Ebû Nuaym el-İsfahânî — Hilyetü'l-Evliyâ ve Tabakātü'l-Asfiyâ
أخبرني محمد بن أحمد البغدادي أبو بكر في كتابه وحدثني عنه عثمان ابن محمد العثماني ثنا عبدالله بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول أيها المريدون طريق الآخرة والصدق والطالبون أسباب العبادة والزهد اعلموا أنه من لم يحسن عقله لم يحسن تعبد ربه ومن لم يعرف آفة العمل لم يحسن يحتزر منه ومن لم تصح عنايته في طلب الشيء لم ينتفع به إذا وجده واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم وخطر جسيم وأن العلم لم يرد ليعلم إنما أريد ليعلم ويعمل به لأن الثواب على العمل بالعلم يقع لا على العلم ألا ترى أن العلم إذا لم يعمل به عاد وبالا وحجة وانظروا ألا تكونوا معشر المريدين ممن قد تركوا لذة الدنيا ونعيمها ثم لا يصدق طلبكم بالآخرة فلا دنيا ولا آخرة وفكروا فيما تطلبون فأن من لم يعرف خطر ما يطلب لم يسهل عليه الجهل في جنب طلبه واعلموا أنه من لم يهن عليه الخلق لم يعظم عليه الرب ومن لم يكن طلبه في طريق الرغبة والرهبة والشوق والمحبة كان متحيرا في طلبه مخلطا في عمله لا يجد لذة العبادة ولا يقطع طريق الزهادة فاتقوا الله الذي إليه معادكم وانظروا ألا تكونوا ممن يعرفهم جيرانهم وإخوانهم بالخير والأرادة والزهادة والعبادة وحالكم عند الله على خلاف ذلك فأن الله إنما يجزيكم على ما يعرف منكم لا على ما يعرفه الناس ولا تكونوا ممن يولع بصلاح الظاهر الذي إنما هو للخلق ولا ثواب له بل عليه العقاب ويدع الباطن الذي هو لله وله الثواب ولا عقاب عليه حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن قارن الرازي قال سمعت ابن معاذ يقول من الدنيا لا ندرك آمالنا وللآخرة لا نقدم أعمالنا وفي القيامة غدا لا ندري ما حالنا حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ثنا عباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن الحسن بن العلاء البلخي قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول الناس ثلاثة فرجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الصالحين ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الفائزين ورجل شغله معاشه عن معاده فتلك درجة الهالكين سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن حكوية الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تسكن إلى نفسك وإن دعتك إلى الرغائب سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الدنيا بحر التلف والنجاة منها الزهد فيها سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول يا جهول يا غفول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمت طربا قال وسمعت يحيى يقول استشعرت الفقر فاتهمته ووثقت بعبد مثلك فقير فائتمنته ثم صرخ وقال واسوأتاه منك إذا شاهدتني وهمتي تسبق إلى سواك أم كيف لا أضنى في طلب رضاك قال وسمعت يحيى يقول قلب المحب يهيم بالطيران وتكلمه لدغات الشوق والخفقان قال وسمعته يقول إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فأنها قد صغرت في جنب عفوك إلهي لا أقول لا أعود لما أعرف من خلقي وضعفي إلهي إنك إن أحببتني غفرت سيئاتي وإن مقتني لم تقبل حسناتي ثم قال أواه قبل استحقاق قول أواه قال وسمعت يحيى يقول لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقا
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه عثمان ثنا عبدالله بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تجعل الزهد حرفتك لتكتسب بها الدنيا ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك فاصرف أمرهم على الخرافات وقال ترى الخلق متعلقين بالأسباب والعارف متعلق بولى الأسباب إنما حديثه عن عظمة الله وقدرته وكرمه ورحمته يحترف بهذا دهره ويدخل به قبره وسمعته يقول من كانت الحياة قيده كان طلاقه منها موته وسمعته يقول الدنيا لا قدر لها عند ربها وهي له فما ينبغي أن يكون قدرها عندك وليست لك قال وسئل يحيى عن الوسوسة فقال إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا وقيل ليحيى كيف يتعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة قال أولئك بضاعتهم مولاهم وزادهم تقواهم وشغلهم ذكراهم ومن اهتم بعشائه لم يتهن بغذائه ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزد استكثاره من ذلك إلا اضطرابا حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو ثنا الحسن بن علوية سمعت يحيى بن معاذ يقول لو لم يكن للعارفين إلا هاتان النعمتان لكفاهم منه متى رجعوا إليه وجدوه ومتى ما شاءوا ذكروه حدثنا أبو الحسن ثنا الحسن قال سمعت يحيى يقول من صفة العارف شيئان ما مضى وما كان وفيما هو وما أعلم وكيف أعمل وبعده ما يكون فكيف تكون هذه الثلاثة الأيام أمس واليوم وغدا قد زل عن قلبه عجب عمله ولازمه خوف ذنبه قال وسمعت يحيى يقول من صفة العارف جسم ناعم وقلب هائم وشوق دائم وذكر لازم قال وسمعت يحيى يقول عبادة العارف في ثلاثة أشياء معاشرة الخلق بالجميل وإدامة الذكر للجليل وصحة جسم بين جنبيه قلب عليل وسمعته يقول سبحان من طيب الدنيا للعارفين بمعرفته وسبحان من طيب لهم الآخرة بمعذرته فتلذذوا أيام الحياة بالذكر في مجالس معرفته وغدا يتلذذون في رياض القدس بشراب مغفرته فلهم في الدنيا زرع ذكر ولهم في الآخرة ربيع بر ساروا على المطايا من شكره حتى وصلوا إلى العطايا من ذخره فأنه ملك كريم سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت محمد بن محمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول العارف قد يشتغل بربه عن مفاخرة الأشكال ومجالس العطايا وعن منازعة الأضداد في مجالس البلايا قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول أوثق الرجاء رجاء العبد ربه وأصدق الظنون حسن الظن بالله سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت أحمد بن محمد بن مسعود يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول طوبى لعبد أصبحت العبادة حرفته والفقر منيته والعزلة شهوته والآخرة همته وطلب العيش بلغته وجعل الموت فكرته وشغل بالزهد نيته وأمات بالذل عزته وجعل إلى الرب حاجته يذكر في الخلوات خطيئته وأرسل على الوجنة عبرته وشكى إلى الله غربته وسأله بالتوبة رحمته طوبى لمن كان ذلك صفته وعلى الذنوب ندامته جأر الليل والنهار وبكاء إلى الله بالأسحار يناجي الرحمن ويطلب الجنان ويخاف النيران سمعت محمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الكيس من فيه ثلاثة خصال من بادر بعمله وتسوف بامله واستعد لأجله قال وسمعت يحيى يقول المغبون يوم القيامة من فيه ثلاثة خصال من قرض أيامه بالبطالات وبسط جوارحه على الحسرات ومات قبل إفاقته من السكرات قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول سبحان الله فلعل لا إله إلا الله تستوهبه من أهل لا إله إلا الله فليس ما أتى به من الذنب عصيانا أكثر مما أتى به من التوحيد إيمانا
سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت محمد بن أحمد سنة خمس وثلاثمائة يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول إن العبد على قدر حبه لمولاه يحببه إلى خلقه وعلى قدر توقيره لأمره يوقره خلقه وعلى قدر التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه وعلى قدر إدامته لطاعته يحليها في صدر وعلى قدره لهجته بذكره يديم ألطاف بره وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه فلو لم يكن لابن آدم الثواب على عمله إلا ما عجل له في دنياه لكان كثيرا سوى ما يريد أن يصير إليه من جزيل جزائه وعظيم إعطائه مالا يحيط به إحصاء ولا تبلغه مني إذ كان يعطي على قدر ما هو أهله إنه ملك كريم أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد ثنا عبدالله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما وخصمي لا فهم له قيل له من خصمك قال خصمي نفسي لا فهم لها تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم والخلود فيها بشهوة ساعة في دار الدنيا قال وسمعت يحيى يقول لا تعرفه حتى تعمى عن الخلق قال وسمعته يقول يا ابن آدم إنك لا تشتاق إلى ربك إلا بالاستيحاش من خلقه قال وسمعت يحيى يقول للتائب فخر لا يعادله فخر في جميع أفخاره فرح الله بتوبته قال وسمعت يحيى يقول من ادعى حبه فهو طالب فإذا أحبه سكت قال وسمعت يحيى يقول إذا اصطفاهم لنفسه وأمكنهم من أنسه حجبهم عن خلقه بالمعروف من رفقه قيل له وكيف يحجبهم قال يحجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا وهذا مشهور قال وسمعت يحيى يقول مجد إلهك يحيى إنه ملك مهيمن صمد للذنب غفار اشكر له حكما أتاكها مننا تترى توافقها في الدين آثار قال وسمعت يحيى يقول لو لم يسكنهم ببلواه لطارت بهم نعماه ولم يصل إليه من لم يرض بقسمه ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمه ولم يحب من لم يته في كرمه وسمعته يقول حين خاطروا بالنفوس اقتربوا وهذا طعم الخبر فكيف طعم النظر سمعت أبا الحسن محمد بن عمرو الجرجاني يقول سمعت أبا محمد الحسن ابن محمد الرازي المذكر يقول سمعت أبي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أفواه الرجال حوانيتها وشفتاها مغاليقها وأسنانها مخاليبها فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار قال وسمعت يحيى يقول قد دعاك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه أمن الدنيا أم من قبرك إنك أن أجبته من دنياك دحلتها وإن أجبته من قبرك منعتها قال وسمعت يحيى يقول إن الدرهم عقرب فان لم تحسن رقيته فلا تأخذه بيدك فإنه إن لدغك قتلك قال وسمعته يقول الدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها حسب ما يؤخذ السم في الأدوية لعلكم تسلمون أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى في كتابه قال سمعت منصور بن عبدالله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أولياؤه أسراء نعمه وأصفياؤه رهائن كرمه وأحباؤه عبيد مننه فهم عبيد محبة لا يعتقون ورهائن كرم لا يفكون وأسراء نعم لا يطلقون أخبرنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن علي النهاوندي يقول سمعت موسى بن محمد يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أهل المعرفة وحش الله في الأرض لا يأنسون إلى أحد والزاهدون غرباء في الدنيا والعارفون غرباء في الآخرة قال وسمعت يحيى يقول ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الغوث ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت أخبرنا عبدالواحد بن بكر حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي ثنا طاهر ابن إسماعيل الرازي قال قيل ليحيى بن معاذ أخبرني عن الله ما هو قال إله واحد قال كيف هو قال ملك قادر قال أين هو قال بالمرصاد قال ليس عن هذا أسألك قال يحيى فذاك صفة المخلوق فاما صفة الخالق فقد أخبرتك
حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبدالله بن سهل الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول عجبت لمن يصبر عن ذكر الله وأعجب منه من صبر عليه كيف لا ينقطع ثم قال ندافع عيشنا بالجهد جهدا مدافعة إلى جهد المنايا قال وسمعت يحيى يقول من صفة العارف خصلتان الآ يذيع حاله لأحد ولا يفتش أحد عن حاله ومن علامة المريد الرضاء بالقضاء والثقة بالوعد والعمل بالإخلاص والشكر على البلاء والتوبة من كل ذنب وامتحان الإرادات قال وسمعت يحيى يقول سبحان من جعل الأرواح روحانية نورانية والأنفاس جولانية هوائية فالأرواح تحن إلى عليين معدانها والأنفاس تحن إلى سجين محبسها حدثنا عثمان بن محمد قال قرىء علي أبي حسن أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت إسماعيل بن معاذ يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول قوم على فرش من الذكر في مجلس من الشوق وبساتين من المناجاة بين رياض الأطراب وقصور الهيبة وفناء مجال الأنس معانقي عرائس الحكمة بصدور الافهام مناعي زفرات الوجد وجوه الآخرة بفنون الأفراح تعاطون بينهم كؤس حبه سقاهم فيها وغوتهم على شربها فرقان الشجي تجري في الأكباد تديم عليهم ذكر الحبيب ويبلبلهم معها هيمان الوجود قال وأنشدني إسماعيل بن معاذ لأخيه يحيى بن معاذ طرب الحب على الحب مع الحب يدوم عجبا لمن رأيناه على الحب يلوم حول حب الله ما عشت مع الشوق أحوم وبه أقعد ما عشت حياتي وأقوم وقال أيضا رحمه الله نفس المحب إلى الحبيب تطلع وفؤاده من حبه يتقطع عز الحبيب إذا خلا في ليله بحبيبه يشكو إليه ويضرع ويقوم في المحراب يشكو بثه والقلب منه إلى المحبة ينزع سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبدالواحد بن بكر يقول سمعت أحمد بن أبي طلحة يقول سمعت محمد بن أحمد الجرجاني يقول سمعت ابن كمال الجرجاني يقول سئل يحيى بن معاذ عن الرقص فأنشأ يقول دققنا الأرض بالرقص على غيب معانيك ولا عيب على الرقص لعبد هائم فيك وهذا دقنا الأرض إذا طفنا بواديك سمعت محمد بن محمد بن عبدالله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول نظر يحيى بن معاذ إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته وقد ذبلت فأتى بالماء يسقيها فقال له ما تصنع قال رأيت هذا الريحان ذابلا قد جففوه بترك سقيه فاعتصر به قلبي فسقيته لأنه هاجت لي فيه عبرة وكأني رأيته يستسقيني بذبوله خاضعا وكان أبوه وأخوه يدعو أنه إلى طلب الدنيا فأنشأ أخوه يقول
أترحم أغصنا ذبلت ولانت ولا ترحم أخاك إذا دعاك فقال يحيى مجيبا له رأيت أخي يريد هلاك نفسي ونفسي لا تريد له هلاكا قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول وأنشدنا أموت بدائي لا أصيب دوائيا ولا فرجا مما أرى من بلائيا إذا كان داء العبد حب مليكه فمن دونه يرجو طبيبا مداويا قال وأنشدنا يحيى رحمه الله رضيت بسيدي عوضا وأنسا من الأشياء لا أبغي سواه فيا شوقا إلى ملك يراني على ما كنت فيه ولا أراه خلا يستمطر النجم العطايا فيعطى منه أكثر ما رجاه وأنشدنا أيضا أنا إن تبت مناني وإن أذنبت رجاني وإن أدبرت ناداني وإن أقبلت أدناني وإن أحببت والاني وإن أخلصت ناجاني وإن قصرت عافاني وإن أحسنت جازاني حبيبي أنت رحماني أصرف عني أحزاني إليك الشوق من قلبي على سري وإعلاني فيا أكرم من يرجى ويا قديم إحساني ما كنت على هذا إله الناس تنساني لدى الدنيا وفي العقبى على ما كان من شاني قال وأنشدني يحيى تبارك ذو الجلال وذو المحال عزيز الشان محمود الفعال سروري بالسؤال لكي أراه فكيف أسر منه بالنوال فيا ذا العز يا ذا الجود جدلي وغير ما ترى من سوء حالي قال وأنشدني يحيى أشكو إليك ذنوبا لست أنكرها وقد رجوتك يا ذا المن تغفرها من قبل سؤلك لي في الحشر يا أملي يوم الجزاء على الأهوال تذكرها أرجوك تغفرها في الحشر يا أملي إذ كنت سؤلي كما في الأرض تسترها قال وأنشدنا يحيى سلم على الخلق وارحل نحو مولاك واهجر على الصدق والإخلاص دنياك عساك في الحشر تعطى ما تؤمله ويكرم الله ذو الآلاء مثواك سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبدالله يقول سمعت الحسن ابن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه ويوم حشره ميزانه أخبرني محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا عبدالله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها ومغارفها ألسنتها فانتظر الرجل حتى يتكلم فأن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه قال وسمعت يحيى يقول إنما صار الفقراء أسعد على الذكر من الأغنياء لأنهم في حبس الله ولو أطلقوا من حصار الفقر لوجدت من ثبت منهم على الذكر قليلا قال وسمعت يحيى يقول من يستفتح أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين قال وسمعت يحيى يقول الق حسن الظن على الخلق وسوء الظن على نفسك لتكون من الأول في سلامة ومن الآخر على الزيادة قال وسمعت يقول قال ابن السماك حسبي من ثوابك النجاة من عقابك قال وسمعت يحيى يقول أبناء الدنيا يجدون لذة الكلام وأبناء الآخرة يجدون لذة المعاني حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا الحسن بن أبي الحسن البصري ثنا علي ابن جعفر بن أحمد الكاتب قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول الدرجات التي يسعى إليها أبناء الآخرة سبع التوبة ثم الزهد ثم الرضا ثم الخوف ثم الشوق ثم المحبة ثم المعرفة فبالتوبة تطهروا من الذنوب وبالزهد خرجوا من الدنيا وبالرضا ألبسوا قراطن العبودية وبالخوف جازوا قناطر النار وبالشوق إلى الجنة استوجبوها وبالمحبة عقلوا النعيم وبالمعرفة وصلوا إلى الله وهو في البحر السابع ولا يزالون فيه أبد الآبدين في الدنيا والآخرة حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرأت في كتاب أبي الحسن الزهري البصري قال قال يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خزانة الله فما الذي يبغض منها وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر يسبح الله فيها قال الله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقال الله تعالى ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فالمجيب له بالطاعة لا يستحق أن يكون بغيضا في قلوب المؤمنين ليعلم أن الذنب والذم زائلان عنها إلى بنى آدم لو كانوا يعلمون
أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عثمان بن محمد ثنا عبدالله بن سهل الرازي ثنا يحيى بن معاذ قال اعلموا أنه لا يصح الزهد والعبادة ولا شيء من أمورالطاعة لرجل أبدا وفيه للطمع بقية فأن أردتم الوصول إلى محض الزهد والعبادة فأخرجوا من قلبكم هذه الخصلة الواحدة وكونوا رحمكم الله من أبناء الآخرة وتعاونوا واصبروا وأبشروا تظفروا إن شاء الله واعلموا أن ترك الدنيا هو الربح نفسه الذي ليس بعده أمر أشد منه فأن ذبحتم بتركها نفوسكم أحييتموها وإن أحييتم أنفسكم بأخذها قتلتموها فارفضوها من قلوبكم تصيروا إلى الروح لراحة في الدنيا والآخرة وتصيبوا شرف الدنيا والآخرة وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون عذبوا أنفسكم في طاعة الله بترك شهواتها قبل أن تلقى الشهوة منها أجسامكم في دبار عاقبتها واعلموا أن القرآن قد ندبكم إلى وليمة الجنة ودعاكم إليها فأسرع الناس إليها أتركهم لدنياه وأوجدهم لذة لطعم تلك الوليمة أشدهم تجويعا لنفسه ومخالفة لها فانه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد وسأظهر لكم هذا الأمر فأني وجدت أمر الإنسان أمرا عجيبا قد كلف الطاعة على خلاف ما كلف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه وليكن العمل منك فيه على حسب الحاجة منك إليه واستعن بالله فنعم المعين واعلم أنك لم تسكن الدنيا لتتنعم فيها جاهلا وعن الآخرة غافلا ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها عاقلا وتمتطي الأيام إلى ربك عاملا فإنك بين دنيا وآخرة ولكل واحدة منهما نعيم وفي وجود احداهما بطول الأخرى فانظر أن تحسن طلب النعيم فقد حكى عن إبراهيم بن أدهم أنه قال غلط الملوك طلبوا النعيم فلم يحسنوا وعلى حسب إقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله وكما كان معدوما وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة وإن كنت ذا قلب واحد فإجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والانعام واعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد وطلع ثمرات الخير وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الاطعام وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين وما دونه فمزرعة الأعمال فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها وفقدها في أخذها وليس معنى الترك الخروج من المال والأهل والولد ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة ومتروكة فهذا معنى الترك لا ما تدعيه المتصوفة الجاهلون أنت من الدنيا بين منزلتين فإن زويت عنك كفيت المؤنة وإن صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك وإن كانت طاعتك لله في شأنها تصلحها ومعصيتك لله في أمرها يفسدها فدع عنك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها فإن المطيع فيها محمود عند الله إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان الله فيها لأن الدنيا مال الله والخلق عباد الله وهم في هذا المال صنفان خونة وأمناء فإذا وقع المال في أيدي الخائنين فهو سبب دمارهم ولا عتب على المال إنما العتب على فعلهم بالمال وإذا وقع في أيدي الأمناء كان سبب شرفهم وخلاصهم ولا معنى للمال إنما كسب لهم الشرف عند الله فعلهم بالمال أدوا أمانة الله في أموالهم فلحق بهم نفع المال لا ذنب للمال الذنب لك الذنوب إنما تكتسب بالجوارح وليس للضيعة والحانوت جوارح إنما الجوارح لك وبها تكتسب الذنوب فعلك بما لك أسقطك من عين ربك لا مالك وفعلك بمالك يصحبك إلى قبرك لا مالك وفعلك بمالك يوزن يوم القيامة لا مالك
حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد المقرىء ثنا الحسن بن علوية الدامغاني قال سمعت يحيى بن معاذ يقول يامن أقام لي غرس ذكري وأجرى إلى أنهار نجوى وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى وأقام لي فيهم أسواق تقوى أقبلت إليك معتمدا عليك ممتلىء القلب من رجائك ورطب اللسان من دعائك في قلبي من الذنوب زفرات ومعي عليها ندامات إن أعطيتني قبلت وإن منعتني رضيت وإن تركتني دعوت وإن دعوتني أجبت فأعطني إلهي ما أريد فأن لم تعطني ما أريد فصبرني على ما تريد قال وسمعت يحيى يقول من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير أولها المبادرة إلى التوبة والثاني القناعة برزق يسير والثالث النشاط في العبادة ومن حرض على الدنيا فانه لا يأكل فوق ما كتب الله له ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال أولها أن تراه أبدا غير شاكر لعطية الله له والثاني لا يواسى بشيء مما قد أعطي من الدنيا والثالث يشتغل ويتعب في طلب مالم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبدالله بن سهل يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الصبر على ا لناس أشد من ا لصبر على النار قال وسمعت يحيى يقول تأبى القلوب للأسخياء إلا حبا وإن كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغضا وإن كانوا أبرارا وقال يحيى ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حرصاء على طلب الجنة فقراء إلى ربهم والمنافق حريص على الدنيا فقير إلى الخلق قال وسمعت يحيى يقول قال بعض الحكماء من أصبح لم يكن معه هذه الخصال الثلاث لم يصب طريق العزم أولها كما أن الله لم يعط رزقك اليوم غيرك فلا تعمل لغيره وكما أن الله لم يشارك فيما أعطاك أحدا فلا تشارك في العمل الذي تعمل له يعني الرياء وكما أن الله لم يكلفك اليوم عمل غد فلا تسأله رزق غد على جور حتى إذا لم يعطك شكوته قال وسمعت يحيى يقول إذا لاحظت الأشياء منه كان لها طعم آخر قال وسمعت يحيى يقول ليس بصادق من ادعى حبه ولم يحفظ حده قال وسمعت يحيى يقول سقوط رجل من درجة ادعاؤها قال وسمعت يحيى يقول إذا عملوا على الصدق انطلقت ألسنتهم على الخلق بالشدة وإذا عملوا في التفويض انكسرت ألسنتهم عن الخلق مبهوتين الأول من صفة الزاهدين والثاني من صفة العارفين قال وسمعت يحيى يقول إنما تلقى الزاهد في الدنيا أحيانا ليرفق بعباد الله إذا ذلوا قال وسمعت يحيى يقول من أقام قلبه عند الله سكن ومن أرسله في الناس اضطرب حدثنا عثمان بن محمد قال قرأ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى ثنا إسماعيل بن معاذ عن أخيه يحيى بن معاذ قال قسم الدنيا على البلوى والجنة على التقوى وجوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة والجوع طعام يشبع الله منه أبدان الصديقين وإذا امتلأت المعدة خرست الحكمة وأشرف الجوع حالة ينظر إليك فيها العدو فيرحمك وأمقت الشبع حالة ينظر إليك معها الصديق فيستثقلك فالحزن يمنع ا لطعام والخوف يمنع الذنوب والرجاء يقوي على أداء الفرائض وذكر الموت يزهد في الشيء وفي لقاء الأخوان مدافعة ما فضل من النهار وصلاح الأمر في ذلك كله أن يكون على نية
حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى بن معاذ يقول تولد الخوف في القلب من ثلاث خصال إدامة الفكر معتبرا والشوق إلى الجنة مشفقا وذكر النار متخوفا والورع من ثلاث خصال من عز النفس وصحة اليقين وتوقع الموت وتمام المعرفة من ثلاث خصال حسن القبول وتقليد العلم وبذل النصح وقال عدم التواضع من فاتته ثلاث خصال علمه بما خلق منه وما يعود إليه والمتواضع من ظن أنه من أذنب أهل الأرض ومن آثر صحبة المساكين وقال لا تتخذوا من القرناء إلا ما فيه ثلاث خصال من حذرك غوائل الذنوب وعرفك مدانس العيوب وسايرك إلى غلام الغيوب وقال شرف المعاد من ثلاث إحتمال الشدائد وإذلال النفس وكراهة المعرفة ومعنى كراهة المعرفة يكره أن يعرف في الناس لا يبتغي معرفة الناس إنما استئناسه بذكر الله في الخلوة ومع الناس وقال غنيمة الآخرة في ثلاثة أشياء الطاعة والبر والعصيان طاعة الرب وبر الوالدين وعصيان الشيطان وقال الفارس في الدين من كان فيه ثلاث خصال حفظ لسانه وإمساك عنانه وصدق بيانه حفظ لسانه لا يتكلم إلا بماله وإمساك عنانه هو في حلبة الأعمال فيمسك عنان إرادته إذا كان لغير الله ويرسله إذا كان لله وصدق بيانه إذا علم شيئا عمل به وثلاثة من السعادة مقلة دامعة وعنق خاضعة وأذن سامعة ولا يجد حلاوة العبادة إلا من فيه ثلاث خصال أن يستأثر الرجلة ويستلذ العزلة ويترقب النقلة الرجلة الإقلال والعزلة الوحدة والنقلة الرحلة إلى القبر وأغبط الناس من سلك طريق آخرته وأصلح شأن عاقبته واجتهد في فكاك رقبته وقال لم أجد السرور إلا في ثلاث خصال التنعم بذكر الله واليأس من عباد الله والطمأنينة إلى موعود الله يعني في الرزق وقال المصيب من عمل ثلاثة أشياء يلقاه من ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى ربه قبل أن وقال عجبت لثلاث وفرحت لثلاث واغتممت لثلاث فالتي عجبت منها فتنة العالم وسرور الانسان بما أصاب من الدنيا وهو تراث من تقدمه وتراث من يخلفه يسلبه ثم يؤخذ بحسابه ومن رتع في أفواه أمانيه في مراتع الموت وفرحت لثلاث إظهار الله آدم على إبليس وهذا ملك وهذا بشر وإخراجه إيانا في هذه الأمة والخصلة الثالثة وهي أشرف الثلاث معرفة الله تعالى واغتممت لثلاث لذنوب أسلفتها وأيام ضيعتها والخصلة الثالثة وفيه الخطر العظيم وقوفي بين يدي الله عز وجل لا أدري ما يبدو لي منه وذلك المقام الشديد يتوقع فيها المحاسب بماذا يختم له أيام ضيعها يعني في الغفلة وترك الإستعداد حدثنا محمد بن عبيد الله ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى بن معاذ يقول من لم يكن ظاهره مع العوام فضة ومع المريدين ذهبا ومع العارفين المقربين درا وياقوتا فليس من حكماء الله المريدين قال وسمعت يحيى يقول أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح في وجه صبيح كلام دقيق مستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق وقال يحيى ثلاثة من الأموال الدراهم والدنانير والدر والياقوت فكلامي في العظات الدراهم وفي الصفات الدنانير وفي المعرفة وكرم الله الدر والياقوت قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله كلام يحيى بن معاذ يكثر ويطول اقتصرنا منه على ما أملينا ومن مسانيد حديثه ما حدثنا أبو الحسين محمد بن عبدالله بن عمرو ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن عبدالله بن هبيرة قال سمعت أبا تميم يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنكم توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا حدثنا أحمد بن يوسف ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا أبو عبدالرحمن المقرىء ثنا حيوة بن شريح مثله
حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن إسماعيل بن نفيع عن أبي داود عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من غني ولا فقير إلا يود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا حدثناه أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن عثمان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدالله بن نمير عن إسماعيل ابن نفيع بن الحارث عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد الجرجاني ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى ابن معاذ ثنا علي بن محمد عن محمد بن فضيل ووكيع عن سفيان عن ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير قال التوكل على الله جماع الإيمان حدثناه أبو بكر ابن مالك ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا ضرار عن سعيد مثله وليس فيه ذكر سفيان وهو الصواب حدثنا أبو الحسين ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن حجاج عن مكحول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يخلص العبادة لله أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه سعيد بن العباس الرازي ومنهم الواثق بالوصول الناطق بالأصول التارك للفضول له البيان الشافي والكلام الكافي نبذ الآراء وعدد الآلاء عمل على تصفية الباطن فركن إلى لطف الضامن أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي
حدثنا أبي ثنا إسحاق بن محمد الزجاج ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي قال أحذرك يا أخي شياطين الإنس والجن كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر واعلم أن قائدهم إبليس واعرف بقلبك من يدعوك إلى الهلكة ومن يدعوك إلى النجاة واستعن بالله فأن جميع الشر حب الدنيا هل رأيت رجلا عصى الله في التهاون والزهد في الدنيا والرضى بالقليل واحذر الدنيا وأهلها ومن يدعوك إليها فإن المحب للدنيا زعم بلسانه أنه يعبد ربه وهو يعبد هواه ودنياه بقلبه ونيته وغدوه ورواحه وطواعيته وغضبه ورضاه واعلم أن العلماء هم أمناء الرسول عليه الصلاة والسلام وورثة الأنبياء عليهم السلام أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه دعا إلى الزهد في فضول الدنيا والتهاون بها ومن معه من العلماء كانوا يحذرون حلال الدنيا ويشفقون منها أشد من حذر الجهال من حرامها لأنه لا يسلم من الدنيا من ينالها ولا يسلم من شرها من أحبها وأمن مكرها هي حتف أهلها دون الحتف واعلم أن العالم بالله الخائف من الله يهدم بحق الله باطل أهل الرغبة في الدنيا وأن العالم المغتر يطفئ نور الحق بظلمة الباطل واعلم أن الله إذا أراد أن يغني فقيرا أو يفقر غنيا أو يرفع وضيعا أو يضع رفيعا فعل ما أراد من ذلك فلا تغالب الله على أمره ولا تلتمس شيئا من ذلك بغير طاعة الله فإن الذين التمسوا الأمور بغير طاعة الله خسروا خسرانا مبينا فيما أصابوا بما طالبوا وفيما أخطأهم مما أرادوا فانظر إذا كنت إماما أي إمام تكون فربما نجت الأمة بالإمام الواحد وربما هلكت بالإمام الواحد وإنما هما إمامان إمام هدى قال الله عز وجل وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا يعني على الدنيا وإنما صاروا أئمة حين صبروا عن الدنيا ولا يكون إمام هدى حجة لأهل الباطل فإنه قال يهدون بأمرنا لا بأمر أنفسهم ولا بأمور الناس فقال وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين فهذا إمام هدى فهو ومن أجابه شريكان وإمام آخر قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ولا تجد أحدا يدعو إلى النار ولكن الدعاة إلى معصية الله فهذان إمامان هما مثل من الذين خلوامن قبلكم وموعظة للمتقين واعلم أن باب الآخرة مفتوح فادخله تصل إلى رحمة الله ولتكن في كنف الله وحفظه وولايته وستره وأجره ورزقه وكفايته فإن الله لا يخلف الميعاد واعلم أنه ليس بين الله وبين العباد وسيلة إلا طاعته فإنها وسيلة العباد إليه فلا تتوسلوا إلى الله بغير الوسيلة التي جعلها الله سبيلا وسببا إليه فإن ديان الدين إنما يدين العباد غذا بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم في الدنيا واعلم أنك قد كفيت مؤنة من بعدك فلا تتكلف مؤنة من قد كفيت بإفساد نفسك واعلم أن الناس قبلك قد جمعوا لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم ولا من جمعوا له واعلم أن لك في الدنيا ولباسها ونعيمها وشهوتها رغبة وإنك والله لئن طلبت النعيم بالتنعم في الدنيا والرغبة فيها ما أحسنت طلبه فأزهد فيها تجد لليقين نورا وترى للترك فضلا وسرورا انظر إليها بالتصغير إذ كان قصيرا فانيا التمس استصغار الدنيا بالتقلل منها واستجلب حلاوة الترك بقصر الأمل فيها قد استدبرت أمورا لك فيها معتبر ومنظر ومتعظ ومزدجر وانظر ما صدر قوم عن معصية الله إلى غير عذاب الله عاجلا أو آجلا إلا من عصمه الله بالتوبة كن عالما عاملا فقد علم أقوام ولم يعملوا ولم يكن علمهم إلا عليهم والعلم والعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه اختر القلة وارتع في رياض المقلين تدرك ثمرة قلبك أما علمت أن النار حفت بالشهوات والجنة حفت بالمكاره اختر ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم وادع إلى ما دعا إليه تكن لله وليا والمرسول أمينا وللمتقين إماما واعلم أن العبد المؤمن ليس بالذي يشكر في السراء فإذا أصابه شيء مما يكره ترك دينه ومن لا خير له فيما يكره فليس له خير فيما يحب فقد جعل الله في الكره خيرا لمن صبر على البلاء واحتسب المصيبة وأحسن الظن بالله وصدق التوكل عليه وآمن بما وعد الله الصابرين كن داعيا إلى الله بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمس الرفعة بالتواضع والتمس الشرف بالدين وليكن ذلك في ترك دنياك لآخرتك تدرك شرف الدنيا والآخرة فإن أكمل إيمان العبد إذا آثر الآخرة على الدنيا واطلب حقيقة الإيمان بردك نفسك عن الدنيا وأجهد نفسك على طلب الآخرة فإن الكيس من دان نفسه وعمل لآخرته والعاجز من تمنى على الله الأماني قال الشيخ أبو نعيم لأبي عثمان الكلام المبسوط في مصنفاته وله من كثرة الأحاديث مسانيد وتفسير ما يقارب الأئمة في الكثرة حدث عن الأعلام عن أبي نعيم وحسين المروزي والقعنبي وأحمد بن شبيب والحميدي وسلمة بن شبيب ومكي وقتيبة وعلي الطنافسي وأبي مسعود والحماني وسهل بن عثمان وابن كاسب وإبراهيم بن موسى
سمعت عبدالرحمن بن محمد بن أحمد الواعظ قال سمعت أحمد بن عيسى ابن ماهان قال سمعت سعيد بن العباس الرازي الصوفي بمنى يقول سمعت حاتما الأصم يقول مؤمن عذر جور باشد ومنافق عيب جور باشد ومن مسانيد حديثه ما حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر ثنا خالي عبدالله بن محمود بن الفرج ثنا أبي محمود ثنا أبو عثمان سعيد بن ا لعباس الرازي ثنا أحمد بن عبدالله بن نافع بن ثابت حدثني أبي عن عبدالله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي الزبير مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فجذب عمامتي فالتفت إليه فقال لي يا زبير إن باب الرزق مفتوح من لدن العرش إلى قرار بطن الأرض يرزق الله كل عبد على قدر همته ونهمته حدثنا أبي إسحاق بن محمود بن الفرج ثنا سعيد بن العباس ثنا الحسن ابن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجاء بالدنيا مصورة يوم القيامة فتقول يا رب اجعلني الرجل من أدنى أهل الجنة منزلة فيقول الله أنت أنتن من ذلك بل أنت وأهلك في النار حدثنا أبي ثنا إسحاق ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس ثنا ابن كاسب ثنا عبدالله بن عبدالله عن الزبير بن الحارث عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يؤكل طعام المتباهين الحارث بن أسد المحاسبي ومنهم المشاهد المراقبي والمساعد المصاحبي أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي كان لألوان الحق مشاهدا ومراقبا ولآثار الرسول عليه السلام مساعدا ومصاحبا تصانيفه مدونة مسطورة وأقواله مبوبة مشهورة وأحواله مصححة مذكورة كان في علم الأصول راسخا وراجحا وعن الخوض في الفضول جافيا وجانحا وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحا وقيل إن فعل ذوي العقول الأخذ بالأصول والترك للمفضول واختيار ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرني جعفر بن محمد الخواص في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا فيقول اخرج معي نصحن فأقول له تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات فيقول أخرج معي ولا خوف عليك فأخرج معه فكان الطريق فارغا من كل شيء لا نرى شيئا نكرهه فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي سلني فأقول له ما عندي سؤال أسألك فيقول لي سلني عما يقع في نفسك فتنثال على السؤالات فأسأله عنها فيجيبني عليها للوقت ثم يمضي إلى منزله فيعملها كتبا أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول كنت كثيرا أقول للحارث عزلتي أنسي وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات فيقول لي كم تقول لي أنسي في عزلتي لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم
أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول كان الحارث كثير الضر فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا فرأيت في وجهه زيادة الضر من الجوع فقلت له يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا فقال أو تفعل قلت نعم وتسرني بذلك وتبرني فدخلت بين يديه ودخل معي وعمدت إلى بيت عمي وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعا فجئت بأنواع كثيرة من الطعام فوضعته بين يديه فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها ولا يزددها فخرج وما كلمني فلما كان العد لقيته فقلت يا عم سررتني ثم نغصت علي فقال يا بني أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي ولكن بيني وبين الله علامة إذا لم يكن الطعام عند الله مرضيا ارتفع إلى أنفى زمنه فورة فلم تقبله نفسي فقد رميت بتلك اللقمة في دهليزكم وخرجت أخبرني جعفر وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة وخلف أبوه مالا كثيرا وما أخذ منه حبة واحدة وقال أهل ملتين لا يتوارثان وكان أبوه واقفيا سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا علي بن خيران الفقيه يقول رأيت أبا عبدالله الحارث بن أسد بباب الطاق في وسط الطريق متعلقا بأبيه والناس قد اجتمعوا عليه يقول طلق امرأتك فإنك على دين وهي على غيره سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول حدثني محمد بن إسحاق بن الإمام حدثني أبي قال سألت الحارث بن أسد المحاسبي ما تفسير خير الرزق ما يكفي قال هو قوت يوم بيوم ولا تهتم لرزق غد أخبرني جعفر بن محمد الخواص في كتابه وحدثني عنه أبو علي الحسين بن يحيى بن زكريا الفقيه قال سمعت أبا العباس بن مسروق والجنيد بن محمد يقولان سمعنا الحارث المحاسبي يقول فقدنا ثلاثة أشياء لا نكاد نجدها إلى الممات حسن الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الأمانة أخبرني جعفر في كتابه وحدثني عنه أبو طاهر محمد بن إبراهيم بن أحمد قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول بلغني عن الحارث المحاسبي أنه قال العلم يورث المخافة والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة قال وقال الحارث من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة لقوله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا أخبرني أبو جعفر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث لا ينبغي للعبد أن يطلب الورع بتضييع الواجب وقال قال الحارث إذا أنت لم تسمع نداء الله فكيف تجيب دعى الله ومن استغنى بشيء دون الله فقد جهل قدر الله وقال الظالم نادم وإن مدحه الناس والمظلوم سالم وإن ذمه الناس والقانع غني وإن جاع والحريص فقير وإن ملك أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث بن أسد أصل الطاعة الورع وأصل الورع التقوى وأصل التقوى محاسبة النفس وأصل محاسبة النفس الخوف والرجاء وأصل الخوف والرجاء معرفة الوعد والوعيد ومعرفة أصل معرفة الوعد والوعيد عظم الجزاء وأصل ذلك الفكرة والعبرة وأصدق بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت حيث يقول ما حملت من ناقة فوق رحلها أعف وأوفى ذمة من محمد
أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني بهذا عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول إن أول المحبة الطاعة وهي منتزعة من حب السيد عز وجل إذ كان هو المبتدئ بها وذلك أنه عرفهم نفسه ودلهم على طاعته وتحبب إليهم على غناه عنهم فجعل المحبة له ودائع في قلوب محبيه ثم ألبسهم النور الساطع في ألفاظهم من شدة نور محبته في قلوبهم فلما فعل ذلك بهم عرضهم سرورا بهم على ملائكته حتى أحبهم الذين ارتضاهم لسكنى أطباق سمواته نشر لهم الذكر الرفيع عن خليقته قبل أن يخلقهم مدحهم وقبل أن يحمدوه شكرهم لعلمه السابق فيهم أنه يبلغهم ما كتب لهم وأخبر به عنهم ثم أخرجهم إلى خليقته وقد استأثر بقلوبهم عليهم ثم رد أبدان العلماء إلى الخليقة وقد أودع قلوبهم خزائن الغيوب فهي معلقة بمواصلة المحبوب فلما أراد أن يحييهم ويحيي الخليقة بهم أسلم لهم هممهم ثم أجلسهم على كرسي أهل المعرفة فاستخرجوا من المعرفة المعرفة بالأدواء ونظروا بنور معرفته إلى منابت الدواء ثم عرفهم من أين يهيج الداء وبما تستعينون على علاج قلوبهم ثم أمرهم بإصلاح الأوجاع وأوعز إليهم في الرفق عند المطالبات وضمن لهم إجاب دعائهم عند طلب الحاجات نادى بخطرات التلبية من عقولهم في أسماع قلوبهم إنه تبارك وتعالى يقول يا معشر الأدلاء من أتاكم عليلا من فقدي فداووه وفارا من خدمتي فردوه وناسيا لأيادي ونعمائي فذكروه لكم خاطبت لأني حليم والحليم لا يستخدم إلا الحلماء ولا يبيح المحبة للبطالين ضنا بما استأثر منها إذ كانت منه وبه تكون فالحب لله هو الحب المحكم الرصين وهو دوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله وقطع كل شاغل شغل عن الله وتذكار النعم والأيادي وذلك أن من عرف الله بالجود والكرم والأحسان اعتقد الحب له إذ عرفه بذلك أنه عرفه بنفسه وهداه لدينه ولم يخلق في الأرض شيئا إلا وهو مسخر له وهو أكرم عليه منه فإذا عظمت المعرفة واستقرت هاج الخوف من الله وثبت الرجاء قلت خوفا لماذا ورجاء لماذا قال خوفا لما ضيعوا في سالف الأيام لازما لقلوبهم ثم خوفا ثابتا لا يفارق قلوب المحبين خوفا أن يسلبوا النعم إذا ضيعوا الشكر على ما أفادهم فإذا تمكن الخوف من قلوبهم وأشرفت نفوسهم على حمل القنوط عنهم هاج الرجاء بذكر سعة الرحمة من الله فرجاء المحبين تحقيق وقربانهم الوسائل فهم لا يسأمون من خدمته ولا ينزلون في جميع أمورهم إلا عند أمره لمعرفتهم به أنه قد تكفل لهم بحسن النظر ألم تسمع إلى قول الله الله لطيف بعباده فدخلت النعم كلها في اللطف واللطف ظاهر على محبته خاصة دون الخليقة وذلك أن الحب إذا ثبت في قلب عبد لم يكن فيه فضل لذكر أنس ولا جان ولا جنة ولا نار ولا شيء إلا ذكر الحبيب وذكر أياديه وكرمه وذكر ما دفع عن المحبين له من شر المقادير كما دفع عن إبراهيم الخليل عليه السلام وقد أججت النار وتوعده المعاند بلهب الحريق فأراه جل وعز آثار القدرة في مقامه ونصرته لمن قصده ولا يريد به بدلا وذكر ما وعد أولياؤه من زيارتهم إياه وكشف الحجب لهم وأنهم لا يحزنهم الفزع الأكبر في يوم فزعهم إلى معونته على شدائد الأخطار والوقوف بين الجنة والنار قال الحارث وقيل إن الحب لله هو شدة الشوق وذلك أن الشوق في نفسه تذكار القلوب بمشاهدة المعشوق وقد اختلف العلماء في صفة الشوق فقالت فرقة منهم الشوق انتظار القلب دولة الاجتماع وسألت رجلا لقيته في مجلس الوليد بن شجاع يوما عن الشوق متى يصح لمن ادعاه فقال إذا كان لحالته صائنا مشفقا عليها من آفات الأيام وسوء دواعي النفس وقد صدق العالم في قوله وذلك أن المشتاقين لولا أنهم ألزموا أنفسهم التهم والمذلة لسلبوا عذوبات الفوائد التي ترد من الله على قلوب محبيه قلت فما الشوق عندك قال الشوق عندي سراج نور من نور المحبة غير أنه زائد على نور المحبة الأصلية قلت وما المحبة الأصلية قال حب الإيمان وذلك أن الله تعالى قد شهد للمؤمنين بالحب له فقال والذين آمنوا أشد حبا لله فنور الشوق من نور الحب وزيادته من حب الوداد وإنما يهيج الشوق في القلب من نور الوداد فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان فإذا أن على العمل من عدوه لم يجد لأظهاره وحشة السلب فيحل العجب وتشرد النفس مع الدعوى وتحل العقوبات من المولى وحقيق على من أودعه الله وديعة من حبه فدفع عنان نفسه إلى سلطان الأمان يسرع به السلب إلى الافتقاد وقالت امرأة من العوابد والله لو وهب الله لأهل الشوق إلى لقائه حالة لو فقدوها لسلبوا النعيم قيل لها وما تلك الحالة قالت استقلال الكثير من أنفسهم ويعجبون منها كيف صارت مأوى لتلك الفوائد وهي وقيل لبعض العباد أخبرنا عن شوقك إلى ربك ما وزنه في قلبك فقال العابد للسائل لمثلي يقال هذا لا يمكن أن يوزن في القلب شيء إلا بحضرة النفس وإن النفس إذا حضرت أمرا في القلب من ميراث القربة قذفت فيه أسباب الكدورات وقيل لمضر القارئ الخوف أولى بالمحب أم الشوق فقال هذه مسألة لا أجيب فيها ما اطلعت النفس على شيء قط إلا أفسدته وأنشدني عبدالعزيز بن عبدالله في ذلك يقول الخوف أولى بالمسيء إذا ناله والحزن والحب يحسن بالمطيع وبالنقى من الدرن والشوق للنجباء والأبدال عن ذوي الفطن فلذلك قيل الحب هوالشوق لأنك لا تشتاق إلا إلى حبيب فلا فرق بين الحب والشوق إذا كان الشوق فرعا من فروع الحب الأصلي وقيل ان الحب يعرف بشواهده على أبدان المحبين وفي ألفاظهم وكثرة الفوائد عندهم الدوام الاتصال بحبيبهم فإذا واصلهم الله أفادهم فإذا ظهرت الفوائد عرفوا بالحب لله ليس للحب شبح مائل ولا صورة فيعرف بجبلته وصورته وإنما يعرف المحب بأخلاقه وكثرة الفوائد التي يجريها الله على لسانه بحسن الدلالة عليه وما يوحى إلى قلبه فكلما ثبتت أصول الفوائد في قلبه نطق اللسان بفروعها فالفوائد من الله واصلة إلى قلوب محبيه فأبين شواهد المحبة لله شدة النحول بدوام الفكر وطول السهر بسخاء الأنفس على الأنفس بالطاعة وشدة المبادرة خوف المعالجة والنطق بالمحبة على قدر نور الفائدة فلذلك قيل إن علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحتبه وأنشد بعض العلماء له خصائص يكلفون بحبه اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقهم بودائع وفوائد وبيان فالحب لله في نفسه استنارة القلب بالفرح لقربه من حبيبه فإذا استنار القلب بالفرح استلذ الخلوة بذكر حبيبه فالحب هائج غالب والخوف لقلبه لازم لا هائج إلا أنه قد ماتت منه شهوة كل معصية وهدى لأركان شدة الخوف وحل الأنس بقلبه لله فعلامة الأنس استثقال كل أحد سوى الله فإذا ألف الخلوة بمناجاته حبيبه استغرقت حلاوة المناجاة العقل كله حتى لا يقدر أن يعقل الدنيا وما فيها ومن ذلك قول ضيغم العابد عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر غيرك وحدثني أبو محمد قال أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود إن محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين وللروحانية علم هو أن لا يغتموا وأنا مصباح قلوبهم يا داود لا تمزج الغم قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين يا داود هممت للخبز أن تأكله وأنت تريدني وتزعم أنك منقطع إلي تدعي محبتي وأنك قد احبتنى وأنت تسيء الظن بي أما كان لك علم فيما بيني وبينك أن كشفت لك الغطاء عن سبع أرضين حتى أريتك دودة في فيها برة تحت سبع أرضين حتى تهتم بالرزق يا داود أقر لي بالعبودية أبحك ثواب العبودية وهو محبتي يا داود تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين فلو يعلم أهل محبتي ما قدر المريدين عندي لكانوا للمريدين أرضا يمشون عليها وللحسوا أقدامهم يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن لي خادما واصبر على المؤونة تأتك المعونة يا داود لأن يخرج على يديك عبد ممن أسكره حب الدنيا حتى تستنقذه من سكرة ما هو فيه سميتك عندي جهبذا ومن كان جهبذا لم تكن به فاقة ولا وحشة إلى أحد من خلقي يا داود من لقيني وهو يحبني أدخلته جنتي
أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد المحاسبي يقول علامة أهل الصدق من المحبين غاية أملهم في الدنيا أن تصبر أبدانهم على الدون وأن تخلص لهم النيات من فسادها ومنهم من يريد في الدنيا شواهد ا لكرامات عند سرعة الإجابة وغاية أملهم في بالآخرة أن ينعمهم بنظره إليهم فنعيمها الأسفار وكشف الحجاب حتى لا يمارون في رؤيته والله ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه وحدثني بعض العلماء قال أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي فكيف إذا صاروا إلى جواري واستزرتهم للمقعد عندي أسفرت لهم عن وجهي فهنالك فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب أترانى أنسى لهم عملا كيف وأنا ذو الفضل العظيم أجود على المولين عني فكيف بالمقبلين علي وما غضب على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة ثم استعظمها في جنب عفوي ولو عاجلت أحدا بالعقوبة لعاجلت القانطين من رحمتي ولو يراني عبادي كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم لما اتهموا فضلي وكرمي ولو لم أشكر عبادى إلا على خوفهم من المقام بين يدي لشكرتهم على ذلك ولو يراني عباي كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيقال لمن هذه فأقول لمن عصاني ولم يقطع رجاء مني فأنا الديان الذي لا تحل معصيتي ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي وحدثني بعض إخواني ممن يوثق به قال عاتب الحسن إخوانه في ترك مجالستهم فقال الحسن مجالسة الله أشهى من مجالستكم وذكر الله أشفى من ذكركم أما بلغكم ما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إنك خليلي فانظر لا أطلع عليك فأجدك شغلت قلبك بغيري فإني إنما أختار لخلتي من لو ألقي في النار وهو في ذكري لم يجد المس النار ألما ومن إذا تراءت له الجنة وقد زخرفت وزينت بحورها وما فيها من النعيم لم يرها بعينه ولا شغل بها عن ذكري فإذا كان كذلك تواترت عليه ألطافي وقربته مني ووهبت له محبتي ومن وهب له محبتي فقد استمسك بحبلي فأي نعمة تعدل ذلك وأي شرف أشرف منه فوعزتي لأرينه وجهي ولأشفين صدره من النظر إلي وقال إبراهيم بن أدهم لو علم الناس لذة حب الله لقلت مطاعمهم ومشاربهم وحرصهم وذلك أن الملائكة أحبوا الله فاستغنوا بذكره عن غيره وسمعت محمد بن الحسين يقول قال عتبة الغلام من عرف الله أحبه ومن أحب الله أطاعه ومن أطاع الله أكرمه ومن أكرمه أسكنه في جواره ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه والمحب الصادق إذا استنار قلبه بنور حب الوداد نحل جسمه لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول فإذا وردت خطرات الشوق عليه علم أنه من الله تعالى على خلال أربع إما أن يتقبل طاعته فيفوز بثوابها وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام فتقل خطاياه وإما أن يتداركه بنظره فيلحقه بدرجة المحبين تفضلا وإن لم يستحق ذلك فإن فاتته الثلاث لم يفته الرابع إن شاء الله ثواب النصب لله وذلك أن قليل القربة عند الكريم يعتق بها الرقاب من النار فمن نجا من النار فماله منزلة غير الجنة ألم تسمع إلى قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير فهل ترى لأحد منزلة بينهما ومن أراد الدخول في عز المحبة فعليه بمفارقة الأحباب والخلوة برب الأرباب فإن قيل فمن أين قلت ذلك فقد حدثني بعض العلماء قال قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله إن كنت تحب أن تكون لله وليا وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة ولا ترغبن فيهما وفرغ نفسك منهما وأقبل بوجهك على الله يقبل الله بوجهه عليك ويلطف بك فإنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام يا يحيى إني قضيت على نفسي أن لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يفهم به فإذا كان ذلك كذلك بغضت إليه الإشتغال بغيري وأدمت فكرته وأسهرت ليله وأظمأت نهاره يا يحيى أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله أهب له كل يوم وساعة فيتقرب مني وأتقرب منه أسمع كلامه وأجيب تضرعه فوعزتي وجلالي لأبعثنه مبعثا يغبطه به النبيون والمرسلون ثم آمر مناديا ينادي هذا فلان بن فلان ولي الله وصفيه وخيرته من خلقه دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه فنظر إلي كيف شاء وأقول ابشر فوعزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة فإذا توجهت الوفود إليه أقبل عليهم فقال أيها المتوجهون إلى ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظا وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما قال وحدثني الحسين بن أحمد الشامي قال سمعت ذا النون المصري يقول قرأت في التوراة أن الأبرار الذين يؤمنون والذين في سبيل خالقهم يمشون وعلى طاعته يقبضون أولئك إلى وجه الجبار ينظرون فغاية أمل الآمل المحب الصادق النظر إلى وجه الله الكريم فلا ينعمهم في مجلسهم بشيء أكبر عندهم من النظر إلى وجهه وبلغني أنه ينعمهم بعد النظر بأصوات الروحانيين وبتلاوة داود عليه السلام الزبور فلو رأيت داود وقد أتي بمنبر رفيع من منابر الجنة ثم أذن له أن يرقى وأن يسمع حمده وثناءه وقد أنصت له جميع أهل الجنة من الأنبياء والأولياء والروحانيين والمقربين ثم ابتدأ داود بتلاوة الزبور على سكون القلب عند حسن حفظه وترجيعه وتسكنيه الصوت وحسن تقطيعه وقد وكل بها زمعها وفاح منها طربها وقد بدت النواجذ من الضاحكين بحبرة السرور وأجاب داود هواء الملكوت وفتحت مقاصير القصور ثم رفع داود عليه السلام من صوته ليتم سرورهم فلما أسمعهم الرفيع من صوته برز أهل عليين من غرف الجنة وأجابته الحور من وراء سترات الخدور بمفتنات النغم وأطت رحال المنبر واصطفقت الرياح فزعزعت الأشجار فتراسلت الأصوات وتجاوبت النغم وزادهم المليك الفهم ليتم ما بهم من النعم فلولا أن الله كتب لهم فيها البقاء لماتوا فرحا قلت فهل قالت العلماء في صفة يوم الزيارة شيئا تصفهم به قال نعم اجتمع جماعة من العباد فأتوا عابدا في بيته فقالوا له قل خيرا وأوصنا بوصية فقال اقطعوا الدهر إخوتي بمناجاة ربكم واجعلوا الهم هما واحدا فهو أهنأ لعيشكم قيل له فما ميراث ذلك إذا نحن فعلناه فقال ترثوا العز والمنى وتفوزوا بحظكم فلعمري إن الملوك لفى دون ملككم قيل له فمتى نكون ملوكا في الدنيا أو في الآخرة فقال إنما تجعلون ملوكا في الأخرى بزهدكم حين يسنكم العزيز على قدر شكركم فتكونوا في القرب منه على قدر حبكم قالوا فما الذي يقطع بنا عنه عز وجل فقال لأنكم تتمادون في المنى وتناسون فعلكم وأنتم مع ذلك تتمنوا أماني ليس تصلح بمثلكم وذلك أنكم شغلتم عن الإله بإصلاح عيشكم قالوا فبم نستعين على الطاعة قال بذكر حبيب العابدين إنكم لو سقيتم من حبه مثل ما ذاق غيركم لنفى عنكم الرقاد على طيب فرشكم وارتياحا يقل عند المناجاة صبركم ثم أرم ساعة يعنى سكت ثم أقبل عليهم فقال إخوتي لو وردتم في غد عند بعثكم فوق نوق من النجائب معكم نبيكم لترزوروا ماجداواحدا لا يملكم قالوا له فما حال الزوار عنده إذا قصدوه تبارك اسمه معهم نبيهم قال إنهم حين قاربوه تجلى لقربهم فإذا عاينوا المليك تقضت همومهم سمعوا كلامه وسمع كلامهم قالوا فما علامة من سقاه الله بكأس محبته فقال علامته أن يكون عليل الفؤاد بذكر المعاد بطيء الفتور في جميع الأمور كثير الصيام شديد السقام عفيفا كفيفا قلبه في العرش جوال والله مراده في كل الأحوال قلت رحمك الله ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله قال حدثني محمد بن الحسين قال سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه قال أن يطلع على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ففي هذا دليل على أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله كل عمل عمله بالإخلاص لله والإشفاق عليه من عدوه وإن قل ذلك فهو المقبول إذا كان على حقيقة التقوى معمولا كما قال علي بن أبي طالب عمل صالح دائم مع التقوى وإن قل وكيف يقل ما يتقبل وذلك أن المحب لله هو على الركن الأعظم من الإيمان الذي يمكن أن يستكمله العبد ولا يحسن به ادعاؤه وهو ركن المعرفة بالنعم وإظهار الشكر للمنعم وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه يا عبدي أما زهدك في الدنيا فطلبت به الراحة لنفسك وأما انقطاعك إلي فتعززت بي فهل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا فيخبرك أنه جعل الحب والبغض فيه أعظم عنده ثوابا من الزهد في الدنيا والانقطاع إليه قلت له صف لي زهد المحبين وزهد الخائفين وزهد الورعين وزهد المتوكلين فقال إن العباد زهدوا في حلال الدنيا خوفا من شدة الحساب إذ سئلوا عن الشكر فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم وفرقة من الخائفين زهدوا في الحرام خوفا من حلول النقمة فزهد الخائفين ترك الحرام البين وزهد الورعين ترك كل شبهة وزهد المتوكلين ترك الإضطراب فيما قد تكفل به من المعاش لتصديقهم بوفاء الضامن وزهد المحبين قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال فقالت فرقة زهد المحب في الدنيا كلها في حلالها وحرامها لقلتها في نفسه وقالت فرقة أخرى زهد المحب في الجنة دون الدنيا حذرا من أن يقول له حبيبه يا محب أي شيء تركت لي فيقول تركت لك الدنيا فيقول وما قدر الدنيا فيقول يا رب قدرها جناح بعوضة فيلحقه من الحياء من الله أن يقول له تركت لك ما قدره جناح بعوضة ولكن تعلم يا رب أني لم أعبدك إلا بثواب الجنة فقط لا أريد منك غير ذلك وما الجنة مع ذكرك فزهد المحب الصادق في الدنيا هو الزهد في الإخوان الذين يشغلون عن الله فقد زهد فيهم لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم فزهده فهيم على علم بهم
أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا أبو العباس بن مسروق قال سمعت الحارث بن أسد يقول من عدم الفهم عن الله فيما وعظ لم يحسن أن يستجلب وعظ حكيم ومن خرج من سلطان الخوف إلى عزة الأمن اتسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة فكشفت عنه ستر العدالة وفضحته شواهد العزة فلا يرى جميلا يرغب فيه ولا قبيحا يأنف عنه فتبسط نفسه إلى ري الشهوات ولا تميل إلى لذيذ الراحات فيستولي عليه الهوى فينقص قدره عند سيده ويشين إيمانه ويضعف يقينه أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أبو العباس بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن الزهد في الدنيا قال هو عندي العزوف عن الدنيا ولذاذتها وشهواتها فتنصرف النفس ويتعزز الهم وانصراف النفس ميلها إلى ما دعا الله إليها بنسيان ما وقع به من طباعها واعتزاز الهم الانقطاع إلى خدمة المولى يضن بنفسه عن خدمة الدنيا مستحيا من الله أن يراه خادما لغيره فانقطع إلى خدمة سيده وتعزز بملك ربه فترحل الدنيا عن قلبه ويعلم أن في خدمة الله شغلا عن خدمة غيره فيلبسه الله رداء عمله ويعتقه من عبوديتها واعتز أن يكون خادما للدنيا لعزة العزيز الذي أعزه بالإعتزاز عنها فصار غنيا من غير مال وعزيزا من غير عشيرة ودرت ينابيع الحكمة من قلبه ونفدت بصيرته وسمت همته ووصل بالوهم إلى منتهى أمنيته فترقى وارتفع ووصل إلى روح الفرج من هموم الأطماع وعذاب الحرص وقيل له كيف تفاوت الناس في الزهد قال على قدر صحة العقول وطهارة القلوب فأفضلهم أعقلهم وأعقلهم أفهمهم عن الله وأفهمهم عن الله أحسنهم قبولا عن الله وأحسنهم قبولا عن الله أسرعهم إلى ما دعا الله عز وجل وأسرعهم إلى ما دعا الله عز وجل أزهدهم في الدنيا وأزهدهم في الدنيا أرغبهم في الآخرة فبهذا تفاوتوا في العقول فكل زاهد زهده على قدر معرفته ومعرفته على قدر عقله وعقله على قدر قوة إيمانه فمن استولى على قلبه وهمه علم كشف الآخرة ونبهه التصديق على القدوم عليها وتبين بقلبه عوار الدنيا ودله بصائر الهدى على سوء عواقبها ومحبة اختيار الله في تركها والموافقة لله في العزوف عنها ترحلت الدنيا عن قلب هذا الموفق وسئل عن علامة الصادق فقال أن يكون بصواب القول ناطقا لسانه محزون ونطقه بالحق موزون طاهر القلب من كل دنس ومصافي مولاه في كل نفس
أخبرنا محمد في كتابه قال أنبأنا أحمد بن عبدالله بن ميمون قال قال الحارث بن أسد المنقطع إلى الله عز وجل عن خلقه ظاهره ظاهر أهل الدنيا وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم لأنه صرف قلبه إلى ربه فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه فطاب في الدنيا عيشه وتطهر من آثامه وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم عبيدا إذ لا يملكون له ضرا ولا نفعا فآثر رضاء الله على رضاهم فسخت نفسه بطلب رضى الله وإن سخط جميع خلق الله يرضى الله بسخط كل أحد ولا يسخط الله برضى أحد من خلقه فملاك أمره في جميع ذلك ترك الاشتغال والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه فلا يعجل فيسخطه عليه وقال أسرع الأشياء عظة للقلب وانكسارا له ذكر إطلاع الله بالتعظيم له وأسرع الأشياء إماتة للشهوات لزوم القلب الأحزان وأكثر الأشياء صرفا إزالة الإشتغال بالدنيا من القلوب عند المعاينة والمباشرة لها الاعتبار بها والنظر إلى ما غاب من الآخرة وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم لله من القلب تدبر الآيات والدلائل في التدبير المحكم والصنعة المحكمة المتقنة من السماء والأرض وما بث بينهما من خلقه دلائل ناطقة وشواهد واضحة أن الذي دبرها عظيم قدره نافذ مشيئته عزيز في سلطانه وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا الكمد من بعد الحزن وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات الشوق إلى لقاء العزيز الكبير وأشد الأشياء إزالة للمكابدات في علو الدرجات في منازل العبادات لزوم القلب محبة الرحمن وأنعم الأشياء لقلوب العابدين وأدومها لها سرورا الشوق إلى قرب الله واستماع كلامه والنظر إلى وجهه وأظهرها لقلوب المريدين التوبة النصوح منهم للعرض على رب العاملين فتلك طهارة المتقين ومن بعدها طهارة المحبين وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى الله خلا من ذكر كل قاطع عن الله وزال عنه كل حاجب يحجب عنه فتم بالله سروره وصفا ذكره في قلبه واستنار له سبيل الإعتبار فكانت الدنيا وأهلها عينا ينظر بها إلى ما سترته الحجب من الملكوت فحينئذ دام بالله شغله وطال إليه حنينه وقرت بالله عينه فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله فؤاده فشوقه إلى طلب القرب والحزن أن يحال بينه وبينه أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثي عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن عبدالله بن ميمون قال قلت للحارث بن أسد ما المزهود من أجله قال الذي تجانب الدنيا من أجله خمسة أشياء أحدها أنها مفتنة مشغلة للقلوب عنه والثانية أنها تنقص غدا من درجات من ركن إليها فلا يكون له من الدرجات كمن زهد فيها والثالثة أن تركها قربة وعلو عنده في درجات الجنة والرابعة الحبس في القيامة وطول الوقوف والسؤال عن شكر النعيم بها وفي واحدة من هذه الخصال ما يبعث المريد اللبيب على رفضها ليشتري بها خيرا منها والخامسة أعظم ما رفضوا من أجله موافقة الرب في محبته أن يصغروا ما صغر الله ويقللوا ما قلل الله ويبغضوا ما أبغض الله ويرفضوا ما أحب الله رفضه لو لم ينقصهم من ذلك ولم يشغلهم في دنياهم عن طاعته ولم يغفلوا عن شكره وكان ثواب الرافض لها في الآخرة والراكن إليها واحدا كان الله عز وجل أهلا أن يبغض ما أبغض ويتهاون بما أهان عليه وذلك زهد المحبين له المعظمين المجلين وقد دل الله عز وجل على هذه الخمس خصال بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما نطق به أهل الخاصة من عباده الحكماء العلماء
أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول بلغني عن الحارث بن أسد أنه قال العلم يورث المخافة والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة وخيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم ومن صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة ومن اجتهد في باطنه ورثه الله حسن معاملة ظاهره ومن حسن معاملته في ظاهره مع جهد باطنه ورثه الله الهداية إليه لقوله تعالى والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا الآية أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال قال الحارث بن أسد وسئل بم تحاسب النفس قال بقيام العقل على حراسة جناية النفس فيتفقد زيادتها من نقصانها فقيل له ومم تتولد المحاسبة قال من مخاوف النقص وشين البخس والرغبة في زيادة الأرباح والمحاسبة تورث الزيادة في البصيرة والكيس في الفطنة والسرعة إلى إثبات الحجة واتساع المعرفة وكل ذلك على قدر لزوم القلب للتفتيش فقيل له من أين تخلف العقول والقلوب عن محاسبة النفوس قال من طريق غلبة الهوى والشهوة لأن الهوى والشهوة يغلبان العقل والعلم والبيان وسئل مم يتولد الصدق قال من المعرفة بأن الله يسمع ويرى وخوف السؤال عن مثاقيل الذر من إرسال اللفظ وخلف الوعد وتأخير الضمان فالمعرفة أصل للصدق والصدق أصل لسائر أعمال البر فعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في سائر أعمال البر وسئل عن الشكر ما هو قال علم المرء بأن النعمة من الله وحده وأن لا نعمة على خلق من أهل السموات والأرض إلا وبدائعها من الله فشكر الله عن نفسه وعن غيره فهذا غاية الشكر وسئل عن الصبر قال هو المقام على ما يرضي الله تبارك وتعالى بترك الجزع وحبس النفس في مواضع العبودية مع نفي الجزع فقيل له فما التصبر قال حمل النفس على المكاره وتجرع المرارات وتحمل المؤن واحتمال المكابدات لتمحيص الجنايات وقبول التوبة لأن مطلب المتصبر تمحيص الجنايات رجاء الثواب ومطلب الصابر بلوغ ذرى الغايات والمتصبر يجد كثيرا من الآلام والصابر سقط عنه عظيم المكابدات لأن مطلبه العمل على الطيبة والسماحة لعلمه بأن الله ناظر إليه في صبره وأنه يعينه وأن صبره لمولاه لما يرضي مولاه عنه فاحتمل المؤن وفيه يقول الحكيم رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي من الأمر ما فيه رضى من له الأمر وأشجيت أيامي بصبر حلون لي عواقبه والصبر مثل اسمه صبر قيل فكيف السبيل إلى مقام الرضا قال علم القلب بأن المولى عدل في قضائه غير متهم وأن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه فحينئذ أبصرت العقول وأيقنت القلوب وعلمت النفوس وشهدت لها العلوم أن الله أجرى بمشيئته ما علم أنه خير لعبده في اختياره ومحبته وعلمت القلوب أن العدل من واحد ليس كمثله شيء فخرست الجوارح من الإعتراض على من قد علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه فسر القلب من قضائه
أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول أعلم بأنك لست بشيء إلا بالله وليس لك شيء إلا ما نلت من رضوان الله وأنك إن اتقيته في حقه وقاك شر من دونه ولا يصلح عبد إلا أصلح الله بصلاحه سواه ولا يفسد عبد إلا أفسد الله بفساده غيره فأعداؤك من نفسك طبائعك السيئة وأولياؤك من نفسك طبائعك الحسنة فقاتل ما فيك من ذلك ببغض وقاتل أعداءك بأوليائك وغضبك بحلمك وغفلتك بتفكرك وسهوك يتنبهك فإنك قد منيت وابتليت من معاني طبائعك ومكابدة هواك وعليك بالتواضع فإلزمه وأعلم أن لك من العون عليه أن تذكر الذي أنت فيه والذي تعود إليه والتواضع له وجوه شيء فأشرفها وأفضلها أن لا ترى لك على أحد فضلا وكل من رأيت كن له بالضمير والقلب مفضلا ومن رأيت من أهل الخير رجوت بركته والتمست دعوته وظننت أنه إنما يدفع عنك به فهذا التواضع الأكبر والتواضع الذي يليه أن يكون العبد متواضعا بقلبه متحببا إلى من عرفه غير محتقر لمن خالفه ولا مستطيلا على من هو بحضرته وليس بقريب منه وأما التواضع الثالث فهو اللازم للعباد الواجب عليهم الذي لو تركوه كفروا فالسجود لله وبذلك جاء الحديث إنه من وضع جبهته لله فقد برئ من الكبر وقد من الله تعالى به علينا وعليكم أبلغنا الله وإياكم التواضع الأكبر أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه أولا عثمان بن محمد ثنا أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول افهم ما أقول لك وفرغ للفكرة فيه عقلك وأدم له توهمك وتوهمه بذهنك وأحضر لبك واشتغل بذكره وبقطع كل مذكور سواه ومتوهم غيره فإنا خلقنا للبلوى والإختبار وأعد لنا الجنة أو النار فعظم ذلك الخطر وطال به الحزن لمن عقل واذكر حتى تعلم أين يكون المصير والمستقر ذلك بأنه قد عصى الرب وخالف المولى وأصبح وأمسى بين الغضب والرضا لا يدري أيهما قد حل به ووقع فعظم لذلك غمه واشتد به كربه وطال له حزنه حتى يعلم كيف عند الله حاله فإليه فارغب في التوفيق وإياه فسل العفو عن الذنوب واستعن بالله في كل الأمور فالعجب كيف تقر عينك أو يزول الوجل عن قلبك وقد عصيت ربك والموت نازل بك لا محالة بكربه وغصصه ونزعه وسكراته فكأنه قد نزل بك وشيكا فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف وارجع عما يكره مولاك وترضا عسى أن يرضى عنك واعتبه واستقله عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك فإن الخطب عظيم والموت منك قريب ولامولاك مطلع على سرك وعلانيتك واحدر نظره إليك بالمقت والغضب وأنت لا تشعر فأجل مقامه ولا تستخف بنظره ولا تتهاون بإطلاعه واحذره ولا تتعرض لمقته فإنه لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لك بعذابه
أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت ما هو عندك مقام عارف أو مستأنف فقال ذكر الموت أولا مقام المستأنف وآخر مقام العارف قيل له بين من أين قلت ذلك قال نعم أما المستأنف فهو المبتدئ الذي يغلب على قلبه الذكر فيترك الزلل مخافة العقاب فكلما هاج ذكر الموت من قلبه ماتت الشهوات عنده وأما العارف فذكره للموت محبة له اختيارا على الحياة وتبرما بالدنيا التي قد سلا قلبه عنها شوقا إلى الله ولقائه رجاء أمل النظر إلى وجهه والنزول في جواره لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه كما قيل طال شوق الأبرار إلى الله والله إلى لقائهم أشوق قيل له فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف قال المستأنف إذا حل بقلبه ذكر الموت كرهه وتخير البقاء ليصلح الزاد ويرو الشعث ويهيء الجهاز للعرض والقدوم على الله ويكره أن يفاجئه الموت ولم يقض نهمته في التوبة والإجتهاد والتمحيص فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة وأما نعته في قلب العارف فإنه إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه صادقت منه موافق مراده وكره التخلف في دار العاصين وتخير سرعة انقضاء الأجل وقصر الأمل فقيرة إليه نفسه مشتاق إليه قلبه كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت قال حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة فسهل علي الموت حتى ألقاك قال وسئل الحارث عن قول أبي سليمان الداراني ما رجع من وصل لو وصلوا ما رجعوا فقال قول أبي سليمان يحتمل أجوبة كثيرة قيل اشرح منها شيئا قال يمكن أن يكون هذا من أبي سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور ويحترزوا من الإنقطاع ويجدوا في طلب الإتصال والقربة إلى الله عز وجل ويحتمل أن يكون أراد عاليا ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل ويحتمل ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور ويحتمل ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات فبات السائل تلك الليلة عند الحارث فلما أصبح قال الحارث رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال وهو يشير بيده ما رجع إلى الإنتقاص من وصل إلى الإخلاص قال وسئل الحارث فقيل له رحمك الله البلاء من الله للمؤمنين كيف سببه قال البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات وعلى العارفين من طريق الإختبارات فقيل له صف تفاوتهم فيما تعبدوا به قال أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط وأما المستأنفون فأقاموا لله بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومؤنة وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن الله عز وجل فيما قضى وعلموا أن الله عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار الله لهم قيل له فما معنى هذه الآية ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم أو لم يعلم قال بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون ولكن معنى قوله حتى نعلم حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفي بالمريدين لي وإن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي وما يكابد المكابدون في طلب رضائي أتراني أضيع لهم عملا أو أنسى لهم أثرا كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلي على المولين عني فكيف بالمقبلين إلي قيل رحمك الله ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية قال تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين الله والله تعال يراهم فحين أسقطوا عن قلوبهم الإختيار والتملك بإحتيال قوة ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر فشال عند ذلك صرعتهم وأقال عثرتهم وأحاطهم من دواعي الفتور ومن عارض خيانة الجزع وأدخلهم في سرادق حسن الإحاطة من ملمات العدو ونزغاته وتسويله وغروره فأسعفهم بمواد الصبر منه ومنحهم حسن المعرفة والتفويض ففوضوا أمورهم إليه وألجؤا إليه همومهم واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة وعظيم جسيم قدر الفائدة وزيادات قدر البصيرة وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم وخفى مرادهم ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت إليه في بواطن أوهامها وسر غيبها فعظم منهم حرص الطلب وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية وحسن بهاء البصيرة فاعتزوا بعزة الإعتماد على الله فقال له السائل حسبي رحمك الله فقد عرفتني مالم أكن أعرف وبصرتني مالم أكن أبصر وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم وفائدة الفهم وزيادات اليقين وثبتني في مقامي وزدتني في قدر رغبتي وروحتني من ضيق خاطري فأرشدك الله إلى سبيل النجاة ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولي حميد
أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتاب وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبدالله الحارث بن أسد يقول وسئل عن المراقبة لله وعن المراقب لربه فقال إن المراقبة تكون على ثلاث خلال على قدر عقل العاقلين ومعرفتهم بربهم يفترقون في ذلك فإحدى الثلاث الخوف من الله والخلة الثانية الحياء من الله والخلة الثالثة الحب لله فأما الخائف فمراقب بشدة حذر من الله تعالى وغلبة فزع وأما المستحيي من الله فمراقب بشدة انكسار وغلبة إخبات وأما المحب فمراقب بشدة سرور وغلبة نشاط وسخاء نفس مع إشفاق لا يفارقه ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر إطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم أن يراهم غافلين عن مراقبته والمراقبة ثلاث خلال في ثلاثة أحوال أولها التثبت بالحذر قبل العمل بما أوجب الله والترك لما نهى الله عنه مخافة الخطا فإذا تبين له الصواب بالمبادرة إلى العمل بما أوجب الله والترك لما نهى الله مخافة التفريط فإذا دخل في العمل فالتكميل للعمل مخافة التقصير فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطا فغير مراقب لمن يعمل له إذا كان لا يأمن من أن يعمل على غير ما أحب وأمر به ومن لم يبادر ويسارع إلى عمل ما يحب الله بعد ما تبين له الصواب فما راقب إذا بطأ عن العمل لمحبة من يراقبه إذ يراه متثبطا عن القيام بما أمر به ومن لم يجتهد في تكميل عمله فضعيف مقصر في مراقبة من يراقبه إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل وقد علم أن الله جل ثناؤه يحب تكميله وإحكامه وقال سبع خلال يكمل لها عمل المريد وحكمته حضور العقل ونفاد الفطنة وسعة العمل بغير غلط وقهر العقل للهوى وعظم الهم كيف يرضي الرب تعالى والتثبت قبل القول والعمل وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات وأقل المريدين غفلة أدومهم مراقبة مع تعظيم الرقيب والدليل على صدق المراقبة بإجلال الرقيب شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعي الهوى والتثبت بالنظر بنور العلم والتمييز بين الطاعة وما شابهها من الآفات وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة في عين المليك المطلع وشدة الفزع مما يكره خوف المقت والدليل على قوة الخوف شدة الإشفاق مما مضى من السيئات أن لا تغفر وما تقدم من الإحسان أن لا يقبل ودوام الحذر فيما يستقبل أن لا يسلم وعظم الهم من عظيم الرغبة وعظيم الرغبة من كبر المعرفة بعظيم قدر المرغوب فيه وإليه وسمو الهمة يخفف التعب والنصب ويهون الشدائد في طلب الرضوان ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه الهم والنشاط بالدوب دائم والسرور بالمناجاة هائج والصبر زمام النفس عن المهالك وإمساك لها على النجاة فاليقين راحة للقلوب من هموم الدنيا وكاسب لمنافع الدين كلها وحسن الأدب زين للعالم وستر للجاهل من قصر أمله حذر الموت ومن حذر الموت خاف الفوت ومن خاف الفوت قطع الشوق ومن قطع الشوق بادر قبل زوال إمكان الظفر فاجعل التيقظ واعظك والتثبت وكيلك والحذر منبهك والمعرفة دليلك والعلم قائدك والصبر زمامك والفزع إلى الله عز وجل عونك ومن لم توسعه الدنيا غنى ولا رفعة أهلها شرفا ولا الفقر فيها صفة فقد ارتفعت همته وعزفت عن الدنيا نفسه من كانت نعمته السلامة من الآثام ورغب إلى الله في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه وينفعه في آخرته وذكر اطلاع الله إليه ومثل عظيم هول المطلع وأشفق مما يأتي به الخير فقد صدق الله في معاملته وحقق استعمال ما عرفه ربه ومن قدم العزم لله على العمل بمحبته ووفاء لله بعزمه وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن فقد حقق ما علم وراقب الله في أحواله كهف المريد وحرزه التقوى والإستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض وسور النوازل والحذر يورثه النجاة والسلامة والصبر يورثه الرغبة والرهبة وذكر كثرة سوالف الذنوب يورثه شدة الغم وطول الحزن وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض في الطاعات تورثه شدة الإشفاق من رد الإحسان