İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
130 151 » 129 « متى أعطاك أشهدك برّه » ومتى منعك أشهدك قهره » فهو في كل ذلك متعرف إليك » ومقبل بوجود لطفه عليك . ْ المطلوب من العباد أن يعرفوا مولاهم بما هو عليه من الصفات العلية والأسماء الحسنى . ولا سبيل لهم إلى معرفته إِلّا بتعرّفه لهم » وتعرّفه لهم إنما يكون : بما ينزله بهم من النوازل » ويورده عليهم من الأحكام . ثم هو على قسمين : ما وافق الهوى والطمع » ويسمى ذلك « عطاء ومنحا » وما خالفهما » ويسمى « منعا » . فبوجود العطاء تشهد صفاته « البريّة » من : الجود » والكرم » والإحسان » واللطف . والعطف » وغير ذلك . وبوجود المنع تشهد صفاته « القهرية » من : الحبر + والكبرياء ء والعزّة + والاستكناء فينبغي لك أيها العبد أن لا تففّق بينهما إن أردت معرفة ربك ولم يستغرقك حب حظك . نسدد بك عل على التحد نر فى قنذا الدالك الت لك را ب 2 9 وهذا هو بيان ما تقدّم من قوله : « متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء . . > وال أعلم . قال سفيان الثوري » رضي الله عنه : « أتيت أبا حبيب البدريّ أسلم عليه » ولم أكن رأيته » فقال ل : أنت سفيان الثوري الذي يقال ؟ قال : فقلت نعم » فنسأل الله عر وجل بركة ما يقال . فقال لي : يا سفيان » ما رأينا خيرا قط إِلّا من ربنا . قلت : أجل . قال : فما لنا نكره لقاء من لم نر حبرا اليه ]ا ثم قال : يا سفيان منع الله إِيَّاك عطاء منه لك ؛ وذلك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم » وإنما منعه نظر منه واختبار يا سفيان إنّ فيك لأنسا » ومعك شغلا . ثم أقبل على غيمته وتركني . إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه . إذا كان منع الله سبحانه وتعالى وعطاؤه نعمتين عظيمتين » كما ذكرناه الآن » فينبغي أن يكون في كلتيهما قرّة عين المريد ؛ فإن تألّم بأحدهما وهو المنع وتلذذ بالآخر وهو 1562 » 130 « العطاء » فذلك لعدم فهمه وقصور علمه . وإنما الأكمل والأفضل له أن يألم بالعطاء ويلذْ بالمنع كما قال إبراهيم الخؤاص رضي الله عنه : لا يصح الفقر للفقير حتى يكون فيه خصلتان : إحداهما : الثقة بالله تعالى . والأخرى : الشكر لله فيما روى غنة هما ابقل ابه غير ه من الذنيا 8 يكمل الفقير الكقى ايكون نظر الله له في المنع أفضل من نظره له في العطاء . وعلامة صدقه في ذلك : أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء ولا يعرفه غير باريه الذي خصه بمعرفته وأياديه » فهو لا يرى سوى مليكه » ولا يملك إِلّا ما كان من تمليكه » وكلّ شيء له تابع » وكلّ له خاضع » ١ ه . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول » وربما قضى عليك بالذنب فكان سببا في الوصول فمعصية أورثت ذلا و افتقارا خير من طاعة أورثت نت عزا واستكبارا ). ينبغي أن لا ينظر العبد إلى صور الأشياء » ولينظر إلى حقائقها » فصور الطاعات لا تقتنضي لحرو اك لياه » لما قد تضمنه من الآفات القادحة في الإخلاص فيها » وذلك مانع من وجود القبول لها » ووجود صورة الذنب ألا تقتضي الإبعاد والطرد » بل ربّما يكون ذلك سببا في وصوله إلى ربّه » وحصوله في حضرة قربه ١ كما قيل : « رب ذنب أدخل صاحبه الجنة » .
وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » أنه قال : « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم » « 1 » . وذلك أنه يصحبه عند عمله بالطاعة أن يعجب بها ويعتمد عليها ويتكبر بفعلها . ويصحبه عند وقوعه في الذنب اللجاء إلى الله تعالى والاعتذار إليه منه » واستصغار نفسه وتعظيم من لم يفعله ؛ قال أبو حازم + رضي الله عنه : « إن العيد ليعمل الحسنة تسيره حين يعملها » وما خلق الله له مر ل وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها » وما خلق الله له من حسنة أنفع له منها ؛ وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة تسرّه » فيمتنٌ بها . ويرى أن له فضلا على غيره . ولعل الله أن يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا » وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها ٠ ولعل الله أن يحدث له بها وجلا حتى يلقى الله تعالى » وإن خوفها في جوفه لباق » . ثم بين المؤلف رحمه الله هذا المعنى بقوله : (1 ) أخرجه مسلم ( توبة » 11 ) ٠» وأحمد بن حنبل ( 2 ٠ 309 ) . 153 154 » 131 « الذل والافتقار من صفات العبودبة ؛ والعرٌ والاستكبار مناقضان لهما ء لأنهما من صفات الربوبية . ولا خير في الطاعة إذا لزم عنها شيء مما يناقض صفات العبودية » لأنها تحبطها وتبطلها » كما لا مبالاة بالمعصية إذا لزمتها صفات العبودية » لأنها أيضا تمحوها وتزيلها . قال سيدي أبو مدين رضي الله عنه : « انكسار العاصي خير من صولة المطيع » . وكان سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه كثير الرجاء لعباد الله » الغالب عليه شهود وسع الرحمة » وكان يكرم الناس على قدر رتبتهم عند الله تعالى حتى أنه ربّما دخل عليه مطيع فلا يعبأ به » وربما دخل عليه عاص فأكرمه . لأن ذلك الطائع أتى وهو متكبر بعمله ناظر لفعله » وذلك العاصي دخل عليه بكثرة معاصيه وذلة مخالفته . وقد تقدّم مثل هذا عند قوله : « لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن باللّه تعالى » فمن هذا المعنى ما روى عن « أبان بن عياش » أنه قال : « خرجت يوما من عند أنس بن مالك رضي الله عنهما بالبصرة » فرأيت جنازة يحملها أربعة من الزنج ولم يكن معهم رجل آخر », فقلت : سبحان الله بسوق البصرة وجنازة مسلم لا يشيعها أحد ! ! فلأكوننٌ خامسهم . فمضيت معهم » فلما وضعوها بالمصلى قالوا لي : تقدّم . فقلت : أنتم أولى به » فقالوا : كلنا سواء » فتقدمت » فصليت عليه » وقلت لهم : ما القصّة ؟ فقالوا : اكترتنا « 1 » تلك المرأة » . قال : فقعدت حتى دفنوه . فلما كان بعد ساعة انصرفت تلك المرأة وهي تضحك ؛ فدخل قلبي شيء » فقلت لا ينجيك إِلّا الصدق ٠ أخبريني ما القصة ؟
فقالت : إن هذا ابني ما ترك شيئا من المعاصي إلا فعله فمرض منذ ثلاثة أيام فقال : يا أَمّاه » إذا مث فلا تخبري بوفاتي جيراني » فإنهم لا يحضرون جنازتي ويشمتون بموتي » واكتبي على خاتمي هذا « لا إله إلا الله ء محمد رسول الله » واجعليه على كفني فلعل الله يرحمني به رخدي رجلك على حذي وقولي 00 الست بلسان فصيح : انصرفي يا أمَّاهِ » فقد قدمت على ربّ كريم رحيم » غير غضبان علي » فإنما ومن المعنى الآخر ما روى أن رجلا من بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطىء على رفنة ره ساخة »تقال له العالد ؛ ارقم ؛ قر الله لا يخير اله لك ؛ فأوحي الله (1 ) اكترتنا : استأجرتنا . 155 156 « 132 » عزّ وجل إليه : أيها المتألي علي » بل أنت لا يغفر الله لك ! ! . قال الحارث المحاسبي » رضي الله عنه : لأنه إنما تألى على الله عرّ وجل أن لا يغفر الله له لعظم قدر نفسه عنده » وأن الإساءة إليه عند الله ع وجل عظيمة لا يغفرها الله تعالى لموضع عبادته وسجوده », لأنه عد نفسه عظيم القدر عند الله عز وجل فجمع بين عجب وكبر واغترار بالله عز رجحل . ومن المعنيين جميعا ما روى أن عيسى عليه الصلاة والسلام خرج ومعه صالح من صالحي بني وتعالى وقال : اللهمّ اغفر لي . / عليه الصلاة والسلام إني قد استجبت دعاءهما جميعا : رددت ذلك الصالح » وغفرت لذلك وروي عن الشعبي « 1 » » وروي أيضا عن الخليل بن أيوب : أنْ رجلا كان في بني إسرائيل يقال له « خليع « 2 » بني إسرائيل » لكثرة فساده » مرّ برجل آخر من بني إسرائيل يقال له « عابد بني إسرائيل » وعلى رأس العابد غمامة تظله » فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله عر وجل أن يرحمني به فجلس إليه . فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل يجلس إليّ ! ! فأنف منه وقال : قم عني فأوحى الله عز وجل إلى نبيّ ذلك الزمن مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد . وفي حديث آخر فتحوّلت الغمامة على رأس الخليع . قال الحارث المحاسبي : « وإنما أراد الله عر وجل من عباده قلوبهم لتكون جوارحهم تبعا لقلوبهم » فإذا تكبّر العالم أو العابد » وأنف وتواضع الجاهل أو العاصي وذلَ هيبة لله عر وجل وفرقا منه فهو أطوع لله عر وجل من العابد أو العالم بقلبه » . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( نعمتان ما خرج موجود منهماء و لا بد لكل مكون منهما نعمة الإيجاد و نعمة الإمداد, أنعم عليك أولا بالإيجادء و ثانيا بتوالي الإمدادء ففاقتك لك ذاتية» و ورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منهاء و الفاقة الذاتية لا ترفعها العوارضء فخير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك. و ترد فيه إلى وجود ذاتك ). (1 ) الشعبي ( 19 ٠ 103 ه - 640 - 721 م ) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو »ء راوية من التابعين » يضرب المثل بحفظه » ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة . اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم » وكان ضئيلا نحيفا . استقضاء عمر بن عبد العزيز » وكان فقيها شاعرا . ( الأعلام 3 / 251 » وحلية الأولياء 4 / 0 » ووفيات الأعيان 3 / 12 ٠ 15 » وتهذيب الكمال 9 / 349 ) .
157 158 » 133 « نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد نعمتان لازمتان لكل مكوّن موجود » لأنه في ذاته معدوم متلاش » فنعمة الإيجاد أزالت العدم السابق » ولولا ذلك لم يزل معدوما » ونعمة الإمداد أزالت العدم اللاحق . ولولا ذلك لتالاشى وفنى . قال سيدي أبو مدين : « الحق تعالى ممد ؛ والوجود مستمد » والمادة من عين الوجود فلو انقطعت المادة انهدم الوجود » وهذا توطئة لما يريد بيانه من الفقر الذاتي للعبد . أنعم عليك أولا بالإيجاد » وثانيا بتوالي الإمداد . هذا أحد جزيئات الكليّة المتقدمة » وهو جودك ودوام وجودك » ومما لا ينبغي أن يتغافل عنه من نوات هذا لجنس تع حا ايسان ومحدة الطاعة فى اقليك ١ وام ان فنا ؛ وكذلك قر اهة لكر والمعصية » فإن ذلك من النعم العظيمة التي لا مدخل للعبد فيها ولا له وسيلة إليها » ولولا توالى الله تعالى له بتينك النعمتين في القسمين لتاه في ظلمات الضلالات وغرق في بحار الجهالات . قال عر من كل ولكن لحب يكم الإيمان وريد في لُوبكُم وكوة ليم لكر والشنوق وَالْعِصيانَ أَوليِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » فضْلا مِنَ الله وَنِعْمَةَ [ الحجرات 77 ]. قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : « إن من فكر في صنوف الضلال » وكثرة طرق المحال ٠ وشدّة أغاليط الناس في البدع والأهواء » وما يتشعب بكل قوم مختلفي النحل والآراء » ثمّ فكر في ضعفه ونقصان عقله وكثرة تحيره في الأمور وشدة جهله » وتناقض تدبيره في أحواله » وشدّة حاجته إلى الاستعانة بأشكاله في أعماله » ثم رأى خالص يقينه . وقوة استبصاره في دينه ونقاء وجه توجيده عن غبرة الشرك » وصفاء عين عرفانه عن رهج « 1 » الشرك . علم أنّ ذلك ليس من طاقته » ولا بجهده وكده وسعيه وجده » بل بفضل ربه » وسابغ طوله « 2 » » قال الله تعالى ذكره :وَأَسْبَعٌ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَبِاطِنَةَ[َ لقمان : 20 ] فهو الظاهر بنعمائه وآثار نعمه عليك متظاهرة » والباطن بآلائه وزوائد كرمه لديك متواترة » اه . فعلى العبد أن يعرف قدر هذه النعمة ويتوكل على مولاه في بقائها وحفظها عليه » ولا يعتمد في ذلك على عقله وعلمه . (1 ) أرهج : آثار الفتنة . (2 ) الطّول : انحن و القططاء قداو القارة” 159 » 134 « قال بعض العارفين : « من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار » . وعن ذي النون المصري رضي الله عنه » ما هو قريب من هذا : « من كان في توحيده ناظرا إلى نفسه لم ينجه توحيده من النار حتى يكون نظره إليه في توحيده إيّاه عز وجل » فهذا هو شكر هذه النعمة العظيمة » . قال الشيخ أبو طالب المكيّ » بعد أن ذكر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : » أحيّوا الله لما أسدى إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا » » 1 > فمن افضل ما خدانا به نعدة الإيمان به والمعرفة له » وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال ؛ إذ هو أصل الأعمال التى هى مكان النوال » فلو قلّب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب » ولو قلّب قلوبنا في الشك والضلال » كما يقلب نياتنا في الأعمال أيّ شيء كنا نصنع ؟ وعلى أي شيء كنا نعوّل ؟ وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو ؟ فهذا من أعظم النعم ومعرفته هو شكر نعمة الإيمان » والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة . وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان .
وأخاف على من توقم ذلك أن يسلب الإيمان » لأنه بدّل شكر نعمة الله كفرا » انتهى كلام الشيخ أبي طالب » وهو حسن في هذا المعنى . فاقتك لك ذاتية » وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض . إذا ثبت أن نعمتي الايجاد » والإمداد لازمتان لك وأنك في ذاتك عدم لولاهما » فالفاقة إذن ذاتية وإنما أورد عليك الأسباب التي تضادٌّ وجودك أو بقاء وجودك ليذكرك بذلك ما خفي عليك من وجود الفاقة الذاتية لك والاضطرار اللازم لوجودك . فتلازم مركزك وتقوم بحقٌّ عبوديتك ولا تجاوز حدك وطورك . قال بعضهم : « إنما حمل فرعون على قوله : ( أنا ربكم الأعلى ) طول العافية والغنى ؛ لبث أربعماتة سنة لم يتصدح رأسه ولا حد جسده ولم يضرب عليه عرق + فادّعى الربوبية » ولو أخذته الشقيقة « 2 » ساعة واحدة ء أو المليلة « 3 » كلّ يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية » . (1 ) أخرجه الترمذي ( مناقب » 31 ) . (2 ) الشقيقة : ألم يأخذ في نصف الرأس والوجه . ( 3 ) الملال : فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيء » فيوجب الكلال والإعراض عنه . 110 » 135 « قال في لطائف المنن : « الاضطرار تعطيه حقيقة العبد » إذ هو ممكن » وكل ممكن مضطر إلى ممد يمدّه ومدد يمده » وكما أن الحق سبحانه هو الغنى أبدا فالعبد مضطر إليه أبدا » ولا يزايل العبد هذا الاضطرار لا في الدنيا ولا في الآخرة . ولو دخل في الجنّة فهو محتاج إلى الله تعالى فيها » غير أنه غمس اضطراره في المنة التي أفرغت عليه ملابسها » وهذا هو حكم الحقائق » إذ لا يختلف حكمها لا في الغيب » ولا في الشهادة » ولا في الدنيا ؛ ولا في الآخرة ؛ فالعلم صفته الكشف , أيّ علم كان » في أيّ وقت كان » والإرادة صفتها التخصيص . , أيّ إرادة كانت » في أي وقت كانت . ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره وقد عاتب الله أقواما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار » فلما زالت زال اضطرارهم . قال سبحانه :وَإذا مَسَّكُمُ اضر ف في الْبَخْرٍ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إَِاهُ . . [ الإسراء : 67 ] الآية ؛ وقال :قل مَنْ يُنَجّيكُمْ مِنْ ظُلُماتٍ الْبَرَ وَالَبَحْرِ . . [ الأنعام : 63 ] الآيتين . إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى . ولمّا لم تصل عقول العوام إلى ما تعطيه حقائق وجوداتهم سلّط الحق عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار ليعرفوا قهر ربوبيته وعظمة إلهيته » . خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك » وترد فيه إلى وجود ذلتك . إنما كان ذلك خير الأوقات لوجود حضورك فيها مع ربّك » وانقطاع نظرك عن الوسائط والأسباب الموجبة لبعدك وحجبك ؛ فهى لا محالة خير أوقاتك » وهى مواسمك وأعيادك حسبما يدنه اسراف حة اك بع لاا ْ حكي عن عطاء السلمي » رضي الله تعالى عنه » أنه بقي سبعة أيام لم يذق شيئا من الطعام ولم يقدر على شيء فسرٌ قلبه بذلك غاية السرور ء فقال : « يا رب إن لم تطعمني ثلاثة أيام أخر لأصلَّينَ لك ألف ركعة » . وقيل : « إن فتحا الموصلي » رضي الله تعالى عنه » رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجا ولا حطبا » فأخذ يحمد الله تعالى ويتضرّع إليه ويقول : « إلهي لأيَ سبب وبأيّ وسيلة واستحقاق عاملتني بما عاملت به أولياءك » . وقال بشر الحافي رضي الله تعالى عنه : « بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت ؛» فقيل له : ألا تطلب من يكسوها ؟
فقال : لا أكسوها حتى يرى الله عريها وصبري عليها » قال : وإذا كان ليالي الشتاء جمع عياله ومال بكسائه عليهم ثم قال : اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي » وجوّعتني وجوّعت عيالي ٠ وأعريتني وأعريت عيالي » بأيّ وسيلة توسلت إليك وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك » فهل أنا منهم حتى أفرح ؟ » . 111 » 136 « وقيل : إن الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه بكى في ليلة قرّة « 1 » ثم قال : إلهي أجعتني وأجعت عيالي » وأعريتني وأعريت عيالي » وأقعدتني وأقعدت عيالي في بيت ليس فيه مصباح » وقديما تفعل هذا بأوليائك وأهل طاعتك , إلهي » فبأيّ عمل أستحق هذا منك حتى أداوم لك عليه » . وقيل للربيع بن خيثم « 2 » » رضي الله تعالى عنه : قد غلا السعر ! ! فقال : نحن أهون على الله من أن يجيعنا » إنما يجيع أولياءه . 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الانس به » و متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك, و العارف لا يزول اضطراره و لا يكون مع غير الله قراره ). فتح باب الأنس باللّه تعالى هو : الاستيحاش من الناس ٠ ولذلك قيل : « الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس » . فإذا فتح لك هذا الباب استوحشت من الأغيار كلّها » وتحققت في أنسك بربك » ومعنى الوحشة هنا أن تشمتز بقلبك منهم » وتنقبض عنهم بسرّك », ولا يكون للأشياء وقع عندك , ولا تجد فيها مقنعا لك » كما جاء عن أبي يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه حين اطلع على أنواع من العجائب » ووجه بسني الرغائب » وكشف له عن الملكوت الأعلى » فقيل له : هل استحسنت منها فقال : لم أر شيئا أستحسنه ! ! فقيل له : أنت عبد الله حقا . فإذا كان العبد على هذا الوصف كان ذلك علامة على تحققه بمقام الأنس ٠» ونزوله في حضرة القدس » وسيأتي هذا المعنى في قوله في مناجاته : ( أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ) . متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك . إطلاق اللسان بالطلب هو أن يحل عنه عقدة الصمت الذي أوجبه الاستغناء بالأغيار » وعدم رؤية الفاقة والافتقار + فإذا حل عنه هذه العقدة بشهود فقره وفاقته + و أظلق لسانه بالطلب ؛ كان إذ ذاك داغيا بلسان الاخطرار ؛ وكان مواب الذعرة لصدق الو عد باحاية ذعوة النخطر + و هالا يخلف الميعاد » وأنشدوا :لو لم ترد نيل ما أرجوه من طلب من فيض جودك ما ألهمتني الطلبا (1 ) ليلة مرة : باردة . (2 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 6 / 130 . 102 « 137 » وفي الحديث عن عبد الله بن عمر « 1 » ٠ رضي الله تعالى عنهما » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أذن له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الرحمة » وما يسأل الله شيئا قط أحبّ إليه من أن يسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة » « 42 وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة » . ذلك ما فتح له باب الدعاء » .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أحب الله عبدا صب عليه البلاء صبًا » وسخه « 3 » عليه سحا » فإذا دعا قالت الملائكة : اصوت معروف وقال جبريل : يا رب عبدك فلان اقض حاجته » فيقول الله : دعوا عبدي » فإني أحبّ أن أسمع صوته ء فإذا قال : يا رب » قال الله تعالى : لبيك عبدي وسعديك » لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك . ولا تسألني شيئا إلا أعطيتك . إما أن أعجّل لك ما سألت . وإما أن أدخر لك عندي أفضل منه » وإما أن أدفع عنك به من البلاء ما هو أعظم من ذلك » « 4 » . العارف لا يزول اضطراره ولا يكون مع غير الله قراره . معرفة العارفين هي معرفتهم بأنفسهم » وبما هي عليه من الفاقة والافتقار إلى العزيز الجبّار » وبقدر ما يتحققون بذلك من أنفسهم تكون معرفتهم بالله عز وجل كما جاء في الخبر : « من عرف نفسه عرف ربّه » فلذلك كان العارف لا يفارقه الاضطرار . قال سيدي أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى :أَمّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَّرَ إذا دَعاه[ النحل : 62 ] « الوليّ لا يزال مضطرا » . (1 ) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي ( 10 ق ه - 73 ه - 613 - 692 م ) أبو عبد الرحمن » صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية » كان جريئا جهيرا » نشأ في الإسلام , وهاجر إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة ومولده ووفاته فيها » أفتى الناس في الإسلام ستين سنة » ولما قتل عثمان عرضت عليه الخلافة فأبى » وغزا أفريقية مرتين » وكف بصره في آخر حياته » وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة . له في كتب الحديث ( 2630 حديثا ) . ( الأعلام 4 / 108 » وحلية الأولياء 1 / 292 » وتهذيب الكمال 10 / 356 » ووفيات الأعيان 3 -31). (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( ١3 127 ) . (3 )سح الماء : صبه صبا متتابعا كثيرا . ( 4 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 1 / 340 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 8» 9 / 144 » 10 / 273 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 6811 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 308 ) . 13 » 138 « قال الأستاذ تاج الدين بن عطاء » قدّس الله سرّه : « معنى كلام الشيخ هذا أن العامة اضطرارهم بمثيرات الأسباب » فإذا زالت زال اضطرارهم ٠ وذلك لغلبة دائرة الحم على مشهدهم ؛ فلو شهدوا قبضة الله تعالى الشاملة المحيطة لعلموا أن اضطرارهم إلى الله تعالى دائم » وإنما لم يكن له مع غير الله قرار لوجود وحشته من الأشياء ونفوره بقلبه عنها » كما تقدّم » وكأنه د رحمة انه - قصد بهذا أن يعلمك أن ما تقدم له من الاستيحاش من الخلق وانطلاق اللسان بالطلب من الحق نعتان من نعوت العارفين . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنار الظواهر بأنوار آثاره » وأنار السرائر بأنوار أوصافه . . لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر . ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ء ولذلك قيل : إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس تغيب ) أنزار الكو اهر الى بها أنار ها انكو اتعات ل 7ف الكذر كاف (٠: اكقتانات ) رالحرقات التى انتصق يها ظافر اليد .
ا وأنوار السرائر التي بها أنارها الحق تعالى » هي : المعارف » والعلوم » ولطائف الإدراكات والفهوم التي اشتمل عليها باطنه وسرّه » فأنوار الظواهر متعلقة بأنوار الآثار الحادثات » وأنوارها معانيها ولطائفها المستكنة فيها . وأنوار السرائر متعلقة بأنوار الصفات الأزليات » ولأجل اختلاف التعلقين في الحدوث والقدم » والخنى والفقر » و الفتاء و البقاءء كان ما ذكره المؤلف رحمه الله من أفول أنوار منا تعاق بالحادث الفاني وعدم أفول أنوار ما تعلق بالقديم الباقي . ثم أنشد المؤلف البيت المذكور مستشهدا به على ما ذكره » ومعناه بيّن ؛ وقبله : طلعت شمس من أحث يليل فاستضنباءت » فما لها من غروب وفي هذا تنبيه على أن الأمور الباقية هي التي ينبغي أن يغتبط بها ويفرح بحصولها » ويعتني بتربيتها » ومراعاة حالها بخلاف الأمور الفانية الآفلة » وحينئذ يكون العبد على ملّة إبراهيم عليه السلام حيث قال “لا أَحِبُ الْآفِلِينَ [ الأنعام 67 ]. ويروى أن رجلا سأل سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه » عن : القوت » فقال هو الحيّ الذي لا يموت . فقال : إنما سألتك عن القوام ! ! فقال : القوام هو العلم » فقال : إنما سالتك عن الغذاء 1 فقال : الغذاء هو الذكر » فقال : إنما سألتك عن طعم الجسد ! ! فقال : مالك وللجسد » دع من تولاه ألا يثو لاه آخرا ؛ [ذا دحلث عليه غلة ذرذه إلى ضائعه ؛ أما رايت الصنعة إذا غييت ركنا إلى صانعها حتى يصلحها ؟ وفي معناه أنشدوا :كمّل حقيقتك التي لم تكمل والجسم دعه في الحضيض الأسفل « 1 » 105 » 139 « أتكمّل الفاني وتترك باقيا هملا » وأنت بأمره لم تحفل فالجسم للنفس النفيسة آلة ما لم تحصله بها لم يحمصل يفنى » وتبقى دائما فى غبطة أو شقوة وندامة لا تنجلى أ خطيت كدييك ادها فحديذه +54 انملك المتخول رق الا شرك كثيف أنت في أحباله ما دام يمكنك الخلاص فعجّل من يستطع بلوغ أعلى منزل ما باله يرضى بأدنى منزل ! وقيل في هذا المعنى أيضا : يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته وتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ليخفف ألم البلاء عليك علمك بأنه سبحانه هو المبلى لك . فالذي واجهتك منه الأقدار . هو الذي عودك حسن الاختيار » فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار» و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره ). إذا علم العبد أن الله تعالى رحيم به » ومتعطف عليه » وناظر إليه » فكل ما يورده عليه من أنواع البلايا والرزايا « 1 » ينبغي له أن لا يكترث بذلك ٠ ولا يباليه فإنه لم يتعوّد منه إلا خيرا له » فليحسن به ظنه » وليعتقد أن ذلك اختيار له » وأنّ له في ذلك مصالح خفيّة لا يعلمها إلا هو كما قال تعالى :وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شِيْئاً وَهُوَ خَيْرْ لَُمْ [ البقرة : 216 ] . قال أبو طالب المكّي في هذه الآية : « فالعبد يكره العيلة والفقر والخمول والضرّ وهو خير له في الآخرة » وقد يحب الغنى والعافية والشهرة وهو شرّ له عند الله تعالى وأسوأ عاقبة . وفي معنى ذلك قوله تعالى :وَأَسْبَعٌ عَلَيْكُمْ ِعَمَهُ ظاهِرَةً وَبِاطِنَةَ [ لقمان : 20]. قيل : ظاهرة : العوافي » وباطنة : البلايا ؛ لأنها نعمة في الآخرة .
فإذن كل ما يصيب المؤمن فهو نعمة كائنا ما كان » فله الحمد على نعمه » قال في « التنوير » : 2 إنما يقوّيهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره » وأنشد فيه لنفسه بقوله ٠ وخفّف عني ما إلاقي من العنا بأنك أنت المبتلى والمقدّر ومالا مرىء عما قضى الله معدل وليس له منه الذي يتخيّر وكان الأستاذ أبو عليّ الدقاق » رضي الله عنه » يقول : « جربت مرّة وكنت في صورة وحشة من ذلك » فدخلت الحمّام ففتح على قلبي بشيء من الرضا فكنت ألثم كلّ واحدة من تلك القروح فخرجت ولم يبق منها أثر » . (1 ) الرزايا : ( ج ) رزية : المصيبة . 116 157 » 140 « وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقّاق يقول في آخر عمره » وقد اشتدّت به العلّة : « من أمارات التأييد حفظ التوحيد في أوقات الحكم » » ثم قال كالمفسّر لقوله مشيرا إلى ما كان فيه من حاله « هو أن يقرضك بمقاريض القدرة في إمضاء الأحكام قطعة قطعة وأنت ساكن خامد » . وقال الجنيد » رضي الله عنه : « كنت نائما عند سري السقطي » رضي الله عنه فنبّهني وقال لي : يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يديه فقال : يا سرّي خلقت الخلق فكلّهم ادّعوا محبّتي » فخلقت العشر » وبقي معي عشر العشر » وخلقت النار فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فسلطت عليهم ذرّة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر عشر العشر »ء فقلت للباقين معي : لا الدنيا قالوا : إِننك تعلم ما نريد . فقلت لهم : إني أسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال . من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره . قصور النظر في عدم رؤية اللطف في القدر إنما هو من ضعف اليقين وقلّة حسن الظنّ بالمقدّر الحكيم » ولو كمل نظر العبد وقوى بصره لرأى في ذلك من الفوائد والمصالح ما لا يحصى وما غاب عنه أكثر » ولكان كما روى بعض الصالحين والعارفين أنه قال : « لقد مرضت مرضة فأحببت أن لا تزول » » وكان عمران بن الحصين « 2 » رضي الله عنه قد استسقى « 3 » ببطنه » فلبث ملقى على ظهره سطيحا ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد , قد نقب له على سرير من جريد « 4 » » وكان تحته نقب لغائطه وبوله » فدخل عليه مطرف أو أخوه « العلاء بن الشخير » فجعل يبكي لما رأى من حاله . فقال له : لم تبكي ؟ قال : : لأني أراك على هذه الحالة العظيمة . قال : لا تبك فإني أحبّ ما أحبه الله تعالى إليّ . ثم (1 )الرواسي : الجبال الشوامخ . (2 ) عمران بن الحصين بن عبيد ( توفي سنة 52 ه - 672 م ) أبو نجيد الخزاعي » من علماء الصحابة أسلم عام خيبر » وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة » وبعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم » وولاه زياد قضاءها » وتوفي بها » وهو ممن اعتزل حرب صفين . له في كتب الحديث ( 130 حديثا ) . ( الأعلام 5 / 70 » وتذكرة الحفاظ 1 / 28 » وتهذيب الكمال 14 / 381 ) . ( 3 ) سقي بطنه : اجتمع في تجويفه البريتوني سائل مصلي لا يكاد يبرأ منه . ( 4 ) الجريدة : من النخل كالقضيب من الشجرة وهي السعفة نزع عنها خوصها . 108 » 141 « قال : أحدّئك بشيء لعل الله تعالى ينفعك به واكتم عليّ حتى أموت : إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلّم علي فأسمع تسليمها .
وقال بعضهم : دخلنا على « سويد بن شعبة » نعوده » فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف » فقالت له امرأته : أهلى فداؤك » ما نطعمك وما نسقيك ؟ فقال : لانت الضحدة تالحر فيان 1 » » وأصبحت نضوا « 2 » ما أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا . فذكر أياما » ثم قال : ما يسّرني أني نقصت من هذا قلامة « 3 » ظفر » . فهؤلاء شاهدوا في بلاياه عطاياه » وفي محنه مننه » وفي عنفه لطفه » فأوجب لهم ذلك من الرضا بما هم فيه والتنعم به والتلأذ ما حملهم على أن لا يحبّوا زوال ذلك عنهم ولا نقصانه . ووجوه الألطاف والمنن في البلايا لا تحصى » ولكنا نذكر منها هاهنا ما يزداد المريد به قوة . وحسن ظنّ بربه عز وجل » ويحمله ذلك على القيام بواجبها ؛ فنقول : البلايا التي يبتلي الله بها عباده مناقضة لإرادتهم ومنقّصة لشهواتهم وكل ما أزعج النفس ونقّصها وآلمها فهو محمود العاقبة من قبل أن ذلك راد له إلى الله تعالى وملازمة بابه بصدق اللجاء والافتقار » وهذا هو أعظم فوائد البلايا ويجد ذلك من نفسه كل من نزلت به بلية أو أصابته رزيّة ؛ وفيها أيضا ضعف النفس وذهاب قوتها وبطلان صفاتها ؛ إذ بوجود ذلك يقع العبد في الذنوب والمعاصي » وتتأكد منه الرغبة في الدنيا » والحرص على اتباع الهوى . وقد قيل : « لا يخلو المؤمن من علة أو عيلة » أو ذلّة أو قلّة » . وفي الخبر عن اللَّه تعالى : « الفقر سجني » والمرض قيدي أحبس بذلك من أحببت من عبادي » . وفيها أيضا تحصل له طاعات القلوب وأعمالها » وذرّة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح » وذلك مثل : الصبر » والرضا » والزهد » والتوكل » وحبّ لقاء الله تعالى . قيل لبعد الواحد بن زيد » رضي الله عنه : « هاهنا رجل قد تعبّد خمسين سنة فقصده فقال : أخبرني عنك » هل قنعت به ؟ قال : لا . قال : فهل أنست به ؟ قال : لا . قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال. : فإنما مزيدك منه الصلاة والصايم ؟ قال :. نعم . قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أن معاملتك له خمسين سنة مدخولة ! ! » . قال أبو طالب المكّي » رضي الله عنه : أراد بذلك أنه لم يرفعك بأعمالك إلى (1 ) الحراقيف ( ج ) حرقفة : عظم رأس الورك . دبرت : ذهبت وولدت بمعنى هنا تلاشت . (2 ) النضو : المهزول من الحيوان . (3 ) القلامة : ما قطع من طرف الظفر » وقلامة الظفر مثل في القلة والحقارة . 159 « 142 » مقامات المقرّبين فيوجدك مواجد العارفين فيكون مزيدك منه أعمال القلوب التي يستعمل بها كل محبوب مطلوب » لأن القناعة به حال الموقن » والأنس به مقام المحبّ » والرضا وصف المتوكل » أي : إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين فمزيدك منه مزيد العموم من أعمال الجوارح . وهذه إشارة إلى ما قلناه من أفضلية أعمال القلوب على أعمال الجوارح ء فمن وققه اله تعالى إلى منازلة هذه المقامات وتوفية حقوقها في البلايا النازلة به فقد حصل على كنوز البر . وذكر أبو إبراهيم إسحاق د بن إبراهيم التجيبي القرطبي المالكي » رحمه الله » في كتاب « النصائح » له : « أن عروة بن الزبير « 1 » » رضي الله عنه » امتحن بقرحة « 2 » في ساقه بلغت به إلى نشر عظم ساقه في الموضع الصحيح منها » فقال له الأطباء : ألا نسقيك مرقدا « 3 » فلا تحسّ بما نصنع بك ؟
فقال : لا » ولكن شأنكم بها . فنشرت الساق » ثم حموها بالنار » فما حرّك عضوا ء ولا أنكروا منه » حتى مسّته النار » فما راذا على أن قال ' وأصيب حينئذ ابنه محمد » وكان من أحبّ ولده إليه » فلما رأى القدم بيد بعضهم قال : أما إن الله تعالى يعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط . ثم قال : يا غلام » اغسلها وكقّنها وادفنها في مقبرة المسلمين . ثم جعل يقول : لئن أفنيت لقد أبقيت » ولئن ابتليت لقد عافيت » ولئن أخذت لطالما وذكر « ابن قتيبة » « 4 » في « عيون الأخبار » « 5 » له عن « المدائني » قال : « قدم رجل من (1 ) عروة بن الزبير ( 22 - 93 ه - 643 - 712 م ) بن العوام الأسدي القرشي أبو عبد الله وانتقل إلى البصرة » ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين » وعاد إلى المدينة فتوفي فيها . ( الأعلام 4 / 226 » وحلية الأولياء 2 / 176 » وتهذيب الكمال 13 / 7 » ووفيات الأعيان 3 / 5 ). ( 2 ) القرحة : الجرح المتقادم الذي فسد واجتمع فيه القيح ( ج ) قرح وقروح . مرقدا : شيء يشرب فينوم من سربه ويرقده . ( 4 ) ابن قتيبة ( 213 - 276 ه - 828 - 889 م ) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري » أبو محمد . من أئمة الأدب » ومن المصنفين المكثرين » ولد ببغداد وسكن الكوفة » ثم ولي قضاء الدينور مدة » فنسب إليها » وتوفي ببغداد . من كتبه « عيون الأخبار » و « الإمامة والسياسة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 137 » ووفيات الأعيان 3 / 42 - 44 ) . ال ار ل ل ل ا ل ل ف ل ار صنفه في الأدب والمحاضرات دالا على معالي الأمور مرشد الكريم الأخلاق » زاجرا عن الدناءة والقبح » باعثا على الصواب والتدبير ورفق السياسة . والكتاب لقاح عقول العلماء ونتائج أفكار الحكماء والمتخير من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف . 200 201 » 143 « « عبس » ضرير محطوم الوجه على الوليد » فسأله عن سبب ضرّه » فقال : بت ليلة في بطن وادي ولا أعلم على وجه الأرض « عبسيّا » يزيد ماله على مالي ؛ فطرقنا « 1 » سيل أذهب ما كان لي من مال وأهل وولد إلا صبيًّا رضيعا » وبعيرا صعبا ؛ فند « 2 » البعير والصبي معي » فوضعته » وأتبعت البعير لأحبسه » فما جاوزت إلا ورأس الولد في بطن الذئب قد أكله » فتركته » واتبعت البعير » فاستدار » فرمحني رمحة حطّم بها وجهي وأذهب عينيّ » فأصبحت لا ذا مال » ولا ذا أهل » ولا ذا ولد ء ولا ذا بدن . فقال الوليد : اذهبوا به إلى « عروة » ليعلم أنْ في الناس من هو أعظم بلاء منه » . وروي عن عبد الواحد بن زيد رضي الله تعالى عنه » أنه خرج مع بعض إخوانه إلى ناحية من نواحي البصرة » فأواهم السير إلى كهف جبل » فإذا فيه عبد مقطّع بالجذام « 3 » » ؛ بسيل جسده قيحا وصديدا » فقالوا له : يا هذا » لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الذي بك » فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا سيدي » بأيّ ذنب سلّطت علي هؤلاء ليسخطوني عليك ويكرّهونك إليّ » سيدي لك العتبى من ذلك الذنب » وأستغفرك منه ولا أعود فيه أبدا . قال : ثم أعرض عنًا بوجهه » فانصرفنا » وتركناه .
وروي عن بشر بن الحارث الحافي » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « رأيت ب « عبادان » رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه وهو مع ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله تعالى قال : وإذا هو قد صرع من جنة « 4 » به » قال : فوضعت رأسه في حجري « 5 » وجعلت فقال : من هذا الفضوليّ الذي يدخل بين وبين ربّي ويعترض عليه في نعمته علي ! ونحّى رأسه من حجري . . ٠ 1 قال بشر : فعاقدت الله تعالى أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من البلاء . وقد روى في بعض الأخبار : أن يونس وجبريل عليهما الصلاة والسلام التقيا » فقال يونس لجبريل : دلّني على أعبد أهل الأرض » فأتى به على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه . قال : وإذا هو يقول : « متعتني بهما حيث شئت » وسلبتنيهما حيث شئت » وأبقيت لي فيك الأمل يا برّيا وصول . فقال يونس : يا جبريل » إنما سألتك أن تريني صواما قوّاما ! قال : إن هذا كان قبل البلاء هكذا » وقد أمرت أن أسلبه بصره » فأشار إلى (1 ) الطارق : الآتي ليلا . (2 ) ند الجمل : نفر وشرد . ( 3 ) الجذام : علة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط . ( 4 ) الجنة : الجنون أي زوال العقل أو فساد فيه . ( 5 ) الحجر من الإنسان : حضنه وكنفه . 202 » 142 « ا ا ل 1ك بويا وصول . ش فقال جبريل : هلم تدعو وندعو معك أن يرد الله عليك يديك » ورجليك » وبصرك » فتعود إلى العبادة التي كنت فيها . فقال : ما أحبٌ ذلك . قال : ولم ؟ قال : إذا كانت محبّته في هذا فمحبّته أحبّ إليّ من ذلك . قال يونس : يا جبريل » واللّه ما رأيت أحدا أعبد من هذا . قال جبريل : يا يونس » إن هذا طريق ليس يتوصّل إلى رضاه بشيء أفضل منه » . وفي الخبر : « إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه » « 1 » . وفيها أيضا يحصل له كفارة الذنوب والخطايا » ويستوجب من الله جزيل الهبات والعطايا » ولا سبيل له إلى ذلك إِلَّا بما يرد عليه من أنواع البلايا ؛ لأن العبد قد يعجز عن القيام بوظائف الطاعات » ويتكاسل عن المواظبتة على نوافل « 2 » الخيرات » فيكون حينئذ محروما من ثوابها غير حاصل له تكفير سيئاته بها » وإن قدر عليها ولم يتكاسل عنها لم يأمن تخليصها من فليسحن العبد ظنه بمولاه » وليعلم أن ما اختاره له خير له مما يختاره لنفسه بشهواته وهواه . فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل الذي قال له : أوصني ٠» قال : « لا تنّهم الله في شيء قضاه عليك » « 3 » . وذكر مسلم « 4 » » رحمه الله » من حديث صهيب « 5 » » رضي الله عنه » قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كلّهِ خير » وليس ذلك لأحد إِلّا للمؤمن ؛ إن (1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 38 ٠ 524 ٠ 277 / 9 ١» 650 ) . والفتني في ( تذكرة الموضوعات 193 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 30793 ٠ 6771 (2 ) النوافل : ( ج ) نافلة : وهي ما زاد على النصيب أو الحق أو الفرض » والنافلة : الهبة . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 319 ) .
( 4 ) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ( 204 - 261 ه - 820 - 875 م ) أبو الحسين حافظ من أئمة المحدثين . ولد بنيسابور . ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق » وتوفي بظاهر نيسابور » أشهر كتبه « صحيح مسلم » و « المسند الكبير » وغيرهما . ( الأعلام 7 / 221 ٠» وتذكرة الحفاظ 2 / 150 » وتهذيب الكمال 18 / 68 » ووفيات الأعيان 5 / 14 - 196 ). (5 ) صهيب بن سنان بن مالك ( 32 ق ه - 38 ه - 592 - 659 م ) من بني النمر بن قاسط . صحابي » من أرمن العرب سهما » وله بأس ٠ وهو أحد السابقين إلى الإسلام » فلما أزمع المسلمون الهجرة إلى المدينة » كان صهيب قد ربح أموالا وفيرة من تجارته » فمنعه مشركو قريش لكنه تخلى عن هذا المال مقابل إخلاء سبيله » وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها . له ( 307 203 204 « 145 » أصابه خيرا له » وإن أصابه ضر فصبر كان خيرا له » «1 » . وذكر البخاريّ ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة » وأبي سعيد الخدري » رضي الله عنهما » أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب « 2 » ولا سقم ولا حزن حتى الهمَّ يهمّه إلّا كفر اللّه به من سيئاته » « 3 » . وذكر أيضا من حديث عبد الله بن مسعود » رضي الله عنهما » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إِلَّا حطّ الله تعالى عنه به سيئاته كما تحط الشجرة أوراقها » « 4 » . وذكر البخاري ومسلم من حديث عائشة » رضي الله عنها » قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتبت له درجة ومحيت عنه بها خطيئة » « 5 "نا . وذكر البخاري أيضا عن أبي هريرة » رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يرد الله به خيرا يصب منه » « 6 » . وفي حديث أنس بن مالك » رضي الله تعالى عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل المريض إذا برئ وصحّ من مرضه كمثل البردة « 7 » » تقع من السماء في صفائها ولونها » « 8 ». وروى عن عيسى عليه السلام » أنه قال : « لا يكون عالما من لا يفرح بدخول (1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 182٠177 ٠» 173 ٠» ) . (2 ) الوصب : الوجع والمرض أو التعب والفتور في البدن . النصب : التعب . (3 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 1 ) » ومسلم ( برَّء 52 ) » والترمذي ( جنائز » 1 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 24٠18 » 4٠23 » 335 » 303 ٠» » 38 » 48 81:61). أخرجه البخاري ( مرضى » 3 » 16 ) ٠» ومسلم ( برّء 45 ) » وابن ماجة ( أدب » 56 ) ٠ والدارمي ( رقاق » 57 ) ٠» وأحمد بن حنبل ( 1 ٠ 441 ١ 381 ٠ 455 ) .
(5 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 3 ) ومسلم ( بوّء 46 » 47 ١» 48 ) » والترمذي ( جنائز » 1 ) والموطأ ( عين » 6 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 441 » 3 ٠ 39 » 6 » 56 » 4 » 23 ٠» 42 ١ 27/8 ١» 257 ٠» 255 » 215 ٠» 203 ١» 185 ١17/5 2» 173 » 160 » ٠ 2/9 . ( 6 ) أخرجه البخاري ( علم » 10 ٠ ) 13 ٠ ( خمس » 7 ) » ( فضائل الصحابة » 5 ) ؛ ( مرضى » 1 ) ( اعتصام » 10 ) » ومسلم ( إمارة » 175 ) » والترمذي ( علم » 1 ) » ( قدر . 8) زهدء 57 ) » والنسائي ( بيعة » 33 ) » وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) » والموطأ ( قدر 85)ء(عين» /). (7 ) البردة : واحدة البرد : ما يتساقط من ماء الغمام متجمدا على شكل حبات كروية » ويسمى حب الغمام وحب المزن . 205 206 » 146 « المصائب والأمراض على جسده وماله » لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه » . وروى عن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أخبار كثيرة في الحمّى والعمى وغير ذلك . وروى البزّار من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه : « أنه دخل على رسول لله صلى اله عليه وسلم » فوضع يده عليه » وعليه حمّى » فوجد حرّها من فوق اللحاف ٠ فقال : ما أشدّها عليك يا رسول الله ! ! قال : « إِنَا كذلك يشتد علينا البلاء ليضاعف لنا الأجر » » قال : يا رسول الله : أيّ الناس أشدّ بلاء ؟ قال : « الأنبياء » ثم الصالحون : أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إِلّا عباءة يحويها » وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله » وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء » « 1 » . وقيل في معنى قوله تعالى :فِيهِ رجالٌ يُحِبُونَ أنْ يَتَطَهُرُوا وَاللَهُ يْحِبُ الْمُطْهّرِينَ[ التوبة : 108 ] أي : من الآثام والذنوب بالحمّى والأمراض » كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه للحمّى : « اذهبي إلى أهل قباء » « 2 » وقد روى في بعد الأخبار بدلا من أهل قباء « الأنصار » ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم « رأى يوما شخصا أسود ء فقال : من أنت ؟ فقالت : أم ملدم » آكل اللحم وأشرب الدم وحرّى من فيح جهنم : صورة الحمّى . فقال عليه السلام « اذهبي إلى الأنصار فإنَ لهم علينا حقوقا » فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير أحدا من الأنصار حضر الصلاة » فطلبهم » فقيل : أخذتهم الحمّى : فقال : فقوموا بنا نعودهم . وقال لهم : الحمى طهارة وكفارة . فقالوا : يا رسول اله » ادع الله حتى يزيدنا منها » « 3 » وذكر مسلم » رحمه الله » من حديث جابر رضي الله عنه » « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب [ أو أمّ المسيّب ] فقال : ما لك يا أمّ السائب [ أو يا أم المسيّب ] ترفرفين ؟ قالت : الحمّى » لا بارك الله فيها ! ! فقال : لا تسبّي الحمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد » « 4 » .
وذكر البخاري من حديث أنس بن مالك » رضي الله عنه » قال : سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : إن اللّه - عر وجل - قال : إذا ابتليت عبدي المؤمن بحبيبتيه » ثم أخرجه الترمذي ( زهد » 57 ) » والبخاري ( مرضى ؛ 3 ) » وابن ماجة ( فتن » 23 ) » والدارمي ( رقاق » 67 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 172 ١ 94 ٠ 3 » 185 ٠» 180 ٠ 174 ٠» 6 3269٠ ). (2 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 6 / 302 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 527 ) » وابن كثير في ( البداية والنهاية 6 / 183 ) . ( 3 ) أخرجه ابن كثير في ( البداية والنهاية 6 / 183 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( طب »؛ 18 ) . 207 « 147 » صبر » عوضئته منهما الجنة » « 1 » يريد : عينيه . كذا قال في آخر الحديث من قول أحد الرواة والحبيبتان » هما العينان » وهما الكريمتان أيضا . وروى أن أنس بن مالك » وأبا ظلال » رضي الله عنهما » كانا في بيت « ثابت البنانيّ » فقال أنس : يا أبا ظلال » متى فقدت بصرك ؟ قال : وأنا صبيّ لا أعقل . فقال : ألا أحدّثك حديثا بك وجل » « قال : يا جبريل » ما جزاء من سلبت كريمتيه . قال : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا قال : جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي » . ومن طريق هلال بن سويد » وهو أبو ظلال المذكور » أنه سمع أنسا » رضي الله عنه » يقول : « مر بنا ابن أم مكتوم » فسلّم » فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أحدّثكم بما حدّثني به جبريل عليه السلام عن هذا وأضرابه الذين ذهبت أبصارهم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حدّثني جبريل أن الله عزّ وجل يقول : حقّ عليّ : من أخذت كريمتيه ليس له جزاء إِلّا الجنة » « 2 ». وفي حديث بريدة « 3 » عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما أصيب عبد بعد دينه بأشدّ من ذهاب بصره » وما ذهب بصر عبد فصبر إلا لقي الله ولا حساب عليه » « 4 » . وذكر البخاريّ ومسلم » رحمهما الله تعالى » من حديث ابن عباس « 5 » » رضي الله عنهما . » أن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إنّي أصرع « 6 » » وإنّي انكشف » فادع اللّه لي . قال إن شنت حيرت ولك الحنة » وإن شنت دعوت انه أن (1 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 7 ) ٠ وأحمد بن حنبل ( 3 ٠ 144 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( زهد ء 58 ) ٠ وأحمد بن حنبل ( 5 » 258 ) . (3 ) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي ( توفي سنة 63 ه - 683 م ) من أكابر الصحابة » أسلم قبل بدر ؛ ولم يشهدها ء وشهد خيبر وفتح مكة » واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه » وسكن المدينة » وانتقل إلى البصرة ثم إلى مرو فمات بها له 7 حديثا . ( الأعلام 2 / 50 » وتهذيب الكمال 3 / 30 . ( 4 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 6527 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 1 / 304).
( 5 ) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ( 3 ق ه - 68 ه - 619 - 687 م ), أبو العباس ٠ حبر الأمة الصحابي الجليل » ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة » فلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة » وشهد مع عليّ الجمل وصفين » وكف بصره في آخر عمره ؛ فسكن الطائف وتوفي بها . له في الصحيحين وغيرهما ( 1660 ) حديثا . ( الأعلام 4 / 95 ٠» وحلية الأولياء 1 / 314 » وتهذيب الكمال 10 / 250 » ووفيات الأعيان 3 208 209 » 148 « يعافيك . قالت : اصبر . ثم قالت : فإِني أنكشف » فادع الله أن لا أنكشف . فدعا لها » « 1 » إلى غير ذلك مما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مما لا يحصى كثرة . وفيها أيضا يحصل له تحدي التوية واداء الحفورق و التبعات والظاامات وكترة الامتغفار 1 التذكار » وكثرة ذكر الموت ؛ إذ ذاك أبلغ ما يذكر به » فقد قيل : « الحمى بريد الموت » . وقد قيل في قوله تعالى :أولا يَرَوْنَ أَنّْهُمْ يفتَنُونَ فِي كُلَ عام مَرَةٌ أو مرا نه لا ران ولا هُمْ يَدْكّرُونَ[ التوبة : 126 ] أي : يختبرون بها . وفي حديث عائشة « 2 » وأنس رضي الله عنهما « قيل : يا رسول اللّه » هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم ؟ قال : نعم » من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة » وفي لفظ الحديث الآخر : ( من يذكر ذنوبه فتحزنه ) . وقد كان السلف ؛. رضي الله عنهم » يستوحشون « 3 » إذا خرج عنهم عام لم يصابوا فيه بنقص من نفس أو مال . ويقال : « لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يراع [ يرع ] بروعة » أو يصاب بنكبة » » وكانوا يكرهون فقد ذلك في هذا العدد من غير أن يصابوا فيه بشيء . وفيها أيضا يقع له خلف ما يفوته من الطاعات ونوافل العبادات فيكتب له في مرضه مثل ما كان يعمل من ذلك في صحته » وذلك أبلغ له في الوصول إلى غرضه ء لأنه من اختيار الله تعالى له ؛ وهو خير مما اختاره لنفسه » وفي الخبر : يقول الله تعالى لملائكته اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمله في صحته » فإنه في وثاقي » إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه » ودما خيرا من دمه » وإن توفيته توفيته إلى رحمتي » . وفي الحديث الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري « 4 » ٠ رضي الله عنه » قال : (1 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 6 ) » ومسلم ( برَّء 54 ) » وأحمد بن حنبل ( ٠3 211 ) . ( 2 ) عائشة بنت أبي بكر الصديق ( توفيت 58 ه - 678 م ) أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين . كانت زوجة الرسول وأحب نسائه إليه » وأكثرهن رواية للحديث . ( الأعلام 3 / 240 » والرسالة القشيرية ص 128 » وتهذيب الكمال 22 / 3/2 ) . (3 ) استوحش : وجد وحشة . ( 4 ) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب ( 21 ق ه - 44 ه - 602 - 665 م ) أبو موسى من بني الأشعر من قحطان » صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين » وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليّ ومعاوية بعد حرب صفين .
ولد في زبيد باليمن وقدم مكة فأسلم وهاجر إلى أرض الحبشة » ثم استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على زبيد وعدن ٠ وولاه عمر البصرة فافتتح أصبهان والأهواز وولي عليها ثم عزل » فانتقل للكوفة فولي عليها وبعد وفاة عثمان أقره علي لكن عندما أرسل عليّ يدعو أهل الكوفة لينصروه فأمرهم أبو موسى بالقعود فعزله علي ؛ 210 2011 » 149 « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعلم مقيما صحيحا » « 1 » إلى غير ذلك من الألطاف التي لا نعلمها » وإنما ذكرنا هذه المعاني هاهنا ؛ لأنها لائقة بكلام المؤلف » رحمه الله » وكأنها مفسّرة له . وأيضا فإن العبد محتاج إليها غاية الاحتجاج ؛ لأنه في حال نزول البلايا يتسخط » ويجزع » ويضطرب إيمانه » ويتزلزل إيقانه » فيحتاج إلى مذكّر يذكّره بأمثال هذه المعاني » ليحصل له بذلك من الرضا وحسن الظنّ بالله تعالى والمحتّة له ما يرجى له يذلك إن مات من فوره حسين الخائمة وحن لقاء الله تعالى _ و الأعمال بخواتيمها . وهذا الغرض هو الذي أوجب لنا في هذا الفصل الإكثار من الحكايات وإظهار نسبة أكثر الأحاديث فيه الى رواتها الثقات ؛ لتطمئن قلوب أهل البلاء يذلك وتسلك إلى الله واضحلتة كلك المسالك . واللّه وليّ التوفيق . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك ) الطريق إلى الله تعالى واضحة لائحة ؛ لأنّ الحق تعالى هو الذي تولّى ذلك » وبه أنزل الكتب وأرسل الرسل ونصب عليه الأدلّة والبراهين » فلا يخاف على العبد من التباسها عليه » وإنما يخاف من غلبة الهوى عليه حتى يعميه ذلك عن ربّه . قال أحمد بن خضرويه البلخي « 2 » رضي الله عنه : « الطريق واضح » والحقّ لائح » والداعي قد أسمع » فما التحيّر بعد هذا إلا من العمى » . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية ؛ وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ). سرّ الخصوصية » هو : حقيقة المعرفة التي اختصّ بها أهل ولاية الله تعالى بحيث لا يبقى معها وجود لغير ولا كون . : وذلك لما جعله فيهم من التهيؤ والقابلية ؛ فمن لطيف حكمة الله تعالى أن ستر ذلك بما أظهره من البشرية التي من لوازمها وجود الغير والكون . ولولا هذا الستر لكان سر الله مبتذلا غير مضمون كما قال في « لطائف المنن » : « ولا بدّ للشمس من سحاب » وللحسناء من نقاب » « 3 » . ثم إنَ من حقيقة ظهور البشرية الاتصاف بصفة الافتقار (1 ) أخرجه الترمذي ( دعاء » 36 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 203 ) . ( 2 ) هو أبو حامد أحمد بن خضرويه البلخي ( توفي 240 ٠ / 854 م ) من كبار مشايخ خراسان وكان كبيرا في الفتوة » صحب أبا تراب النخشبي » قدم نيسابور وزار أبا حفص » وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي ( الرسالة القشيرية ص 410 ) . 212 213 « 150 » والاحتياج وغير ذلك من أوصاف الحدوث . وذلك هو حقيقة التألّة والتعبّد » فظهر لنا من ذلك لزوم وجود إله معبود . وهذه هي عظمة الربوبية التي ظهرت لنا من وراء حجاب العبودية » واولا ذلك لكان ياطنا لا يظير كما قال سيدي أبو الحسن الشلالي رحبي اله عنه : «ر العيردية جوهرة أظهرتها الربوبية » فسبحان اللطيف الخبير » ومن هو على كل شيء قدير . والتسبيح الذي ذكره المؤلف هاهنا في غاية المناسبة لما ذكره من المعنى .
1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تطالب ربك بتأخر مطلبك . ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك ) . رلك 37 37ج بو السهكب زا تقتين نك اكجكية تحجن 7ه زه انام بالك قرن بدن عا تنا رلا يبال عقا بدح رلك الال لله لكر اريك :فيا 61 للمطالبة . وسوء أدبها من وجوه : عبوديتك » وسيأتي هذا المعنى عند قوله : « لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه » فيقلٌ فهمك عنه ؛ وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياما بأحكام الربوبية » . والثاني : اعتقادك أنه لم يستجب لك ؛ إذ ظهر لك عدم الإجابة منه » وليس من شرط الإجابة أن تظهر لك ؛ بل له أن يخفيها عنك لما في ذلك من المصالح ٠ والإجابة إليه أمرها يجعلها ما شاء مما تعلمه أو تجهله . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( لايكن تأخير أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو ضمن لك الإجابة؛ فيما يختاره لك؛ لا فيما تختاره لنفسك؛ وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الي 1 ْ والثالث : وهو أشدّ : اعتراضك على ربك في حكمه ومطالبتك له إذا تأخرت إجابته عليك . م ذكر المؤلف- رحمه الل تعاني - الحالة إلي يكون عليها العيد قائما بحق الأدب + وواصلة قل غاية الأرب » فقال : 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 00 (متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره فقد أعظم المنة عليك). هذان الأمران اللذان يلزمانك في إقامة العبودية لربك لا غير » فمتى يسّرهما الله تعالى لك وأقامك في مراعاة أحكامهما ووفقك لذلك فقد أعظم المئة عليك » فلماذا تتشوف ؟ ! وما الذي تلتمس بعدهما إن كنت عبدا حقيقيا ؟ ! 214 215 » 151 « فنحن كذلك وإذا بشيخ على باب المغارة يستأذن » فأذنا له » فدخل » فسلم » ووقف » فقلنا له : من أنت ؟ فقال : عبد الملك . فعلمنا منه أنه من أولياء الله » فقلنا له : كيف حالك ؟ فقال : كيف حالك . . . [ كيف حالك . . . ] يردّها كالمنكر علينا . . . ثم قال : كيف حال من يقول لنفسه في هذه الجمعة أكون وليّا . . . في هذا الشهر أكون وليّا . فلا ولاية » ولا فلاح » ولا دنيا » ولا آخرة » يا نفس ألا تعبدين الله تعالى كما أمرك مخلصة لوجهه كما أمرك » قال الله تعالى :وَما خَلَفْتْ الْجِنّ وَالْإنْسَ إِلّا لِيَعبْدُونِ [ الذاريات : 56 ] ثم انصرف عنا فانتبهنا لغلطتنا » وتيقظنا : من أين دخل علينا ؟ وعلمنا أن الله تعالى رحمنا به » فرجعت على نفسي باللوم والتوبيخ » وقلت لها : يا نفس ! من أنت ؟ وما عملك ؟ وما خطرك ؟ أنت لا شيء . وتبنا واستغفرنا الله تعالى . قال : ففتح الله علينا بجوده وفضله . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : [ ليس كل من نبت تخصيصه كمل تخليصه ع( ( لا يستحقر يستحقر الورد إلا جهولء الوارد يوجد في الدار الآخرة,. و الورد ينطوي بانطواء هذه الدارء و أولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده. و الورد هو طالبه منك. و الوارد أنت تطلبه منه» و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ).
التخصيص هاهنا ١ »؛ هو : أن يظهر الحق تعالى على بعض عباده أثرته » وعنايته » وتولية لطفه 7ه “د 5ٍ4ظهض>+آ« + + 93هسه4ه3 ومنهم من يوقفه عن بلوغ ذروة الكمال ويريه في حاله بما يليق به من علوم وأعمال » وهؤلاء عامة المقرّبين وخاصة أصحاب اليمين العبّاد الزهاد » وأهل المجاهدة والأوراد » وهؤلاء وإن شاركوا الأوّلين فيما يتحفهم الحق تعالى من لطائف الكرامات » وفيما يمنحهم إِيِّاه من القيام بوظائف الطاعات والعبادات فلم يتخلصوا من رؤية نفوسهم » ولم ينفكوا عن مراعاة حظوظهم » جاه شمر إلى الماح صر لوجر اسداس اناري ررسسعها الارلان 0 اللبيا: الا لع ا ل والقوة والتمكين » كما قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » . وقد يكون من لا يكاشف بشيء من معاني القدر أفضل مما يكاشف بها إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة » فالقدرة أثر القادر » ومن أهَل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة » ويرى القدرة تتجلى له من سجف « 1 » أجزاء عالم الحكمة . وسئل الشبلي رضي الله عنه » وقيل له : إن أبا تراب ذكر أنه جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاما . فقال : عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال : إني أبيت عند ربّي فيطعمني ويسقيني . 217 » 152 « قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن الكرامات تارة تظهر للولي نفسه » وتارة تظهر منه لغيره » فإن ظهرت للوليّ في نفسه فالمراد تعريفه بقدرة الله » وفرديته » وأحديته » وأن قدرته لا تتوقف على الأسباب » وأن العوائد هو حاكم عليها ليست هي حاكمة عليه » وإنما جعل العوائد والوسائط والأسباب حجب قدرته » وسحب شمس أحديته » فالواقف عندها مخذول » والنافذ منها إليه من هو بالعناية موصول قال : وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : « فائدة الكرامة تعريف اليقين من الله تعالى بالعلم يي ل ل ل ع ا ا ا ار اند بات فى بداراتيم ) رنكدها أهل ا 62 أهل النهايات من الرسوخ في اليقين والقوة والتمكين لا يحتاجون معه إلى مثبت . وهكذا كان السلف رضي الله عنهم لم يحوجهم الحقٌّ سبحانه وتعالى إلى ظهور الكرامات الحسية لما أعطاهم من المعارف الغيبية والعلوم الإشهادية ولا يحتاج الجبل إلى مرساة » فالكرامة رافعة لزلزلة الشك في المنة ومعرّفة بفضل الله تعالى فيمن ظهرت عليه وشاهدة له بالاستقامة مع الله سبحانه . والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام : قوم يجعلونها غاية الأمرء فإن وجدوها عظّموا من ظهرت عليه » وإن فقدوها لم يتوجّهوا بالتعظيم إليه . وقسم قالوا : وما هي الكرامات ؟ إنما هي خدع يخدع بها أهل الإرادة ليقفوا بها على حدودهم حتى لا يلحقوا مقاما ليس هو لهم ء حتى قال أبو تراب النخشبي لأبي العبّاس الرقي : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي تكرّم الله بها على عباده ؟ فقال : ما رأيت أحدا إلا وهو مؤمن بها فقال أبو تراب : من لم يؤمن بها فقد كفر » إنما سألتك من طريق الأحوال . فقال : ما أعرف لهم قولا . فقال أبو تراب : بل قل زعم أصحابك أنها خدع من الحق » وليس الأمر كذلك » إنما الخدع في حال السكون إليها » فأمّا من لم يفرح بها ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين . وكان هذا من أبي تراب رضي الله عنه بعد أن عطش القوم وهم أصحابه » فضرب بيده الأرض فنبع الماء » فقال فتى : إني أريد أن أشربه في قدح » فضرب بيده الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض فشرب وسقانا » قال أبو العباس الرقّي : وما زال القدح معنا إلى مكة .
قال الشيخ أبو الحسن : « والقول الفصل في ذلك : أنه لا ينبغي أن تطلب , أدبا مع الله تعالى ؛ ومن ظهرت عليه عظّم لأنها شاهدة له بالاستقامة مع الله سبحانه وتعالى 6 218 » 153 « قال : « والقسم الثالث : وهو أن تظهر الكرامات في الوليّ لغيره » والمراد بذلك تعريف ذلك العبد الذي شهدها بصحة طريق هذا الولي الذي ظهرت عليه الكرامة إمّا أن يكون جاحدا فيرجع إلى الاعتراف », أو كافرا فيعود إلى الإيمان » أو شاكًا فى خصوصية هذا العبد فأظهرت عليه ليعرّفك اللَّه بما فيه من ودائع الإحسان » انتهى كلامه . . قال أبو النصر السراج « 1 » : « سألت أبا الحسن بن سالم فقلت له ما معنى الكرامات وهم قد أكرموا حتى تركوا الدنيا اختيارا » وكيف أكرموا بأن تجعل لهم الحجارة ذهبا » فما وجه ذلك ؟ فقال : لا يعطيهم ذلك لقذرها » ولكن يغطيهم ذلك حتى يحتجوا بذلك على نفوسهم عند اضطرابها وجزعها من فوت الرزق الذي قسم الله لهم » فيقولون : الذي يقدر على أن يصيّر لك الحجارة ذهبا كما هو ذا تنظرين إليه قادر على أن يسوق إليك رزقك من حيث لا تحتسبين » فيحتجوا بذلك على تصحيح نفوسهم عند فوت الرزق ويقطعوا بذلك حجج نفوسهم » فيكون ذلك سببا لرياضة نفوسهم وتأديبا لها . قال أبو نصر : « وقد حكى لنا ابن سالم في معنى ذلك حكاية عن سهل بن عبد اللّه رضي الله عنه أنه قال : كان رجل بالبصرة يقال له « إسحق بن أحمد » وكان من أبناء الدنيا فخرج من الدنيا » أعني من جميع ماله » وتاب » وصحب سهلا فقال يوما لسهل : يا أبا محمد » إن نفسي هذه ليست اه الطران . لطتان تت انر ري سن ا ين لد صن تريس رتك أن يصيره لف طعاما تأكله »فقال له : ومن مام فى ذلك تحت أقعل © فقال : إمامك إبراهيم عليه السلام حيث قال : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) المعنى في ذلك : أنّ النفس لا تطمئن إلا برؤية العين ؛ لآن من جبلتها الشكَ » فقال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى حتى تطمئن نفسي فإني مؤمن بذلك » والنفس لا تطمئن إلا برؤية العين قال : فكذلك الأولياء يظهر الله لهم الكرامات تأديبا لنفوسهم وتهذيبا لها » وزيادة لهم » انتهى وقال بعض العلماء : ما رأيت هذه الكرامات إِلّا على أيدي البله من الصادقين . وكان رجل يصحب سهل بن عبد الله » رضي الله عنه » فقال له يوما : ربّما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يديّ قضبان ذهب وقضبان فضّة . فقال سهل أما علمت أن (1 ) أبو نصر السراج ( توفي سنة 378 ه - 988 م ) عبد الله بن علي الطوسي » أبو نصر السراج » زاهد » كان شيخ الصوفية » على طريقة السنة . له كتاب « اللمع » في التصوف . ( الأعلام 4 / 104 » وشذرات الذهب 3 / 91 ٠» وكشف الظنون 2 / 1562 ) . 9ًغ20ظ 200 « 154 » الصبيان إذا بكوا أعطوا « خشخاشة » « 1 » ليشتغلوا بها . وحكى جعفر الخالدي « 2 » عن الجنيد » رضي الله تعالى عنه قال : جاءني أبو حفص النيسابوري مرّة ومعه « عبد الله الرباطي » وجماعة » وكان فيهم رجل أصلع قليل الكلام » فقال يوما لأبي حفص : قد كان فيمن مضى لهم الآيات الظاهرة ( يعني بها الكرامات ) وليس لك شيء من ذلك ! !