) معناه والله أعلم أقله ثمرة قال القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث أصل فى صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره اذا أمكنه ويرفق في التغيير جهده بالجاهل وبذى العزة الظالم المخوف شره اذ ذلك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولى ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى ويغلظ على المتمادى في غيه والمسرف في بطالته اذا أمن أن يؤثر اغلاظه منكرا أشد مما غيره لكون جانبه محميا عن سطوة الظالم فان غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف فان خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة وهذا هو المراد بالحديث ان شاء الله تعالى وان وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤد ذلك إلى اظهار سلاح وحرب وليرفع ذلك إلى من له الأمر ان كان المنكر من غيره أو يقتصر على تغييره بقلبه هذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافا لمن رأى الانكار بالتصريح بكل حال وان قتل ونيل منه كل أذى هذا آخر كلام القاضي رحمه الله قال امام الحرمين رحمه الله ويسوغ لآحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة ان لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الامر إلى نصب قتال وشهر سلاح فان انتهى الامر إلى ذلك ربط الامر بالسلطان قال واذا جار والى الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلاهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الاسلحة ونصب الحروب هذا كلام امام الحرمين وهذا الذى ذكره من خلعه غريب ومع هذا فهو محمول على ما اذا لم يخف منه اثارة مفسدة أعظم منه قال وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون بل ان عثر على منكر غيره جهده هذا كلام امام الحرمين وقال أقضى القضاة الماوردى ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فان غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت فذلك ضربان أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزنى بها فيجوز له فى مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا يستدرك وكذا لوعرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جازلهم الاقدام على الكشف والانكار الضرب الثانى ما قصر عن هذه الرتبه فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الاستار عنه فان سمع أصوات الملاهى المنكرة من دار أنكرها خارج الدار لم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن الباطن وقد ذكر الماوردى في آخر الاحكام السلطانية بابا حسنا فى الحسبة مشتملا على جمل من قواعد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد أشرنا هنا إلى مقاصدها وبسطت الكلام فى هذا الباب لعظم فائدته وكثرة الحاجة إليه وكونه من أعظم قواعد الاسلام والله أعلم قوله ( وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبى سعيد وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى سعيد ) فقوله وعن قيس معطوف على إسماعيل معناه رواه الأعمش عن إسماعيل عن قيس والله أعلم 50 قوله ( عن صالح بن كيسان عن الحرث عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبى رافع عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى الا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل قال أبورافع فحدثت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فانكره علي فقدم بن مسعود رضي الله عنه فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يعوده فانطلقت معه فلما جلسنا سألت بن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته بن عمر قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبى رافع ) أما الحرث فهو بن فضيل الانصارى الخطمى أبو عبد الله المدنى روى عن عبد الرحمن بن أبى قراد الصحابى قال يحيى بن معين هو ثقة وأما أبو رافع فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصح أن اسمه أسلم وقيل إبراهيم وقيل هرمز وقيل ثابت وقيل يزيد وهو غريب حكاه بن الجوزى فى كتابه جامع المسانيد وفى هذاالاسناد طريفة وهو أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض صالح والحرث وجعفر وعبد الرحمن وقد تقدم نظير هذا وقد جمعت فيه بحمد الله تعالى جزءا مشتملا على أحاديث رباعيات منها أربعة صحابيون بعضهم عن بعض وأربعة تابعيون بعضهم عن بعض وأما قوله قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبى رافع فهو بضم التاء والحاء قال القاضي عياض رحمه الله معنى هذا أن صالح بن كيسان قال ان هذا الحديث روى عن أبى رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير ذكر بن مسعود فيه وقد ذكره البخارى كذلك في تاريخه مختصرا عن ابى رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال أبوعلى الجيانى عن أحمد بن حنبل رحمه الله قال هذا الحديث غير محفوظ قال وهذا الكلام لا يشبه كلام بن مسعود وبن مسعود يقول اصبروا حتى تلقونى هذا كلام القاضي رحمه الله وقال الشيخ أبو عمرو وهذا الحديث قد أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله وقد روى عن الحرث هذا جماعة من الثقات ولم نجد له ذكرا في كتب الضعفاء وفى كتاب بن أبى حاتم عن يحيى بن معين أنه ثقة ثم أن الحرث لم ينفرد به بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان المذكور وذكر الامام الدارقطنى رحمه الله في كتاب العلل أن هذا الحديث قد روى من وجوه أخر منها عن أبى واقد الليثى عن بن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم وأما قوله اصبروا حتى تلقونى فذلك حيث يلزم من ذلك سفك الدماء أو اثارة الفتن أو نحو ذلك وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه اثارة فتنة على أن هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الامم وليس فى لفظه ذكر لهذه الامة هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو وهو ظاهر كما قال وقدح الامام أحمد رحمه الله في هذا بهذا عجب والله أعلم وأما الحواريون المذكورون فاختلف فيهم فقال الأزهري وغيره هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم والخلصان الذين نقوا من كل عيب وقال غيرهم أنصارهم وقيل المجاهدون وقيل الذين يصلحون للخلافة بعدهم قوله صلى الله عليه وسلم ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف الضمير في انها هو الذى يسميه النحويون ضمير القصة والشأن ومعنى تخلف تحدث وهو بضم اللام وأما الخلوف فبضم الخاء وهو جمع خلف باسكان اللام وهوالخالف بشر وأما بفتح اللام فهو الخالف بخير هذا هو الاشهر وقال جماعة وجماعات من أهل اللغة منهم أبو زيد يقال كل واحد منهما بالفتح والاسكان ومنهم من جوز الفتح في الشر ولم يجوز الاسكان في الخير والله أعلم قوله فنزل بقناة هكذا هو في بعض الاصول المحققة بقناة بالقاف المفتوحة وآخره تاء التأنيث وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث وهكذا ذكره أبو عبد الله الحميدى في الجمع بين الصحيحين ووقع في أكثر الاصول ولمعظم رواة كتاب مسلم بفنائه بالفاء المكسورة وبالمد وآخره هاء الضمير قبلها همزة والفناء ما بين أيدى المنازل والدور وكذا رواه أبو عوانة الاسفراينى قال القاضي عياض رحمه الله فى رواية السمرقندى بقناة وهو الصواب وقناة واد من أودية المدينة عليه مال من أموالها قال ورواية الجمهور بفنائه وهو خطأ وتصحيف قوله صلى الله عليه وسلم ( يهتدون بهديه ) هو بفتح الهاء واسكان الدال أى بطريقته وسمته قول مسلم رحمه الله ( ولم يذكر قدوم بن مسعود واجتماع بن عمر معه ) هذا مما أنكره الحريرى في كتابه درة الغواص فقال لا يقال اجتمع فلان مع فلان وانما يقال اجتمع فلان وفلان وقد خالفه الجوهرى فقال فى صحاحه جامعه على كذا أى اجتمع معه

Section V02/P028

1 ( باب تفاضل أهل الايمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه)

Section V02/P028–V02/P034

51 في هذا الباب ( أشار النبى صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال الا أن الإيمان ها هنا وان القسوة ) وغلظ القلوب فى الفدادين عند أصول أذناب الابل حيث يطلع قرنا الشيطان فى ربيعة ومضر وفى رواية جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة الايمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية وفى رواية أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة الفقه يمان والحكمة يمانية وفى رواية رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء فى أهل الخيل والابل الفدادين أهل الوبر والسكينة فى أهل الغنم وفى رواية الايمان يمان والكفر قبل المشرق والسكينة فى أهل الغنم والفخر والرياء فى الفدادين أهل الخيل والوبر وفى رواية أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة الايمان يمان والحكمة يمانية ورأس الكفر قبل المشرق وفي رواية غلظ القلوب والجفاء في المشرق والايمان في أهل الحجاز ) قد اختلف فى مواضع من هذا الحديث وقد جمعها القاضي عياض رحمه الله ونقحها مختصرة بعده الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وأنا أحكى ما ذكره قال أما ما ذكر من نسبة الايمان إلى أهل اليمن فقد صرفوه عن ظاهره من حيث إن مبدأ الايمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى فحكى أبو عبيد امام الغرب ثم من بعده فى ذلك أقوالا أحدها أنه أراد بذلك مكة فانه يقال أن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن والثانى أن المراد مكة والمدينة فانه يروى فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فاشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال الايمان يمان ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن كما قالوا الركن اليمانى وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن والثالث ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها عند أبى عبيد أن المراد بذلك الانصار لانهم يمانون فى الاصل فنسب الايمان اليهم لكونهم أنصاره قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن على ما هو المفهوم من اطلاق ذلك اذ من ألفاظه أتاكم أهل اليمن والانصار من جملة المخاطبين بذلك فهم اذن غيرهم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم جاء أهل اليمن وانما جاء حينئذ غير الانصار ثم أنه صلى الله عليه وسلم وصفهم بما يقضى بكمال ايمانهم ورتب عليه الايمان يمان فكان ذلك أشارة للايمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة ولا مانع من اجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة لان من اتصف بشيء وقوي قيامه به وتأكد اطلاعه منه ينسب ذلك الشيء إليه اشعارا بتميزه به وكمال حاله فيه وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ فى الايمان وحال الوافدين منه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى أعقاب موته كأويس القرنى وأبي مسلم الخولانى رضى الله عنهما وشبههما ممن سلم قلبه وقوى ايمانه فكانت نسبة الايمان اليهم لذلك اشعارا بكمال ايمانهم من غير أن يكون فى ذلك نفى له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم الايمان فى أهل الحجاز ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن فى كل زمان فان اللفظ لا يقتضيه هذا هو الحق فى ذلك ونشكر الله تعالى على هدايتنا له والله اعلم قال وأما ما ذكر من الفقه والحكمة فالفقه هنا عبارة عن الفهم فى الدين واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بادراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة مضطربة قد اقتصر كل من قائليها على بعض صفات الحكمة وقد صفا لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك وقال أبو بكر بن دريد كل كلمة وعظتك وزجرتك أودعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ان من الشعر حكمة وفى بعض الروايات حكما والله أعلم قال الشيخ وقوله صلى الله عليه وسلم يمان ويمانية هو بتخفيف الياء عند جماهير اهل العربية لأن الألف المزيدة فيه عوض من ياء النسب المشددة فلا يجمع بينهما وقال بن السيد فى كتابه الاقتضاب حكى المبرد وغيره أن التشديد لغة قال الشيخ وهذا غريب قلت وقد حكى الجوهرى وصاحب المطالع وغيرهما من العلماء عن سيبويه أنه حكى عن بعض العرب أنهم يقولون اليمانى بالياء المشددة وأنشد لأمية بن خلف يمانيا يظل يشب كيرا وينفخ دائما لهب الشواظ 1 ( والله أعلم قال الشيخ وقوله صلى الله عليه وسلم ألين قلوبا وأرق أفئدة المشهور أن ) الفؤاد هو القلب فعلى هذا يكون كرر لفظ القلوب بلفظين وهو أولى من تكريره بلفظ واحد وقيل الفؤاد غير القلب وهو عين القلب وقيل باطن القلب وقيل غشاء القلب وأما وصفها باللين والرفة والضعف فمعناه أنها ذات خشية واستكانة سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التذكير سالمة من الغلظ والشدة والقسوة التى وصف بها قلوب الآخرين قال وقوله صلى الله عليه وسلم فى الفدادين فزعم أبو عمرو الشيبانى انه بتخفيف الدال وهو جمع فداد بتشديد الدال وهو عبارة عن البقر التى يحرث عليها حكاه عنه أبو عبيد وأنكره عليه وعلى هذا المراد بذلك أصحابها فحذف المضاف والصواب فى الفدادين بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة وهذا قول أهل الحديث والاصمعى وجمهور أهل اللغة وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلو أصواتهم في ابلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى هم المكثرون من الابل الذين يملك أحدهم المائتين منها إلى الالف وقوله ان القسو فى الفدادين عند أصول أذناب الابل معناه الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها وقوله صلى الله عليه وسلم حيث يطلع فرنا الشيطان فى ربيعة ومضر قوله ربيعة ومضر بدل من الفدادين وأما قرنا الشيطان فجانبا رأسه وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما باضلال الناس وقيل شيعتاه من الكفار والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال فى الحديث الآخر رأس الكفر نحو المشرق وكان ذلك فى عهده صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك ويكون حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس وأما قوله صلى الله عليه وسلم الفخر والخيلاء فالفخر هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيما والخيلاء الكبر واحتقار الناس وأما قوله فى أهل الخيل والابل الفدادين أهل الوبر فالوبر وان كان من الابل دون الخيل فلا يمتنع أن يكون قد وصفهم بكونهم جامعين بين الخيل والابل والوبر وأما قوله صلى الله عليه وسلم والسكينة فى أهل الغنم فالسكينة الطمأنينة والسكون على خلاف ما ذكره من صفة الفدادين هذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله وفيه كفاية فلا نطول بزيادة عليه والله أعلم وأما أسانيد الباب فقال مسلم رحمه الله حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو أسامة قال وحدثنا بن نمير حدثنا أبى قال وحدثنا أبو كريب حدثنا بن ادريس كلهم عن إسماعيل بن أبى خالد قال وحدثنا يحيى بن حبيب حدثنا معتمر عن إسماعيل قال سمعت قيسا يروى عن أبى مسعود هؤلاء الرجال كلهم كوفيون الا يحيى بن حبيب ومعتمرا فانهما بصريان وقد تقدم أن اسم بن أبى شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبى شيبة وأن أبا أسامة حماد بن اسامة وبن نمير محمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب محمد بن العلاء وبن ادريس عبد الله وأبو خالد هرمز وقيل سعد وقيل كثير وأبو مسعود عقبة بن عمرو الانصارى البدرى رضى الله عنهم وفى الاسناد الآخر الدارمى وقد تقدم في مقدمة الكتاب أنه منسوب إلى جد للقبيلة اسمة دارم وفيه أبو اليمان واسمه الحكم بن نافع وبعده أبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والاعمش سليمان بن مهران وابو صالح ذكوان وبن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس وكل هذا وان كان ظاهرا وقد تقدم فانما أقصد بتكريره وذكره الايضاح لمن لا يكون من أهل هذا الشأن فربما وقف على هذا الباب وأراد معرفة اسم بعض هؤلاء ليتوصل به إلى مطالعة ترجمته ومعرفة حاله أوغير ذلك من الاغراض فسهلت عليه الطريق بعبارة مختصرة والله أعلم بالصواب

Section V02/P034–V02/P036

1 ( باب بيان أنه لا يدخل الجنة الا المؤمنون ( وأن محبة المؤمنين من الايمان وأن افشاء السلام سبب لحصولها )) 54 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم ) على شيء اذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وفى الرواية الاخرى والذى نفسى بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ) هكذا هو فى جميع الاصول والروايات ولا تؤمنوا بحذف النون من آخره وهى لغة معروفة صحيحة وأما معنى الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم ولا تؤمنوا حتى تحابوا معناه لا يكمل ايمانكم ولا يصلح حالكم فى الايمان الا بالتحاب وأما قوله صلى الله عليه وسلم لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا فهو على ظاهره واطلاقه فلا يدخل الجنة الا من مات مؤمنا وان لم يكن كامل الايمان فهذا هو الظاهر من الحديث وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله معنى الحديث لا يكمل ايمانكم الا بالتحاب ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها اذا لم تكونوا كذلك وهذا الذى قاله محتمل والله أعلم وأما قوله أفشوا السلام بينكم فهو بقط الهمزة المفتوحة وفيه الحث العظيم على افشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف كما تقدم فى الحديث الآخر والسلام أول أسباب التألف ومفتاح استجلاب المودة وفى افشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض واظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع واعظام حرمات المسلمين وقد ذكر البخارى رحمه الله فى صحيحه عن عمار بن ياسر رضى الله عنه أنه قال ثلاث من جمعهن فقد جمع الايمان الانصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والانفاق من الاقتار وروى غير البخارى هذا الكلام مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وبذل السلام للعالم والسلام على من عرفت ومن لم تعرف وافشاء السلام كلها بمعنى واحد وفيها لطيفة أخرى وهى أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التى هي الحالقة وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب 1 ( باب بيان أن الدين النصيحة)

Section V02/P036–V02/P040

55 فيه ( عن تميم الدارى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين عامتهم ) هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الاسلام كما سنذكره من شرحه وأما ما قاله جماعات من العلماء أن أحد أرباع الاسلام أى أحد الاحاديث الاربعة التى تجمع أمور الاسلام فليس كما قالوه بل المدار على هذا وحده وهذا الحديث من أفراد مسلم وليس لتميم الدارى فى صحيح البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم شيء ولا له فى مسلم عنه غير هذا الحديث وقد تقدم فى آخر مقدمة الكتاب بيان الاختلاف فى نسبة تميم وأنه دارى أوديرى وأما شرح هذا الحديث فقال الامام أبو سليمان الخطابى رحمه الله النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له قال ويقال هو من وجيز الاسماء ومختصر الكلام وليس فى كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن المعنى هذه الكلمة كما قالوا فى الفلاح ليس فى كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه قال وقيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه اذا خاطه فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب قال وقيل انها مأخوذة من نصحت العسل اذا صفيته من الشمع شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط قال ومعنى الحديث عماد الدين وقوامه النصحية كقوله الحج عرفة أى عماده ومعظمه عرفة وأما تفسير النصيحة ) وأنواعها فقد ذكر الخطابى وغيره من العلماء فيها كلاما نفيسا أنا أضم بعضه إلى بعض مختصرا قالوا أما النصيحة لله تعالى فمعناها منصرف إلى الايمان به ونفى الشريك عنه وترك الالحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه سبحانه وتعالى من جميع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ومعادة من عصاه وجهاد من كفر به والاعتراف بنعمته وشكره عليها والاخلاص في جميع الامور والدعاء إلى جميع الاوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف في جميع الناس أو من أمكن منهم عليها قال الخطابى رحمه الله وحقيقة هذه الاضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فالله تعالى غني عن نصح الناصح وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأن كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها واقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه ونشر علومه والدعاء إليه والى ما ذكرناه من نصيحته وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة والايمان بجميع ما جاء به وطاعته فى امره ونهيه ونصرته حيا وميتا ومعاداة عن عاداه وموالاة من والاه واعظام حقه وتوقيره واحياء طريقته وسنته وبث دعوته ونشر شريعته ونفى التهمة عنها واستثارة علومها والتفقه في معانيها والدعاء اليها والتلطف في تعلمها وتعليمها واعظامها واجلالها والتأدب عند قراءتها والامساك عن الكلام فيها بغير علم واجلال أهلها لانتسابها اليها والتخلق باخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع فى سنته أوتعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف واعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم قال الخطابى رحمه الله ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات اليهم وترك الخروج بالسيف عليهم اذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم وأن يدعى لهم بالصلاح وهذا كله على ان المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسملين من اصحاب الولايات وهذا هو المشهور وحكاه ايضا الخطابى ثم قال وقد يتأول ذلك على الائمة الذين هم علماء الدين وأن من نصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الاحكام واحسان الظن بهم وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الامر فارشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى عنهم فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ويعينهم عليه بالقول والفعل وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق واخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم وأن يحب لهم ما يجب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة وتنشيط هممهم إلى الطاعات وقد كان في السلف رضى الله عنهم من تبلغ به النصيحة إلى الاضرار بدنياه والله اعلم هذا آخر ما تلخص في تفسير النصيحة قال بن بطال رحمه الله فى هذا الحديث ان النصيحة تسمى دينا واسلاما وان الدين يقع على العمل كما يقع على القول قال والنصيحة فرض يجزى فيه من قام به ويسقط عن الباقين قال والنصيحة لازمة على قدر الطاقة اذا علم الناصح انه يقبل نصحه ويطاع امره وامن على نفسه المكروه فان خشى على نفسه أذى فهو فى سعة والله اعلم 56 وأما حديث جرير رضى الله عنه ( قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على اقام الصلاة وايتاء الزكاة لكل مسلم وفى الرواية الاخرى على السمع والطاعة فلقننى فيما استطعت ) وانما اقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما قرينتين وهما أهم أركان الاسلام بعد الشهادتين وأظهرها ولم يذكر الصوم وغيره لدخولها فى السمع والطاعة وقوله صلى الله عليه وسلم فيما استطعت موافق لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها والرواية استطعت بفتح التاء وتلقينه من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم اذ قد يعجز فى بعض الاحال فلو لم يقيده بما استطاع لأخل التزم فى بعض الاحال والله أعلم ومما يتعلق بحديث جرير منقبة ومكرمة لجرير رضى الله عنه رواها الحافظ أبو القاسم الطبرانى باسناده اختصارها أن جريرا أمر مولاه أن يشترى له فرسا فاشترى بثلثمائة درهم وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس فرسك خير من ثلاثمائة درهم أتبيعه بأربعمائة درهم قال ذلك اليك يا أبا عبد الله فقال فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم ثم لم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه بها فقيل له فى ذلك فقال انى بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم النصح لكل مسلم والله أعلم واما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه أمية بن بسطام وقد قدمنا في المقدمة الخلاف فى انه هل يصرف اولا يصرف وفى ان الباء مكسورة على المشهور وأن صاحب المطالع حكى أيضا فتحتها وفيه زياد بن علاقة بكسر العين وبالقاف وفيه سريج بن يونس بالسين المهملة وبالجيم وفيه الدور فى بفتح الدال وقد تقدم فى المقدمة بيان هذه النسبة والله اعلم وأما قول مسلم حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عبد الله بن نمير وأبو اسامة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن جرير فهذا اسناد كله كوفيون وأما قوله حدثنا سريج ويعقوب قالا حدثنا هشيم عن سيار عن الشعبى عن جرير ثم قال مسلم في آخره قال يعقوب في روايته حدثنا سيار ففيه تنبيه على لطيفة وهى أن هشيما مدلس وقد قال عن سيار والمدلس اذا قال عن لا يحتج به الا أن ثبت سماعه من جهة أخرى فروى مسلم رحمه الله حديثه هذا عن شيخين وهما سريج ويعقوب فاما سريج فقال حدثنا هشيم عن سيار وأما يعقوب فقال حدثنا هشيم قال حدثنا سيار فبين مسلم رحمه الله اختلاف عبارة الروايتين في نقلهما عبارته وحصل منها اتصال حديثه لم يقتصر مسلم رحمه الله على احدى الروايتين وهذا من عظيم اتقانه ودقيق نظره وحسن احتياطه رضى الله عنه وسيار بتقديم السين على الياء والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

Section V02/P040

1 ( باب بيان نقصان الايمان بالمعاصى ( ونفيه عن المتلبس بالمعصية على ارادة نفى كماله ))

Section V02/P040–V02/P045

57 في الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن الحديث ) وفي رواية ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن وفى رواية والتوبة معروضة بعد هذا الحديث مما اختلف العلماء فى معناه فالقول الصحيح الذى قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصى وهو كامل الايمان وهذا من الالفاظ التى تطلق على نفى الشيء ويراد نفى كماله ومختاره كما يقال لا علم الا ما نفع ولا مال الا الابل ولا عيش الا عيش الآخرة وانما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبى ذر وغيره من قال لا اله الا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى آخره ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب فى الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى ان شاء عفا عنه وان شاء عذبه فهذان الحديثان مع نظائرهما فى الصحيح مع قوله الله عز وجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء مع اجماع أهل الحق على أن الزانى والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصو الايمان ان تابوا سقطت عقوبتهم وان ماتوا مصرين على الكبائر كانوا فى المشيئة فان ) شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا وان شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه ثم ان هذا التأويل ظاهر سائغ فى اللغة مستعمل فيها كثير واذا ورد حديثان مختلفان ظاهرا وجب الجمع بينهما وقد وردا هنا فيجب الجمع وقد جمعنا وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى معناه ينزع منه اسم المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنين ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق وحكى عن بن عباس رضى الله عنهما أن معناه ينزع منه نور الايمان وفيه حديث مرفوع وقال المهلب ينزع منه بصيرته فى طاعة الله تعالى وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاءت ولا يخاض فى معناها وأنا لا نعلم معناها وقال أمروها كما أمرها من قبلكم وقيل فى معنى الحديث غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل بعضها غلط فتركهتا وهذه الاقوال التى ذكرتها فى تأويله كلها محتملة والصحيح فى معنى الحديث ما قدمناه أولا والله أعلم وأما قول بن وهب أخبرنى يونس عن بن شهاب قال سمعت أبا سلمة وسعيد بن المسيب يقولان قال أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن إلى آخره ( قال بن شهاب فأخبرنى عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء عن أبى هريرة ثم يقول وكان أبو هريرة يلحق معهن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) فظاهر هذا الكلام أن قوله ولا ينتهب إلى آخره ليس من كلام النبى ص بل هو من كلام أبى هريرة رضى الله عنه موقوف عليه ولكن جاء فى رواية أخرى ما يدل على أنه من كلام النبى صلى الله عليه وسلم وقد جمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فى ذلك كلاما حسنا فقال روى أبو نعيم فى مخرجه على كتاب مسلم رحمه الله من حديث همام بن منبه هذا الحديث وفيه والذى نفسى بيده لا ينتهب أحدكم وهذا مصرح برفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال ولم يستغن عن ذكر هذا بأن البخارى رواه من حديث الليث باسناده هذا الذى ذكره مسلم عنه معطرفا فيه ذكر النهبة على ما بعد قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقا من غير فصل بقوله وكان أبو هريرة يلحق معهن ذلك وذلك مراد مسلم رحمه الله بقوله واقتص الحديث يذكر مع ذكر النهبة ولم يذكر ذات شرف وانما لم يكتف بهذا فى الاستدلال على كون النبهة من كلام النبى صلى الله عليه وسلم لأنه قد يعد ذلك من قبل المدرج فى الحديث من كلام بعض رواته استدلالا بقول من فصل فقال وكان أبو هريرة يلحق معهن وما رواه أبو نعيم يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال وظهر بذلك أن قول أبى بكر بن عبد الرحمن وكان أبو هريرة يلحق معهن معناه يلحقها رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من عند نفسه وكأن أبا بكر خصها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها ودليل ذلك ما تراه من رواية مسلم رحمه الله الحديث من رواية يونس وعقيل عن بن شهاب عن أبى سلمة وبن المسيب عن أبى هريرة من غير ذكر النهبة ثم ان فى رواية عقيل أن بن شهاب روى ذكر النهبة عن أبى بكر بن عبد الرحمن نفسه وفى رواية يونس عن عبد الملك بن أبى بكر عنه فكأنه سمع ذلك من ابنه عنه ثم سمعه منه نفسه وأما قول مسلم رحمه الله ( واقتص الحديث يذكر مع ذكر النهبة ) فكذا وقع يذكر من غير هاء الضمير فاما أن يقال حذفها مع ارادتها واما أن يقرأ يذكر بضم أوله وفتح الكاف على ما لم يسم فاعله على أنه حال أى اقتص الحديث مذكورا مع ذكر النهبة هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله والله أعلم وأما قوله ( ذات شرف ) فهو فى الرواية المعروفة والأصول المشهورة المتداولة بالشين المعجمة المفتوحة وكذا نقله القاضي عياض رحمه الله عن جميع الرواة لمسلم ومعناه ذات قدر عظيم وقيل ذات استشراف يستشرف الناس لها ناظرين اليها رافعين أبصارهم قال القاضي عياض وغيره رحمهم الله ورواه إبراهيم الحربى بالسين المهملة قال الشيخ أبو عمرو وكذا قيده بعضهم في كتاب مسلم وقال معناه أيضا ذات قدر عظيم والله أعلم والنهبة بضم النون وهى ما ينهبه وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يغل ) فهو بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام ورفعها وهو من الغلول وهو الخيانة وأما قوله ( فإياكم اياكم ) فهكذا هو فى الروايات اياكم اياكم مرتين ومعناه احذروا احذروا يقال اياك وفلانا أى احذره ويقال اياك أى احذر من غير ذكر فلان كما وقع هنا وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( والتوبة معروضة بعد ) فظاهر وقد أجمع العلماء رضى الله عنهم على قبول التوبة ما لم يغرغر كما جاء فى الحديث وللتوبة ثلاثة أركان أن يقلع عن المعصية ويندم على فعلها ويعزم أن لا يعود اليها فان تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تبطل توبته وان تاب من ذنب وهو متلبس بآخر صحت توبته هذا مذهب أهل الحق وخالفت المعتزلة فى المسئلتين والله أعلم قال القاضي عياض رحمه الله أشار بعض العلماء إلى أن ما فى هذا الحديث تنبيه على جميع أنواع المعاصى والتحذير منها فنبه بالزنى على جميع الشهوات وبالسرقة على الرغبة فى الدنيا والحرص على الحرام وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه وبالانتهاب الموصوف عن الاستخفاف بعباد الله تعالى وترك توقيرهم والحياء منهم وجمع الدنيا من غير وجهها والله أعلم وأما ما يتعلق بالاسناد ففيه حرملة التجيبى وقد قدمنا مرات أنه بضم التاء وفتحها وفيه عقيل عن بن شهاب وتقدم أنه بضم العين وفيه الدراؤردى بفتح الدال والواو وقد تقدم بيانه فى باب الامر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله الا الله والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

Section V02/P045

1 ( باب بيان خصال المنافق)

Section V02/P045–V02/P048

58 قوله صلى الله عليه وسلم ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها اذا حدث كذب واذا عاهد غدر واذا وعد أخلف واذا خاصم فجر وفى رواية آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان ) هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث ان هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فان اخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله وهذا ) الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى اشكال ولكن اختلف العلماء فى معناه فالذى قاله المحققون والاكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه ان هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق باخلاقهم فان النفاق هو اظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود فى صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه فى حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق فى الاسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبى صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين فى الدرك الاسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس داخلا فيه فهذا هو المختار فى معنى الحديث وقد نقل الامام أبو عيسى الترمذى رضى الله عنه معناه عن العلماء مطلقا فقال انما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وقال جماعة من العلماء المراد به المنافقون الذين كانوا فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم فحدثوا بايمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا فى أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا فى خصوماتهم وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح ورجع إليه الحسن البصرى رحمه الله بعد ان كان على خلافه وهو مروى عن بن عباس وبن عمر رضى الله عنهم وروياه أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض رحمه الله واليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابى رحمه الله قولا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التى يخاف عليه أن تفضى به إلى حقيقة النفاق وحكى الخطابى رحمه الله أيضا عن بعضهم ان الحديث ورد فى رجل بعينه منافق وكان النبى صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وانما كان يشير اشارة كقوله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الاولى أربع من كن فيه كان منافقا وفى الرواية الاخرى آية المنافق ثلاث فلا منافاة بينهما فان الشيء الواحد قد تكون له علامات كل واحدة منهن تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا وقد تكون أشياء والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم واذا عاهد غدر هو داخل فى قوله واذا اؤتمن خان وقوله صلى الله عليه وسلم وان خاصم فجر أى مال عن الحق وقال الباطل والكذب قال أهل اللغة وأصل الفجور الميل عن القصد وقوله صلى الله عليه وسلم آية المنافق أى علامته ودلالته وقوله صلى الله عليه وسلم خلة وخصلة هو بفتح الخاء فيهما واحداهما بمعنى الاخرى وأما أسانيده ففيها العلاء بن عبد الرحمن مولى الجرقة بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف وهو بطن من جهينة وفيه عقبة بن مكرم العمى أما مكرم فبضم الميم واسكان الكاف وفتح الراء وأما العمى فبفتح العين وتشديد الميم المكسورة منسوب إلى بنى العم بطن من تميم وفيه يحيى بن محمد بن قيس أبو زكير بضم الزاى وفتح الكاف واسكان الياء وبعدها راء قال أبو الفضل الفلكى الحافظ أبو زكير لقب وكنيته أبو محمد وفيه أبو نصر التمار هو بالصاد المهملة واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن الحرث وهو بن أخى بشر بن الحرث الحافى الزاهد رضى الله عنهما قال محمد بن سعد هو من أبناء خراسان من أهل نسا نزل بغداد وتجر بها فى التمر وغيره وكان فاضلا خيرا ورعا والله أعلم بالصواب

Section V02/P048

1 ( باب بيان حال ايمان من قال لاخيه المسلم يا كافر)

Section V02/P048–V02/P050

60 قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما وفى الرواية الاخرى أيما رجل قال لاخيه كافر فقد باء بها أحدهما ان كان كما قال والا رجعت عليه وفى الرواية الاخرى ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه الا كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك الا حار عليه ) هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصى كالقتل والزنا وكذا قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الاسلام واذا عرف ما ذكرناه فقيل ) فى تأويل الحديث أوجه أحدها أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر فعلى هذا معنى باء بها أى بكلمة الكفر وكذا حار عليه وهو معنى رجعت عليه أى رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد والوجه الثانى معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره والثالث أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض رحمه الله عن الامام مالك بن أنس وهو ضعيف لان المذهب الصحيح المختار الذى قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع والوجه الرابع معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر وذلك أن المعاصى كما قالوا بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ويؤيد هذا الوجه ما جاء فى رواية لأبى عوانة الاسفراينى فى كتابه المخرج على صحيح مسلم فان كان كما قال والا فقد باء بالكفر وفى رواية اذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما والوجه الخامس معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا فكأنه كفر نفسه اما لانه كفر من هو مثله واما لانه كفر من لا يكفره الا كافر يعتقد بطلان دين الاسلام والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيمن ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه كفر فقيل فيه تأويلان أحدهما أنه فى حق المستحل والثانى أنه كفر النعمة والاحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذى يخرجه من ملة الاسلام وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم بكفرن ثم فسره بكفرانهن الاحسان وكفران العشير ومعنى ادعى لغير أبيه أى انتسب إليه واتخذه أبا وقوله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم تقييد لابد منه فان الاثم انما يكون فى حق العالم بالشيء وأما قوله صلى الله عليه وسلم ومن ادعى ما ليس له فليس منا فقال العلماء معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا كما يقول الرجل لابنه لست منى وقوله صلى الله عليه وسلم فليتبوأ مقعده من النار قد قدمنا فى أول المقدمة بيانه وأن معناه فلينزل منزله منها أو فليتخذ منزلا بها وأنه دعاء أوخبر بلفظ الأمر وهو أظهر القولين ومعناه هذا جزاؤه فقد يجازى وقد يعفى عنه وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك وفى هذا الحديث تحريم دعوى ماليس له فى كل شيء سواء تعلق به حق لغيره أم لا وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم اذا كان لا يستحقه والله تعالى أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك الا حار عليه فهذا الاستثناء قيل انه واقع على المعنى وتقريره ما يدعوه أحد الا حار عليه ويحتمل أن يكون معطوفا على الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم ليس من رجل فيكون الاستثناء جاريا على اللفظ وضبطنا عدو الله على وجهين الرفع والنصب والنصب أرجح على النداء أى يا عدو الله والرفع على أنه خبر مبتدأ أى هو عدو الله كما تقدم فى الرواية الأخرى قال لأخيه كافر فانا ضبطناه كافر بالرفع والتنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف والله اعلم وأما أسانيد الباب ففيه بن بريده عن يحيى بن يعمر عن أبى الأسود عن أبى ذر فأما بن بريدة فهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الاسلمى وليس هو سليمان بن بريدة أخاه وهو وأخوه سليمان ثقتان سيدان تابعيان جليلان ولدا فى بطن واحد فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأما يعمر فبفتح الياء وفتح الميم وضمها وقد تقدم ذكر بن بريدة ويحيى بن يعمر فى أول اسناد فى كتاب الايمان وأما أبو الأسود فهو الدؤلى واسمه ظالم بن عمرو وهذا هو المشهور وقيل اسمه عمرو بن ظالم وقيل عثمان بن عمرو وقيل عمرو بن سفيان وقال الواقدى اسمه عويمر بن ظويلم وهو بصرى قاضيها وكان من عقلاء الرجال وهو الذى وضع النحو تابعى جليل وقد اجتمع فى هذا الاسناد ثلاثة تابعيون جلة بعضهم عن بعض بن بريدة ويحيى وأبو الأسود وأما أبو ذر رضى الله عنه فالمشهور فى اسمه جندب بن جنادة وقيل اسمه برير بضم الباء الموحدة وبالزاء المكررة واسم أمه رملة بنت الوقيعة كان رابع أربعة فى الاسلام وقيل خامس خمسة ومناقبه مشهورة رضى الله عنه والله أعلم

Section V02/P050

1 ( باب بيان حال ايمان من رغب عن أبيه وهو يعلم)

Questions