Kelâbâzî — et-Taarruf li-Mezhebi Ehli't-Tasavvuf
التعرف لمذهب أهل التصوف تأليف تاج الإسلام ابوبكر محمد الكلاباذي التصوف وكتاب التعرف يقول العلامة الصوفي أبو سليمان الداراني القلب الصوفي قد رأى الله وكل شيء يرى الله لا يموت فمن رأى الله فقد خلد وكل كلمة خطها الصوفيه كانت خالده كالقلب الصوفي خالدة لا تموت لأنها ارتبطت بالله واستهدفت رضاه واقتست من هداه وأشرقت بحبه وأضاءت بنوره ومادة التصوف سواء أكانت أخلاقا أو معرفه أو سلوكا أو تعبيرا عن مشاهدة أو تصويرا لمناجاه أو تذوقا لتجليات أو تحليقا حول أشرافات فهي مادة موصله بالله قائمة به وله فانية فيه سبحانه ولهذا آمن الصوفيه بأنهم أحباب الله وأصفياؤه وأولياؤه وصفوه عبادة وحراس ينابيعه وآياته كما آمنوا بأن أعمالهم وحركاتهم ومعارفهم وأذواقهم ومقاماتهم كلها هبات الله وفيض عطاياه إن مولاهم سبحانه هو مربيهم ومعلمهم وهاديهم ومرشدهم إنه الحبيب القريب المجيب الآخذ بنواصيهم إلى وجهه الكريم قيل لمعروف الكرخي أخبرنا عن المحبة أى شئ هي قال يا أخي ليست المحبة من تعليم الناس المحبة من تعليم الحبيب وبهذا الارتباط المشتعل بالوجد والحب وملهمات الأنس والقرب أصبح الصوفي أينما تولى فثم وجه الله لايرى سواه وكل شئ في الوجود مرآه يرى فيها الصوفي وجه الله وآياته وقدرته ورحمته يقول ذو النون في مناجاته إلهي ما أصغيت إلى صوت حيوان ولا إلى حفيف شجر ولا خرير ماء و لا ترنم طائر ولا تنغم طل ولا دوى ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك داله على أنه ليس كمثله شئ ومن هنا لم تتحدث طائفه من الناس عن الحب الإلهي وعن الفناء في الله كما تحدث الصوفيه والفناء الصوفي فوق سموه الإيماني مذهب في التربية والأخلاق لا يماثله مذهب آخر من مذاهب التربية والأخلاق وعلى ضوء علم النفس الحديث وعلى هدى المذاهب العلمية التربوية يجب أن ننظر إلى الفناء الصوفي على أنه منهج للكمال والتسامي لا يطاوله غيره ولا يغني عنه سواه إنه إفناء المشاعر والرغبات الأرضية في شئ أكبر وأعظم من المثل الأعلى المصطلح عله خلقيا وتربويا إنه إفناء هوى النفوص وشهواتها وعواطفها وكل ما تحب فيما يحبه الله ويريده ويأمر به ليعيش الصوفي متخلقا بخلق الله أو كما يقول الإمام الجنيد فتكون كل حركاته في موافقه الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات إنه إذن استبدال خلق بشري بخلق رباني وذلك ارتفاع بالبشرية لا نعرفه ولا تعرفه الدنيا لغير الصوفية الإسلامية 2 فالفناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد ولا فناء روح في روح إنه فناء إرادة في إرادة وفناء أخلاق في اخلاق وصفات في صفيات أو كما يقول الصوفية فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق إنه لتصعيد للكمال تصعيد تخفق أجنحته في أفق قدسي علوى ثم تخفق صاعدة صاعدة حتى تنال شرف التخلق بأخلاق الصفات الإلهية وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوى تخلقوا بأخلاق الله وصوره الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وبهذا الفناء يحس الصوفي إحساس ذوق ووجدان وقلب وروح بإذن الله سبحانه معه وفي ضميره وحركاته وكلماته يقول العلامة الكلاباذي ومن فناء الحظوظ حديث عبد الله بن مسعود قال ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا حتى قال الله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة فكان عبد الله في هذا المقام فانيا عن إرادة الدنيا لقد فنى الصوفيه في حب مولاهم وتخلقوا باخلاقه وتأدبوا بآدابه وتربوا في محاربيه وعاشوا في ذكره ومناجاته فعلمهم وطهرهم وزكاهم واصطفاهم واجتباهم وأحبهم ورضى عنهم ففتح لقلوبهم ملكوت السموات والأرض يريهم عجائب كونه وبدائع قدرته وبدائع قدرته وأسرار خليقته وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوما وأذواقا أو كما يقول الصوفيه أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت
ومن هذا الفناء جاءهم الخلود وبهذا التخلق أصبحوا ائمة يهدون إلى الله بأمره ويقفون حراسا على آياته ومشاهده مبشرين بكلماته متحدثين عن حضراته داعين إلى محبته ومناجاته مترنمين في آفاقه وجدا وشوقا بتسبيحه وذكره يقول العلامة الإمام الكلاباذي واصفا لمقاماتهم وأحوالهم سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة وخلصت علها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثه وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم أنارت أعلامهم فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش ابصارهم فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق ربانيون سكوت نظار غيب حضار ملوك تحت أطمار أنزاع قبائل وأصحاب فضائل وأنوار دلائل آذانهم واعيه وأسرارهم صافية ونعوتهم خافيه صفوية صوفيه نورية صفيه ودائع الله بين خليقته وصفوته في بريته ووصاياه لنبيه وخباياه عند صفيه هم في حياته أهل صفته وبعد وفاته خيار أمته لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أغناه ذلك عن قوله تلك لمحة عن التصوف والصوفيه الذين رأت قلوبهم الله فلم تمت قلوبهم بعد المشاهدة بل خلدت تنبض بالحب وتقتات بالذكر وتنعم بالهدى والرضا وترسل الشعاع الذي ينير طريق السالكين إلى ربهم وخلد مع القلب الحى الطاهر كل ما صدر عنه من كلم حى طاهر طيب مرتبط بالله موصول به وإن من أخلد ما كتب عن التصوف والصوفية لكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للإمام العالم العارف تاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق البخارى الكلاباذي المتوفي سنة 380 ه 990 م وهو من أقدم وأدق وأنقى وأصفى ما كتب عن هذا العلم ورجاله كتبه العارف الكلاباذي في العصر الذهبي للتصوف في أوائل القرن الرابع للهجرة القرن الذي بلغ فيه التصوف كماله العلمي والفني واستكمل فيه التصوف علومه ومناهجه وآدابه وسلوكه ومقاماته وجاء كتاب الكلاباذي صورة كاملة لعصره الذهبي بل صورة للتصوف في أعلى ذراه وأنقى موارده وأهدى معارجه والكتاب بعد هذا صورة ورسالة يقوم على منهج وغايه في دقة وأمانة وبراعة علمية وكفاءة فنية يزينه ويجليه اسلوب عبقرى فيه إشراق ومرونة لا يعرف الحشو و التطرف ولا البهرج المتكلف بل يقصد إلى غايته بأرشق الكلمات وأحلاها وأعلاها في غير إسراف أو تطويل أو خروج عن الهدف والمنهج ولهذا كان هذا الكتاب مع قله صفحاته موسوعة علمية صوفية كبرى يغني عن غيره من الموسوعات الكبرى ولا يغني غيره عنه حتى قال علماء التصوف القدامى لولا التعرف لما عرف التصوف والكلاباذي ليس مؤرخا في هذا الكتاب فحسب بل هو عالم عارف ذائق يدلي برأيه وحجته ثم هو معاصر وصديق للثقات الأئمة الذين اضاءوا آفاق التصوف في عصره الذهبي ولهذا يقول في كتابه وهو يعرض لأحاديث الصفوة الاعلام سمعنا أو قال لنا ويحدثنا الكلاباذي عن منهجه في كتابه فيقول فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم وبيان نحلتهم وسيرتهم من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه ليفهمه من يفهم إشاراتهم ويدركه من لم يدرك عباراتهم وينتفي عنهم خرص المتخرصين وسوء تأويل الجاهلين ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه بعد أن تصفحت كتب الجذاق فيه وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم ثم لا يكتفي الكلاباذي في كتابه بهذا إن له لشخصيته وعلمه واستنباطه واجتهاده وإنه ليسخر كل ملكاته ليقدم لنا المعرفة الصوفية في صورة كاملة من تحصيله وتصويره
وهو منهج في التأليف قل نظيره في قدامى المؤرخين يقول الكلاباذي هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا اسماءهم ابتداء ما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم قال وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه ولولا أنا كرهنا الإطالة لكنا نذكر مكان ماحكيناه من كلامهم في كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح وكتاب التعرف ليس كتابا من كتب الطبقات وليس موسوعة تحمع اشتاتا من المعارف لا ترابط بينها إنه مادة العلم الصوفي وجوهره مع الدليل والتحليل والبرهان الذي لا يرقى اله شك ولا يشوبه غموض فإذا تحدث الكلاباذي عن المقامات مثلا راح في علم وذوق يحللها ويجليها ويكشف عن أسرارها ومعانيها ويقدم لها الدليل تلو الدليل من الكتاب والسنة والمنطق الإسلامي يقول الكلاباذي في حديثه عن المقامات ثم لكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوته ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة ومع كل مقام إثبات ونفي وليس كل ما نفي في مقام كان منفيا فيما قبله ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه وهو كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا إيمان لمن لا أمانة له فنفي إيمان الأمانة لا إيمان العقد والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه واثبت جاز ان يكون في السامعين من لم يصل ذلك المقام وكان الذي نفاه القائل مثبتا فيه في مقام السامع فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فادركه صاحبه وخفي على السامع الذي لم يحل مقامه فإما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه أو يسوء طنه به فيهوس قائله وينسبه إلى الهذيان وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره ذلك هو منطق الكلاباذي في عرضه العلمي وتحليله الصوفي وهذا منهجه في سائر ما يتناول في كتابه من دقائق ولهذا كان كتابه صورة صادقة لاسمه التعرف لمذهب أهل التصوف ولقد وقفنا طويلا عند هذه التسمية وأخذنا نتساءل أهذه التسمية دقيقة لقد أثارت في قوه انتباهنا إليها ككل وأثارت في عنف انتباهنا إلى كل كلمة من كلماتها إن المؤلف قال التعرف ولم يقل دراسة أو بحث أو شرح وقال مذهب بصيغة المفرد ولم يقل مذاهب وقال اهل التصوف ولم يقل الصوفية مثلا وكان من الممكن أن تكون التسمية هكذا دراسة مذاهب الصوفية هل التزم المؤلف الدقة في هذا العنوان وتروى في كلماته إن المؤلف من أعلام الصوفية فإذا عبر عن التصوف فإنما يعبر عن شعور وذوق إنه يعبر عن تجربة مر بها فلا يمكن إلا أن يكون دقيقا ثم هو فقيه حنفي ومن خصائص فقهاء الأحناف المنطق الدقيق والاستدلال العقلي والمؤلف إذن جمع بين الشعور الذوقي والإتقان المنطقي وكتابه إذن إنما صدر عن تجربة وعن منطق ويظهر ذلك بوضوح في كل صفحة من صفحات الكتاب ولكن أيظهر ذلك في العنوان أيضا الواقع أننا بعد ان أطلنا التفكير في العنوان دهشنا لدقته الدقيقة وإحكامه المحكم إن أمر التصوف في الواقع ليس أمر جدل أو بحث أو أخذ ورد وإنما هو تعرف والقياس فيه والمنطق والاستدلال والبحث والدراسة والأسلوب العلمي يصب ظاهرا منه وشكلا أو رسما وربما كانت حجابا أو ظلمة تبعد الدارس عن النور بدل أن تغمره بلألائه ومن المؤكد أن الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الأمر هم عن الحقيقة محجوبون
والتصوف تجربة والتجربة شعور والشعور ليس منطقا ولا برهانا إنما هو تعرف وحينما دخل المنطق والبرهان في التصوف وكان أوضح مثل لذلك دراسات المستشرقين ومن لف لفهم من الشرقيين أفسد ذلك التصوف لأنه حول النبع المتدفق إلى ركود آسن وحول السناء المتلألئ إلى طلمة حالكة وأرجع فضل الله ونعمته إلى مرض من الأمراض يعالج بالمادة ويشفي بالعقاقير إن التصوف ليس علما وإذا تدخل العلم فيه أفسده كإفساد العلم المزيف للدين حينما تدخل في الوحي والنبوة والألوهية ونقول العلم المزيني لأن العلم الصحيح لا يتعدى حدوده وللعلم الصحيح دائراته وهي التجربة المادية التي لا يتعداها والتصوف تجربة روحية وليس للمادة شأن بالروح فليس للعلم بالمعنى الحديث إذن شأن بالتصوف إن العلم أرض ومادة وحس والتصوف سماء وروح وذوق وأمر التصوف في النهاية تعرف لا دراسة أو جدل أو علم وإذا ما وصلنا إلى هذه النتيجة التي هي في رأينا صحيحة كل الصحة فإن معنى ذلك أن من لا يشعر بالشعور الصوفي فإنه لا يتعرف عليه كما أن من لم يسلك طريقا معينا بالذات ولو مرة واحدة فإنه لا يتعرف على ما فيه من ظل ظليل أو زهور ناضرات وقديما قالوا من ذاق عرف وبالتالي فإن من لم يذق لا يعرف وكتاب المؤلف إذن ليس إلا محاولة للتعبير بالألفاظ عن الشعور المتدفق الفياض وهذا التعبير لا يفهمه حق فهمه إلا من شعر به ومعنى فهمه له أنه تعرف عله وفهمه إذن إنما هو تعرف فحسب والمؤلف يقول مذهب وفي الناس من يرى أن التصوف مذاهب وفرق وطوائف ولكن هذا التفكير المنحرف تأتى إلى القائلين به من نظرتهم إلى علم الكلام وإلى الفلسفة ففي علم الكلام أشاعرة ومعتزلة ومشتبهة وفي الفلسفة أرسطيون وإفلاطونيون وديكارتيون وأمر الطوائف والفرق يتجاوز علم الكلام والفلسفة إلى الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والنفوس مهيأة لقبول فكرة الطوائف في جميع العلوم النظرية ولقد خلط الكاتبون بين هذه الدراسات والتصوف فزعموا أن في التصوف مذاهب وفرقا وطوائف ولو أنعموا النظر لعرفوا أن التصوف تجربة روحية وليس نظرا عقليا وذا كان النظر العقلي يفرق الناظرين إلى طوائف وفرق فإن التجربة لا يختلف فيها اثنان وإذا كانت الفلسفة لأنها نظر عقلي مذاهب متعددة فإن التصوف وهو تجربة مذهب واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف وكما أنه لا يستساغ الخلطة بين الوسائل والغايات في أي ميدان من الميادين فإنه لا يستساغ الخلط بين طرق التصوف وهي وسائل وبين الغاية وهي التصوف نفسه فطرق التصوف متعددة مختلفة وبعضها أوفق من بعض وبعضها أسرع من غيرها ولكنها على اختلافها وتعددها تؤدي إلى هذف واحد وغاية واحدة التصوف إذن مذهب بصيغة المفرد لا مذاهب بصيغة الجمع وتعبير المؤلف اذا مستقيم كل الاستقامة ويقول المؤلف أهل التصوف وللتصوف حقيقة أهله وذووه أما أهله وذووه فهم هؤلاء الذين وهبهم الله حسا مرهفا وذكاء حادا وفطرة روحانية وصفاء يكاد يكون في صفاء الملائكة وطبيعة تكاد تكون مخلوقة من النور و الناس معادن والطبائع مختلفة فمنها ما يرقى إلى الطبيعة الملائكية وكأنه في طبيعته قبس خالص من نور الله ومنها ما يسفل ويسفل إلى أن يصبح أو يكاد في مستوى السائمة ولقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم طبائع الناس في تقبل النور الإلهي فقال إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به
وفي القرآن صور رائعة للطبائع المختلفة والآية الآتية تصور تلك الطبائع يقول الله تعالى لرسوله الكريم واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ومن أروع الصور القرآنية للذين نزلت طبائعهم إلى مستوى السائمة قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون واختلاف الطبائع مسالة بديهية وما دام التصوف نورا وهداية فإن له أهله وذويه الذين اصطفى الله واجتبى التعرف لمذهب أهل التصوف إنه عنوان هادف كما أنه كتاب هادف ولهذا حرصنا كل الحرص على أن نقدمه مصححا محققا إلى العالم الإسلامي بعد أن راجعناه على نسختين خطيتين ليكون قبسا من نور وقبضه من شعاع وفيضا من علم وأخلاق وطهر وصورة من منهج رسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في ماضيه المشرق العظيم ويرسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في حاضره أو فجره الذي تتراءى انواره في الآفاق مبشرة بغد يسامق ماضيه في الإشراق والعزة والقوة لجنة نشر الأصول الصوفية وكتاب التعرف إن المدينة العالمية الحاضرة إنما هي مدنية المادة وإن أدنى نظرة فيها ترى بوضوح أن الروح المادية مسيطرة طاغية حتى لقد حددت دائرة العلم فيها بدائرة مادية واتجه البحث نتيجة لذلك إلى المادة على الخصوص ومنذ أن أرسى بيكون قواعد الاستقراء والملاحظة والتجربة اتجه الباحثون إلى اتخاذ ذلك وحده منهجا للبحث عن الحقيقة وحينما نشا ملاحدة القرن الثامن عشر والتاسع عشر موهوا على الناس فصوروا لهم الدائرة المادية على أنها الدائرة الثابتة التي تتكشف فيها الحقائق أما ما عدا هذه الدائرة مما وراء الطبيعة ومن الغيب فإنها زيف كلها وسراب خداع وقام في الغرب كما قام في الشرق أفذاذ مصلحون ينادون بأن طغيان الروح المادية يتنافى مع الانسانية ومع الأخلاق ومع الدين أى دين كان ولكن صرخاتهم تلاشت أمام الغرائز الجامحة والشهوات الملحة والأهواء الغلابة وسادت الروح المادية في الحضارة الراهنة وكان من نتيجة ذلك الحرب الكبرى الأولى والحرب الكبرى الثانية اللتان لم تدعا قطرا من الأقطار أو إقليما من الأقاليم إلا ونثرتا فيه الشقاء الوانا شقاء الفقر أو شقاء الموت والهلاك والدمار واذا سادت الروح المادية أصبحت الأهداف والغايات مادية اصبحت استعمارا وامتصاص دماء وسيطرة بالقوة واغتصابا بل أصبحت سلبا ونهبا واستعباد دولة لدولة وإلقاء بكل المعايير الأخلاقية والإنسانية إلى موطئ الأقدام وكل ذلك في الواقع هو الحضارة الحالية بل إن الواقع أدهى من ذلك وأفظع وأي قلم يمكنه أن يصور مأساة هيروشيما وناجازاكي التي تولى كبرها وباء بإثمها من يزعمون أنهم حملة مشعل حضارة القرن العشرين وأي قلم يمكنه أن يصور نتائج مخترعات الدمار التي تتبارى الشعوب فيها وتتنافس وتنفق عليها آلاف الملايين يجمعونها من كدح العمال وتعبهم المضني لينفقوها في هلاك العالم وتدمير الإنسانية القنبلة الذرية القنبلة الهدروجينية الكوبالت أشعة الموت حرب الميكروبات حرب الغازات ومع كل هذه الوسائل التدميرية العالمية تأتي وسائل أشد فتكا بالروح الإنساني والقيم الأخلاقية والمباديء الإيمانية تأتي المذاهب الإلحادية الفاجرة والفلسفات الوجودية الداعرة والشهوات المسعورة السافرة إنها المدنية الحاضرة إنها الحضارة الراهنة حضارة الشيطان التي خلا لها وجه العالم أو أوشك ونحن ابناء القرآن لنا حضارة عريقة ولنا رسالة إنسانية عالمية هي رسالة الروح والإيمان والأخلاق والأخوة الإنسانية حضارة لا تخضع للغرائز ولا تسلم قيادها للشهوات ولا تسجد للشيطان ولا تتبع خطواته في الإفساد والاستعباد والتدمير وإنها لتسمو على هذا كله لأن هدفها الأول والأخير إيجاد الإنسان الفاضل والظفر برضوان الله وحبه وإنها لرسالة يجب أن يتكاتف المؤمنون على القيام بها وفتح الآفاق لأنوارها وكشف الحجب عن روحها
يجب أن نضئ مصابيحها وأن نبرز مناهجها وأهدافها وأن نقدم زادها الروحي والخلقي والإيماني للناس كافة ليجدوا فيه نجاتهم وعصمتهم مما يعده رسل الجاهلية الشيطانية من تدمير وإفساد وإن في تلك الحركات العلمية والإصلاحية الحركات الحية الفتية التي تمشي على وجه الحياة في العالم الإسلامي لبشرى لمن يرجون أيام الله ويرتقبون عودة الحضارة الإيمانية إلى الحياة وفي سبيل الحضارة الإيمانية الربانية وبين يديها نطلق تلك الأشعة الصوفية التي تعمق الاتجاه الروحي في النفوس القلقة وتثبت الإيمان وتنميه في القلوب الحائرة وفي سبيل عالم أسمى وإنسانية أهدى ورضوان من الله أكبر قمنا بنشر سلسلة الأصول الصوفية الكبرى التي تضم روائع التراث الروحي الإسلامي ومما يبعث الغبطة والأمل في قلوبنا أن الكثير من الكتب التي نشرناها والتي نحن بسبيل نشرها قد ترجم ترجمة صحيحة إلى اللغات العالمية ونحن نرجو أن يكون انتشارها في الشرق والغرب معا أساسا لقبس من النور والهداية ندعو الله أن يكتب له النمو والانتشار حتى يتم ضوؤه ويعم نوره فيكون طليعة بعث جديد لحضارة جديدة أقوم قيلا وأهدى سبيلا ونحن كما يرى القارئ كعهدنا لم نحاول أن نظهر تعالما زائفا يحشد الكثير من الهوامش التي لا ضرورة لها وإنما كان هدفنا أن ننشر النص صحيحا محققا محررا وأن نيسره للقارئ العربي كما نيسر ترجمته للقارئ الغربي عبد الحليم محمود طه عبد الباقي سرور بسم الله الرحمن الرحيم التعرف لمذهب أهل التصوف الحمد الله المحتجب بكبريائه عن درك العيون المتعزز بجلاله وجبروته عن لواحق الظنون المتفرد بذاته عن شبه ذوات المخلوقين المتنزه بصفاته عن صفات المحدثين القديم الذي لم يزل والباقي الذي لا يزال المتعالي عن الأشباه والأضداد والأشكال الدال لخلقه على وحدانيته باعلامه وآياته المتعرف إلى اوليائه بأسمائه ونعوته وصفاته المقرب أسرارهم منه والعاطف بقلوبهم عليه المقبل عليهم بلطفه الجاذب لهم إليه بعطفه طهر عن أدناس النفوس أسرارهم وأجل عن موافقة الرسوم اقدارهم اصطفى من شاء منهم لرسالته وانتخب من أراد لوحيه وسفارته انزل عليهم كتبا أمر فيها ونهى ووعد من أطاع وأوعد من عصى أبان فضلهم على جميع البشر ورفع درجاتهم أن يبلغها قدر ذي خطر ختمهم بمحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام وأمر بالإيمان به والإسلام فدينه خير الأديان وأمته خير الأمم لا نسخ لشريعته ولا أمة بعد أمته حعل فيهم صفوة وأخيارا ونجباء وأبرارا سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة وخلصت عليها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثة وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم وأنارت أعلامهم فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش ابصارهم فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق بانيون سكوت نظار غيب حضار ملوك تحت أطمار انزاع قبائل وأصحاب فضائل وأنوار دلائل آذانهم واعية وأسرارهم صافية ونعوتهم خافية صفوية صوفية نورية صفية ودائع الله بين خليقته وصفوته في بريته ووصاياه لنبيه وخباياه عند صفيه هم في حياته أهل صفته وبعد وفاته خيار أمته لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أعناه ذلك عن قوله حتى قل الرغب وفتر الطلب فصار الحال أجوبة ومسائل وكتبا ورسائل فالمعاني لأربابها قريبة والصدور لفهمها رحيبة إلى أن ذهب المعنى وبقى الاسم وغابت الحقيقة وحصل الرسم فصار التحقيق حلية والتصديق زينة وادعاه من لم يعرفه وتحلى به من لم يصفه وأنكره بفعله من أقر به بلسانه وكتمه بصدقه من أظهره ببيانه وأدخل فيه ما ليس منه ونسب إليه ما ليس فيه فجعل حقه باطلا وسمى عالمه جاهلا وانفرد المتحقق فيه ضنا به وسكت الواصف له غيرة عليه فنفرت القلوب منه وانصرفت النفس عنه فذهب العلم وأهله والبيان وفعله فصار الجهال علماء والعلماء أذلاء
فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم وبيان نحلتهم وسيرتهم من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه ليفهمه من لم يفهم إشاراتهم ويدركه من لم يدرك عباراتهم وينتفي عنهم خرص المتخرصين وسوء تأويل الجاهلين ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه بعد أن تصفحت كتب الحذاق فيه وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم وسميته بكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف إخبارا عن الغرض بما فيه بما فيه وبالله أستعين وعليه أتوكل وعلى نبيه أصلي وبه أتوسل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم & الباب الأول قولهم في الصوفية لم سميت الصوفية صوفية قالت طائفة إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء اثارها وقال بشر بن الحارث الصوفي من صفا قلبه لله وقال بعضهم الصوفى من صفت لله معاملته فصفت له من الله عز وجل كرامته وقال قوم إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه وإقبالهم بقلوبهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه وقال قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قوم إنما سموا صوفية للبسهم الصوف وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان وهجروا الاخدان وساحوا في البلاد وأجاعوا الأكباد وأعروا الأجساد لم يأخذوا من الذنيا إلا مالا يجوز تركه من ستر عورة وسد جوعة فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء ولكثرة أسفارهم سموا سياحين ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية والشكفت بلغتهم الغار والكهف وأهل الشام سموهم جوعية لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه وقال السرى السقطى ووصفهم فقال أكلهم اكل المرضى ونومهم نوم الغرقى وكلامهم كلام الخرقى ومن تخليهم عن الأملاك سموا فقراء قيل لبعضهم من الصوفي قال الذي لا يملك ولا يملك يعنى لا يسترقه الطمع وقال آخر هو الذي لا يملك شيئا وإن ملكه بذله ومن لبسهم وزيهم سموا صوفية لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس مالان مسه وحسن منظره وإنما لبسوا لستر العورة فتجزوا بالخشن من الشعر والغليظ من الصوف ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر هذا وصف بعضهم لهم حتى قال عيينة بن حصن للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ليؤدينى ريح هؤلاء أما يؤذيك ريحهم ثم الصوف لباس الأنبياء وزى الأولياء وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يأمون البيت العتيق وقال الحسن البصري كان عيسى علية السلام يلبس الشعر ويأكل من الشجرة ويبيت حيث أمسى وقال أبو موسى كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف ويركب الحمار ويأتي مدعاة الضعيف وقال الحسن البصري لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف فلما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة فيما ذكرنا ولبسهم وزيهم زي أهلها سموا صفية وصوفية
ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها صفى الله سره ونور قلبه قال النبي صلى الله عليه وسلم اذ دخل النور في القلب انشرح وانفسح قيل وما علامة ذلك يا رسول الله قال التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من نجافي عن الدنيا نور الله قلبه وقال حارثه حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم ما حقيقة إيمانك قال عزفت بنفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا نور الله قلبه فكان ما غاب منه بمنزلة ما يشاهده وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه فلينظر إلى حارثة فأخبر أنه منور القلب وسميت هذه الطائفة نورية لهذه الأوصاف وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة قال الله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين والتطهر بالظواهر عن الأنجاس وبالبواطن عن الأهجاس وما يتحرك في الضمير من الخواطر وقال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم قال أبو امامة الباهلي رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه ألقى في روعى أن ذا بطن بنت خارجة فكان كما قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الحق لينطق على لسان عمر وقال أويس القرني لهرم بن حيان حين سلم عليه وعليك السلام يا هرم بن حيان ولم يكن رآه قبل ذلك ثم قال له عرف روحي روحك وقال أبو عبد الله الأنطاكي اذا حالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في أسراركم ويخرجون من هممكم ثم من كان بهذه الصفة من صفوة سره وطهارة قلبه ونور صدره فهو في الصف الأول لأن هذه أوصفاف السابقين قال النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب ثم وصفهم وقال الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكوون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فلصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم صحت معارفهم بالله فلم يرجعوا إلى الأسباب ثقة بالله عز وجل وتوكلا عليه ورضا بقضائه فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامى القوم وألقابهم وصحت هذه العبارات وقربت هذه المآخذ وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر فإن المعاني متفقة لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت صفوية وإن أضيفت إلى الصف أو الصفة كانت صفية أو صفية ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية وزيادتها في لفظ الصفية والصفية إنما كانت من تداول الألسن وإن جعل مأخذه من الصوف استقام اللفظ وصحت العبارة من حيث اللغة وجميع المعاني كلها من التخلى عن الدنيا وعزوف النفس عنها وترك الأوطان ولزوم الأسفار ومنع النفوس حظوظها وصفاء المعاملات وصفوة الأسرار وانشراح الصدور وصفة السباق وقال بندار بن الحسين الصوفى من اختاره الحق لنفسه فصافاه وعن نفسه برأه ولم يرده إلى تعمل وتكلف بدعوى وصوفي على زنة عوفي أي عافاه الله فعوفي وكوفي أي كافاه الله فكوفى وجوزى أي جازاه الله ففعل الله به ظاهر في اسمه والله المتفرد به وقال أبو علي الزوذباري وسئل عن الصوفى فقال من لبس الصوف على الصفاء وأطعم الهوى ذوق الجفاء وكانت الدنيا منه على القفا وسلك منهاج المصطفى وسئل سهل بن عبد الله التستري من الصوفي فقال من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر وسئل أبو الحسن النوري ما التصوف فقال ترك كل حظ للنفس
وسئل الجنيد عن التصوف فقال تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ما هو أولى على الأبدية والنصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة وقال يوسف بي الحسين لكل أمة صفوة وهم وديعة الله الذين أخفاهم عن خلقه فإن يكن منهم في هذه الأمة فهم الصوفية قال رجل لسهل بن عبد الله التستري من أصحب من طوائف الناس فقال عليك بالصوفية فإنهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئا ولكل فعل عندهم تأويل فهم يعذرونك على كل حال وقال يوسف بن الحسين سألت ذا النون من أصحب فقال من لا يملك ولا ينكر عليك حالا من أحوالك ولا يتغير بتغيرك وإن كان عظيما فإنك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا وقال ذو النون رأيت امرأة ببعض سواحل الشام فقلت لها من أين اقبلت رحمك الله قالت من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوافا وطمعا قلت وأين تريدين قالت إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قلت صفيهم لي فانشأت تقول قوم همومهم بالله قد علقت فما لهم همم تسمو إلى أحد فمطلب القوم مولاهم وسيدهم يا حسن مطلبهم للواحد الصمد ما إن تنارعهم دنيا ولا شرف من المطاعم واللذات والولد ولا للبس ثياب فائق أنق ولا لروح سرور حل في بلد إلا مسارعة في إثر منزلة قد قارب الخطو فيها باعد الابد فهم رهائن غدران وأودية وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد & الباب الثاني في رجال الصوفية ممن نطق بعلومهم وعبر عن مواجيدهم ونشر مقاماتهم ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهم بعد علي والحسن والحسين رضى الله عنهم وأويس القرني وهرم بن حيان والحسن بن أبي الحسن البصري وأبو حازم سلمة بن دينار المديني ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد وعتبة الغلام وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وابنه علي بن الفضيل وداود الطائي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينه وأبو سليمان الداراني وابنه سليمان وأحمد بن الحواري الدمشقي وأبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري وأخوه ذو الكفل والسرى ابن المغلس السقطي وبشر بن الحارث الحافي ومعروف الكرخي وأبوحذيفة المرعشي ومحمد بن المبارك الصوري ويوسف بن أسباط رحمهم الله ومن أهل خراسان والجبل أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي وأبو حفص الحداد النيسابوري وأحمد بن خضرويه البلخي وسهل بن عبد الله التستري ويوسف بن الحسين الرازي وأبو بكر بن طاهر الأبهري وعلي بن سهل بن الأزهر الأصفهاني وعلى بن محمد البارزي وابو بكر الكناني الدينوري وأبو محمد بن الحسن بن محمد الرحاني والعباس بن الفضل بن قتيبة ابن منصور الدينوري وكهمس بن علي الهمداني والحسن بن علي بن يزدانيار رضي الله عنهم أجمعين & الباب الثالث فيمن نشر علوم الإشارة كتبا ورسائل أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي وأبو الحسين أحمد بن محمد ابن عبد الصمد النوري وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز ويقال له لسان التصوف وابو محمد رويم بن محمد وأبو العباس أحمد بن عطاء البغدادي وأبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب يوسف بن حمدان السوسي وابو يعقوب إسحاق بن محمد بن أيوب النهرجورى وأبو محمد الحسن بن محمد الجريري وأبو عبد الله محمد بن علي الكتاني وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص وأبو علي الأوراجي وأبو بكر محمد بن موسى الواسطي وأبو عبد الله الهاشمي وأبو عبد الله هيكل القرشي وأبو علي الروذباري وأبو بكر القحطي وأبو بكر الشبلي وهو دلف بن جحدر رضوان الله عليهم أجمعين & الباب الرابع فيمن صنف في المعاملات
أبو محمد عبد الله بن محمد وأبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكيان وعبد الله بن خبيق الأنطاكي والحارث بن أسد المحاسبي ويحيى بن معاذ الرازي وأبو بكر محمد بن عمر بن الفضل الوراق الترمذي وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي وأبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وأبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي وابو علي الجوزجاني وأبو القاسم ابن إسحاق بن محمد الحكيم السمرقندي وهؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون المشهود لهم بالفضل الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب سمعوا الحديث وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن تشهد بذلك كتبهم ومصنفاتهم ولم نذكر المتأخرين وأهل العصر وإن لم يكونوا بدون من ذكرنا علما لأن الشهود يغني عن الخبر عنهم وبالله التوفيق & الباب الخامس شرح قولهم في التوحيد اجتمعت الصوفية على أن الله واحد أحد فرد صمد قديم عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل كبير جواد رؤوف متكبر جبار باق أول إله سيد مالك رب رحمن رحيم مريد حكيم متكلم خالق زراق موصوف بكل ما وصف به نفسه من صفاته مسمى بكل ما سمى به نفسه لم يزل قديما بأسمائه وصفاته غير مشبه للخلق بوجه من الوجوه لا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات لا يجري عليه شئ من سمات المخلوقين الدالة على حدثهم لم يزل سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل كل شئ لا قديم غيره ولا إله سواه ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا عرض لا اجتماع له ولا افتراق لا يتحرك ولا يسكن ولا ينقص ولا يزداد ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح ولا أعضاء ولا بذي جهات ولا أماكن لا تجري عليه الآفات ولا تاخذه السنات ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات لا يحويه مكان ولا يجري عله زمان لا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن لا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الأبصار وقال بعض الكبراء في كلام له لم يسبقه قبل ولا يقطعه بعد ولا يصادره من ولا يوافقه عن ولا يلاصقه إلى ولا يحله في ولا يوقفه إذ ولا يؤامره إن ولا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله حذاء ولا يزاحمه عند ولا يأخذه خلف ولا يحده أمام ولا يظهره قبل ولا يفنيه بعد ولا يجمعه كل ولا يوجده كان ولا يفقده ليس ولا يستره خفاء تقدم الحدث قدمه والعدم وجوده والغاية أزله إن قلت متى فقد سبق الوقت كونه وإن قلت قبل فالقبل بعده وإن قلت هو فالهاء والواو خلقه وإن قلت كيف فقد احتجب عن الوصف بالكيفية ذاته وإن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده وإن قلت ما هو فقد باين الأشياء هويته لا يجتمع صفتان لغيره في وقت ولا يكون بهما على التضاد فهو باطن في ظهوره ظاهر في استناره فهو الظاهر الباطن القريب البعيد امتناعا بذلك من الخلق أن يشبهوه فعله من غير مباشرة وتفهيمه من غير ملاقاة وهدايته من غير إيماء لا تنازعه الهمم ولا تخالطه الأفكار ليس لذاته تكييف ولا لفعله تكليف وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون ولا تهجم عليه الظنون ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ليس كمثله شئ وهو السميع البصير & الباب السادس شرح قولهم في الصفات أجمعوا على أن لله صفات على الحقيقة هو بها موصوف من العلم والقدرة والقوة والعز والحلم والحكمة والكبرياء والجبروت والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر وأن له سمعا وبصرا ووجها ويدا على الحقيقة ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه وأجمعوا أنها صفات لله وليس بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء وأجمعوا أنها ليست هي هو ولا غيره وليس معنى إثباتها أنه محتاج إليها وانه يفعل الأشياء بها ولكن معناها نفى أضدادها وإثباتها في أنفسها وأنها قائمات به
ليس معنى العلم نفى الجهل فقط ولا معنى القدرة بنفي العجز ولكن إثبات العلم والقدرة ولو كان بنفي الجهل عالما وبنفي العجز قادرا لكان المراد نفي الجهل والعجز عنه عالما وقادرا وكذلك جميع الصفات وليس وصفنا له بهذه الصفات صفة له بل وصفنا صفتنا وحكاية عن صفة قائمة به ومن جعل صفة الله وصفة له من غير ان يثبت لله صفة على الحقيقة فهو كاذب عليه في الحقيقة وذاكر له بغير وصفه وليس هذا كالذكر فيكون مذكورا بذكر في غيره لأن الذكر صفة الذاكر وليس بصفة للمذكور والمذكور مذكور بذكر الذاكر والموصوف ليس بموصوف بوصف الواصف ولو كان وصف الواصف صفة له لكانت أوصاف المشركين والكفر صفات له كنحو الزوجة والولد والأنداد وقد نزه الله تعالى نفسه عن وصفهم له فقال سبحانه وتعالى عما يصفون فهو جل وعز موصوف بصفة قائمة به ليست ببائنة عنه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه وقال أنزله بعلمه وقال وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال ذو القوة المتين ذو الفضل العظيم فلله العزة جميعا ذي الجلال والإكرام وأجمعوا أنها لا تتغاير ولا تتماثل وليس علمه قدرته ولا غير قدرته وكذلك جميع صفاته من السمع والبصر والوجه واليد ليس سمعه بصره ولا غير بصره كما أنه ليس هي هو ولا غيره واختلفوا في الإتيان والمجئ والنزول فقال الجمهور منهم إنها صفات له كما يليق به ولا يعبر عنها بأكثر من التلاوة والرواية ويجب الإيمان بها ولا يجب البحث عنها وقال محمد بن موسى الواسطي كما أن ذاته غير معلولة كذلك صفاته غير معلولة وإظهار الصمدية إياس عن المطالعة على شئ من حقائق الصفات أو لطائف الذات وأولها بعضهم فقال معنى الإتيان منه إيصاله ما يريد إليه ونزوله إلى الشئ إقباله عليه وقربه كرامته وبعده إهانته وعلى هذا جميع هذه الصفات المتشابهة & الباب السابع اختلافهم في أنه لم يزن خالقا واختلفوا في أنه لم يزل خالقا فقال الجمهور منهم والأكثرون من القدماء منهم والكبار إنه لا يجوز أن يحدث لله تعالى صفة لم يستحقها فيما لم يزل وإنه لم يستحق اسم الخالق لخلقه الخلق ولا لإحداث البرايا استحق اسم البارئ ولا بتصوير الصور استحق اسم المصور ولو كان كذلك لكان ناقصا فيما لم يزل وتم بالخلق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقالوا إن لله تعالى لم يزل خالقا بارئا مصورا غفورا رحيما شكورا وكذلك جميع صفاته التي وصف بها نفسه يوصف بها كلها في الأزل كما يوصف بالعلم والقدرة والعز والكبرياء والقوة كذلك يوصف بالتكوين والتصوير والتخليق والإرادة والكرم والغفران والشكر ولا يفرقون بين صفة هي فعل وبين صفة لا يقال إنها فعل نحو العظمة والجلال والعلم والقدرة وكذلك إنه لما ثبت أنه سميع بصير قادر خالق بارئ مصور وأنه مدح له فلو استوجب ذلك بالخلق والمصور والمبرئ لكان محتاجا إلى الخلق والحاجة أمارة الحدث وأخرى أن ذلك يوجب التغير والزوال من حال إلى حال فيكون غير خالق ثم يكون خالقا وغير مريد ثم يكون مريدا وذلك نحو الأفول الذي انتفى منه خليله إبراهيم عليه السلام بقوله لا أحب الآفلين والخلق والتكوين والفعل صفات لله تعالى وهو بها في الأزل موصوف والفعل غير المفعول وكذلك التخليق والتكوين ولو كانا جميعا واحدا لكان كون المكونات بأنفسها لأنه لم يكن من الله إليها معنى سوى أنها لم تكن فكانت ومنع بعضهم من أن يكون فيما لم يزل خالقا وقال إنه يوجب كون الخلق معه في القدم وأجمعوا أنه لم يزل مالكا إلها ربا ولا مربوب ولا مملوك وكذلك يجوز أن يكون خالقا بارئا مصورا ولا مخلوق ولا مبروء ولا مصور & الباب الثامن اختلافهم في الأسماء واختلفوا في الأسماء فقال بعضهم أسماء الله ليست هي الله ولا غيره كما قالوا في الصفات وقال بعضهم أسماء الله هي الله & الباب التاسع & قولهم في القرآن أجمعوا أن القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة وأنه ليس بمخلوق ولا محدث ولا حدث
وأنه متلو بألسنتنا مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا غير حال فيها كما أن الله تعالى معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في مساجدنا غير حال فيها وأجمعوا أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض & الباب العاشر اختلافهم في الكلام ما هو واختلفوا في الكلام ما هو فقال الأكثرون منهم كلام الله صفة الله لذاته لم يزل وإنه لا يشبه كلام المخلوقين بوجه من الوجوه وليست له مائية كما أن ذاته ليست لها مائية إلا من جهة الإثبات وقال بعضهم كلام الله أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد وقصص وأمثال والله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا واعدا موعدا حامدا ذاما إذا خلقتم وبلغت عقولكم فافعلوا كذا وأنتم مذمومون على معاصيكم مثابون على طاعتكم إذا خلقتم كما أنا مأمورون مخاطبون بما نزل من القرأن على النبي صلى الله عليه وسلم ولم نخلق بعد ولم نكن موجودين وأجمع الجمهور منهم على أن كلام الله تعالى ليس بحروف ولا صوت ولا هجاء بل الحروف والصوت والهجاء دلالات على الكلام وأنها لذوي الآلات والجوارح التي هي اللهوات والشفاه والألسنة والله تعالى ليس بذي جارحة ولا محتاج إلى آلة فليس كلامه بحروف ولا صوت وقال بعض كبرائهم في الكلام له من تكلم بالحروف فهو معلول ومن كان كلامه باعتقاب فهو مضطر وقالت طائفة منهم كلام الله حروف وصوت وزعموا أنه لا يعرف كلامه إلا كذلك مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق وهذا قول حارث المحاسبي ومن المتأخرين ابن سالم والأصل في هذا أنه لما ثبت أن الله تعالى قديم وأنه غير مشبه للخلق من جميع الوجوه كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين فلا يكون كلامه حروفا وصوتا ككلام المخلوقين ولما أثبت الله لنفسه كلاما بقوله وكلم الله موسى تكليما وقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقال حتى يسمع كلام الله وجب أن يكون موصوفا به لم يزل لأنه لو لم يكن موصوفا به فيما لم يزل لكان كلامه كلام المحدثين ولكان في الأزل موصوفا بضده من سكون أو آفة ولما ثبت أنه غير متغير وأن ذاته ليست بمحل للحوادث وجب أن لا يكون ساكتا ثم صار متكلما فاذا ثبت كلامه وثبت أنه ليس بمحدث وجب الإقرار به ولما لم يثبت أنه حروف وصوت وجب الامساك عنه ثم القرآن ينصرف في اللغة على وجوه منها مصدر القراءة كما قال الله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي قراءته والحروف المعجمة في المصاحف تسمى قرآنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ويسمى كلام الله قرآنا فكل قرآن سوى كلام الله فمحدث مخلوق والقرآن الذي هو كلام الله فغير محدث ولا مخلوق والقرآن إذا أرسل وأطلق لم يفهم منه غير كلام الله تعالى فهو إذا غير مخلوق والوقف فيه لأحد أمرين إما أن يقف فيه وهو يصفه بصفة المحدث والمخلوق فهو عنده مخلوق ووقوفه تقية أو يقف وهو منطو على أنه صفة لله في ذاته فلا معنى لوقوفه عن عبارة الخلق والنطق به اللهم إلا أن ينطوي على أنه صفة لله وصفات الله غير مخلوقة ولم يمتحن بناف يجب عليه إثباته فيقول القرآن كلام الله ويسكت إذ لم يأت بغير مخلوق رواية ولا تليت به آية فهو عند ذلك مصيب الباب الحادي عشر قولهم في الرؤية أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين لأن ذلك كرامة من الله تعالى لقوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
وجوزوا الرؤية بالعقل وأوحبوها بالسمع وإنما جاز في العقل لأنه موجود وكل موجود فجائز رؤيته إذا وضع الله تعالى فينا الرؤية له ولو لم تكن الرؤية جائزة عله لكان سؤال موسى عليه السلام أرني أنظر إليك جهلا وكفرا ولما علق الله تعالى الرؤية بشريطة استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني وكان ممكنا في العقل استقراره لو أقره الله وجب أن تكون الرؤية المعلقة به جائزة في العقل ممكنة فإذا ثبت جوازه في العقل ثم جاء السمع بوجوبه بقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وقوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وجاءت الرواية بأنها الرؤية وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته يوم القيامة والأخبار في هذا مشهورة متواترة وجب القول به والإيمان والتصديق له وما تأولت النافية لها فمستحيل كقولهم في أرني أنظر إليك سؤال آية فإنه قد أراه آياته وقوله لا تدركه الأبصار أنه كما لا تدركه الأبصار في الدنيا كذلك في الآخرة وإنما نفى الله تعالى الإدراك بالأبصار لأن الإدراك يوجب كيفية وإحاطة فنفى ما يوجب الكيفية والإحاطة دون الرؤية التي ليست فيها كيفية وإحاطة وأجمعوا أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان لأنه غاية الكرامة وأفضل النعم ولا يجوز أن يكون ذلك إلا في أفضل المكان ولو أعطوا في الدنيا أفضل النعم لم يكن بين الدنيا الفانية والجنة الباقية فرق ولما منع الله سبحانه كليمه موسى عليه السلام ذلك في الدنيا وكان من هو دونه أحرى وأخرى أن الدنيا دار فناء ولا يجوز أن يرى الباقي في الدار الفانية ولو رأوه في الدنيا لكان الإيمان به ضرورة والجملة أن الله تعالى أخبر أنها تكون في الآخرة ولم يخبر أنها تكون في الدنيا فوجب الانتهاء إلى ما أخبر الله تعالى به & الباب الثاني عشر اختلاف قولهم في رؤية النبي عليه السلام واختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ليلة المسرى فقال الجمهور منهم والكبار إنه لم يره محمد صلى الله عليه وسلم ببصره ولا أحد من الخلائق في الدنيا على ما روى عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب منهم الجنيد والنوري وأبو سعيد الخراز وقال بعضهم رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المسرى وإنه خص من بين الخلائق بالرؤية كما خص موسى عليه السلام بالكلام واحتجوا بخبر ابن عباس وأسماء وأنس منهم أبو عبد الله القرشي والشلبي وبعض المتأخرين وقال بعضهم رآه بقلبه ولم يره ببصره واستدل بقوله ما كذب الفؤاد ما رأى ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به ولم نر في كتبهم ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم ولا في الحكايات الصحيحة عنهم ولا سمعنا ممن أدركنا منهم زعم أن الله تعالى يرى في الدنيا أو رآه أحد من الخلق إلا طائفة لم يعرفوا بأعيانهم بل زعم بعض الناس أن قوما من الصوفية ادعوها لأنفسهم وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك وتكذيب من ادعاه وصنفوا في ذلك كتبا منهم أبو سعيد الخراز وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير وزعموا أن من ادعى ذلك فلم يعرف الله عز وجل وهذه كتبهم تشهد على ذلك & الباب الثالث عشر قولهم في القدر وخلق الافعال أجمعوا أن الله تعالى خالق لأفعال العباد كلها كما أنه خالق لأعيانهم وأن كل ما يفعلونه من خير وشر فبقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته ولولا ذلك لم يكونوا عبيدا ولا مربوبين ولا مخلوقين وقال جل وعز قل الله خالق كل شيء وقال إنا كل شيء خلقناه بقدر وكل شيء فعلوه في الزبر فلما كانت أفعاهم أشياء وجب أن يكون الله خالقها ولو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله جل وعز خالق بعض الأشياء دون جميعها ولكان قوله خالق كل شيء كذبا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله تعالى خالق الأعيان والعباد خالقي الأفعال لكان الخلق أولى بصفة المدح في الخلق من الله تعالى ولكان خلق العباد أكثر من خلق الله ولو كانوا كذلك لكانوا أتم قدرة من الله تعالى وأكثر خلقا منه وقد قال الله تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار فنفى أن يكون خالقا غيره وقال الله تعالى وقدرنا فيها السير فأخبر أنه قدر سير العباد وقال والله خلقكم وما تعملون وقال من شر ما خلق فدل أن مما خلق شرا وقال ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي خلقنا الغفلة فيه وقال وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلق له وقال عمر رضى الله عنه يارسول الله أرأيت ما نعمل فيه أعلى أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ فقال على أمر قد فرغ منه فقال عمر أفلا نتكل وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله قال إنه من قدر الله وقال والله لا يؤمن أحد حتى يؤمن بالله وبالقدر خيره وشره من الله ولما جاز أن يخلق الله تعالى العين الذي هو شر جاز أن يخلق الفعل الذي هو شر ومجمع على أن حركة المرتعش خلق الله فكذلك حركة غيره غير أن الله تعالى خلق لهذا حركة واختيارا وخلق للآخر حركة ولم يخلق له اختيارا قال أبو بكر الواسطي في قوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار قال من ادعى شيئا من ملكه وهو ماسكن في الليل والنهار من خطرة وحركة أنها له أو به أو إليه أو منه فقد جاذب القبضة وأوهن العزة وفي قوله ألا له الخلق والأمر خلق إيجاد وأمر إطلاق مالم يأمر الجوارح أمر إطلاق لم توافقه في شئ كذلك المخالفة & الباب الرابع عشر قولهم في الاستطاعة أجمعوا أنهم لا يتنفسون نفسا ولا يطرفون طرفة ولا يتحركون حركة إلا بقوة يحدثها الله تعالى فيهم واستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم لا يتقدمها ولا يتأخر عنها ولا يوجد الفعل إلا بها ولولا ذلك لكانوا بصفة الله تعالى يفعلون ماشاءوا ويحكمون ما أرادوا ولم يكن الله القوى القدير بقوله ويفعل الله ما يشاء أولى من عبد حقير ضعيف فقير ولو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة فلما رأينا ذوي أعضاء سليمة ولم نر أفعالهم ثبت أن الاستطاعة ما يرد من القوة على الأعضاء السليمة وتلك القوة متفاضلة في الزيادة والنقصان ووقت دون وقت وهذا يشاهده كل من نفسه ثم لما كانت القوة عرضا والعرض لا يبقى بنفسه ولا بقاء فيه لأن ما لا يقوم بنفسه ولا يقوم به غيره لا يبقى ببقاء في غيره لأن بقاء غيره ليس ببقاء له بطل أن يكون له بقاء وإذا كان كذلك وجب أن تكون قوة كل فعل غير قوة غيره ولولا ذلك لم تكن للخلق حاجة إلى الله تعالى عند أفعالهم ولا كانوا فقراء إليه ولكان قوله تعالى وإياك نستعين لا معنى له ولو كانت القوة قبل الفعل وهي لا تبقى لوقت الفعل لكان الفعل بقوة معدومة ولو كانت كذلك لكان وجود الفعل من غير قوة وفي ذلك إبطال الربوبية والعبودية جميعا لأنه لو كان كذلك لكان يجوز وقوع فعل من غير قوى ولو جاز ذلك لجاز أن يكون وجودها بأنفسها من غير فاعل وقد قال الله تعالى في قصة موسى والعبد الصالح إنك لن تستطيع معي صبرا وقوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا يريد لا تقوى عليه وأجمعوا أن لهم أفعالا واكتسابا على الحقيقة هم بها مثابون وعليها معاقبون ولذلك جاء الأمر والنهي وعليه ورد الوعد والوعيد ومعنى الاكتساب أن يفعل بقوة محدثة
وقال بعضهم معنى الاكتساب أن يفعل لجر منفعة أو دفع مضرة لقوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وأجمعوا أنهم مختارون لاكتسابهم مريدون له وليسوا بمحمولين عليه ولا مجبرين فيه ولا مستكرهين له ومعنى قولنا مختارون أن الله تعالى خلق لنا اختيارا فانتفى الإكراه فيها وليس ذلك على التفويض قال الحسن بن علي رضى الله عنهما إن الله تعالى لا يطاع بإكراه ولا يعصى بغلبة ولم يهمل العباد من المملكة وقال سهل بن عبد الله إن الله تعالى لم يقو الأبرار بالجبر إنما قواهم باليقين وقال بعض الكبراء من لم يؤمن بالقدر فقد كفر ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر & الباب الخامس عشر قولهم في الجبر وأحال بعضهم الجبر وقال لا يكون الجبر إلا بين الممتنعين وهو أن يأمر الآمر ويمتنع المأمور فيجبره الآمر عليه ومعنى الإجبار أن يستكره الفاعل على إتيان فعل هو له كاره ولغيره مؤثر فيختار المجبر إتيان ما يكرهه ويترك الذي يحبه ولولا إكراهه له وإجباره إياه لفعل المتروك وترك المفعول ولم نجد هذه الصفة في اكتسابهم الإيمان والكفر والطاع والمعصية بل اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده وآثره على ضده وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عليه ضده والله خلق له الاختيار والاستحسان والارادة للإيمان والبعض والكراهة والاستقباح للكفر قال الله تعالى حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان واختار الكافر الكفر واستحسنه وأحبه وأراده وآثره على ضده وكره الإيمان وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عيه ضده والله تعالى خلق ذلك كله قال الله عز وجل كذلك زينا لكل أمة عملهم وقال ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وليس أحدهما بمنوع عن ضد ما اختاره ولا بمحمول على ما اكتسبه ولذلك وجبت حجة الله عليهم وحق عليهم القول من ربهم ومأوى الكافرين النار بما كانوا يكسبون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ويفعل الله ما يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال ابن الفرغاني ما من خطرة ولا حركة إلا بالأمر وهو قوله كن فله الخلق بالأمر وله الأمر بالخلق والخلق صفته فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدعى شيئا من الدنيا والآخرة لا له ولا به ولا إليه فاعلم أنه لا إله إلا الله & الباب السادس عشر قولهم في الأصلح أجمعوا على أن الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد كان ذلك أصلح لهم أولم يكن لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق وقال الله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقال إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم والقول بالأصلح يوجب نهاية القدرة وتنفيذ مافي الخزائن وتعجيز الله تعالى عن ذلك لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فليس وزاء الغاية شئ فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحا آخر لم يقدر عليه ولم يجد بعد الذي أعطاهم ما يعطيهم مما يصلح لهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأجمعوا أن جميع ما فعل الله بعباده من الإحسان والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه ولو لم يفعل ذلك لكان جائزا وليس على الله بواجب ولو كان ما يفعل مما يفعل شيئا واجبا عليه لم يكن مستحقا للحمد والشكر وأجمعوا أن الثواب والعقاب ليس من جهة الاستحقاق لكنه من جهة لمشيئة والفضل والعدل لأنهم لا يستحقون على أجرام منقطعة عقابا دائما ولا على أفعال معدودة ثوابا دائما غير معدود
وأجمعوا أنه لوعذب جميع من في السموات والأرض لم يكن ظالما لهم ولو أدخل جميع الكافرين الجنة لم يكن ذلك محالا لأن الخلق خلقه والأمر أمره ولكنه أخبر أنه ينعم على المؤمنين أبدا ويعذب الكافرين ابدا وهو صادق في قوله وخبره صدق فوجب أن يفعل بهم ذلك ولا يجوز غيره لأنه لا يكذب في ذلك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأجمعوا أنه لا يفعل الأشياء لعلة ولو كان لها علة لكان للعة علة إلى ما لا يتناهى وذلك باطل قال الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال هو اجتباكم وقال وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ولا يكون شئ منه ظلما ولا جورا لأن الظلم إنما صار ظلما لأنه منهى عنه ولأنه وضع الشئ في غير موضعه والجور إنما كان جورا لأنه عدل عن الطريق الذي بين له والمثال الذي مثل له من فوقه ومن هو تحت قدرته ولما لم يكن الله تحت قدرة قادر ولا كان فوقه آمر ولا زاجر لم يكن فيما يفعله ظالما ولافي شئ يحكم به جائرا ولم يقبح منه شئ لآن القبيح ما قبحه والحسن ما حسنه & وقال بعضهم القبيح ما نهى عنه والحسن ما أمر به وقال محمد بن موسى إنما حسنت المستحسنات بتجليه وقبحت المستقبحات باستتاره وإنما هما نعتان يجريان على الأبد بما جريا في الأزل معناه كل ماردك إلى الحق من الأشياء فهو حسن وما ردك إلى شئ دونه فهو قبيح فالقبيح والحسن ما حسنه الله في الأزل وماقبحه ومعنى آخر أن المستحسن هو ما تخلى عن ستر النهى فلم يكن بين العبد وبينه ستر والقبيح ما كان وراء الستر وهو النهي على معنى قوله عليه السلام وعلى الأبواب ستور مرخاة قيل الأبواب المفتحة محارم الله والستور حدوده & الباب السابع عشر قولهم في الوعد والوعيد أجمعوا أن الوعيد المطلق في الكفار والمنافقين والوعد المطلق في المؤمنين المحسنين وأوجب بعضهم غفران الصغائر باجتناب الكبائر بقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وجعلها بعضهم كالكبائر في جواز العقوبة عليها لقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله وقالوا معنى قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه هو الشرك والكفر وهو أنواع كثيرة فجاز أن يطلق عليها اسم الجمع وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب خرج على الجمع فكانت كبيرة كل واحد منهم عند الجمع كبائر وجوزوا غفران الكبائر بالمشيئة والشفاعة وأوجبوا الخروج من النار لأهل الصلاة لا محالة بإيمانهم قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فجعل المشيئة شرطا فيما دون الشرك وجملة قولهم إن المؤمن بين الخوف والرجاء يرجو فضل الله في غفران الكبائر ويخاف عدله في العقوبة على الصغائر لأن المغفرة مضمون المشيئة ولم يأت مع المشيئة شرط كبيرة ولا صغيرة ومن شدد وغلظ في شرائط التوبة وارتكاب الصغائر فليس ذلك منهم على إيجاب الوعيد بل ذلك على تعظيم الذنب في وجوب حق الله في الانتهاء عما نهى عنه ولم يجعلوا في الذنوب صغيرة إلا عند نسبة بعضها إلى بعض فطالبوا النفوس بإيفاء حق الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه والوفاء بما أمر به الله ورؤية التقصير في شرائط العمل وهم مع ذلك كله ارجى الناس للناس وأشدهم خوفا على أنفسهم حتى كان الوعيد لم يرد إلا فيهم والوعد لم يكن إلا لغيرهم قيل للفضيل عشية عرفة كيف ترى حال الناس قال مغفورون لولا مكاني فيهم وقال السرى السقطي إني لأنظر في المرآة كل يوم مرار مخافة أن يكون قد اسود وجهي وقال لا أحب أن أموت حيث أعرف مخافة أن لا تقبلني الأرض فأكون فضيحة وهم أحسن الناس ظنونا بربهم قال يحيى من لم يحسن بالله ظنه لم تقر بالله عينه وهم أسوأ الناس ظنونا بأنفسهم وأشدهم إزراء بها لا يرونها أهلا لشئ من الخير دينا ولا دنيا
والجملة أن الله تعالى قال وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا الآية أخبر أن المؤمن له عملان صالح وسيء فالصالح له والسيء عله وقد وعد الله تعالى على ما له ثوابا وأوعد على ما عليه عقابا والوعيد حق الله تعالى من العباد والوعد حق العباد على الله فيما أوجبه على نفسه فإن استوفى منهم حق نفسه ولم يوفهم حقهم لم يكن ذلك لائقا بفضله مع غناه عنهم وفقرهم اليه بل الاليق بفضله والاحرى بكرمه أن يوفيهم حقوقهم ويزيدهم من فضله ويهب منهم حق نفسه وبذلك أخبر عن نفسه فقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وفي قوله من لدنه أنه تفضل وليس بجزاء الباب الثامن عشر قولهم في الشفاعة أجمعوا على أن الاقرار بجملة ما ذكر الله تعالى في كتابه وجاءت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة واجب لقوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقول الكفار فما لنا من شافعين وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي ( وقوله ( واختبأت دعوتي الشفاعة لامتي ( وأقروا بالصراط وأنه جسر يمد على جهنم وقرأت عاشئة رضي الله عنها يوم تبدل الأرض غير الأرض قالت فأين الناس حينئذ يا رسول الله فقال ( على الصراط ( وأقفراوا بالميزان وأن أعمال العباد توزن كما قال الله تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه وإن لم يعلموا كيفية ذلك وقولهم في هذا وأمثاله مما لا يدرك العباد كيفيته آمنا يما قال الله على ما أراد الله آمنا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد رسول الله وأقروا أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان على ما جاء في الحديث وأقروا بتأبيد الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وأنهما باقيتان أبد الابد لا تفنيان ولا تبيدان وكذلك أهلوهما باقون فيهما خالدون مخلدون منعمون ومعذبون لا ينفد نعيمهم ولا ينقطع عذابهم وشهدوا لعامة المؤمنين بالايمان في ظاهر أمورهم ووكلوا سرائرهم إلى الله تعالى وأقروا أن الدار دار إيمان وإسلام وأن أهلها مؤمنون مسلمون وأهل الكبائر عندهم مسلمون مؤمنون بما معهم من الإيمان فاسقون بما فيهم من الفسق ورأوا الصلاه خلف كل بر وفاجر ورأوا الصلاة على كل من مات من أهل القبلة ورأوا الجمعة والجماعات والأعياد واجبة على من لم يكن له عذر من المسلمين مع كل إمام بر أو فاجر وكذلك الجهاد معهم والحج ورأوا الخلافة حقا وأنها في قريش وأجمعوا على تقديم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ورأوا الاقتداء بالصحابة والسلف الصالح وسكتوا عن القول فيما كان بينهم من التشاجر ولم يروا ذلك قادحا فيما سبق لهم من الله عز وجل من الحسنى وأقروا أن من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فهو في الجنة وأنهم لا يعذبون بالنار ولا يرون الخروج على الولاة بالسيف وإن كانوا ظلمة ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا لمن أمكنه بما أمكنه مع شفقة ورأفة ورفق ورحمة ولطف ولين من القول ويؤمنون بعذاب القبر وبسؤال منكر ونكير وأقروا بمعراج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عرج به إلى السماء السابعة وإلى ماشاء الله في ليلة في اليقظة ببدنه ويصدقون بالرؤيا وأنها بشارة للمؤمنين وإنذار لهم وتوقيف وعندهم أن من مات أو قتل فبأجله ولا يقولون باخترام الآجال وأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون & الباب التاسع عشر قولهم في الأطفال وأقروا أن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة واختلفوا في أطفال المشركين فمنهم من قال لا يعذب الله بالنار إلا بعد لزوم الحجة على من عاند وكفر ووجبت عليه الأحكام وأرجأ الأكثرون أمرهم إلى الله تعالى وجوزوا تعذيبهم وتنعيمهم وأجمعوا على أن المسح على الخفين حق وجوزوا أن يرزق الله الحرام
وأنكروا الجدال والمراء في الدين والخصومة في القدر والتنازع فيه ورأوا التشاغل بما لهم وعليهم أولى من الخصومات في الدين ورأوا طلب العلم أفضل الأعمال وهو علم الوقت بما يجب عليهم ظاهرا وباطنا وهم أشفق الناس على خلق الله من فصيح وأعجم وأبذل الناس بما في أيديهم وأزهدهم عما في أيدي الناس واشدهم إعراضا عن الدنيا وأكثرهم طلبا للسنة والآثار وأحرصهم على اتباعها & الباب العشرون فيما كلف الله البالغين أجمعوا أن جميع ما فرض الله تعالى على العباد في كتابه وأوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض واجب وحتم لازم على العقلاء البالغين لا يجوز التخلف عنه ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحد من الناس من صديق وولي وعارف وإن بلغ أعلى المراتب وأعلى الدرجات وأشرف المقامات وأرفع المنازل وأنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة من إباحة ما حظر الله أو تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو سقوط فرض من غير عذر ولا علة والعذر والعلة ما أجمع عليه المسلمون وجاءت به أحكام الشريعة ومن كان أصفى سرا وأعلى رتبة وأشرف مقاما فإنه اشد اجتهادا وأخلص عملا وأكثر توقيا وأجمعوا أن الأفعال ليست بسبب للسعادة والشقاوة وأن السعادة والشقاوة سابقتان بمشيئة الله تعالى لهم ذلك وكتابه عليهم كما جاء في الحديث قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا وكذلك قال في أهل النار وقال عليه السلام السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه وأجمعوا أنها ليست بموجبة للثواب والعقاب من حيث الاستحقاق بل من جهة الفضل ومن جهة إيجاب الله تعالى ذلك وأجمعوا أن نعيم الجنة لمن سبق له من الله السعادة من غير علة وأن عذاب النار لمن سبق له من الله الشقاوة من غير علة كما قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي وقال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس وقال إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقالوا إنها أعنى أفعال العباد علامات وأمارات على ما سبق لهم من الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له وقال الجنيد الطاعة عاجل بشراه على ما سبق لهم من الله تعالى وكذلك المعصية وقال غيره العبادات حلية الظواهر والحق لا يبيح تعطيل الجوارح من حلاها وقال محمد بن على الكتاني الأعمال كسوة العبودية فمن ابعده الله عند القسمة نزعها من قربه أشفق عليها ولزمها وهم مع ذلك مجمعون على أن الله تعالى يثيب عليها ويعاقب لأنه وعد على صالحها وأوعد على سيئها فهو ينجز وعده ويحقق وعيده لأنه صادق خبره صدق وقالوا على العباد بذل المجهود في أداء ما كلف وإتيان ما ندب إليه بعد التكليف وبعد إتيانها وإيفاء ما عليه تكون المشاهدات كما جاء في الحديث من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعمل وقال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون وقال يحيى لن يصل إلى قلبك روح المعرفة وله عليك حق لم تؤده وقال الجنيد إن الله تعالى يعامل عباده في الآخر على حسب ماعاملهم في الأول بدأهم تكرما وأمرهم ترحما ووعدهم تفضلا ويزيدهم تكرما فمن شهد بره القديم سهل عليه أداء أمره ومن لزم أمره أدركه وعده ومن فاز بوعده لا بد أن يزيده من فضله وقال سهل بن عبد الله التستري من غمض بصره عن الله طرفة عين فلا يهتدي طول عمره & الباب الحادي والعشرون قولهم في معرفة الله تعالى اجمعوا على أن الدليل على الله هو الله وحده وسبيل العقل عندهم سليل العاقل في حاجته إلى الدليل لأنه محدث والمحدث لايدل إلا على مثله
وقال رجل للنوري ما الدليل على الله قال الله قال فما العقل قال العقل عاجز والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله وقال ابن عطاء العقل آلة للعبودية لا للإشراف على الربوبية وقال غيره العقل يجول حول الكون فإذا نظر إلى المكون ذاب وقال أبو بكر القحطبي من لحقته العقول فهو مقهور إلا من جهة الإثبات ولولا أنه تعرف إليها الألطاف لما أدركته من جهه الإثبات وأنشدونا لبعض الكبار من رامه بالعقل مسترشدا سرحه في حيرة يلهو وشاب بالتلبيس أسراره يقول من حيرته هل هو وقال بعض الكبار لا يعرفه إلا من تعرف إليه ولا يوحده إلا من توحد له ولا يؤمن به إلا من لطف به ولا يصفه إلا من تجلى لسره ولا يخلص له إلا من جذبه إليه ولا يصلح له إلا من اصطنعة لنفسه معنى من تعرف إليه أي من تعرف الله إليه ومعنى من توحد له أي أراه أنه واحد وقال الجنيد المعرفة معرفتان معرفة تعرف ومعرفة تعريف معنى التعرف ان يعرفهم الله عز وجل نفسه ويعرفهم الأشياء به كما قال إبراهيم عليه السلام لا أحب الآفلين ومعنى التعريف أن يريهم آثار قدرته في الآفاق والأنفس ثم يحدث فيهم لطفا تدلهم الأشياء أن لها صانعا وهذه معرفة عامة المؤمنين والأولى معرفة الخواص وكل لم يعرفه في الحقيقة إلا به وهذا كما قال محمد بن واسع ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه وقال غيره ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وقال ابن عطاء تعرف إلى العامة بخلقه لقوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى الخاصة بكلامه وصفاته بقوله أفلا يتدبرون القرآن وقال وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولله الأسماء الحسنى وإلى الأنبياء بنفسه كما قال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وقال ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وقال بعض الكبراء من أهل المعرفة لم يبق بيني وبين الحق تبياني ولا دليل ولا آيات برهاني هذا تجلى طلوع الحق نائرة قد أزهرت في تلاليها بسلطان لا يعرف الحق إلا من يعرفه لا بعرف القدمى المجث الفاني لا يستدل على الباري بصنعته رأيتم حدثا ينبي عن أزمان كان الدليل له منه إليه به من شاهد الحق في تنزيل فرقان كان الدليل له منه به وله حقا وجدناه بل علما بتبيان هذا وجودي وتشريحي ومعتقدي هذا توحد توحيد وإيماني هذا عبارة أهل الانفراد به دوي المعارف في سر وإعلان هذا وجود وجود الواجدين له بني التجانس أصحابي وخلاني وقال بعض الكبراء إن الله تعالى عرفنا نفسه بنفسه ودلنا على معرفة نفسه بنفسه فقام شاهد المعرفة من المعرفة بالمعرفة بعد تعريف المعرف بها معناه أن المعرفة لم يكن لها سبب غير أن الله تعالى عرف العارف فعرف بتعريفه وقال بعض الكبار من المشايخ البادي من المكونات معروف بنفسه لهجوم العقل عليه والحق اعز من أن تهجم العقول عليه وأنه عرفنا نفسه أنه ربنا فقال ألست بربكم ولم يقل من أنا فتهجم العقول عليه حين بدا معرفا فلذلك انفرد عن العقول وتنزه عن التحصل غير الإثبات وأجمعوا أنه لا يعرفه إلا ذو عقل لأن العقل آلة للعبد يعرف به ما عرف وهو بنفسه لا يعرف الله تعالى وقال أبو بكر السباك لما خلق الله العقل قال له من أنا فسكت فكحله بنور الوحدانية ففتح عينيه فقال أنت الله لا إله إلا أنت فلم يكن للعقل ان يعرف الله إلا بالله & الباب الثاني والعشرون اختلافهم في المعرفة نفسها ثم اختلفوا في المعرفة نفسها ما هي والفرق بينها وبين العلم فقال الجنيد المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه قيل له زدنا قال هو العارف وهو المعروف معناه أنك جاهل به من حيث أنت وإنما عرفته من حيث هو وهو كما قال سهل المعرفة هي المعرفة بالجهل وقال سهل العلم يثبت بالمعرفة والعقل يثبت بالعلم وأما المعرفة فأنها تثبت بذاتها
معناه أن الله تعالى إذا عرف عبدا نفسه فعرف الله تعالى بتعرفه إليه أحدث له بعد ذلك علما فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي احدثه فيه وقال غيره تبين الأشياء على الظاهر علم وتبينها على استكشاف بواطنها معرفة وقال غيره اباح العلم للعامة وخص أولياءه بالمعرفة وقال أبو بكر الوراق المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها والعلم علم الأشياء بحقائقها وقال أبو سعيد الخراز المعرفة بالله هي علم الطلب لله من قبل الوجود له والعلم بالله هو بعد الوجود فالعلم بالله اخفى وأدق من المعرفة بالله وقال فارس المعرفة هي المستوفية في كنه المعروف وقال غيره المعرفة هي حقر الأقدار إلا قدر الله وأن لا يشهد مع قدر الله قدرا وقيل لذي النون بم عرفت ربك قال ما هممت بمعصية فذكرت جلال الله إلا استحييت منه جعل معرفته بقرب الله منه دلالة المعرفة له وقيل لعليان كيف حالك مع المولى قال ما جفوته منذ عرفته قيل له متى عرفته قال منذ سموني مجنونا جعل دلالة معرفته له تعظيم قدره عنده قال سهل سبحان من لم يدرك العباد من معرفته إلا عجزا عن معرفته & الباب الثالث والعشرون قولهم في الروح قال الجنيد الروح شئ استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله قل الروح من أمر ربي قال أبو عبد الله النباجي الروح جسم يلطف عن الحس ويكبر عن اللمس ولا يعبر عنه بأكثر من موجود قال ابن عطاء خلق الله الأرواح قبل الأجساد لقوله تعالى ولقد خلقناكم يعني الأرواح ثم صورناكم يعني الأجساد وقال غيره الروح لطيف قام في كثيف كالبصر جوهر لطيف قام في كثيف وأجمع الجمهور على أن الروح معنى يحيى به الجسد وقال بعضهم هو روح نسيم طيب يكون به الحياة والنفس ريح حارة تكون بها الحركات والسكنات والشهوات وسئل القحطبي عن الروح فقال لم يدخل تحت ذل كن ومعناه عنده أنه ليس إلا الإحياء والحي والإحياء صفة المحيي كالتخليق والخلق صفة الخالق واستدل من قال ذلك بظاهر قوله قل الروح من أمر ربي قالوا أمره كلامه وكلامه ليس بمخلوق كأنهم قالوا إنما صار الحي حيا بقوله كن حيا وليس الروح معنى في الجسد حالا مخلوق كالجسد قال الشيخ وليس هذا بصحيح وإنما الصحيح أن الروح معنى في الجسد مخلوق كالجسد & الباب الرابع والعشرون قولهم في الملائكة والرسل سكت الجمهور منهم عن تفضيل الرسل على الملائكة وتفضيل الملائكة على الرسل وقالوا الفضل لمن فضله الله ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل وفضل بعضهم الرسل وبعضهم الملائكة وقال محمد بن الفضل جملة الملائكة أفضل من جملة المؤمنين وفي المؤمنين من هو أفضل من الملائكة كأنه فضل الأنبياء عليهم السلام وعلى الملائكة وأجمعوا ان بين الرسل تفاضلا لقول الله تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وقوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ولم يعينوا الفاضل والمفضول لقوله عليه السلام لا تخيروا بين الأنبياء وأوجبوا فضل محمد صلى الله عليه وسلم بالخبر وهو قوله عليه والسلام أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائي وسائر الأخبار التي جاءت وقول الله جل وعز كنتم خير أمة أخرجت للناس فلما كانت أمته خير الأمم وجب أن يكون نبيها خير الأنبياء وسائر ما في القرآن من الدلائل على فضله وأجمعوا جميعا أن الأنبياء أفضل البشر وليس في البشر من يوازي الأنبياء في الفضل لا صديق ولا ولي ولا غيرهم وإن جل قدره وعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضى الله عنه هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يعني أبا بكر وعمر فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهما خير الناس بعد النبيين قال أبو يزيد البسطامي آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء وليس لنهاية الأنبياء غاية تدرك